← Акыда

Акыда · id 11354

كشف ما ألقاه إبليس من البهرج والتلبيس على قلب داود بن جرجيس

عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ

Полный текст (359 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أحدها: أنه قد تبين أن العلة التي نهى النبي ﷺ عن الصلاة عندها إنما هو لئلا تتخذ ذريعة إلى نوع من الشرك، بالعكوف عليها، وتعلق القلوب بها؛ رغبة ورهبة، ومن المعلوم أن المضطر في الدعاء الذي قد نزلت به نازلة فيدعو باستجلاب خير كالاستسقاء، أو لدفع شر كالاستنصار، فحاله بافتتانه بالقبور إذا رجا الإجابة عندها أعظم من حال من يؤدي الفرض عندها في حال العافية، أما الداعون المضطرون ففتنتهم بذلك عظيمة جداً، فإذا كانت المفسدة والفتنة التي لأجلها نهى عن الصلاة عندها متحققة في حال هؤلاء كان نهيهم عن ذلك أوكد وأوكد، وهذا واضح لمن فقه في دين الله، وتبين له ما جاءت به الحنيفية من الدين الخالص لله، وعلم كمال سنة إمام المتقين في تحقيق (١) ، التوحيد ونفي الشرك بكل طريق. الثاني: أن قصد القبور للدعاء عندها ورجاء الإجابة هنالك (٢) أمر لم يشرعه الله ولا رسوله، ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أئمة المسلمين، ولا ذكره أحد من العلماء ولا الصالحين المتقدمين، بل أكثر ما ينقل ذلك عن بعض المتأخرين بعد المائة الثانية، وأصحاب رسول الله ﷺ قد أجدبوا مرات ودهمتهم نوائب غير ذلك؛ فهلا جاءوا فاستسقوا (٣) واستغاثوا (٤) عند قبر النبي ﷺ ؟ بل خرج عمر بالعباس فاستسقى به، ولم يستسق (٥) بقبر (٦)

стр. 107

النبي ﷺ وقد روينا في مغازي محمد بن إسحاق من زيادات يونس بن بكير (١) عن أبي خلدة خالد بن دينار حدثنا/ أبو العالية قال: "لما افتتحنا تستر (٢) وجدنا في بيت مال الهرمزان سريراً عليه رجل ميت، عند رأسه مصحف له، فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر ﵁، فدعا له كعباً فنسخه بالعربية؛ وأنا أول رجل من العرب قرأه مثل ما أقرأ القرآن هذا، فقلت لأبي العالية: ما كان فيه؟ قال: سيرتكم، ولحون كلامكم، وأموركم وما هو كائن بعد، قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا له بالنهار ثلاثة عشر قبراً متفرقة، فلما كان بالليل دفناه، وسوينا القبور كلها؛ لنعميه على الناس لا ينبشونه (٣) ، قلت: فما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم برزوا بسريره فيمطرون، فقلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له دانيال، فقلت: منذ كم وجدتموه مات؟ قال: منذ ثلاثمائة سنة، قلت: ما كان تغير منه شيء؟ قال: لا، إلا شعيرات من قفاه، إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض ولا تأكلها السباع" (٤) . ففي هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار من تعمية قبره لئلا يفتتن به الناس، وهو إنكار منهم لذلك، وقد كان من قبور أصحاب النبي ﷺ [بالأمصار] (٥) عدد كثير، وعندهم التابعون، ومن بعدهم من الأئمة، وما

стр. 108

استغاثوا عند قبر صاحب (١) ولا استسقوا عنده ولا به، لا استنصروا عنده ولا به. ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله، بل على ما هو دونه، ومن تأمل كتب الآثار وعرف حال السلف تيقن قطعاً أن القوم ما كانوا يستغيثون عند القبور، ولا يتحرون الدعاء عندها أصلاً، بل كانوا ينهون عن ذلك من يفعله من جهالهم. وهذا [الدليل] (٢) قد دل عليه كتاب الله في غير موضع كقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّه﴾ (٣) ، فإذا لم يشرع الله سبحانه الدعاء عند المقابر، فمن شرعه فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (٤) وهذه العبادة عند المقابر نوع من الشرك (٥) بالله ما لم (٦) ينزل به سلطاناً؛ لأن الله لم ينزل حجة تتضمن استحباب قصد الدعاء عند القبور، ومن جعل ذلك من دين الله فقد قال على الله ما لا (٧) يعلم، وما أحسن قول الله تعالى: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانا﴾ لئلا يحتج بالمقاييس والحكايات.

стр. 109

فإن قيل: قد نقل عن بعضهم أنه قال: قبر معروف (١) : الترياق المجرب (٢) . وروي عن معروف أنه أوصى ابن أخيه أن يدعو عند قبره، وذكر أبو علي الخرقي في "قصص من هجرة أحمد" ﵁: أن بعض المهجورين كان يجيء إلى قبر ويتوخى الدعاء عنده، ونقل عن جماعات أنهم دعوا عند قبر جماعات من الأنبياء والصالحين من أهل البيت وغيرهم، فاستجيب لهم الدعاء، وعلى هذا عمل كثير من الناس. وقد ذكر المصنفون في مناسك الحج: إذا زار قبر النبي ﷺ فإنه يدعو عنده، وذكر بعضهم أن من صلى عليه سبعين مرة/ عند قبره ودعا استجيب له، وذكر بعض الفقهاء في حجة من يجوّز القراءة على القبر أنها بقعة يجوز السلام والدعاء والذكر عندها، فجازت القراءة كغيرها، وذكر بعضهم منامات في الدعاء عند قبر بعض المشايخ، وجرت قوم (٣) استجابة (٤) الدعاء عند قبور معروفة؛ كقبر الشيخ أبي الفرج الشيرازي والمقدسي وغيره، وقد أدركنا في زماننا وما قاربها من ذوي الفضل علماً وعملاً من كان يتحرى الدعاء عندها؛ والعكوف عليها، وفيهم من كان بارعاً في العلم، وفيهم من كان له كرامات، فكيف يخالف هؤلاء؟ وإنما ذكرت هذا السؤال مع بعده عن طريق العلم والدين لأنه غالباً ما يتمسك به القبوريون (٥)) .

стр. 110

قلت: الله أكبر كيف يؤخذ هذا بدلاً عن نصوص الكتاب والسنة ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (١) وقدأحسن من قال: تخالف الناس فيما قد رأو ورووا ... وكلهم يدعون الفوز بالظفر فخذ بقول يكون النص ينصره ... إما عن الله أو عن سيد البشر ثم قال رحمه الله تعالى: (قلنا الذي ذكرنا لا ينقل في استحبابه فيما علمناه شيء ثابت عن القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي ﷺ حيث قال: "خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم؛ ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (٢) مع شدة المقتضي فيهم لذلك، فلو كان فيه فضيلة، فعدم أمرهم، وفعلهم لذلك مع قوة المقتضي لو (٣) كان فيه فضل يوجب القطع بأنه لا فضل فيه) . إلى أن قال: (وإذا اختلف (٤) المتأخرون فالفاصل بينهم هو الكتاب والسنة، وإجماع المتقدمين نصاً واستنباطاً، فكيف والحمد لله لا ينقل هذا عن إمام معروف ولا عالم متبع، بل المنقول في ذلك إما أن يكون كذباً على صاحبه، مثل ما حكى بعضهم عن الشافعي أنه قال: إذا نزلت بي شدة أجيء فادعو عند قبر أبي

стр. 111

حنيفة فأجاب، أو كلاماً هذا معناه، وهذا كذب معلوم كذبه بالاضطرار عند من له معرفة بالنقل، فإن الشافعي لما قدم بغداد لم يكن ببغداد قبر ينتاب للدعاء عند البتة، بل (١) ولم يكن هذا على عهد الشافعي معروفاً، وقد رأى الشافعي بالحجاز، واليمن، والشام، والعراق، ومصر من قبور الأنبياء والصحابة والتابعين من كان أصحابها عنده وعند المسلمين أفضل من أبي حنيفة وأمثاله من العلماء، فما باله لم يتوخ الدعاء إلا عنده، ثم أصحاب أبي حنيفة الذين أدركوه مثل أبي يوسف، ومحمد، وزفر، والحسن بن زياد، وطبقتهم لم يكونوا يتحرون الدعاء لا عند قبر أبي حنيفة ولا غيره، ثم قد تقدم عن الشافعي ما هو ثابت في كتابه من كراهة تعظيم المخلوقين خشية الفتنة بها، وإنما يضع مثل هذه الحكايات من يقل علمه ودينه. وأما أن يكون المنقول من هذه الحكايات عن مجهول لا يعرف، ونحن لو روى لنا مثل هذه الحكايات المسيبة (٢) أحاديث عمن لا ينطق عن الهوى لما جاز التمسك (٣) بها حتى تثبت، فكيف بالمنقول عن غيره. ومنها ما قد يكون صاحبه قاله أو فعله باجتهاد يخطئ أو يصيب (٤) ، أو قاله بقيود أو شروط كثيرة على وجه (٥) / لا محذور فيه، فحرف النقل عنه، كما أن النبي ﷺ (٦) لما أذن في زيارة القبور بعد النهي فهم المبطلون أن ذلك هو

стр. 112

الزيارة التي يفعلونها، من حجمها للصلاة عندها، والاستغاثة بها. ثم سائر هذه الحجج دائرة بين نقل لا يجوز إثبات الشرع به، أو قياس لا يجوز استحباب العبادات بمثله، مع العلم بأن الرسول لم يشرعها، وتركه مع قيام المقتضى للفعل بمنزلة فعله، وإنما يثبت العبادات بمثل هذه الحكايات والمقاييس من غير نقل عن الأنبياء والنصارى وأمثالهم، وإنما المتبع في إثبات أحكام [الله] (١) : كلام (٢) الله وسنة رسوله ﷺ ، وسبيل السابقين الأولين، لا يجوز إثبات حكم شرعي بدون هذه الأصول الثلاثة نصاً واستنباطاً بحال. والجواب عنها (٣) من وجهين: مجمل، ومفصل. أما المجمل: فالنقض: فإن اليهود والنصارى عندهم من الحكايات والقياسات من هذا النمط كثير، بل المشركون (٤) الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ كانوا يدعون عند أوثانهم فيستجاب لهم أحياناً كما قد يستجاب لهؤلاء أحياناً، وفي وقتنا هذا عند النصارى من هذا طائفة، فإن كان هذا وحده دليلاً على أن الله يرضى ذلك ويحبه، فليطرد الدليل، وذلك كفر متناقض. ثم إنك تجد كثيراً من هؤلاء يستغيثون عند قبر أو غيره، كل منهم قد اتخذ وثناً أحسن به الظن، وأساء الظن بآخر (٥) ، وكل منهم يزعم أن وثنه يستجاب عنده ولا يستجاب عند غيره، فمن المحال إصابتهم جميعاً، وموافقة بعضهم دون بعض تحكم، وترجيح بلا مرجح، والتدين بدينهم جميعاً جمع بين

стр. 113

الأضداد، فإن أكثر هؤلاء إنما يكون تأثيرهم فيما يزعمون بقدر إقبالهم على وثنهم وانصرافهم عن غيره، وموافقتهم جميعاً فيما يثبتونه دون ما ينفونه يضعف التأثير على زعمهم، فإن الواحد إذا أحسن الظن بالإجابة عند هذا وهذا وهذا لم يكن تأثير الحسن الظن بواحد دون واحد آخر، وهذه كلها من خصائص الأوثان. ثم قد استجيب لبلعم بن باعوراء (١) في قوم موسى وسلبه الله الإيمان، والمشركون قد يستسقون فيسقون ويستنصرون فينصرون) . قلت: وهذا الذي ذكره شيخ الإسلام –رحمه الله تعالى- (٢) إنما (٣) يقع لهم استدراجاً، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (٤) ، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُون﴾ (٥) .

стр. 114

ثم قال –رحمه الله تعالى-: (وأما الجواب المفصل فنقول: مدار هذه الشبه على أصلين: منقول، وهو ما يحكى من فعل هذا الدعاء عند (١) بعض الأعيان، ومعقول، وهو ما يعتقد من منفعته بالتجارب والأقيسة (٢) . فأما النقل في ذلك فإما كذب أو غلط، أو ليس بحجة، بل قد ذكرنا النقل عمن يقتدى به بخلاف ذلك. وأما المعقول فنقول: عامة المذكور من المنافع كذب، فإن هؤلاء الذين يتحرون الدعاء عند القبور وأمثالهم إنما يستجاب لهم في النادر؛ بل يدعو الرجل منهم ما شاء الله من دعوات (٣) فيستجاب له في واحدة، ويدعو خلق كثير منهم فيستجاب للواحد بعد الواحد، وأين هذا من الذين يتحرون الدعاء في أوقات الأسحار، ويدعون الله في سجودهم وأدبار صلواتهم، وفي بيوت الله؟ / فإن هؤلاء إذا ابتهلوا من جنس ابتهال المقابرين لم تكد لهم دعوة إلا لمانع. بل الواقع أن الابتهال الذي يفعله المقابريون (٤) إذا فعله المخلصون، لم يرد المخلصون إلا نادراً، ولم يستجب للمقابريين إلا نادراً، والمخلصون كما قال النبي ﷺ " ما من عبد يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله فيها إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجل الله له دعوته، أو يؤخر له من

стр. 115

الخير مثلها، أو يصرف عنه من السوء مثلها" قالوا يا رسول الله: إذن نكثر قال: "الله أكبر" (١) . فهم في دعائهم لا يزالون بخير، وجميع الأمور التي تظن أن لها تأثيراً في العالم، وهي محرمة في الشرع، كالتمريجات (٢) الفلكية؛ والتوجيهات (٣) النفسانية، كالعين والدعاء المحرم؛ والرقى المحرمة والتمريجاب (٤) الطبيعية

стр. 116

ونحو ذلك، فإن مضرتها أكثر من منفعتها، حتى في نفس ذلك المطلوب، فإن هذه الأمور لا يطلب بها غالبً إلا أموراً دنيوية فقلَّ أن حصل لأحد بسببها أمر دنيوي إلا كانت عاقبته فيه في الدنيا عاقبة خبيثة، دع الآخرة، ثم إن فيها من النكد والضرر ما الله به عليم فهي نفسها مضرة؛ ولا يكاد يحصل الغرض بها إلا نادراً، وإذا حصل فضرره أكثر من منفعته. والأسباب المشروعة في حصول هذه المطالب المباحة [أو] (١) المستحبة (٢) ، سواء كانت طبيعية كالتجارة والحراثة، أو كانت دينية كالتوكل على الله والثقة به، وكدعاء الله سبحانه على الوجه المشروع في الأمكنة والأزمنة التي فضلها الله ورسوله بالكلمات المأثورة عن إمام المتقين ﷺ ، والصدقة وفعل المعروف –يحصل بها (٣) الخير أو الغائب، وهذا الأمر كما أنه قد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، فهو أيضاً معقول بالتجارب المشهورة والأقيسة الصحيحة. فإن الصلاة والزكاة يحصل بهما خير الدنيا والآخرة، ويجلبان كل خير ويدفعان كل شر إذا ثبت ذلك: فليس علينا من سبب التأثير (٤) أحياناً فإن الأسباب التي يخلق الله بها الحوادث في الأرض والسماء، لا يحصيها على الحقيقة إلا هو، أما أعيانها فبلا ريب، وكذلك أنواعها أيضاً لا يضبطها المخلوق؛ لسعة ملكوت الله ؛ ولهذا كانت طريقة الأنبياء ﵈ أنهم يأمرون الخلق بما فيه صلاحهم، وينهونهم عما فيه

стр. 117

فسادهم، ولا يشغلونهم بأسباب الكائنات كما تفعل الفلاسفة، فإن ذلك كثير التعب قليل الفائدة أو موجب للضرر. والكلام (١) في بيان تأثير بعض هذه الأسباب قد يكون فيه فتنة لمن ضعف عقله ودينه، بحيث (٢) يختطف عقله فيتألهه (٣) إذا لم يرزق من العلم والإيمان ما يوجب له الهدى واليقين، ويكفي العاقل أن يعلم أن ما سوى المشروع لا يؤثر بحال، فلا منفعة فيه أو إنه إن أثر فضرره أكثر من نفعه، كما أن ثعلبة لما سأل النبي ﷺ أن يدعو له بكثرة المال ونهاه ﷺ عن ذلك مرة بعد مرة، فلم ينته حتى دعا له، فكان ذلك سبب شقائه في الدنيا والآخرة (٤) ، وكم من عبد دعا

стр. 118

دعاء غير مباح حاجته في ذلك الدعاء، فكان سبب هلاكه في الدنيا والآخرة، كأقوام ناجوا الله في دعواتهم بمناجاة فيه جرأة على الله واعتداء لحدوده، وأعطوا طلبتهم فتنة؛ ولم يشاء الله/ سبحانه، بل أشد من ذلك، ألست ترى السحر، والطلسمات (١) والعين، وغير ذلك من المؤثرات في العالم بإذن الله؟ قد يقضي بها كثير من أغراض النفوس ومع هذا فقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون﴾ (٢) . ومن هنا يغلط (٣) كثير من الناس: يبلغهم أن بعض الأعيان (٤) عبدوا عبادة أو دعوا دعاء وجدوا أثر تلك العبادة [وذلك] (٥) الدعاء، فيجعلون ذلك دليلاً على استحباب (٦) ذلك، فيجعلونه سنة كأنه قد فعله نبي، وهذا غلط، وقد علمت جماعة ممن سأل حاجته من بعض المقبورين من الأنبياء والصالحين. وليس ذلك بشرع يتبع ولا سنة، وإنما يثبت استحباب الأفعال (٧) واتخاذها

стр. 119

ديناً بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما كان عليه السابقون الأولون، وما سوى ذلك (١) من الأمور المحدثة فلا يستحب، وإن اشتملت أحياناً على فوائد، لأنا نعلم أن مفاسدها راجحة على فوائدها. ثم من غرور هؤلاء وأشباههم: [اعتقادهم] (٢) أنَّ استجابة مثل هذا الدعاء كرامة من الله تعالى، وليس في الحقيقة كرامة، وإنما الكرامة في الحقيقة: ما نفعت في الآخرة، أو نفعت في الدنيا ولم تضر في الآخرة، وإنما هي بمنزلة ما ينعم به الكفار والفساق من الرياسات والأموال [في الدنيا] (٣) ، ولهذا اختلف أصحابنا وغيرهم من العلماء: هل ما ينعم به الكافر نعمة، أو ليس (٤) بنعمة؟ وإن كان الخلاف لفظياً. قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ، نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٥) ، وقال تعالى: (٦) ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ [حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ] (٧) مُبْلِسُونَ﴾ (٨) .

стр. 120

ومن رحمة الله تعالى أن الدعاء المتضمن شركاً، كدعاء غيره أن يفعل، أو دعائه أن يدعو، ونحو ذلك لا يحصّل غرض صاحبه، ولا يورث حصول الغرض، إلا في الأمور الحقيرة، فأما الأمور العظيمة، كإنزال الغيث عند القحوط، أو كشف العذاب النازل، فلا ينفع فيه هذا الشرك، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُون﴾ (١) . وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُورا﴾ (٢) . وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْض﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلا﴾ إلى قوله: ﴿مَحْذُوراً﴾ (٤) . وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ، قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعا﴾ (٥) .

стр. 121

فكون هذه المطالب العظيمة لا يستجيب فيها إلا هو سبحانه دل على توحيده، وقطع شبهة من أشرك به، وعُلم بذلك [أن] (١) ما دون هذا أيضاً من الإجابات إنما فعله هو وحده لا شريك له، وإن كانت تجري بأسباب محرمة أو مباحة، كما أن خلقه السموات، والأرض، والرياح، والسحاب، وغير ذلك من الأجسام العظيمة، دال على وحدانيته سبحانه، وأنه خالق كل شيء، وأن ما دون هذا بأن يكون خلقاً له أولى، إذ هو منفعل عن مخلوقاته/ العظيمة (٢) ، فخالق السبب التام خالق للمسبب لا محالة. جماع الأمر: أن الشرك نوعان: شرك في ربوبيته: بأن يجعل لغيره معه تدبيراً ما (٣) ، كما قال سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِير﴾ (٤) ؛ فبين أنهم لا يملكون مثقال ذرة استقلالاً، ولا يشركونه في شيء من ذلك، ولا يعينونه على ملكه، ومن لم يكن مالكاً ولا شريكاً ولا عوناً (٥) فقد انقطعت علاقته. وشرك (٦) في الألهية: بأن يدعي (٧) غيره دعاء عبادة، أو دعاء مسألة؛ كما

стр. 122

قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ (١) ، فكما أن إثبات المخلوقات أسباباً لا يقدح في توحيد الربوبية ولا يمنع أن يكون الله خالق كل شيء، ولا يوجب أن يدعي المخلوق دعاء عبادة أو دعاء استغاثة (٢) ، كذلك إثبات بعض الأفعال المحرمة من شرك أو غيره، أسباباً لا تقدح في توحيد الإلهية، ولا يمنع أن يكون الله هو الذي يستحق الدين الخالص، ولا يوجب أن يستعمل الكلمات والأفعال التي فيها شرك، إذا كان الله يسخط ذلك، ويعاقب العبد عليه، ويكون مضرة ذلك على العبد أكثر من منفعته، إذ قد جعل الخير كله في أن لا نعبد إلا إياه، ولا نستعين إلا إياه، وعامة آيات القرآن تثبت هذا الأصل، حتى إنه سبحانه قطع أثر الشفاعة بدون إذنه. كقوله سبحانه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِه﴾ (٣) . وكقوله سبحانه: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ (٤) . وقوله تعالى (٥) : ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيع﴾ (٦) . وقول (٧) ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا..﴾ الآية (٨) ،

стр. 123

وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ (١) وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء﴾ الآية. وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيع﴾ (٢) . وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٣) . وقوله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ، قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ (٤) . وسورة الزمر أصل عظيم في هذا (٥) ، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْف﴾ إلى قوله: ﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِير﴾ (٦) . وكذلك قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون﴾ (٧) والقرآن عامته إنما هو في تقرير هذا الأصل العظيم، الذي هو أصل الأصول. وهذا الذي ذكرناه كله في تحريم هذا الدعاء، ولا (٨) تغتر بكثرة العادات

стр. 124

الفاسدة، فإن هذا من التشبه بأهل الكتاب الذي أخبرنا النبي ﷺ أنه كائن في هذه الأمة. وأصل ذلك: إنما هو اعتقاد فضل الدعاء عندها، وإلا فلو لم يقم هذا الاعتقاد بالقلوب انمحى ذلك كله، فإذا كان قصدها للدعاء يجر هذه المفاسد (١ كان حراماً، كالصلاة عندها وأولى، وكان ذلك فتنة للخلق، وفتحاً/ لباب الشرك وإغلاقاً لباب الإيمان١) (١) .

стр. 125

فصل (١) وقال شيخ الإسلام أيضاً: (ومن المحرمات العكوف عند قبر، والمجاورة عنده، وسدانته، وتعليق الستور عليه، كأنه بيت الله الكعبة، وقد بيّنا أن نفس بناء المسجد عليه منهي عنه باتفاق الأمة، محرم بدلالة السنة، فكيف إذا ضم إلى ذلك المجاورة في ذلك المسجد، والعكوف فيه، كأنه المسجد الحرام؟ بل عند بعضهم العكوف فيه أحب من العكوف في المسجد الحرام، إذ من الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله، والذين آمنوا أشد حباً لله، بل حرمة ذلك المسجد المبني على القبر الذي حرمه الله ورسوله، أعظم عند المقابريين من بيوت الله التي (٢) أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وقد أسست على تقوى من الله ورضوان. وقد بلغ الشيطان بهذه البدع إلى الشرك العظيم من كثير من الناس، حتى إن منهم من يعتقد أن زيارة المشاهد التي على القبور، إما لنبي، أو شيخ، أو بعض أهل البيت: أفضل من حج البيت الحرام، ويسمى زيارتها الحج الأكبر، ومنهم من يرى أن السفر لزيارة قبر النبي ﷺ أفضل من حج البيت؛ وبعضهم إذا وصل إلى المدينة رجع، وظن أنه حصل [له] (٣) المقصود، وهذا لأنهم ظنوا أن زيارة القبور لأجل الدعاء عندها والتوسل بها، وسؤال الميت ودعائه، ولهذا كثير من هؤلاء يسأل الميت والغائب كما يسأل ربه، وكثير من

стр. 126

الناس تمثل له صورة الشيخ المستغاث به، ويكون ذلك شيطاناً قد خاطبه، كما تفعل الشياطين بعبدة الأصنام. وأعظم من قصد الصلاة عنده، النذر (١) له، أو للسدنة، أو المجاورين (٢) عنده من أقاربه، أو غيرهم، واعتقاد أنه بالنذر له قضيت الحاجة، وكشف البلاء. واعلم أن أهل القبور المدفونين من الأنبياء والصالحين يكرهون ما يفعل عندهم كل الكراهة، كما أن المسيح ﵇ يكره ما يفعل النصارى به، وكما كان أنبياء بني إسرائيل يكرهون ما يفعله (٣) الأتباع) . (١١ قلت: (فمن ظن أن رسول الله ﷺ لم يكره ما كرهه (٤) المسيح- ﵇ (٥) -وتبرأ منه فقد سبَّ رسول الله ﷺ أعظم السبِّ، وصار بهذا كافراً؛ لكونه نسب الرسول ﷺ إلى الرضاء بما نهاه الله تعالى (٦) عنه في مواضع (٧) من كتابه، والنبي (٨) ﷺ بلَّغ عن الله وحيه، واشتدت عداوته لمن ارتكب ما نهى الله عنه من هذا (٩) الشرك العظيم، وقاتل من لم يتب منه، واستحل دمائهم، وأموالهم، ثم قال الشيخ رحمه الله تعالى (١٠)) ١١) :

стр. 127

(فلا يحسب المرء المسلم أن النهي عن اتخاذ القبور أعياداً وأوثاناً غض من أصحابها، بل هو من باب إكرامهم، وذلك أن القلوب إذا اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن (١) فتجد أكثر هؤلاء العاكفين على القبور معرضين عن سنة ذلك المقبور وطريقته، مشتغلين بقبره عما أمر به ودعا إليه، ومن كرامة الأنبياء والصالحين أن يتبع ما ادعوا إليه من العمل الصالح؛ ليكثر أجرهم بكثرة أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء" (٢) . وإنما اشتغلت طوائف من الناس بنوع من العبادات المبتدعة، لإعراضهم عن المشروع أو بعضه، وإلا فمن أقبل على الصلوات الخمس بوجهه وقلبه؛ عاقلاً لما اشتملت عليه من الكلم الطيب والعمل الصالح؛ فاهتم بها كل الاهتمام، أغنته عن كل ما يتوهم فيه خير من جنسها، ومن/أصغى إلى كلام الله ورسوله بعقله وتدبره بقلبه، وجد فيه من الفهم والحلاوة والبركة والمنفعة ما لا يجده في شيء من الكلام، ومن اعتاد الدعاء المشروع في أوقاته (٣) ، كالأسحار وإدبار الصلوات والسجود أغناه عن كل دعاء مبتدع، فعلى العاقل أن يجتهد في اتباع السنة في كل شيء، فإنه من يتحر الخير يعطه ومن يتق (٤) الشر يوقه) .

стр. 128

فصل (١) ثم ذكر –﵀ – (٢) تتبع آثار الأنبياء، وما ذهب إليه أمير المؤمنين عمر ﵁ من النهي عن ذلك، وذكر أنه قطع الشجرة التي بويع تحتها النبي ﷺ . وذكر عن محمد بن وضاح قال: كان مالك وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد، وتلك الآثار التي بالمدنية، ما عدا قباء وأحداً، ولأن ذلك يشبه الصلاة عند المقابر، إذ هو ذريعة إلى اتخاذها أعياداً، وإلى التشبه بأهل الكتاب. وما فعله ابن عمر لم يوافقه عليه أحد من الصحابة، فلم ينقل عن الخلفاء الراشدين، ولا غيرهم من المهاجرين والأنصار، أنه كان يتحرى قصد الأمكنة التي نزلها النبي ﷺ . والصواب مع جمهور الصحابة؛ لأن متابعة النبي ﷺ تكون بطاعة أمره، وتكون في فعله بأن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعله، فإذا قصد العبادة في مكان كان قصد العبادة فيه متابعة له، كقصد المشاعر والمساجد، وأما إذا نزل في مكان (٣) بحكم الاتفاق، لكونه صادف وقت النزول أو غير ذلك فهذا لم ينقل عن غير ابن عمر من الصحابة، بل كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار يذهبون من المدينة إلى مكة

стр. 129

حجاجاً وعماراً أو مسافرين، ولم ينقل عن أحد منهم أنه تحرى الصلاة في مصليات النبي ﷺ . ومعلوم أن هذا لو كان عندهم مستحباً لكانوا إليه أسبق، فإنهم أعلم الناس بسنته، واتبع لها من غيرهم، وقد قال النبي ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" (١) ، وتحري هذا ليس من سنة الخلفاء الراشدين، بل هو مما (٢) ابتدع، وقول الصحابي إذا خالفه نظيره ليس بحجة. فكيف إذا انفرد (٣) به عن جماهير الصحابة؟

стр. 130

وأيضاً فإن تحري الصلاة فيها ذريعة إلى اتخاذها مساجد، والتشبه بأهل الكتاب مما نهينا عن التشبه بهم فيه، وذلك ذريعة إلى الشرك بالله، والشارع قد حسم هذه المادة بالنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وبالنهي عن اتخاذ القبور مساجد. ثم ذلك يفضي إلى ما أفضت إليه مفاسد القبور، فإنه يقال: إن هذا مقام نبي، أو قبر نبي (١) أو ولي، بخبر لا يعرف قائله، أو بمنام لا تعرف حقيقته (٢) ، ثم يترتب على ذلك اتخاذه مسجداً (٣) ، فيصير وثناً يعبد من دون الله تعالى. شرك مبني على إفك" انتهى ما نقلته عن اقتضاء الصراط المستقيم (٤) . وفي هذا القدر المنقول عن شيخ الإسلام كفاية، لأنه واف في (٥) المقصود، ويكشف ما يلبس به كل مصدود، ولا يرده إلا من استحوذ عليه الشيطان، وأنساه ذكر الرحمن، وصد عن معرفة/ الإسلام والإيمان، كما قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ

стр. 131

الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ (١) . فلله الحمد على بيان الحق، وإزاحة الكذب عن الصدق، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، غير مكفي ولا مودع ولا مستغني عنه ربنا (٢) . وأما العلامة ابن القيم – ﵀ – (٣) فله في بيان التوحيد وتحقيقه، وكشف ما ينافيه أو يضعفه فصول كثيرة في مصنفاته، فتذكر من كلامه البعض على نحو ما ذكرنا من كلام شيخه. قال –رحمه الله تعالى- في كتابه"الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة" (٤) : (فصل (٥) عظيم النفع جليل القدر، ينتفع به من عرف نوعي: التوحيد القولي العلمي، الخبري، والتوحيد القصدي، الإرادي، العملي، كما دل على الأول سورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ (٦) ، وعلى الثاني سورة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون﴾ (٧) ، وكذلك دل على الأول قوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ (٨) الآية، وعلى الثاني: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُم﴾ (٩) الآية، ولهذا كان النبي ﷺ يقرأ بهاتين السورتين في سنة

стр. 132

الفجر (١) ، وسنة المغرب (٢) ، ويقرأ بهما في ركعتي الطواف (٣) ، ويقرأ بالآيتين في سنة الفجر (٤) ؛ لتضمنهما التوحيد العلمي والعملي. والتوحيد العلمي أساسه: إثبات الكمال للرب تعالى؛ ومباينته لخلقه، وتنزيهه عن العيوب والنقائص والتمثيل. والتوحيد العملي أساسه: تجريد القصد بالحب، والخوف، والرجاء، والتوكل، والإنابة، والاستعانة، والاستغاثة، والعبودية بالقلب، واللسان، والجوارح لله وحده. فمدار ما بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه على هذين التوحيدين، وأقرب الخلق إلى الله أقومهم بهما علماً وعملاً؛ ولهذا كانت الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أقرب الخلق إلى الله، وأقربهم إليه وسيلة أولو العزم، وأقربهم الخليلان، وخاتمهم سيد ولد آدم وأكرمهم على الله؛ لكمال عبوديته وتوحيده لله (٥) .

стр. 133

فهذا الأصلان هما قطب رحى القرآن، وعليهما مداره، وبيانهما من أهم الأمور، والله سبحانه بينهما غاية البيان بالطرق العقلية والنقلية (١) ، والفطرية والنظرية، والأمثال المضروبة، ونوّع سبحانه الطرق بإثباتهما أكمل التنويع، بحيث صارت معرفة القلوب الصحيحة، الفطر السليمة لهما بمنزلة رؤية الأعين المبصرة التي لا آفة بها (٢) للشمس، والقمر، والنجوم، والأرض، والسماء، فذلك للبصيرة بمنزلة هذه (٣) للبصر، فإن سُلِّط (٤) التأويل على التوحيد الخيري العلمي كان تسليطه على التوحيد العملي القصدي (٥) أسهل، وانمحت رسوم التوحيد، وقامت معالم التعطيل والشرك. ولهذا كان الشرك والتعطيل متلازمين لا ينفك أحدهما عن صاحبه، وإمام المعطلين المشركين فرعون، فهو إمام كل معطل ومشرك إلى (٦) يوم القيامة، كما أن إمام الموحدين إبراهيم ومحمد ﵉ (٧) إلى يوم القيامة"انتهى. فأعجب لهذين الإمامين رحمهما الله تعالى (٨) : تشابهت قلوبهما في العلم والإيمان، وألسنتهما في بيان الحق وإيضاحه، وكشف ما لبس به الملبسون، واعتمده المشركون، من المنامات والحكايات، التي اغتر بها

стр. 134

الجاهلون، وضل بها الأكثرون./ وبما بينَّاه –رحمهما الله-وأوضحاه يتبين به (١) الفرقان (٢) بين أهل الشرك وأهل الإيمان، وبه يبطل كل ما زعمه هذا المماحل الفتان من أكاذيبه التي صادم بها الإيمان والقرآن، وجحود (٣) ما بعث الله به المرسلين من توحيد رب العالمين، وما أنزله في كتابه المبين من قواطع الحجج والبراهين، التي دحضت حجج المشركين والمبطلين كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرا﴾ (٤) . فلقد ترامى بهذا العراقي (٥) ما خامره من داء الشرك العضال، حتى هام في كل واد من البهرج والمحال، وأطنب في المماحلة وسيء المقال، حتى زعم أن عنده كثير من الأدلة على جواز أنواع الشرك والضلال، وهيهات هيهات. إذ لا صواب ولا هدى إلا فيما نطقت به السنة والكتاب، الذي أنزله الله هدى لأولي الأبصار والألباب؛ تنزيل من حكيم حميد. فالدعاء الذي ينازع (٦) فيه المبطلون وفيه يلحدون؛ وبه يشركون: هو من أشرف أنواع العبادة إذا قصر على الله الذي لا يستحقه أحد سواه، وقد قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَق﴾ (٧) ، فهي له وحده ليس لغيره منها ولا مثقال ذرة،

стр. 135

ومدلولها الطلب والسؤال، كما دل عليه قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ (١) . فأنكر تعالى (٢) على من صرف شيئاً من الدعوة (٣) لغيره، وأنه يكون بذلك كافراً، وهو نص في دعاء المسألة بدليل قوله: ﴿لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ (٤) ، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِين﴾ (٥) ، تبين بهذه الآية ونظائرها أن كل مدعو من دون الله لا ينفع داعيه ولا يضره، وأن دعوة من يدعي من دونه تنافي الإسلام، لأن أساسه التوحيد والإخلاص، وهذا الشرك ينافيه. وقد وقع في هذه الأمة من هذا الشرك الذي بيّنه الله تعالى، وبيّن ضلال من فعله ما لا يخفى على من له أدنى بصيرة، ومعرفة بالإسلام والإيمان، والناصح لنفسه لا يغتر بما زخرفه المشركون، ولبِّس به الملحدون. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّه﴾ الآية (٦) ،

стр. 136

فما أوضحها من آية في بيان أن جل شرك (١) المشركين إنما هو بدعاء من أشركوا مع الله في العبادة. قال (٢) العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى (٣) : "فالخطاب من الله تعالى في كتابه هو حجة على أجل (٤) وجوه الحجاج (٥) ، وأسبقها إلى القلوب، وأعظمها ملاءمة للعقول، وأبعدها عن (٦) الشكوك والشبه، في أوجز لفظ، وأبينه، وأعذبه، وأحسنه، وأشرفه، وأدله على المراد؛ كقوله تعالى فيما حاج به عباده من إقامة التوحيد وبطلان الشرك، وقطع أسبابه، وحسم مواده كلها: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ، وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَه﴾ (٧) . فتأمل كيف أخذت هذه الآية (٨) إلى المشركين مجامع الطرق التي دخلوا منها إلى الشرك، وسد بها عليهم أحكم سد وأبلغه، فإن العابد إنما يتعلق بالمعبود لما يرجوا من نفعه، وإلا فلو لم يرج منه منفعة لم يتعلق به قلبه (٩) ،

стр. 137

وحينئذ (١) فلابد/ أن يكون المعبود مالكاً للأسباب التي يقع بها عبَّاده (٢) ، أو شريكاً لمالكها، أو ظهيراً أو وزيراً معاوناً (٣) ، أو وجيهاً ذا حرمة وقدر يشفع (٤) عنده، فإذا انتفت هذه الأمور الأربعة من كل وجه، وبطلت (٥) ، انتفت أسباب الشرك، وانقطعت مواده. فنفى سبحانه عن آلهتهم ملك مثقال ذرة في السموات والأرض، وقد يقول المشرك: هي شريكة المالك الحق فنفى شركتها (٦) له، فيقول المشرك: قد يكون ظهيراً، ووزيراً ومعاوناً، فقال: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ (٧) فلم يبق إلا الشفاعة، فنفاها عن آلهتهم وأخبر أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، وهو الذي يأذن للشافع، وإن لم يأذن له لم يتقدم بالشفاعة بين يديه، (٨ كما يكون لأحد المخلوقين ٨) (٨) فإن المشفوع عنده (٩) يحتاج إلى الشافع، ومعونته له، فيقبل شفاعته وإن لم يأذن له فيها، وأما من كل ما سواه فقير إليه بذاته، وهو الغني بذاته عن كل ما سواه، فإن الآلهة التي كانوا يثبتونها معه سبحانه كانوا يعترفون أنها عبيده ومماليكه ومحتاجة إليه، فلو كانوا آلهة كما يقولون [لعبدوه و] (١٠)

стр. 138

تقربوا إليه وحده دون غيره، فكيف يعبدونهم [من] (١) دونه؟ وقد أفصح سبحانه بهذا بعينه بقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَه﴾ (٢) ، أي: هؤلاء الذين تعبدونهم من دوني هم عبيدي، كما أنتم عبيدي يرجون رحمتي كما أنتم ترجون رحمتي، ويخافون عذابي كما تخافون أنتم عذابي فلماذا تعبدونهم من دوني؟ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِه﴾ (٣) فلله (٤) ما أحلى هذا الكلام، وأوجزه وأدله على بطلان الشرك، فإنهم إن زعموا أن آلهتهم خلقت شيئاً مع الله طولبوا بأن يروه إياه؛ وإن اعترفوا بأنها أعجز وأضعف وأقل من ذلك كانت إلهيتها باطلاً ومحالاً. وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّا﴾ (٥) الآية. فاحتج على تفرده بالإلهية بتفرده بالخلق، وعلى بطلان إلهية ما سواه بعجزهم عن الخلق، وعلى أنه واحد بأنه (٦) قهار والقهر التام يستلزم الوحدة، فإن الشركة تنافي تمام القهر. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَه﴾ إلى قوله: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ

стр. 139

إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز﴾ (١) .فتأمل هذا المثل الذي أمر الناس كلهم باستماعه، فمن لم يسمعه فقد عصى أمره، كيف تضمن إبطال الشرك وأسبابه بأصح برهان، في أوجز عبارة وأحسنها وأجلاها، وأسجل (٢) على جميع آلهة المشركين أنهم لو اجتمعوا كلهم في صعيد واحد، وساعد بعضهم بعضاً وعاونه بأبلغ المعاونة لعجزوا عن خلق ذباب واحد، ثم بيَّن ضعفهم وعجزهم (٣) عن استنقاذ ما يسلبهم (٤) الذباب إياه (٥) ، فأي إله أضعف من هذا الإله المطلوب ومن عابده الطالب نفعه (٦) ، فهل قدر القوي العزيز حق قدره من أشرك معه آلهة هذا شأنها؟ فأقام سبحانه/ حجة التوحيد؛ وبيّن إفك أهل الشرك والإلحاد بأعذب الألفاظ وأحسنها، لم يستكرهها غموض، ولم يشنها (٧) تطويل، ولم يعيبها تعقيد، ولم تزر بها (٨) زيادة ولا تنقيص، بل بلغت في الحسن والفصاحة والإيجاز ما لا يتوهم متوهم ولا يظن ظان أن يكون أبلغ في معناها منها، وتحتها من المعنى الجليل القدر، العظيم الشرف (٩) ، البالغ في النفع ما هو أجل من الألفاظ) انتهى من "الصواعق المرسلة".

стр. 140

وقال (١) –رحمه الله تعالى-: (والشرك تشبيه للمخلوق بالخالق (٢) تعالى (٣) وتقدس في خصائص الإلهية، من ملك الضر والنفع والعطاء والمنع، الذي يوجب تعلق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل وأنواع العبادة كلها بالله تعالى وحده، فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق، وجعل من لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً (٤) ولا حياة ولا نشوراً شبيهاً بمن له الخلق كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، فأزمّة الأمور كلها بيده سبحانه، ومرجعها إليه، فما شاء كان؛ وما لم يشأ لم يكن، ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، الذي إذا فتح للناس رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم، فأقبح التشبيه تشبيه العاجز الفقير بالذات، بالقادر الغني بالذات. ومن خصائص الإلهية الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه (٥) ، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده، والتعظيم، والإجلال، والخشية، والدعاء، والرجاء، والإنابة، والتوكل، والتوبة، والاستغفار، وغاية الحب مع غاية الذل كل ذلك يجب عقلاً وشرعاً وفطرة أن تكون لله وحده، ويمتنع عقلاً وشرعاً وفطرة أن يكون لغيره، فمن فعل ذلك بغيره فقد شبه ذلك (٦) الغير بمن لا شبيه له، ولا مثل له ولاند له، وذلك

стр. 141

أقبح التشبيه وأبطله، فلهذه الأمور وغيرها أخبر سبحانه أنه لا يغفره، مع أنه كتب على نفسه الرحمة) . هذا معنى كلام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى. وأما ما يزعمه هذا العراقي من أن طلب الشفاعة من النبي ﷺ بعد وفاته مجمع عليه. فالجواب (١) أن نقول (٢) : الله أكبر!، ما أعظمها من فرية على الله، وعلى كتابه، وعلى رسوله ﷺ ، وعلى السلف، وأئمة الدين، فانظر إلى هذه الجرأة العظيمة جعل ما أجمع عليه الرسل، والكتب، والسلف، والمسلمون من تحريم دعوة غير الله والنهي عنها، واتخاذ الشفعاء جعل ذلك المحرم الذي هو دين أهل الجاهلية مجمعاً عليه، ووضع الشرك موضع التوحيد، والباطل موضع الحق، نعوذ بالله من زيغ القلوب، ومسخ العقول، فإن هذا لا يقوله إلا من زاغ قلبه، ومسخ عقله. كيف ينسب الأمة إلى الإجماع على ما نفاه الكتاب والسنة، من الشرك الذي هو دين المشركين؟ وقد أخبر الله عنهم بأنهم اتخذوا الشفعاء في مواضع من كتابه، وأنكر ذلك عليهم غاية الإنكار، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ [وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ] ﴾ (٣) الآية، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٤) الآية.

стр. 142

وقد حذر الله الأمة عن هذا الشرك، وبلغهم نبيهم ما أنزل عليه في ذلك الشرك، وحذرهم منه غاية التحذير في حق كل أحد كائناً من كان، وهو يناقض الدين الذي اختاره (١) لنفسه، وهو إخلاص العبادة بجميع أنواعها لله تعالى (٢) ، وبعث به رسوله ﷺ ، وأنزله في كتابه، ودعى رسول الله ﷺ الأمة إليه، وأخبرهم أنه هو دينه، وجاهدهم عليه، وأجمع عليه سلف الأمة، وأئمتها، ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة، فإنهم أجمعوا على ما أنزله (٣) الله تعالى في كتابه، واختاره لنفسه، وبعث به نبيه، قال الله (٤) تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِص﴾ (٥) ، وقال (٦) تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ [مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين] ﴾ (٧) الآية، وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾ (٨) ، ونهى فيما أنزل في كتابه عن اتخاذ الشفعاء، والنبي ﷺ هو المبلغ عن الله وحيه [وقد نهاه عن دعوة غيره في مواضع كثيرة من القرآن] (٩) ، ونهى (١٠) عما نهى الله عنه، فهو يدعو الأمة إلى تركه، ويدعو إلى ما شرعه الله لأنبيائه (١١) ورسله من الإخلاص، وأخبر أنه لا ينتفع إلا من تخلى عن الشفعاء رأساً.

стр. 143

فالإجماع إنما هو على ما يحبه الله ورسوله، ويأمر به من دينه، والنهي عما نهى عنه من دين المشركين من أهل الجاهلية، ومن قبلهم من مشركي العرب، كما (١) ورد عن مشركي قوم نوح أنهم قالوا: ما عظم أولنا هؤلاء إلا وهم يرجون شفاعتهم عند الله. وقد أبلغ تعالى في كتابه في البيان بقوله في حق نبيه ﷺ : ﴿قُلْ إِنِّي (٢) لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَدا﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِه﴾ (٣) ، وقال: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّا﴾ (٤) الآية، وقال تعالى (٥) : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدا﴾ (٦) الآية. فيقال لمدعي الإجماع: صحح لنا القول بجوازه عن واحد من سلف الأمة وأئمتها، ومن المحال أن يجد ذلك، والقرآن ينادي بالنهي عنه، وتكفير من فعله وظلمه وضلاله. فسبحان الله! كيف ينسب هذا العراقي، وأمثاله إلى النبي ﷺ أن يرضى في حقه ما (٧) ينافي ما اختاره الله لنفسه من الإخلاص، فقد افترى على الله وعلى رسوله ﷺ ، وبدل دينه الذي بعث به الأنبياء والمرسلين، واختار لنفسه دين المشركين مع الكذب والزور والإفك والفجور.

стр. 144

وما ذكره من هذا الإجماع باطل من وجوه: الأول: أن الله نهى نبيه ﷺ أن يدعو أحداً من دونه، ووجّه الخطاب إليه بالنهي عن هذا الأمر في مواضع من كتابه، تعظيماً لهذا المنهى عنه، وأمر نبيه ﷺ أن يبلغه أمته، فقال (١) : ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِين﴾ (٢) وهذا عام يتناول كل مدعو، حتى الأنبياء والملائكة والصالحين، كما قال تعالى:/ ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلا﴾ (٣) . اتفق المفسرون والأئمة أن هذه الآية نزلت فيمن يدعو الأنبياء والصالحين والملائكة، فانظر إلى هذا التهديد والوعيد الشديد فيمن يدعو مع الله غيره من الأنبياء والملائكة والصالحين، فمن المحال أن يرضى رسول الله ﷺ بفعل ما نهاه الله (٤) عنه: من دعوة غير الله، فمن (٥) ادعى ذلك فقد افترى على الله، وعلى رسوله بما لم ينزل الله به سلطاناً. ومن المحال أيضاً في حق من بلغه القرآن من سلف الأمة وأئمتها أن يرضى أن تقلب حقيقة الدين التي أحقها الله تعالى (٦) في كتابه: من تحريم الشرك به (٧) بدعوة الأموات والغائبين، وتعلق القلوب في خصائص الإلهية بغير

стр. 145

رب العالمين، وهذا هو الباطل المحض، والاجتراء على الله وعلى كتابه وعلى رسوله ﷺ . سبحان الله! كيف يخفي هذا على من سمعه؟ وكيف تخفى حال من وضعه هذا (١) الوضع وبدل دين الله، وأقام الشرك مقام التوحيد، والتوحيد مقام الشرك؟. وهذا القول ينبئك عن فساد ما سوّد به (٢) القرطاس، من وسواس الخناس، الذي يوسوس (٣) في صدور الناس. وهذا (٤) الذي ادعاه هذا العراقي هو عين المحادة لله ولرسوله وللمؤمنين،
следующие страницы →