← Акыда

Акыда · id 11354

كشف ما ألقاه إبليس من البهرج والتلبيس على قلب داود بن جرجيس

عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ

Полный текст (359 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ولقد تقلد كفرهم خمسون في ... عشر من العلماء في البلدان إلى أن قال: أهل العناد فأهل كفر (١) ظاهر ... والجاهلون (٢) فإنهم نوعان متمكنون من الهدى والعلم بـ ... بالأسباب ذات السير والإمكان لكن إلى أرض الجهالة أخلدوا ... واستسهلوا التقليد كالعميان لم يبذلوا المقدور في إدراكهم ... للحق تهوينا بهذا الشان وهم الأولى لا شك في تفسيقهم ... والكفر فيه عندنا قولان وأما قوله (٣) : (إن أهل الكرامات حالهم في الممات كحالهم في الحياة) . فهذا يبطله ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُور﴾ (٤) فلم يجعلهم تعالى (٥) سواء، بل فرق بين الأحياء والأموات، وشبه بهم ما لم ينتفع بسماع الهدى. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ. أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُون﴾ (٦) وليست هذه الآية في الأصنام كما يزعمه من لم يتدبر؛ لأن الأصنام لا يحلها الموت من الأخشاب، والأحجار ولا شعور لها، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُون﴾ (٧) ، فهذه الآية فيمن.

стр. 72

يموت ويبعث (١ من أهل الكرامات والمعجزات وغيرهم١) (١) ، كما لا يخفى على من تدبرها، وتأمل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ [أَيَّانَ يُبْعَثُون] (٢) ﴾ ، وهذا إنما يستعمل فيمن يعقل، كما لا يخفى على من له معرفة باللغة العربية (٣) . فالحمد لله على ظهور الحجة وبيان المحجة. وحقيقة أمر (٤) هذا العراقي مصادمة ما في القرآن من النهي عن دعوة غير الله، والقرآن ينهى عن دعوة كل ما سوى (٥) الله، وهذا يقول: (يجوز (٦) أو يستحب أن يُدْعى، أو يستغاث (٧) مع الله غيره) . (٩ فليس (٨) عنده إلا تشكيك، وتخمش، وتغيير على التوحيد، ونصرة للشرك والتنديد٩) (٩) . ولا يخفى أن جُلَّ (١٠) شرك المشركين في حق من عبدوه مع الله إنما هو بدعائه وسؤاله قضاء حاجاتهم، وتفريج كرباتهم، فإن أردت أيها الموحد-وفقك الله للتمسك بدين الإسلام- حقيقة ما اشتملت (١١) عليه أوراق هذا

стр. 73

العراقي (١) طول ما طول، وبهرج ما بهرج، لكن (٢) حقيقة ما فيها: الخروج عن الصراط المستقيم إلى سبيل الشيطان الرجيم، واتباع غير سبيل المرسلين (٣) والمؤمنين، وإيماناً بالجبت والطاغوت، والجهل بالتوحيد وجحوده، والكفر به، والإيمان بالشرك بالله، ونصرته، والدعوة إليه، ومسبة أهل التوحيد، وتحريف الكلم عن مواضعه، ومصادمة أدلة الكتاب والسنة، وتقليب الحقائق بجعله الحق باطلاً والباطل حقاً، وتكثير الكذب على العلماء، ونسبتهم (٤) إلى ما هم بريئون منه، منكرون له، وملأ أوراقه بالمخرقة (٥) والبهرجة، والتخليط والتخبيط، والسفسطة والمغالطات، والتمويه على الجهال وغير ذلك. وحقيقة أمرهم: أنهم شبهوا الأنبياء والصالحين بالأصنام من حيث اتخاذهم لهم شركاء لله في العبادة، وذلك غاية المسبة لهم، فعظموا الأنبياء والصالحين من حيث أهانوهم (٦) ، وفعلوا معهم من الشرك بهم ما دعوا الأمم إلى تركه، وهذا ظاهر لمن تدبر أدلة القرآن الذي أنزله الله تعالى/ نوراً وشفاءًا لما في الصدور، ولا يمكن أن يعارض بالبهرجة والمغالطات، ولا يفعل ذلك إلا من أعمى الله قلبه، وأذهب عقله، فإن العاقل من يفعل الخير، ويترك

стр. 74

الشر (١) ، وهذا الرجل صار معكوس العقل، يقبل الشرك ويرضاه؛ ويترك الخير ويأباه كما هو حال الكثير من هذه الأمة وقبلها، كما قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ (٢) ، وقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُون﴾ (٣) . وأنت ترى هذا العراقي ينصب العداوة لكل من آمن بالله، ودعا إلى توحيده وهو عدو كل موحد ونصير (٤) كل (٥) ملحد، وهؤلاء هم (٦) أعداء الرسل في كل زمان ومكان، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُون﴾ (٧) والبصير إذا نظر في أوراق هذا العراقي علم أن ما ذكره الله تعالى في هذه الآيات (٨) لا يعدوه – بل هذه حالة وأمثاله وهم كثيرون لا كثرهم الله فكم صرفوا

стр. 75

ضعفاء العقول عن الإيمان، وعن أدلة القرآن (١) –وذلك أنه يحاول بشبهاته وترَّهاته أن يجعل الميت أو الغائب شفيعاً يسأله ويقصده، ويرغب إليه بالدعاء والاستغاثة (٢) ، والتذلل والخضوع له بما لا يصلح إلا لله تعالى (٣) ، وقد أخبر (٤) تعالى (٥) أن اتخاذ الشفعاء من دين المشركين، كما قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٦) ، والشفاعة كذلك لا يملكها غيره، ولا تحصل إلا بشروط (٧) إذن الله للشافع رحمة (٨) للمشفوع له، وكرامة للشافع، ولا يقع الإذن إلا في حق من رضي الله دينه وهم أهل التوحيد والإخلاص، الذين لم يتخذوا من دونه شفيعاً [والمدعو لا يشفع لمن دعاه، كما دلَّ عليه الآيات المحكمات] (٩) ، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ (١٠)

стр. 76

فسبحان الله أين ذهب عقول هؤلاء الغلاة المشركين عن هذه الآيات المحكمات البينات؟ وقد أخبر تعالى (١) أن اتخاذ الشفعاء هو دين أهل الشرك بالله من عبدة الأوثان، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّه﴾ إلى قوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون﴾ (٢) فأخبر أنه شرك ونزه نفسه عنه، وأخبر أن قولهم: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّه﴾ (٣) يمنع حصول/ الشفاعة لهم بطلبها من غير من يملكها، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٤) فأخبر تعالى أنهم تولوهم من دون الله بالعبادة؛ وأنهم إنما أرادوا بذلك أن يقربوهم (٥) إلى الله بشفاعتهم لهمن فأخبر تعالى أن هذا هو الكفر بالله، بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّار﴾ (٦) و "كفار" صيغة مبالغة أبلغ من كافر. وهذا الذي ذكره الله تعالى (٧) عن المشركين هو الواقع من كثير من هذه الأمة في حق أرباب القبور، جهلاً منهم بحقيقة الشرك؛ حتى إن ذلك قد وقع من كثير ممن ينتسب إلى العلم، وذلك ينافي الإخلاص في العبادة الذي هو

стр. 77

دينه الذي بعث الله (١) به رسله وأنزل به كتبه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّين أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِص﴾ (٢) فالإخلاص هو دينه الذي لا يقبل ديناً سواه. وهو الذي أمر الله به نبيه ﷺ كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّين﴾ (٣) والدين هو العبادة، لا اختلاف (٤) بين علماء التفسير وغيرهم في ذلك، وقال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥) ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء﴾ (٦) ، والآيات في هذا المعنى كثيرة جدّاً، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِين﴾ (٧) . وقد تقرر في كلام العلماء، بل (٨) في الآيات والأحاديث أن الدعاء صلاة، وهو كذلك لغة وعرفاً، والصلاة الشرعية قد اشتملت على نوعي الدعاء؛ دعاء المسألة ودعاء العبادة، وقد تقدم في كلام شيخ الإسلام وابن القيم –رحمهما (٩) الله تعالى-إن دعاء المسألة يتضمن دعاء العبادة، ودعاء العبادة يستلزم دعاء

стр. 78

المسألة، وقد اشتملت الصلاة الشرعية على النوعين فلا تصح إلا بهما، وكلاهما عبادة لا يصلح منها شيء لغير الله، فلا يجوز أن يدعى غير الله، كما لا يجوز أن يتقرب بالنسك إلى غيره فمن صرف من ذلك شيئاً لغير الله فقد خرج من دين الله الذي شرعه وأمر به، وبلغه عنه رسوله (١) ﷺ ؛ وجاهد من تركه، وقد قال النبي ﷺ لابن عباس: "وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله" (٢) ، فلو كان سؤال غير الله جائزاً لما قصر ابن عمه عبد الله بن عباس على سؤال الله وحده دون غيره، بل أمره بتوحيد السؤال والاستعانة،

стр. 79

وقصر ذلك على الله، وذلك في فاتحة الكتاب: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ (١) ، أي: إياك نعبد لا غيرك، وإياك نستعين لا بغيرك، ولا يخفى أن تقديم المعمول يفيد الحصر، فاشتملت هاتان الكلمتان على نوعي التوحيد؛ توحيد الإلهية، وهو الغاية وهو فعل العبد ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ هو الوسيلة والمعين هو الله وحده. فالاستعانة بغيره فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك في الإلهية والربوبية، وقوله: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ﴾ (٢) ، أي: في ذلك كله. قال العماد ابن كثير في تفسيره (٣) : (أي قصدي ونيتي وعزمي) . قلت: فتناول هذه الآية أعمال العبد باطنها وظاهرها، وإن ذلك كله لله وحده لا يستحق غيره منه (٤) قليلاً ولا كثيراً. قال الله (٥) تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّه﴾ (٦) . قال العماد ابن كثير (٧) –﵀ – في تفسيره: ﴿مُتَشَاكِسُونَ﴾ ، أي: متنازعون (٨) في ذلك العبد المشترك بينهم، ﴿وَرَجُلاً سَلَماً (٩) لِرَجُلٍ﴾ خالصاً

стр. 80

لرجل لا يملكه أحد غيره، ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾ أي: لا يستوي هذا وهذا؛ /كذلك لا يستوي المشرك الذي يعبد آلهة مع الله والمؤمن المخلص الذي لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له، فأين هذا من هذا؟ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: (هذه الآية ضربت مثلاً للمشركين والمخلصين (١) ، ولما كان هذا المثل ظاهراً بيناً جلياً قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّه﴾ ، أي: على إقامة الحجة عليهم ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُون﴾ أي: فلهذا يشركون بالله) .

стр. 81

فصل (١) وقد أنكر الله تعالى (٢) في محكم كتابه على من دعا الأنبياء والصالحين والملائكة. فقال تعالى (٣) : ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورا﴾ (٤) . نزلت هذه الآيات فيمن يدعو المسيح وأمه والعزير والملائكة، وأئمة التفسير (٥) ذكروا ذلك في معنى هذه الآية الكريمة. فانظر إلى هذا التهديد والوعيد في حق من دعا الملائكة والأنبياء والصالحين؛ وأخبر تعالى أنهم لا يملكون كشف الضر عمن دعاهم، ولاتحويله، وأخبر تعالى أن أولئك الذين يدعونهم من الأنبياء والصالحين يبتغونإلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب، وأعظم الوسائل (٦ التي تقرب إلى الله٦) (٦) إخلاص العبادة لله تعالى، وتجريد التوحيد، ومخالفة ما كان يفعله المشركون من دعوةغير الله.

стр. 82

ومما يتوسل به إلى الله تعالى ذكر (١) أسماؤه وصفاته، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٢) ، وقد علم النبي ﷺ أصحابه (٣) أن يتوسلوا إلى الله في دعائهم بحمده والإخلاص له، كما في الحديث الصحيح: "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام" (٤) ، وحديث "اللهم إني أسألك بأني أشهد (٥) أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد والصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد" (٦)

стр. 83

وأمثال هذا في الأحاديث كثير. وأما ما ادعاه المنحرفون عن الإيمان م أن الوسيلة هي (١) التوسل إلى الله تعالى بذوات (٢) الأنبياء والصالحين، فهذا باطل يناقض ما ذكره الله تعالى في أول الآية: من تهديد من دعاهم، وإنكاره عليهم دعوتهم، وقد تقدم ما يدل على (٣) أن هذا الدعاء (٤) هو بعينه دين المشركين والمتخذين الشفعاء يسألونهم أن يشفعوا لهم عند الله، ويقربوهم إليه زلفى، والقرآن كله من أوله إلى آخره يبطل هذه الوسيلة ويبين أنها شرك وكفر، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُون﴾ (٥) ، وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة﴾ (٦) الآية (٧) ، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِير﴾ إلى قوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُم﴾ (٨) .

стр. 84

فتظاهرت الآيات والأحاديث على أن هذه الوسيلة التي يدعيها أولئك الضلال؛ من التعلق بالأموات والغائبين برغبة أو رهبة (١) أن هذا هو (٢) الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله تعالى (٣) ، كما تقدم ذلك صريحاً في كلام العلماء، والاستدلال على ذلك بهذه الآيات ونظائرها. وهؤلاء الجهلة (٤) الضلال قلبوا الحقائق، ودعوا الخلق إلى أن يجعلوا لله أنداداً يصرفون لهم من العبادة ما لا يستحقه إلا الله تعالى، فخالفوا الرسل والكتب، فأنكروا (٥) [التوحيد] (٦) الذي تضمنته دعوة الرسل والكتب، ودلت عليه كلمة الإخلاص لا إله إلا الله (٧) ، وأجازوا الشرك الذي هو أعظم المنكرات، واتفقت الرسل/ والكتب على إنكاره والنهي عنه، والتحذير منه ومن عقوباته، وهذا بين واضح لمن ألهمه الله رشده، ووقاه شر نفسه، وأحياالله قلبه. وليس عند هذا العراقي –وأمثاله من المشركين (٨) – ما يدفع حجج الله وبيّناته، حاش وكلا. وغاية ما يستدل به: إما حديث مختلق مفترى، والأحاديث لا يقبل منها

стр. 85

إلا ما رواه العلماء من أهل الحديث بالأسانيد المتصلة وليس فيها من يتهم بالكذب، [أو النسيان] (١) ، أو غير ذلك من العلل التي ذكرها المحدثون. (٢ وعلى كل حال فالحديث لا يخالف ما صرح به القرآن من النهي عن الشرك قليله وكثيره، وهو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد ٢) (٢) . وقد صنف بعضهم في الموضوعات، وأفردها بالتصنيف؛ لئلا يغتر بها جاهل، ومما بهرج به ما ينسبه إلى بعض العلماء، وهو إما أن يكون كذباً عليهم، أو أنه أخطأ والخطأ جائز عليه (٣) ؛ ولهذا ورد في كلام بعض الصحابة التحذير من زلة الحكيم، (٦ وفي الحديث "إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين (٤) ، وهذا يدل على أنه قد يوجد في الأمة من هو كذلك، بل قد وجد في كلام كثير جهلاً منهم، وقال ابن عباس ﵄ ٦) (٥) (٦) كلٌّ يؤخذ من قوله ويترك إلا الرسول صلى الله عليه وسلمن فإن الله تعالى عصمه وأخبر أنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وأيضاً فكل هذه الحكايات منقطعة لا يجوز الاحتجاج

стр. 86

بها، ولو لم تعارض نصوص الكتاب والسنة، فكيف إذا عارضت أصل (١) الإسلام الذي أكمله الله تعالى في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ ؟ فلا تجد حكاية من الحكايات إلا وهي منقطعة، والناقل مجهول الحال أو متهم بالكذب (٢) ، وبكل وجه اعتبرته يفسد به الاستدلال. فلا يروج ما لبس به هذا العراقي إلا على جاهل لا بصيرة له في معرفة الحق من الباطل. ولا خلاف بين العلماء –رحمهم الله تعالى- أن أدلة الشرع المتفق عليها ثلاثة: آية محكمة، أو حديث عن النبي ﷺ يرويه العلماء بالأسانيد المتصلة، ويحتجون به على محل النزاع، والثالث: الإجماع، وهو إجماع الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين من المجتهدين. وأما القياس: ففي الاستدلال به نزاع بين العلماء، ومن قال منهم: إنه دليل، فلقبوله شروط مذكورة في كتب العلماء من الأصوليين وغيرهم (٣ فإن خالف نصاً، أو ظاهراً فسد اعتباره بالإجماع ٣) (٣) ، فإذا كانت هذه الحكايات التي يذكرها هذا العراقي لا يدل عليها نص كتاب ولا سنة ولا قياس، ولا أجمع عليها من يعتد بإجماعه ممن ذكرنا، ومع هذا فقد صادمت الأدلة كلها، فإذا كان الأمر كذلك –كما لا يخفى – علم يقيناً أنها من وحي الشياطين (٤) ، وتلبيس الجاهلين المنحرفين عن الحق المبين.

стр. 87

وقد ذكر شيخ الإسلام –رحمه الله تعالى- حكايات ذكر أنه (١) اغتر (٢) بها عباد القبور، وأجاب عن ذلك بم يكفي ويشفي، وسنذكر إن شاء الله (٣) تعالى في هذا الجواب بعض ذلك. وقال العلامة ابن القيم (٤) –رحمه الله تعالى-: (والمقصود أن الشيطان بلطف كيده يحسن الدعاء عند القبور، وأنه أرجح منه في المسجد، ثم يدعوه إلى درجة أخرى من الدعاء عنده إلى الدعاء به والإقسام به على الله تعالىن ثم ينقله إلى دعاء الميت نفسه من دون الله، ثم ينقله إلى أن يتخذ قبره معتكفاً، / ويوقد عليه القناديل، ويضع عليه الستور، ويعبده بالسجود له والطواف، والتقبيل والاستلام، والحج إليه، والذبح له (٥) ، ثم ينقله إلى دعاء الناس إلى عبادته، واتخاذه معبوداً، ثم إلى الإنكار على من أنكر شيئاً من هذه المفاسد، والحكم عليه بالضلال البعيد. وأعظم الفتنة بالأنصاب فتنة أصحاب القبور، وهي أصل فتنة عباد الأصنام، كما ذكره السلف من الصحابة والتابعين. فمن أعظم كيد الشيطان: أنه ينصب لأهل الشرك قبراً معظماً معبوداً، ثم يوحي إلى أوليائه أن من نهى عن عبادته واتخاذه وثناً فقد تنقصه وهضمه، فيسعى الجاهلون والمشركون في قتله وعقوبته ويكفرونه، وما ذنبه إلا أنه يأمر

стр. 88

بما أمر الله به ورسوله من توحيده، وينهى الله عنه ورسوله من اتخاذ القبور أوثاناً وأعياداً وإيقاد السرج عليها وبناء القباب، وغير ذلك مما تقدمت الإشارة إليه من فنون الشرك الذي كان يفعله المشركون مع أرباب القبور. فقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضاد لما بعث الله به رسله من تجريد التوحيد، فإذا نهى الموحد عن الشرك بالأموات [والغائبين] (١) إشمأزت قلوبهم؛ وقالوا: قد تنقص أهل الرتب العالية؛ وزعم أنهم لا حرمة لهم ولا قدر، ويسري (٢) ذلك في نفوس الجهال والطغام وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين، حتى عادوا أهل التوحيد ورموهم بالعظائم؛ ونفروا الناس عنهم ووالوا أهل الشرك وعظموهم وزعموا أنهم أولياء الله وأنصار دينه ويأبى الله ورسوله ذلك، وما كانوا أولياؤه إن أولياؤه إلا المتقون (٣) الداعون إلى توحيده على بصيرة، لا لابسوا ثياب الزور الذين يصدون الناس (٤) عن سبيل الله، ويبغونها عوجا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. ولا تحسب أيها المنعم عليه باتباع صراط المستقيم أن النهي عن اتخاذ القبور مساجد وأعياداً (٥) ، وإيقاد السرج عليها، والسفر إليها ودعائها، والنذر لها واستلامها وتقبيلها، وتعفير الوجوه في عرصاتها ونحو ذلك: غضّمن قدر أصحابها، كما يحسبه أهل الإشراك والضلال، بل ذلك من إكرامهم

стр. 89

ومتابعتهم فيما يحبونه، وتجنب ما يكرهونه، بل أنت والله وليهم ومحبهم، وناصر طريقتهم وسنتهم، وعلى هديهم ومنهاجهم، وهؤلاء المشركون من أعصى الناس لهم، وأبعدهم من هديهم، كالنصارى مع المسيح والروافض مع علي، فأهل الحق أولى بأهل الحق من أهل الباطل، والمؤمنون والمؤمنات بعضهم ألياء بعض، والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض. فاعلم أن القلوب إذا اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن، فتجد أكثر هؤلاء العاكفين على القبور معرضين عن طريقة من فيها وسنته، مشتغلين بقبره عما دعا إليه وأمره به. فتعظيم الأنبياء والصالحين ومحبتهم إنما هي باتباع ما دعوا إليه من العلم النافع، والعمل/ الصالح، واقتفاء آثارهم وسلوك طريقهم، دون عبادة قبورهم والعكوف عليها، وقد أرسلوا إلى أممهم بالنهي عن ذلك، فنهوا عنه أشد النهي، فكيف يتقرب إليهم بما قد حرموه ونهوا عنه، ونصبوا العداوة لمن فعلهن وتبرأوا منه؟ وإنما اشتغل كثير من الناس بكثير من أنواع العبادة المبتدعة التي حرمها الله ورسوله لإعراضهم عن المشروع؛ وإن قاموا بالصورة الظاهرة، فقد حرموا المقصود منه، ومن أصغى إلى كلام الله ورسوله بقلبه وتدبره (١) بكليته، وحدّث (٢) نفسه باقتباس الهدى والعلم منه، أغناه عن البدع، والآراء، والتخرصات، والشطحات، والخيالات، التي هي وساوس النفوس وتخيلاتها)

стр. 90

انتهى (٢كلام العلامة –﵀ (١) –وهو يحكي ما وقع في هذه الأمة من الشرك العظيم كما لا يخفى على ذوي البصاير٢) (٢) . ومما يقرر ما قدمناه –من أن مدلول الدعاء هو السؤال والطلب رغبة أو رهبة (٣) أو مجموعهما –ما ذكره البخاري رحمه الله تعالى وغيره من المحدثين والمفسرين فإنه قال في صحيحه: كتاب الدعوات، باب (٤) قول الله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين﴾ (٥) ولكل (٦) نبي دعوة مستجابة. حدثنا إسماعيل قال: حدثني مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ (٧) أن رسول الله ﷺ قال: "لكل نبي دعوة (٨) بها، وأريد أن أختبأ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة" (٩) زاد مسلم" وهي (١٠) نائلة إن شاء الله تعالى من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً" (١١) وذكر –﵀ (١٢)

стр. 91

أحاديث في هذا المعنى كغيره من المحدثين والمصنفين في الأذكار والدعوات؛ مما لا يقدر مبطل على دفعه ومنعه، وبالله التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 92

فصل (١) في بيان أمور من الشرك الأكبر – (٢يشبه ما قدمناه٢) (٢) - الذي وقع فيه من وقع من هذه الأمة. قال العلامة ابن القيم (٣) ﵀: (ومن أنواعه-أي الشرك –طلب الحوائج عن الموتى والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً (٤) ، فضلاً لمن أستغاث به أو سأله أن يشفع له إلى الله، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده) . قلت: وهذا الجهل قد عمت به البلوى (٥ في زمن العلامة ابن القيم – ﵀ وقبله وبعده ٥) (٥) ، قال في الكافية الشافية (٦) : ولقد رأينا من فريق يدّعي الإ ... سلام شركاً ظاهر التبيان جعلوا له شركاء والوهم وسا ... ووهم به في الحب لا السلطان إلى آخر الأبيات.

стр. 93

وقال الحافظ محمد بن عبد الهادي الحنبلي في رده على السبكي (١) ، في قوله: (إن المبالغة في تعظيمه أي الرسول ﷺ واجبة) : (إن أريد بها المبالغة بحسب ما يراه كل أحد تعظيماً، حتى الحج إلى قبره والسجود له، والطواف به؛ واعتقاد أنه يعلم الغيب، وأنه يعطي ويملك لمن استغاث به من دون الله الضر والنفع، وأنه/يقضي حوائج السائلين، ويفرج كربات المكروبين، وأنه يشفع فيمن يشاء ويدخل، الجنة من يشاء: فدعوى المبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك، وانسلاخ من جملة الدين) . وفي "الفتاوى البزازية" (٢) من كتب الحنفية: (من قال: إن أرواح المشايخ حاضرة تعلم يكفر) . وقال الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي في كتابه "الرد على من ادعى أن للأولياء تصرفاً (٣) في الحياة وبعد الممات على سبيل الكرامة" (٤) : (هذا وإنه قد ظهر الآن فيما بين المسلمين جماعات يدعون أن للأولياء تصرفات بحياتهم وبعد مماتهم، ويستغاث بهم في الشدائد والبليات؛ وبهممهم تكشف المهمات؛ فيأتون قبورهم وينادونهم في قضاء الحاجات، مستدلين على أن ذلك منهم كرامات، قالوا: منهم أبدال ونقباء، وأوتاد ونجباء وسبعون وسبعة، وأربعون وأربعة، والقطب هو الغوث للناس، وعليه

стр. 94

المدار بلا التباس وجوزوا لهم الذبائح والنذور وأثبتوا لهم فيهما الأجور) . قال: (وهذا كلام (١) في تفريط وإفراط، بل فيه الهلاك الأبدي والعذاب السرمدي، لما فيه من روائح الشرك المحقق، ومصادرة (٢) الكتاب العزيز المصدق، ومخالف لعقائد الأئمة وما أجمعت عليه الأمة، وفي التنزيل: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ (٣) . ثم قال: (فأما قولهم: إن للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد الممات (٤) ، فيرده قوله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّه﴾ (٥) ، ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْر﴾ (٦) ، ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٧) ، ونحوه من الآيات الدالة (٨) على أنه المنفرد بالخلق والتدبير والتصرف والتقدير، ولا شيء (٩) لغيره في شيء بوجه من الوجوه، فالكل تحت ملكه وقهره: تصرفً وملكاً، وإحياء وإماتة وخلقاً، وتمدح الرب تعالى بملكه في آيات من كتابه كقوله (١٠) : ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ (١١)

стр. 95

﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِير﴾ (١) وذكر آيات في هذا المعنى. ثم قال: (فقوله في الآيات كلها ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من غيره، فإنه عام يدخل فيه من اعتقدته من ولي وشيطان تستمده (٢) ، فإنه من لم يقدر على نصر نفسه كيف يمد غيره؟) . إلى أن قال: (إن هذا القول وخيم؛ وشرك عظيم) . إلى أن قال: (وأما القول بالتصرف بعد الممات فهو أشنع وأبدع من القول بالتصرف في الحياة، قال جل ذكره ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُون﴾ (٣) ، وقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّى﴾ (٤) الآية، وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْت﴾ (٥) الآية، ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَة﴾ (٦) ، وفي الحديث: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث" (٧) -الحديث، وجميع ذلك، وما هو نحوه دال على انقطاع الحس والحركة من الميت، وأن أرواحهم ممسكة، وأن أعمالهم منقطعة عن زيادة/ونقصان، فدل ذلك على أنه ليس للميت تصرف في ذاته فضلاً عن غيره، فإذا عجز عن حركة نفسه فكيف يتصرف في غيره؟

стр. 96

فالله (١) سبحانه يخبر أن الأرواح عنده، وهؤلاء الملحدون يقولون: إن الأرواح مطلقة (٢) متصرفة، ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّه﴾ (٣) ؟ قال: وأما اعتقادهم أن هذه التصرفات من الكرامات فهو من أعظم المغالطة؛ لأن الكرامة (٤) شيء من عند (٥) الله يكرم بها أولياءه وأهل طاعته (٦) ، لا قصد لهم فيه ولا تحدي، ولا قدرة ولا علم، كما في قصة مريم ابنة عمران، وأسيد بن حضير، وأبي مسلم الخولاني) .قال: (وأما قولهم: فيستغاث بهم في الشدائد ... فهذا أقبح مما قبل (٧) وأبدع لمصادمته (٨) قوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ (٩) الآية، وقوله: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْر﴾ (١٠) وذكر آيات في هذا المعنى. ثم قال: (فإنه جل ذكره قرر أنه الكاشف للضر لا غيره، وأنه المنفرد بإجابة المضطرين (١١) ، وأنه المستغاث به لذلك كله، وأنه القادر على دفع

стр. 97

الضر القادر على إيصال الخير فهو المنفرد بذلك، فإذا تعين هو جل ذكره خرج غيره من ملك ونبي وولي) .قال: (والاستغاثة تجوز في الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسية في قتال أو إدراك عدو أو سبع ونحوه، كقولهم: يا لزيد؛ يا للمسلمين بحسب الأفعال (١) الظاهرة بالفعل، وأما الاستغاثة بالقوة والتأثير، أو في الأمور المعنوية من الشدائد؛ كالمرض، وخوف الغرق، والضيق، والفقر، وطلب الرزق، ونحوه، فمن خصائص الله، لا يطلب فيها غيره) . قال: (وأما كونهم معتقدين التأثير منهم في قضاء حاجاتهم، كما تفعله جاهلية العرب، والصوفية الجهال، وينادونهم، ويستنجدون بهم، فهذا من المنكرات، فمن اعتقد أن لغير الله من نبي، أو ولي (٢) ، أو روح، أو غير ذلك في كشف كربة، أو قضاء حاجة تأثيراً فقد وقع في وادي جهل خطير، فهو على شفا حفرة (٣) من السعير. وأما كونهم مستدلين على أن ذلك منهم كرامات، فحاشا لله أن تكون أولياء الله بهذه المثابة، فهذا ظن أهل الأوثان، كما (٤) أخبر الرحمن: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّه﴾ (٥) ، ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٦) ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً﴾ (٧) ، فإن ذكر ما

стр. 98

ليس من شأنه النفع، ولا دفع الضر، من نبي أو ولي وغيره على وجه الإمداد منه (١) : إشراك (٢) مع الله؛ إذ لا قادر على الدفع غيره، ولا خير إلا خيره) . قال: (وأما ما قالوه: إن منهم أبدالاً ونقباء، وأوتاداً ونجباء، وسبعين وسبعة، وأربعين وأربعة، والقطب هو الغوث للناس، فهذا من موضوعات إفكهم، كما ذكره القاضي المحدث في "سراج المريدين"، وابن الجوزي، وابن تيمية) انتهى باختصار. فرحم الله علماء السنة فلقد كفونا مؤنة كشف ما أورده المشركون من شبهات المبطلين؛ وإلحاد الملحدين، فلله الحمد/ والمنة على عظيم النعمة. فتبين (٣) لمن له عقل بطلان ما بهرج به هذا العراقي من كرامات الأولياء مستدلاً بذلك على جواز جعلهم لله أنداداً. ومما يبين ذلك: أنه وقع لعلي بن أبي طالب أمير المؤمنين ﵁ في غزوة خيبر من الكرامات ما لا يقع لغيره، ولما بلغه عن أناس نزلوا بالكوفة أنهم أعتقدوا فيه الألهية خدَّ لهم الأخاديد، وجعل فيها الحطب، وأوقدها بالنار وقذفهم فيها، إعظاماً لهذا الأمر، وهو بالنسبة إلى ما وقع من عباد القبور في هذه الأزمنة وقبلها قليل من كثير. والكرامة: أمر يجعله الله لا صنع للبشر فيه فالذي أوجد الكرامة لمن شاء من عباده هو الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له، فإن الكرامة إنما تقع

стр. 99

لبعض الموحدين المخلصين، بسبب توحيدهم وإخلاصهم لله (١) ، كما قال تعالى في حق المسيح ابن مريم وأمه (٢) والعزير والملائكة، بعد التهديد والوعيد لمن دعاهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَب﴾ (٣) ولهم العجزات العظيمة. ومن العجب استدلال هؤلاء المشركين بما ظهر من آثار تحقيق التوحيد فيمن (٤) ظهر فيه شيء من ذلك على أن يجعله لله شريكاً في عبادته (٥) ، وقد قال تعالى لنبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدا﴾ (٦) ، وهو صاحب المعجزات ﷺ ، وقد قال لمن قال له: ما شاء الله وشئت: "أجعلتني لله نداً؟ بل ما شاء الله وحده" (٧) .

стр. 100

وقال (١) تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُون﴾ (٢) ، وما أعطى أحد من هذه الأمة نبيها ما أعطى عيس بن مريم

стр. 101

عليه السلام، كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِك﴾ (١) إلى قوله: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾ (٢) فما أوجب ذلك أن يُعبد بشيء من أنواع العبادة؛ بل أنكر تعالى على النصارى اتخاذهم له إلهاً بالعبادة، كما قال الله (٣) تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّه؟﴾ إلى قوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُم﴾ (٤) الآية. والكرامة قد تقع للمفضول دون الفاضل؛ ولهذا قال النبي ﷺ : "إنه كان في الأمم [قبلكم] (٥) محدثون، فإن يكن أحد (٦) في أمتي فعمر" (٧) . قال العلامة ابن القيم (٨) : (فجزم بوجود المحدثين في الأمم، وعلق وجوده في أمته بحرف الشرط، فليس هذا بنقصان لأمته عمن قبلهم، بل هذا من (٩) كمال أمته على من قبلها.

стр. 102

فإنها لكمالها وكمال نيتها وكمال شريعته لا تحتاج (١) إلى محدث؛ بل إن وجد فهو صالح للاستشهاد والمتابعة، لا أنه عمدة؛ لأنها في غنية بما بعث الله به نبيها ﷺ عن كل مقام أو مكاشفة أو إلهام أو تحديث، وأما من قبلها فللحاجة إلى ذلك جعل فيهم المحدثون) . /قلت: فعلى هذا لا مزية لمن ظهر له شيء من هذه الكرامات ولو صحت، وقد يجريها الله لبعض الناس ابتلاء وفتنة واختباراً، فارجع إلى التمسك بأدلة الكتاب والسنة، وتمسك بالوحيين، وخذ بهما تسلم من الشبهات الفاسدة، التي لا تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً. ولا يخفى أن أكثر (٢) ما يقع لبعض المتأخرين مما يظن الجاهلون (٣) أنها من الكرامات أكثرها أحوال شيطانية (٤) ، وإن ذكرت عن بعض من له زهد وعبادة كما يذكر لـ "عبد القادر الجيلاني" _رحمه الله وأمثاله- (٥) ، وكثير منها لا يعلم له صحة؛ للجهالة بالناقل لذلك (٦) ، وللجهالة بمن ينقل عنهن فإنها نقل مجهول عن مجهول، وعلى كل حال فلا تفيد شيئاً فضلاً أن تعارض أدلة الكتاب والسنة. فأين هؤلاء الذين تذكر عنهم هذه الأحوال من السابقين الأولين، كأهل بيعة العقبة، وأهل بدر، وأهل بيعة الرضوان، وأكثرهم قد شهد المشاهد كلها

стр. 103

مع النبي ﷺ ، وهم أفضل الأمة على الإطلاق، ولم يذكر (١) لهم من هذه الأمور شيء إلا نادراً، وما عد أحد منهم ذلك فضيلةً لمن وقعت له، وقد بيَّن النبي ﷺ أنها قد تقع لعمر خاصة، بقوله: "فإن يكن أحد في أمتي فعمر" (٢) ، ولا ريب أن أبا بكر الصديق ﵁ أفضل من عمر ﵁، فلم يقع له شيء من ذلك كغيره من السابقين الأولين؛ فلا حجة لأحد فيما يدعي أنه كرامة من كل وجه من الوجوه كما تقدم. وقد تقدم أن المعجزات التي وقعت للرسل أعظم وأعظم، فصارت إعلاماً على صدقهم فيما دعوا إليه من تجريد (٣) التوحيد، وإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، فلم تكن دليلاً على أنه يجوز أن يستغاث بهم أو يعتقد فيهم بما لا (٤) يجوز اعتقاده في أحد سوى الله من نفع أو ضر، أو رغبة أو رهبة (٥) ، والقرآن ينادي بهذا في كل سورة. ونذكر هنا ما ذكره العماد ابن كثير (٦) في هذا المعنى في أول تفسير سورة البقرة فإنه –رحمه الله تعالى-قال: (وذكر القرطبي هاهنا مسألة فقال: قال علماؤنا –﵏-من أظهر الله على يديه ممن ليس بنبي كرامات وخوارق للعادات فليس ذلك دالاً على ولايته، خلافاً لبعض الصوفية والرافضة.

стр. 104

وهذا لفظه؛ ثم استدل على ما قال بأنا لا نقطع لهذا الذي جرى الخارق على يديه (١) أنه يوافي الله بالإيمان؛ وهو لا يقطع لنفسه بذلك، والولي هو الذي يقطع له بذلك في نفس الأمر. قلت (٢) : وقد استدل بعضهم على أن الخارق قد تكون على يدي غير الولي، بل قد يكون على يد الفاجر والكافر أيضاً بما ثبت عن ابن صياد أنه قال: "هو الدخ" (٣) حين خبأ له (٤) رسول الله ﷺ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (٥) ، وبما كان يصدر عنه أنه كان يملأ الطريق إذا غضب، حتى ضربه عبد الله بن عمر، وبما ثبتت (٦) به الأحاديث/ عن الدجال بما يكون على يديه من الخوارق الكثيرة، من أنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، وتتبعه كنوز الأرض مثل: اليعاسيب (٧) ، وأنه يقتل ذلك الشاب ثم يحييه، إلى غير ذلك من الأمور المهولة.

стр. 105

وقد قال يونس بن عبد الأعلى الصدفي (١) : قلت للشافعي: كان الليث بن سعد يقول: إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به، حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة. فقال الشافعي: إذا (٢) رأيتم الرجل يمشي على الماء أو يطير (٣) في الهواء فلا تغتروا به، حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة) انتهى. وذكر شيخ الإسلام –رحمه الله تعالى- (٤) في الاقتضاء (٥) كلاماً نافعاً لمن شرح الله صدره للإسلام، وصار الحق ضالته يطلبها إلى أن يجدها. فقال –رحمه الله تعالى-: (ولو تحرى الدعاء عند صنم، أو صليب، أو في كنيسة، يرجو الإجابة بالدعاء في تلك البقعة لكان هذا من العظائم، فقصد القبور للدعاء عندها من هذا الباب، بل هو أشد (٦) ؛ لأن النبي ﷺ نهى عن اتخاذها مساجد، واتخاذها عيداً؛ وعن الصلاة عندها (٧) ، وما يرويه بعض الناس أنه قال: إذا تحيرتم بالأمور فاستغيثوا بأهل القبور ونحو هذا، فهو كلام موضوع مكذوب باتفاق العلماء يبين ذلك أمور:

стр. 106

أحدها: أنه قد تبين أن العلة التي نهى النبي ﷺ عن الصلاة عندها إنما هو لئلا تتخذ ذريعة إلى نوع من الشرك، بالعكوف عليها، وتعلق القلوب بها؛ رغبة ورهبة، ومن المعلوم أن المضطر في الدعاء الذي قد نزلت به نازلة فيدعو باستجلاب خير كالاستسقاء، أو لدفع شر كالاستنصار، فحاله بافتتانه بالقبور إذا رجا الإجابة عندها أعظم من حال من يؤدي الفرض عندها في حال العافية، أما الداعون المضطرون ففتنتهم بذلك عظيمة جداً، فإذا كانت المفسدة والفتنة التي لأجلها نهى عن الصلاة عندها متحققة في حال هؤلاء كان نهيهم عن ذلك أوكد وأوكد، وهذا واضح لمن فقه في دين الله، وتبين له ما جاءت به الحنيفية من الدين الخالص لله، وعلم كمال سنة إمام المتقين في تحقيق (١) ، التوحيد ونفي الشرك بكل طريق. الثاني: أن قصد القبور للدعاء عندها ورجاء الإجابة هنالك (٢) أمر لم يشرعه الله ولا رسوله، ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أئمة المسلمين، ولا ذكره أحد من العلماء ولا الصالحين المتقدمين، بل أكثر ما ينقل ذلك عن بعض المتأخرين بعد المائة الثانية، وأصحاب رسول الله ﷺ قد أجدبوا مرات ودهمتهم نوائب غير ذلك؛ فهلا جاءوا فاستسقوا (٣) واستغاثوا (٤) عند قبر النبي ﷺ ؟ بل خرج عمر بالعباس فاستسقى به، ولم يستسق (٥) بقبر (٦)

стр. 107

النبي ﷺ وقد روينا في مغازي محمد بن إسحاق من زيادات يونس بن بكير (١) عن أبي خلدة خالد بن دينار حدثنا/ أبو العالية قال: "لما افتتحنا تستر (٢) وجدنا في بيت مال الهرمزان سريراً عليه رجل ميت، عند رأسه مصحف له، فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر ﵁، فدعا له كعباً فنسخه بالعربية؛ وأنا أول رجل من العرب قرأه مثل ما أقرأ القرآن هذا، فقلت لأبي العالية: ما كان فيه؟ قال: سيرتكم، ولحون كلامكم، وأموركم وما هو كائن بعد، قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا له بالنهار ثلاثة عشر قبراً متفرقة، فلما كان بالليل دفناه، وسوينا القبور كلها؛ لنعميه على الناس لا ينبشونه (٣) ، قلت: فما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم برزوا بسريره فيمطرون، فقلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له دانيال، فقلت: منذ كم وجدتموه مات؟ قال: منذ ثلاثمائة سنة، قلت: ما كان تغير منه شيء؟ قال: لا، إلا شعيرات من قفاه، إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض ولا تأكلها السباع" (٤) . ففي هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار من تعمية قبره لئلا يفتتن به الناس، وهو إنكار منهم لذلك، وقد كان من قبور أصحاب النبي ﷺ [بالأمصار] (٥) عدد كثير، وعندهم التابعون، ومن بعدهم من الأئمة، وما

стр. 108

استغاثوا عند قبر صاحب (١) ولا استسقوا عنده ولا به، لا استنصروا عنده ولا به. ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله، بل على ما هو دونه، ومن تأمل كتب الآثار وعرف حال السلف تيقن قطعاً أن القوم ما كانوا يستغيثون عند القبور، ولا يتحرون الدعاء عندها أصلاً، بل كانوا ينهون عن ذلك من يفعله من جهالهم. وهذا [الدليل] (٢) قد دل عليه كتاب الله في غير موضع كقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّه﴾ (٣) ، فإذا لم يشرع الله سبحانه الدعاء عند المقابر، فمن شرعه فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (٤) وهذه العبادة عند المقابر نوع من الشرك (٥) بالله ما لم (٦) ينزل به سلطاناً؛ لأن الله لم ينزل حجة تتضمن استحباب قصد الدعاء عند القبور، ومن جعل ذلك من دين الله فقد قال على الله ما لا (٧) يعلم، وما أحسن قول الله تعالى: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانا﴾ لئلا يحتج بالمقاييس والحكايات.

стр. 109

فإن قيل: قد نقل عن بعضهم أنه قال: قبر معروف (١) : الترياق المجرب (٢) . وروي عن معروف أنه أوصى ابن أخيه أن يدعو عند قبره، وذكر أبو علي الخرقي في "قصص من هجرة أحمد" ﵁: أن بعض المهجورين كان يجيء إلى قبر ويتوخى الدعاء عنده، ونقل عن جماعات أنهم دعوا عند قبر جماعات من الأنبياء والصالحين من أهل البيت وغيرهم، فاستجيب لهم الدعاء، وعلى هذا عمل كثير من الناس. وقد ذكر المصنفون في مناسك الحج: إذا زار قبر النبي ﷺ فإنه يدعو عنده، وذكر بعضهم أن من صلى عليه سبعين مرة/ عند قبره ودعا استجيب له، وذكر بعض الفقهاء في حجة من يجوّز القراءة على القبر أنها بقعة يجوز السلام والدعاء والذكر عندها، فجازت القراءة كغيرها، وذكر بعضهم منامات في الدعاء عند قبر بعض المشايخ، وجرت قوم (٣) استجابة (٤) الدعاء عند قبور معروفة؛ كقبر الشيخ أبي الفرج الشيرازي والمقدسي وغيره، وقد أدركنا في زماننا وما قاربها من ذوي الفضل علماً وعملاً من كان يتحرى الدعاء عندها؛ والعكوف عليها، وفيهم من كان بارعاً في العلم، وفيهم من كان له كرامات، فكيف يخالف هؤلاء؟ وإنما ذكرت هذا السؤال مع بعده عن طريق العلم والدين لأنه غالباً ما يتمسك به القبوريون (٥)) .

стр. 110

قلت: الله أكبر كيف يؤخذ هذا بدلاً عن نصوص الكتاب والسنة ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (١) وقدأحسن من قال: تخالف الناس فيما قد رأو ورووا ... وكلهم يدعون الفوز بالظفر فخذ بقول يكون النص ينصره ... إما عن الله أو عن سيد البشر ثم قال رحمه الله تعالى: (قلنا الذي ذكرنا لا ينقل في استحبابه فيما علمناه شيء ثابت عن القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي ﷺ حيث قال: "خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم؛ ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (٢) مع شدة المقتضي فيهم لذلك، فلو كان فيه فضيلة، فعدم أمرهم، وفعلهم لذلك مع قوة المقتضي لو (٣) كان فيه فضل يوجب القطع بأنه لا فضل فيه) . إلى أن قال: (وإذا اختلف (٤) المتأخرون فالفاصل بينهم هو الكتاب والسنة، وإجماع المتقدمين نصاً واستنباطاً، فكيف والحمد لله لا ينقل هذا عن إمام معروف ولا عالم متبع، بل المنقول في ذلك إما أن يكون كذباً على صاحبه، مثل ما حكى بعضهم عن الشافعي أنه قال: إذا نزلت بي شدة أجيء فادعو عند قبر أبي
следующие страницы →