← Акыда

Акыда · id 11354

كشف ما ألقاه إبليس من البهرج والتلبيس على قلب داود بن جرجيس

عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ

Полный текст (359 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أقبح التشبيه وأبطله، فلهذه الأمور وغيرها أخبر سبحانه أنه لا يغفره، مع أنه كتب على نفسه الرحمة) . هذا معنى كلام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى. وأما ما يزعمه هذا العراقي من أن طلب الشفاعة من النبي ﷺ بعد وفاته مجمع عليه. فالجواب (١) أن نقول (٢) : الله أكبر!، ما أعظمها من فرية على الله، وعلى كتابه، وعلى رسوله ﷺ ، وعلى السلف، وأئمة الدين، فانظر إلى هذه الجرأة العظيمة جعل ما أجمع عليه الرسل، والكتب، والسلف، والمسلمون من تحريم دعوة غير الله والنهي عنها، واتخاذ الشفعاء جعل ذلك المحرم الذي هو دين أهل الجاهلية مجمعاً عليه، ووضع الشرك موضع التوحيد، والباطل موضع الحق، نعوذ بالله من زيغ القلوب، ومسخ العقول، فإن هذا لا يقوله إلا من زاغ قلبه، ومسخ عقله. كيف ينسب الأمة إلى الإجماع على ما نفاه الكتاب والسنة، من الشرك الذي هو دين المشركين؟ وقد أخبر الله عنهم بأنهم اتخذوا الشفعاء في مواضع من كتابه، وأنكر ذلك عليهم غاية الإنكار، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ [وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ] ﴾ (٣) الآية، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٤) الآية.

стр. 142

وقد حذر الله الأمة عن هذا الشرك، وبلغهم نبيهم ما أنزل عليه في ذلك الشرك، وحذرهم منه غاية التحذير في حق كل أحد كائناً من كان، وهو يناقض الدين الذي اختاره (١) لنفسه، وهو إخلاص العبادة بجميع أنواعها لله تعالى (٢) ، وبعث به رسوله ﷺ ، وأنزله في كتابه، ودعى رسول الله ﷺ الأمة إليه، وأخبرهم أنه هو دينه، وجاهدهم عليه، وأجمع عليه سلف الأمة، وأئمتها، ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة، فإنهم أجمعوا على ما أنزله (٣) الله تعالى في كتابه، واختاره لنفسه، وبعث به نبيه، قال الله (٤) تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِص﴾ (٥) ، وقال (٦) تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ [مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين] ﴾ (٧) الآية، وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾ (٨) ، ونهى فيما أنزل في كتابه عن اتخاذ الشفعاء، والنبي ﷺ هو المبلغ عن الله وحيه [وقد نهاه عن دعوة غيره في مواضع كثيرة من القرآن] (٩) ، ونهى (١٠) عما نهى الله عنه، فهو يدعو الأمة إلى تركه، ويدعو إلى ما شرعه الله لأنبيائه (١١) ورسله من الإخلاص، وأخبر أنه لا ينتفع إلا من تخلى عن الشفعاء رأساً.

стр. 143

فالإجماع إنما هو على ما يحبه الله ورسوله، ويأمر به من دينه، والنهي عما نهى عنه من دين المشركين من أهل الجاهلية، ومن قبلهم من مشركي العرب، كما (١) ورد عن مشركي قوم نوح أنهم قالوا: ما عظم أولنا هؤلاء إلا وهم يرجون شفاعتهم عند الله. وقد أبلغ تعالى في كتابه في البيان بقوله في حق نبيه ﷺ : ﴿قُلْ إِنِّي (٢) لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَدا﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِه﴾ (٣) ، وقال: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّا﴾ (٤) الآية، وقال تعالى (٥) : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدا﴾ (٦) الآية. فيقال لمدعي الإجماع: صحح لنا القول بجوازه عن واحد من سلف الأمة وأئمتها، ومن المحال أن يجد ذلك، والقرآن ينادي بالنهي عنه، وتكفير من فعله وظلمه وضلاله. فسبحان الله! كيف ينسب هذا العراقي، وأمثاله إلى النبي ﷺ أن يرضى في حقه ما (٧) ينافي ما اختاره الله لنفسه من الإخلاص، فقد افترى على الله وعلى رسوله ﷺ ، وبدل دينه الذي بعث به الأنبياء والمرسلين، واختار لنفسه دين المشركين مع الكذب والزور والإفك والفجور.

стр. 144

وما ذكره من هذا الإجماع باطل من وجوه: الأول: أن الله نهى نبيه ﷺ أن يدعو أحداً من دونه، ووجّه الخطاب إليه بالنهي عن هذا الأمر في مواضع من كتابه، تعظيماً لهذا المنهى عنه، وأمر نبيه ﷺ أن يبلغه أمته، فقال (١) : ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِين﴾ (٢) وهذا عام يتناول كل مدعو، حتى الأنبياء والملائكة والصالحين، كما قال تعالى:/ ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلا﴾ (٣) . اتفق المفسرون والأئمة أن هذه الآية نزلت فيمن يدعو الأنبياء والصالحين والملائكة، فانظر إلى هذا التهديد والوعيد الشديد فيمن يدعو مع الله غيره من الأنبياء والملائكة والصالحين، فمن المحال أن يرضى رسول الله ﷺ بفعل ما نهاه الله (٤) عنه: من دعوة غير الله، فمن (٥) ادعى ذلك فقد افترى على الله، وعلى رسوله بما لم ينزل الله به سلطاناً. ومن المحال أيضاً في حق من بلغه القرآن من سلف الأمة وأئمتها أن يرضى أن تقلب حقيقة الدين التي أحقها الله تعالى (٦) في كتابه: من تحريم الشرك به (٧) بدعوة الأموات والغائبين، وتعلق القلوب في خصائص الإلهية بغير

стр. 145

رب العالمين، وهذا هو الباطل المحض، والاجتراء على الله وعلى كتابه وعلى رسوله ﷺ . سبحان الله! كيف يخفي هذا على من سمعه؟ وكيف تخفى حال من وضعه هذا (١) الوضع وبدل دين الله، وأقام الشرك مقام التوحيد، والتوحيد مقام الشرك؟. وهذا القول ينبئك عن فساد ما سوّد به (٢) القرطاس، من وسواس الخناس، الذي يوسوس (٣) في صدور الناس. وهذا (٤) الذي ادعاه هذا العراقي هو عين المحادة لله ولرسوله وللمؤمنين،

стр. 146

ولا ريب أن مدلول الدعاء هو السؤال والطلب، كما دل على ذلك الكتاب والسنة واللغة والفطرة والعقول وإن جحد ذلك من جحده، وقد أمر الله تعالى عباده بسؤاله فقال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِه﴾ (١) ، وقال ﷺ لابن عباس: "إذا سألت فسأل الله" (٢) . وقد قصر ﷺ ابن عمه في سؤاله على ربه تعالى، ولا ريب أن ذلك من أنواع العبادة التي لا يصلح أن يصرف منها شيء لغير الله كائناً من كان، والدعاء هو العبادة في كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، شاء المشرك أم أبى. الوجه الثاني: أن ابن عباس ﵄ وغيره من الصحابة، حتى من هو أفضل منه من الخلفاء الراشدين، ومن في طبقة ابن عباس كابن عمر وغيره، ومن دونهم: لم يعهد عن أحد منهم أنه أتى إلى قبر النبي ﷺ يقول: "يا رسول الله (٣) اشفع لي أو أسألك الشفاعة"، ولو كان خيراً سبقوا إليه، ولما أجدبوا خرج عمر فاستسقى بالعباس عم النبي ﷺ ، وجعله إماماً يدعو ويؤمنون فقال: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فأسقنا فيسقون" (٤) . فسبحان الله! كيف يجوز على أفضل الصحابة بعد أبي بكر أن يعدل عن

стр. 147

النبي ﷺ في التوسل في حال الحاجة والضرورة إلى عمه العباس (١وهو يجوز في حقه ﷺ هذا محال١) (١) . هذا والسابقون الأولون متوافرون، لم ينكر ذلك على عمر أحد منهم (٢) ، ولو كان التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته عندهم جائزاً لما جاز على عمر والسابقين الأولين أن يعدلوا عنه إلى العباس. والميت قد غاب عن الدنيا وأهلها، وأفضى إلى الذي بيده ملكوت السموات والأرض، وفي سؤال الميت تنزيل له منزلة علام الغيوب الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وفيه تشبيه المخلوق بالخالق في خصائص الآلهية، وهي تجريد القصد، والإرادة، والطلب، والنية لله وحده، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (٣) وهي "لا إله إلا الله". وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ (٤) "والحنيف" هو المقبل على الله المعرض عن كل ما سواه. والمقصود أن من أقبل على غير الله بقلبه ووجهه/ ولسانه وسائر (٥) جوارحه رغبة ورهبة إليه، فقد أعرض لذلك القصد والإرادة، وقد قال تعالى:

стр. 148

﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي [وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ] (١) ﴾ فإن كانت الصلاة الشرعية هي مدلول الآية، فقد تضمنت نوعي الدعاء: دعاء المسألة، ودعاء العبادة، فالصلاة لا تصلح إلا باجتماعهما فيها، ومعلوم أن ما اشتملت عليه الصلاة الشرعية فهو عبادة، تعبد الله به العباد، وكذلك قوله: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ (٢) فما أبقت هذه الآية في العبد نصيباً لغير الله في كل ما يحبه (٣الله من عبده ويرضاه٣) (٣) . وقد تقرر هذا التبيان من محكم [القرآن] (٤) فيما أسلفته في أول الجواب، ولله الحمد والمنة، وبه الحول والقوة. ولا ريب أن اتخاذ الشفعاء والتوجه إليهم بالقلب واللسان ينافي إسلام القلب والوجه لله [وحده] (٥) ، وقد قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ (٦) . أخبر الله تعالى أن النذارة بالقرآن لا ينتفع بها إلا من تخلى عن الشفعاء في دار العمل، وعلق رغبته ورهبته وسؤاله وطلبه بمن له الملك كله، وله الحمد كله، وبيده الخير كله؛ وإليه يرجع الأمر كله، وهذا هو الذي دعا إليه رسول الله ﷺ وفي تحقيقه وتقريره من الآيات ما لا يحصى. فمن تدبر القرآن والسنة عرف أن النبي ﷺ حَمى حِمى التوحيد، وأبطل وسائل الشرك، كما في حديث عبادة بن الصامت ﵁ الذي رواه

стр. 149

الطبراني وغيره (١) أنهم لما قال بعض الصحابة لبعض: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، قال ﷺ : "إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله" (٢) فهذا في حال حياته (٣) ﷺ نهاهم سداً للذريعة، وأن لا يجعلوا

стр. 150

استغاثتهم بأحد دون الله . وقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله" (١) ، وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد" (٢) . ويأتي من زيادة البيان في هذا المقام من كلام السلف والعلماء ما يكفي طالب الحق ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُور﴾ (٣) . الوجه الثالث (٤) : أن النبي ﷺ في حال نزول الموت به قال: "اللهم الرفيق الأعلى" (٥) ، ومن كان في الرفيق الأعلى فقد غاب عن الدنيا

стр. 151

وأهلها (١) ، كما قال تعالى في حق المسيح ابن مريم: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد﴾ (٢) ، فأخبر ﵇ أنه لما كان بين أظهرهم كان شهيداً عليهم؛ فلما غاب عنهم كان الشهيد هو الله، الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، فكيف ينزّل الغائب منزلة من لا يخفى عليه شيء في الأرض (٣) ولا في السماء؟. الوجه الرابع: أن النبي ﷺ علَّم أمته كل خير يعلمه لهم، وحذرهم (٤) عن كل شر يعلمه لهم، كما في حديث سلمان: "علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة؟ قال: أجل" (٥) الحديث، والخراءة آداب التخلي. وعلمهم نبيهم كيفية الصلاة عليه والسلام (٦) ، لما فيه من أداء حقه عليهم ونفعه لهم، ولو كان الاستشفاع به بعد وفاته ينفعهم ويجوز منهم لما ترك تعليمهم ذلك وإرشادهم إليه، فلما لم يفعل ذلك علم أنه مما لا يجوز منهم، كما دل عليه ما تقدمت الإشارة إليه/ من آيات الشفاعة، وأن الله أنكر على المشركين اتخاذهم الشفعاء، بسؤال الشفاعة، وطلبها منهم، وأخبر أنها منتفية في حق من طلبها من غير الله، وبيَّن أن ذلك شرك نزه (٧) تعالى نفسه عنه،

стр. 152

سبحان الله عما يشركون، وهذا الحكم عام لا تخصيص فيه لأحد أصلاً. فتأمل هذه الأوجه يتبين لك خطأ هذا العراقي المغرور، وأنه عكس الإجماع، كما قد تبين من حاله، والإجماع الصحيح هو ما ذكره شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- وتلقاه (١) عنه الفقهاء في كتبهم، فإنه قال: "من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم كفر إجماعا" وقد تقدم (٢) . (٤ وتأمل قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ، وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُون﴾ (٣) ، ونظائر هذه الآية كثير، ويدركها من تدبر ٤) (٤) . فمن تأمل أحوال الصحابة ﵃ والتابعين والأمة عرف أن هذا هو الإجماع الصحيح، المستند إلى ما لا يحصى من أدلة الكتاب والسنة، ولو ذكرنا مستند هذا الإجماع من الكتاب والسنة لطال الجواب، وقد تقدم الكثير من ذلك: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٥) والحق عليه نور وله ظهور، والباطل عليه ظلمة ودثور. فتدبر قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدا﴾ (٦) ،

стр. 153

وقوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْء﴾ (١) فإن قوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ يفيد الحصر؛ أي: فدعوة الحق له لا لغيره، فدعوة غيره ليست من الحق في شيء، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ ، فهذا الاسم لا يستعمل إلا في حق من يعقل، كما هو معروف عند النحاة، وقوله: ﴿لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْء﴾ ، فيه دليل على أن المراد دعاء المسألة، فأخبر سبحانه أنهم لو دعوهم فإجابتهم لهم فيما سألوهم ممتنعة منتفية بالكلية، وقوله: ﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلال﴾ (٢) ؛ لأنهم لم يجدوا مما طلبوه وأمَّلوه منهم شيئاً، وبيَّن تعالى أن دعوة غيره كفر وضلال. وهذه الآية وأمثالها تقطع كل من دعا غير الله، من ميت أو غائب ولهذا أعدت الاستدلال بها، فإن أصل دين الإسلام أن لا يعبد إلا الله، وأن لا يعبد إلا بما شرع، لا بالأهواء والبدع، وليس في الصحابة والتابعين وأتباعهم والأئمة من أجاز أن يسأل ميت أو غائب من دون الله؛ لأنه لا قدرة له على شيء من أمر الدنيا، ولا من أمر الآخرة، مع غفلتهم وعدم استجابتهم لمن دعاهم، وكراهتهم لذلك، وقد تقدم التصريح بذلك في الآيات المحكمات، ولم ينقل عن أحد من علماء الصحابة والتابعين والأئمة أنه استغاث بنبي أو غيره، أو استشفع به بعد وفاته، ولما أعتقد أناس في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الألهية، كاعتقاد كثير من هؤلاء في أرباب القبور خد الأخاديد وأضرمها

стр. 154

بالنار (١) وقال: لما رأيت الأمر أمراً منكرا ... أججت ناري، ودعوت قنبرا وهذا هو الشرك الأكبر، وهو أعظم ذنب عصى الله به، وهو الذي بعث الله [به] (٢) رسله بإنكاره، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ/ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٣) ، والآيات في هذا المعنى كثيرة جداً. وقد تقدم قول الإمام مالك وغيره: (إن الطاغوت ما عبد من دون الله) . وقد حده العلامة ابن القيم بحد جامع مانع، فقال: (الطاغوت: ما تجاوز به العبد حده: من معبود، أو متبوع، أو مطاع) (٤) . فلا ذنب أعظم من أن يعتقد أحد أنه إذا دعا ميتاً أو غائباً أو استشفع به أنه يشفع له، وقد أبطل الله هذا الزعم الكاذب في الآيات المحكمات وفي الآيات التي ذكر فيها الشفاعة، وبيَّن تعالى الشفاعة المثبتة، ونفى كل شفاعة فيها شرك تُطلب من غيره، كما تقدم من أنه شرك ينافي الإخلاص هو دينه الذي لا يرضى من أحد ديناً سواه، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ، أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٥) . ولا ريب أن الاستشفاع بالأموات يتضمن أنواعاً من العبادة سؤال غير الله، وإنزال الحوائج به من دون الله، ورجائه، والرغبة إليه، والإقبال عليه بالقلب

стр. 155

والوجه والجوارح واللسان، وهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى- في مسألة الوسائط: وقد سئل عن رجل قال: لا بد لنا من واسطة بيننا وبين الله تعالى. فأجاب: (الحمد لله رب العالمين إن (١) أراد أنه لا بد لنا من واسطة تبلغنا أمر الله، فهذا حق، فإن الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه، وما أمر به ونهى عنه (٢) ، ولا يعرفون ما يستحقه من أسمائه الحسنى وصفاته العلى (٣) ، وأمثال ذلك إلا بالرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده) . -إلى أن قال-: (وإن أراد بالواسطة: أنه لابد من واسطة يتخذه (٤) العباد بينهم وبين الله (٥) في جلب المنافع، ودفع المضار، يسألونه ويرجونه (٦) ، فهذا من أعظم الشرك الذي كفَّر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء يجتلبون بهم المنافع، ويستدفعون (٧) بهم المضار. لكن الشفاعة لمن أذن (٨) الله له فيها. قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ

стр. 156

مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُون﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيع﴾ (٢) ، وذكر قول الله تعالى (٣) ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ (٤) وقد تقدم. فبيَّن الله لهم أن الملائكة والأنبياء لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويله، وأنهم يتقربون إليه بما يحبه ويرضاه (٥) ، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ، وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٦) فبين سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً كفر، فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم، ويسألهم جلب المنافع، وسد الفاقات (٧) ، وتفريج الكربات، فهو كافر بإجماع المسلمين) انتهى (٨) . قلت: فتفطن لقوله –رحمه الله تعالى-: (يدعوهم ويسألهم) .

стр. 157

وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد (١) قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود/ عند رسول الله ﷺ فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهودياً. وقالت النصارى: ما كان إلا نصرانيّاً، فأنزل الله فيهم: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْأِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢) ، فقال رجل من الأحبار: أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى (٣) ابن مريم؟ وقال رجل من نصارى نجران: وذلك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا؟ فقال رسول الله ﷺ : "معاذ الله أن أعبد غير الله أو آمر بعبادة غيره ما بذلك بعثني ولا أمرني". فأنزل الله في ذلك: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٤) انتهى ما رواه ابن إسحاق (٥) . وذكر شيخ الإسلام أيضاً- بعد كلامه الذي سبق – في (٦) مشايخ العلم

стр. 158

[والدين] (١) ، جعلهم الله وسائط بين الرسول وبين (٢) أمته (٣) ، يبلغون عنه، ويقتدون به فمن جعلهم وسائط بين الرسول وبين (٤) أمته (٥) في البلاغ عنه فقد أصاب؛ وهم إذا اجتمعوا فاجتماعهم حجة قاطعة، لا يجتمعون على ضلالة، وإن تنازعوا في شيء ردوه إلى الله والرسول، إذ الواحد منهم ليس بمعصوم على الإطلاق، بل كل أحد (٦) يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ ، وقد قال النبي ﷺ : "العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثوا العلم. فمن أخذه أخذ بحظ وافر" (٧) .

стр. 159

وأما جعل الوسائط بين الله وبين خلقه، كالحجاب الذين بين الملك ورعيته، بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه، بمعنى أن الخلق يسألونهم، وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون حوائج الناس لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدباً منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو أن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك؛ لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب، فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك، يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وهؤلاء شبهوا (١) الخالق بالمخلوق، وجعلوا لله

стр. 160

أنداداً، وفي القرآن من الرد على هؤلاء ما لا تتسع له هذه الفتوى) -إلى أن قال- رحمه الله تعالى-: (والمشركون يتخذون شفعاء من جنس ما يعهدونه من الشفاعة عند المخلوقين، قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١) ، (٣وقال تعالى عن صاحب يس: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ، إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِين﴾ (٢) ٣) (٣) ، وقال (٤) تعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٥) -إلى أن قال: (وقد (٦) قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ، وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ/ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٧) ، فبيَّن سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً كفر، فمن جعل الملائكة والأنبياء (٨) وسائط يدعوهم، ويسألهم

стр. 161

جلب المنافع، ودفع المضار، وسد الفاقات، وتفريج الكربات، فهو كافر بإجماع المسلمين، ومن ذلك اتخاذهم شفعاء) (١) . وقد تقدم ما يدل على ذلك صريحاً، ويأتي هذا الكلام عنه-﵀ مبسوطاً. وذكر قول الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ، وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَه﴾ (٢) . ثم قال رحمه الله تعالى: (نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به (٣) المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عوناً لله، ولم يبق إلا الشفاعة فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال تعالى (٤) : ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (٥) فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآن، وأخبر النبي ﷺ : "أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده" لا يبدأ بالشفاعة أولاً، ثم يقال له:

стр. 162

"ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع" (١) ، وقال له أبو هريرة (٢) : من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: " من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه" (٣) ، فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله. وحقيقته (٤) : أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه، وينال المقام المحمود، فالشفاعة التي نفاها القرآن: ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وقد بين (٥) النبي ﷺ أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص) (٦) انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وقال العلامة ابن القيم –رحمه الله تعالى-في معنى حديث أبي هريرة: (تأمل هذا الحديث، كيف جعل أعظم الأسباب التي تنال شفاعته: تجريد التوحيد عكس ما عند المشركين: أن الشفاعة تنال باتخاذهم شفعاء، وعباداتهم ومولاتهم، فقلب النبي ﷺ ما في زعمهم الكاذب، وأخبر أن سبب

стр. 163

الشفاعة تجريد التوحيد، فحينئذ (١) يأذن الله للشافع أن يشفع، ومن جهل المشرك: اعتقاده أن من اتخذ وليّاً، أو شفيعاً أنه يشفع له، وينفعه عند الله، كما يكون خواص الملوك والولاة تنفع من والاهم، ولم يعلموا أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يأذن في الشفاعة إلا لمن رضي قوله وعمله، كما قال تعالى في الفصل الأول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِ﴾ (٢) . وفي الفصل الثاني: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (٣) . وبقي فصل ثالث، وهو أنه لا يرضى من القول والعمل إلا التوحيد واتباع رسوله (٤) ﷺ فهذه ثلاثة فصول تقطع شجرة الشرك من قلب من دعاها وعقلها) . انتهى (٥) . قلت: وهذا الذي ذكره شيخ الإسلام، وابن القيم –رحمهما الله تعالى- هو الذي أجمع عليه أهل الحق سلفاً وخلفاً، كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُون﴾ (٦) وقد (٧) تقدم لشيخ الإسلام أن هذا مجمع عليه. فلا يلتفت إلى ما أحدثه المشركون، وزخرفوه/ من الأكاذيب والأباطيل، وإن اعتمدها من زاغ قلبه عن الهدى، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال:

стр. 164

"بدأ (١) الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ" (٢) ، وصح عنه ﷺ أنه قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذّة بالقذّة، حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه" قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ "قال: فمن" (٣) . وقد ذكر تعالى ما وقع من اليهود والنصارى من التغيير للحق والتبديل؛ كما قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُون﴾ (٤) الآية، وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ. اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُون﴾ (٥) . وقد جرى في طوائف من هذه الأمة ما جرى من أهل الكتاب من الشرك بالأخبار والرهبان، وغيرهم من الأموات والغائبين ما لا يخفى على من له بصيرة يعقل بها ما ذكره الله تعالى في كتابه، وما حدث في الأمة من مشابهة اليهود

стр. 165

والنصارى من الشرك والتبديل والتحريف، وقد صح عن النبي ﷺ في عدة أحاديث أنه قال: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما صنعوا (١) " (٢) . وقد ذكر شيخ الإسلام –رحمه الله تعالى-طرفاً مما شابه فيه أهل الكتاب كثيراً من هذه الأمة، وما شابهوا فيه أعداء الرسل من الأمم، فإنه قال (٣) : (وما زال المشركون يسفهون الأنبياء، ويصفونهم بالجنون والضلال، كقوم نوح وعاد وثمود، وهكذا تجد من فيه شبه (٤) بهم، إذا رأى من يدعو إلى توحيد الله، وإخلاص الدين له؛ وأن لا يعبد الإنسان إلا الله، ولا يتوكل إلا عليه: استهزؤا ذلك لما عندهم من الشرك، وكثير من هؤلاء يخربون المساجد (٥) ، فتجد المسجد الذي بني للصلوات الخمس معطلاً مخرباً، والمشهد (٦) الذي بني على الميت عليه الستور والزينة والرخام، والنذور تغدو/ وتروح إليه، فهل هذا إلا لاستخافهم (٧) بالله، وباياته، ورسوله، وتعظيمهم للشرك؟

стр. 166

فإنهم اعتقدوا أن دعاء الميت الذي بني له المشهد أنفع لهم (١) من دعاء الله والاستغاثة به في البيت الذي بني لله ، وإذا (٢) كان لهذا وقف، ولهذا وقف، كان وقف الشرك أعظم عندهم منه (٣) ؛ مضاهاة لمشركي العرب الذين ذكر الله حالهم في قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُون﴾ (٤) . يجعلون لله زرعاً وماشية ولآلهتهم زرعاً وماشية، فإذا أصيب نصيب آلهتهم أخذوا من نصيب الله فوضعوه فيه، وقالوا: الله غني وآلهتنا فقراء (٥) ، وهكذا هذه الوقوف والنذور التي تبذل عندهم للمشاهد هي عندهم أعظم (٦) مما يبذل عندهم للمساجد ولعمارة المساجد، وهؤلاء إذا قصد أحدهم القبر الذي يعظمه بكى عنده، وخضع ويدعو ويتضرع، ويحصل له من الرقة والعبودية وحضور القلب ما لا يحصل مثله في الصلوات الخمس والجمعة (٧) وقراءة القرآن، فهل هذا (٨) إلا من حال المشركين المبتدعين، لا من حال الموحدين المخلصين المتبعين لكتاب الله (٩) وسنة رسوله ﷺ

стр. 167

ومن هؤلاء: من إذا كانوا في السماع (١) فأذن المؤذن قالوا: نحن في شيء أفضل مما دعانا إليه، والذين يجعلون دعاء الموتى من الأنبياء والملائكة (٢) والشيوخ أفضل من دعاء الله أنواعاً متعددة. ومنهم من يحكي أنواعاً من الحكايات: حكاية أن بعض المريدين استغاث بالله فلم يغثه، واستغاث بشيخه فأغاثه، وحكاية أن بعض المأسورين في بلاد العدو دعا الله فلم يخرجه، ودعا بعض المشايخ الموتى فجاء فأخرجه إلى بلاد الإسلام، وحكاية أن بعض الشيوخ قال لمريده: إذا كانت لك حاجة إلى الله (٣) ؛ فتعال فقف (٤) إلى قبري (٥) ، وتوسل إلى الله بي، وآخر قال: قبر فلان هو الترياق المجرب، فهؤلاء وأشباههم يرجحون/ هذه الأدعية على أدعية المخلصين لله مضاهاة لسائر المشركين) . قلت: وهذا مما شابهت فيه هذه الأمة من قبلهم من أهل الكتاب والمشركين، ويأتي في كلام شيخ الإسلام كثير من هذا الضرب، مما اختلقه المشركون من هذه الأمة أسوة بأمثالهم (٦) ممن ألحد في الدين، واتبع غير سبيل المؤمنين، ومن كذب على الله وافترى ونبذ الكتاب وراء ظهره واجتراء، وقد قال الله : ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ. وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ. وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ. وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ

стр. 168

بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ. إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ. إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ. وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ (١) . وقد بيَّن الله تعالى في كتابه هذا الشرك الذي انتحله هؤلاء المشركون بياناً شافياً، وقد تقدم في الآيات المحكمات ما يبينه ويوضحه، وما يترتب على فعله من التهديد، والوعيد الشديد وتكفير (٢) من فعله، فأخذ هؤلاء ما زخرفوه من الترهات والخيالات والشبهات، بدلاً عن الآيات المحكمات، وصريح السنة وصحيحها، فلا محال أبين من هذا المحال؛ ولا ضلال أبعد من هذا الضلال، ألم يسمعوا إلى قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ. وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِين﴾ (٣) . وقوله (٤) تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ. إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِير﴾ (٥) .

стр. 169

وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُون﴾ (١) ، وقد تقدمت هذه الآيات وبعض نظائرها من الآيات المحكمات. وقد عرفت أن كل داع قد أقبل قلبه (٢) على المدعو، ووجه وجهه إليه، ورغب إليه ورجاه، وأحبه مع الله، وتوكل عليه، وخضع له وأناب إليه؛ وغير ذلك، وكل هذا عبادة لا تصلح إلا للحي القيوم، الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، له ما في السموات وما في الأرض، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في /الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين. وسبحان الله! أين ذهبت عقول (٣) المشركين عن عبادة الذي خلقهم ورزقهم؛ ويحييهم ويميتهم، ويتصرف فيهم بمشيئته وإرادته؟ ولا نفع ولا ضر إلا بمشيئته وقدرته (٤) وحكمته (٥) ، وقد قال الله (٦) تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُون﴾ (٧) ، وقال (٨) : ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ. أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ. إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُون﴾ (٩) .

стр. 170

ثم أخبر تعالى أن العلة التي صرفتهم عن قبول الحق، الإنكار والاستكبار، فأخذوا الضلال عوضاً عن الهدى، وقد أنذرهم نبيهم ﷺ غاية الإنذار، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ. رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ. قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ. أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ ِالْعِبَادِ﴾ (٢) ، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً. قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً. قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً. إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ (٣) . فسبحان الله! كيف جاز في عقول هؤلاء أن يتقربوا إلى رسول الله ﷺ بالشرك الذي بعثه الله بإنكاره، والإنذار عنه، وعداوة من فعله (٤) ، وأصر عليه، وقتاله، وإباحة دمه وماله؟ كما دلت عليه هذه الآيات المحكمات ونظائرها. قال الله (٥) تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّه﴾ (٦) والفتنة: الشرك بالله في العبادة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحا

стр. 171

وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدا﴾ (١) . والعجب أن كثيراً من هؤلاء لم يفهموا من هذه الآية إلا الشرك الأصغر، كيسير الرياء، وهذا من فساد العقول، والجهل بمضمون الدال والمدلول. (٤ والشرك بأرباب القبور والغائبين هو الشرك الأكبر المخرج عن الإسلام، و [هو] (٢) شرك مشركي قريش والعرب، بل هو في أواخر هذه الأمة، فلا ينفع معه صلاة ولا عمل، وقد قال تعالى في حق المشركين: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ. مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ (٣) الآية، فكفرهم تعالى بالشرك بالدعاء الذي جحده كذباً على الله٤) (٤) . وتأمل قوله: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ فلا تصلح الإلهية إلا له وحده. و"الإله" هو الذي تألهه القلوب بأي نوع كان من أنواع العبادة كما تقدم، فمن صرف من العبادة شيئاً لغير الله، كالدعاء ونحوه فقد ألهه بالعبادة، واتخذه إلهاً من دون الله، ولا يختلف كلام أهل اللغة وأهل السنة سلفاً وخلفاً عن هذا المعنى (٥) . وقد تقدم في هذا الجواب نحو (٦) مما ذكرناه هنا، ولو ذهبنا نذكر جميع الأدلة على هذا الأصل العظيم لاحتمل عدة أجزاء، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

стр. 172

/ومن أعظم أسباب (١) الوقوع في الشرك: استصحاب العوائد وإلفها، وكثرة من ضل عن الحق إما جهلاً وإما عناداً، وبهذه الأسباب ونحوها كثر اللبس الذي نهى الله تعالى عنه اليهود في قوله: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢) ذكره تعالى في أول سورة البقرة تحذيراً لهذه الأمة أن يشابهوا أهل الكتاب فيما ذمهم تعالى به، ونهاهم عنه. وقد عمت البلوى بذلك، ولم يستندوا فيه إلا إلى خيالات شيطانية، كما قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُون﴾ (٣) . قال العلامة ابن القيم (٤) –رحمه الله تعالى –لما ذكر سبب عبادة الأصنام التي صورها قوم نوح على صور الصالحين قال: (وما زال الشيطان يوحي إلى عباد القبور ويلقي إليهم أن البناء والعكوف عليها من محبة أهل القبور من الأنبياء والصالحين، وأن الدعاء عندها مستجاب، ثم ينقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء بهم (٥) ، والأقسام بهم (٦) على الله، فإن شأن الله أعظم من أن يقسم عليه، أو يسأل بأحد من خلقه، فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى دعائه وعبادته، وسؤاله الشفاعة، واتخاذ قبره وثناً تعلق عليه القناديل والستور، ويطاف به، ويستلم ويقبل، ويحج إليه، ويذبح

стр. 173

عنده، فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى دعاء الناس إلى عبادته، واتخاذه عيداً ومنسكاً (١) ، ورأوا أن ذلك أنفع لهم في دنياهم وأخراهم. وكل (٢) هذا مما قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضاد لما بعث الله به رسوله ﷺ ، من تجريد التوحيد، وأن لا يعبد إلا الله. فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى أن من نهى عن ذلك فقد تنقص أهل الرتب العالية، وحطهم عن منزلتهم، وزعم أنه لا حرمة لهم ولا قدر، وغضب المشركون، وأشمأزت قلوبهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُون﴾ (٣) وسرى ذلك في نفوس كثير من الجهال والطغام، وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين، حتى عادوا أهل التوحيد، ورموهم بالعظائم، ونفروا الناس عنهم، ووالوا أهل الشرك وعظموهم، وزعموا أنهم أولياء الله وأنصار دينه ورسوله، ويأبى الله ذلك: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُون﴾ (٤) انتهى كلامه-رحمه الله تعالى- (٥ وقد تقدم، وقد كرره في مواضع فأتبعناه، وهو كلام/ عظيم مطابق لما يقع من المشركين في كل زمان ومكان ٥) (٥) . وليتأمل ما ذكره العلماء –رحمهم الله تعالى (٦) - في قوله تعالى (٧) : ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ

стр. 174

أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِير﴾ (١) . قال ابن عطية (٢) في هذه الآية: (في الكلام حذف دل عليه الظاهر، كأنه قال: ولا هم شفعاء كما تزعمون أنتم، بل عبدة (٣) مسلمون أبدا، يعنى منقادون) . وقال أبو حيان (٤) : (وبهذا المعنى من ذكر الملائكة في صدر الآية تتسق هذه الآية على الأولى، ومن لم يشعر أن الملائكة مشار إليهم من أول قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم﴾ لم (٥) تتصل له هذه الآية بما قبلها) . وقال مقاتل بن حيان (٦) في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ (٧) الآية. قال: (فسألهم النبي ﷺ فسكتوا أي: لأنهم يعتقدون ذلك فيها، وإنما كانوا يدعونها على معنى أنها وسائط، وشفعاء عند الله، لا أنهم (٨) يكشفون الضر ويجيبون دعاء المضطر، فهم يعلمون أن ذلك لله وحده، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ. ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ

стр. 175

مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ (١) . انتهى (٢) . ولا عجب من وقوع الكثير من الناس في الجهل بالتوحيد، ووقوعهم في الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، مع انتسابهم إلى الإسلام، وقراءتهم القرآن، وانتسابهم إلى شريعة الإسلام، فقد روى الإمام أحمد وابن ماجه عن زياد بن لبيد-﵁-قال: ذكر النبي ﷺ شيئاً فقال: "ذلك عند أوان ذهاب العلم" قلت: يا رسول الله وكيف يذهب ونحن نقرأ القرآن ونقرؤه أبناءنا، ويقرؤه أبنائنا (٣) ، أبناءهم؟، قال: "ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأراك من أفقه رجل في المدينة، أوليس هذه (٤) اليهود والنصارى يقرأون التوراة والإنجيل لا يعملون بشيء مما فيها؟ " (٥) . وعن علي –﵁-قال: قال رسول الله ﷺ : "يوشك أن يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا يبقى من القرآن إلا رسمه،

стр. 176

مساجدهم (١) عامرة، وهي يومئذٍ (٢) خراب من الهدى، علماؤهم أشر من تحت أديم السماء [من] (٣) عندهم تخرج الفتنة، وفيهم تعود" (٤) أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان". قلت: وقد ظهر الشرك والبدع في هذه الأمة بعد القرون المفضلة، بظهور الدول بالمشرق والمغرب، / كالأزارقة، وبني بويه، والقرامطة، ونبي عبيد القداح، والإسماعيلية ونحوها، فاشتدت غربة الإسلام، وصار أهل السنة غرباء كما قال النبي ﷺ : "بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس أو يصلحون ما أفسد الناس" (٥) ، وقد تقدم

стр. 177

هذا، وأعيد لئلا ينسى كنظائره، فإن الحق يحلو مع التكرار والبيان. وقد أشار إلى ما وقع في هذه الأمة من مصداق هذا الحدث كثير من العلماء، قديماً وحديثاً، فمن ذلك ما ذكره يحيى بن يوسف (١) الصرصري قال:

стр. 178

نُح وابكِ، والمعروف أقفر رسمه ... والمنكر استعلى وآثر وسمه (١) لم يبق إلا بدعة فتانة ... بهوى مضل مستطير سمه هذا الذي (٢) وعد النبي المصطفى ... بظهوره وعداً توثق (٣) حتمه هذا لعمر إلهك الزمن الذي ... تبدو جهالته ويرفع علمه ذهب النصيح لربه ونبيه ... وإمامه نصحاً تحقق عزمه لم يبق إلا حاكم هو مرتش ... أو عالم تخشى (٤) الرعية ظلمه والصالحون على الذهاب تتابعوا ... فكأنهم عقد تناثر نظمه لم يبق إلا راغب، هو مظهر ... للزهد، والدنيا الدنية همه لولا بقايا سنة ورجالها ... لم يبق نهج (٥) واضح نأتمه (٨ وقد قال العلامة ابن القيم –رحمه الله تعالى (٦) -: وأي اغتراب (٧) فوق غربتنا التي لها أضحت الأعداء فينا تحكم (٨) قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى-في "الاقتضاء" أيضاً: "ولم يكن أحد من السلف يأتي إلى قبر نبي أو (٩) غير نبي لأجل الدعاء

стр. 179

[له] (١) ، ولا كان الصحابة يقصدون الدعاء عند قبر النبي ﷺ ، ولا عند قبر غيره من الأنبياء، وإنما كانوا يصلون عليهم ويسلمون على النبي ﷺ وعلى صاحبيه، فاتفق الأئمة على أنه إذا دُعي (٢) في مسجد النبي ﷺ أنه لا يستقبل قبره. وتنازعوا عند السلام عليه، فقال مالك وأحمد وغيريهما: يستقبل قبره ويسلم عليه، وهو الذي ذكره أصحاب (٣) الشافعي، وقال مالك –فيما ذكره إسماعيل بن إسحاق في "المسبوط" والقاضي عياض وغيريهما-: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ ، ولكن يسلم/ ويمضي، وقال في "المبسوط": (لا بأس لمن قدم من سفر، أو خرج أن يقف على النبي ﷺ (٤ ويصلي ويسلم على النبي صلى الله عليه وسلم٤) (٤) ، ويدعو له ولأبي بكر وعمر، فقيل له: إن ناساً من أهل المدينة يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، فيسلمون ويدعون ساعة، فقال: لم يبلغني [هذا] (٥) عن أحد من أهل الفقه (٦) ببلدنا، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، إلا من جاء من سفر أو أراده) . قال: (وقد تقدم من الآثار عن السلف ما يوافق هذا من أنهم إنما كانوا يستحبون عند قبر (٧) النبي ﷺ ما هو من جنس الدعاء له، كالصلاة والسلام، ويكرهون قصده للدعاء والوقوف عنده، وليس في أئمة المسلمين من استحب

стр. 180

للمرء أن يستقبل قبره (١) ويدعو. وهذا الذي ذكرناه عن مالك والسلف يبين (٢) ضعف ما ينقله المحرفون عن مالك ونحوه، مما يخالف ذلك مما هو خلاف مذهبه المعروف بنقل الثقات من أصحابه، وهو نص على أنه لا يقف عند قبره للدعاء مطلقاً، ولم يذكر أحد من الأئمة أن أحداً منهم استحب أن يسأل أحداً (٣) بعد الموت، وإنما يعرف ذلك في حكاية ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء عن أعرابي أنه أتى قبر النبي ﷺ وقال: يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم فاحتجوا بهذا الحكاية التي لم (٤) يثبت بها حكم شرعي، لا سيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان مشروعاً لكان الصحابة والتابعون أعلم به وأعمل (٥) .
следующие страницы →