← Акыда

Акыда · id 11354

كشف ما ألقاه إبليس من البهرج والتلبيس على قلب داود بن جرجيس

عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ

Полный текст (359 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

مساجدهم (١) عامرة، وهي يومئذٍ (٢) خراب من الهدى، علماؤهم أشر من تحت أديم السماء [من] (٣) عندهم تخرج الفتنة، وفيهم تعود" (٤) أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان". قلت: وقد ظهر الشرك والبدع في هذه الأمة بعد القرون المفضلة، بظهور الدول بالمشرق والمغرب، / كالأزارقة، وبني بويه، والقرامطة، ونبي عبيد القداح، والإسماعيلية ونحوها، فاشتدت غربة الإسلام، وصار أهل السنة غرباء كما قال النبي ﷺ : "بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس أو يصلحون ما أفسد الناس" (٥) ، وقد تقدم

стр. 177

هذا، وأعيد لئلا ينسى كنظائره، فإن الحق يحلو مع التكرار والبيان. وقد أشار إلى ما وقع في هذه الأمة من مصداق هذا الحدث كثير من العلماء، قديماً وحديثاً، فمن ذلك ما ذكره يحيى بن يوسف (١) الصرصري قال:

стр. 178

نُح وابكِ، والمعروف أقفر رسمه ... والمنكر استعلى وآثر وسمه (١) لم يبق إلا بدعة فتانة ... بهوى مضل مستطير سمه هذا الذي (٢) وعد النبي المصطفى ... بظهوره وعداً توثق (٣) حتمه هذا لعمر إلهك الزمن الذي ... تبدو جهالته ويرفع علمه ذهب النصيح لربه ونبيه ... وإمامه نصحاً تحقق عزمه لم يبق إلا حاكم هو مرتش ... أو عالم تخشى (٤) الرعية ظلمه والصالحون على الذهاب تتابعوا ... فكأنهم عقد تناثر نظمه لم يبق إلا راغب، هو مظهر ... للزهد، والدنيا الدنية همه لولا بقايا سنة ورجالها ... لم يبق نهج (٥) واضح نأتمه (٨ وقد قال العلامة ابن القيم –رحمه الله تعالى (٦) -: وأي اغتراب (٧) فوق غربتنا التي لها أضحت الأعداء فينا تحكم (٨) قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله تعالى-في "الاقتضاء" أيضاً: "ولم يكن أحد من السلف يأتي إلى قبر نبي أو (٩) غير نبي لأجل الدعاء

стр. 179

[له] (١) ، ولا كان الصحابة يقصدون الدعاء عند قبر النبي ﷺ ، ولا عند قبر غيره من الأنبياء، وإنما كانوا يصلون عليهم ويسلمون على النبي ﷺ وعلى صاحبيه، فاتفق الأئمة على أنه إذا دُعي (٢) في مسجد النبي ﷺ أنه لا يستقبل قبره. وتنازعوا عند السلام عليه، فقال مالك وأحمد وغيريهما: يستقبل قبره ويسلم عليه، وهو الذي ذكره أصحاب (٣) الشافعي، وقال مالك –فيما ذكره إسماعيل بن إسحاق في "المسبوط" والقاضي عياض وغيريهما-: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ ، ولكن يسلم/ ويمضي، وقال في "المبسوط": (لا بأس لمن قدم من سفر، أو خرج أن يقف على النبي ﷺ (٤ ويصلي ويسلم على النبي صلى الله عليه وسلم٤) (٤) ، ويدعو له ولأبي بكر وعمر، فقيل له: إن ناساً من أهل المدينة يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، فيسلمون ويدعون ساعة، فقال: لم يبلغني [هذا] (٥) عن أحد من أهل الفقه (٦) ببلدنا، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، إلا من جاء من سفر أو أراده) . قال: (وقد تقدم من الآثار عن السلف ما يوافق هذا من أنهم إنما كانوا يستحبون عند قبر (٧) النبي ﷺ ما هو من جنس الدعاء له، كالصلاة والسلام، ويكرهون قصده للدعاء والوقوف عنده، وليس في أئمة المسلمين من استحب

стр. 180

للمرء أن يستقبل قبره (١) ويدعو. وهذا الذي ذكرناه عن مالك والسلف يبين (٢) ضعف ما ينقله المحرفون عن مالك ونحوه، مما يخالف ذلك مما هو خلاف مذهبه المعروف بنقل الثقات من أصحابه، وهو نص على أنه لا يقف عند قبره للدعاء مطلقاً، ولم يذكر أحد من الأئمة أن أحداً منهم استحب أن يسأل أحداً (٣) بعد الموت، وإنما يعرف ذلك في حكاية ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء عن أعرابي أنه أتى قبر النبي ﷺ وقال: يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم فاحتجوا بهذا الحكاية التي لم (٤) يثبت بها حكم شرعي، لا سيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان مشروعاً لكان الصحابة والتابعون أعلم به وأعمل (٥) .

стр. 181

وذكر أن معاوية [﵁] (١) استسقى بيزيد بن الأسود (٢) ، قال: ولم يذكر عن أحد من الصحابة أنه أتى إلى قبر نبي ولا غيره يستسقي عنده ولا به، وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة ﵁ (٣) [عن النبي ﷺ ] (٤) أنه قال: "ما من رجل يسلم علىَّ إلا رد الله عليَّ روحي حتى أرد ﵇" (٥) ، وفي

стр. 182

"سنن النسائي" وغيره عنه ﷺ أنه قال: "إن الله وكل بقبري ملائكة يبلغوني عن أمتي السلام/ والصلاة على" (١) فما أمر الله به ورسوله وشرعه لنا عند زيارة قبور (٢) الأنبياء والصالحين هو من جنس المشروع عند جنائزهم، كما أن المقصود بالصلاة على الميت الدعاء له. والمقصود (٣) بزيارة قبره الدعاء له، كما ثبت في الصحيح والسنن والمسند أنه ﷺ "كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور [أن يقولوا] (٤) : السلام

стр. 183

عليكم (١) دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون (٢) ، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين. نسأل الله لنا ولكم العافية. اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم" (٣) . وأما أن يقصد بالزيارة سؤال الميت والأقسام على الله به أو استجابة (٤) الدعاء عند تلك البقعة، فهذا لم يكن من فعل أحد من سلف الأمة، لا الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولم يوجد في عصرهم من يستشفع بالأموات ويتوسل بهم، وإنما الثابت عنهم ترك ذلك، كما فعل عمر ومعاوية ﵄، فإنهم عدلوا في التوسل إلى دعاء الأحياء (٥) ، لحضورهم وقدرتهم على الدعاء؛ لأنهم في دار العمل، وأما الأموات فانتقلوا عنها، وقد فارقت أرواحهم، [وأجسامهم] (٦) تحت الثرى، وأرواحهم في الرفيق الأعلى. فسبحان الله، والله أكبر فكيف جاز في عقول من جعل الله له عقلاً أن يعدل عن سؤال (٧) القريب المستجيب- وقد وعد من سأله الإجابة، وهو القادر على كل شيء، العليم (٨) بكل شيء، لا يخفى عليه شيء من أقوال خلقه

стр. 184

وأعمالهم وإرادتهم – إلى ميت غائب (١) لا يسمع ولا ينفع ولا يضر ولا يعطي ولا يمنع، في تلك الحال؟ ولا ريب أن هذا من أبطل الباطل عقلاً، ونقلاً، وفطرة، وقد قال الله (٢) تعالى محتجاً بصفاته-التي دلت على كماله تعالى – على (٣) أنه تعالى هو المدعو وحده المعبود (٤) وحده، فقال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ (٥) فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ (٦) فأمر تعالى بإخلاص الدعاء له وأنه المستحق له دون كل ما سواه.

стр. 185

فصل (١) وقال شيخ الإسلام (٢) –رحمه الله تعالى-: (ولم يثبت عن النبي ﷺ حديث واحد في زيارة قبر مخصوص، ولا روى في ذلك لأهل الصحيح ولا السنن والأئمة المصنفين في المسند (٣) ، وإنما روى ذلك من جمع الموضوع وغيره. وأجل حديث وري في ذلك ما رواه الدارقطني –وهو ضعيف باتفاق أهل العلم-بل الأحاديث المروية في زيارة قبره كقوله: "من زارني وزار أبي الخليل في عام واحد ضمنت له على الله (٤) الجنة" (٥) ، /"ومن زارني بعد مماتي فكأنما

стр. 186

زارني في حياتي" (١) ، "ومن حج ولم يزرني فقد جفاني" (٢) ، ونحو هذه الأحاديث كلها مكذوبة موضوعة، ولكن النبي ﷺ رخص زيارة القبور مطلقا، بعد أن كان قد نهى عنها (٣) لتذكر الآخرة؛ والدعاء للميت أو للأموات والاستغفار لهم، فهذا هو المشروع، وهو سبب الإذن في زيارة القبور، لا لدعائهم (٤) والاستشفاع بهم. فإن هذا لم يشرعه الله ولا رسوله [ ﷺ ] (٥) ، بل نهى عنه وحرمه؛ كما تقدم في الآيات المحكمات، فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم، فإن أهل (٦) القبور لا ينفعون ولا يضرون، ولا يسمعون ولا يستجيبون بنص القرآن

стр. 187

العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. وقال جل ذكره: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُون﴾ (١) . وقال أيضاً (٢) شيخ الإسلام –رحمه الله تعالى-: (فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، فهو كافر بإجماع المسلمين، فإن الله جعل الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وسائط في تبليغ أمره ونهيه، ووعده ووعيده، فليس لأحد طريق إلى الله (٣) إلا بمتابعة الرسول بفعل ما أمر وترك ما حذر، وأما إجابة الدعوات، وتفريج الكربات، فهذا لله وحده لا يشركه فيه أحد؛ ولهذا فرق في كتابه بين ما فيه حق للرسول وبين ما هو لله وحده (٤) ، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُون﴾ (٥) . فبيَّن سبحانه ما يستحقه الرسول من الطاعة، فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله، وأما الخشية والتقوى فجعل ذلك لله وحده، وكذلك قوله تعالى (٦) :

стр. 188

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ (١) ، فجعل الإيتاء لله وللرسول، وأما التوكل والرغبة فله (٢) وحده، كما في قوله تعالى (٣) : ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ ولم يقل: ورسوله وقال: ﴿ِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ ولم يقل: وإلى رسوله، وذلك موافق لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ. وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب﴾ (٤) فالعبادة والخشية والتوكل والدعاء والرجاء/ والخوف لله وحده لا يشركه فيه أحد، وأما الطاعة والمحبة والإضاء فعلينا أن نطيع الله ورسوله، ونحب الله ورسوله، ونرضى الله ورسوله؛ لأن طاعته طاعة لله (٥) ؛ ورضاه إرضاء لله (٦) ، وحبه من حب الله. والله سبحانه لم يجعل أحداً من الأنبياء والمؤمنين واسطة في شيء من الربوبية والإلهية. قال تعالى (٧) : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِه﴾ (٨) ، وقال تعالى (٩) : ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (١٠) ، وقال تعالى (١١) : ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ

стр. 189

وَيَرْضَى﴾ (١) ، وقال تعالى (٢) : ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٣) فبيَّن سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً كفر) . وقال –رحمه الله تعالى- (٤) : (والأعمال الدينية لا يجوز أن تتخذ سبباً إلا أن تكون مشروعة، فإن العبادات مبناها على التوقيف، فلا يجوز للإنسان أن (٥) يشرك بالله فيدعو غيره، وإن ظن أن (٦) ذلك سبب لحصول بعض أغراضه، وكذلك لا يعبد الله بالبدع والمخالفة للشريعة؛ وإن ظن ذلك، فإن الشياطين قد تعين الإنسان على بعض مقاصده إذا أشرك. فما أمر الله به فمصلحته راجحة، وما نهى عنه فمفسدته راجحة. والمقصود هنا: أن من أثبت وسائط بين الله وبين خلقه، كالوسائط التي تكون بين الملوك والرعية فهو مشرك، بل هذا دين المشركين عباد الأوثان، وهو من الشرك الذي أنكره الله تعالى على النصارى حيث قال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُون﴾ (٧) .

стр. 190

ثم ذكر-رحمه الله تعالى-نحو ما تقدم من قوله: "فإن الله تعالى (١) جعل الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وسائط في تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده، وليس لأحد طريق إلى الله إلا بمتابعة الرسول للخاصة أو العامة فهو كافر بالله ورسوله، مثل من زعم أن من خواص الأولياء والعلماء والفلاسفة وأهل الكلام والملوك من له طريق إلى الله غير متابعة الرسول [ ﷺ ] (٢) ، ويذكرون في ذلك من الأحاديث المفتراة ما هو من أعظم الكفر والكذب، كقول بعضهم: أن الرسول ﷺ استأذن على أهل الصفة فقالوا: اذهب إلى من أنت رسول إليه، وقال بعضهم إنهم/ (٤ لما (٣) أصبحوا (٤) ليلة المعراج؛ فأخبروه بالسر الذي ناجاه الله به، وأن الله أعلمهم بذلك بدون إعلام الرسول، وقال بعضهم: أنهم قاتلوا في بعض الغزوات مع الكفار، وقالوا من كان الله معه كنا معه، وأمثال هذه الأمور (٥) التي هي من أعظم الكفر والكذب. ومثال احتجاج بعضهم في قصة الخضر وموسى ﵉ على أن من الأولياء من يستغني عن محمد ﷺ كما استغنى (٦) الخضر عن موسى، ومثل قول بعضهم: أن خاتم الأولياء له إلى الله طريق يستغني به عن خاتم

стр. 191

الأنبياء، وأمثال هذه الأمور التي كثرت في كثير من المنتسبين إلى الزهد والفقه والتصوف والكلام، وكفر هؤلاء قد تكون من جنس كفر [اليهود] (١) والنصارى وقد تكون أعظم، وقد تكون أخف بحسب أحوالهم) . قلت: والمقصود بما ذكرنا عن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى (٢) : بيان ما وقع في الأمة مما يناقض ما جاءت به الرسل، من توحيد العبادة الذي أرسلوا به ودعوا الناس إليه. وقال –﵀ (٣) في كتاب الاستغاثة (٤) في الرد على ابن البكري قال: (وسؤال الله بالميت، والأقسام على الله به، واستحباب (٥) الدعاء عند تلك البقعة لم يكن هذا من فعل أحد من سلف الأمة لا الصحابة ولا التابعين له بإحسان، وإنما حدث بعد ذلك. وقد استفاض عنه ﷺ أنه قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا. قالت عائشة ﵂: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجداً" (٦) . وفي "الصحيح"أنه ذكر له كنيسة بأرض الحبشة وذكر له حسنها وتصاوير فيها فقال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا

стр. 192

فيه تلك الصور (١) ، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة" (٢) (٣وهذا في الصحيح٣) (٣) وفي "صحيح مسلم"عن جندب بن عبد الله، قال سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلا. ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبابكر خليلاً. ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك" (٤) . وفي "السنن"عنه ﷺ أنه قال: "لا تتخذوا قبري عيداً؛ وصلوا علي حيثما (٥) كنتم، فإن صلاتكم تبلغني" (٦) . (١) في "م" و"ش": "التصاوير" وهو تحريف والمثبت هو موافق للصحيحين. (٢) أخرجه البخاري في الصلاة باب هلي تنبش قبور مشركي الجاهلية (ح/٤٢٧) ، ومسلم في المساجد باب النهي عن بناء المساجد على القبور (ح/٥٢٨) من حديث عائشة –﵂, (٣) ما بين القوسين سقطت من (المطبوعة) . (٤) أخرجه مسلم في المساجد باب النهي عن بناء المساجد على القبور (ح/٥٣٢) . (٥) في "م" و"ش": "حيث". (٦) أخرجه الإمام أحمد في "مسنده": (٢/٣٦٧) ، وأبو داود في "المناسك" باب زيارة القبور (ح/٢٠٤٢) ، عن أبي هريرة وفي إسناده عبد الله بن نافع الصائغ، قال الحافظ في "التقريب ": "ثقة صحيح الكتاب في حفظه لين". وقال شيخ الإسلام بعد أن ذكر الحديث: "هذا إسناد حسن فإن رواته كلهم ثقات مشاهير لكن عبد الله بن نافع الصائغ الفقيه المدني صاحب مالك فيه لين لا يقدح في حديثه قال يحيى بن معين: هو ثقة وحسبك بابن معين موثقاً. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم الرازي: ليس بالحافظ وهو لين تعرف حفظه وتنكر فإن هذه العبارات تنزل حديثه من مرتبة الصحيح إلى مرتبة الحسن إذ لا خلاف في عدالته وفقهه وأن الغالب عليه الضبط لكن قد يغلط أحياناً ثم هذا الحديث مما يعرف من حفظه ليس مما ينكر لأنه سنة مدنية" انظر "اقتضاء الصراط المستقيم": (٦٥٤-٦٥٥) . وقال ابن الهادي في "الصارم المنكي"ص ٤١٤ "حديث حسن جيد الإسناد وله شواهد كثيرة يرتقي بها إلى درجة الصحة. قلت: ومن شواهد الحديث: * حديث علي بن الحسين: أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير": (٢/١٨٦) ، وإسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي ﷺ (٢٠) ، وأبو يعلى (١/٢٤٥) ، والضياء في "المختارة" كما في "الاقتضاء" ص ٢٩٨، و"الرد على الإخنائي" ص ٩٢ عن علي بن الحسين عن أبيه عن جده وفيه قصة. قال شيخ الإسلام في "الرد على الإخنائي" ص ٩٢: "وهذا الحديث مما خرجه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي فيما اختاره من الأحاديث الجياد المختارة الزائدة على ما في الصحيحين، وهو أعلى مرتبة من تصحيح الحاكم، وهو قريب من تصحيح الترمذي وأبي حاتم البستي ونحوهما..". * حديث الحسن بن علي: أخرجه أبو يعلى كما في "جلاء الأفهام": (ص ٤١و ٤٢) ، وفي سنده عبد الله بن نافع مولى ابن عمر، وهو ضعيف، وموسى بن محمد بن حبان وقد تركه أبو زرعة "الجرح والتعديل": (٤/١٦١) . تنبيه: وقع في "الميزان": "ابن جيّان"، وفي "اللسان": "بن حسان" وكلاهما خطأ فليتنبه. * حديث الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب: أخرجه إسماعيل القاضي في فضل الصلاة على النبي ﷺ (٣٠) ، وسعيد ابن منصور كما في "الاقتضاء "ص ٢٩٩، و"الرد على الأخنائي"ص ٩٣، وزاد في آخره: "ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء"، وابن أبي شيبة (٣/٣٤٥) ، وفيه قصة عن الحسن بن الحسن مرسلاً. * أبي سعيد مولى المهري: أخرجه سيعد بن منصور كما في "الرد على الأخنائي"ص ٩٣، و"الاقتضاء" ص ٦٥٦ فقال: حدثنا حيان بن علي حدثني محمد بن عجلان عن أبي سعيد المهدي مرسلاً، وأبو سعيد هذا قد وثقه ابن حبان فقط، وقال ابن حجر في "التقريب": "مقبول".

стр. 193

وفي "الموطأ" وغيره عنه ﷺ أنه قال:/ "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (١) . وفي "المسند" و"صحيح أبي حاتم" عن ابن مسعود عنه ﷺ أنه قال: "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد" (٢) . ومعنى هذه الأحاديث متواتر عنه ﷺ بأبي هو وأمي، وكذلك عن الصحابة. وهذا الذي نهى عنه من اتخاذ القبور مساجد، مفارق لما أمر به وشرعه، من السلام على الموتى والدعاء لهم، فالزيادة المشروعة من جنس الصلاة على

стр. 194

الجنازة، والزيارة المبتدعة من جنس الأول. فإن نهيه عن اتخاذ القبور مساجد يتضمن النهي عن بناء المساجد عليها وعن قصد الصلاة عندها، وكلاهما منهي عنه باتفاق العلماء، فإنهم قد نهوا عن بناء المساجد على القبور، بل صرحوا بتحريم ذلك كما دل عليه النص. واتفقوا أيضاً على أنه لا يشرع قصد الصلاة والدعاء عند القبور، ولم يقل أحد من أئمة المسلمين: أن الصلاة والدعاء عندها أفضل منه في المساجد الخالية، بل هو مكروه باتفاقهم. والفقهاء قد ذكروا في تعليل كراهة (١) الصلاة في المقبرة علتين: إحداهما (٢) : نجاسة التراب؛ لاختلاطه بصديد الموتى، وقد ثبت في "الصحيح" أن مسجد النبي ﷺ كان حائطاً لبني النجار، وكان فيه قبور من قبور المشركين، ونخل وخرب، فأمر النبي ﷺ بالنخيل فقطعت، وبالخرب فسويت، وبالقبور فنبشت، وجعل النخل في صف القبلة (٣) ، فلو كان تراب قبور المشركين نجساً لأمر بنقل ذلك التراب، فإنه لابد أن يختلط بغيره. والعلة الثانية: ما في ذلك من مشابهة الكفار بالصلاة عند القبور (٤) ؛ لما يفضي إليه من الشرك، وهذه العلة صحيحة باتفاقهم.

стр. 195

والمعللون بالأولى-كالشافعي وغيره- عللوا بهذه أيضاً، وكرهوا ذلك لما فيه من الفتنة، وكذلك الأئمة من أصحاب أحمد ومالك –كأبي بكر الأثرم وغيره-وعللوا بهذه الثانية أيضاً. وقد قال الله (١) تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ [وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً. وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالا] (٢) ﴾ (٣) ، ذكر ابن عباس وغيره من السلف أن هذه أسماء قوم صالحين كانوا في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم وصورا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم، وقد ذكر هذا البخاري في "صحيحه" (٤) ، وأهل التفسير، كابن جرير (٥) وغيره من المفسرين. ويبين صحة هذه العلة أنه ﷺ : "لعن من يتخذ (٦) قبور الأنبياء مساجد" (٧) ، ومعلوم أن قبور الأنبياء لا تنبش، ولا يكون ترابها نجساً، وقال ﷺ عن نفسه: "اللهم لا تجعل قبري (١٠وثناً يعبد" (٨) . وقال ﷺ : "لا تجعلوا قبري عيداً" (٩) ، ١٠) (١٠) فمعلوم أن نهيه [عن] (١١) ذلك من جنس نهيه عن الصلاة عند

стр. 196

طلوع الشمس، وعند غروبها، لأن الكفار يسجدون للشمس حينئذ، فسد الذريعة وحسم المادة، (١لئلا يصلى١) (١) في هذه الساعة (٢) ، وإن كان (٣) المصلى لا يصلي إلا لله تعالى، ولا يدعو إلا الله، وكذلك نهيه (٤) عن اتخاذ القبور مساجد، وإن كان المصلي عندها لا يصلي إلا لله، ولا يدعو إلا الله لئلا يفضي ذلك إلى دعائها (٥) ، والصلاة عندها (٦) ، وكلا الأمرين وقع، فإن من الناس من يسجد (٧) للشمس وغيرها من الكواكب، ويدعو [لها بأنواع] (٨) الأدعية والتسبيحات، ويلبس لها من اللباس والخواتم ما يظن مناسبتها لها في زعمه، وهذا من أعظم أسباب الشرك الذي ضل به كثير من الأوليين والآخرين، وصنف فيه بعض المشهورين كتاباً سماه "السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم" على مذهب المشركين من الهند والصائبين والمشركين من العرب وغيرهم، مثل طمطم الهندي، وملك شاه البابلي، وابن (٩) وحشية، وأبي معشر البلخي، وثابت بن قرة، وأمثالهم ممن دخل في الشرك، وآمن بالجبت والطاغوت، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ

стр. 197

بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرا﴾ (١) ، وقد قال غير واحد من السلف (٢) : الجبت السحر، والطاغوت الأوثان، وبعضهم قال: الشيطان، وكلاهما حق. وهؤلاء يجمعون بين الجبت الذي هو السحر، والشرك الذي هو عبادة الطاغوت، كما يجمعون بين السحر ودعوة الكواكب، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام –بل هو (٣) دين جميع الرسل-أنه شرك محرم، بل هو من أعظم أنواع الشرك الذي بعثت الرسل بالنهي عنه، ومخاطبة إبراهيم الخليل لقومه كانت في نحو هذا الشرك، كما (٤) قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِين﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيم﴾ (٥) . فإن إبراهيم ﵇ سلك السبيل؛ لأن قومه كانوا يتخذون الكواكب أرباباً يدعونها ويسألونها، ولم يكونوا هو ولا أحد من العقلاء يعتقدون أن كوكباً من الكواكب خلق السموات والأرض، وإنما كانوا يدعونها من دون الله على مذهب هؤلاء المشركين؛ ولهذا قال الخليل ﵇: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ. أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ. فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (٦) ، وقال:

стр. 198

﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ. إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِين﴾ (١) ، والخليل-صلوات الله وسلامه عليه- أنكر شركهم بالكواكب العلوية، / وشركهم بالأوثان التي هي تماثيل وطلاسم لتلك، أو هي تماثيل لمن مات من الأنبياء والصالحين وغيرهم، وكسر الأصنام [كما] (٢) قال تعالى (٣) [عنه] (٤) : ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً [إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ] (٥) ﴾ (٦) . والمقصود هنا أن الشرك واقع كثيراً، وكذلك بأهل القبور من دعائهم والتضرع إليهم، والرغبة إليهم، ونحو ذلك. فإذا كان النبي ﷺ نهى عن الصلاة التي تتضمن الدعاء لله وحده خالصاً عند القبور؛ لئلا يفضي ذلك إلى نوع (٧) من الشرك بهم، فكيف إذا وجد (٨) ما هو نوع شرك من الرغبة: سواء طلب منهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، أو طلب منهم أن يطلبوا ذلك من الله؟ بل لو أقسم على الله ببعض خلقه من الأنبياء والملائكة وغيرهم لنهي عن ذلك، ولو (٩) لم يكن عند قبره، كما لا يقسم بمخلوق مطلقاً، وهذا القسم منهي عنه غير منعقد باتفاق الأئمة، وهل هو نهي تحريم أو تنزيه؟ أصحهما أنه تحريم.

стр. 199

ولم يتنازع العلماء إلا في الحلف بالنبي ﷺ خاصة، فإن فيه قولين في مذهب أحمد، لكن القول الذي عليه الجمهور جمهور الأئمة، كمالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم أنه لا تنعقد اليمين بمخلوق البتة، ولا يقسم بمخلوق البتة وهذا هو الصواب، واتفقوا على أن الله يسأل ويقسم عليه بأسمائه وصفاته، كالأدعية المعروفة، كما (١) في السنن " اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت، أنت [الله] (٢) المنان بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام" (٣) ، وفي الحديث الآخر: "اللهم إني أسألك بأنك أنت الله (٤ لا إله إلا أنت٤) (٤) الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد" (٥) ونحو ذلك، فهذه الأدعية ونحوها مشروعة باتفاق العلماء. وفي الحديث الذي رواه أهل السنن "الدعاء هو العبادة"، ثم قرأ قوله تعالى (٦) : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم﴾ (٧) ، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب﴾ (٨) الآية، وقد روي أن بعض الصحابة قال: "يا رسول الله، ربنا قريب فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله هذه الآية" (٩) ، فمن

стр. 200

استجاب لربه بامتثال أمره ونهيه حصل مقصوده من الدعاء وأجيب دعاؤه. والمقصود هنا أن دعاء الله قد يكون عبادة لله يثاب العبد عليه في الآخرة مع ما يحصل له في الدنيا، وقد يكون دعاء مسألة تقضى به حاجته (١) ، ثم (٢) قد يثاب عليه إذا كان مما يحبه الله، وقد لا يحصل له إلا تلك الحاجة، فالوسيلة التي أمر الله بابتغائها تعم الوسيلة في عبادته وفي مسألته، وقول عمر –﵁: "إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا" (٣) معناه (٤نتوسل بدعائه وشفاعته وسؤاله، ونحن نتوسل إليك بدعاء عمه وشفاعته ٤) (٤) ليس المراد نقسم عليك به، أو ما يجري هذا المجرى، مما يفعل بعد موته، وفي مغيبته، كما يقول (٥) بعض (٦) الناس: أسألك بجاه فلان عندك، ويقولون: إنا نتوسل إلى الله بأنبيائه وأوليائه (٧) ، ويروون حديثاً موضوعاً "إذا سألتم الله فسألوه بجاهي، فإن جاهي عند الله عريض" (٨) ، فإنه لو كان هذا هو

стр. 201

التوسل الذي كان الصحابة يفعلونه، -كما ذكر عمر ﵁-لفعلوا ذلك بعد موته، ولم يعدلوا عنه إلى العباس، فعلم أن ذلك التوسل الذي ذكروه هو مما يفعل بالأحياء دون الأموات، وهو التوسل بدعائهم وشفاعتهم، فإن الحي يطلب منه ذلك، والميت لا يطلب منه شيء لا دعاء ولا غيره. وكذلك حديث الأعمى (١) ، فإنه طلب (٢) من النبي ﷺ أن يدعو له، فعلمه النبي ﷺ دعاء أمره فيه أن يسأل الله قبول شفاعة نبيه، فهذا يدل على أن النبي ﷺ شفع فيه، وأن قوله: "إنا [كنا] (٣) نتوسل إليك بنبينا" (٤) ، فلفظ التوجه والتوسل في الحديث بمعنى واحد، ثم قال: "يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي بحاجتي ليقضيها، اللهم شفعه في" (٥) ، فطلب من الله أن يشفع فيه

стр. 202

نبيه، وقوله: "يا محمد" هذا وأمثاله نداء يطلب به استحضار المنادى في القلب، كما يقول المصلي: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" والإنسان يفعل مثل هذا يخاطب من يتصوره في نفسه، وإن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب. فلفظ التوسل بالشخص فيه إجمال واشتراك، غلط بسببه من لم يفهم مقصود الصحابة: يراد به التسبب [به] (١) لكونه داعياً وشافعاً مثلاً، أو لكون (٢) الداعي محباً له، مطيعاً لأمره مقتدياً به، فيكون التسبب إما بمحبة السائل له واتباعه له، وإما بدعاء الوسيلة وشفاعته، ويراد به الأقسام به والتوسل بذاته، فلا يكون التوسل لا شيء منه، ولا شيء من السائل، بل ذاته (٣) ، أو مجرد الأقسام به على الله، فهذا الثاني هو الذي كرهوه ونهوا عنه. ومن الأول حديث الثلاثة الذين –آووا إلى الغار، وهو في الصحيحين وغيرهما، فإن الصخرة انطبقت عليهم، فقالوا: "ليدع كل رجل منكم بأفضل عمله" (٤) وذكر الحديث، فهؤلاء دعوا الله سبحانه (٥) بصالح الأعمال، لأن

стр. 203

الأعمال الصالحة هي أعظم ما يتوسل به [العبد] (١) إلى الله تعالى، ويتوجه به إليه ويسأله به، لأنه وعد أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات، ويزيدهم من فضله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم﴾ (٢) ، وهؤلاء دعوه بعبادته، وفعل ما أمر به من العمل الصالح، وهذا كما قال المؤمنون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ (٣) إلى قولهِ: ﴿إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (٤) . فسؤال الله والتوسل إليه بامتثال أمره واجتناب نهيه، وفعل ما يحبه من العبودية والطاعة هو (٥) من جنس فعل ذلك، رجاء لرحمة الله، وخوفاً من عذابه، وسؤال الله بأسمائه وصفاته، ونحو ذلك يكون من باب التسبب. والمقصود هنا أنه إذا كان / السلف والأئمة قالوا في سؤاله بالمخلوق ما قد ذكرنا (٦) ، [فكيف] (٧) بسؤال (٨) المخلوق الميت، سواء سأل أن يسأل الله، أو يسأل قضاء الحاجة، ونحو ذلك؟ مما يفعله بعض الناس إما عند قبر الميت، وإما عند غيبته، وصاحب الشريعة ﷺ حسم المادة، وسد الذريعة بلعنه من يتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، وأن لا يصلى عندها –وإن كان (٩)

стр. 204

لا يسأل إلا الله – وحذر أمته ذلك، فكيف إذا وقع نفس المحذور من الشرك وأسباب الشرك؟ فتبين (١) أن أحداً من السلف لم يفعل (٢) ذلك (٣) . قلت: وقد تقرر بما تقدم أن سؤال الميت والغائب والاستشفاع به إلى الله أنه هو دين المشركين من العرب ومن قبلهم، فإن (٤) الله تعالى بعث رسله إلا به، وتقرر ذلك في آيات الشفاعة وما في معناها من الآيات وما فيها من سيد المرسلين: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً. (٥ قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً٥) (٥) . قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً. إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدا﴾ (٦) . فتأمل ما في هذه الآيات، وما رتب سبحانه على مخالفة الرسول ﷺ فيما وعد إليه، وبلغه عن الله من توحيده، بالوعيد بالنار والخلود فيها، والقرآن كله من أوله إلى آخره يقرر هذه الدعوة، ويرشد إليها، وينهى عن كل ما ينافيها من قول أو فعل أو اعتقاد، ويحذرهم نفسه وينذرهم بأسه.

стр. 205

وقد قال الله (١) تعالى في وصف القرآن المجيد: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ كِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم﴾ (٢) *) ، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِير الْأُمُور﴾ (٣) ، وقد صح عنه (٤) ﷺ بالإسناد المتصل الصحيح أنه قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله" (٥) . قال ابن الأثير (٦) وغيره في معناه: (أي: لا تمدحوني فتغلوا في مدحي كما غلت النصارى في عيسى (٧) ﵇، فادعوا فيه الآلهية، إنما أنا عبد، فصفوني بذلك (٨كما وصفني ربي٨) (٨) "فقولوا: عبد الله ورسوله"، فأبى المشركون أن يقبلوا ما أمرهم به (٩) ، وأن (١٠) يتركوا ما نهاهم عنه، وناقضوه أعظم مناقضة،

стр. 206

وشاقوا (١الله ورسوله١) (١) أعظم مشاقة، (٢ وأتوا بما هو أعظم من ذلك من الشرك الذي لا يغفره الله٢) (٢) . وذلك أن الشيطان أظهر لهم التوحيد والإخلاص الذي بعث الله به رسله في قالب التنقص للنبي ﷺ ، وأظهر لهم ما نهاهم النبي ﷺ عنه في قالب محبته وتعظيمه. وتأمل (٣) ما أمر به النبي ﷺ وما نهى عنه تَعْلَمُ (٤) يقيناً أن هؤلاء (٥) المتنقصون الناقصون أفرطوا في تعظيمه بارتكاب ما نهى الله عنه (٦) في كتابه، في مواضع (٧) لا يمكن حصرها، من (٨) دعوة غيره خصوصاً وعموماً، ثم أن هؤلاء فرَّطوا في متابعة النبي ﷺ ، فلا (٩) أخذوا بقوله/ وفعله، بل ولا رضوا بحكمه وأمره، ولا سلموا له، وهذا الذي تركوه هو الذي يحصل به تعظيم الرسول ﷺ ، فيُعظَّم أمره ويقبل، ويُعظَّم نهيه ويترك، ويكون هو المتبع والمطاع، ويدعو إلى دينه الذي دعا إليه من إخلاص العبادة لله وحده، وينصره بنصرة ما بعث به من الحق، ويواليه بالمتابعة والاقتداء بهديه، ويعادي من خالفه بارتكاب ما نهى عنه.

стр. 207

وأنت ترى ما وقع اليوم وقبله من كثير الجهال، من الإفراط والتفريط، فقال (١) ﷺ : "إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو" (٢) ، وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد، والترمذي (٣) ، وابن ماجه بالأسانيد المتصلة عن ابن عباس. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٤) : (وهذا عام في جميع أنواع الغلو بالاعتقادات والأعمال، ثم إنه علله بما يقتضي مجانبة هدى من كان قبلنا، إبعاداً عن الوقوع فيما هلكوا به، وأن (٥) المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه من الهلاك) انتهى.

стр. 208

قلت: وقد حذر النبي ﷺ الأمة أعظم تحذير من الغلو وأسبابه الموصلة إلى الشرك بالله، فقال ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من المحدثين في كتبهم (١) ، بأسانيد صحيحة عن عائشة أم المؤمنين ﵂ "أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله" (٢) وهذا يقتضي تحريم بناء المساجد على القبور. يحقق ذلك أنه ﷺ لعن من فعل ذلك. قال شيخ الإسلام (٣) : (وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع ﷺ عن اتخاذ المساجد على القبور، هي التي أوقعت كثيراً من الأمم إما في الشرك الأكبر أو فيما دونه من الشرك، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل الصالحين، وتماثيل يزعمون أنها طلاسم الكواكب ونحو ذلك، فإن الشرك بقبر الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر (٤) ، ولهذا تجد أهل الشرك يتضرعون عندها، ويخشون ويخضعون، ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله ولا وقت السحر، ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجون في المساجد، فلأجل هذه المفسدة حسم النبي ﷺ مادتها، (٥ حتى نهى٥) (٥) عن الصلاة في المقبرة مطلقاً، / وإن لم يقصد المصلى بركة البقعة بصلاته، كما يقصد في صلاته بركة المساجد، كما

стр. 209

نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس وغروبها، لأنها أوقات يقصد المشركون فيها الصلاة للشمس، فنهى أمته عن الصلاة حينئذ، وإن لم يقصد ما قصده المشركون، سداً للذريعة. وأما إذا قصد الرجل الصلاة عند القبور متبركاً بالصلاة في تلك البقعة، فهذا عين المحادة لله ورسوله (١) ، والمخالفة لدينه، وابتداع (٢) دين لم يأذن الله به. فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين رسول الله ﷺ أن الصلاة عند القبور منهي عنها؛ وأنه لعن من اتخذها مساجد. فمن أعظم المحدثات وأسباب الشرك: الصلاة عندها واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها، وقد تواترت النصوص عن النبي ﷺ بالنهي عن ذلك، والتغليظ فيه، وقد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها، متابعة منهم للسنة الصحيحة الصريحة، وصرح أصحاب أحمد وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي بتحريم ذلك) . قلت: والأحاديث الصحيحة تدل على ذلك بلا ريب، كما في "الصحيحين"عن عائشة ﵂ قالت: "لما نُزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها"، فقال-وهو كذلك- "لعنة (٣) الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. يحذر ما فعلوا" (٤) .

стр. 210

ومن المعلوم أن اللعنة إنما تقع على من فعل ذلك الاتخاذ؛ لأنه من فعل اليهود والنصارى، فمن فعل فعلهم وقع به ما وقع بهم؛ لأنه من أعظم الذرائع الموصلة إلى الشرك، وهذا الذي لعن النبي ﷺ (١ اليهود والنصارى١) (١) على فعله قد وقع من كثير من هذه الأمة بعد القرون المفضلة. قال القرطبي في معنى هذا الحديث: (وكل ذلك لقطع الذريعة (٢) المؤدية إلى عبادة من فيها، كما كان السبب في عبادة الأصنام. قال: ولهذا بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي ﷺ ، ثم خافوا أن يتخذ قبره قبلة، إذ كان مستقبل المصلين، فتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فنبوا جدارين من ركني القبر الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من ناحية الشمال، حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره) . وفي "الصحيح" (٣) عن ابن عباس ﵁ (٤) في قول (٥) الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعا﴾ (٦) الآية، قال: "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا/ أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون عليها أنصاباً، وسموها بأسمائهم: ففعلوا ولم تُعْبد، حتى إذا هلك أولئك، ونسخ (٧) العلم عبدت" (٨) .

стр. 211

وقال العلامة ابن القيم (١) رحمه الله تعالى: "وما زال الشيطان يوحي إلى عباد القبور، ويلقي إليهم أن البناء والعكوف عليها من محبة أصحاب القبور من الأنبياء والصالحين، وأن الدعاء عندها مستجاب، ثم ينقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء به، والإقسام على الله به، فإن شأن الله أعظم من أن يقسم عليه (٢) ، أو يسأل بأحد من خلقه. فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى دعائه وعبادته وسؤاله الشفاعة من دون الله، واتخاذ قبره وثناً تعلق عليه الستور والقناديل، ويطاف به، ويستلم ويقبل، ويحج إليه، ويذبح عنده، فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى دعاء الناس إلى عبادته، واتخاذه (٣) عيداً ومنسكاً، ورأوا أن ذلك أنفع لهم في دنياهم وأخراهم. وكل هذا مما قد (٤) علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضاد لما بعث الله به رسوله ﷺ : من تجريد التوحيد، وأن لا يعبد إلا الله، فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى أن من نهى عن ذلك فقد تنقص أهل الرتب العالية، وحطهم عن منزلتهم، وزعم أن لا حرمة لهم ولا قدر، وغضب المشركون، واشمأزت قلوبهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (٥) ، وسرى ذلك في نفوس كثير من الجهال والطغام، وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين، حتى عادوا

стр. 212

أهل التوحيد، ورموهم بالعظائم، ونفروا الناس عنهم، ووالوا أهل الشرك وعظموهم، وزعموا أنهم أولياء الله وأنصار دينه ورسوله، ويأبى الله ذلك، وما كانوا أولياءه، إن أولياؤه إلا المتقون"انتهى. وقد تقدم وأعيد ليستحضر. قال شيخ الإسلام (١) رحمه الله تعالى (٢) : (والذي يجري عند المشاهد من جنس ما يجري عند الأصنام، وقد ثبت في الطرق المتعددة أن ما يشرك به من دون الله من (٣) صنم ووثن، أو قبر قد يكون عنده شياطين تضل من أشرك به، وأن تلك الشياطين [لا] (٤) يقضون بعض أغراضهم، وإنما يقضونها إذا حصل منه الشرك والمعاصي، ومنهم من يأمر الداعي أن يسجد له؛ وقد/ ينهاه عما أمره (٥) الله به من التوحيد والإخلاص والصلوات الخمس وقراءة القرآن، ونحو ذلك، وقد وقع في هذا النوع كثير من الشيوخ الذين لهم نصيب من الدين والزهاد والعبادة، ولعدم (٦) علمهم بحقيقة الدين الذي بعث الله به رسله طمعت فيهم الشياطين، حتى أوقعوهم فيما يخالف الكتاب والسنة، وقد جرى لغير واحد من أصحابنا المشايخ يستغيث بأحدهم بعض أصحابه (٧) ، فيرى (٨) الشيخ جاء في اليقظة حتى قضى ذلك المطلوب، وإنما هي شياطين تتمثل للذين يدعون غير الله، فالكافر للكافر،

стр. 213

والفاجر للفاجر، والجاهل للجاهل) . وقال ﵀ (١) : (وقد حدثني بعض الثقات عن هذا الشخص (٢) –يعني ابن البكري الذي جوز في كتابه الاستغاثة بالرسول ﷺ في كل ما يستغاث بالله- إلى أنه كان يقول: النبي ﷺ علم مفاتيح الغيب التي قال فيها النبي ﷺ : "خمس لا يعلمهن (٣) إلا الله: إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غداً، وما تدري نفس بأي أرض تموت [إن الله عليم خبير] " (٤) ، ذكر (٥) عنه أنه قال: علمها بعد أن أخبره أنه لا

стр. 214

يعلمها إلا الله. وأخر من جنسه يباشر التدريس وينسب إلى الفتيا، كان يقول: إن النبي ﷺ يعلم ما يعلمه الله، ويقدر على ما يقدر الله عليه، وأن هذا السر انتقل بعده إلى الحسن، ثم انتقل في ذرية الحسن إلى الشيخ أبي الحسن الشاذلي، وقالوا: هذا مقام القطب الغوث الفرد الجامع) . قلت: وهذا الذي ذكر (١) شيخ الإسلام هو مضمون أبيات البردة التي نصرها داود وأمثاله، ممن استحسن الشرك بالله، وأجاز أن يُدعى مع الله غيره، ويستغاث بغيره، ولا ريب أن المفتتن بهذه الفتن الشركية كثير في هذه الأزمنة وقبلها، فسلكوا سنن من كان قبلهم من المفتونين الذين نقلنا عن شيخ الإسلام ﵀ (٢) بعض ما جرى منهم، نعوذ بالله من فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال. فما أكثر من فتن في هذه الأزمنة وقبلها بمثل فتنة المسيح الدجال، بما غرتهم به الشياطين من الإنس والجن، الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ/ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ. وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُون﴾ (٣) . وقال رحمه الله تعالى (٤) : (وما زال المشركون يسفهون الأنبياء، ويصفونهم بالجنون والضلال والسفاهة، كما قال قوم نوح لنوح، وعاد لهود عليهما

стр. 215

السلام: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَه﴾ (١) فأعظم ما سفهوه لأجله، وأنكروه هو التوحيد، [وهكذا] (٢) تجد من عليه شبه من هؤلاء إذا رأى من يدعو إلى توحيد الله، وإخلاص الدين لله (٣) ، وأن لا يعبد الإنسان [إلا الله] (٤) ولا يتوكل إلا عليه، استهزؤا بذلك، لما عندهم من الشرك، وأنهم (٥) اعتقدوا أن دعاء الميت الذي بني له المشهد والاستغاثة به أنفع لهم من دعاء الله والاستغاثة به في البيت الذي نبي لله ، ففضلوا البيت الذي بني لدعاء الميت. وإذا كان لهذا وقف ولهذا وقف كان وقف الشرك أعظم عندهم منه (٦) ، مضاهاة لمشركي العرب الذين ذكر الله حالهم في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (٧) . وهكذا هذه النذور والوقوف التي تبذل عندهم للمشاهد أعظم مما تبذل عندهم للمساجد، ولعمَّار (٨) المساجد، والجهاد في سبيل الله، وهؤلاء إذا قصد أحدهم القبر الذي يعظمه يبكي عنده ويخضع (٩) ، ويدعو ويتضرع،
следующие страницы →