← Акыда

Акыда · id 11354

كشف ما ألقاه إبليس من البهرج والتلبيس على قلب داود بن جرجيس

عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ

Полный текст (359 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وقال العلامة ابن القيم (١) رحمه الله تعالى: "وما زال الشيطان يوحي إلى عباد القبور، ويلقي إليهم أن البناء والعكوف عليها من محبة أصحاب القبور من الأنبياء والصالحين، وأن الدعاء عندها مستجاب، ثم ينقلهم من هذه المرتبة إلى الدعاء به، والإقسام على الله به، فإن شأن الله أعظم من أن يقسم عليه (٢) ، أو يسأل بأحد من خلقه. فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى دعائه وعبادته وسؤاله الشفاعة من دون الله، واتخاذ قبره وثناً تعلق عليه الستور والقناديل، ويطاف به، ويستلم ويقبل، ويحج إليه، ويذبح عنده، فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى دعاء الناس إلى عبادته، واتخاذه (٣) عيداً ومنسكاً، ورأوا أن ذلك أنفع لهم في دنياهم وأخراهم. وكل هذا مما قد (٤) علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضاد لما بعث الله به رسوله ﷺ : من تجريد التوحيد، وأن لا يعبد إلا الله، فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى أن من نهى عن ذلك فقد تنقص أهل الرتب العالية، وحطهم عن منزلتهم، وزعم أن لا حرمة لهم ولا قدر، وغضب المشركون، واشمأزت قلوبهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (٥) ، وسرى ذلك في نفوس كثير من الجهال والطغام، وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين، حتى عادوا

стр. 212

أهل التوحيد، ورموهم بالعظائم، ونفروا الناس عنهم، ووالوا أهل الشرك وعظموهم، وزعموا أنهم أولياء الله وأنصار دينه ورسوله، ويأبى الله ذلك، وما كانوا أولياءه، إن أولياؤه إلا المتقون"انتهى. وقد تقدم وأعيد ليستحضر. قال شيخ الإسلام (١) رحمه الله تعالى (٢) : (والذي يجري عند المشاهد من جنس ما يجري عند الأصنام، وقد ثبت في الطرق المتعددة أن ما يشرك به من دون الله من (٣) صنم ووثن، أو قبر قد يكون عنده شياطين تضل من أشرك به، وأن تلك الشياطين [لا] (٤) يقضون بعض أغراضهم، وإنما يقضونها إذا حصل منه الشرك والمعاصي، ومنهم من يأمر الداعي أن يسجد له؛ وقد/ ينهاه عما أمره (٥) الله به من التوحيد والإخلاص والصلوات الخمس وقراءة القرآن، ونحو ذلك، وقد وقع في هذا النوع كثير من الشيوخ الذين لهم نصيب من الدين والزهاد والعبادة، ولعدم (٦) علمهم بحقيقة الدين الذي بعث الله به رسله طمعت فيهم الشياطين، حتى أوقعوهم فيما يخالف الكتاب والسنة، وقد جرى لغير واحد من أصحابنا المشايخ يستغيث بأحدهم بعض أصحابه (٧) ، فيرى (٨) الشيخ جاء في اليقظة حتى قضى ذلك المطلوب، وإنما هي شياطين تتمثل للذين يدعون غير الله، فالكافر للكافر،

стр. 213

والفاجر للفاجر، والجاهل للجاهل) . وقال ﵀ (١) : (وقد حدثني بعض الثقات عن هذا الشخص (٢) –يعني ابن البكري الذي جوز في كتابه الاستغاثة بالرسول ﷺ في كل ما يستغاث بالله- إلى أنه كان يقول: النبي ﷺ علم مفاتيح الغيب التي قال فيها النبي ﷺ : "خمس لا يعلمهن (٣) إلا الله: إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غداً، وما تدري نفس بأي أرض تموت [إن الله عليم خبير] " (٤) ، ذكر (٥) عنه أنه قال: علمها بعد أن أخبره أنه لا

стр. 214

يعلمها إلا الله. وأخر من جنسه يباشر التدريس وينسب إلى الفتيا، كان يقول: إن النبي ﷺ يعلم ما يعلمه الله، ويقدر على ما يقدر الله عليه، وأن هذا السر انتقل بعده إلى الحسن، ثم انتقل في ذرية الحسن إلى الشيخ أبي الحسن الشاذلي، وقالوا: هذا مقام القطب الغوث الفرد الجامع) . قلت: وهذا الذي ذكر (١) شيخ الإسلام هو مضمون أبيات البردة التي نصرها داود وأمثاله، ممن استحسن الشرك بالله، وأجاز أن يُدعى مع الله غيره، ويستغاث بغيره، ولا ريب أن المفتتن بهذه الفتن الشركية كثير في هذه الأزمنة وقبلها، فسلكوا سنن من كان قبلهم من المفتونين الذين نقلنا عن شيخ الإسلام ﵀ (٢) بعض ما جرى منهم، نعوذ بالله من فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال. فما أكثر من فتن في هذه الأزمنة وقبلها بمثل فتنة المسيح الدجال، بما غرتهم به الشياطين من الإنس والجن، الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ/ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ. وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُون﴾ (٣) . وقال رحمه الله تعالى (٤) : (وما زال المشركون يسفهون الأنبياء، ويصفونهم بالجنون والضلال والسفاهة، كما قال قوم نوح لنوح، وعاد لهود عليهما

стр. 215

السلام: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَه﴾ (١) فأعظم ما سفهوه لأجله، وأنكروه هو التوحيد، [وهكذا] (٢) تجد من عليه شبه من هؤلاء إذا رأى من يدعو إلى توحيد الله، وإخلاص الدين لله (٣) ، وأن لا يعبد الإنسان [إلا الله] (٤) ولا يتوكل إلا عليه، استهزؤا بذلك، لما عندهم من الشرك، وأنهم (٥) اعتقدوا أن دعاء الميت الذي بني له المشهد والاستغاثة به أنفع لهم من دعاء الله والاستغاثة به في البيت الذي نبي لله ، ففضلوا البيت الذي بني لدعاء الميت. وإذا كان لهذا وقف ولهذا وقف كان وقف الشرك أعظم عندهم منه (٦) ، مضاهاة لمشركي العرب الذين ذكر الله حالهم في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (٧) . وهكذا هذه النذور والوقوف التي تبذل عندهم للمشاهد أعظم مما تبذل عندهم للمساجد، ولعمَّار (٨) المساجد، والجهاد في سبيل الله، وهؤلاء إذا قصد أحدهم القبر الذي يعظمه يبكي عنده ويخضع (٩) ، ويدعو ويتضرع،

стр. 216

ويحصل له من الرقة والتواضع والتذلل والعبودية وحضور القلب ما لا يحصل مثله في الصلوات الخمس والجمعة وقيام الليل وقراءة القرآن، فهل هذا إلا من حال المشركين المبتدعين لا الموحدين المخلصين، المتبعين لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ . إلى أن قال رحمه الله تعالى (١) : (والذين يجعلون دعاء الموتى من الأنبياء والأئمة والشيوخ أفضل من دعاء الله؛ أنواع متعددة، منهم من تقدم. ومنهم من يحكي أنواعاً من الحكايات كحكاية (٢) أن بعض المأسورين في بلاد العدو دعا الله فلم يخرجه؛ ودعا بعض المشايخ الموتى فأخرجه إلى بلاد الإسلام. ومن هؤلاء من إذا نزلت به شدة لا يدعو إلا شيخه، ولا يذكر إلا اسمه قد لهج به كما يلهج الصبي بذكر أمه. فإذا كان دعاء الموتى (٣) مثل الأنبياء والصالحين يتضمن هذا/ الاستهزاء بالله وآياته ورسوله، فأي الفريقين أحق بالاستهزاء بالله وآياته ورسوله (٤) : من كان يأمر بدعاء الموتى والاستغاثة بهم مع ما يترتب على ذلك من الاستهزاء بالله وآياته ورسوله (٥) ، أو من (٦) كان يأمر بدعاء الله وحده لا شريك له، كما أمر

стр. 217

بطاعته (١) ، ويوجب طاعة الرسول ومتابعته في كل ما جاء؟) . إلى أن قال: (وأما أولئك الضلال أشباه المشركين النصارى، فعمدتهم أحاديث (٢) ضعيفة، أو موضوعة، أو منقولة (٣) عمن لا يحتج بقوله، إما أن تكون كذباً عليه؛ وإما أن يكون غلطاً منه؛ إذ هي نقل غير مصدق عن قائل غير معصوم، وإن عصموا بشيء مما ثبت عن رسول الله [ ﷺ ] (٤) ، حرفوا الكلم عن مواضعه، وتمسكوا بمشابهه، وتركوا محكمه، كما يفعله (٥) النصارى، وكما فعل هذا الضال أخذ لفظ الاستغاثة، وهي تنقسم إلى الاستغاثة بالحي والميت، والاستغاثة بالحي تكون فيما (٦) يقدر عليه وما لا يقدر عليه، فجعل حكم ذلك (٧) واحداً، ولم يكفه حتى جعل السؤال بالشخص من مسمى الاستغاثة (٨)

стр. 218

أيضاً، ولم يكفه (١ ذلك حتى١) (١) جعل الطالب منه إنما يطلب (٢) من الله لا منه، فالمستغيث به مستغيث بالله، ثم جعل الاستغاثة بكل ميت من نبي وصالح (٣) جائزة. فدخل عليه الخطأ (٤) من وجوه: منها: أنه جعل المتوسل به بعد موته في دعاء الله مستغيثاً به، وهذا لا يعرف في لغة أحد من الأمم، لا حقيقة ولا مجازاً، مع دعواه الإجماع على ذلك، فإن (٥) المستغاث هو المسئول المطلوب منه لا المسئول به. الثاني: ظنه أن توسل الصحابة [به] (٦) في حياته كان توسلاً بذاته، لا بدعائه وشفاعته، فيكون التوسل به بعد موته كذلك، وهذا غلط. الثالث: أنه أدرج السؤال أيضاً في الاستغاثة به (٧) ، وهذا صحيح جائز في حياته، وهو قد سوى (٨) في ذلك بين محياه ومماته، وهذا أصاب في لفظ الاستغاثة، لكنه (٩) أخطأ في التسوية بين المحيا والممات، وهذا ما علمته ينقل عن أحد من العلماء، لكنه موجود في كلام بعض الناس، مثل (١٠) الشيخ

стр. 219

يحيى الصرصري، ففي شعره قطعة منه، والشيخ محمد بن النعمان له كتاب "المستغيث بالنبي ﷺ في اليقظة والمنام" وهؤلاء ليسوا من العلماء العالمين بمدارك الأحكام، الذين (١) يؤخذ بقولهم في شرائع الإسلام، ومعرفة الحلال والحرام، وليس/ لهم دليل شرعي، ولا نقل عن عالم مرضي، بل عادة جروا عليها، وكان بعض الشيوخ الذين أعرفهم ولهم فضل وعلم وزهد إذا نزل به أمر، خطا إلى الشيخ (٢) عبد القادر خطوات معدودة، واستغاث به، وهذا يفعله كثير من الناس؛ ولهذا لما نبه من نبه (٣) [من] (٤) فضلائهم تنبهوا، وعلموا أن ما كانوا عليه ليس من دين الإسلام، بل مشابهة لعباد الأصنام) . قلت (٥) : وهذه الطريقة التي سلكها هذا، هي طريقة أهل البدع –كداود بن جرجيس – الذين يجمعون بين الجهل والظلم، فيبتدعون بدعة (٦) مخالفة للكتاب والسنة وإجماع الصحابة، ويكفرون من خالفهم من بدعتهم، كالخوارج المارقين، لكن الخوارج كفروا الصحابة بالذنوب، وهؤلاء كفروا أهل الإسلام بالإخلاص والتجريد، كما قال العلامة ابن القيم (٧-﵀-٧) (٧) في الخوارج: ولهم نصوص قصروا في فهمها ... فأُتوا من التقصير في العرفان

стр. 220

وخصومنا قد كفرونا بالذي ... هو غاية التوحيد والإيمان (١) إلى أن قال: (وهو قد احتج بحديث الأعمى الذي قال: "اللهم أني أتوجه إليك بنبينا (٢) محمد نبي الرحمة" (٣) ، وهذا الحديث لا حجة فيه لوجهين: أحدهما: أنه ليس استغاثة، بل توجهاً به. الثاني: أنه إنما توجه بدعائه وشفاعته، فإنه طلب من النبي ﷺ الدعاء، وقال في آخر دعائه "اللهم فشفعه في"، فعلم أنه شفع له، فتوسل بشفاعته لا بذاته، كما كان الصحابة يتوسلون بدعائه في الاستسقاء، وكما توسلوا بدعاء العباس بعد مماته، وكذلك في أول الحديث أنه طلب من النبي ﷺ أن يدعو له. فدل الحديث على أن النبي ﷺ شفع له (٤) ودعا له، وأن النبي ﷺ أمره بأن (٥) يدعو الله، وأن يسأله (٦) قبول شفاعته النبي ﷺ . وقوله: "يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجاتي هذه لتقضي" (٧) خطاب لحاضر (٨) في قلبه، كما نقول في صلاتنا؛ "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، وكما يستحضر الإنسان في قلبه من يحبه أويبغضه ويخاطبه، وهذا كثير.

стр. 221

وما ذكره (١) من توسل آدم، وحكاية المنصور، فجوابهما (٢) من وجهين: أحدهما: أن هذا لا أصل له، ولا تقوم به حجة، ولا إسناد لذلك (٣) . الثاني: لو دل على التوسل بذاته فلا يدل على الاستغاثة. وأما اشتكاء البعير [إليه] (٤) ، فهذا كاشتكاء الآدمي إليه، وقد قلنا إنه إذا طلب منه مما يليق بمنصبه فهذا لا نزاع فيه، والاستغاثة به في حياته فيما يقدر عليه لا ينازع (٥) فيها أحد، ولكن هذا أخذ لفظ الاستغاثة ومعناها العام، فجعل

стр. 222

يتشبث به (١) ، / ولكن النهي (٢) عاد (٣) إلى شيئين: إلى الاستغاثة به بعد الموت، وإلى أن يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى. وأما قول (٤) هؤلاء الجهال: فيستلزم الردة عن الدين، والكفر برب العالمين، ولا ريب أن أصل قول هؤلاء هو من باب الإشراك بالله، الذي هو الكفر، الذي لا يغفره الله؛ فإن الله سبحانه يقول في كتابه: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً. وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً﴾ (٥) . وقد قال غير واحد من السلف: إن هذه أسماء قوم صالحين كانوا في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم عبدوهم (٦) ، وقد ذكروا ذلك بعبارات متقاربة في كتب الحديث والتفسير، وقصص الأنبياء، كما ذكره البخاري في صحيحه وجماعة من أهل الحديث، وقد تقدم (٧) في كلام شيخ الإسلام أيضاً، فأعدناه لعظيم فائدته. (وقد أمر الله نبيه أن يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ (٨) ، فيقول أهل الضلال: هذا يقوله في نفسه، وأما نحن فليس لنا أن

стр. 223

نقول هو بشر، بل نقول كما قال فلان وفلان، ومن زعم أن محمداً بشر كله فقد كفر، وهذا يقوله طائفة منهم، وهو يشبه قول النصارى في المسيح، ونحن نعلم بالضرورة أن النبي ﷺ لم يشرع لأحد أن يدعو أحداً من الأموات لا الأنبياء ولا الصالحين، ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت (١) ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن هذه الأمور كلها، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله ﷺ ، ولكن لغلبة الجهل، وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يبين لهم ما جاء به الرسول مما يخالفها) (٢) . إلى أن قال (٣) رحمه الله تعالى: (وهؤلاء يدعون الميت أو الغائب (٤) ، يقول أحدهم: بك أستغيث، بك أستجير، أغثنا، أجرنا، ويقول: أنت تعلم ذنوبي، ومنهم من يقول للميت: اغفر لي وارحمني وتب علي، ونحو ذلك، ومن لم يقل ذلك من عقلائهم فإنه يقول: أشكو إليك عدوي، أشكو إليك ظهور البدع أو جدب الناس، أو غير ذلك (٥) ، فيشكو إليه ما حصل من ضرر/ في الدين والدنيا، ومقصوده بالشكوى أن يشكيه، فيزيل ذلك الضرر، وقد يقول مع ذلك للميت: أنت تعلم ما فعلته من الذنوب، فيجعل الميت، أو الحي، أو الغائب عالماً بذنوب العباد وجزئياتهم التي يمتنع أن يعلمها بشر، حي أو

стр. 224

ميت، ثم منهم من يطلق سؤاله إليه والشكوى ظاناً أنه يقضي حاجته، كما يخاطب ربه بناء على أنه يمكن ذلك بطريق من الطرق، وأنه وسيلة وسبب، وإن كان السائل لا يعلم وجود ذلك. وعقلاؤهم يقولون: مقصودها أن يسأل الله لنا، ويشفع لنا، ويظنون أنهم إذا سألوه بعد موته أن يسأل الله لهم، فإنه يسأل ويشفع، كما يسأل ويشفع (١) ، وكما تسأله الصحابة الاستسقاء وغيره، وكما يشفع يوم القيامة إذا سئل الشفاعة، ولا يعلمون أن سؤال الميت والغائب غير مشروع البتة، ولم يفعله أحد من الصحابة، بل عدلوا عن سؤاله وطلب الدعاء منه إلى سؤال غيره وطلب الدعاء منه، وأن الرسول ﷺ (٢) وسائر الأنبياء والصالحين وغيرهم لا يطلب (٣) من أحدهم بعد موته من الأمور ما كان يطلب منه في حياته والله أعلم) انتهى كلام الشيخ رحمه الله تعالى (٤) . وقال الحافظ محمد بن أحمد بن عبد الهادي الحافظ (٥) رحمه الله تعالى: (ومن جعل زيارة الميت من جنس زيارة الفقير للغني، لينال من بره وإحسانه، فقد أتى بما هو من أعظم الباطل المتضمن لقلب الحقيقة والشريعة، ولو كان ذلك مقصود الزيارة لشرع [من] (٦) دعاء الميت، والتضرع

стр. 225

إليه، وسؤاله ما يناسب هذا المطلوب، ولكن هذا يناقض ما دعا إليه رسول الله ﷺ من التوحيد، وتجريده مناقضة ظاهرة، ولا ينبغي الاقتصار على ذلك بأنه بدعة، بل فتح لباب الشرك، وتوسل (١) بأقرب وسيلة إلى الشرك". قلت: ولا ريب أن هذا الذي ذكره هذا الإمام مطابق لحال داود، فإنه قلب الحقائق، وفتح باب الشرك والأكبر. ثم قال الحافظ-﵀ (٢) : (وهذا أصل عبادة الأصنام كما قال ابن عباس –﵄ – في قوله تعالى (٣) : ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً (٤) وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ (٥) قال هؤلاء كانوا قوماً صالحين في قوم نوح؛ فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم، فلما طال عليهم الأمد عبدوهم (٦) ، فهؤلاء لما قصدوا الانتفاع بالموتى قادهم ذلك إلى عبادة الأصنام. يوضحه: أن الذين تكلموا في زيارة الموتى من أهل الشرك صرحوا بأن القصد انتفاع الزائر بالمزور، وقالوا: من /تمام الزيارة أن يعلق همته وروحه بالميت وقبره، فإذا فاض على روح (٧) الميت من العلويات الأنوار فاض منها على روح الزائر بواسطة ذلك التعلق والتوجه إلى الميت، كما ينعكس النور

стр. 226

على الجسم المقابل للجسم الشفاف (١) ، بواسطة مقابلته-وهذا من زخرف ابن سينا لعنه الله، فما أعظم هذا من فرية وضلال وإلحاد ومحال –وهذا المعنى بعينه ذكره عباد الأصنام في زيارة القبور، وتلقاه عنهم من تلقاه ممن لم يحط علماً بالشرك وأسبابه ووسائله. ومن هنا يظهر نهي النبي ﷺ عن تعظيم القبور، واتخاذ المساجد عليها، ولعنه فاعل ذلك، وإخباره بشدة غضب الله (٢) ، ونهيه عن الصلاة إليها، ونهيه عن اتخاذ قبره عيداً، وسؤاله ربه أن لا يجعل قبره وثناً يعبد، فهذا نهيه عن تعظيم القبور، وذلك تعليمه وإرشاده (٣) للزائر أن يقصد نفع الميت والدعاء له والإحسان إليه، لا الدعاء به ولا الدعاء عنده) انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وهذا الذي ذكره عن المشركين هو قول ابن سينا تلقاه عنه (٤) من تلقاه، وكلام العلماء في ذلك أكثر مما ذكرنا عن بعضهم بأضعاف. وما ذكرنا هنا ففيه (٥) ما يكفي المستفيد الذي قصده تمييز الحق من الباطل، وأما من قصده الشقاق والعناد فلا حيلة فيه. واعلم أن هذا المعترض لو نوقش على جميع ما يقع في كلامه من الدعاوي والخلل لطال الجواب، ولكن التنبيه على بعض ذلك كاف لمن له أدنى فهم، أو عنده أدنى علم.

стр. 227

قال العلامة ابن القيم (١) رحمه الله تعالى (٢) في "الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية" (٣) : يا من له عقل ونور قد غدا ... يمشي به في الناس كل زمان لكننا قلنا مقالة صارخ ... في كل وقت بينكم بأذان الرب رب، والرسول فعبده ... حقا. وليس لنا إله ثان (٤) فلذاك لم نعبده مثل عبادة الر ... حمن، فعل المشرك النصراني كلا ولم نغلُ الغلو كما نهى ... عنه الرسول مخافة الكفران لله حق لا يكون لغيره ... ولعبده حق، هما حقان لا تجعلوا الحقين حقاً واحداً ... من غير تمييز ولا فرقان /فالحج للرحمن دون رسوله ... وكذا الصلاة وذبح ذا القربان وكذا، السجود، ونذرنا، ويميننا ... وكذا متاب العبد من عصيان (٥) وكذا التوكل والإنابة والتقى ... وكذا الرجاء، وخشية الرحمن وكذا العبادة واستغاثتنا به ... إياك نعبد، ذان توحيدان وعليهما قام الوجود بأسره ... دنيا وأخرى حبذا الركنان وكذلك (٦) التسبيح والتكبير والتـ ... ـهليل حق إلهنا الديان لكنما التعزير والتوقير ... حق للرسول بمقتضى القرآن

стр. 228

والحب والتصديق والإيمان لا ... يختص؛ بل حقان مشتركان هذي تفاصيل الحقوق ثلاثة ... لا تجملوها يا أولي العدوان حق الإله: عبادة بالأمر، لا ... بهوى (١) النفوس، فذاك للشيطان من غير إشراك به شيئاً هما ... سبب النجاة؛ فحبذا السببان ورسوله فهو المطاع، وقوله الـ ... مقبول، إذا هو صاحب البرهان والأمر منه الحتم لا تخيير فـ ... ـيه عند ذي عقل وذي إيمان فهو المطاع وأمره العالي على ... أمر الورى وأوامر (٢) السلطان وهو المقدم في محبتنا على ... الأهلين والأزواج والولدان وعلى العباد جميعهم، حتى على ... النفس التي قد ضمها الجنبان ونظير هذا قول أعداء المسيح ... من النصارى عابدي الصلبان أنا تنقصنا المسيح بقولنا ... عبد، وذلك (٣) غاية النقصان لو قلتموا: ولد إله خالق ... وفيتموه حقه. بوزان وكذاك أشباه النصارى من (٤) غـ ... ـلوا في دينهم بالجهل والطغيان صاروا مُعادين الرسول ودينه ... في صورة الأحباب والإخوان وانظر إلى تبديلهم توحيده ... بالشرك والتوحيد (٥) بالكفران وانظر إلى تجريده التوحيد من ... أسباب كل الشرك بالرحمن واجمع مقالتهم وما قد قاله ... واستدع بالنقاد والوزان

стр. 229

عقل (١) وفطرتك السليمة ثم زن ... هذا وذا (٢) لا تطغ في الميزان /فهناك تعلم أي حزبينا هو الـ ... متنقص (٣) المنقوص ذو العدوان (٤) رامي البرىء بدائه ومصابه ... فعل المباهت أوقح الحيوان كمعير للناس (٥) بالزَّغل الذي ... هو ضربه، فاعجب لذا البهتان والله ما قال الشيوخ وقال ألا ... كنتمو معهم بلا كتمان والله أغلاط الشيوخ لديكم ... عين الصواب ومقتضى البرهان تباً لكم ماذا التنقص بعد ذا؟ ... لو تعرفون العدل بالنقصان والله ما يرضيه جعلكم له ... تُرساً لشرككم وللعدوان وكذاك جعلكم المشايخ جنة ... لخلافه والعقصد ذو تبيان والله ما عظمتوه طاعة ... ومحبة يا فرقة العصيان أني؟ وجهلكم به وبدينه ... وخلافكم للوحي: معلومان [والله أمركم عجيب معجب ... ضدان فيكم ليس يتفقان] (٦) تقديم (٧) آراء الرجال عليه مع ... هذا الغلو، فيكف يجتمعان؟

стр. 230

كفرتم من جرد التوحيد ... جهلاً منكم بحقائق الإيمان لكنكم تجردتم لنصر الشرك والـ ... ـبدع المضلة في رضى الشيطان والله لو يُرضى الرسول دعاءنا ... إياه بادرنا إلى الإذعان (والله لو يرضى الرسول دعاءنا ... كنا نخر له على الأذقان) (١) والله ما يرضيه منا غير إخـ ... ـلاص وتحكيم لذا القرآن ولقي نهى ذا الخلق عن إطرائه ... فعل النصارى عابدي الصلبان ولقد نهانا (٢) أن نصيّر قبره ... عيداً حذار الشرك بالرحمن ودعا بأن لا يجعل القبر الذي ... قد ضمنه وثناً من الأوثان فأجاب رب الرحمن دعاءه ... وأحاطه بثلاثة الجدران حتى اغتدت أرجاؤه بدعائه ... باللعن يصرخ فيهم بأذان ولقد غدا عند الوفاة مصرحاً ... في عزة وحماية وصيان وعنى (٣) الأولى جعلوا القبور مساجداً ... وهم اليهود وعابدوا الصلبان والله لولا ذاك أبرز قبره ... لكنهم حجبوه بالحيطان قصدوا إلى تسنيم حجرته ... ليمتنع السجود له على الأذقان /قصدوا موافقة الرسول وقصده ... التجريد للتوحيد للرحمن يا فرقة جهلت نصوص نبيهم ... وقصوده وحقيقة الإيمان فسطوا على أتباعه وجنوده ... بالبغي والعدوان والبهتان لا تعجلوا وتبينوا وتثبتوا ... فمصابكم ما فيه من جبران قلنا الذي قال الأئمة قبلنا ... وبه النصوص أتت على التبيان

стр. 231

القصد حج البيت وهو فريضة الر ... حمن واجبة على الأعيان ورحالنا شدت إليه من بقا ... ع الأرض قاضيها كذاك (١) الدان من لم يزر بيت الآله فما له ... من حجة سهم ولا سهمان وكذا نشد (٢) رحالنا للمسجد ... النبوي خير مساجد البلدان من بعد مكة أو على ألا ... طلاق؛ فيه الخلف منذ زمان وصلاتنا في بألف في سواه ... ما خلا ذا الحجر والأركان وكذا صلاة في قبا فكعمرة ... في أجرها والفضل للمنان ثم ذكر –﵀ (٣) – الزيارة الشرعية التي (٤) تقدمت في كلام شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية –﵄ (٥) وأرضاهما- والله أعلم. فإذا تأمل الناصح لنفسه الطالب لتمييز (٦) الحق من الباطل، وعرف ذلك مما تقدم من الآيات المحكمات، وما صح عن النبي ﷺ ، وما قرره العلماء المحققون، في بيان توحيد العبادة، وما ينافيه من الشرك بالله، فليعلم أن هذا المجادل المماحل أتى فيما كتبه (٧) وأتعب نفسه فيه، ضروباً (٨) من لبس الحق بالباطل، وإيقاع المغرورين في الشرك الأكبر الذي يطلبه وهو يحاوله

стр. 232

قال (١) بعض السلف في قوله تعال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِه﴾ (٢) قال: السبل: البدع والشبهات ذكره مجاهد وغيره، وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورا﴾ (٣) . وليعلم أن هذا العراقي سود الأوراق، بأمور حاول بها (٤) الصدف عن الدين/ الذي بعث الله به الأنبياء والمرسلين، وثبت وتقرر في كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد: من الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والنهي عن عبادة ما سواه وضرب الأمثال في ذلك. فاشتمل ما سوده في معارضته (٥) للحق على أمور: منها: أنه أكثر (٦) السباب، والكذب والافتراء على المسلمين من أهل نجد، ونسب إليهم أموراً كثيرة؛ قد اختلقها هو وأمثاله تنفيراً منهم (٧) للجهال عما كانوا يدعون إليه من توحيد تعالى، وإخلاص العبادة له. وتأييداً لما انتحله هو وغيره من الأمور الشركية التي أظهر الدعوة إليها في تسويده، وأتى فيها بضروب من المحال، وقلب المعاني، وصرف اللفظ عن

стр. 233

مدلوله الذي وضع له، وهذا [هو] (١) الأمر الثاني. فإن ساعد القدر تتبعت ما افتراه بالنقض والأبطال. ومنها: أنه ينقل عن بعض العلماء، وينسب إليهم نقيض ما كانوا يعتقدونه، فيكثر الكذب عليهم، وينسبهم إلى خلاف ما هم عليه من الحق الذي قرروه في كتبهم، وأعلنوا به على رؤوس الأشهاد. [الأمر] (٢) الرابع: أنه ينقل أموراً عن بعض من يجوز عليه الخطأ من أهل العلم، لم يثبت عنهم ما نسبه إليهم، فلو قدر ثبوته فليسوا ممن تقوم بأقوالهم الحجة، وعلى كل حال فلا حجة فيه، لمصادمته الوحيين، كما قال ابن عباس ﵄: "ما من أحد إلا ويؤخذ (٣) من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ ". وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى (٤) : (عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله (٥) يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم﴾ (٦) أتدري: ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك) . فإذا كان هذا في حق سفيان الثوري، وهو من أئمة المسلمين ومن أتباع التابعين، فأقوال من بعده ممن لا يشق غباره، أولى بأن يؤخذ بقوله (٧) ، ويترك

стр. 234

فما وافق أدلة الكتاب والسنة أخذ وقبل، وما خالف الكتاب والسنة رد على قائله. ولا خلاف بين العلماء من المجتهدين/ أن القياس –وهو من الأدلة عند جمهور العلماء- إذا خالف نصّاً، أو ظاهراً من كتاب أو سنة، ترك وفسد اعتباره، فكيف ما خالف جميع أدلة الكتاب والسنة في الأصل الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وخالف الفطر (١) السليمة، والعقول الصحيحة، من تسوية المخلوق بالخالق، والمربوب بالرب، والإله بالمألوه، والعابد بالمعبود؟ فإنها مصيبة ما أعظمها، فإنا لله وإنا راجعون. وخالف صريح الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد؛ كما تقدم من الآيات المحكمات (٢) . والأمر الخامس: أنه يأتي ببعض أحاديث لا يعرف لها صحة؛ ولبست في دواوين أهل الإسلام، ولم يذكر له سند (٣) حتى يكشف عنه، ويحتمل أن تكون مما وضعه الواضعون، وقد صنف العلماء كتباً في الموضوعات. وعلى كل حال فما ناقض أدلة الكتاب والسنة، فلا يجوز الأخذ به، بل يجب تركه وعدم الالتفات إليه. ولا خلاف بين العلماء أن المتشابه يرد إلى المحكم، وإن كان صحيحاً، فكيف إذا كان ضعيفاً أو موضوعاً، فلا يجوز الاحتجاج به في معارضة ما ثبت

стр. 235

به الكتاب (١) والسنة. ومن أصول أهل العلم التي لا يمكن أحد أن ينازع فيها: أنه إذا تعارض دليلان، وصار أحدهما أصح من الآخر أخذ بالصحيح وترك ما دونه، كما إذا تعارض الصحيح والحسن فكيف إذا عارض الصحيح، الضعيف، والمنقطع، أو الموضوع، أو المعضل (٢) ، أو الحكايات المكذوبة، والهفوات المنسوبةإلى من لا تقوم بقوله حُجة؟ فيتعين (٣) الأخذ بالصحيح عند جميع العلماء. وهذا الذي يورده هذا المماحل قد عارض القرآن كله من أوله إلى آخره، وعارض ما في الصحاح والسنن والمسانيد: من تقرير الإخلاص والتوحيد، وإبطال الوسائل والوسائط (٤) بين رب العالمين وعباده، فإنه تعالى أرشدهم إلى أعظم ما يتوسلون به إليه في رغبتهم ورهبتهم، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٥) ، وقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَب﴾ (٦) ، فأخبر أن الملائكة والأنبياء والصالحين الذين يدعوهم من يدعوهم إنما كانت وسيلتهم إلى الله في طلب (٧) قربهم منه ورجاءه وخوفه إنما هو بالإخلاص/ له (٨) والتوحيد، كما قرره أئمة التفسير من السلف

стр. 236

والخلف، وهو أصل الدين: أن لا يُعْبَد إلا الله، بأي نوع (١) من أنواع العبادة، ولا يعبد (٢) الله إلا بما شرع؛ لا بالأهواء والشبهات والخيالات والباطلة، التي تعب فيها من تعب ممن خرج عن الصراط المستقيم. وهذا العراقي إنما ساق [هذه] (٣) الأمور التي أكثر فيها الكذب، وقلب الحقائق، ليتوصل بها إلى أن يُعْبد مع الله غيره، من ميت أو غائب، لا ينفع ولا يضر، ولا يسمع الداعي، ولا يستجيب، غافلاً عمن دعاه ورغب إليه ورجاه، نعوذ بالله من زيغ القلوب وعقوبات الذنوب. وقد أرشدنا الله تعالى في كتابه إلى ما يجب علينا من حق نبيه ﷺ ، من محبته واتباعه، وتعظيم أمره ونهيه، والصلاة عليه في نفس الصلاة، وبعد الأذان، وعند ذكره، وأن نسأل (٤) له الوسيلة والفضيلة التي لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وإكثار الصلاة عليه والتسليم عند كل حديث يرفع إليه، فهذه هي أسباب حصول شفاعته يوم القيامة صلوات الله وسلامه عليه، وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه، والتابعين (٥) ، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا أرحم الراحمين. فلا تتعب ذهنك بهذيان الملحدين، فإنها عند من عرفها من وسواس الشياطين، وخيالات (٦) المبطلين؛ وإذا طلع فجر الهدى، وأشرقت أنوار النبوة

стр. 237

فعساكر تلك الخيالات والوساوس في أول المنهزمين؛ والله متم نوره ولو كره الكافرون. وبهذه الأمور التي ذكرناها عنه ينسخ العلم؛ ويغلب الجهل، كما ذكره (١) البخاري في صحيحه عن قوم نوح (٢) ، أنهم لما صوروا صور الصالحين بما أوحاه الشيطان إليهم من قولهم (٣) : "لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة. قال: فلما هلك أولئك، ونسخ العلم عبدت" (٤) فما أشبه الليلة بالبارحة، فلو تتبعنا ما في القرآن من أوله إلى آخره من الأمر بإخلاص الدعاء لله وحده، والنهي عن دعاء غيره الذي هو مخ العبادة، لاحتمل عدة أوراق كثيرة، ولو تكلمنا على الآيات بتفسير السلف لها والأئمة، لاحتمل مجلداً ضخماً. فسبحان من طبع على قلوب أعدائه بحكمته وعدله (٥) ، وهدى إلى دينه- الذي خلق الخلق/ لأجله –من شاء من عباده برحمته وفضله. وقد تقدم من (٦) الآيات المحكمات، والأحاديث الصحيحة ما يبين الحق، ويبين ما ينافيه من الباطل، ولكنه كما قال القائل: لقد أسمعت (٧) لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن تنادي فلو ناراً (٨) نفخت بها أضاءت ... ولكن أنت (٩) تنفخ في رماد

стр. 238

ونذكر طرفاً من كلام العلماء بأن مدلول الدعاء هو السؤال والطلب. قال الحافظ ابن حجر –رحمه الله تعالى-في شرح البخاري، في أول كتاب الدعوات (١) من الصحيح: (الدعوات بفتح المهملتين، جمع دعوة بفتح أوله، وهي المسألة الواحدة، والدعاء والطلب (٢) ، والدعاء إلى الشيء الحث إلى (٣) فعله، دعوت (٤) فلاناً سألته، ويطلق أيضاً (٥) على العبادة. ويطلق الدعاء على التسمية، كقوله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ (٦) . وقال الشيخ أبو القاسم القشيري في شرح الأسماء الحسنى ما ملخصه: منها العبادة: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّك﴾ (٧) . ومنها الاستغاثة: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم﴾ (٨) . ومنها السؤال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم﴾ (٩) .

стр. 239

ومنها: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُم﴾ (١) . ومنها النداء: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ (٢) . ومنها: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَن﴾ (٣) . قوله وقول الله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم﴾ وهذه الآية ظاهرة على ترجيح الدعاء على التفويض. وقال طائفة: الأفضل ترك الدعاء والاستسلام للقضاء. وأجاب الجمهور: على أن الدعاء من أعظم العبادة، فهو كما في الحديث "الحج عرفة" (٤) ، أي: معظمه وركنه الأكبر، ويؤيده: ما أخرجه الترمذي من حديث أنس رفعه: "الدعاء مخ العبادة" (٥) .

стр. 240

وقد تواترت الآثار عن النبي ﷺ بالترغيب في الدعاء، والحث عليه، كحديث أبي هريرة (١) رفعه: "ليس (٢) شيء أكرم على الله من الدعاء" (٣) أخرجه الترمذي، وابن ماجه، وصححه ابن حبان، والحاكم، وحديث: "من لم يسأل الله يغضب عليه" (٤) أخرجه أحمد، والبخاري في الأدب المفرد، وابن ماجه، والبزار، كلهم من رواية أبي صالح الخوزي (٥)) انتهى. وقال (٦) شيخ الإسلام ابن تيمية (٧) : (ولفظ الإسلام يتضمن الاستسلام والانقياد، ويتضمن من قوله تعالى (٨) : ﴿ضَرَبَ اللَّهُ/ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً

стр. 241

لِرَجُلٍ﴾ (١) فلابد في الإسلام من الاستسلام لله وحده، وترك الاستسلام لما سواه، وهذا حقيقة قولنا: "لا إله إلا الله" فمن استسلم لله ولغيره، فهو مشرك، والله لا يغفر أن يشرك به، ومن لم يستسلم فهو مستكبر (٢) عن عبادته، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين﴾ (٣) . إلى أن قال (٤) : (ولم يشرع الله لنبي من الأنبياء أن يعبد غير الله البتة. قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيه﴾ (٥) (٦فأمر الرسل أن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه٦) (٦) . وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ. مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُون﴾ (٧) ، فأهل الإشراك متفرقون، وأهل الإخلاص متفرقون، [وقد] (٨) قال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (٩) فأهل الرحمة متفقون مجتمعون، والمشركون فرقوا

стр. 242

دينهم وكانوا شيعاً؛ ولهذا تجد ما أحدث من الشرك والبدع بتفرق أهله) . إلى أن قال (١) : (وأهل التوحيد يعبدون الله في بيوته التي أذن (٢) أن ترفع ويذكر فيها اسمه، مع أنه قد (٣) جعلت له الأرض مسجداً وطهوراً، والله هو معبودهم، إياه يعبدون، وعليه يتوكلون، وله يخشون (٤) ويرجون، وبه يستغيثون ويستعينون، وله يدعون ويسألون، فإن خرجوا إلى المساجد كانوا مبتغين فيها (٥) فضلاً من الله (٦) ورضواناً، كما قال تعالى في نعتهم: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانا﴾ (٧) ، وكذلك إذا سافروا إلى المساجد الثلاثة، لاسيما المسجد الحرام الذي أمروا بالحج إليه، فهم يؤمون بيته يبتغون (٨) فضلاً من ربهم (٩) ورضواناً، لا يرغبون إلى غيره، ولا يرجون سواه ولا يخافون إلا إياه. وقد زين الشيطان لكثير من الناس سوء عملهم (١٠) ، واستزلهم (١١) عن (١٢)

стр. 243

إخلاص الدين لله؛ إلى نوع من الشرك (١) ، فيقصدون بالسفر والزيارة رجاء غير الله (٢) والرغبة إليه، ويشدون الرحال/ إلى قبر (٣) نبي، أو صاحب، أو صالح (٤) ، داعين له راغبين إليه، ومنهم من يظن أن المقصود من الحج هو هذا، فلا يستشعر إلا قصد المخلوق المقبور، ومنهم من يرى أن ذلك أنفع له من الحج إلى البيت، ومن جهالهم من يتوهم أن زيارة القبر واجبة، ومنهم من يسأل المقبور الميت كما يسأل الحي الذي لا يموت. يقول: يا سيدي فلان اغفر لي، وارحمني، وتب عليَّ، وانصرني على فلان، وأنا في حسبك أو جوارك. وقد ينذرون أولادهم للقبور، ويسيبون لهم السوايب من البقر وغيرها، كما كان المشركون يسيبون لطواغيتهم. قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُون﴾ (٥) .انتهى. فإذا جوز هؤلاء-كالعراقي وأمثاله-الاستغاثة بالنبي ﷺ بعد وفاته، (٦ وخالفوا نهيه الصريح الصحيح ٦) (٦) ، وخالفوا ما كان عليه الخلفاء الراشدون والسابقون الأولون، فليعلم أن في ذلك من المفاسد العظيمة، وفتح باب (٧)

стр. 244

الشرك من كل أحد، ومع كل أحد (١) ، كما هو الواقع الموجود، فصاروا لا يفرقون بين الصالح والطالح في اعتقاد الربوبية والإلهية (٢) ، كما كان (٣) يفعله (٤) بعض الناس بمصر والشام والعراق، مع ما كانوا يعبدونه من دون الله، كفعل أهل مصر مع أحمد البدوي ونحوه، وقد صح عنه أنه لا يصلي، ويبول في المسجد، ولا يتطهر، ذكر ذلك السخاوي عن أبي حيان مشاهدة منه لذلك، وقد افتتن أهل مصر به وبأمثاله من الأموات، فاعتقدوا فيه أن يفك الأسير إذا دعاه، وهو في أيدي الكفار، وينجي من أشفى على الغرق في البحار، ويطفئ الحريف إذا أضطرمت فيه النار، وينادونه من مكان بعيد، وهم لا يعتقدون أن حيّاً من الفضلاء فيهم يسمع ويبصر، [يسمع من] (٥) ينادونه (٦) من فرسخ فأقل، فصار هذا الميت المدفون في قعر (٧) الأرض الذي تقطعت أوصاله، وصار (٨) في اعتقادهم أنه يسمع مناديه من البحور، ومن هو عنه بمسافة شهور، كما كان أهل العراق يعتقدون ذلك في عبد القادر وغيره. وهل هذا إلا لاعتقادهم أنه يعلم الغيب، ويضر وينفع، ويقدر على ما لا يقدر عليه إلا الله (٩ وقد كانوا ٩) (٩) يفعلون في مولد البدوي من عظائم الشرك

стр. 245

والفساد/ما يطول تعداده؛ أنه (١) يتحمل عن الزناة واللوطية في مولده ذنوبهم، بمعنى أنه يكفرها عنهم (٢ وقد كان٢) (٢) بعضهم يسجد على باب حضرته. (٣ وقد كان٣) (٣) بعض المؤذنين بالقاهرة إذا فرغ من الأذان ينادي بأعلى صوته قائلا: يا أبو (٤) فراج، يعنون بهذه الكنية أن يفرج الكربات، ولا يخفى ما بين القاهرة وقبره من البعد، فإنه كان (٥) في قرية في غربي مصر اسمها طنطا، وهذا وأمثاله تفرع عن [دعوى] (٦) من جوز (٧) أنه يستغاث بنبي أو صالح. ومن ذلك ما يفعله (٨) أهل الشام عند قبر (٩) ابن عربي الاتحادي صاحب الفصوص (١٠) الذي يقول في فصوصه: (وكنت امرءا من جند إبليس فارتمى ... بي الدهر حتى صار (١١) إبليس من جندي) وهو إمام الاتحادية، فيعتقد (١٢) فيه بعض أهل الشام مثل ما كان (١٣)

стр. 246

يعتقده أهل مصر في أحمد البدوي على مثل ما ذكرناه عنهم. وكذلك ما كان (١) يفعله أهل العراق، والمغرب، والسواحل، من البناء على قبر عبد القادر الجيلاني، وبناء المشاهد لعبادة عبد القادر، كالمشهد الذي في أقصى المغرب، وينادونه من (٢) مسافة أشهر؛ بل سنة لتفريج كرباتهم، وإغاثة لهفاتهم، ويعتقدون أنه من تلك المسافة يسمع داعيه، ويجيب مناديه. يقول قائلهم: إنه يسمع ومع سماعه ينفع، وهو لما كان حياً يسمع ويبصر، لم يعتقد أحد فيه أنه يسمع من ناداه من وراء جدار، ثم بعد موته صار منهم ما صار، وهل هذا (٣) إلا لاعتقادهم أنه يعلم الغيب، ويقدر على ما لا يقدر عليه إلا الله؟ فلو جاز في حق عبد القادر لجاز في حق من هو أفضل منه بإضعاف، من الخلفاء الراشدين، والسابقين والأولين، (٦ والأئمة المهتدين (٤) أن يدعي من تلك المسافة، ويستجيب، لكن الله تعالى (٥) صان أولياءه٦) (٦) ، وخيار أهل الإيمان أن يفعل معه مثل هذا، فأين هذا من اعتقاد من اعتقد في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الإلهية، فخدَّ لهم الأخاديد، وألقى فيها من الحطب، وأضرم فيها النار فقذفهم فيها (٧) .

стр. 247

قال (١) ابن عباس: "إنهم يقتلون بالسيف"، وفعله أمير المؤمنين لشدة غيرته على التوحيد، وشدة إنكاره للشرك والتنديد. وهذا الذي يفعله هؤلاء مع من (٢) ذكرنا إنما هو من تأله القلوب بهم، وشدة اعتقادهم فيهم، وصرف خصائص الربوبية والإلهية لهم. وعبد القادر –﵀ –لا شك أنه (٣) له فضل ودين، وهو/حنبلي المذهب، وأكثر أصحاب الإمام أحمد أفضل منه في العلم، وكذلك الإمام أحمد، ومن في طبقته من أئمة المحدثين والفقهاء أفضل من عبد القادر بالاتفاق، فلو جازت هذه الأمور في حق عبد القادر لجاز أن تفعل في [حق] (٤) أحد من هؤلاء، بل وفي حق من هو أفضل من الكل، كأعيان التابعين ومن قبلهم من (٥) الصحابة كالخلفاء الراشدين. وعبد القادر من سائر أهل مذهبه، وله كتاب "الغنية" في مذهب أحمد، وله زهد وعبادة، وليس أفضل من الفضيل (٦) بن عياض، وبشر الحافي والجنيد، بل أهل العلم يعلمون أن هؤلاء أفضل منه، فهو فاضل بالنسبة إلى من دونه، مفضول بالنسبة إلى من ذكرنا من الأئمة قبله، وإن كان يذكر له كرامات الله أعلم بصحة ذلك، وما آفة الأخبار إلا رواتها، فإن صح منها شيء فكرامات الصحابة أعظم، كما وقع لعمر وعلي وغيرهما، فلم يعبدوا لأجل ما وقع لهم من الكرامات.

стр. 248

والكرامة فعل الله تعالى، وليست فعلاً لمن وقعت له، ومن أحين مناقب عبد القادر أن إبليس تراءى له في غمامة فقال: أنا ربك وقد أبحت لك المحارم، فقال له (١) : اخسأ أنت إبليس، إن الله لا يأمر بالفحشاء، أو قال (٢) : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن﴾ (٣) فرحم الله عبد القادر، فلقد كان لا يرضى بما (٤ قد كانوا ٤) (٤) يفعلونه معه، ولا بمثل قطرة منه. وأعظم المحارم التي ينكرها ما كان يفعل اليوم وقبله عند ضريحه من الشرك الذي لا يغفره الله، فإنه أعظم ذنب عصى الله (٥) به، لا يرتاب في هذا مؤمن (٦) . وهذا الذي ذكرناه على سبيل التمثيل، وإلا فبناء المساجد، والمشاهد على القبور وعبادتها، قد عمت به (٧) البلوى في كثير، وقد (٨) لعن رسول الله ﷺ من فعل ذلك، كما صح عنه ﷺ أنه قال: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا" (٩) ، وقال لأم سلمة لما ذكرت له كنيسة رأتها (١٠) بأرض الحبشة، وما فيها من الصور قال: "أولئك إذا مات فيهم

стр. 249

الرجل الصالح أو العبد الصالح (١) بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة" (٢) . فما أعظم ما وقع من الشرك في كثير من هذه الأمة، فقد ربا على شرك أهل الجاهلية، فإن أولئك أقروا بتوحيد الربوبية/ وجحدوا توحيد الإلهية، وهؤلاء صرفوا خصائص الربوبية لغير الله، فالله المستعان. وهذا باب دخل فيه أهل الشرك ما فتحه لهم من ينتسب إلى العلم بحكايات تحكي لا تقوم بها حجة ولا عليها تعويل، وغايتها التحريف التبديل والتهويل والتضليل، وصدف الجهال عن سواء السبيل، حتى وقع الشرك في هذه الأمة جيلاً فجيل، فجادل به من جادل وما حل به من (٣) ماحل، كما (٤) يعلمه الله من هؤلاء الملحدين وأمثالهم. فإن هؤلاء المجادلين الجاحدين المبين قد ما حلوا بقلب الحقائق، حتى جعلوا ما تنزه الله عنه من اتخاذ الشفاء والشركاء [هضماً] (٥) من حق الرسل والأنبياء؛ وهو هضم لربوبية (٦) الله، وسلب لإلهيته (٧) ، وسواء ظن به، وقد نزه نفسه عن ذلك في الآيات المحكمات التي أنزلها (٨) على رسوله الصادق

стр. 250

المصدوق؛ ودعا الأمة إلى أن يؤمنوا بها ويقبلوها. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ (١) إلى قوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون﴾ (٢) ، فنزه نفسه تعالى عن هذا الشرك المقتضى لوضع حقه تعالى (٣) في غير محله، ومسبتهم (٤) له بهذا الشرك (٥) . ولا ريب أن متخذي الشفعاء إنما كانوا يطلبونهم (٦) ويسألونهم أن يشفعوا لهم، كما كان يفعله المشركون مع الأموات والغائبين، فهذا الطلب والسؤال والقصد والإرادة، من توجيه الوجه والقلب إلى غير الله تعالى رجاء لهذا الغير ورغبة إليه (٧شرك عظيم ٧) (٧) ، قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَن﴾ (٨) ، وقال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ (٩) الآية فإسلام الوجه (١٠) ينفي الشرك بنوعيه (١١) ، والإحسان ينفي البدع في الدين
следующие страницы →