← Акыда

Акыда · id 11354

كشف ما ألقاه إبليس من البهرج والتلبيس على قلب داود بن جرجيس

عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ

Полный текст (359 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

يعتقده أهل مصر في أحمد البدوي على مثل ما ذكرناه عنهم. وكذلك ما كان (١) يفعله أهل العراق، والمغرب، والسواحل، من البناء على قبر عبد القادر الجيلاني، وبناء المشاهد لعبادة عبد القادر، كالمشهد الذي في أقصى المغرب، وينادونه من (٢) مسافة أشهر؛ بل سنة لتفريج كرباتهم، وإغاثة لهفاتهم، ويعتقدون أنه من تلك المسافة يسمع داعيه، ويجيب مناديه. يقول قائلهم: إنه يسمع ومع سماعه ينفع، وهو لما كان حياً يسمع ويبصر، لم يعتقد أحد فيه أنه يسمع من ناداه من وراء جدار، ثم بعد موته صار منهم ما صار، وهل هذا (٣) إلا لاعتقادهم أنه يعلم الغيب، ويقدر على ما لا يقدر عليه إلا الله؟ فلو جاز في حق عبد القادر لجاز في حق من هو أفضل منه بإضعاف، من الخلفاء الراشدين، والسابقين والأولين، (٦ والأئمة المهتدين (٤) أن يدعي من تلك المسافة، ويستجيب، لكن الله تعالى (٥) صان أولياءه٦) (٦) ، وخيار أهل الإيمان أن يفعل معه مثل هذا، فأين هذا من اعتقاد من اعتقد في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الإلهية، فخدَّ لهم الأخاديد، وألقى فيها من الحطب، وأضرم فيها النار فقذفهم فيها (٧) .

стр. 247

قال (١) ابن عباس: "إنهم يقتلون بالسيف"، وفعله أمير المؤمنين لشدة غيرته على التوحيد، وشدة إنكاره للشرك والتنديد. وهذا الذي يفعله هؤلاء مع من (٢) ذكرنا إنما هو من تأله القلوب بهم، وشدة اعتقادهم فيهم، وصرف خصائص الربوبية والإلهية لهم. وعبد القادر –﵀ –لا شك أنه (٣) له فضل ودين، وهو/حنبلي المذهب، وأكثر أصحاب الإمام أحمد أفضل منه في العلم، وكذلك الإمام أحمد، ومن في طبقته من أئمة المحدثين والفقهاء أفضل من عبد القادر بالاتفاق، فلو جازت هذه الأمور في حق عبد القادر لجاز أن تفعل في [حق] (٤) أحد من هؤلاء، بل وفي حق من هو أفضل من الكل، كأعيان التابعين ومن قبلهم من (٥) الصحابة كالخلفاء الراشدين. وعبد القادر من سائر أهل مذهبه، وله كتاب "الغنية" في مذهب أحمد، وله زهد وعبادة، وليس أفضل من الفضيل (٦) بن عياض، وبشر الحافي والجنيد، بل أهل العلم يعلمون أن هؤلاء أفضل منه، فهو فاضل بالنسبة إلى من دونه، مفضول بالنسبة إلى من ذكرنا من الأئمة قبله، وإن كان يذكر له كرامات الله أعلم بصحة ذلك، وما آفة الأخبار إلا رواتها، فإن صح منها شيء فكرامات الصحابة أعظم، كما وقع لعمر وعلي وغيرهما، فلم يعبدوا لأجل ما وقع لهم من الكرامات.

стр. 248

والكرامة فعل الله تعالى، وليست فعلاً لمن وقعت له، ومن أحين مناقب عبد القادر أن إبليس تراءى له في غمامة فقال: أنا ربك وقد أبحت لك المحارم، فقال له (١) : اخسأ أنت إبليس، إن الله لا يأمر بالفحشاء، أو قال (٢) : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن﴾ (٣) فرحم الله عبد القادر، فلقد كان لا يرضى بما (٤ قد كانوا ٤) (٤) يفعلونه معه، ولا بمثل قطرة منه. وأعظم المحارم التي ينكرها ما كان يفعل اليوم وقبله عند ضريحه من الشرك الذي لا يغفره الله، فإنه أعظم ذنب عصى الله (٥) به، لا يرتاب في هذا مؤمن (٦) . وهذا الذي ذكرناه على سبيل التمثيل، وإلا فبناء المساجد، والمشاهد على القبور وعبادتها، قد عمت به (٧) البلوى في كثير، وقد (٨) لعن رسول الله ﷺ من فعل ذلك، كما صح عنه ﷺ أنه قال: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا" (٩) ، وقال لأم سلمة لما ذكرت له كنيسة رأتها (١٠) بأرض الحبشة، وما فيها من الصور قال: "أولئك إذا مات فيهم

стр. 249

الرجل الصالح أو العبد الصالح (١) بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة" (٢) . فما أعظم ما وقع من الشرك في كثير من هذه الأمة، فقد ربا على شرك أهل الجاهلية، فإن أولئك أقروا بتوحيد الربوبية/ وجحدوا توحيد الإلهية، وهؤلاء صرفوا خصائص الربوبية لغير الله، فالله المستعان. وهذا باب دخل فيه أهل الشرك ما فتحه لهم من ينتسب إلى العلم بحكايات تحكي لا تقوم بها حجة ولا عليها تعويل، وغايتها التحريف التبديل والتهويل والتضليل، وصدف الجهال عن سواء السبيل، حتى وقع الشرك في هذه الأمة جيلاً فجيل، فجادل به من جادل وما حل به من (٣) ماحل، كما (٤) يعلمه الله من هؤلاء الملحدين وأمثالهم. فإن هؤلاء المجادلين الجاحدين المبين قد ما حلوا بقلب الحقائق، حتى جعلوا ما تنزه الله عنه من اتخاذ الشفاء والشركاء [هضماً] (٥) من حق الرسل والأنبياء؛ وهو هضم لربوبية (٦) الله، وسلب لإلهيته (٧) ، وسواء ظن به، وقد نزه نفسه عن ذلك في الآيات المحكمات التي أنزلها (٨) على رسوله الصادق

стр. 250

المصدوق؛ ودعا الأمة إلى أن يؤمنوا بها ويقبلوها. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ (١) إلى قوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون﴾ (٢) ، فنزه نفسه تعالى عن هذا الشرك المقتضى لوضع حقه تعالى (٣) في غير محله، ومسبتهم (٤) له بهذا الشرك (٥) . ولا ريب أن متخذي الشفعاء إنما كانوا يطلبونهم (٦) ويسألونهم أن يشفعوا لهم، كما كان يفعله المشركون مع الأموات والغائبين، فهذا الطلب والسؤال والقصد والإرادة، من توجيه الوجه والقلب إلى غير الله تعالى رجاء لهذا الغير ورغبة إليه (٧شرك عظيم ٧) (٧) ، قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَن﴾ (٨) ، وقال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ (٩) الآية فإسلام الوجه (١٠) ينفي الشرك بنوعيه (١١) ، والإحسان ينفي البدع في الدين

стр. 251

كلها، وقد قال أمام الحنفاء (١ في قوله١) (١) : ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢) . فتبين بهذه الآية أن توجيه الوجه (٣) والقلب [إلى] (٤) الله دون من سواه (٥) . قال في "الشرح الكبير"لعبد الرحمن بن أبي عمر رحمه (٦) الله تعالى: (الإخلاص عمل القلب وهو أن يقصد بعمله الله (٧) دون غيره) انتهى (٨) . وقال شيخ الإسلام: (الإخلاص/ محبة الله، وإرادة وجهه، وقد تقرر في الجواب أن الشفاعة التي أثبتها الله في كتابه بإذنه ورضاه إنما تقع لأهل الإخلاص خاصة، فمن طلبها من ميت أو غائب فقد وقع في الشرك الذي لا لا يغفره الله، وحرم نفسه الشفاعة بطلبها ممن لا يملكها، وإعراضه عن طلبها ممن يملكها (٩) سبحانه وتعالى عما يشركون) . وهذا العراقي من جهله وضلاله يدعي أن هذا الشرك (*مجمع على جوازه. قلت: بل الإجماع منعقد على أنه الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه (١٠) ، ومستند هذا الإجماع الآيات المحكمات، وما فيها من التصريح

стр. 252

بتحريمه*) (١) كما (٢) في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ [كان] (٣) يقول في دبر كل صلاة: "لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون" (٤) فإخلاص العبادة له هو الدين (٥) الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وأمر به عباده، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ. أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٦) . ثم ذكر تعالى ما ينافي الإخلاص من شرك المشركين، فقال (٧) : ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٨) وهذه السورة كلها كأمثالها من القرآن، فيها بيان الإخلاص والأمر به؛ وبيان ما ينافيه من الشرك في العبادة والنهي عنه، وتغليظ أمره، وحبوطه للأعمال، فتدبر وتذكر وتفكر، والله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 253

فصل (١) وقد كان شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن تيمية –﵀، لما قدم مصر فوجد الكثير قد جهل ما بعث الله به رسله وأنزل به كتبه: من دين الإسلام الذي رضيه لعباده، واتفقت عليه دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم. (٣ [فبيَّن] (٢) ما وقع فيها من البدع٣) (٣) ، فبيَّن –﵀ –لمن حضره (٤) ما جهله أكثر الناس من وجوب إخلاص العبادة بجميع أنواعها لله تعالى، وبيَّن ذلك بالأدلة (٥) من الكتاب والسنة، وما عليه سلف الأمة وأئمتها: من تجريد العبادة لله تعالى، وترك عبادة ما يعبد من دونه، ونهاهم عن دعوة الأموات والغائبين، وأخبرهم أن هذا هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، فعارضه ابن البكري المصري على حسب ما اعتاده من هذا الشرك وجهله بأنواع (٦) التوحيد، /وكتب في المعارضة كثيراً من الشبهات الفاسدة الباطلة، وقلب الحقائق، مع سوء الفهم، وعدم العلم، فهجم على دين الإسلام فيما أبداه من الشبهات والضلالات.

стр. 254

وأخذها شيخ الإسلام ابن تيمية –﵀ – (١) فأجاب عنها بصريح المنقول وصحيح المعقول، فردها رداً شافياً بالأدلة والبراهين، فصار علماً لأهل التوحيد، وحجة على أهل الشرك والتنديد. فرأيت هذا العراقي – الذي نحن بصدد الرد عليه- قد تلقى كثيراً من تلك الشبهات والخيالات والأباطيل والترهات، فرأيت أن أكتب في آخر الرد جملاً من كلام شيخ الإسلام –رحمه الله تعالى (٢) -وإن كان فيه نوع تكرار، مع ما قدمناه له، فإنه يشتمل على مزيد فائدة، فإن الحاجة إليه ماسة، والمنفعة به عظيمة، والمكرر أحلى؛ لما فيه من الرد على كل ملحد ومبطل ومعاند، فرحم الله ذلك الشيخ، فلقد صارت كتبه سلاحاً للموحدين، وحجة على جميع المبطلين. قال رحمه الله تعالى (٣) : (الوجه الخامس: أن يقال: نحن لا ننازع في إثبات ما أثبته الله من الأسباب والحكم، لكن من هو الذي جعل الاستغاثة بالمخلوق ودعاءه سبباً في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله؟ ومَن الذي قال: إنك إذا استغثت بميت أو غائب من البشر، بنبي أو غير نبي، كان ذلك سبباً في حصول الرزق والنصر والهدى، وغير ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى (٤) ؟ ومَن الذي شرع ذلك وأمر به؟ ومَن الذي فعل ذلك من الأنبياء والصحابة والتابعين لهم بإحسان؟

стр. 255

فإن المقام يحتاج إلى مقدمتين: إحداهما (١) : أن هذه أسباب لحصول المطالب التي لا يقدر عليها إلاالله. والثانية: أن هذه الأسباب مشروعة، لا يحرم فعلها، فإنه ليس كل ما كان سبباً كونيّاً يجوز تعاطيه، فإن [قتل] (٢) المسافر قد يكون سفره (٣) سبباً لأخذ ماله، وكلاهما-أي المقدمتين – محرم، والدخول في دين النصارى قد يكون سبباً لمال يعطونه وهو محرم، وشهادة الزور قد تكون سبباً لمال (٤) يؤخذ من المشهود له، وهو حرام، كثير من الفواحش والظلم قد يكون سبباً لنيل مطالب وهو محرم،/ والسحر والكهانة سبب في بعض المطالب وهو محرم، وكذلك الشرك كدعوة الكواكب والشياطين، وعبادة البشر، قد يكون سبباً لبعض المطالب وهو محرم. فإن الله تعالى حرم من الأسباب ما كانت (٥) مفسدته راجحة على مصلحته، كالخمر والميسر (٦) ، وإن كان يحصل به بعض الأغراض أحياناً. وهذا المقام مما يظهر به ضلال هؤلاء المشركين خلقاً وأمراً، فإنهم مطالبون بالأدلة الشرعية على أن الله شرع لخلقه أن يسألوا ميتاً أو غائباً، أو يستغيثوا به، سواء كان ذلك عند قبره، أو لم يكن عند قبره، وهم لا يقدرون

стр. 256

على ذلك، بل نقول: في الوجه السادس: سؤال الميت والغائب: نبيّاً كان أو غيره: من المحرمات المنكرة باتفاق أئمة المسلمين، لم يأمر الله تعالى به ولا رسوله (١) ، ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين، وهذا [مما] (٢) يعلم بالاضطرار من دين المسلمين (٣) ، فإن أحداً منهم ما كان يقول إذا نزلت به شدة، أو عرضت له حاجة لميت: يا سيدي فلان أنا في حسبك، أو اقض حاجتي، كما يقول هؤلاء المشركون لمن يدعونهم من الموتى والغائبين، ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي ﷺ بعد موته، ولا بغيره من الأنبياء، لا عند (٤) قبورهم، ولا إذا (٥) بعدوا عنها، بل ولا أقسموا بمخلوق على الله أصلاً، ولا كانوا يقصدون الدعاء عند قبور الأنبياء، ولا قبور (٦) غير الأنبياء، ولا الصلاة عندها، وقد كره العلماء كمالك وغيره أن يقف الرجل عند قبر النبي ﷺ يدعو لنفسه، وذكروا أن هذا من البدع التي لم (٧) يفعلها السلف. وأما ما يروى عن بعضهم أنه قال: قبر معروف الترياق المجرب، وقول بعضهم: فلان يدعي عند قبره، وقول بعض الشيوخ: إذا كانت لك حاجة إلى

стр. 257

الله فاستغث بي، أو قال: استغث عند قبري، ونحو ذلك، فإن هذا قد وقع عند (١) كثير من المتأخرين وأتباعهم، وكثير من هؤلاء إذا استغاث بالشيخ رأى صورته، وربما قضى بعض حاجته، فيظن أنه الشيخ نفسه، أو أنه ملك تصور /على صورته، وأن هذا من كراماته، ولا يعلم (٢) أن هذا من جنس ما يفعله (٣) الشياطين بعباد الأوثان، بحيث تتراءى (٤) أحياناً لمن يعبدونها، تخاطبهم ببعض الأمور الغائبة، وتقضي لهم بعض الطلبات؛ ولكن هذه الأمور كلها بدع محدثة في الإسلام بعد القرون الثلاثة المفضلة، وكذلك المساجد المبنية على القبور التي تسمى المشاهد محدثة في الإسلام، والسفر إليها محدث (٥) في الإسلام، لم يكن (٦) شيء من ذلك في القرون الثلاثة المفضلة، بل ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذّر ما فعلوا" (٧) قالت عائشة: "ولولا ذلك أبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجداً"، وثبت في الصحيح عنه أنه قال، قبل أن يموت بخمس: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك" (٨) .

стр. 258

وقد تقدم في الجواب أن عمر بن الخطاب –﵁ (١) -: "لما أجدبوا استسقى بالعباس، وقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون" (٢) فلم يذهبوا إلى القبور، ولا توسلوا بميت ولا غائب، وتوسلوا بالعباس كما كانوا يتوسلون بالنبي ﷺ ، وكان توسلهم به توسلهم بدعائه، كالإمام مع المأموم، وهذا تعذر بموته. فأما قول القائل، عند ميت من الأنبياء والصالحين: اللهم إني أسألك بفلان، [أو بجاه فلان] (٣) أو بحرمة فلان، فهذا لم ينقل عن النبي ﷺ ، ولا عن أصحابه، ولا (٤) عن التابعين، وقد نص غير واحد من العلماء أنه لا يجوز، ونقل بعضهم جوازه. قلت: لكن بغير مستند، فكيف يقول (٥) القائل للميت: إني أستغيث بك، أو أستجير بك، أو أنا في حسبك، أو أسأل لي الله، ونحو ذلك. فتبين أن هذا ليس من الأسباب المشروعة، لو قدر أن له تأثيراً، فكيف إذا لم يكن له تأثير صالح، بل مفسدته راجحة على مصلحته: كأمثال (٦) من دعا غير الله؟ وذلك أن من الناس الذين يستغيثون بغائب أو ميت من تتمثل (٧) لهم

стр. 259

الشياطين، وربما كانت [على] (١) صورة الغائب، وربما كلمته، وربما قضت /له أحياناً بعض حوائجه، كما تفعل شياطين الأصنام، وهذا مما جرى لغير واحد، فينبغي أن يعرف هذا. ومن هؤلاء من يؤذي الميت بسؤاله إياه أعظم مما يؤذيه لو كان حياً، وربما قضيت (٢) حاجته مع ذم تلحقه، كما كان الرجل يسأل النبي ﷺ أحياناً فيعطيه، ويقول: "إن أحدكم يسألني المسألة فيخرج بها يتأبطها ناراً" (٣) ، وقال

стр. 260

صلى الله عليه وسلم: "لا تتخذوا قبري عيداً" (١) ، وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (٢) الحديث. قال غير واحد من السلف في قول الله (٣) : ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعا﴾ (٤) الآية "هؤلاء كانوا قوماً صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم" (٥) ؛ ولهذا لعن رسول الله ﷺ الذين يتخذون قبور الأنبياء [والصالحين] (٦) مساجد. وهذا مما تقدم في أول الجواب، والمكرر أحلى. إلى أن قال رحمه الله تعالى (٧) : الوجه الثاني: أن يقال: التحقيق في هذا الباب إن (٨) كان المنفى لا يصلح، لمخلوق فذكره الأنبياء والملائكة على سبيل تحقيق النفي العام، فهذا من أحسن الكلام، كما يقال: لا يجوز العبادة إلا لله تعالى، لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، فينبه (٩) بنفيها عن الأعلى عن انتفائها عمن هو (١٠) دونهم بطريق الأولى

стр. 261

وكذلك إذا كان المخصوص بالذكر ممن (١) قد حصل فيه غلو، كما يقال: ليس في الصحابة معصوم لا علي ولا غيره، وليس في النبيين إله لا المسيح ولا غيره، فهذا حسن (٢) ، ومنه قوله تعالى (٣) : ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ (٤) (٦ تنبيهاً بذلك [على] (٥) أن من دونهم أولى أن لا تغني شفاعتهم شيئاً٦) (٦) ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّه﴾ إلى قوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٧) . وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً. لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٨) الآية. /

стр. 262

(٢ فإنه لما كان الكلام في إثبات توحيد الله تعالى، والنهي عن (١) الغلو في الدين فيه تشبيه المخلوق بالخالق قال: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ٢) (٢) ، وأبلغ من هذا قوله تعالى (٣) : ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعا﴾ (٤) فخص المسيح وأمه بالذكر (٥) ؛ لأن المسيح وأمه اتخذا إلهين فكان التخصيص بالذكر؛ لنفي الشرك والغلو الذي وقع في المسيح وأمه، ولم يكن ذلك من باب التنقيص للمسيح وأمه. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٦) فتخصيص الأنبياء والملائكة (٧) بالذكر تنبيه على من دونهم. ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ. وَمَنْ يَقُلْ

стр. 263

مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِين﴾ (١) فذكر هذا الوعيد في الملائكة تنبيهاً على أن دعوى الإلهية لا تجوز لأحد من المخلوقين، لا ملك ولا غيره، وأنه لو قدر وقوع ذلك من ملك من الملائكة لكان جزاؤه جهنم، فكيف من دونهم؟ وهذا التخصيص لإفراد الله بالإلهية. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) ، والأنبياء معصومون من الشرك، لكن (٣) المقصود بيان أن الشرك لو صدر من أفضل الخلق لأحبط عمله، فكيف بغيره؟ وكذلك قوله لنبيه ﷺ : ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين﴾ (٤) مع أن الشرك منه (٥) ممتنع، لكن بيَّن بذلك أنه إذا قدر وجوده كان مستلزماً لحبوط عمل (٦) المشرك وخسرانه/ كائناً من كان، وخوطب بذلك أفضل الخلق لبيان عظم [هذا] (٧) الذنب، لا لحط قدر المخاطب، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ. لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِين﴾ (٨) . ليبيِّن أنه ينتقم ممن يكذب بالرسالة كائناً من كان، وأنه لو قدر أنه

стр. 264

غيَّر الرسالة لا نتقم منه، وهذا باب واسع. فمن (١) غلا في طائفة من الناس، فإنه يذكر له من هو أعلى منه، ويبين أنه لا يجوز هذا الغلو فيه، فكيف يجوز الغلو في الأدنى، كما قال بعض الشيعة لبعض شيوخ أهل (٢) السنة: نقول إن مولانا أمير المؤمنين علياً كان معصوماً، فقال: أبو بكر وعمر: عندنا أفضل منه، وما كانا معصومين. وكما يقال لمن يعظم شيخه أو أميره، بأنه يطاع في كل شيء، وأنه لا ينبغي مخالفته: أبو بكر الصديق (٣) أفضل منه، وقد قال: "أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم، إنما أنا متبع ولست مبتدع، فإن أحسنت فأعينوني وإن زغت فقوموني" (٤) (٥) . وكما إذا ظن الغالي أن الصالحين لا يؤذيهم عدوهم، لاعتقاده أن ذلك نقص فيهم، وأنهم قادرون على دفع كل أذى؛ فيقال: أفضل الخلق محمد ﷺ قد أوذي وعودي، وقد جرح يوم أحد، وذلك كرامة له من الله تعالى (٦) ، ليعظم أجره، ويزيده رفعة بالصبر على الأذى. وكذلك لو حلف بشيخه، فقيل له: لا تحلف بغير الله، فمن حلف بغير الله فقد أشرك.

стр. 265

وكذلك إذا اعتقد معتقد في شيخه أنه يشفع (١) لمريديه، أو أنه راية في الآخرة يدخل تحتها مريده الجنة، فيقال: [له] (٢) : المرسلون أفضل منه؛ وسيد ولد آدم ﷺ إذا جاء يشفع يسجد بين يدي الله، ويحمد ربه بمحامد فيقال له: "ارفع رأسك؛ وقل يسمع؛ وسل تعطه؛ واشفع تشفع، فيقول: يا رب أمتي، فيحد لي حداً، فأدخلهم الجنة" (٣) فهو ﷺ لا يشفع إلا بعد أن يؤذن له، بل يبدأ بالسجود لله والثناء عليه، ثم إذا أذن له في الشفاعة وشفع حد له حداً، يدخلهم الجنة (٤) . فليست الشفاعة مطلقة في حقه؛ ولا يشفع إلا بإذن الله، فكيف يكون الشيخ إذا (٥) كانت له شفاعة؟ وكذلك إذا / قيل عن بعض الشيوخ: إن قبره ترياق مجرب، فيقال له: إذا كانت قبور الأنبياء –﵈-ليست ترياقاً مجرباً؛ فكيف تكون قبور الشيوخ ترياقاً مجرباً؟. وكذلك إذا قيل: إن الشيخ الميت يستسقى عند قبره، ويقسم به على الله؛ ويعَّرف عنده عشية عرفة ونحو ذلك. قيل له: إذا كان النبي ﷺ سيد الخلق لم يستق الصحابة –رضوان الله عليهم-عند قبره، ولا أقسموا به على الله؛ ولا عرَّفوا عند قبره فكيف بغيره؟

стр. 266

وكذلك إذا قيل: إنه يسجد لقبر الشيخ أو يستلم ويقبل (١) ، قيل له: إذا كان قبر النبي ﷺ لا يسجد ولا يقبل باتفاق الأئمة، فكيف بقبر غيره؟. [وكذلك إذا قيل: الموضع الذي كان الشيخ يصلي فيه لا يصلى فيه] (٢) احتراماً له قيل له: إذا كان الصحابة –﵃-لم يصلوا في الموضع الذي كان النبي ﷺ يصلي فيه، فكيف لا يصلى في موضع مصلى غيره؛ وهو أحق بالاحترام من كل أحد؟ وكذلك إذا قيل: إن الشيخ الميت يدعى، ويسأل، ويستغاث به، قيل: إذا كان الأنبياء بعد موتهم لا يدعون، ولا يسئلون؛ ولا يستغاث بهم؛ فكيف بمن دونهم؟ وإذا قيل: يطلب من الشيخ كل شيء. قيل: ما لا يقدر عليه إلا الله، لا يطلب من الأنبياء، فكيف يطلب ممن دونهم؟ وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا ألفين (٣) أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رُغاء؛ فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: قد أبلغتك، لا أملك لك من الله شيئاً (٤) -الحديث" فقد أخبر أنه يستغيث به أهل الغلول يوم القيامة فلا يغيثه، بل يقول: "لا أملك لكم من الله شيئاً" كما قال: "يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفة

стр. 267

عم رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً، يا عباس عم رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً (١) . وحينئذ (٢) فإذا قدر أن سائلاً (٣) سأل: هل يستغاث بميت من الأنبياء والصالحين؟ فقيل [له] (٤) : لا تستغيث بأحد منهم، لا نبي ولا غيره، أو قيل: لا يستغاث بالنبي ﷺ ، فكيف بمن دونه (٥) ؟، أو قيل: أفضل الخلق لا يستغاث به، ونحو ذلك من/ العبارات التي يفهم منها (٦) عموم النفي (٧) ؛ وأنه (٨) ذكر الأفضل تحقيقاً (٩) للعموم: كان هذا من أحسن الكلام، كما تقدم. كما إذا قيل: لا يسجد لقبر؛ ولا يتمسح به ولا يقبل؛ ولا يتخذ وثناً يعبد ونحو ذلك. وكذلك لو كان الخطاب ابتداء في سياق التوحيد، ونفى خصائص الرب

стр. 268

عن العبد، وقيل: ما لا يقدر عليه إلا الله (١) لا يطلب إلا منه، لا من نبي ولا غيره، وقيل: ما لا يستغاث فيها إلا بالله، لا يستغاث فيه بنبي ولا غيره: كان حسناً. فالاستغاثة المنفية نوعان: أحدهما: الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الخالق. وليس لأحد أن يسأل غير الله ما لا يقدر (٢) عليه إلا الله لا نبي ولا غيره، وليس لأحد أن يسأل غير الله أو يستغيث به في شيء من الأشياء، سواء كان نبياً أو غيره، وإذا كان كذلك، فكثير مما وقع هو من هذا الباب. وأما قوله: فمن خص الرسول والملائكة بنفي خاص، يفهم منه طرح رتبهم، وعدم صلاحيتهم للأسباب [فقد نقصهم بعبارته] (٣) . فيقال له: قولك: "خصهم بنفي خاص يفهم منه طرح رتبتهم وعدم صلاحيتهم للأسباب"لفظ مجمل، أتريد صلاحيتهم للأسباب التي أثبتها الله لهم، مثل عدم صلاحية الملائكة للنزول بالوحي والعذاب، وعدم صلاحية الرسول لتبليغ (٤) رسالات الله، ونحو ذلك، مما أثبته الله لهم، أو عدم صلاحيتهم لما اختص الرب (٥) ﵎ به، مثل أن يطلب منهم الأمور التي لا يقدر عليها غيره، وعدم صلاحيتهم لكونهم يُسألون ويُدعون بعد

стр. 269

موتهم، أو يطلب منه كل ما يطلب من الله؟ فإن عنيت الأول (١) فقائله أعظم جرماً [من] (٢) أن يقال: تنقصهم بعبارته (٣) ، إذ قد يكون كافراً؛ مثل أن يتضمن نفيه مثل جحد رسالة الرسول، أو جحد ما يدخل في الإيمان، من الإيمان بالملائكة، ولكن ما نحن فيه ليس من هذا الباب. وإن أردت الثاني، فليس في نفي خصائص الربوبية عن المخلوق نقص له يجيب تنزيهه عنه، فضلاً عن أن يجب نفيه [عنه] (٤) فمن قال: لا إله إلا الله، لم يكن قد تنقص (٥) الملائكة والأنبياء بنفي الإلهية عنهم، ومن قال: إن الأنبياء والملائكة ليسوا أرباباً ولا آلهةً، ولا يُعبدون ولا يُطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله، كان قد نفى عنهم ما يختص به الرب ﵎ [ولم ينف عنهم الأسباب] (٦) . قلت (٧) : وهذا النفي هو الذي خلقوا له، وهو دينهم الذي كانوا عليه وهو الذي يرضيهم من أتباعهم، وهو كمال في حقهم كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّه﴾ (٨)

стр. 270

الآية ونظائرها (١) . [قال شيخ الإسلام] (٢) : وإنما (٣) يكون نافياً للأسباب إذا قال: لا شفاعة لهم، أو قال: إنه لا يتوسل/ إلى الله بالإيمان بهم ومحبتهم وطاعتهم، ولا يتوسل إليه بدعائهم (٤) ، فهذا باطل، بل كفر. وأما من قال: إنه لا يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله، أو قال: [إنه] (٥) لا يسأل بعد موته كما كان يسأل في حياته، فهذا قد أصاب، ومن قال: إنه لا يقسم على الله بمخلوق، ولا يتوسل [بميت، ولا يسأل] (٦) بذات مخلوق، فإن الصحابة إنما توسلوا بدعائه وشفاعته، ولما مات لم يتوسلوا بذاته، إذ لم ينقل عن أحد من السلف أنه توسل إلى الله بميت في دعائه، ولا أقسم على الله به (٧) . قال أبو حنيفة وأبو يوسف وغيرهما: أنه لا يجوز أن يقال: أسألك بحق الأنبياء. وكذلك قال أبو محمد بن عبد السلام: إنه لا يقسم عليه بحق الأنبياء، وتوقف في نبينا لظنه أن في ذلك خبراً يخصه (٨) ، وليس كذلك.

стр. 271

وقد تنازع العلماء في القسم به (١) ، هل تنعقد به اليمين؟ على قولين: أشهرهما: أنه لا تنعقد (٢) به، وهو مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة، وأحد القولين في مذهب أحمد. والثاني: تنعقد اليمين به، وهي الرواية الأخرى عن أحمد، اختارها طائفة من أصحابه. والصواب، ما عليه الجمهور من أنه لا تنعقد اليمين (٣) بمخلوق لا النبي ﷺ ، ولا غيره. ولكن لم يسم أحد من الأمم هذا استغاثة، فإن الاستغاثة [به] (٤) طلب منه لا طلب به، وهذا اعتقد جواز هذا بالإجماع (٥) ، وسماه استغاثة، فلزم جواز الاستغاثة به بعد موته بالإجماع، فجوز أن يتوسل به في كل شيء. ثم إنه لم يجعل هذا وحده معنى الاستغاثة، بل جعل الاستغاثة الطلب منه أيضاً فكان لا يميز بين هذا المعنى وهذا المعنى، بل يجوز عنده أن يستغاث به في كل ما يستغاث الله (٦) فيه، على معنى أنه وسيلة من وسائل الله في طلب الغوث، وهذا ثابت عنده للصالحين، ولو كان هذا حقاً لم يقل النبي ﷺ : "إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله " (٧)

стр. 272

فدخل عليه الخطأ من وجوه: منها: أنه جعل المتوسل (١) به بعد موته بالدعاء مستغيثاً، وهذا لا يعرف في لغة أحد من الأمم، [لا] (٢) حقيقة ولا مجازاً، مع دعواه الإجماع على ذلك، فالمستغاث (٣) به هو المسئول المطلوب منه، [لا] (٤) المسئول به. والثاني: ظنه أن توسل الصحابة به (٥) في حياته كان توسلاً بذاته، لا بدعائه وشفاعته، فيكون التوسل به بعد موته كذلك، وهذا غلط (٦) . الثالث: أنه أدرج سؤاله أيضاً في الاستغاثة به، وهذا صحيح جائز في حياته، وقد سوى في ذلك بين محياه ومماته، فأخطأ في التسوية بين المحيا والممات، وهذا ما علمته ينقل عن أحد من العلماء (٧) ، لكنه موجود في كلام بعض الناس، مثل الشيخ يحيى الصرصري في شعره قطعة منه، ومحمد بن النعمان كان له كتاب "المستغيثين بالنبي ﷺ في اليقظة والمنام". /وهؤلاء ليسوا من أهل العلم العالمين بمدارك الأحكام، الذين يؤخذ بقولهم في شرائع الإسلام، ومعرفة الحلال والحرام، وليس معهم (٨) دليل شرعي

стр. 273

ولا نقل عن إمام (١) مرضي؛ بل عادة (٢) جروا عليها، كما جرت عادة (٣) كثير (٤) من الناس أن يستغيث بشيخه في الشدائد ويدعوه، وهؤلاء ليس لهم مستند شرعي من كتاب أوسنة، أو قول من الصحابة والأئمة، وليس عندهم إلا قول طائفة من الشيوخ: إذا كانت لكم حاجة فاستغيثوا بي، وتعالوا إلى قبري، ونحو ذلك مما فيه تصويب (٥) لأصحابه بالاستغاثة به حياً وميتاً، وإن كان له نوع من العلم والعبادة. فليس معهم بذلك حديث يروى، ولا نقل عن صحابي (٦) ولا تابعي، ولا قول عن إمام مرضي؛ ولهذا لما نُبه من نبه من فضلائهم تنبهوا، وعلموا أن ما هم عليه ليس من دين الإسلام، بل هو مشابهة لعباد الأصنام. لكن هؤلاء كلهم ليس فيهم من يعُدّ (٧) نفي هذا، والنهي عنه، كفر إلا مثل هذا الأحمق الضال الذي حاق به وبيل النكال، فإنه من غلاة أهل البدع الذين يبتدعون القول، ويكفرون من خالفهم فيه، كالخوارج، والروافض، والجهمية، فإن هذا القول الذي قاله لم يوافقه عليه أحد من المسلمين الأولين والآخرين (٨) ، وما علمت عالماً نازع في أن الاستغاثة بالنبي (٩) وغيره من

стр. 274

المخلوقين لا تجوز. وهذه الطريقة التي سلكها هذا وأمثاله هي طريقة أهل البدع، الذين يجمعون بين الجهل والظلم، فيبتدعون (١) بدعة مخالفة للكتاب والسنة وإجماع الصحابة، ويكفرون من خالفهم في بدعتهم (٢) ، كالحلولية، والمعطلة في الذات والصفات، يكَفَّر كثير منهم من خالفهم، والذين يقولون ليس كلامه إلا معنى واحداً قائماً بذاته: ومعنى التوراة والإنجيل واحد، والقرآن العزيز ليس هو كلامه؛ بل كلام جبريل وغيره، فمنهم من يكفر من خالفه، ونظائر هذا متعددة. وأما أئمة السنة والجماعة وأهل العلم والإيمان فيهم العلم والعدل والرحمة، فيعلمون الحق الذي (٣) يكونون به موافقين للسنة، / سالمين من البدعة، ويعدلون على من خرج منها ولو ظلمهم، كما قال تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (٤) ويرحمون الخلق، ويريدون لهم الخير والهدى والعلم، لا يقصدون الشر لهم ابتداء بل إذا (٥) عاقبوهم، وبينوا خطأهم، وجلهم، وظلمهم كان قصدهم بذلك بيان الحق ورحمة الخلق، والأمر بالمعروف

стр. 275

والنهي عن المنكر، وأن يكون الدين (١) كله لله، وأن تكون (٢) كلمة الله هي العليا. وقوله: إن الاستغاثة به بعد موته ثابتة ثبوتها في حياته؛ لأنه عند الله في مزيد دائم لا ينقص جاهه. فيقال (٣) : إذا كان معنى الاستغاثة هو الطلب منه، فما الدليل [على] (٤) أن الطلب منه شيئاً كالطلب منه حياً؟ وعُلُوُّ درجته بعد الموت لا يقتضي أن يسأل، كما لا يقتضي أن يستفتى، ولا يمكن أحداً أن يذكر دليلاً شرعياً على أن سؤال الموتى من الأنبياء والصالحين وغيرهم مشروع (٥) ، بل الأدلة الدالة على تحريم ذلك كثيرة، كما لا يجوز دعاء الملائكة وإن [كان] (٦) الله وكّلهم بأعمال يعملونها؛ لما في ذلك من الشرك. وهو يحتج بحديث الأعمى الذي قال: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد (٧) نبي الرحمة". وهذا الحديث لا حجة فيه لوجهين: أحدهما: أنه ليس هو استغاثة به (٨) بل توجه به.

стр. 276

والثاني: أنه (١) إنما توجه بدعائه وشفاعته، فإنه طلب من النبي ﷺ الدعاء، وقال في آخره "اللهم فشفعه في"فعلم أنه يشفع (٢) له، فتوسل بشفاعته لا بذاته، كما كان الصحابة يتوسلون بدعائه في الاستسقاء، وكما توسلوا بدعاء العباس بعد مماته. وهذا المحتج به بنى حجته على مقدمتين فاسدتين: على أنهم توسلوا (٣) بذاته، وأن ذلك يسمى استغاثة به (٤) ، فلزم من ذلك (٥) جواز ذلك بعد موته، وفساد إحدى المقدمتين يبطل كلامه (٦) ، فكيف إذا بطلتا؟ وما ذكره من توسل آدم وحكاية المنصور، /فجوابها من وجهين: أحدهما: أن هذا لا أصل له، ولا تقوم به حجة، ولا إسناد لذلك. والثاني: أنه (٧) لو دل لدل (٨) على التوسل بذاته، لا على الاستغاثة به. وأما فتح الكوة لينزل المطر، فهذا (٩) أيضاً باطل، كما تقدم التنبيه عليه، ومع هذا فليس من هذا، وكذلك استسقاؤهم بدعائه ليس من هذا الباب. وأما اشتكاء البعير إليه، فهذا كاشتكاء الآدمي إليه (١٠) ، وما زال الناس

стр. 277

يستغيثون به في حياته كما يستغيثون به يوم القيامة، وقد قلنا أنه إذا طلب منه ما يليق بمنصبه فهذا لا نزاع فيه، والطلب منه في حياته والاستغاثة به في حياته فيما يقدر عليه لم يُنازع فيه، فما ذكره لا يدل على مورد (١) النزاع. وأما قوله: ولم يجعل الله لأحد تنقيص الرسل، وأجمع السلف والخلف على وجوب (٢) تعظيمهم في الاعتقاد والأقوال (٣) والأفعال. فيقال: هذا حق لكنه كما قال علي بن أبي طالب [﵁] (٤) : (كلمة حق أريد بها باطل) (٥) . وهو أن من سألهم ما لا يقدرون عليه أحياء وأمواتاً، فقد آذاهم واعتدى عليهم، فهو مستحق للعقوبة التي يستحقها مثله، بل من سألهم ما لا يريدون فعله حتى فعلوا (٦) ما يكرهونه فهو مستحق للذم والمقت. ومن ابتدع في دينهم ما لم يأذن به الله وما يخالف ما جاءوا به، لزم أن يكون دينهم ناقصاً، وأنهم أتوا بالباطل، وهذا مناقض بلا ريب لما يجب من الإيمان بهم وتعزيرهم وتوقيرهم، ومن خالف ما جاءوا به من توحيد الله، وإفراده بالدعاء، فهو من أعظم المخالفين لهم اعتقاداً وقولاً وعملاً. فإن أعظم ما دعوا إليه التوحيد، فالمخالف له (٧) من أعظم الناس مخالفة

стр. 278

لهم، وقد بينا "بالصارم (١) المسلول"أن التوحيد والإيمان بالرسل متلازما، وكل أمة لا تصدق الرسل فلا تكون إلا مشركة، وكل مشرك فإنه مكذب للرسل، فمن دخل فيه نوع من الشرك الذي نهت عنه الرسل فإنه مناقض لهم، مخالف لموجب رسالاتهم (٢) . وإن (٣) كان كذلك فما قال هذا المفتري وأمثاله هو بدعة لم تشرعها الرسل، لو لم يرد ما يتضمن (٤) النهي عنها، فكيف إذا علم أنه نهى عنها؟ أما/ المقام الأول: فإنه لا يمكن أحداً أن يقول إن النبي ﷺ شرع لأمته أن يستغيثوا بميت ولا غيره، لا في (٥) جلب منفعة، ولا دفع مضرة (٦) ، لا بهذا (٧) اللفظ ولا بمعناه، فلا شرع لهم أن يدعوا ميتاً ولا يسألوه، ولا يدعو به (٨) ، ولاأن (٩) يستجيروا به ولا يدعوه؛ لا رغبة ولا رهبة (١٠) ، ولا يقول أحد لميت: أنا في حسبك، أو أنا في جوارك، أو أنا أريد أن تفعل كذا وكذا، ولا أن يخطو إلى قبر ميت خطوات، وأن يتوجه إلى جهة قبره ويسأله، كما يفعل كثير من (١١)

стр. 279

النصارى وأشباه النصارى، من ضلال (١) هذه الأمة، بكثير من شيوخهم وغير شيوخهم، ولا يشرع لأحد أن يقول لميت: سل لي الله أو ادع لي، ولا يشرع لهم أن يشكوا إلى ميت، فيقول أحدهم مشتكياً إليه: عليَّ دين، أو آذاني فلان، أو (٢) قد نزل بي العدو، أو أنا مريض، أو أنا خائف ونحو ذلك من الشكاوي؛ سواء كان هذا السائل عند قبر الميت، أو كان بعيداً منه، وسواء كان الميت نبياً أو غيره، بل ولا يشرع لأمته إذا كان لأحد (٣) حاجة أن يقصد قبر نبي أو صالح فيدعو لنفسه، ظاناً أن الدعاء عند قبره يجاب، ولا يشرع (٤) لأمته أن يتوسلوا إلى الله بذات نبي أصلاً، بل ولا بذات حي، إلا أن يكون مما أمر الله به من الإيمان به وطاعته أو بدعاء المتوسِّلِ وشفاعته، فأما إذا (٥) لم يكن المتوسل يتوسل بما أمر الله به، ولا بدعاء الداعي له، فليس هناك وسيلة شرعها الله ورسوله، فإذا كان النبي (٦) والرجل الصالح له (٧) عند الله من الجاه، والقدر، والحرمة، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فهذا لا ينتفع المتوسل به إلا بأحد وجهين: إما أن يتوسل المتوسل بما أمر الله به من الإيمان به، ومحبته (٨) ، وطاعته، وموالاته، والصلاة عليه والسلام، ونحو ذلك: فهذه هي الوسيلة التي أمر الله

стр. 280

بها في قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ (١) فالوسيلة تجمعها طاعة الرسول، فكل وسيلة طاعة، وكل طاعة للرسول وسيلة: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٢) ، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ/ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ (٣) . والوجه الثاني: أن يدعو له الرسول، فهذه أيضاً مما يتوسل به إلى الله تعالى فإن دعاءه وشفاعته (٤) عند الله من أعظم الوسائل. فأما إذا لم يتوسل العبد بفعل واجب أو مستحب، ولا الرسول دعا له، فليس في عظم قدر الرسول ما ينفعه، ولكن بعض الناس الذين دخلوا في دين الصابئين والمشركين ظنوا أن شفاعة الرسول لأمته لا يحتاج إلى دعاء منه، بل الرحمة التي تفيض على الرسول تفيض على المُسْتَشِفعِ، من غير شعور من الرسول، ولا دعاء منه، ومثلوا ذلك بانعكاس شعاع الشمس إذا (٥ وقع على جسم صقيل ثم انعكس على غيره فإن٥) (٥) الشمس إذا وضعت على ماء، أو مرآة، وانعكس شعاعها على حائط أو غيره، حصل النور في الموضع الثاني بواسطة الشعاع المنعكس على المرآة. قالوا: فهكذا (٦) : الرحمة تفيض على النفوس الفاضلة، كنفوس الأنبياء والصالحين، ثم تفيض بتوسطهم على

стр. 281

نفوس المتعلقين بهم، وكما أن انعكاس الشعاع يحتاج إلى المحاذاة، فكذلك الفيض لابد فيه من وتوجه الإنسان إلى النفوس الفاضلة. وجعل هؤلاء الفائدة في زيارة القبور من هذا الوجه، وقالو: إن (١) الأرواح المفارقة تجتمع هي والأرواح الزائرة فيقوى تأثيرهما (٢) . وهذه المعاني ذكرها طائفة من الفلاسفة ومن أخذ عنهم، كابن سينا وأبي حامد وغيرهم. وهذه الأحوال هي من أصول الشرك وعبادة الأصنام، وهي من [المقاييس الفاسدة] (٣) وهي من أقوال من قال: إن الدعاء إنما تأثيره بكون النفس تتصرف في العالم (٤) ، لا بكون الله هو يجيب الداعي، وهي مبنية على أن الله ليس بفاعل مختار؛ يحدث الحوادث بمشيئته واختياره. وقول هذا المفتري وأمثاله يجر (٥) إلى مثل هذا، لكنهم لا يعرفون أصل قولهم ولوازمه، إتباع لشيوخ لهم (٦) نوع من علم ودين، وليس لهم خبرة بما جاء به الرسول. وعندهم تعظيم الأنبياء والصالحين من جنس تعظيم النصارى والمشركين، يعظمونهم تعظيم ربوبية، من جهة ما يرجونه في حصول

стр. 282

مطالبهم، لا يعظمونهم/ لكونهم رسل الله الذين أمرَ (١) بطاعتهم، فيجب أن يطاعوا فيما أمروا به، (٣ وأن يقتدي بهم فيما يشرع التأسي فيه بهم، بل هم (٢) يعرضون عن بعض طاعتهم، والتأسي بهم٣) (٣) ، ويقبلون على نوع من دعائهم، وسؤالهم والإشراك بهم، وهؤلاء بالنصارى أشبه منهم بالصابئة (٤) الفلاسفة، لكن الجميع فيهم شرك. وهذا الضال وأمثاله يجعلون الأنبياء والصالحين من جنس الذين يظنون أن النفع والضر يحصل لهم بتوسطهم، كما يجعل الشعاع والحرارة بتوسط الشمس. ونحن نقول: إن كل ما شرعه الله ورسوله فهو من أعظم الوسائل إلى الله، لكن دعاؤهم بعد الموت لم يشرعه الله ورسوله، فليس من الوسائل، كذلك سؤال أحدهم ما لا يقدر عليه إلا الله، وأن لا يعبد إلا بما شرع، وما ذكره هؤلاء يتضمن عبادة غير الله. المقام الثاني: أن يقال هذا مما نهت عنه الرسل، فقد ثبت في الصحاح أن النبي ﷺ نهى عن اتخاذ القبور مساجد وقال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا" (٥) ، وقال: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" (٦) .

стр. 283

فلو كان الدعاء عند القبور أجوب منه في غير تلك البقعة؛ لكان قصدها للدعاء (١) عندها مشروعاً لم ينه أن يتخذ مسجداً، فإن اتخاذ القبور مساجد يدخل فيه الصلاة وغيرها، ويدخل فيه بناء المساجد [عليها] (٢) ، وكلاهما منهي عنه، بل محرم كما صرح به غير واحد من العلماء، فإن النبي ﷺ لعن من فعل ذلك تحذيراً، وهذا يقتضي توكيد التحريم، فإن الدعاء في الصلاة أجوب منه في غيرها، كالدعاء في دبرها، / كما جاءت به السنة في الأدعية الشرعية فإنها مشروعة في آخر الصلاة، كذلك الدعاء عقب الصلاة، وأفضل الدعاء دعاء (٣) يوم عرفة، وإنما يكون بعد صلاة الظهر والعصر، والوقوف بمزدلفة ودعاؤها بعد صلاة الفجر، والطواف يجري مجري الصلاة، ولهذا يستحب الدعاء في آخره، كما كان النبي ﷺ يقول بين الركنين ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ [النَّارِ] ﴾ (٤) ، والطواف

стр. 284

تحية المسجد الحرام (١) ، وأما منى فعبادتها رمي الجمار، ولهذا يرجمونها يوم النحر ثم ينحرون، فليس بمنى (٢) صلاة عيد، بل رمي جمرة العقبة لهم كصلاة العيد لغيرهم، وسائر الجمرات ترمى بعد الزوال، قبل صلاة الظهر، وفي السنن عن النبي ﷺ أنه قال: "إنما جعل السعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله" (٣) فلما كان هذا (٤) من شعائر الصلاة والطواف كان كالدعاء عندها مشروعاً؛ كما ثبت في الصحيح أنه ﷺ : "كان يدعو بين الجمرتين بقدر (٥) سورة البقرة" (٦) .

стр. 285

ففي الجملة: أحق البقاع بذكر الله فيها المساجد التي يصلى فيها، والمشاعر التي [شرع الله] (١) فيها الذكر، وأمر أن يكون الدين خالصاً له، كما قال تعالى (٢) : ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَه﴾ (٣) فإذا كانت (٤) الصلاة والذكر لله وحده لم يكن ذلك مشروعاً عند قبر، كما لا يذبح للميت ولا عند قبره، بل نهى النبي ﷺ عن (٥) العقر (٦) ، وكره العلماء الأكل من تلك الذبيحة، فإنها شبه ما ذبح لغير الله. فلو كانت مقابر الأنبياء والصالحين مما يستحب الدعاء عندها، لكانت إما من المساجد، وإما من المشاعر [التي] (٧) يحج إليها، وقد نهى النبي ﷺ عن هذا وهذا، بل لعن الذين يتخذون القبور مساجد، وقال في الحديث الذي
следующие страницы →