← Акыда

Акыда · id 11354

كشف ما ألقاه إبليس من البهرج والتلبيس على قلب داود بن جرجيس

عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ

Полный текст (359 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

نفوس المتعلقين بهم، وكما أن انعكاس الشعاع يحتاج إلى المحاذاة، فكذلك الفيض لابد فيه من وتوجه الإنسان إلى النفوس الفاضلة. وجعل هؤلاء الفائدة في زيارة القبور من هذا الوجه، وقالو: إن (١) الأرواح المفارقة تجتمع هي والأرواح الزائرة فيقوى تأثيرهما (٢) . وهذه المعاني ذكرها طائفة من الفلاسفة ومن أخذ عنهم، كابن سينا وأبي حامد وغيرهم. وهذه الأحوال هي من أصول الشرك وعبادة الأصنام، وهي من [المقاييس الفاسدة] (٣) وهي من أقوال من قال: إن الدعاء إنما تأثيره بكون النفس تتصرف في العالم (٤) ، لا بكون الله هو يجيب الداعي، وهي مبنية على أن الله ليس بفاعل مختار؛ يحدث الحوادث بمشيئته واختياره. وقول هذا المفتري وأمثاله يجر (٥) إلى مثل هذا، لكنهم لا يعرفون أصل قولهم ولوازمه، إتباع لشيوخ لهم (٦) نوع من علم ودين، وليس لهم خبرة بما جاء به الرسول. وعندهم تعظيم الأنبياء والصالحين من جنس تعظيم النصارى والمشركين، يعظمونهم تعظيم ربوبية، من جهة ما يرجونه في حصول

стр. 282

مطالبهم، لا يعظمونهم/ لكونهم رسل الله الذين أمرَ (١) بطاعتهم، فيجب أن يطاعوا فيما أمروا به، (٣ وأن يقتدي بهم فيما يشرع التأسي فيه بهم، بل هم (٢) يعرضون عن بعض طاعتهم، والتأسي بهم٣) (٣) ، ويقبلون على نوع من دعائهم، وسؤالهم والإشراك بهم، وهؤلاء بالنصارى أشبه منهم بالصابئة (٤) الفلاسفة، لكن الجميع فيهم شرك. وهذا الضال وأمثاله يجعلون الأنبياء والصالحين من جنس الذين يظنون أن النفع والضر يحصل لهم بتوسطهم، كما يجعل الشعاع والحرارة بتوسط الشمس. ونحن نقول: إن كل ما شرعه الله ورسوله فهو من أعظم الوسائل إلى الله، لكن دعاؤهم بعد الموت لم يشرعه الله ورسوله، فليس من الوسائل، كذلك سؤال أحدهم ما لا يقدر عليه إلا الله، وأن لا يعبد إلا بما شرع، وما ذكره هؤلاء يتضمن عبادة غير الله. المقام الثاني: أن يقال هذا مما نهت عنه الرسل، فقد ثبت في الصحاح أن النبي ﷺ نهى عن اتخاذ القبور مساجد وقال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا" (٥) ، وقال: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" (٦) .

стр. 283

فلو كان الدعاء عند القبور أجوب منه في غير تلك البقعة؛ لكان قصدها للدعاء (١) عندها مشروعاً لم ينه أن يتخذ مسجداً، فإن اتخاذ القبور مساجد يدخل فيه الصلاة وغيرها، ويدخل فيه بناء المساجد [عليها] (٢) ، وكلاهما منهي عنه، بل محرم كما صرح به غير واحد من العلماء، فإن النبي ﷺ لعن من فعل ذلك تحذيراً، وهذا يقتضي توكيد التحريم، فإن الدعاء في الصلاة أجوب منه في غيرها، كالدعاء في دبرها، / كما جاءت به السنة في الأدعية الشرعية فإنها مشروعة في آخر الصلاة، كذلك الدعاء عقب الصلاة، وأفضل الدعاء دعاء (٣) يوم عرفة، وإنما يكون بعد صلاة الظهر والعصر، والوقوف بمزدلفة ودعاؤها بعد صلاة الفجر، والطواف يجري مجري الصلاة، ولهذا يستحب الدعاء في آخره، كما كان النبي ﷺ يقول بين الركنين ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ [النَّارِ] ﴾ (٤) ، والطواف

стр. 284

تحية المسجد الحرام (١) ، وأما منى فعبادتها رمي الجمار، ولهذا يرجمونها يوم النحر ثم ينحرون، فليس بمنى (٢) صلاة عيد، بل رمي جمرة العقبة لهم كصلاة العيد لغيرهم، وسائر الجمرات ترمى بعد الزوال، قبل صلاة الظهر، وفي السنن عن النبي ﷺ أنه قال: "إنما جعل السعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله" (٣) فلما كان هذا (٤) من شعائر الصلاة والطواف كان كالدعاء عندها مشروعاً؛ كما ثبت في الصحيح أنه ﷺ : "كان يدعو بين الجمرتين بقدر (٥) سورة البقرة" (٦) .

стр. 285

ففي الجملة: أحق البقاع بذكر الله فيها المساجد التي يصلى فيها، والمشاعر التي [شرع الله] (١) فيها الذكر، وأمر أن يكون الدين خالصاً له، كما قال تعالى (٢) : ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَه﴾ (٣) فإذا كانت (٤) الصلاة والذكر لله وحده لم يكن ذلك مشروعاً عند قبر، كما لا يذبح للميت ولا عند قبره، بل نهى النبي ﷺ عن (٥) العقر (٦) ، وكره العلماء الأكل من تلك الذبيحة، فإنها شبه ما ذبح لغير الله. فلو كانت مقابر الأنبياء والصالحين مما يستحب الدعاء عندها، لكانت إما من المساجد، وإما من المشاعر [التي] (٧) يحج إليها، وقد نهى النبي ﷺ عن هذا وهذا، بل لعن الذين يتخذون القبور مساجد، وقال في الحديث الذي

стр. 286

رواه أبو داود وغيره: "لا تتخذوا قبري عيداً وصلوا علي حيث كنتم (١) ، فإن صلاتكم/ تبلغني" (٢) فنهى أن نتخذ (٣) قبره عيداً، والعيد اسم للوقت والمكان (٤) الذي يعتاد الاجتماع (٥) فيه. وقد ثبت عن عمر بن الخطاب [﵁] (٦) أنه: "رأى رجالاً ينتابون مكاناً يصلون فيه فقال (٧) : ما هذا؟ قالوا مكان صلى فيه رسول الله ﷺ ، قال: أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد؟ إنما هلك من كان قبلكم بهذا، من أدركته الصلاة فيه (٨) فليصل وإلا فليمض" (٩) فقد نهاهم عن اتخاذ آثار أنبيائهم مساجد (١٠) . وأما نقل عن ابن (١١) عمر أنه كان يتحرى النزول في مكان النبي ﷺ (١٢) ،

стр. 287

فهذا أمر انفرد به ابن عمر –﵁ (١) ، والخلفاء الراشدون (٢) من الأكابر والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لم يكونوا يفعلون ذلك، وهم أفضل من ابن عمر وأعظم اتباعاً للنبي ﷺ ولو كان هذا مستحباً لفعله هؤلاء. وأيضاً فلما فتح المسلمون تستر وجدوا فيه قبر (٣) دانيال، وكان أهل البلد يستسقون به، فكتب في ذلك أبو موسى إلى عمر بن الخطاب، فكتب إليه: "أن احفر بالنهار ثلاثة عشر قبراً وادفنه بالليل في واحد منهما؛ لئلا يفتن (٤) به الناس فيستسقون به" (٥) . فهذه كانت سنة الصحابة رضوان الله عليهم. ولهذا لم يكن في زمن الصحابة والتابعين لهم بإحسان (٦) ، على وجه الأرض في ديار الإسلام مسجد (٧) على قبر؛ ولا مشهد يزار، لا في الحجاز، ولا في اليمن، ولا الشام، ولا مصر، والعراق، ولا خراسان. وقد ذكر مالك –﵀ (٨) – أن وقوف الناس للدعاء عند قبر النبي ﷺ بدعة لم يفعلها الصحابة والتابعون، وقال: "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها".

стр. 288

وأما دعاء الميت، وسؤاله بلفظ الاستغاثة وغيرها، فهذا مما نهى عنه القرآن، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً. أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ (١) . وفي/ التفسير الصحيح عن مجاهد ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ قال: "عيسى ابن مريم وعزير والملائكة" (٢) . وكذلك عن إبراهيم قال: كان ابن عباس يقول في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ "هو عزير والمسيح والشمس والقمر". وكذلك رواه شعبة عن السدي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: "عيسى وأمه والعزير في هذه الآية" ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ . وروى قتادة عن عبد الله بن معبد الزماني عن ابن (٣) مسعود قال: "كان قبائل من العرب يعبدون صنفاً من الملائكة يقال لهم الجن يقولون: هم بنات الله، فأنزل الله ﵎: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ . وفي رواية الزماني عن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله قال: "نزلت

стр. 289

في نفر من العرب كانوا يعبدون نفراً من الجن، فاسلم الجنيون (١) ، والأنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم، فنزلت: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ . وكذلك قال ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال (٢) : الذين يدعون الملائكة تبتغي إلى ربها الوسيلة أيهم أقرب، ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذوراً. قال: "وهؤلاء (٣) الذين عبدوا الملائكة من المشركين". وكذلك ذكر (٤) العوفي في تفسيره عن ابن عباس قال: "يقولون: نعبد الملائكة والمسيح وعزيراً". وثبت أيضاً في الصحيح للبخاري (٥) عن ابن مسعود قال: "كان ناس يعبدون قوماً من الجن. فأسلم الجن، وبقي الأنس على كفرهم، فأنزل الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ يعني الجن" وهذا معروف عن ابن مسعود من غير وجه. وهذه الأقوال كلها حق، فإن الآية تعم كل من كان معبوده عابداً لله؛ سواء كان من الملائكة، أو من (٦) الجن، أو [من] (٧) البشر.

стр. 290

والسلف –رض الله عنهم- في تفسيرهم يذكرون جنس المراد بالآية على نوع التمثيل، كما/ يقول الترجمان لمن سأله عن الخبز فيريه رغيفاً، فيقول: هذا، فالإشارة إلى نوع لا إلى عينه. فالآية خطاب لمن دعا من دون الله مدعواً، وذلك المدعو يبتغي إلى ربهالوسيلة ويرجو رحمته، ويخاف عذابه، وهذا (١) موجود في الملائكة والجن والإنس. والاستغاثة هي طلب كشف الشدة، فكل من دعا ميتاً أو غائباً من الأنبياء والصالحين، أو دعا الملائكة، أو دعا الجن، فقد دعا م لا يغيثه، وقد قال (٢) تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقا﴾ (٣) . وقد نص الأئمة، كأحمد وغيره على (٤) أنه لا يجوز الاستعاذة (٥) بمخلوق، وهذا مما استدلوا به على أن كلام الله غير مخلوق، قالوا لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه استعاذ بكلمات الله التامات، من غضبه، وعقابه، [وشر عباده] ، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون" (٦) .

стр. 291

وقال (١) : "أعوذ بكلمات الله التامات، التي لا يجاوزهن برٌّ ولا فاجر، من شر ما خلق، وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، وما يعرج فيها، ومن شر ما يلج في الأرض، وما يخرج منها، ومن شر فتن (٢) الليل والنهار، ومن شر كل طارق يطرق (٣) إلا طارقاً يطرق بخير يارحمن (٤) ".

стр. 292

قالوا: والاستعاذة لا تجوز بالمخلوق، وقول القائل: "أعوذ بالله" معناه أستجير بالله، فإذا لم يجز أن يستعاذ بمخلوق؛ لا نبي ولا غيره، فإنه لا يجوز أن يقال أنت خير معاذ (١) يستعاذ به، بطريق الأولى والأحرى (٢) ، كقول القائل لمن مات من الأنبياء وغيرهم: بك استجير من كذا، وكذا كقوله: بك أستعين، وقوله: بك أستغيث في معنى ذلك إذا كان مطلوبه منع الشدة أو رفعها، والمستعيذ بطلب منع المستعاذ منه أو رفعه، فإذا كان مخوفاً طلب منعه؛ كقوله: أعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر، وإذا كان حاضراً طلب رفعه، كما في الحديث الصحيح: "أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر" (٣) فتعوَّذ من شر الموجود، وشر المحاذر. والداعي يطلب حصول (٤) أحد شيئين: إما حصول منفعة، أو دفع مضرة، فالاستعاذة (٥) والاستجارة والاستغاثة /كلها من نوع الطلب والدعاء. ومما يبين حكمة الشريعة وعظم قدرتها، وأنها كما قيل: "سفينة نوح من

стр. 293

ركبها (١) نجا ومن تخلف عنها غرق" إن الذين خرجوا عن المشروع، زين لهم الشيطان أعمالهم، حتى خرجوا إلى الشرك. وطائفة من هؤلاء يصلون إلى الميت، ويدعو أحدهم الميت ويقول: اغفر لي وارحمني. ومنهم من يستقبل (٢) القبر، ويصلي إليه، مستدبر (٣) الكعبة، ويقول: القبر قبلة الخاصة والكعبة (٤) قبلة العامة، وجمهور هؤلاء المشركين يجدون عند (٥) عبادة القبور من الرقة، والخشوع، والدعاء، وحضور القلب ما لا يجده أحدهم في مساجد الله التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، وآخرون يحجون إلى القبور. وطائفة صنفوا كتباً وسموها "مناسك حج المشاهد"، كما صنف محمد بن النعمان الملقب بالمفيد، أحد شيوخ الإمامية كتاباً في ذلك، وذكر فيه من الحكايات المكذوبة عن أهل البيت ما لا يخفى كذبه على من له معرفة بالنقل، وآخرون يسافرون إلى قبور المشايخ، وإن لم يسموا (٦) ذلك منسكاً وحجاً، والمعنى واحد. ومن هؤلاء من يقول: حق النبي الذي تحج إليه المطايا، فيجعل الحج إلى النبي لا إلى بيت الله .

стр. 294

وكثير من هؤلاء أعظم قصده من الحج قصده قبر النبي ﷺ لا حج البيت) . وذكر –﵀-كثيراً من هؤلاء ما هو من جنس ما تقدم، وأعظم –إلى أن قال (١) : (ومنهم من يجعل السفر إلى المشهد والقبر الذي يعظمه أفضل من الحج، ويقول أحد المريدين للآخر وقد حج سبع حجج إلى بيت الله العتيق: أتبيعني زيارة قبر الشيخ بالحجج السبع؟ فشاور الشيخ؛ فقال: لو بعت لكنت مغلوباً. ومنهم من يقول: من طاف بقبر الشيخ سبعاً كان حجة، وذكر عن أمثال هؤلاء كثيراً من هذا الضرب) . ثم قال: (وهؤلاء وأمثالهم صلاتهم ونسكهم لغير الله رب العالمين، فليسوا على ملة إبراهيم إمام الحنفاء، وليسوا من عمار مساجد (٢) الله الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّه﴾ (٣) [فعمار مساجد الله لا يخشون إلا الله] (٤) ، وعمار مساجد المقابر يخشون غير الله، ويرجون غير الله. وآخرون قد جعلوا الميت بمنزلة الإله، والشيخ الحي المتعلق به كالنبي، فمن الميت يطلب قضاء (٥) الحاجات، وتفريج الكربات، وأما الحي فالحلال

стр. 295

ما أحله، والحرام ما حرمه، وكانوا في أنفسهم/ قد عزلوا الله عن أن يتخذوه إلهاً، وعزلوا نبيه محمد ﷺ عن أن يتخذه رسولاً. وقد يجيء الحديث العهد بالإسلام، أو التابع لهم الحسنُ الظنِّ بهم، أو غيره (١) يطلب من الشيخ الميت إما (٢) دفع ظلم ملك يريد أن يظلمه، أو غير ذلك، فيدخل ذلك السادن فيقول: قد قلت للشيخ، والشيخ يقول للنبي، والنبي يقول لله، والله قد بعث رسولاً للسلطان (٣) فلان، فهل هذا إلا دين المشركين والنصارى؟ وفيه من الكذب والجهل ما لا يستجيزه كل مشرك ونصراني، ولا يروج عليه. ويأكلون من النذور وما يؤتى به إلى قبورهم ما يدخلون به في معنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه﴾ (٤) والله تعالى لم يذكر في كتابه المشاهد، بل ذكر المساجد، قال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين﴾ (٥) ، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِين﴾ (٦) .

стр. 296

لم (١) يذكر بيوت الشرك؛ كبيوت الأصنام والمشاهد، ولا ذكر بيوت النار، ولا ذكر بيوت الصائبة المشركين، كالذي يسمونه هيكل العلة الأولى، هيكل العقل، هيكل النفس، (٢ هيكل زحل٢) (٢) ، هيكل المشترى، هيكل المريخ، هيكل الشمس، هيكل عطارد، هيكل الزهرة، هيكل القمر، فإن هذه البيوت ليس في أهلها مؤمن، ولم يكن في أهلها عبادة أمر الله بها، وفي الصحيح عنه ﷺ : أنه لم ذكر له كنيسة بأرض الحبشة، وذكر حسنها، وتصاوير فيها (٣) ، فقال: "أولئك (٤) إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا (٥) فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة" (٦) . وفي الصحيح عن أبي الهيَّاج الأسدي قال: قال لي (٧) علي بن أبي طالب ﵁: "ألا أبعثك (٨) على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ أمرني أن لا أدع قبراً مشرفاً إلا سويته (٩) ، ولا تمثالاً إلا طمسته" (١٠) .

стр. 297

إلى أن قال (١) : (الوجه الرابع أن يقال: الغلاة المشركون هم في الحقيقة بخسوا الرسل ما يستحقونه من التعظيم؛ دون الأمة الوسط أهل التوحيد، المتبعين لشريعة/الرسل. وبيان ذلك بأمور: منها أنهم يقولون: إن النصارى يعظمون المسيح، وكذلك الغالية في علي، أو الأئمة (٢) أو الشيوخ أو غيرهم، وهم في الحقيقة متنقصون لهم، فإن المسيح ﵇ أمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، وأخبرهم أنه عبد الله؛ فهم إذا اتبعوه كان له من الأجر مثل أجورهم؛ من غير أن ينقص من أجورهم شيء، كما في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "من دعا إلى هدى كان له (٣) من الأجر مثل أجور من تبعه، من غير أن ينقص (٤) من أجورهم شيء" (٥) وإذا غلوا فيه، واتخذوه ربّاً انقطع (٦) العمل الصالح الذي كان يحصل بالتوحيد والطاعة، وحصل لهم مع ذلك عذاب أليم.

стр. 298

وأما أهل الاستقامة (١) ، فهم إذا وحدوا الله وعبدوه (٢) ، كما شرعته لهم (٣) الرسل، وأطاعوهم صاروا أولياء الله مستحقين لثوابه، وحصل للرسول الذي دعاهم مثل أجورهم، وكان في هذا من التعظيم للرسول (٤) ما ليس في طريق الغلاة. الثاني: أن الغلاة يحرمون ثواب الدعاء لمن كانوا يعبدونه من الأنبياء والصالحين، فيشغلهم عن الدعاء لهم، فيحرمون ثواب ذلك. الثالث: أن أهل (٥) التوحيد والسنة يصدقون الرسل فيما أخبروا، ويطيعونهم فيما أمروا، ويحفظون ما قالوا، ويفهمونه ويعملون به، وينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، ويجاهدون من خالفهم، تقرباً إلى الله، وطلباً للجزاء من الله لا منهم، وأهل الجهل والغلو لا يميزون بين ما أمروا به ونهوا عنه، ولا بين ما صح عنهم، ولا ما كذب عليهم (٦) ، ولا يفهمون حقيقة مرادهم، ولا يتحرون طاعتهم بل هم جهال لما أتوا به، معظمون لأغراضهم، فالسدنة الذين هم (٧) عند القبور ونحوهم: غرضهم تعظيم أنفسهم عند الناس؛ وأخذ أموالهم بهم، فأي الفريقين أشد تعظيماً؟ أولئك أو هؤلاء؟

стр. 299

حتى إن بعض أصحابنا لما بلغه أني أنهي (١) عن ذلك صار عنده شبهة، قال لبعض أصحابنا شراً: أنا (٢) جربت إجابة الدعاء عند قبر (٣) بالقرافة، فقال له ذلك الرجل: أنا أذهب معك إليه، لأعرف قبر من هو، فذهبنا إليه فوجدا مكتوباً عليه: / عبد علي، فعلموا أنه إما رافضي، وإما إسماعيلي، وكان بالبلد جماعة كثيرون يظنون في العبيديين أنهم أولياء الله صالحون. وكم من مشهد يعظمه الناس وهو كذب، بل يقال أنه قبر كافر، كالمشهد الذي بسفح جبل لبنان، فإن أهل المعرفة يقولون إنه قبر بعض العمالقة، وكذلك (٤) مشهد الحسين في القاهرة، وقبر أبي بن كعب بدمشق، اتفق العلماء أنه كذب. وكثير من المشاهد عندها (٥) شياطين تضل بسببها من تضل، ومنهم من يرى في المنام شخصاً يظن أنه المقبور، ويكون ذلك شيطاناً تصور بصورته، أو بغير صورته، كالشياطين الذين [يكونون (٦) بالأصنام، وكالشياطين الذين] (٧) ، يتمثلون لمن يستغيث بالأصنام والموتى والغائبين) . وذكر –رحمه الله تعالى-من هذا الضرب-إلى أن قال: (والمقصود أن هؤلاء بهم الأمر أن يسووا بين الأنبياء والكفار،

стр. 300

ويطلبون من هذا ما يطلبون من هذا، فأي الفريقين أشد تعظيماً للأنبياء (١) ، هؤلاء [أو] (٢) من يوجب تعظيمهم باتباع شريعتهم، ويفرق بين الحق الذي جاؤا به وبين غيره، ولا ينزل أحداً منزلتهم، ولا يشبه بهم من ليس منهم، ولا يبتدع في الدين ما لم يأذن به الله، فإن المبتدع من شرع ديناً لم يأذن به الله؛ لا من أمر بما أمر الله به ونهى عن ما نهى الله عنه. ومن أعظم المبتدعين من جوز أن يستغاث بالمخلوق الحي والميت في كل ما يستغاث فيه الله ، بل [من] (٣) جوز أن يسأل الميت، ويدعى على أي وجه كان، بل من حمل ألفاظ الاستغاثة بالنبي ﷺ على التوسل، وجعل توسل الصحابة به (٤) هو توسلهم بذاته، أو الأقسام به على الله تعالى. ومن أعظم المبتدعين من جعل التوحيد كفراً والشرك إيماناً، وكفر من هو (٥) أحق بالإيمان من طائفته، ونفى الكفر عن طائفته الذين هم أحق بالكفر ممن كفروه) . /إلى أن قال: (الثالث: أن قول المجيب؛ ليس هو قوله وحده، بل هو قول جميع أئمة الدين، وعلماء المسلمين، فليس في (٦) علماء المسلمين من يقول: إنه يستغاث بمخلوق في كل ما يستغاث الله به، ولا من يقول إن الميت يستغاث

стр. 301

به، وما علمت إلى ساعتي هذه أحداً من علماء المسلمين الذين يستحقون الإفتاء نازع في هذا، وأما الشيوخ الذين يسألون الميت فهؤلاء ليس فيهم أحد ممن يرجع المسلمون إلى فتياه، فلهذا قال بعض السلف: لا تنظر إلى عمل الفقيه، ولكن اسأله يصدقك) . ثم قال رحمه الله تعالى (١) : (فإذا قيل لا يعبد إلا الله، لا الأنبياء ولا غيرهم، ونحو ذلك، كان ذلك (٢) تعظيماً للرسول ﷺ ، وتبيينا (٣) أنه لا أحد أرفع منه من الخلق، وخصائص الرب منتفية عنه؛ فعن غيره بطريق الأولى، كقوله تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُون﴾ (٤) . وقوله تعالى (٥) : ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّه﴾ (٦) . وقوله: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُل﴾ (٧) فإن الحاجة داعية إلى ذكر (٨) المسيح، لوقوع النزاع (٩) فيه.

стр. 302

فلو (١) تنازع اثنان: هل يخص النبي (٢صلى الله عليه وسلم٢) (٢) بالحلف (٣) به دون سائر الأنبياء؟ فقال أحدهما (٤) : لا يحلف به؛ لم يكن هذا تنقصاً، بل هذا قول الجمهور، وهو الصواب. وكذلك إذا تنازع اثنان، [هل يخص] (٥) الاستغاثة به، أو بالإقسام على الله به بعد موته، فقال أحدهما: لا يستغاث، ولا يقسم به، فليس هذا (٦) من خصائصه، لكان من هذا الباب. قال أبو يزيد (٧) : استغاثة المخلوق بالمخلوق، كاستغاثة الغريق بالغريق، (٨ وما قاله أبو يزيد رحمه الله تعالى٨) (٨) تلقاه الناس بالقبول، وقاله بعده أبو عبد الله القرشي، قال: استغاثة المخلوق بالمخلوق، كاستغاثة المسجون بالمسجون، وهذا كقول النبي ﷺ لابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله" (٩) ، وقوله لطائفة من أصحابه (١٠) : "لا تسألوا الناس

стр. 303

شيئاً" (١) ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب﴾ (٢) ، / ومنه قول (٣) النبي ﷺ في وصف السبعين ألفاً: "هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون" (٤) ، فالاسترقاء طلب الرقية من المخلوق. وقد تقدم أن دعواه أن الميت هو عين المنفي في كلام الله ورسوله خطأ، بل ما نفاه الرب عن غيره لم يثبته له، والمنفي عن المخلوق ما اختص الرب به. والمقصود أن كثيراً من الضالين الجاهلين، يستغيثون بمن يحسنون به الظن من الأموات والغائبين، في كل ما يستغاث الله فيه، ولا يتصور أن هؤلاء يسألونهم مطالبهم كلها (٥) ، ولا أكثرها (٦) ، بل غاية ما يطلبونه منهم من جنس تحصيل المنافع ودفع المضار لا يحصل، بل قد يحصل بعض المطالب، كما يحصل لعباد الأصنام، والكواكب، وغيرهم من المشركين، ويكون [ما] (٧) يخبرون به ويفعلونه شبهة للمشركين، كما أن ما يخبر به الكاهن ونحوه، فإنه يصدق في واحدة ويكذب في مائة.

стр. 304

فهذا القول الذي يقوله هذا هو (١) مطابق لأحوال هؤلاء المشركين الضالين، وهذا ليس يقوله مسلم، ولا عاقل يتصور ما يقول، بل هو من جنس قول النصارى: دعاء المسيح دعاء الله (٢) ؛ لكن أولئك يقولون باعتبار الحلول والاتحاد، وأما بدون هذا فهو كلام غير معقول، فإن الله تعالى أمر أن يدعى هو ويسأل هو، ولم يجعل دعاء أحد المخلوقين دعاء له؛ بل قد نهى الله عن دعائه، ولو كان هذا حقاً لكان من دعى (٣) الملائكة والأنبياء دعى (٤) الله (٥) ، فلا يكون شركاً) قلت: فيلزم على (٦) هذا أن من سجد للشمس يكون ساجداً لله، ويلزم على هذا أيضاً أن كل مشرك بعبادة غير الله عابداً لله، واللازم باطل، فيبطل الملزوم (٧) . (والله قد جعلهم مشركين، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً. أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ (٨) الآية.

стр. 305

فإن هؤلاء الضالين جعلوا الصالحين مع الله سبحانه كالوكيل مع موكله، فإذا طلب من الوكيل الدعاء (١) كانت المطالبة للموكل في المعنى، لكن هذا ليس من أقوال الموحدين، بل هو من أعظم شرك الملحدين، والرسول ﷺ لم يضمن للخلق أن يرزقهم، ويحاسبهم، ولا يجيب (٢) / دعاءهم، بل أخبر أن (٣) هذا كله لله وحده. قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا (٤) عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَاب﴾ (٥) . وقال تعالى (٦) : ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَي﴾ (٧) . وقال تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً (٨) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٩) . وقال تعالى (١٠) : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُون﴾ (١١) .

стр. 306

فبين تعالى أن التحسب بالله وحده، والرغبة إلى الله وحده، وأما (١) الإيتاء فلله وللرسول؛ لأن الحلال ما حلله الرسول، والحرام ما حرمه الرسول، كما قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢) . فالله تعالى قد جعل الرسول مبلغاً كلامه الذي هو أمره ونهيه، ووعده ووعيده، وهؤلاء يجعلون الرسل (٣) والمشايخ يدبرون العالم، بالخلق، والرزق، وقضاء الحاجات، وتفريج الكربات، بل النصارى تقول هذا في المسيح وحده، لشبهة الاتحاد والحلول؛ ولهذا لم يقولوا هذا في إبراهيم وموسى وغيرهم من الرسل، مع أنهم في غاية الجهل في ذلك، فإن الآيات التي بعث بها موسى أعظم) . إلى أن قال رحمه الله تعالى (٤) : (فما الدليل على جواز السؤال لله بذوات (٥) المخلوقين مطلقاً، أو بعد (٦) موتهم؟، ومن قال هذا من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان؟ والصحابة إنما كانوا يتوسلون بدعائه وشفاعته؛ ولهذا توسلوا بعده بالعباس، ولو كان التوسل بذاته ممكناً بعد موته لم يعدلوا إلى العباس، والأعمى إنما توجه بدعائه وشفاعته، وكذلك الناس يوم القيامة يستغيثون به ليشفع لهم إلى الله، فهم يتوسلون بشفاعته؛ أما بمجرد الذات بعد الممات فلا

стр. 307

دليل عليه، ولا قاله أحد من السلف، بل المنقول عنهم يناقض ذلك، وقد نص غير واحد من العلماء أن هذا لا يجوز، وإن نقل عن بعضهم جوازه، وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُول﴾ (١) . وإن أراد بقوله: لا يكون وسيلة، أي: لا يكون الإيمان به، ومحبته، وطاعته، وموالاته، واتباع سنته، والمجاهدة في دينه ونحو ذلك وسيلة إلى الله تعالى، فهذا لم ينفه أحد، ونفى الاستغاثة به (٢) لا ينفي هذه/الوسائل. قوله: وهذا نفي لوصف من أوصاف الكمال الثابتة له ﷺ . فيقال له: لا نسلم أن هذا النفي لشيء من صفات الكمال، [بل] (٣) ولا نفي لشيء موجود، بل هو نفي لشيء منتف في نفس الأمر. ويقال أيضاً: ليس كل (٤) من نفى وصفاً من أوصاف الكمال يكون كافراً، وقد قال ابن عباس وطائفة: إنه رأى ربه، ونفى ذلك آخرون من الصحابة وغيرهم، بل نفس المعراج قال الجمهور: إنه كان ببدنه، وآخرون من السلف والخلف قالوا: إنه كان بروحه فقط، وقال أكثر المنتسبين إلى السنة: إن الأنبياء أفضل من الملائكة، وآخرون قالوا: الملائكة أو بعضهم أفضل من الأنبياء إلى غير ذلك. وقال بعض الغلاة: إنه كان يعلم علم الله؛ ويقدر قدرته، وكفر المسلمين من قال ذلك. وهذا باب واسع، فما زال المسلمون يتنازعون في شيء من إثبات صفات

стр. 308

الكمال، ولا يقول المثبت للنافي: إنك كفرت، فإن الكمال الثابت ليس محدوداً يعلمه الناس كلهم، والكمال المطلق الذي لا غاية فوقه لله ﵎، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أن قال: "كمل من الرجال كثير" (١) وهؤلاء الكاملون بعضهم أكمل من بعض. فإذا قال قائل: إذا كان الرسول الذي هو أفضل الخلق لا يضر ولا ينفع، فكيف بمن دونه؟، ونحو ذلك، فهذا مثل (٢) قوله: لا يضر ولا ينفع (٣) إلا الله، وهو نظير أن يقال: الرسول لا يستغاث به وإنما يستغاث بالله، والمراد به (٤) بعد وفاته؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً. قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً. إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِه﴾ (٥) ، فأخبر أنه لا يملك من الله لا ضرهم ولا رشدهم.:وقال تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (٦) ، وقد ثبت في الصحيحين أنه قال: "يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً" (٧) ، فهذا تخصيص له بنفي ذلك، وهو الصادق

стр. 309

ومن صدَّق الرسول فيما (١) قاله فهو مؤمن ليس بكافر. فإذا قال قائل: الرسول (٣ لا يغني عن بنته (٢) ٣) (٣) ، ولا عمه، ولا عمته من الله /شيئاً، فكيف بمن دونهم؟، فهذا من أحسن الكلام وأصدقه. وقد كان النبي ﷺ في دبر كل صلاة يقول (٤) : "اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" (٥) وكان يقول في رقيته: "أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك" (٦) . وما يظنه المشركون (٧) ، والغلاة من النصارى، وأشباههم أن الأنبياء والصالحين بعد موتهم، أو في حياتهم ينزلون المطر، ويدفعون العدو، ويشفون المرضى، ونحو ذلك من الحوادث، فهذا (٨) معلوم البطلان، وهو شرك عظيم، كما تقدم بيانه بالأدلة والبراهين، وقد قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ

стр. 310

تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ (١) ، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ (٢) ، وقال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِين﴾ (٣) ، وقال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى﴾ (٤) فهذا المعنى ليس بكفر، بل هو صحيح. (٦ وقد يكون في سياق أن الله هو المختص بكمال السمع والعلم، وأن غيره لا يبلغ مبلغه (٥) وهذا أيضاً صحيح٦) (٦) ؛ ولهذا يقول المسلم لا ينفعني ولا يضرني إلا الله، ويقول: لا يعلم ما في نفسي إلا الله، ولا يسمع كلام العباد إلا الله، وأدلة هذا في القرآن كثيرة (٧) ، كقوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاء﴾ (٨) . فإذا كان هذا (٩) يدَّعي أن ما يدل على تجريد التوحيد من هذه الألفاظ سوء عبارة في حق النبي ﷺ ، وأن ذلك كفر، فسوء العبارة في حق الله أعظم

стр. 311

كفراً، كقولهم: إنه يستغاث بالمخلوق في كل ما يستغاث فيه بالخالق (١) ، فهذا يشعر أنه جعل المخلوق ندّاً للخالق، وما يفهم الشرك كان من سوء (٢) العبارة، فيجب أن يكون كفراً يلزم هذا القائل، وقد قال رجل للنبي ﷺ : "ما شاء الله وشئت، قال: "أجعلتني لله ندّاً، بل ما شاء الله وحده" (٣) ، وقال: "من حلف بغير الله فقد أشرك" (٤) ، ومثل هذا كثير كقوله تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٥) ، فمن جعل الرسول (٦) ﷺ يطلب منه الناس ما يطلبونه من الله، فقد عصى الله ورسوله، وآذى الرسول، وأساء في حقه، وسلط عليه العامة على اختلاف أغراضهم: هذا يطلب منه الولد؛ وهذا يطلب [منه] (٧) / جارية حسنة؛ وهذا يشتكي إليه (٨) ظهور البدع، فنزلوا المخلوق منزلة الخالق، وطلبوا منه من جلب المنافع ودفع

стр. 312

المضار ما لا يقدر عليه إلا الله. فمن سلط الناس على الرسول ﷺ يطلبون هذا كله منه، فهو من أعظم الناس إساءة إليه. ثم إنه إذا كان الكلام في توحيد الرب، ونفى خصائصه عما سواه لم يجز أن يقال: هذا سوء عبارة في حق من دون الله من الأنبياء والملائكة؛ فإن المقام أجل من ذلك، وكل ما سوى الله يتلاشى عند تجريد توحيده (١) ، والنبي ﷺ كان من أعظم الناس تقريراً لهذا، كما في الصحيحين من حديث الإفك: "لما نزلت براءة عائشة من السماء أخبرها النبي ﷺ بذلك، فقالت لها أمها: قومي إلى رسول الله ﷺ . فقالت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي" (٢) ، وفي رواية: "نحمد الله ولا نحمدك" (٣) ، فأقرها (٤) النبي ﷺ على هذا الكلام الذي نفت به أن يحمد رسول الله ﷺ ، وأن لا يحمد إلا الله؛ ولم

стр. 313

يقل أحد هذا سوء أدب عليه وسوء الأدب عليه كفر. قال البيهقي: حدثنا أبو عبد الله (١) الحافظ- وساق السند إلى حبان (٢) صاحب ابن المبارك-قلت لعبد الله بن المبارك: قول عائشة: "بحمد الله لا بحمدك، إني لأستعظم هذا القول، فقال عبد الله: ولت الحمد (٣) أهله"، وكذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن الأسود بن سريع أن النبي ﷺ أُتي بأسير فقال: "اللهم إني أتوب إليك، ولا أتوب إلى محمد"، فقال النبي ﷺ : "عرف الحق لأهله" (٤) . وأيما أبلغ؟ قول عائشة: "لا أحمد الرسول ولا أحمد إلا الله"، وقول (٥) الأسير: "أتوب إلى الله لا إلى محمد"، وقول القائل: لا يستغاث بالرسول بل

стр. 314

بالله تعالى، أو (١) ما يُدْعى (٢) الرسول وإنما يُدعى الله تعالى (٣) ، ونحو ذلك؟ وهذا الرجل لا تمييز له في أقوال الناس، وبيان حقها من باطلها، ولا له معرفة بطرق الاستدلال فلا ذاكر (٤) لكلام منقول، ولا مبين لمعنى مقبول (٥) ، ولا أثر منقول (٦) . العلم شيئان: إما نقل مصدق، وإما بحث محقق، وما سوى ذلك فهذيان مسروق، وكثير من كلام هؤلاء فهو (٧) من الهذيان، وما يوجد فيه من نقل فمنه ما لا يميز صحيحه من فاسده، وفيه ما لا ينقله على وجهه، ومنه ما لا /يضعه (٨) في غير موضعه، ولا يحقق جنس الأدلة حتى يميز بين ما يدل وما لا يدل، ولهذا كان أصول الفقه مقصودها معرفة الأدلة الشرعية، وقد قيل إن ما يفسد الناس نصف متكلم؛ ونصف فقيه، ونصف نحوي، ونصف طبيب، هذا يفسد الأديان (٩) ، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد اللسان، وهذا يفسد الأبدان، لاسيما إذا خاض هذا في المسألة التي لم يسبقه إليها عالم، ولا هي من مسائل النزاع بين العلماء، فيختار أحد القولين؛ بل يهجم على ما يخالف دين الإسلام بالضرورة.

стр. 315

وقد علم بالضرورة أنه لم يشرع لأمته أن يدعوا أحداً من الأموات، لا الأنبياء، ولا الصالحين ولا غيرهم، لا بلفظ (١) الاستغاثة، ولا بلفظ (٢) الاستعانة ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت، ولا إلى ميت ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، لكن لغلبة الجهل، وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك، (٣ حتى يبين لهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم٣) (٣) ولهذا ما بينت هذه المسألة قط لم يعرف أصل الإسلام إلا تفطن، وقال: هذا أصل دين الإسلام. وكان بعض الأكابر العارفين يقول: هذا أعظم من بينته لنا، لعلمه أن هذا أصل الدين، وكان هذا وأمثاله في ناحية أخرى، يدعون الأموات ويسألونهم، ويستجيرون بهم ويتضرعون إليهم، فيدعونهم دعاء المضطر، راجين قضاء حاجاتهم بدعائه أو بالدعاء به) (٤) . وهذا هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله، وهو الظلم المذكور في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْم﴾ (٥) . قالوا: "يا رسول الله، وأينا لم يظلم نفسه؟ قال: إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: إن الشرك لظلم عظيم" (٦) وهذا الذنب العظيم الذي هو أعظم ذنب عصى الله به،

стр. 316

فمن فعله ولم يتب منه ارتفع الأمن والاهتداء في حقه؛ فلم يبق له أمن ولا اهتداء، وقد تظافرت نصوص الكتاب والسنة على النهي عنه، والوعيد عليه (١) بالنار. وقد تقدم من الأدلة على ذلك ما يكفي ويشفي لمن أراد الله هدايته، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور. ولنختم الجواب بآيتين عظيمتين: الأولى: قوله تعالى (٢) : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوب مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز﴾ (٣) . حقيق على كل عبد أن يستمع/ لهذا المثل؛ ويتدبره حق تدبره، فإنه يقطع مواد الشرك من قبله. وذلك أن المعبود أقل درجاته أن يقدر على إيجاد ما ينفع عابده وإعدام ما يضره، والآلهة التي يعبدها المشركون من دون الله لا (٤) تقدر على خلق ذباب، ولو اجتمعوا (٥) كلهم على خلقه، فكيف ما هو أكبر منه؟ ولا يقدرون

стр. 317

على الانتصار من الذباب إذا سلبهم شيئاً مما عليهم من طيب ونحوه، فلا هم قادرون على خلق الذباب الذي هو من أضعف الحيوان ولا على الانتصار منه، واسترجاع ما سبلهم. فلا أعجز من هذه الآلهة، ولا أضعف منها، فكيف يستحسن عاقل عبادتها من دون الله؟ وهذا المثل من أبلغ ما أنزل الله (١) في بطلان الشرك، وتجهيل أهله، وتقبيح عقولهم؛ وأن الشيطان قد تلاعب بهم مثل (٢) تلاعب الصبيان بالكرة. كيف أعطوا الإلهية التي من بعض لوازم القدرة على جميع المقدورات، والإحاطة بجميع المعلومات، والغني عن جميع المخلوقات؟ وأن يعمدوا (٣) إلى الرب في جميع الحاجات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، وإجابة الدعوات؟ فأعطوها صوراً وتماثيل تمتنع عليها القدرة على أقل مخلوقات الإله الحق، وأذلها، وأصغرها، وأحقرها، ولو اجتمعوا على الذباب، وتعاونوا عليه لدل ذلك على عجزهم، وانتفاء آلهتهم، ثم سوى بين العابد والمعبود في الضعف والعجز، بقوله: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوب﴾ (٤) قيل: الطالب العابد، والمطلوب المعبود، فهو عاجز متعلق بعاجز. فمن جعل هذا إلهاً مع القوي العزيز؛ فما قدره حق قدره، ولا عرفه حق معرفته، ولا عظمه حق تعظيمه) (٥) انتهى.

стр. 318

وتأمل قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ. وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُون﴾ (١) ، فرجع الأمر يوم القيامة إلى أن كل معبود ينكر عبادة من عبده، ويكذبه فيما قصده. فرحم الله هذا الشيخ فلقد أتى بما يشفي العليل، ويروي الغليل، ويهدي ببيانه وكشفه إلى سواء السبيل.

стр. 319

خاتمة تقدم في كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ما يكفي ويشفي في الرد على من غلا في الدين، وأشرك مع الله في ربوبيته وإلهيته، ونزَّل (١) المخلوق منزلة الخالق، والعبد منزلة المعبود، والمربوب منزلة الرب العظيم، الذي له الأمر كله، وله الحمد كله، وله الملك كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، فعظم هؤلاء المشركون (٢) المخلوق بما نهى رسول الله ﷺ أن يعظم به أحد غير الله، وسد الذرائع الموصلة إلى هذا الشرك بقوله ﷺ لمن/ قال له: "أنت سيدنا، وابن سيدنا، وخيرنا، وابن خيرنا" قال: "قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي (٣) أنزلني الله" (٤) ، وقال: "لا تطروني كما أطرت

стр. 320

النصارى ابن مريم؛ إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله" (١) ، وقال: "إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله " (٢) وأمثال هذا في السنة كثير. وكان ﷺ أعظم الناس (٣) عبودية لله، وخضوعاً، وتذللا، ومحبة، وكلما كان العبد أعظم محبة لله (٤) ، وعبودية، وتذللاً فهو إلى سنة النبي ﷺ أقرب، وبالعمل بالسنة أكمل.
следующие страницы →