← Акыда

Акыда · id 11354

كشف ما ألقاه إبليس من البهرج والتلبيس على قلب داود بن جرجيس

عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ

Полный текст (359 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

مقدمة المؤلف ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه ثقتي وعليه اعتمادي (١) الحمد لله معزّ التوحيد بنصره، ومذلّ الشرك بقهره، ومصرّف الأحوال بأمره، الذي أظهر دينه على الدين كله. أحمده على إعزازه لأوليائه، وخفضه لأعدائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة من طهر بالإخلاص قلبه، وأرضى بالمعادات فيه والمولاة ربه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ رافع الشك، وخافض الشرك، ومانع الكذب والإفك اللهم صلّ على محمدالنبي الكريم والرسول الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً (٢) . وبعد: فإنه قد بلغني أنه قد ورد على بعض الإخوان مكاتبة من داود بن جرجيس مملوءة بالكذب والتلبيس، ولا ريب أنه مما أوحاه الشيطان وزخرفه إبليس، فاعجب لاتفاق الاسمين وزناً؛ وموافقته له في كل حركة وسكون، فالأول منهما مكسور، والثاني ساكن، والثالث مكسور، والرابع ساكن، والخامس متحرك بالضمة، وفي هذا بعضُ حروف هذا، وهي الياء والسين، كالاشتقاق الأكبر، فحصل بين الاسمين من الاشتقاق ما لا يخفى، فأعجب لذلك يا مننظر فيه.

стр. 37

وأما المشابهة في المعنى فقد سود القرطاس بضروب من الوسواس، إذا تأمله الموحد الأريب، سليم الطوية صحيح الروية، وجد أقواله كلها تدور على جحود التوحيد، ومصادرة (١) محكمات القرآن المجيد كذباً وتأويلاً، وتحريفاً وتبديلاً، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ. وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ (٢) الآية (٣) ؛ فمن الواجب على من عرف الحق بدليله أن يسعى فيما يبطل دعواه، ويهدم ما أسسه من الزيغ وبناه، ويبين ما فيه من المكابرة وما أتى به من المماحلة تعمداً ومجاهرة (فيما يناقض حكم الله في قوله تعالى) (٤) ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاه﴾ . فأما قوله: إنه على معتقد الإمام أحمد وشيخ الإسلام وابن القيم: فهذا أول ما أبداه من الكذب والتمويه. فأيم الله لقد خالف هؤلاء الأئمة (ومن قبلهم ومن بعدهم من أمثالهم فيما اعتقدوه من الإخلاص والتوحيد، الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه، فلقد صرح هؤلاء الأئمة) (٥) وغيرهم بالإنكار والبراءة ممن يدعو مع الله غيره، أو يستغيث به، أو يتوسل [به] (٦) في الرغبات والرهبات من الغائبين والأموات. في كل كتاب كتبه هؤلاء وألفوه، وفي كل ما

стр. 38

ردوا به كل صاحب بدعة وصنفوه، كما سأذكر بعضه إن شاء الله تعالى في هذا الجواب. فأما الإمام أحمد –﵀ – فهو إمام السنة، ومن أجل حفاظ الأمة، وفقهاء الأئمة فله "المسند" (١) الذي جمع فيه من الأحاديث في أصول الدين والأحكام/ ما لم يجتمع في غيره، ونقل المفسرون وغيرهم عنه من أدلة التوحيد ما يكفي ويشفي طالب الحق، فلو ذهبنا نسوق الأحاديث التي رواها بالأسانيد (٢) في هذا المعنى، كحديث ابن مسعود: "من مات (٣) وهو يدعو لله نداً دخل النار" (٤) ، وكحديث جابر: " من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار" (٥) ،ونحو هذه الأحاديث التي يستدل بها أهل التوحيد (٦) في محل النزاع، لطال الجواب. وله التصانيف الشهيرة في بيان السنة، وما عليه سلف الأمة من الصحابة والتابعين، وبيان ما خالفوا فيه أهل الأهواء والبدع، فمن استقرأ ما في مصنفاته -رحمه الله تعالى (٧) - عرف منها ما هو الحق، وأنه عدو من ألحد في دين الله

стр. 39

وخرج عن الصراط المستقيم، الذي بعث الله به رسله وأنبيائه؛ ورد على الزنادقة، وغيرهم ممن ابتدع في دين الله. (وقد نص الإمام أحمد على أنه لا يجوز الاستعاذة (١) بالمخلوق، وأن ذلك شرك بالله) (٢) ، وقد استدل الإمام أحمد –رحمه الله تعالى (٣) – بحديث خولة بنت حكيم (٤) أن رسول الله ﷺ قال: "من نزل منزلاً فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرحل (٥) من منزله ذلك" (٦) . على أن كلام الله ليس بمخلوق إذ لو كان مخلوقاً لما جاز الاستعاذة به؛ لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك، وهذا العراقي المبهرج الكذاب يجادل بقوله إن الاستغاثة بغير الله ليست بشرك، فإن الكل عبادة (٧) . وهذه الاعتقادات في الأموات إنما حديت بعد الإمام أحمد ومن في طبقته من أهل الحديث والفقهاء والمفسرين وأما شيخ الإسلام ابن تيمية –﵀ – فأقامه الله سبحانه في زمانه بتحقيق التوحيد بأنواعه الثلاثة؛ كما أقام الإمام أحمد –رحمه الله تعالى (٨) – في زمانه بذلك من توحيد الصفات، فبين هذا

стр. 40

الشيخ ﵀ (١) نوعي التوحيد بأتم بيان: توحيد المعرفة والإثبات، وتوحيد الطلب والقصد، ورد على من عارض أدلة التوحيد بشبهة أو تحريف، فهذه كتبه موجودة، وكلها متفقة على هذا المعنى، كالاقتضاء والمنهاج (٢) ، وكتاب العقل النقل. وكتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ورده على ابن الأخنائي ودره على السبكي في مسألة الزيارة، ورده على ابن البكري في مسألة الاستغاثة، وسيأتيك جمل منه إن شاء الله تعالى، وكلامه في أصول الدين مطرد في جميع كتُبه لا اختلاف فيه بحمد الله. فمما نقل عنه أصحابه –﵀ –كصاحب الفروع، وكذلك من بعده من الحنابلة المصنفين في مذهب أحمد، كصاحب الإنصاف والتنقيح، وكذا من بعده من المصنفين، كصاحب الإقناع والمنتهى، وقد نقل هؤلاء وغيرهم في باب حكم المرتد عن شيخ الإسلام أحمد بن تيمية –﵀ – أنه قال: (من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم كفر إجماعاً؛ وهذا هو مذهب أحمد عند أصحابه كلهم) (٣) ، وسيأتي كلامه هذا في مسألة الوسائط إن شاء الله تعالى. فصار اعتماد الحنابلة وغيرهم من أهل السنة على اعتقاد ما ذكره (٤) شيخ الإسلام –﵀ –من الإجماع – [مستنده ما ستذكره في الآيات المحكمات إن شاء الله]- (٥) ، لأنه هو الذي اتفقت عليه دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم

стр. 41

وهو الذي خلق الله تعالى (١) الخلق لأجله، وهو نفي الشرك في العبادة بأن لا يُصرف شيء من أنواعها (٢) لغير الله كائناً من كان، وهو الذي دل عليه القرآن من أوله إلى آخره، ولم ينقل عن أحد من سلف الأمة وأئمتها أنه أجاز دعوة الأموات والغائبين والاستغاثة (٣) والاستشفاع/بهم، وقد تواتر النهي عن ذلك في الآيات المحكمات كما سنذكر بعض ذلك إن شاء الله تعالى. وبما ذكرناه من الإجماع، وما دل عليه الكتاب والسنة من قصر العبادة بجميع أنواعها على الله تعالى، وأن من صرف منها شيئاً لغير الله فاستغاث بغيره من الأموات والغائبين (٤) فهو كافر، يبين أن هذا العراقي قد خالف الكتاب والسنة والإجماع-، ومن المحال أن يوجد عن سلف الأئمة وأئمتها ما يخالف هذا الإجماع (٥) -، وخالف العلماء من أهل السنة من كل مذهب؛ فما أبعده عن هذا الدين الذي أجمعوا عليه كما قال الشاعر: سارت مشرقة وسرت مغربا ... شتان بين مشرق ومغرب ويكفيك في تقرير (٦) ما ذكروه عن شيخ الإسلام من الإجماع، وأنه هو الحق الذي يجب اعتقاده، والدين الذي يدان الله به ما استند إليه من محكم القرآن، كقوله تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِين﴾ (٧) ،

стр. 42

وقال: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (١) والمخاطب بهذا سيد المرسلين، وهو لجميع الأمة. وانظر إلى ما ترتب على دعوة غير الله من الوعيد الشديد، والخبر الأكيد، والآيات في هذا المعنى لا تكاد تحصى إلا بعد الاستقراء والاستقصاء، ويأتيك لهاتين الآيتين نظائر من محكم القرآن في ضمن كلام العلماء. قال شيخ الإسلام ﵀ (٢) في "الرسالة السنية" (٣) : (فإذا كان على عهد النبي ﷺ ممن انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة قد يمرق من الإسلام لأسباب، منها الغلو في بعض المشايخ، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح ﵇، وكل من غلا في نبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعاً من الآلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان (٤) انصرني وأغثني وارزقني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبهفإن تاب وإلا قتل، فإن الله تعالى إنما أرسل الرسل وأنزل الكتاب ليُعبد وحدهلا شريك له ولا يدعى معه إله آخر، والذين يدعون مع الله إلهاً آخر، مثل المسيح والملائكة والأصنام لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق وتنزل المطر وتنبت النبات، وإنما كانوا يعبدونهم، أو يعبدون قبورهم (٥) أو يعبدون

стр. 43

من النهي عن (٢) أن يدعى أحد من دون (٣) الله وبيَّن رحمه الله تعالى كيفية الدعاءالذي لا يجوز (٤) أن يصلح منه شيء لغير الله؛ وأنه نوعان، وفيه بيان الشرك الذي نهت عنه الرسل، ومنه الاستشفاع بالشفعاء؛ كما هو بين في الآيتين المذكورتين، فهذا الكلام بحمد الله يقضي ويأتي على جميع ما ذكره هذا العراقي من الاستشفاع/ بالأموات ونحوهم بالفساد، بل بالبطلان. ويبطل ما افتراه على شيخ الإسلام ﵀ (٥) . قال شيخ الإسلام: (وكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة، قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين﴾ (٦) ، وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ

стр. 44

أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُون﴾ (١) . وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدا﴾ (٢) ، قلت: و"أحداً" نكرة في سياق النهي وهي تعم كل مدعو من دون الله. وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلال﴾ (٣) . قال ابن القيم –رحمه الله تعالى- على قوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ : (والله سبحانه صاحب دعوة الحق في ذاته وصفاته وإن لم يوجب لداعيه بها ثواباً، فإنه يستحقها لذاته، فهو أهل أن يعبد وحده ويدعى وحده ويقصد ويشكر ويحمد ويحب ويرجى ويخاف ويتوكل عليه ويستعان به ويصمد إليه فتكون الدعوة الآلهية الحق له وحده، ومن قام بقلبه بهذا معرفة وذوقاً وحالاً صح له مقام التبتل والتجريد المحض، وقد فسر السلف دعوة الحق بالتوحيد، والإخلاص فيه، والصدق، ومرادهم هذا المعنى، فقال علي ﵁: "دعوة الحق" التوحيد، وقال ابن عباس: "شهادة أن لا إله إلا الله"، وقبل الدعاء بالإخلاص والدعاء الخالص لا يكون إلا لله، ودعوة الحق دعوة الآلهية، وحقوقها، وتجديدها، وإخلاصها) (٤) . انتهى من "المدارج". ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ

стр. 45

رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِين﴾ (١) ﴾ (٢) فتضمنت هذه الآية حقيقة دين الإسلام وهو إخلاص نوعي التوحيد لله وحده (٣) كالآيات قبلها، وأمثال هذا في القرآن في دعاء المسألة أكثر من أن تحصى، وهو يتضمن دعاء العبادة؛ لأن السائل أخلص سؤاله لله، وذلك من أفضل العبادات، وكذلك الذاكر لله (٤) ، والتالي لكتابه. ونحوه طالب من الله في المعنى، فتكون داعياً عابداً (٥) . وللعلامة ابن القيم مثل ذلك. فلم يبق بعد لهذا المشرك حجة يحتج بها على جواز شركه بدعائه غير الله واستغاثته بغيره (٦) من أي (٧) وجه كان، وهذا أيضاً يأتي داعياً على جميع ما ذكره هذا العراقي بالمنع والبطلان. وقال (٨) –رحمه الله تعالى-: وذكر زيارة القبور الشرعية- ثم قال: (وأما الزيارة البدعية فمن جنس زيارة النصارى المشركين. مقصودها الإشراك بالميت، مثل طلب الحوائج منه والتمسح بقبره وتقبيله، والسجود له

стр. 46

ونحو ذلك، وهذا ونحوه لم يأمر الله به ولا رسوله، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين ولا كان أحد من السلف يفعله لا عند قبر النبي ﷺ ولا عند قبر غيره، بل أجدبوا واستسقوا، ولم يكونوا يأتون عند النبي ﷺ يدعون عنده لا في ذلك الوقت ولا غيره، بل ثبت في "الصحيح": "أنهم لما أجدبوا في خلافة عُمر ﵁ استسقوا بالعباس، فقال عمر: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون" (١) ، وكانوا في حياته يتوسلون إلى الله (٢) بدعائه وشفاعته، فلما مات ﷺ بقوا يتوسلون بدعاء العباس، ولم يكونوا يقسمون على الله بأحد من خلقه؛ لا نبي ولا غيره؛ ولا يسألون ميتاً ولا غائباً ولا يستعينون بميت (٣) ولا غائب، سواء كان نبياً أو غير نبي. وهذا لأن جماع الدين أن لا يعبد إلا الله، وأن لا يعبد إلا بما شرع لا يعبد بالبدع، كما قال الفضيل بن عياض في قوله (٤) : ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ

стр. 47

أَحْسَنُ عَمَلا﴾ (١) ، قال أخلصه وأصوبه قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل. وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً. فالخالص أن يكون لله. والصواب أن يكون على السنة) انتهى. /فتأمله يكشف عنك شبهات الشرك إن شاء الله. وقال –رحمه الله تعالى- وذكر أهل الخلوات من الصوفية قال (٢) : (وهذه الخلوات قد يقصد أصحابها الأماكن التي ليس فيها أذان ولا إقامة؛ ولا مسجد يصلي فيه الصلوات الخمس (٣وأما غير المساجد٣) (٣) مثل الكهوف والغيران والمقابر، ومثل المواضع التي يقال إن بها أثر نبي أو رجل صالح؛ [ولهذا] (٤) يحصل لهم في هذه المواضع أحوال شيطانية، يظنون أنها كرامات رحمانية. فمنهم من يرى أن صاحب القبر قد جاء إليه، ويقول له: أنا (٥) فلان؛ أو ربما قال له: نحن إذا وضعنا في القبر خرجنا، والشياطين تتصور بصورة الإنس في اليقظة والمنام، وقد تأتي لمن لا يعرف (٦) فتقول: أنا الشيخ فلان، أو العالم فلان، وربما قال: أنا أبو بكر أو عمر، وربما أتى في اليقظة دون المنام (٧)

стр. 48

فقال: أنا المسيح، أو أنا موسى (١) ، وقد جرى من ذلك أنواع أعرفها؛ وثم من يصدق بأن الأنبياء يأتون في اليقظة في صورهم (٢) ، وثم شيوخ لهم زهد وعلم ودين يصدقون بمثل هذا، ومن هؤلاء من يظن أن النبي [ ﷺ ] (٣) يخرج من قبره في صورته فيتكلم، وفيهم (٤) من يظن أن النبي ﷺ خرج من الحجرة وكلَّمهم فجعلوا هذا من كراماته، وفيهم من يعتقد أنه سأل المقبور فأجابه، وبعضهم كان يحكي أنه إذا أشكل عليه حديث جاء إلى الحجرة النبوية ودخل فسأل النبي ﷺ فأجابه، وآخر من أهل المغرب (٥) حصل له مثل ذلك، وجعل هذامن كراماته) (٦قلت: وهذه الأمور التي ذكرها عنهم شيخ الإسلام وهي أحوال شيطانية هي التي أوقعت عباد القبور في عبادتها، وصرف خالص العبادة إليها وقد ردَّه العلماء من أهل السنة٦) (٦) . قال ابن عبد البر لمن ظن ذلك: (ويحك ترى هذا أفضل من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار؟ فهل من هؤلاء من سأل النبي ﷺ [بعدالموت] (٧) فأجابه؟ وقد تنازع الصحابة في أشياء، فهلا سألوه فأجابهم وهذه ابنته فاطمة تنازع في ميراثه؛ فهلا سألته فأجابها) انتهى.

стр. 49

فأنكر العلماء ﵏ ما حدث في هذه الأمة من البدع والضلالات التي اغتر بها أكثر الجهال، ولو تتبعنا ما في كتب شيخ الإسلام في معنى ما ذكرنا لاحتمل كثرة من الأوراق (١) تفضي إلى التطويل، والمقصود ذكر ما تقوم به الحجة على من أشرك مع الله غيره في عبادته. وأما صاحبه العلامة محمد (٢) بن القيم ﵀ (٣) فأكثر مصنفاته في أصول الدين؛ وما بعث الله (٤) به المرسلين. قال في "إغاثة اللهفان" (٥) : (والمقصود أن الشرك لما كان أظلم الظلم وأقبح القبائح كان أبغض الأشياء إلى الله، وأشدها مقتاً لديه وأخبر أنه لا يغفره، وأن أهله نجس، ومنعهم من قربان حرمه، وحرم ذبائحهم ومناكحهم، وقطع المولاة بينهم وبين المؤمنين؛ وجعلهم أعداء له سبحانه ولملائكته ورسله وللمؤمنين، وأباح لأهل التوحيد أموالهم ونساءهم وأبناءهم (٦) ، وأن يتخذوهم عبيداً، وهذا لأن الشرك هضم لحق الربوبية، وتنقص لعظمة الإلهية، وسواء ظن برب العالمين، كما قال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ/ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ (٧) فلم يجمع على أحد من الوعيد والعقوبة

стр. 50

ما جمع على أهل الشرك (١) ، فإنهم ظنوا به ظن السوء حتى أشركوا به، ولو أحسنوا به الظن لوحّدوه حق توحيده؛ ولهذا أخبر سبحانه أنهم ما قدروه حق قدره في ثلاثة مواضع من كتابه (٢) ، وكيف يقدره حق قدره من جعل له عدلاً ونداً يحبه ويخافه ويرجوه، ويذل له ويخضع له (٣) . قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ (٤) ، وقال (٥) : ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (٦) أي: يجعلون له عدلاً في العبادة والمحبة والتعظيم، وهذه هي التسوية التي أثبتها المشركون بين الله وبين آلهتهم، وعرفوا وهم في النار أنها كانت ضلالاً وباطلاً يقولون (٧) لآلهتهم وهي في النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ. إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِين﴾ (٨) ومعلوم أنهم ما ساووهم به في الذات والصفات والأفعال، ولا قالوا: أن آلهتهم خلقت السموات والأرض، وإنما ساووهم به بمحبتهم لها وتعظيمهم وعبادتهم إياها كما ترى عليه أكثر (٩) أهل الشرك ممن ينتسب إلى الإسلام، ومن العجب

стр. 51

أنهم ينسبون أهل التوحيد إلى التنقص بالمشايخ والأنبياء والصالحين، وما ذنبهم إلا أن قالوا إنهم عبيد لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياتاً ولا نشوراً؛ وأنهم (١) لا يشفعون لعابديهم أبداً، بل حرم الله شفاعتهم لهم، ولا يشفعون لأهل التوحيد إلا بعد إذن الله لهم في الشفاعة فليس لهم من الأمر شيء؛ بل الأمر كله لله، والشفاعة كلها له سبحانه، والولاية له، فليس لخلقه من دونه ولي ولا شفيع. فالمشرك إما أن يظن أن (٢) الله سبحانه يحتاج إلى من يدبر أمر العالم معه من وزير أو ظهير (٣) ، أو عوين (٤) ، وهذا أعظم التنقص لمن هو غني عن كل ما سواه بذاته، وكل ما سواه فقير إليه بذاته. (٥ وأما أن يظن أن الله سبحانه إنما تتم قدرته بقدرة الشريك٥) (٥) . وإما أن يظن أنه لا يعلم حتى يعلمه الواسطة، أولا يرحم حتى يجعله الواسطة يرحم؛ أو لا يكفي وحده؛ أو لا يفعل ما يريد العبد حتى يشفع عنده الواسطة، كما يشفع المخلوق عند المخلوق، فيحتاج أن يقبل شفاعته لحاجته إلى الشافع، وانتفاعه به، وتكثر به من القلة، وتعززه به من الذلة، أو لا يجيب دعاء عباده حتى يسألوا الواسطة أن يرفع تلك الحاجة إليه كما هو حال ملوك الدنيا، وهذا أصل شرك الخلق، أو يظن أنه لا يسمع دعاءه (٦) لبعده عنهم حتى

стр. 52

يرفع الوسائط إليه ذلك. أو يظن أن للمخلوق عليه حقّاً، فهو يقسم عليه بحق ذلك المخلوق عليه، ويتوسل إليه بذلك المخلوق، كما يتوسل الناس إلى الأكابر والملوك بمن يعز عليهم، ولا يمكنهم مخالفته (١) ، وكل ذلك تنقص للربوبية، وهضم لحقها، ولو لم يكن فيه إلا نقص محبة الله، وخوفه، ورجائه، والتوكل عليه، والإنابة إليه، من قلب المشرك بسبب قسمة ذلك بينه سبحانه، وبين من أشرك به، فيضعف أو يضمحل ذلك التعظيم والمحبة والخوف والرجاء بسبب صرف أكثره/ أو بعضه إلى من عبده من دون الله. فالشرك ملزوم لتنقص الرب سبحانه والتنقص لازم له ضرورة، شاء المشرك أم أبى ولهذا اقتضى حمده سبحانه وكمال ربوبيته أن لا يغفره (٢) ، وأن يخلد صاحبه (٣) في العذاب الأليم، ويجعله أشقى البرية، فلا تجد مشركاً قط إلا وهو متنقص لله سبحانه، وإن زعم أنه معظم له بذلك) انتهى. هذا ما قرره العلامة ابن القيم في "إغاثة اللهفان"، وذكر في "المدارج" (٤) وغيره من كتبه ما هو مثل ذلك أو أبسط. فماذا بعد الحق إلا الضلال، وما أحسن ما قال –رحمه الله تعالى (٥) - في "الكافية الشافعية" (٦) :

стр. 53

والعلم يدخل قلب كل موفق ... من غير بواب ولا استئذان ويرده المحروم من خذلانه ... لا تشقنا اللهم بالخذلان ولكن هذا العراقي (١) اعتاد لهذه الأمور الشركية التي يجادل عنها، ونشأ عليها، وتمكنت من قلبه فلم يعرف غيرها، كما قال الشاعر: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلباً خالياً فتمكنا فيأتي (٢) بأدلة يزعم أنها له وهي عليه. من ذلك: استدلاله على جواز دعاء الأموات والغائبين بقول سليمان ﵇ (٣) : ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِين﴾ (٤) . فهذا حجة عليه لا له، فإن سليمان ﵇ ملك نبي (٥) يأمر رعيته بما يقدرون عليه، وهكذا حال الأنبياء (٦) والملوك وغيره، خصوصاً إذا كان مما يحبه الله ويرضاه (٧) ، فهذا مما أوجبه الله تعالى على الراعي لرعيته أن يأمرهم بما ينفعهم وما يتعدى نفعه إلى غيرهم. والرسل عليهم الصلاة والسلام يأمرون الأمم بما أمرهم الله تعالى به، وأوجبه عليهم، وينهونهم عما حرم الله تعالى عليهم من الشرك فما دونه، (٩ فهذا (٨) الرجل دعى بما علمه الله، والله سبحانه هو المستجيب دعوته٩) (٩) فأين

стр. 54

هذا من دعاء الأموات والغائبين وسؤالهم ما لا يقدر عليه إلا الله. من قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات؟ وقد أخبر الله تعالى أن استجابتهم للداعي ممتنعة؛ لأنهم يسألونهم ما لا يجوز أن يسأل إلا من الله القريب المجيب الذي أمر عباده بدعائه والرغبة إليه، ووعدهم على ذلك الاستجابة، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم﴾ (١) فرغبة هذا المشرك في دعاء الميت أو الغائب الذي أخبر تعالى أنه لا يستجيب له؛ وأنه غافل عن دعائه، وأنه لا يرضى بذلك منه، بل يبرأ إلى الله مما فعل، ويعاديه عليه، كما دلت على ذلك الآيات المحكمات، فما خيبة من رغب عن سؤال الحي القيوم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض إلى سؤال ميت أو غائب لا يسمع ولا يستجيب (٢ولا قدرة له٢) (٢) . ولم يشرع لنا تعالى أن نتوسل بذات أحد من خلقه، بل أرشدنا إلى أعظم الوسائل إليه (٣) ، وهو أسماؤه الحسنى. قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ (٤) وأما سؤال الحي الحاضر أن يدعو لأخيه المسلم فليس من هذا الباب، لأن الله تعالى أقدره على الدعاء، وأرشد العباد إلى أن يدعو بعضهم لبعض (٥كما ورد في دعاء الغائب لأخيه الغائب٥) (٥) ؛ لأن الله تعالى أقدره عليه، وهذا من جنس أن

стр. 55

يعطيه مما أعطاه الله من المال ما ينتفع به لقدرته على ذلك، فهذا من باب الإحسان من بعض المسلمين لبعض. وأما أهل الشرك (١) بالله فدهاهم عدم/ الفرقان (٢) بين ما شرعه الله وما لم يشرعه من دعاء من لا يسمع، ولا يضر ولا ينفع، وقد بيَّن الله (٣) تعالى ذلك في كتابه بياناً (٤) مفصلاً، وأنكر على من اتخذ من دون الله شفعاء، وبين أن هذا هو الشرك الذي لا يغفره (٥) الله (٦) ، كما قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ

стр. 56

شُفَعَاء﴾ ، إلى قوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعا﴾ (١) . وقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون﴾ (٢) . فسبحان من حال بين قلوب المشركين عن فهم القرآن؛ حتى صار هدهد سليمان أعرف منهم بالشرك، وهو السجود للشمس، وأنكره على من فعله. فقال: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُم﴾ (٣) فأنكر الشرك بالله في العبادة وهو طير من جنس الطيور، وبيّن أن الشيطان صدهم عن السبيل، وأنهم ليسوا على هدى، ولا ريب أن السجود نوع من أنواع العبادة كالدعاء ونحوه، وقد ذكرها تعالى في كتابه وتعبد عباده بها وهي أنواع كثيرة، ومن أعظمها الدعاء سماه الله عبادة في مواضع من كتابه، كما في السنن من حديث النعمان بن بشير بأسانيد صحيحة أن النبي ﷺ قال "الدعاء (٤) هو العبادة" ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ

стр. 57

إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين﴾ (١) قال ابن الجزري (٢) في تفسير (٣) الحصن الحصين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ أي عن (٤) دعائي وصرح به غيره من المفسرين – (٦كأبي جعفر بن جرير٦ (٥)) (٦) - وغيرهم. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٧) بحذف الياء أي يا ربنا، ومعناها أدعو وهو العامل للنصب في المضاف، ثم قال في آخر الآية ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ (٨) ، فعلم يقيناً أن المراد بقوله ﴿دَعْوَتُكُمَا﴾ قول موسى ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وموسى يدعو وهارون يؤمن، وهذا هو حقيقة الدعاء في الكتاب والسنة واللغة والعرف والاستعمال مطّرد (٩) ، وهذا في القرآن أكثر من أن يحصى.

стр. 58

وقال عن الخليل ﵇ (١ في دعوته لأبيه وقومه١) (١) ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّه﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه﴾ (٢) فسمى دعاءهم لغيره عبادة فما عرفوا من الشرك ما عرف هدهد سليمان؛ فإنه أنكر الشرك وهؤلاء قبلوه واتخذوه ديناً، ومعلوم أن الدعاء والاستغاثة كالسجود وأعظم، وقد تقرر (٣) بالكتاب والسنة أنه عبادة، فجحد هذا العراقي ما كان معلوماً من الدين بالضرورة مكابرة وعناداً. وقد تقدم لشيخ الإسلام ابن تيمية، والعلامة ابن القيم أن الدعاء نوعان لا تخرج العبادة (٤) عنهما: دعاء مسألة ودعاء عبادة، فدعاء المسألة يتضمن دعاء العبادة، ودعاء العبادة يستلزم دعاء المسألة (٥) . وهذا العراقي (٦) جهل هذه العلوم النافعة، فصار في ظلمة الجهل، فلم يعرف المعروف من المنكر، ولا عرف الحق من الباطل، فما وجدنا عنده إلا الخبط والعناد، والمرء عدو ما جهل. وفي هذه القصة ما ذكره الله تعالى (٧) عن بلقيس لما جاءت سليمان عرفت من التوحيد ودعوة الرسل ما/ أوجب أن قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ (٨) ولم تقل: أسلمت لسليمان، بل

стр. 59

قالت: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ﴾ . عرفت دعوة الرسل بشواهد الأحوال، وأن الإسلام هو إخلاص الوجه والقلب وجميع الأعمال لله تعالى لا يصلح أن يقصد بشيء (١) منها أحد دون الله ، كما قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ ، إلى قوله: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ (٢) . (٤ وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدا﴾ (٣) ٤) (٤) . فتأمل ما ذكر الله تعالى (٥) في كتابه في الدعاء، والتشديد في صرفه لغيره، واختصاصه به تعالى خلقه وقد قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِدا﴾ نعوذ بالله من صرف القلوب عن الحق إلى الباطل كما هو حال هذا المماحل (٦) المعاند المجادل.

стр. 60

فصل (١) وقد بين الله تعالى في كتابه حقيقة الإسلام الذي تصلح به القلوب والأعمال. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِن﴾ (٢) . وفي "المسند" عن أبي قزعة الباهلي عن حكيم بن معاوية عن أبيه (٣) أنه قال: والله يا رسول ما أتيتك إلا بعد ما حلفت عدد أصابعي هذه أن (٤) لا أتيك فبالذي بعثك بالحق ما بعثك به؟ قال: "الإسلام"، قال: وما الإسلام؟ قال: "أن تسلم قلبك وتوجه وجهك إلى الله وأن تصلي الصلوات المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة" (٥) . وقال تعالى (٦) : ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ

стр. 61

بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (١) لا إله إلا الله، وإسلام الوجه هو إخلاص القول (٢) والعمل لله وحده لا شريك له باطناً وظاهراً. قال أبو جعفر بن جرير (٣) في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ : (٤) (أي: انقدت لله وحده بلساني وقلبي وجميع (٥) جوارحي، وإنما خص الوجه (٦) ؛ لأنه أكرم جوارح ابن آدم (٧) فإذا خضع وجهه لله (٨) فقد خضع له الذي هو دونه في الكرامة من جوارح بدنه) انتهى. وأنت ترى هذا العراقي الجاهل يدعو الناس بشبهاته وضلالاته إلى أن يقصدوا بدعائهم واستغاثتهم عبداً من عباد الله، وذلك العبد يدعو الأمة إلى أن يخلصوا أعمالهم لله ويسلموا له قلوبهم وجوارحهم، رغبة إليه ورهبة منه ومحبة له، وهذا هو التوحيد الذي (٩) دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب. ثم إن هذا الجاهل يقول: (إن هذا الطلب والسؤال الذي يصرف لغير الله، ليس بدعاء بل هو نداء) . فكابر المعقول والمنقول، وقد سمى الله تعالى السؤال والطلب دعاء في

стр. 62

كثير من (١) الآيات كما قال تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾ (٢) ، (٥ وقال تعالى (٣) : ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّه﴾ (٤) ٥) (٥) سمى النداء دعاء لأن مدلولهما واحد، من باب الترادف على معنى واحد، وهذا ظاهر جلي لمن تدبر (٦) ، وعلى كل حال فتسميته نداء لا يخرج عن كونه عبادة كما تقدم. قال الله (٧) تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ (٨) فعطف النداء على الدعاء عطف مرادف، وقد تقدم أن الدعاء هو العبادة (٩) ، وفي حديث أنس الذي في السنن "الدعاء مخ العبادة" (١٠) ، وقد قصر الله تعالى العبادة على نفسه، كما قال تعالى في فاتحة الكتاب:

стр. 63

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ (١) ، وفي الحديث المتفق عليه: "فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً" (٢) ، فالعبادة بجميع أنواعها مادق منها وجل حق الله تعالى على عبادهن لا يصلح منها شيء لغيره كائناً من كان، فمن صرف من العبادة شيئاً لغير الله فقد جعله شريكاً لله في حقه. وذلك ينافي التوحيد الذي دلت عليه الآيات المحكمات. ومما (٣) يوضح ترادف النداء والدعاء، وأنهما بمعنى واحد: ما أخبر الله تعالى عن نوح (٤) ﵇ بقوله تعالى (٥) : ﴿وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَه﴾ (٦) فأخلص القصد لله بندائه فاستجاب الله له، وقال في الآية

стр. 64

الأخرى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِر﴾ (١) فسماه تعالى دعاء (٢) . ولا ريب أن الدعاء يجتمع فيه من أنواع العبادة ما لا يجتمع في غيره من أنواع العبادات، والنداء كذلك (٣) ، كتوجه الوجه والقلب واللسان للمدعو، تذللا له (٤) وخضوعاً/ واستكانة ورغبة، وهذا هو العبادة؛ لأن أصل العبادة وأساسها أن يخضع غاية الخضوع والتذلل للمعبود، ولا بد مع ذلك من المحبة، وأنت ترى ما يفعله المشركون من إقبالهم على الأموات بسؤالهم ما لا قدرة لهم عليه، وتجد عندهم من الخضوع والتذلل وإسلام الوجه والقلب والجوارح لسؤال صاحب القبر ما لا يوجد مثله (٥) في المساجد، وهذا لا يخفى على من عرف حال هؤلاء المشركين مع من كانوا (٦) يقصدون (٧) لإغاثة لهفاتهم وتفريج كرباتهم، فيقع منهم من الشرك بالله ما يجل عن الوصف (٨ فعبدوا غير الله بالقول والاعتقاد، وأقبلوا عليه بقلوبهم وألستنهم وجوارحهم، وهذا الواقع لا يقدر أحد أن يجحده، فقد عمت به البلوى في الأمصار، وأكثر الأقطار والله أعلم٨) (٨) . وأما قول (٩) هذا الجاهل العراقي: (وكذلك المسلمون يذكرون أن طلبتهم

стр. 65

من غير الله إنما هي من باب التسبب) . فالجواب: أن نسبة الطلب من غير الله إلى المسلمين من أمحل المحال، وأبطل الباطل، فإن المسلم لا يطلب من غير الله ما لا يقدر عليه (١) ، فإن من طلب وسأل حاجته من ميت أو غائب، فقد فارق الإسلام؛ لأن الشرك ينافي الإسلام؛ لما تقدم من أن (٢) الإسلام هو إسلام الوجه، والقلب، واللسان، والأركان لله وحده دون من (٣) سواه. فالمسلم (٤ مخلص يخلص دعاءه لله، والمشرك يصرف جل الدعاء والعبادة أو بعضه لغير الله٤) (٤) . وقد عرفت مما تقدم أن الدعاء هو العبادة، وقد نهى (٥) نبيه ﷺ أن يدعو غيره، فقال: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٦) ، وهذا خرج مخرج الخصوص وهو عام لجميع الأمة، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِين﴾ (٧) ، وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُو﴾ (٨) فظهر

стр. 66

من هذه الآيات (١) أن الدعاء تأله للمدعو، فإن المألوه هو المعبود والعابد آله (٢) له (٣) ، ومصدره الآله (٤) والآلهة، وقرأ (٥) ابن عباس ﵄: ﴿ويذرك وإلهتك﴾ بكسر الهمزة وفتح اللام قال: "لأن فرعون يُعْبد ولا يَعْبدُ" (٦) . وفي هذه الآيات التي ذكرنا هنا وقبلُ ما يبين أن الله تعالى زجر الأمة وأبلغ في الزجر والوعيد لمن دعا معه غيره، (٧ وبين أنه شرك والاستغاثة دعاء ويختص بالمضطر٧) (٧) . وقول هذا العراقي الجاهل المماحل: (أن طلبتهم من غير الله إنما هي من باب السبب) . فيقال: هذا من باب التلبيس والتمويه على الجهال، وهذا من مصائد الشيطان ووحيه، معارضة لما دلت عليه الآيات المحكمات من بيان الشرك والوعيد عليه، فإذا اعتقد المشرك أن هذا من باب التسبب فليس كل ما اعتقده [هو] (٨) أو غيره سبباً يكون مشروعاً، يجوز فعله، وقد قال الخليل ﵇: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِين﴾ (٩) .

стр. 67

وقال (١) تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّه﴾ إلى قوله ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ (٢) ، قال المفسرون: "الأسباب"هي الوصل التي كانت بينهم في الدنيا، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْأِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيم﴾ (٣) وما تضمنته هذه الآيات هي أسباب لأهل الإشراك يعتقدون أنها سبب في حصول مطلوبهم، ودفع مرهوبهم، فخانتهم هذه الأسباب أحوج ما كانوا إليها؛/لأنها شرك وضلال، وهي من مصائد الشيطان التي صاد بها قلوب الجهال، فمن أطاع الشيطان ندم ومن عصاه سلم، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب. وأعظم الأسباب النافعة الجالبة لرضى الله، المنجية من عقابه وعذابه: إخلاص العبادة لله تعالى بجميع أنواعها؛ والاستعانة على ذلك، والعمل بطاعته والتباعد عن معصيته. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٤) رحمه الله تعالى: (والتوكل والاستعانة للعبد؛ لأنه هو الوسيلة؛ والطريق الذي به ينال مقصوده، ومطلوبه من العبادة؛ فالاستعانة كالدعاء والمسألة) . فإذا عرفت بصحيح المنقول، وصريح المعقول أن الدعاء عبادة، وأن مدلوله السؤال، والطلب فمن صرف من هذه العبادات شيئاً لغير الله فقد أشرك

стр. 68

مع الله غيره في عبادته كائناً من كان، لعموم النهي عن دعوة غير الله في القرآن كله من أوله إلى آخره، فمن ادعى أنه يصرف منه شيء لأحد سوى الله، فقد صادم الكتاب والسنة، وخالف ما اجتمعت عليه دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم فيما دعوا إليه أممهم بقولهم: ﴿أن اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه﴾ (١) .ومما يدل على أن السؤال والطلب عبادة: ما صح عن النبي ﷺ أنه قال: "من لم يسأل الله يغضب عليه" (٢) ، وقال: "الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين

стр. 69

ونور السموات والأرض" (١) ، وعماد الدين بلا ريب، لا يشك في هذا من له أدنى مسكة من عقل، والأدلة على هذا أكثر من أن تحصى (٢) . وأما (٣) قول هذا العراقي: (إن أهل السنة لا يكفرون المعتزلة) . فالجواب (٤) : أولاً أن يقال: الكلام معك في أصل الإسلام الذي هو توحيد الله تعالى بالعبادة، الذي أرسل الله تعالى (٥) به رسله، وأنزل (٦) كتبه في بيانه والدعوة إليه، والنهي عما ينافيه من الشرك بالله، وهو الذي أهلك الله الأمم لما لم يقبلوا ما جاءت به الرسل من هذا (٧) التوحيد، وأبو إلا أن يجعلوا لله (٨) شريكاً في العبادة فأهلكوا بعذاب الاستئصال، وأما هذه الأمة فمن لم يقبل التوحيد الذي بعث الله به رسوله محمد ﷺ فإن دماءهم وأموالهم حلال،

стр. 70

وكذلك سبي نسائهم وذراريهم، فمن أنكر هذا التوحيد أو شك فيه من مشرك أو منافق كفر بإجماع المسلمين كما ذكره شيخ الإسلام –﵀ (١) - في مواضع٢) (٢) . وأما البدع التي حدثت في هذه الأمة، فإن سببها أن أهلها أخطأوا في فهم الكتاب والسنة في بعض الأصول، وصاروا هم وأهل السنة في طرفي نقيض لخفاء الأدلة عليهم، وعدم التوفيق بينها (٣) في محل النزاع، كما جرى من الخوارج، كما قال العلامة ابن القيم –﵀ تعالى فيهم (٤) . ولهم نصوص قصروا في فهمها ... فأتوا من التقصير في العرفان وخصومنا قد كفرونا بالذي ... هو غاية التوحيد والإيمان فكلامنا (٥) مع هذا العراقي في أصل الدين الذي لا يصلح قول ولا عمل إلا به، وبضده تفسد الأقوال والأعمال. وأما قول الجهمية والمعتزلة فهو إلحاد في أسماء الله وصفاته، فاختلفوا في القَدْر نفياً وإثباتاً (٦ وجحدوا معنى الأسماء والصفات التي دلت عليه٦) (٦) ، وأهل السنة كفّروا/ كل داعية إلى هذه البدع ونحوها، وقد ذكر ابن القيم- رحمه الله تعالى- قول أهل السنة فيهم فإنه قال (٧) :

стр. 71

ولقد تقلد كفرهم خمسون في ... عشر من العلماء في البلدان إلى أن قال: أهل العناد فأهل كفر (١) ظاهر ... والجاهلون (٢) فإنهم نوعان متمكنون من الهدى والعلم بـ ... بالأسباب ذات السير والإمكان لكن إلى أرض الجهالة أخلدوا ... واستسهلوا التقليد كالعميان لم يبذلوا المقدور في إدراكهم ... للحق تهوينا بهذا الشان وهم الأولى لا شك في تفسيقهم ... والكفر فيه عندنا قولان وأما قوله (٣) : (إن أهل الكرامات حالهم في الممات كحالهم في الحياة) . فهذا يبطله ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُور﴾ (٤) فلم يجعلهم تعالى (٥) سواء، بل فرق بين الأحياء والأموات، وشبه بهم ما لم ينتفع بسماع الهدى. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ. أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُون﴾ (٦) وليست هذه الآية في الأصنام كما يزعمه من لم يتدبر؛ لأن الأصنام لا يحلها الموت من الأخشاب، والأحجار ولا شعور لها، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُون﴾ (٧) ، فهذه الآية فيمن.

стр. 72

يموت ويبعث (١ من أهل الكرامات والمعجزات وغيرهم١) (١) ، كما لا يخفى على من تدبرها، وتأمل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ [أَيَّانَ يُبْعَثُون] (٢) ﴾ ، وهذا إنما يستعمل فيمن يعقل، كما لا يخفى على من له معرفة باللغة العربية (٣) . فالحمد لله على ظهور الحجة وبيان المحجة. وحقيقة أمر (٤) هذا العراقي مصادمة ما في القرآن من النهي عن دعوة غير الله، والقرآن ينهى عن دعوة كل ما سوى (٥) الله، وهذا يقول: (يجوز (٦) أو يستحب أن يُدْعى، أو يستغاث (٧) مع الله غيره) . (٩ فليس (٨) عنده إلا تشكيك، وتخمش، وتغيير على التوحيد، ونصرة للشرك والتنديد٩) (٩) . ولا يخفى أن جُلَّ (١٠) شرك المشركين في حق من عبدوه مع الله إنما هو بدعائه وسؤاله قضاء حاجاتهم، وتفريج كرباتهم، فإن أردت أيها الموحد-وفقك الله للتمسك بدين الإسلام- حقيقة ما اشتملت (١١) عليه أوراق هذا

стр. 73

العراقي (١) طول ما طول، وبهرج ما بهرج، لكن (٢) حقيقة ما فيها: الخروج عن الصراط المستقيم إلى سبيل الشيطان الرجيم، واتباع غير سبيل المرسلين (٣) والمؤمنين، وإيماناً بالجبت والطاغوت، والجهل بالتوحيد وجحوده، والكفر به، والإيمان بالشرك بالله، ونصرته، والدعوة إليه، ومسبة أهل التوحيد، وتحريف الكلم عن مواضعه، ومصادمة أدلة الكتاب والسنة، وتقليب الحقائق بجعله الحق باطلاً والباطل حقاً، وتكثير الكذب على العلماء، ونسبتهم (٤) إلى ما هم بريئون منه، منكرون له، وملأ أوراقه بالمخرقة (٥) والبهرجة، والتخليط والتخبيط، والسفسطة والمغالطات، والتمويه على الجهال وغير ذلك. وحقيقة أمرهم: أنهم شبهوا الأنبياء والصالحين بالأصنام من حيث اتخاذهم لهم شركاء لله في العبادة، وذلك غاية المسبة لهم، فعظموا الأنبياء والصالحين من حيث أهانوهم (٦) ، وفعلوا معهم من الشرك بهم ما دعوا الأمم إلى تركه، وهذا ظاهر لمن تدبر أدلة القرآن الذي أنزله الله تعالى/ نوراً وشفاءًا لما في الصدور، ولا يمكن أن يعارض بالبهرجة والمغالطات، ولا يفعل ذلك إلا من أعمى الله قلبه، وأذهب عقله، فإن العاقل من يفعل الخير، ويترك

стр. 74

الشر (١) ، وهذا الرجل صار معكوس العقل، يقبل الشرك ويرضاه؛ ويترك الخير ويأباه كما هو حال الكثير من هذه الأمة وقبلها، كما قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ (٢) ، وقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُون﴾ (٣) . وأنت ترى هذا العراقي ينصب العداوة لكل من آمن بالله، ودعا إلى توحيده وهو عدو كل موحد ونصير (٤) كل (٥) ملحد، وهؤلاء هم (٦) أعداء الرسل في كل زمان ومكان، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُون﴾ (٧) والبصير إذا نظر في أوراق هذا العراقي علم أن ما ذكره الله تعالى في هذه الآيات (٨) لا يعدوه – بل هذه حالة وأمثاله وهم كثيرون لا كثرهم الله فكم صرفوا

стр. 75

ضعفاء العقول عن الإيمان، وعن أدلة القرآن (١) –وذلك أنه يحاول بشبهاته وترَّهاته أن يجعل الميت أو الغائب شفيعاً يسأله ويقصده، ويرغب إليه بالدعاء والاستغاثة (٢) ، والتذلل والخضوع له بما لا يصلح إلا لله تعالى (٣) ، وقد أخبر (٤) تعالى (٥) أن اتخاذ الشفعاء من دين المشركين، كما قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٦) ، والشفاعة كذلك لا يملكها غيره، ولا تحصل إلا بشروط (٧) إذن الله للشافع رحمة (٨) للمشفوع له، وكرامة للشافع، ولا يقع الإذن إلا في حق من رضي الله دينه وهم أهل التوحيد والإخلاص، الذين لم يتخذوا من دونه شفيعاً [والمدعو لا يشفع لمن دعاه، كما دلَّ عليه الآيات المحكمات] (٩) ، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ (١٠)
следующие страницы →