← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11363

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ط ابن حزم

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (360 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والثاني: أن يصام بنية الندب أو قضاء عن رمضان أو عن كفارة ونحو ذلك فجوزه الجمهور ونهى عنه من أمر بالفصل بين شعبان ورمضان بفطر يوم مطلقا وهم طائفة من السلف وحكي كراهته أيضا عن أبي حنيفة والشافعي وفيه نظر. والثالث: أن يصام بنية التطوع المطلق فكرهه من أمر بالفصل بين شعبان ورمضان بالفطر منهم الحسن وإن وافق صوما كان يصومه ورخص فيه مالك ومن وافقه وفرق الشافعي والأوزاعى وأحمد وغيرهم بين أن يوافق عادة أو لا وكذلك يفرق بين صيامه بأكثر من يومين ووصله برمضان فلا يكره أيضا إلا عند من كره الإبتداء بالتطوع بالصيام بعد نصف شعبان فإنه ينهى عنه إلا أن يبتدىء الصيام قبل النصف ثم يصله برمضان. وفي الجملة فحديث أبي هريرة هو المعمول به في هذا الباب عند كثير من العلماء وانه يكره التقدم قبل رمضان بالتطوع بالصيام بيوم أو يومين لمن ليس له به عادة ولا سبق منه صيام قبل ذلك في شعبان متصلا بآخره. ولكراهة التقدم ثلاثة معان: أحدها: أنه على وجه الإحتياط لرمضان فينهى عن التقدم قبله لئلا يزاد في صيام رمضان ما ليس منه كما نهي عن صيام يوم العيد لهذا المعنى حذرا مما وقع فيه أهل الكتاب في صيامهم فزادوا فيه بآرائهم وأهوائهم وخرج الطبراني وغيره عن عائشة ﵁ قالت: إن ناسا كانوا يتقدمون الشهر فيصومون قبل النبي ﷺ فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] قالت عائشة: إنما الصوم صوم الناس والفطر فطر الناس ومع هذا فكان من السلف من يتقدم للإحتياط والحديث حجة عليه. ولهذا نهي عن صيام يوم الشك قال عمار: من صامه فقد عصى أبا القاسم ﷺ ويوم الشك هو اليوم الذي يشك فيه هل هو من رمضان أو غيره فكان من المتقدمين من يصومه احتياطا ورخص فيه بعض الحنفية للعلماء في أنفسهم خاصة دون العامة لئلا يعتقدوا وجوبه بناء على أصلهم في أن صوم رمضان يجزىء بنية الصيام المطلق والنفل ويوم الشك هو الذي تحدث فيه برؤيته من لم يقبل قوله فأما يوم الغيم فمن العلماء من جعله يوم شك ونهى عن صيامه وهو قول الأكثرين ومنهم من صامه احتياطا وهو قول ابن عمر وكان الإمام أحمد يتابعه على ذلك وعنه في صيامه ثلاث روايات مشهورات ثالثها لا يصام إلا مع الإمام وجماعة المسلمين لئلا يقع الإفتيات عليهم والإنفراد عنهم وقال اسحاق: لا

стр. 142

يصام يوم الغيم ولكم يتلوم بالأكل فيه إلى ضحوة النهار خشية أن يشهد برؤيته بخلاف حال الصحو فإنه يأكل فيه من غدوة. والمعنى الثاني: الفصل بين صيام الفرض والنفل فإن جنس الفصل بين الفرائض والنوافل مشروع ولهذا حرم صيام يوم العيد ونهى النبي ﷺ أن توصل صلاة مفروضة بصلاة حتى يفصل بينهما بسلام أو كلام وخصوصا سنة الفجر قبلها فإنه يشرع الفصل بينها وبين الفريضة ولهذا يشرع صلاتها في البيت والإضطجاع بعدها. ولما رأى النبي ﷺ رجلا يصلي وقد أقيمت صلاة الفجر: "الصبح أربعا" وفي المسند: أنه ﷺ قال: "افصلوا بينها وبين المكتوبة ولا تجعلوها كصلاة الظهر" وفي سنن أبي داود: إن رجلا صلى مع النبي ﷺ فلما سلم قام يشفع فوثب إليه عمر فأخذ بمنكبيه فهزه ثم قال: اجلس فإنه لم يهلك أهل الكتاب إلا أنه لم يكن لصلاتهم فصل فرفع النبي ﷺ بصره فقال: "أصاب الله بك يا ابن الخطاب" ومن علل بهذا فمنهم من كره وصل صوم شعبان برمضان مطلقا وروي عن ابن عمر قال: لو صمت الدهر كله لأفطرت الذي بينهما وروي فيه حديث مرفوع لا يصح والجمهور على جواز صيام ما وافق عادة لأن الزيادة إنما تخشى إذا لم يعرف سبب الصيام. والمعنى الثالث: إنه أمر بذلك للتقوي على صيام رمضان فإن مواصلة الصيام قد تضعف عن صيام الفرض فإذا حصل الفطر قبله بيوم أو يومين كان أقرب إلى التقوي على صيام رمضان وفي هذا التعليل نظر فإنه لا يكره التقدم بأكثر من ذلك ولا لمن صام الشهر كله وهو أبلغ في معنى الضعف لكن الفطر بنية التقوي لصيام رمضان حسن لمن أضعفه مواصلة الصيام كما كان عبد الله بن عمرو بن العاص يسرد الفطر أحيانا ثم يسرد الصوم ليتقوى بفطره على صومه ومنه قول بعض الصحابة إني أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي وفي الحديث المرفوع: "الطاعم الشاكر كالصائم الصابر" خرجه الترمذي وغيره ولربما ظن بعض الجهال أن الفطر قبل رمضان يراد به اغتنام الأكل لتأخذ النفوس حظها من الشهوات قبل أن تمنع من ذلك بالصيام ولهذا يقولون هي أيام توديع للأكل وتسمى تنحيسا واشتقاقه من الأيام النحسات ومن قال: هو تنهيس بالهاء فهو خطأ منه ذكره ابن درستويه النحوي وذكر أن أصل ذلك متلقى من النصارى فإنهم يفعلونه عند قرب صيامهم وهذا كله خطأ وجهل ممن ظنه وربما لم يقتصر كثير منهم على.

стр. 143

اغتنام الشهوات المباحة بل يتعدى إلى المحرمات وهذا هو الخسران المبين وأنشد لبعضهم: إذا العشرون من شعبان ولت ... فواصل شرب ليلك بالنهار ولا تشرب بأقداح صغار ... فإن الوقت ضاق على الصغار وقال آخر. جاء شعبان منذرا بالصيام ... فاسقياني راحا بماء الغمام ومن كانت هذه حاله فالبهائم أعقل منه وله نصيب من قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [لأعراف: ١٧٩] الآية وربما كره كثير منهم صيام رمضان حتى إن بعض السفهاء من الشعراء كان يسبه وكان للرشيد ابن سفيه فقال مرة: دعاني شهر الصوم لا كان من شهر ... ولا صمت شهرا بعده آخر الدهر فلو كان يعديني الأنام بقدرة ... على الشهر لاستعديت جهدي على الشهر فأخذه داء الصرع فكان يصرع في كل يوم مرات متعددة ومات قبل أن يدركه رمضان آخر وهؤلاء السفهاء يستثقلون رمضان لاستثقالهم العبادات فيه من الصلاة والصيام فكثير من هؤلاء الجهال لا يصلي إلا في رمضان إذا صام وكثير منهم لا يجتنب كبائر الذنوب إلا في رمضان فيطول عليه ويشق على نفسه مفارقتها لمألوفها فهو يعد الأيام والليالي ليعودوا إلى المعصية وهؤلاء مصرون على ما فعلوا وهم يعلمون فهم هلكى ومنهم من لا يصبر على المعاصي فهو يواقعها في رمضان. وحكاية محمد بن هارون البلخي مشهورة وقد رويت من وجوه وهو أنه كان مصرا على شرب الخمر فجاء في آخر يوم من شعبان وهو سكران فعاتبته أمه وهي تسجر تنورا فحملها فألقاها في التنور فاحترقت وكان بعد ذلك قد تاب وتعبد فرؤي له في النوم أن الله قد غفر للحاج كلهم سواه فمن أراد الله به خيرا حبب إليه الإيمان وزينه في قلبه وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان فصار من الراشدين ومن أراد به شر خلى بينه وبين نفسه فاتبعه الشيطان فحبب إليه الكفر والفسوق والعصيان فكان من الغاوين. الحذر الحذر من المعاصي فكم سلبت من نعم وكم جلبت من نقم وكم.

стр. 144

خربت من ديار وكم أخلت ديارا من أهلها فما بقي منهم ديار كم أخذت من العصاة بالثار كم محت لهم من آثار. يا صاحب الذنب لا تأمن عواقبه ... عواقب الذنب تخشى وهي تنتظر فكل نفس ستجزى بالذي كسبت ... وليس للخلق من ديانهم وزر أين حال هؤلاء الحمقى من قوم كان دهرهم كله رمضان ليلهم قيام ونهارهم صيام. باع قوم من السلف جارية فلما قرب شهر رمضان رأتهم يتأهبون له ويستعدون بالأطعمة وغيرها فسألتهم فقالوا نتهيأ لصيام رمضان فقالت: وأنتم لا تصومون إلا رمضان لقد كنت عند قوم كل زمانهم رمضان ردوني عليهم. باع الحسن بن صالح جارية له فلما انتصف الليل قامت فنادتهم: يا أهل الدار الصلاة الصلاة قالوا: طلع الفجر؟ قالت: أنتم لا تصلون إلا المكتوبة ثم جاءت الحسن فقالت: بعتني على قوم سوء لا يصلون إلا المكتوبة ردني ردني قال بعض السلف: صم الدنيا واجعل فطرك الموت الدنيا كلها شهر صيام المتقين يصومون فيه عن الشهوات المحرمات فإذا جاءهم الموت فقد انقضى شهر صيامهم واستهلوا عيد فطرهم. وقد صمت عن لذات دهري كلها ... ويوم لقاكم ذاك فطر صيامي من صام اليوم عن شهواته أفطر عليها بعد مماته ومن تعجل ما حرم عليه قبل وفاته عوقب بحرمانه في الآخرة وفواته وشاهد ذلك قوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الاحقاف: ٢٠] الآية وقول النبي ﷺ : "من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة ومن لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة". أنت في دار شتات ... فتأهب لشتاتك واجعل الدنيا كيوم ... صمته عن شهواتك وليكن فطرك عند الله ... في يوم وفاتك في حديث مرفوع خرجه ابن أبي الدنيا: "لو يعلم العباد ما في رمضان لتمنت أمتي أن يكون رمضان السنة كلها" وكان النبي ﷺ يبشر أصحابه بقدوم رمضان كما خرجه الإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ يبشر أصحابه يقول: "قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك كتب الله عليكم صيامه فيه تفتح

стр. 145

أبواب الجنان وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه الشياطين فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم" قال بعض العلماء: هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضا بشهر رمضان كيف لا يبشر المؤمن بفتح أبواب الجنان كيف لا يبشر المذنب بغلق أبواب النيران كيف لا يبشر العاقل بوقت يغل فيه الشياطين من أين يشبه هذا الزمان زمان. وفي حديث آخر: "أتاكم رمضان سيد الشهور فمرحبا به وأهلا". جاء شهر الصيام بالبركات ... فأكرم به من زائر هو آت وروي: أن النبي ﷺ كان يدعو ببلوغ رمضان فكان إذا دخل رجب يقول: "اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان" خرجه الطبراني وغيره من حديث أنس قال معلى بن الفضل: كانوا يدعون الله تعالى ستة أشهر أن يبلغهم رمضان يدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم وقال يحيى بن أبي كثير كان من دعائهم: اللهم سلمني إلى رمضان وسلم لي رمضان وتسلمه مني متقبلا. بلوغ شهر رمضان وصيامه نعمة عظيمة على من أقدره الله عليه ويدل عليه حديث الثلاثة الذين استشهد اثنان منهم ثم مات الثالث على فراشه بعدهما فرؤي في المنام سابقا لهما فقال النبي ﷺ : "أليس صلى بعدهما كذا وكذا صلاة وأدرك رمضان فصامه؟! فوالذي نفسي بيده إن بينهما لأبعد مما بين السماء والأرض" خرجه الإمام أحمد وغيره من رحم في رمضان فهو المرحوم ومن حرم خيره فهو المحروم ومن لم يتزود لمعاده فيه فهو ملوم. أتى رمضان مزرعة العباد ... لتطهير القلوب من الفساد فأد حقوقه قولا وفعلا ... وزادك فاتخذه للمعاد فمن زرع الحبوب وما سقاها ... تأوه نادما يوم الحصاد يا من طالت غيبته عنا قد قربت أيام المصالحة يا من دامت خسارته قد أقبلت أيام التجارة الرابحة من لم يربح في هذا الشهر ففي أي وقت يربح من لم يقرب فيه من مولاه فهو على بعده لا يربح. أناس أعرضوا عنا ... بلا جرم ولا معنى أساؤا ظنهم فينا ... فهلا أحسنوا الظنا فإن عادوا لنا عدنا ... وإن خانوا فما خنا فإن كانوا قد استغنوا ... فإنا عنهم أغنا

стр. 146

كم ينادي حي على الفلاح وأنت خاسر كم تدعى إلى الصلاح وأنت على الفساد مثابر. إذا رمضان أتى مقبلا ... فاقبل فبالخير يستقبل لعلك تخطئه قابلا ... وتأتي بعذر فلا يقبل كم ممن أمل أن يصوم هذا الشهر فخانه أمله فصار قبله إلى ظلمة القبر كم من مستقبل يوما لا يستكمله ومؤمل غدا لا يدركه إنكم لو أبصرتم الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره. خطب عمر بن عبد العزيز آخر خطبة خطبها فقال فيها: إنكم لم تخلقوا عبثا ولن تتركوا سدى وإن لكم معادا ينزل الله فيه للفصل بين عباده فقد خاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء وحرم جنة عرضها السموات والأرض ألا ترون إنكم في أسلاب الهالكين وسيرتها بعدكم الباقون كذلك حتى ترد إلى خير الوارثين وفي كل يوم تشيعون غاديا ورائحا إلى الله قد قضى نحبه وانقضى أجله فتودعونه وتدعونه في صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد قد خلع الأسباب وفارق الأحباب وسكن التراب وواجه الحساب غنيا عما خلف فقيرا إلى ما أسلف فاتقوا الله عباد الله قبل نزول الموت وانقضاء مواقيته وإني لأقول لكم هذه المقالة وما أعلم عند أحد من الذنوب أكثر مما أعلم عندي ولكن أستغفر الله وأتوب إليه ثم رفع طرف ردائه وبكى حتى شهق ثم نزل فما عاد إلى المنبر بعدها حتى مات رحمة الله عليه. يا ذا الذي ما كفاه الذنب في رجب ... حتى عصى ربه في شهر شعبان لقد أظلك شهر الصوم بعدهما ... فلا تصيره أيضا شهر عصيان واتل القرآن وسبح فيه مجتهدا ... فإنه شهر تسبيح وقرآن فاحمل على جسد ترجو النجاة له ... فسوف تضرم أجساد بنيران كم كنت تعرف ممن صام في سلف ... من بين أهل وجيران وإخوان أفناهم الموت واستبقاك بعدهم ... حيا فما أقرب القاصي من الداني ومعجب بثياب العيد يقطعها ... فأصبحت في غد أثواب أكفان حتى يعمر الإنسان مسكنه ... مصير مسكنه قبر لإنسان

стр. 147

وظائف شهر رمضان المعظم المجلس الأول: في فضل الصيام ... وظائف شهر رمضان المعظم وفيه مجالس: المجلس الأول في فضل الصيام ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف قال : إلا الصيام فإنه لي وأنا الذي أجزي به إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي للصائم فرحتان: فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" وفي رواية: "كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي" وفي رواية للبخاري: "لكل عمل كفارة والصوم لي وأنا الذي أجزي به" وخرجه الإمام أحمد من هذا الوجه ولفظه: "كل عمل ابن آدم له كفارة إلا الصوم والصوم لي وأنا أجزي به". فعلى الرواية الأولى: يكون استثناء الصوم من الأعمال المضاعفة فتكون العمال كلها تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فإنه لا ينحصر تضعيفه في هذا العدد بل يضاعفه الله أضعافا كثيرة بغير حصر عدد فإن الصيام من الصبر وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ولهذا ورد عن النبي ﷺ : أنه سمى شهر رمضان شهر الصبر. وفي حديث آخر عنه ﷺ قال: "الصوم نصف الصبر" خرجه الترمذي. والصبر ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله وصبر عن محارم الله وصبر على أقدار الله المؤلمة. وتجتمع الثلاثة في الصوم فإن فيه صبرا على طاعة الله وصبرا عما حرم الله على الصائم من الشهوات وصبرا على ما يحصل للصائم فيه من ألم الجوع والعطش وضعف النفس والبدن وهذا الألم الناشىء من أعمال الطاعات يثاب عليه صاحبه كما قال الله تعالى في المجاهدين: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠] وفي حديث سلمان المرفوع الذي أخرجه ابن خزيمة في

стр. 148

صحيحه في فضل شهر رمضان: "وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة" وفي الطبراني عن ابن عمر مرفوعا: "الصيام لا يعلم ثواب عمله إلا الله " وروي مرسلا وهو أصح. واعلم أن مضاعفة الأجر للأعمال تكون بأسباب منها شرف المكان المعمول فيه ذلك العمل كالحرم ولذلك تضاعف الصلاة في مسجدي مكة والمدينة كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام" وفي رواية: "فإنه أفضل" وكذلك روي: "أن الصيام يضاعف بالحرم" وفي سنن ابن ماجة بإسناد ضعيف عن ابن عباس مرفوعا: "من أدرك رمضان بمكة فصامه وقام منه ما تيسر كتب الله له مائة ألف شهر رمضان فيما سواه" وذكر له ثوابا كثيرا ومنها: شرف الزمان كشهر رمضان وعشر ذي الحجة وفي حديث سلمان الفارسي المرفوع الذي أشرنا إليه في فضل شهر رمضان: "من تطوع فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه" وفي الترمذي عن أنس: سئل النبي ﷺ أي الصدقة أفضل؟ قال: "صدقة في رمضان" وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: "عمرة في رمضان تعدل بحجة" أو قال: "حجة معي". وورد في حديث آخر: "أن عمل الصائم مضاعف" وذكر أبو بكر بن أبي مريم عن أشياخه أنهم كانوا يقولون: إذا حضر شهر رمضان فانبسطوا فيه بالنفقة فإن النفقة فيه مضاعفة كالنفقة في سبيل الله وتسبيحة فيه أفضل من ألف تسبيحة في غيره قال النخعي: صوم يوم من رمضان أفضل من ألف يوم وتسبيحة فيه أفضل من ألف تسبيحة وركعة فيه أفضل من ألف ركعة فلما كان الصيام في نفسه مضاعفا أجره بالنسبة إلى سائر الأعمال كان صيام شهر رمضان مضاعفا على سائر الصيام لشرف زمانه وكونه هو الصوم الذي فرضه الله على عباده وجعل صيامه أحد أركان الإسلام التي بني الإسلام عليها وقد يضاعف الثواب بأسباب أخر منها شرف العامل عند الله وقربه منه وكثرة تقواه كما يضاعف أجر هذه الأمة على أجور من قبلهم من الأمم وأعطوا كفلين من الأجر. وأما على الرواية الثانية: فاستثناء الصيام من بين الأعمال يرجع إلى أن سائر الأعمال للعباد والصيام اختصه الله تعالى لنفسه من بين أعمال عباده وأضاف إليه وسيأتي ذكر توجيه هذا الاختصاص إن شاء الله تعالى.

стр. 149

وأما على الرواية الثالثة: فالإستثناء يعود إلى التكفير بالأعمال ومن أحسن ما قيل في ذلك ما قاله سفيان بن عيينة ﵀ قال: هذا من أجود الأحاديث وأحكمها: "إذا كان يوم يوم القيامة يحاسب الله عبده ويؤدي ما عليه من المظالم من سائر عمله حتى لا يبقى إلا الصوم فيتحمل الله ما بقي عليه من المظالم ويدخله بالصوم الجنة" خرجه البيهقي في شعب الإيمان وغيره وعلى هذا فيكون المعنى: أن الصيام لله فلا سبيل لأحد إلى أخذ أجره من الصيام بل أجره مدخر لصاحبه عند الله وحينئذ فقد يقال: إن سائر الأعمال قد يكفر بها ذنوب صاحبها فلا يبقى لها أجر فإنه روي: أنه يوازن يوم القيامة بين الحسنات والسيئات ويقص بعضها من بعض فإن بقي من الحسنات حسنة دخل بها صاحبها إلى الجنة قاله سعيد بن جبير وغيره وفيه حديث مرفوع خرجه الحاكم من حديث ابن عباس مرفوعا فيحتمل أن يقال في الصوم إنه لا يسقط ثوابه بمقاصة ولا غيرها بل يوفر أجره لصاحبه حتى يدخل الجنة فيوفى أجره فيها. وأما قوله: "فإنه لي" فإن الله خص الصيام بإضافته إلى نفسه دون سائر الأعمال وقد كثر القول في معنى ذلك من الفقهاء والصوفية وغيرهم وذكروا فيه وجوها كثيرة ومن أحسن ما ذكر فيه وجهان: أحدهما: أن الصيام هو مجرد ترك حظوظ النفس وشهواتها الأصلية التي جبلت على الميل إليها لله ولا يوجد ذلك في عبادة أخرى غير الصيام لأن الإحرام إنما يترك فيه الجماع ودواعيه من الطيب دون سائر الشهوات من الأكل والشرب وكذلك الإعتكاف مع أنه تابع للصيام وأما الصلاة فإنه وإن ترك المصلي فيها جميع الشهوات إلا أن مدتها لا تطول فلا يجد المصلي فقد الطعام والشراب في صلاته بل قد نهي أن يصلي ونفسه تشوق إلى طعام بحضرته حتى يتناول منه ما يسكن نفسه ولهذا أمر بتقديم العشاء على الصلاة. وذهبت طائفة من العلماء إلى إباحة شرب الماء في صلاة التطوع وكان ابن الزبير يفعله في صلاته وهو رواية عن الإمام أحمد وهذا بخلاف الصيام فإنه يستوعب النهار كله فيجد الصائم فقد هذه الشهوات وتشوق نفسه إليها خصوصا في نهار الصيف لشدة حره وطوله ولهذا روي: "أن من خصال الإيمان الصوم في الصيف" وقد كان رسول الله ﷺ يصوم رمضان في السفر في شدة الحر دون أصحابه كما قاله أبو الدرداء: كنا مع النبي ﷺ في رمضان في سفر وأحدنا يضع يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة.

стр. 150

وفي الموطأ: إنه ﷺ كان بالعرج يصب الماء على رأسه وهو صائم من العطش أو من الحر. فإذا اشتد توقان النفس إلى ما تشتهيه مع قدرتها عليه ثم تركته لله في موضع لا يطلع عليه إلا الله كان ذلك دليلا على صحة الإيمان فإن الصائم يعلم أن له ربا يطلع عليه في خلوته وقد حرم عليه أن يتناول شهواته المجبول على الميل إليها في الخلوة فأطاع ربه وامتثل أمره واجتنب نهيه خوفا من عقابه ورغبة في ثوابه فشكر الله تعالى له ذلك واختص لنفسه عمله هذا من بين سائر أعماله ولهذا قال بعد ذلك: "إنه إنما ترك شهواته وطعامه وشرابه من أجلي" قال بعض السلف: طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعد غيب لم يره. لما علم المؤمن الصائم أن رضا مولاه في ترك شهواته قدم رضا مولاه على هواه فصارت لذته في ترك شهواته لله لإيمانه باطلاع الله وثوابه أعظم من لذته في تناولها في الخلوة إيثارا لرضا ربه على هوى نفسه بل المؤمن يكره ذلك في خلوته أشد من كراهته لألم الضرب ولهذا كثير من المؤمنين لو ضرب على أن يفطر في شهر رمضان لغير عذر لم يفعل لعلمه لكراهة الله لفطره في هذا الشهر وهذا من علامات الإيمان أن يكره المؤمن ما يلائمه من شهواته إذا علم أن الله يكره فتصير لذته فيما يرضى مولاه وإن كان مخالفا لهواه ويكون ألمه فيما يكره مولاه وإن كان موافقا لهواه وإذا كان هذا فيما حرم لعارض الصوم من الطعام والشراب ومباشرة النساء فينبغي أن يتأكد ذلك فيما حرم على الإطلاق: كالزنا وشرب الخمر وأخذ الأموال أو الأعراض بغير حق وسفك الدماء المحرمة فإن هذا يسخطه الله على كل حال وفي كل زمان ومكان فإذا كمل إيمان المؤمن كره ذلك كله أعظم من كراهته للقتل والضرب ولهذا جعل النبي ﷺ من علامات وجود حلاوة الإيمان أن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله كما يكره أن يلقى في النار. وقال يوسف ﵇: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣] سئل ذو النون المصري متى أحب ربي؟ قال: إذا كان ما يكرهه أمر عندك من الصبر وقال غيره: ليس من أعلام المحبة أن تحب ما يكرهه حبيبك وكثير من الناس يمشي على العوائد دون ما يوجبه الإيمان ويقتضيه فلهذا كثير منه لو ضرب ما أفطر في رمضان لغير عذر ومن جهالهم من لا يفطر لعذر ولو تضرر بالصوم مع أن الله يحب منه أن يقبل رخصته جريا على العادة وقد اعتاد مع ذلك.

стр. 151

ما حرم الله من الزنا وشرب الخمر وأخذ الأموال والأعراض أو الدماء بغير حق فهذا يجري على عوائده في ذلك كله لا على مقتضى الإيمان ومن عمل بمقتضى الإيمان صارت لذته في مصابرة نفسه عما تميل نفسه إليه إذا كان فيه سخط الله وربما يرتقي إلى أن يكره جميع ما يكره الله منه وينفر منه وإن كان ملائما للنفوس كما قيل: إن كان رضاكم في سهري ... فسلام الله على وسني وقال آخر: عذابه فيك عذاب ... وبعده فيك قرب وأنت عندي كروحي ... بل أنت منها أحب حسبي من الحب أني ... لما تحب أحب الوجه الثاني: إن الصيام سر بين العبد وربه لا يطلع عليه غيره لأنه مركب من نية باطنة لا يطلع عليها إلا الله وترك لتناول الشهوات التي يستخفي بتناولها في العادة ولذلك قيل: لا تكتبه الحفظة وقيل: إنه ليس فيه رياء كذا قاله الإمام أحمد وغيره وفيه حديث مرفوع مرسل وهذا الوجه اختيار أبي عبيد وغيره وقد يرجع إلى الأول فإن من ترك ما تدعوه نفسه إليه لله حيث لا يطلع عليه غير من أمره ونهاه دل على صحة إيمانه والله تعالى يحب من عباده أن يعاملوه سرا بينهم وبينه وأهل محبته يحبون أن يعاملوه سرا بينهم وبينه بحيث لا يطلع على معاملتهم إياه سواه حتى كان بعضهم يود لو تمكن من عبادة لا تشعر بها الملائكة الحفظة وقال بعضهم: لما اطلع على بعض سرائره إنما كانت تطيب الحياة لما كانت المعاملة بيني وبينه سرا ثم دعا لنفسه بالموت فمات. المحبون يغارون من اطلاع الأغيار على الأسرار التي بينهم وبين من يحبهم ويحبونه. نسيم صبا تجد متى جئت حاملا ... تحيتهم فاطوا الحديث عن الركب ولا تذع السر المصون فإنني ... أغار على ذكر الأحبة من صحبي وقوله: "ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي": فيه إشارة إلى المعنى الذي ذكرناه وأن الصائم يقرب إلى الله بترك ما تشتهيه نفسه من الطعام والشراب والنكاح وهذه أعظم شهوات النفس وفي التقرب بترك هذه الشهوات بالصيام فوائد:

стр. 152

منها: كسر النفس فإن الشبع والري ومباشرة النساء تحمل النفس على الأشر والبطر والغفلة. ومنها تخلي القلب للفكر والذكر فإن تناول هذه الشهوات قد تقسي القلب وتعميه وتحول بين العبد وبين الذكر والفكر وتستدعي الغفلة وخلو الباطن من الطعام والشراب ينور القلب ويوجب رقته ويزيل قسوته ويخليه للذكر والفكر. ومنها: أن الغني يعرف قدر نعمة الله عليه بإقداره له على ما منعه كثيرا من الفقراء من فضول الطعام والشراب والنكاح فإنه بامتناعه من ذلك في وقت مخصوص وحصول المشقة له بذلك يتذكر به من منع من ذلك على الإطلاق فيوجب له ذلك شكر نعمة الله عليه بالغنى ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج ومواساته بما يمكن من ذلك. ومنها: أن الصيام يضيق مجاري الدم التي هي مجاري الشيطان من ابن آدم فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فتسكن بالصيام وساوس الشيطان وتنكسر سورة الشهوة والغضب ولهذا جعل النبي ﷺ "الصوم وجاء" لقطعه عن شهوة النكاح. واعلم أنه لا يتم التقرب إلى الله تعالى بترك هذه الشهوات المباحة في غير حالة الصيام إلا بعد التقرب إليه بترك ما حرم الله في كل حال من الكذب والظلم والعدوان على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم ولهذا قال النبي ﷺ : "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" خرجه البخاري وفي حديث آخر: "ليس الصيام من الطعام والشراب إنما الصيام من اللغو والرفث" وقال الحافظ أبو موسى المديني: على شرط مسلم قال بعض السلف: أهون الصيام ترك الشراب والطعام وقال جابر: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم ودع أذى الجار وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء. إذا لم يكن في السمع مني تصاون ... وفي بصري غض وفي منطقي صمت فحظي إذا من صومي الجوع والظمأ ... فإن قلت إني صمت يومي صمت وقال النبي ﷺ : " رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش ورب قائم حظه من قيامه السهر" وسر هذا: أن التقرب إلى الله تعالى بترك المباحات لا يكمل إلا بعد التقرب إليه بترك المحرمات فمن ارتكب المحرمات ثم تقرب.

стр. 153

إلى الله تعالى بترك المباحات كان بمثابة من يترك الفرائض ويتقرب بالنوافل وإن كان صومه مجزئا عند الجمهور بحيث لا يؤمر بإعادته لأن العمل إنما يبطل بارتكاب ما نهي عنه فيه لخصوصه دون ارتكاب ما نهي عنه لغير معنى يختص به هذا هو قول جمهور العلماء. وفي مسند الإمام أحمد أن امرأتين صامتا في عهد النبي ﷺ فكادتا أن تموتا من العطش فذكر ذلك للنبي ﷺ فأعرض ثم ذكرتا له فدعاهما فأمرهما أن تتقيآ فقاءتا ملء قدح قيحا ودما وصديدا ولحما عبيطا فقال النبي ﷺ : "إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما وأفطرتا على ما حرم الله عليهما جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا تأكلان في لحوم الناس" ولهذا المعنى والله أعلم ورد في القرآن بعد ذكر تحريم الطعام والشراب على الصائم بالنهار ذكر تحريم أكل أموال الناس بالباطل فإن تحريم هذا عام في كل زمان ومكان بخلاف الطعام والشراب فكان إشارة إلى أن من امتثل أمر الله في اجتناب الطعام والشراب في نهار صومه فليمتثل أمره في اجتناب أكل الأموال بالباطل فإنه محرم بكل حال لا يباح في وقت من الأوقات. وقوله ﷺ : "وللصائم فرحتان: فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه". أما فرحة الصائم عند فطره فإن النفوس مجبولة على الميل إلى ما يلائمها من مطعم ومشرب ومنكح فإذا منعت من ذلك في وقت من الأوقات ثم أبيح لها في وقت آخر فرحت بإباحة ما منعت منه خصوصا عند اشتداد الحاجة إليه فإن النفوس تفرح بذلك طبعا فإن كان ذلك محبوبا لله كان محبوبا شرعا والصائم عند فطره كذلك فكما أن الله تعالى حرم على الصائم في نهار الصيام تناول هذه الشهوات فقد أذن له فيها في ليل الصيام بل أحب منه المبادرة إلى تناولها في أول الليل وآخره فأحب عباده إليه أعجلهم فطرا والله وملائكته يصلون على المتسحرين فالصائم ترك شهواته لله بالنهار تقربا إلى الله وطاعة له ويبادر إليها في الليل تقربا إلى الله وطاعة له فما تركها إلا بأمر ربه ولا عاد إليها إلا بأمر ربه فهو مطيع له في الحالين ولهذا نهى عن الوصال في الصيام فإذا بادر الصائم إلى الفطر تقربا إلى مولاه وأكل وشرب وحمد الله فإنه يرجى له المغفرة أو بلوغ الرضوان بذلك. وفي الحديث: "إن الله ليرضى عن عبده أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها" وربما استجيب دعاؤه عند ذلك كما جاء في

стр. 154

الحديث المرفوع الذي خرجه ابن ماجه: " إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد" وإن نوى بأكله وشربه تقوية بدنه على القيام والصيام كان مثابا على ذلك كما أنه إذا نوى بنومه في الليل والنهار التقوى على العمل كان نومه عبادة. وفي حديث مرفوع: "نوم الصائم عبادة" قالت حفصة بنت سيرين: قال أبو العالية: الصائم في عبادة ما لم يغتب أحدا وإن كان نائما على فراشه فكانت حفصة تقول: يا حبذا عبادة وأنا نائمة على فراشي خرجه عبد الرزاق فالصائم في ليله ونهاره في عبادة ويستجاب دعاؤه في صيامه وعند فطره فهو في نهاره صائم صابر وفي ليله طاعم شاكر وفي الحديث الذي خرجه الترمذي وغيره: "الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر" ومن فهم هذا الذي أشرنا إليه لم يتوقف في معنى فرح الصائم عند فطره فإن فطره على الوجه المشار إليه من فضل الله ورحمته فيدخل في قول الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨] ولكن شرط ذلك أن يكون فطره على حلال فإن كان فطره على حرام كان ممن صام عما أحل الله وأفطر على ما حرم الله ولم يستجب له دعاء كما قال النبي ﷺ في الذي يطيل السفر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك. وأما فرحه عند لقاء ربه: فيما يجده عند الله من ثواب الصيام مدخرا فيجده أحوج ما كان إليه كما قال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً﴾ [المزمل: ٢٠] وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً﴾ [آل عمران: ٣٠] وقال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧, ٨] وقد تقدم قول ابن عيينة: أن ثواب الصيام لا يأخذه الغرماء في المظالم بل يدخره الله عنده للصائم حتى يدخله به الجنة وفي المسند عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: "ليس من عمل يوم إلا يختم عليه" وعن عيسى ﵇ قال: إن هذا الليل والنهار خزانتان فانظروا ما تضعون فيهما فالأيام خزائن للناس ممتلئة بما خزنوه فيها من خير وشر وفي يوم القيامة تفتح هذه الخزائن لأهلها فالمتقون يجدون في خزائنهم العز والكرامة والمذنبون يجدون في خزائنهم الحسرة والندامة. والصائمون على طبقتين: إحداهما: من ترك طعامه وشرابه وشهوته لله تعالى يرجو عنده عوض ذلك.

стр. 155

في الجنة فهذا قد تاجر مع الله وعامله والله تعالى ﴿لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ [الكهف: ٣٠] ولا يخيب معه من عامله بل يربح عليه أعظم الربح وقال رسول الله ﷺ : "إنك لن تدع شيئا اتقاء الله إلا أتاك الله خيرا منه" خرجه الإمام أحمد فهذا الصائم يعطى في الجنة ما شاء الله من طعام وشراب ونساء قال الله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤] قال مجاهد وغيره: نزلت في الصائمين قال يعقوب بن يوسف الحنفي: بلغنا أن الله تعالى يقول لأوليائه يوم القيامة: يا أوليائي طالما نظرت إليكم في الدنيا وقد قلصت شفاهكم عن الأشربة وغارت أعينكم وجفت بطونكم كونوا اليوم في نعيمكم وتعاطوا الكأس فيما بينكم: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤] وقال الحسن: تقول الحوراء لولي الله وهو متكىء معها على نهر العسل تعاطيه الكأس: إن نظر إليك في يوم صائف بعيد ما بين الطرفين وأنت في ظمأها حرة من جهد العطش فباهى بك الملائكة وقال: انظروا إلى عبدي ترك زوجته وشهوته ولذته وطعامه وشرابه من أجلي رغبة فيما عندي اشهدوا إني قد غفرت له فغفر لك يومئذ وزوجنيك. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: " إن في الجنة بابا يقال له الريان يدخل منه الصائمون لا يدخل منه غيرهم" وفي رواية: "فإذا دخلوا أغلق" وفي رواية: "من دخل منه شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا" وفي حديث عبد الرحمن بن سمرة عن النبي ﷺ في منامه الطويل قال: "ورأيت رجلا من أمتي يلهث عطشا كلما ورد حوضا منع منه فجاءه صيام رمضان فسقاه وأرواه" خرجه الطبراني وغيره وروى ابن أبي الدنيا بإسناد فيه ضعف عن أنس مرفوعا: "الصائمون ينفح من أفواههم ريح المسك ويوضع لهم مائدة تحت العرش يأكلون منها والناس في الحساب" وعن أنس موقوفا: "إن لله مائدة لم تر مثلها عين ولم تسمع أذن ولا خطر على قلب بشر لا يقعد عليها إلا الصائمون". وعن بعض السلف قال: بلغنا أنه يوضع للصوام مائدة يأكلون عليها والناس في الحساب فيقولون: يا رب نحن نحاسب وهم يأكلون فيقال: إنهم طالما صاموا وأفطرتم وقاموا ونمتم رأى بعضهم بشر بن الحارث في المنام وبين يديه مائدة وهو يأكل ويقال له: كل يا من لم يأكل واشرب يا من لم يشرب كان بعض الصالحين قد صام حتى انحنى وانقطع صوته فمات فرآه بعض أصحابه في المنام فسأله عن حاله فضحك وأنشد:

стр. 156

قد كسي حلة البهاء وطافت ... بالأباريق حوله الخدام ثم حلى وقيل يا قاريء ارقه ... فلعمري لقد براك الصيام اجتاز بعض الصالحين بمناد ينادي على السحور في رمضان: يا ما خبأنا للصوام فتنبه بهذه الكلمة وأكثر من الصيام رأى بعض العارفين في منامه كأنه أدخل الجنة فسمع قائلا يقول له: هل تذكر أنك صمت لله يوما قط فقال: نعم قال فأخذتني صوانيء النار من الجنة من ترك لله في الدنيا طعاما وشرابا وشهوة مدة يسيرة عوضه الله عنده طعاما وشرابا لا ينفذ وأزواجا لا يمتن أبدا. شهر رمضان فيه يزوج الصائمون في الحديث: " إن الجنة لتزخرف وتنجد من الحول إلى الحول لدخول رمضان فتقول الحور: يا رب اجعل لنا في هذا الشهر من عبادك أزواجا تقر أعيننا بهم وتقر أعينهم بنا" وفي حديث آخر "أن الحور ينادين في شهر رمضان: هل من خاطب إلى الله فنزوجه" مهور الحور العين: طول التهجد وهو حاصل في رمضان أكثر من غيره كان بعض الصالحين كثير التهجد والصيام فصلى ليلة في المسجد ودعا فغلبته عيناه فرأى في منامه جماعة علم أنهم ليسوا من الآدميين بأيديهم أطباق عليها أرغفة بياض الثلج فوق كل رغيف در كأمثال الرمان فقالوا: كل فقال إني أريد الصوم قالوا له يأمرك صاحب هذا البيت أن تأكل قال: فأكلت وجعلت آخذ ذلك الدر لاحتمله فقالوا له: دعه نغرسه لك شجرا ينبت لك خيرا من هذا قال: أين؟ قالوا: في دار لا تخرب وثمر لا يتغير وملك لا ينقطع وثياب لا تبلى فيها رضوى وعينا وقرة أعين أزواج رضيات مرضيات راضيات لا يغرن ولا يغرن فعليك بالإنكماش فيما أنت فإنما هي غفوة حتى ترتحل فتنزل الدار فما مكث بعد هذه الرؤيا إلا جمعتين حتى توفي فرآه ليلة وفاته في المنام بعض أصحابه الذين حدثهم برؤياه وهو يقول: لا تعجب من شجر غرس لي في يوم حدثتك وقد حمل فقال له: ما حمل؟ قال: لا تسأل لا يقدر أحد على صفته لم ير مثل الكريم إذا حل به مطيع. يا قوم ألا خاطب في هذا الشهر إلى الرحمن ألا راغب فيما أعده الله للطائعين في الجنان ألا طالب لما أخبر به من النعيم المقيم مع أنه ليس الخبر كالعيان. من يرد ملك الجنان ... فليدع عنه التواني

стр. 157

وليقم في ظلمة الليل ... إلى نور القرآن وليصل صوما بصوم ... إن هذا العيش فاني إنما العيش جوار الله ... في دار الأمان الطبقة الثانية من الصائمين: من يصوم في الدنيا عما سوى الله فيحفظ الرأس وما حوى ويحفظ البطن وما وعى ويذكر الموت والبلى ويريد الآخرة فيترك زينة الدنيا فهذا عيد فطره يوم لقاء ربه وفرحه برؤيته: أهل الخصوص من الصوام صومهم ... صون اللسان عن البهتان والكذب والعارفون وأهل الإنس صومهم ... صون القلوب عن الأغيار والحجب العارفون لا يسليهم عن رؤية مولاهم قصر ولا يرويهم دون مشاهدته نهر هممهم أجل من ذلك: كبرت همة عبد ... طمعت في أن تراك من يصم عن مفطرات ... فصيامي عمن سواك من صام عن شهواته في الدنيا أدركها غدا في الجنة ومن صام عما سوى الله فعيده يوم لقائه ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥] . وقد صمت عن لذات دهري كلها ... ويوم لقاكم ذاك فطر صيامي رؤي بشر في المنام فسئل عن حاله؟ فقال: علم قلة رغبتي في الطعام فأباحني النظر إليه وقيل لبعضهم: أين نطلبك في الآخرة؟ قال: في زمرة الناظرين إلى الله قيل له: كيف علمت ذلك؟ قال: بغض طرفي له عن كل محرم وباجتنابي فيه كل منكر ومأثم وقد سألته أن يجعل جنتي النظر إليه. يا حبيب القلوب مالي سواكا ... ارحم اليوم مذنبا قد أتاكا "ليس لي في الجنان مولاي رأي ... غير أني أريدها لأراكا يا معشر التائبين صوموا اليوم عن شهوات الهوى لتدركوا عيد الفطر يوم اللقاء لا يطولن عليكم الأمل باستبطاء الأجل فإن معظم نهار الصيام قد ذهب وعيد اللقاء قد اقترب. إن يوما جامعا شملي بهم ... ذاك عيدي ليس لي عيد سواه وقوله: "ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك": خلوف الفم:

стр. 158

رائحة ما يتصاعد منه من الأبخرة لخلو المعدة من الطعام بالصيام وهي رائحة مستكرهة في مشام الناس في الدنيا لكنها طيبة عند الله حيث كانت ناشئة عن طاعته وابتغاء مرضاته كما أن دم الشهيد يجيء يوم القيامة يثغب دما لونه لون الدم وريحه ريح المسك وبهذا استدل من كره السواك للصائم أو لم يستحبه من العلماء وأول من علمناه استدل بذلك عطاء بن أبي رباح وروي عن أبي هريرة: أنه استدل به لكن من وجه لا يثبت وفي المسألة خلاف مشهور بين العلماء وإنما كرهه من كرهه في آخر نهار الصوم لأنه وقت خلو المعدة وتصاعد الأبخرة وهل وقت الكراهة بصلاة العصر؟ أو بزوال الشمس؟ أو بفعل صلاة الظهر في أول وقتها؟ على أقوال ثلاثة: والثالث: هو المنصوص عن أحمد. وفي طيب ريح خلوف الصائم عند الله معنيان: أحدهما: أن الصيام لما كان سرا بين العبد وبين ربه في الدنيا أظهره الله في الآخرة علانية للخلق ليشتهر بذلك أهل الصيام ويعرفون بصيامهم بين الناس جزاء لإخفائهم صيامهم في الدنيا وروى أبو الشيخ الأصبهاني بإسناد فيه ضعف عن أنس مرفوعا: "يخرج الصائمون من قبورهم يعرفون بريح أفواههم أفواههم أطيب من ريح المسك". قال مكحول: يروح أهل الجنة برائحة فيقولون: ربنا ما وجدنا ريحا منذ دخلنا الجنة أطيب من هذه الريح فيقال: هذه رائحة أفواه الصوام وقد تفوح رائحة الصيام في الدنيا وتستنشق قبل الآخرة وهو نوعان: أحدهما: ما يدرك بالحواس الظاهرة كان عبد الله بن غالب من العباد المجتهدين في الصلاة والصيام فلما دفن كان يفوح من تراب قبره رائحة المسك فرؤي في المنام فسئل عن تلك الرائحة التي توجد من قبره فقال: تلك رائحة التلاوة والظمأ. والنوع الثاني: ما تستنشقه الأرواح والقلوب فيوجب ذلك للصائمين المخلصين المودة والمحبة في قلوب المؤمنين وحديث الحارث الأشعري عن النبي ﷺ : "أن زكريا ﵇ قال لبني إسرائيل: آمركم بالصيام فإن مثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرة فيها مسك فكلهم تعجبه ريحه وأن ريح الصيام أطيب عند الله من ريح المسك" خرجه الترمذي وغيره. لما كان أمر المخلصين بصيامهم لمولاهم سرا بينه وبينهم أظهر الله سرهم لعباده فصار علانية فصار هذا التجلي والإظهار جزاء لذلك الصون والإسرار في

стр. 159

الحديث: "ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه الله رداءها علانية" قال يوسف بن إسباط: أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء قل لقومك يخفون لي أعمالهم وعلي إظهارها لهم. تذلل أرباب الهوى في الهوى عز ... وفقرهم نحو الحبيب هو الكنز وسترهم فيه السرائر شهرة ... وغير تلاف النفس فيه هو العجز والمعنى الثاني: أن من عبد الله وأطاعه وطلب رضاه في الدنيا بعمل فنشأ من عمله آثار مكروهة للنفوس في الدنيا فإن تلك الآثار غير مكروهة عند الله بل هي محبوبة له وطيبة عنده لكونها نشأت عن طاعته واتباع مرضاته فإخباره بذلك للعاملين في الدنيا فيه تطبيب لقلوبهم لئلا يكره منهم ما وجد في الدنيا قال بعض السلف: وعد الله موسى ثلاثين ليلة أن يكلمه على رأسها فصام ثلاثين يوما ثم وجد من فيه خلوفا فكره أن يناجي ربه على تلك الحال فأخذ سواكا فاستاك به فلما أتى لموعد الله إياه قال له: يا موسى أما علمت إن خلوف فم الصائم أطيب عندنا من ريح المسك ارجع فصم عشرة أخرى ولهذا المعنى كان دم الشهيد ريحه يوم القيامة كريح المسك وغبار المجاهدين في سبيل الله ذريرة أهل الجنة. ورد في حديث مرسل: "كل شيء ناقص في عرف الناس في الدنيا حتى إذا انتسب إلى طاعته ورضاه فهو الكامل في الحقيقة خلوف أفواه الصائمين له أطيب من ريح المسك" عري المحرمين لزيارة بيته أجمل من لباس الحلل نوح المذنبين على أنفسهم من خشيته أفضل من التسبيح انكسار المخبتين لعظمته هو الجبر ذل الخائفين من سطوته هو العز تهتك المحبين في محبته أحسن من الستر بذل النفوس للقتل في سبيله هو الحياة جوع الصائمين لأجله هو الشبع عطشهم في طلب مرضاته هو الري نصب المجتهدين في خدمته هو الراحة. ذل الفتى في الحب مكرمة ... وخضوعه لحبيبه شرف هبت اليوم على القلوب نفحة من نفحات نسيم القرب سعى سمسار المواعظ للمهجورين في الصلح وصلت البشارة للمنقطعين بالوصل وللمذنبين بالعفو والمستوجبين النار بالعتق لما سلسل الشيطان في شهر رمضان وخمدت نيران الشهوات بالصيام انعزل سلطان الهوى وصارت الدولة لحاكم العقل بالعدل فلم يبق للعاصي عذر يا غيوم الغفلة عن القلوب تقشعي يا شموس التقوى والإيمان اطلعي يا صحائف أعمال الصائمين ارتفعي يا قلوب الصائمين اخشعي.

стр. 160

يا أقدام المتهجدين اسجدي لربك واركعي يا عيون المجتهدين لا تهجعي يا ذنوب التائبين لا ترجعي يا أرض الهوى ابلعي ماءك ويا سماء النفوس أقلعي يا بروق العشاق للعشاق المعي يا خواطر العارفين ارتعي يا همم المحبين بغير الله لا تقنعي يا جنيد اطرب يا شبلي احضر يا رابعة اسمعي قد مدت في هذه الأيام موائد الإنعام للصوام فما منكم إلا من دعي: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الاحقاف: ٣١] ويا همم المؤمنين اسرعي فطوبى لمن أجاب فأصاب وويل لمن طرد عن الباب وما دعي. ليت شعري إن جئتهم يقبلوني ... أم تراهم عن بابهم يصرفوني أم تراني إذا وقفت لديهم ... يأذنوا بالدخول أم يطردوني

стр. 161

المجلس الثاني في فضل الجود في رمضان وتلاوة القرآن . في الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن وكان جبريل يلقاه كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فرسول الله ﷺ حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة وخرجه الإمام أحمد بزيادة في آخره وهي: لا يسأل عن شيء إلا أعطاه الجود: هو سعة العطاء وكثرته والله تعالى يوصف بالجود وفي الترمذي من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ : "إن الله جواد يحب الجود كريم يحب الكرم" وفيه أيضا من حديث أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ : عن ربه قال: "يا عبادي لو أن أولكم وأخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم اجتمعوا في صعيد واحد فسأل كل إنسان منكم ما بلغت أمنيته فأعطيت كل سائل منكم ما نقص ذلك من ملكي إلا كما لو أن أحدكم مر بالبحر فغمس فيه إبرة ثم رفعها إليه ذلك بأني جواد واجد ماجد أفعل ما أريد عطائي كلام وعذابي كلام إنما أمري لشيء إذا أردت أن أقول له: كن فيكون". وفي الأثر المشهور عن فضيل بن عياض: أن الله تعالى يقول كل ليلة: أنا الجواد ومني الجود أنا الكريم ومني الكرم فالله أجود الأجودين،

стр. 162

وجوده يتضاعف في أوقات خاصة كشهر رمضان وفيه أنزل قوله ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] . وفي الحديث الذي خرجه الترمذي وغيره: "أنه ينادي فيه مناديا يا باغي الخير هلم ويا باغي الشر أقصر" ولله عتقاء من النار وذلك في كل ليلة ولما كان الله قد جب نبيه ﷺ على أكمل الأخلاق وأشرفها كما في حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" وذكره مالك في الموطأ بلاغا: فكان رسول الله ﷺ أجود الناس كلهم. وخرج ابن عدي بإسناد فيه ضعف من حديث أنس مرفوعا: "ألا أخبركم بالأجود الأجود الله الأجود الأجود وأنا أجود بني آدم وأجودهم من بعدي رجل علم علما فنشر علمه يبعث يوم القيامة أمة وحده ورجل جاد بنفسه في سبيل الله" فدلك هذا على أنه ﷺ أجود بني آدم على الإطلاق كما أنه أفضلهم وأعلمهم وأشجعهم وأكملهم في جميع الأوصاف الحميدة وكان جوده بجميع أنواع الجود من بذل العلم والمال وبذل نفسه لله تعالى في إظهار دينه وهداية عباده وإيصال النفع إليهم بكل طريق من إطعام جائعهم ووعظ جاهلهم وقضاء حوائجهم وتحمل أثقالهم ولم يزل ﷺ على هذه الخصال الحميدة منذ نشأ ولهذا قالت له خديجة في أول مبعثه: والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتقري الضيف وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق ثم تزايدت هذه الخصال فيه بعد البعثة وتضاعفت أضعافا كثيرة. وفي الصحيحين عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وأشجع الناس وأجود الناس وفي صحيح مسلم عنه قال: ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئا إلا أعطاه فجاء رجل فأعطاه غنما بين جبلين فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة وفي رواية: أن رجلا سأل النبي ﷺ غنما بين جبلين فأعطاه إياه فأتى قومه فقال: "يا قوم أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء ما يخاف الفقر" قال أنس: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يمسي حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها وفيه أيضا عن صفوان بن أمية قال: لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وأنه لمن أبغض الناس إلي فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي قال ابن شهاب: أعطاه يوم حنين مائة من النعم ثم مائة ثم مائة وفي مغازي الواقدي: أن النبي ﷺ أعطى صفوان يومئذ واديا مملوء إبلا ونعما فقال صفوان: أشهد ما طابت بهذا إلا نفس نبي.

стр. 163

وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم: أن الأعراب علقوا بالنبي ﷺ مرجعه من حنين يسألونه أن يقسم بينهم فقال: "لو كان لي عدد هذه العضاة نعما لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا" وفيهما عن جابر قال: ما سئل رسول الله ﷺ شيئا فقال: لا وإنه قال لجابر: "لو جاءنا مال البحرين لقد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا" وقال: بيديه جميعا وخرج البخاري من حديث سهل بن سعد: إن شملة أهديت للنبي ﷺ فلبسها وهو محتاج إليها فسأله إياها رجل فأعطاه فلامه الناس وقالوا: كان محتاجا إليها وقد علمت أنه لا يرد سائلا فقال: إنما سألتها لتكون كفني فكانت كفنه. وكان جوده ﷺ كله لله وفي ابتغاء مرضاته فإنه كان يبذل المال إما لفقير أو محتاج أو ينفقه في سبيل الله أو يتألف به على الإسلام من يقوي الإسلام بإسلامه وكان يؤثر على نفسه وأهله وأولاده فيعطي عطاء يعجز عنه الملوك مثل كسرى وقيصر ويعيش في نفسه عيش الفقراء فيأتي عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع وكان قد أتاه صبي مرة فشكت إليه فاطمة ما تلقي من خدمة البيت وطلبت منه خادما يكفيها مؤنة بيتها فأمرها أن تستعين بالتسبيح والتكبير والتحميد عند نومها وقال: "لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوي بطونهم من الجوع" وكان جوده ﷺ يتضاعف في شهر رمضان على غيره من الشهور كما أن جود ربه تضاعف فيه أيضا فإن الله جبله على ما يحبه من الأخلاق الكريمة وكان على ذلك من قبل البعثة. وذكر ابن إسحاق عن وهب بن كيسان عن عبيد بن عمير قال: كان رسول الله ﷺ يجاور في حراء من كل سنة شهرا يطعم من جاءه من المساكين حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله به ما أراد من كرامته من السنة التي بعثه فيها وذلك الشهر شهر رمضان خرج إلى حراء كما يخرج لجواره معه أهله حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله تعالى برسالته ورحم العباد بها جاءه جبريل من الله ثم كان بعد الرسالة جوده في رمضان أضعاف ما كان قبل ذلك فإنه كان يلتقي هو وجبريل ﵇ وهو أفضل الملائكة وأكرمهم ويدارسه الكتاب الذي جاء به إليه وهو أشرف الكتب وأفضلها وهو يحث على الإحسان ومكارم الأخلاق. وقد كان رسول الله ﷺ هذا الكتاب له خلقا بحيث يرضى لرضاه ويسخط لسخطه ويسارع إلى ما حث عليه ويمتنع مما زجر عنه فلهذا كان يتضاعف جوده.

стр. 164

وإفضاله في هذا الشهر لقرب عهده بمخالطة جبريل ﵇ وكثرة مدارسته له هذا الكتاب الكريم الذي يحث على المكارم والجود ولا شك إن المخالطة تؤثر وتورث أخلاقا من المخالطة كان بعض الشعراء قد امتدح ملكا جوادا فأعطاه جائزة سنية فخرج بها من عنده وفرقها كلها على الناس فأنشد: لمست بكفي كفه أبتغي الغنا ... ولم أدر أن الجود من كفه يعدي فبلغ ذلك الملك فأضعف له الجائزة وقد قال بعض الشعراء يمتدح بعض الأجواد ولا يصلح أن يكون ذلك إلا لرسول الله ﷺ . تعود بسط الكف حتى لو أنه ... ثناها لقبض لم تجبه أنامله تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك تعطيه الذي أنت سائله هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحله ولو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها فليتق الله سائله سمع الشبلي قائلا يقول: يا الله يا جواد فتأوه وصاح وقال: كيف يمكنني أن أصف الحق بالجود ومخلوق يقول في شكله فذكر هذه الأبيات ثم بكى وقال: بلى يا جواد فإنك أوجدت تلك الجوارح وبسطت تلك الهمم فأنت الجواد كل الجود فإنهم يعطون عن محدود وعطائك لأحد له ولا صفة فيا جوادا يعلو كل جواد وبه جاد كل من جاد. وفي تضاعف جوده ﷺ في شهر رمضان بخصوصه فوائد كثيرة: منها: شرف الزمان ومضاعفة أجر العمل فيه وفي الترمذي عن أنس مرفوعا: "أفضل الصدقة صدقة رمضان". ومنها إعانة الصائمين والقائمين والذاكرين على طاعتهم فيستوجب المعين لهم مثل أجرهم كما أن من جهز غازيا فقد غزا ومن خلفه في أهله فقط غزا وفي حديث زيد بن خالد عن النبي ﷺ قال: "من فطر صائما فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء" خرجه الإمام أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجه وخرجه الطبراني من حديث عائشة وزاد: "وما عمل الصائم من أعمال البر إلا كان لصاحب الطعام ما دام قوة الطعام فيه" وخرج ابن خزيمة في صحيحه من حديث سلمان مرفوعا حديثا في فضل شهر رمضان وفيه: "وهو شهر المواساة وشهر يزاد فيه في رزق المؤمن من فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء" قالوا: يا.

стр. 165

رسول الله ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم؟ قال: "يعطي الله هذا الثواب لمن فطر صائما على مذقة لبن أو تمرة أو شربة ماء ومن أشبع فيه صائما سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة". ومنها: أن شهر رمضان شهر يجود الله فيه على عباده بالرحمة والمغفرة والعتق من النار لا سيما في ليلة القدر والله تعالى يرحم من عباده الرحماء كما قال ﷺ : "إنما يرحم الله من عباده الرحماء" فمن جاد على عباد الله جاد الله عليه بالعطاء والفضل والجزاء من جنس العمل. ومنها: أن الجمع بين الصيام والصدقة من موجبات الجنة كما في حديث علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إن في الجنة غرفا الجنة غرفا يرى ظهورها من بطونها من ظهورها قالوا: لمن هي يا رسول الله؟ قال: لمن طيب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى بالليل والناس نيام" وهذه الخصال كلها تكون في رمضان فيجتمع فيه للمؤمن الصيام والقيام والصدقة وطيب الكلام فإنه ينهى فيه الصائم عن اللغو والرفث. والصيام والصلاة والصدقة توصل صاحبها إلى الله قال بعض السلف: الصلاة توصل صاحبها إلى نصف الطريق والصيام يوصله إلى باب الملك والصدقة تأخذ بيده فتدخله على الملك وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " من أصبح منكم اليوم صائما؟ قال أبو بكر: أنا قال: من تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا قال: من تصدق بصدقة؟ قال أبو بكر: أنا قال: "فمن عاد منكم مريضا"؟ قال أبو بكر: أنا قال: "ما اجتمعن في امرىء إلا دخل الجنة". ومنها: أن الجمع بين الصيام والصدقة أبلغ في تفكير الخطايا واتقاء جهنم والمباعدة عنها وخصوصا إن ضم إلى ذلك قيام الليل فقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الصيام جنة" وفي رواية: "جنة أحدكم من النار كجنته من القتال" وفي حديث معاذ عن النبي ﷺ قال: "الصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النار وقيام الرجل من جوف الليل يعني أنه يطفىء الخطيئة" أيضا وقد صرح بذلك في رواية الإمام أحمد وفي الحديث الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "اتقوا النار ولو بشق تمرة" كان أبو الدرداء يقول: صلوا في ظلمة الليل ركعتين لظلمة القبور صوموا يوما شديدا حره لحر يوم النشور تصدقوا بصدقة لشر يوم عسير. ومنها: أن الصيام لا بد أن يقع فيه خلل أو نقص وتكفير الصيام للذنوب.

стр. 166

مشروط بالتحفظ مما نبغي التحفظ منه كما ورد ذلك في حديث خرجه ابن حبان في صحيحه وعامة صيام الناس لا يجتمع في صومه التحفظ كما ينبغي ولهذا نهى أن يقول الرجل: صمت رمضان كله أو قمته كله فالصدقة تجبر ما فيه من النقص والخلل ولهذا وجب في آخر شهر رمضان زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث والصيام والصدقة لهما مدخل في كفارات الإيمان ومحظورات الإحرام وكفارة الوطء في رمضان ولهذا كان الله تعالى قد خير المسلمين في ابتداء الأمر بين الصيام وإطعام المسكين ثم نسخ ذلك وبقي الإطعام لمن يعجز عن الصيام لكبره ومن أخر قضاء رمضان حتى أدركه رمضان آخر فإنه يقضيه ويضم إليه إطعام مسكين لكل يوم تقوية له عند أكثر العلماء كما أفتى به الصحابة وكذلك من أفطر لأجل غيره كالحامل والمرضع على قول طائفة من العلماء. ومنها: أن الصائم يدع طعامه وشرابه لله فإذا أعان الصائمين على التقوي على طعامهم وشرابهم كان بمنزلة من ترك شهوة لله وآثر بها أو واسى منها ولهذا يشرع له تفطير الصوام معه إذا أفطر لأن الطعام يكون محبوبا له حينئذ فيواسي منه حتى يكون من أطعم الطعام على حبه ويكون في ذلك شكر لله على نعمة إباحة الطعام والشراب له ورده عليه بعد منعه إياه فإن هذه النعمة إنما عرف قدرها عند المنع منها وسئل بعض السلف: لم شرع الصيام؟ قال: ليذوق الغني طعم الجوع فلا ينسى الجائع وهذا من بعض حكم الصوم وفوائده وقد ذكرنا فيما تقدم حديث سلمان وفيه: "وهو شهر المواساة" فمن لم يقدر فيه على درجة الإيثار على نفسه فلا يعجز عن درجة أهل المواساة كان كثير من السلف يواسون من إفطارهم أو يؤثرون به ويطوون كان ابن عمر يصوم ولا يفطر إلا مع المساكين فإذا منعه أهله عنهم لم يتعش تلك الليلة وكان إذا جاءه سائل وهو على طعامه أخذ نصيبه من الطعام وقام فأعطاه السائل فيرجع وقد أكل أهله ما بقي في الجفنة فيصبح صائما ولم يأكل شيئا. واشتهى بعض الصالحين من السلف طعاما وكان صائما فوضع بين يديه عند فطوره فسمع سائلا يقول: من يقرض الملي الوفي الغني؟ فقال عبده المعدم من الحسنات فقام فأخذ الصحفة فخرج بها إليه وبات طاويا وجاء سائل إلى الإمام أحمد فدفع إليه رغيفين كان يعدهما لفطره ثم طوى وأصبح صائما وكان الحسن يطعم إخوانه وهو صائم تطوعا ويجلس يروحهم وهم يأكلون وكان ابن المبارك يطعم إخوانه في السفر الألوان من الحلواء وغيرها وهو صائم سلام الله.

стр. 167

على تلك الأرواح رحمة الله على تلك الأشباح لم يبق إلا أخبار وآثار كم بين من يمنع الحق الواجب عليه وبين أهل الإيثار. لا تعرضن لذكرنا في ذكرهم ... ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد وله فوائد أخر قال الشافعي ﵁: أحب للرجل الزيادة في الجود في شهر رمضان اقتداء برسول الله ﷺ ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم ولتشاغل كثير منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم وكذا قال القاضي أبو يعلى وغيره من أصحابنا أيضا ودل الحديث أيضا على استحباب دراسة القرآن في رمضان والإجتماع على ذلك وعرض القرآن على من هو أحفظ له وفيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان وفي حديث فاطمة ﵍ عن أبيها ﷺ : أنه أخبرها أن جبريل عليه كان يعارضه القرآن كل عام مرة وأنه عارضه في عام وفاته مرتين وفي حديث ابن عباس أن المدارسة بينه وبين جبريل كان ليلا يدل على استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلا فإن الليل تنقطع فيه الشواغل ويجتمع فيه الهم ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر كما قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ [المزمل:٦] وشهر رمضان له خصوصية بالقرآن كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقد قال ابن عباس ﵄: إنه أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في ليلة القدر ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١] وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا﴾ [الدخان: ٣] وقد سبق عن عبيد بن عمير: أن النبي ﷺ بدىء بالوحي ونزول القرآن عليه في شهر رمضان. وفي المسند عن واثلة بن الأسقع عن النبي ﷺ : أنه قال: "نزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من شهر رمضان وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة من رمضان وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان". وقد كان النبي ﷺ : يطيل القراءة في قيام رمضان بالليل أكثر من غيره وقد صلى معه حذيفة ليلة في رمضان قال: فقرأ بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران لا يمر بآية تخويف إلا وقف وسأل فما صلى الركعتين حتى جاءه بلال فأذنه بالصلاة خرجه الإمام أحمد وخرجه النسائي وعنده أنه ما صلى إلا أربع ركعات. وكان عمر قد أمر أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما بالناس في شهر.

стр. 168

رمضان فكان القارىء يقرأ بالمائتين في ركعة حتى كانوا يعتمدون على العصى من طول القيام وما كانوا ينصرفون إلا عند الفجر وفي رواية: أنهم كانوا يربطون الحبال بين السواري ثم يتعلقون بها وروي أن عمر جمع ثلاثة قراء فأمر أسرعهم قراءة أن يقرأ بالناس ثلاثين وأوسطهم بخمس وعشرين وأبطأهم بعشرين ثم كان في زمن التابعين يقرؤون بالبقرة في قيام رمضان في ثمان ركعات فإن قرأ بها في اثنتي عشرة ركعة رأوا أنه قد خفف قال ابن منصور: سئل إسحاق بن راهوية كم يقرأ في قيام شهر رمضان فلم يرخص في دون عشر آيات فقيل له: إنهم لا يرضون؟ فقال: لا رضوا فلا تؤمنهم إذا لم يرضوا بعشر آيات، من البقرة ثم إذا صرت إلى الآيات الخفاف فبقدر عشر آيات من البقرة يعني في كل ركعة وكذلك كره مالك أن يقرأ دون عشر آيات. وسئل الإمام أحمد عما روي عن عمر كما تقدم ذكره في السريع القراءة والبطيء فقال: في هذا مشقة على الناس ولا سيما في هذه الليالي القصار وإنما الأمر على ما يحتمله الناس وقال أحمد لبعض أصحابه وكان يصلي بهم في رمضان: هؤلاء قوم ضعفى اقرأ خمسا ستا سبعا قال: فقرأت فختمت ليلة سبع وعشرين وقد روى الحسن: أن الذي أمره عمر أن يصلي بالناس كان يقرأ خمس آيات ست آيات وكلام الإمام أحمد يدل على أنه يراعي في القراءة حال المأمومين فلا يشق عليهم وقاله أيضا غيره من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم وقد روي عن أبي ذر أن النبي ﷺ قام بهم ليلة ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل وليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل فقالوا له: لو نفلتنا بقية ليلتنا فقال: "إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف كتب له بقية ليلته" خرجه أهل السنن وحسنه الترمذي وهذا يدل على أن قيام ثلث الليل ونصفه يكتب به قيام ليلة لكن مع الإمام وكان الإمام أحمد يأخذ بهذا الحديث ويصلي مع الإمام حتى ينصرف ولا ينصرف حتى ينصرف الإمام. وقال بعض السلف: من قام نصف الليل فقد قام الليل وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: "من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ومن قام بمائة آية كتب من القانتين ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين" ـ يعني أنه كتب له قنطار من الأجر ـ ويروى من حديث تميم وأنس مرفوعا: "من قرأ بمائة آية في ليلة كتب له قيام ليلة" وفي إسنادهما ضعف وروي حديث تميم موقوفا عليه وهو أصح.

стр. 169

وعن ابن مسعود قال: من قرأ ليلة خمسين آية لم يكتب من الغافلين ومن قرأ بمائة آية كتب من القانتين ومن قرأ ثلاثمائة آية كتب له قنطار. ومن أراد أن يزيد في القراءة ويطيل وكان يصلي لنفسه فليطول ما شاء كما قاله النبي ﷺ وكذلك من صلى بجماعة يرضون بصلاته وكان بعض السلف يختم في قيام رمضان في كل ثلاث ليال وبعضهم في كل سبع منهم قتادة وبعضهم في كل عشرة منهم أبو رجاء العطاردي وكان السلف يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة وغيرها كان الأسود يقرأ في كل ليلتين في رمضان وكان النخعي يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصة وفي بقية الشهر في ثلاث وكان قتادة يختم في كل سبع دائما وفي رمضان في كل ثلاث وفي العشر الأواخر كل ليلة وكان للشافعي في رمضان ستون ختمة يقرؤها في غير الصلاة وعن أبي حنيفة نحوه وكان قتادة يدرس القرآن في شهر رمضان وكان الزهري إذا دخل رمضان قال: فإنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام. قال ابن عبد الحكم: كان مالك إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف قال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري: إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن وكانت عائشة ﵂ تقرأ في المصحف أول النهار في شهر رمضان فإذا طلعت الشمس نامت وقال سفيان: كان زبيد اليامي إذا حضر رمضان أحضر المصاحف وجمع إليه أصحابه وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان خصوصا الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر أو في الأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناما للزمان والمكان وهو قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة وعليه يدل عمل غيرهم كما سبق ذكره. واعلم أن المؤمن يجتمع له في شهر رمضان جهادان لنفسه: جهاد بالنهار على الصيام وجهاد بالليل على القيام فمن جمع بين هذين الجهادين ووفى بحقوقهما وصبر عليهما وفى أجره بغير حساب قال كعب ينادي يوم القيامة مناد بأن كل حارث يعطى بحرثه ويزاد غير أهل القرآن والصيام يعطون أجورهم بغير حساب ويشفعان له أيضا عند الله كما في المسند عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: "الصيام والقيام يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشراب بالنهار ويقول بالقرآن: منعته النوم بالنهار فشفعني فيه،

стр. 170

فيشفعان" فالصيام يشفع لمن منعه الطعام والشهوات المحرمة كلها سواء كان تحريمها يختص بالصيام كشهوة الطعام والشراب والنكاح ومقدماتها أو لا يختص كشهوة فضول الكلام المحرم والنظر المحرم والسماع المحرم والكسب المحرم فإذا منعه الصيام من هذه المحرمات كلها فإنه يشفع له عند الله يوم القيامة ويقول: يا رب منعته شهواته فشفعني فيه فهذا لمن حفظ صيامه ومنعه من شهواته. فأما من ضيع صيامه ولم يمنعه مما حرمه الله عليه فإنه جدير أن يضرب به وجه صاحبه ويقول له: ضيعك الله كما ضيعتني كما ورد مثل ذلك في الصلاة قال بعض السلف: إذا احتضر المؤمن يقال للملك: شم رأسه قال: أجد في رأسه القرآن فيقال شم قلبه فيقول: أجد في قلبه الصيام فيقال: شم قدميه فيقول: أجد في قدميه القيام فيقال: حفظ نفسه حفظه الله . وكذلك القرآن إنما يشفع لمن منعه من النوم بالليل فأما من قرأ القرآن وقام به فقد قام بحقه فيشفع له وقد ذكر النبي ﷺ رجلا فقال: "ذاك لا يتوسد القرآن" ـ يعني لا ينام عليه فيصير له كالوسادة ـ وخرج الإمام أحمد من حديث بريدة مرفوعا: "أن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حتى ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب فيقول: هل تعرفني أنا صاحبك الذي أظمأتك في الهواجر وأسهرت ليلك وكل تاجر من وراء تجارته فيعطي الملك بيمينه والخلد بشماله ويوضع على رأسه تاج الوقار ثم يقال له: اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها فهو في صعود ما دام يقرأ حدرا كان أو ترتيلا" وفي حديث عبادة بن الصامت الطويل: "إن القرآن يأتي صاحبه في القبر فيقول له: أنا الذي كنت أسهر ليلك وأظمىء نهارك وأمنعك شهوتك وسمعك وبصرك فستجدني من الأخلاء خليل صدق ثم يصعد فيسأل له فراشا ودثارا فيؤمر له بفراش من الجنة وقنديل من الجنة وياسمين من الجنة ثم يدفع القرآن في قبلة القبر فيوسع عليه ما شاء الله من ذلك". قال ابن مسعود: ينبغي لقارىء القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون ونهاره إذا الناس يفطرون وببكائه إذا الناس يضحكون وبورعه إذا الناس يخلطون وبصمته إذا الناس يخوضون وبخشوعه إذا الناس يختالون وبحزنه إذا الناس يفرحون. قال محمد بن كعب: كنا نعرف قارىء القرآن بصفرة لونه يشير إلى سهره وطول تهجده.

стр. 171

قال وهيب بن الورد: قيل لرجل ألا تنام؟ قال: إن عجائب القرآن أطرن نومي وصحب رجل رجلا شهرين فلم يره نائما فقال: مالي لا أراك نائما قال: إن عجائب القرآن أطرن نومي ما أخرج من أعجوبة إلا وقعت في أخرى. قال أحمد أبي الحواري: إني لأقرا القرآن وأنظر في آيه فيحير عقلي بها وأعجب من حفاظ القرآن كيف يهنيهم النوم ويسعهم أن يشغلوا بشيء من الدنيا وهم يتلون كلام الله وأما إنهم لو فهموا ما يتلون وعرفوا حقه وتلذذوا به واستحلوا المناجاة به لذهب عنهم النوم فرحا بما قد رزقوا أنشد ذو النون المصري: منع القرآن بوعده ووعيده ... مقل العيون بليلها لا تهجع فهموا عن الملك العظيم كلامه ... فهما تذل له الرقاب وتخضع فأما من كان معه القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل به بالنهار فإنه ينتصب القرآن خصما له يطالبه بحقوقه التي ضيعها وخرج الإمام أحمد من حديث سمرة: أن النبي ﷺ رأى في منامه رجلا مستلقيا على قفاه ورجل قائم بيده فهر أو صخرة فيشدخ به رأسه فيتدهده الحجر فإذا ذهب ليأخذه عاد رأسه كما كان فيصنع به مثل ذلك فسأل عنه؟ فقيل له: هذا رجل آتاه الله القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل به بالنهار فهو يفعل به ذلك إلى يوم القيامة وقد خرجه البخاري بغير هذا اللفظ. وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ : "يمثل القرآن يوم القيامة رجلا فيؤتى بالرجل قد حمله فخالف أمره فيتمثل له خصما فيقول: يا رب حملته إياي فبئس حامل تعدى حدودي وضيع فرائضي وركب معصيتي وترك طاعتي فما يزال يقذف عليه الحجج حتى يقال شأنك به فيأخذ بيده فما يرسله حتى يكبه على منخره في النار ويؤتى بالرجل الصالح كان قد حمله وحفظ أمره فيتمثل خصما دونه فيقول: يا رب حملته إياي فخير حامل حفظ حدودي وعمل بفرائضي واجتنب معصيتي واتبع طاعتي فلا يزال يقذف له بالحجج حتى يقال: شأنك به فيأخذه بيده فما يرسله حتى يلبسه حلة الإستبرق ويعقد عليه تاج الملك ويسقيه كأس الخمر" يا من ضيع عمره في غير الطاعة يا من فرط في شهره بل في دهره وأضاعه يا من بضاعته التسويف والتفريط وبئست البضاعة يا من جعل خصمه القرآن وشهر رمضان كيف ترجو ممن جعلته خصمك الشفاعة؟.

стр. 172

ويل لمن شفعاؤه خصماؤه ... والصور في يوم القيامة ينفخ رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش وقائم حظه من قيامه السهر كل قيام لا ينهى عن الفحشاء والمنكر لا يزيده صاحبه إلا بعدا وكل صيام لا يصان عن قول الزور والعمل به لا يورث صاحبه إلا مقتا وردا يا قوم أين آثار الصيام أين أنوار القيام. إن كنت تنوح يا حمام البان ... للبين فأين شاهد الأحزان أجفانك للدموع أم أجفاني ... لا يقبل مدع بلا برهان هذا عباد الله شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وفي بقيته للعابدين مستمتع وهذا كتاب الله يتلى فيه بين أظهركم ويسمع وهو القرآن الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعا يتصدع ومع هذا فلا قلب يخشع ولا عين تدمع ولا صيام يصان عن الحرام فينفع ولا قيام استقام فيرجى في صاحبه أن يشفع قلوب خلت من التقوى فهي خراب بلقع وتراكمت عليها ظلمة الذنوب فهي لا تبصر ولا تسمع كم تتلى علينا آيات القرآن وقلوبنا كالحجارة أو أشد قسوة وكم يتوالى علينا شهر رمضان وحالنا فيه كحال أهل الشقوة لا الشاب منا ينتهي عن الصبوة ولا الشيخ ينزجر عن القبيح فيلتحق بالصفوة أين نحن من قوم إذا سمعوا داعي الله أجابوا الدعوة وإذا تليت عليهم آيات الله جلت قلوبهم جلوة وإذا صاموا صامت منه الألسنة والأسماع والأبصار أفما لنا فيهم أسوة؟ كما بيننا وبين حال الصفا أبعد مما بيننا وبين الصفا والمروة كلما حسنت منا الأقوال ساءت الأعمال فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وحسبنا الله. يا نفس فاز الصالحون بالتقى ... وأبصروا الحق وقلبي قد عمي يا حسنهم والليل قد جنهم ... ونورهم يفوق نور الأنجم ترنموا بالذكر في ليلهم ... فعيشهم قد طاب بالترنم قلوبهم للذكر قد تفرغت ... دموعهم كلؤلؤ منتظم أسحارهم بهم لهم قد أشرقت ... وخلع الغفران خير القسم ويحك يا نفس ألا تيقظ ... ينفع قبل أن تزل قدمي مضى الزمان في ثوان وهوى ... فاستدركي ما قد بقي واغتنمي

стр. 173

المجلس الثالث في ذكر العشر الأوسط من شهر رمضان وذكر نصف الشهر الأخير . في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعتكف في العشر الأوسط من رمضان فاعتكف عاما حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين وهي التي يخرج في صبيحتها من اعتكافه قال: "من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر وقد أريت هذه الليلة ثم أنسيتها وقد رأيتني أسجد في ماء وطين من صبيحتها فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر" فمطرت السماء تلك الليلة وكان المسجد على عريش فوكف المسجد فبصرت عيناي رسول الله ﷺ على جبهته أثر الماء والطين من صبح إحدى وعشرين. هذا الحديث يدل على أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأوسط من شهر رمضان لابتغاء ليلة القدر فيه وهذا السياق يقتضي أن ذلك تكرر منه وفي رواية في الصحيحين في هذا الحديث: أنه اعتكف العشر الأول ثم اعتكف العشر الأوسط ثم قال: "إني أتيت فقيل لي: إنها في العشر الأواخر فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف" فاعتكف الناس معه وهذا يدل على أن ذلك كان منه قبل أن يتبين له أنها في العشر الأواخر ثم لما تبين له ذلك اعتكف العشر الأواخر حتى قبضه الله كما رواه عنه عائشة وأبو هريرة وغيرهما. وروي أن عمر جمع جماعة من الصحابة فسألهم عن ليلة القدر فقال بعضهم: كنا نراها في العشر الأوسط ثم بلغنا أنها في العشر الأواخر وسيأتي الحديث بتمامه في موضع آخر إن شاء الله وخرج ابن أبي عاصم في كتاب الصيام وغيره من حديث خالد بن محدوج عن أنس أن النبي ﷺ قال: "التمسوها في أول ليلة أو في تسع أو في أربع عشرة" وخالد هذا فيه ضعف وهذا يدل على: أنها تطلب في ليلتين من العشر الأول وفي ليلة من العشر الأوسط وهي أربع عشرة وقد سبق من حديث واثلة بن الأسقع مرفوعا: "أن الإنجيل أنزل لثلاث عشرة من رمضان" وقد ورد الأمر بطلب ليلة القدر في النصف الأواخر من رمضان وفي أفراد ما بقي من العشر الأوسط من هذا النصف وهما ليلتان ليلة سبع عشرة وليلة تسع عشرة.

стр. 174

أما الأول: فخرجه الطبراني من حديث عبد الله بن أنيس أنه سأل النبي ﷺ عن ليلة القدر فقال: " رأيتها ونسيتها فتحرها في النصف الأواخر" ثم عاد فسأله فقال: "التمسها في ليلة ثلاث وعشرين تمضي من الشهر" ولهذا المعنى والله أعلم كان أبي بن كعب يقنت في الوتر في ليالي النصف الأواخر لأنه يرجى فيه ليلة القدر وأيضا فكل زمان فاضل من ليل أو نهار فإن آخره أفضل من أوله كيوم عرفة ويوم الجمعة وكذلك الليل والنهار عموما آخره أفضل من أوله ولذلك كانت الصلاة الوسطى صلاة العصر كما دلت الأحاديث الصحيحة عليه وآثار السلف الكثيرة تدل عليه وكذلك عشر ذي الحجة والمحرم آخرهما أفضل من أولهما. وأما الثاني: ففي سنن أبي داود عن ابن مسعود مرفوعا: " اطلبوها ليلة سبع عشرة من رمضان وليلة إحدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين" ثم سكت وفي رواية ليلة تسع عشرة وقيل: إن الصحيح وقفه على ابن مسعود فقد صح عنه أنه قال: "تحروا ليلة القدر ليلة سبع عشرة صباحية بدرا وإحدى عشرين" وفي رواية عنه قال: "ليلة سبع عشرة فإن لم يكن ففي تسع عشرة". وخرج الطبراني من رواية أبي المهزم وهو ضعيف عن أبي هريرة مرفوعا قال: "التمسوا ليلة القدر في سبع عشرة أو تسع عشرة أو إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين أو سبع وعشرين أو تسع وعشرين" ففي الحديث التماسها في إفراد النصف الثاني كلها ويروى من حديث عائشة: أن النبي ﷺ كان إذا كان ليلة تسع عشرة من رمضان شد المئزر وهجر الفراش حتى يفطر قال البخاري تفرد به عمر بن مسكين ولا يتابع عليه وقد روي عن طائفة من الصحابة أنها تطلب ليلة سبع عشرة وقالوا: إن صبيحتها كان يوم بدر. روي عن علي وابن مسعود وزيد بن أرقم وزيد بن ثابت وعمرو بن حريث ومنهم من روي عنه أنها ليلة تسع عشرة روي عن علي وابن مسعود وزيد بن أرقم. والمشهور عند أهل السير والمغازي: أن ليلة بدر كانت ليلة سبع عشرة وكانت ليلة جمعة وروي ذلك عن علي وابن عباس وغيرهما وعن ابن عباس رواية ضعيفة أنها كانت ليلة الإثنين وكان زيد بن ثابت لا يحيى ليلة من رمضان كما يحيى ليلة سبع عشرة ويقول: إن الله فرق في صبيحتها بين الحق والباطل وأذل في صبيحتها أئمة الكفر وحكى الإمام أحمد هذا القول عن أهل المدينة: أن ليلة القدر تطلب ليلة سبع عشرة قال في رواية أبي داود فيمن قال لامرأته: أنت

стр. 175

طالق ليلة القدر قال: يعتزلها إذا أدخل العشر وقيل العشر أهل المدينة يرونها في السبع عشرة إلا أن المثبت عن النبي ﷺ في العشر الأواخر وحكي عن عامر بن عبد الله بن الزبير أنه كان يواصل ليلة سبع عشرة. وعن أهل مكة أنهم كانوا لا ينامون فيها ويعتمرون وحكي عن أبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة أن ليلة القدر في النصف الأواخر من رمضان من غير تعيين لها بليلة وإن كانت في نفس الأمر عند الله معينة وروي عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: ليلة القدر ليلة سبع عشرة ليلة جمعة خرجه ابن أبي شيبة وظاهره: أنها إنما تكون ليلة القدر إذا كانت ليلة جمعة لتوافق ليلة بدر وروى أبو الشيخ الأصبهاني بإسناد جيد عن الحسن قال: إن غلاما لعثمان بن أبي العاص قال له يا سيدي إن البحر يعذب في الشهر في ليلة القدر قال: فإذا كانت تلك الليلة فأعلمني قال: فلما كانت تلك الليلة أذنه فنظروا فوجدوه عذبا فإذا هي ليلة سبع عشرة وروي من حديث جابر قال: كان رسول الله ﷺ يأتي قباء صبيحة سبع عشرة من رمضان أي يوم كان خرجه أبو موسى المديني. وقد قيل: إن المعراج كان فيها أيضا ذكر ابن سعد عن الواقدي عن أشياخه أن المعراج كان ليلة السبت لسبع عشرة خلت من رمضان قبل الهجرة إلى السماء وأن الإسراء كان ليلة سبع عشرة من ربيع الأول قبل الهجرة بسنة إلى بيت المقدس وهذا على قول من فرق بين المعراج والإسراء فجعل المعراج إلى السماء كما ذكر في سورة النجم والإسراء إلى بيت المقدس خاصة كما ذكر في سورة سبحان وقد قيل: إن ابتداء نبوة النبي ﷺ كان في سابع عشر رمضان قال أبو جعفر محمد بن علي الباقر: نزل جبريل على رسول الله ﷺ ليلة السبت وليلة الأحد ثم ظهر له بحراء برسالة الله يوم الإثنين لسبع عشرة خلت من رمضان. وأصح ما روي في الحوادث في هذه الليلة أنها ليلة بدر كما سبق أنها كانت ليلة سبع عشرة وقيل تسع عشر والمشهور أنها كانت ليلة سبع عشرة كما تقدم وصبيحتها هو يوم الفرقان لأن الله تعالى فرق فيه بين الحق والباطل وأظهر الحق وأهله على الباطل وحزبه وعلت كلمة الله وتوحيده وذل أعداؤه من المشركين وأهل الكتاب وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة فإن النبي ﷺ قدم المدينة في ربيع الأول في أول سنة من سني الهجرة ولم يفرض رمضان في ذلك العام ثم صام عاشوراء وفرض عليه رمضان في ثاني

стр. 176

سنة فهو أول رمضان صامه وصامه المسلمون معه ثم خرج النبي ﷺ لطلب عير من قريش قدمت من الشام إلى المدينة في يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان وأفطر في خروجه إليها قال ابن المسيب قال عمر: غزونا مع رسول الله ﷺ غزوتين في رمضان يوم بدر ويوم الفتح وأفطرنا فيهما. وكان سبب خروجه حاجة أصحابه خصوصا المهاجرين: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨] وكانت هذه العير معها أموال كثيرة لأعدائهم الكفار الذين أخرجوهم من ديارهم وأموالهم ظلما وعدوانا كما قال الله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: ٣٩, ٤٠] الآية فقصد النبي ﷺ أن يأخذ أموال هؤلاء الظالمين المعتدين على أولياء الله وحزبه وجنده فيردها على أولياء الله وحزبه المظلومين المخرجين من ديارهم وأموالهم ليتقوا بها على عبادة الله وطاعته وجهاد أعدائه وهذا مما أحله الله لهذه الأمة فإنه أحل لهم الغنائم ولم تحل لأحد قبلهم وكان عدة أصحاب بدر ﵃ ثلاثمائة وبضعة عشر وكانوا على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر وما جاوزه معه إلا مؤمن وفي سنن أبي داود من حديث عبد الله بن عمرو قال: خرج رسول الله ﷺ يوم بدر في ثلاثمائة وخمسة عشر من المقاتلة كما خرج طالوت فدعا لهم رسول الله ﷺ حين خرجوا فقال: "اللهم إنهم حفاة فاحملهم وإنهم عراة فاكسهم وإنهم جياع فأشبعهم" ففتح الله يوم بدر فانقلبوا حين انقلبوا وما فيهم رجل إلا وقد رجع بجمل أو جملين واكتسوا وشبعوا وكان أصحاب النبي ﷺ حين خرجوا على غاية من قلة الظهر والزاد فإنهم لم يخرجوا مستعدين لحرب ولا لقتال إنما خرجوا لطلب العير فكان معهم نحو سبعين بعيرا يعتقبونها بينهم كل ثلاثة على بعير وكان للنبي ﷺ زميلان فكانوا يعتقبون على بعير واحد فكان زميلاه يقولان له اركب يا رسول الله حتى نمشي عنك فيقول: "ما أنتما بأقوى على المشي مني وقالا أنا بأغنى عن الأجر منكما" ولم يكن معهما إلا فرسان وقيل ثلاثة وقيل: فرس واحد للمقداد. وبلغ المشركين خروج النبي ﷺ لطلب العير فأخذ أبو سفيان بالعير نحو الساحل وبعث إلى مكة يخبرهم الخبر ويطلب منهم أن ينفروا لحماية عيرهم فخرجوا مستصرخين وخرج أشرافهم ورؤساؤهم وساروا نحو بدر واستشار النبي ﷺ المسلمين في القتال فتكلم المهاجرون فسكت عنهم وإنما كان قصده

стр. 177

الأنصار لأنه ظن أنهم لم يبايعوه إلا على نصرته على من قصده في ديارهم فقام سعد بن عبادة فقال: إيانا تريد ـ يعني الأنصار ـ والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا وقال له المقداد: لا نقول لك كما قال بني إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَا عِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ولكن نقاتل عن يمينك وشمالك وبين يديك ومن خلفك فسر النبي ﷺ بذلك وأجمع على القتال وبات تلك الليلة ليلة الجمعة سابع عشر رمضان قائما يصلي ويبكي ويدعو الله ويستنصره على أعدائه. وفي المسند عن علي بن أبي طالب قال: لقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله ﷺ تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح وفيه عنه أيضا قال: أصابنا طش من مطر يعني ليلة بدر فانطلقنا تحت الشجر والحجف نستظل بها من المطر وبات رسول الله ﷺ يدعو ربه ويقول: "إن تهلك هذه الفئة لا تعبد" فلما طلع الفجر نادى الصلاة عباد الله فجاء الناس من تحت الشجر والحجف فصلى بنا رسول الله ﷺ وحث على القتال وأمد الله تعالى نبيه ولمؤمنين بنصر من عنده وبجند من جنده كما قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ، وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٩, ١٠] وفي صحيح البخاري: أن جبريل قال للنبي ﷺ : ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: "من أفضل المسلمين" أو كلمة نحوها قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣] وقال: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] وروي أن النبي ﷺ لما رآهم قال: " اللهم إن هؤلاء قريش قد جاءت بخيلائها يكذبون رسولك فأنجز لي ما وعدتني" فأتاه جبريل فقال: خذ قبضة من تراب فارمهم بها فأخذ قبضة من حصباء الوادي فرمى بها نحوهم وقال شاهت الوجوه فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه ومنخره وفمه شيء ثم كانت الهزيمة وقال حكيم بن حزام: سمعنا يوم بدر صوتا وقع من السماء كأنه صوت حصاة على طست فرمى رسول الله ﷺ تلك الرمية فانهزمنا ولما قدم الخبر على أهل مكة قالوا لمن أتاهم بالخبر: كيف حال الناس قال: لا شيء والله إن كان إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلونا ويأسرونا كيف شاؤا وأيم الله مع ذلك ما لمت الناس لقينا رجالا على خيل بلق بين السماء والأرض ما يقوم لها شيء.

стр. 178

وقتل الله صناديد كفار قريش يومئذ منهم عتبة بن ربيعة وشيبة والوليد بن عتبة وأبو جهل وأسروا منهم سبعين وقصة بدر يطول استقصاؤها وهي مشهورة في التفسير وكتب الصحاح والسنن والمسانيد والمغازي والتواريخ وغيرها وإنما المقصود ههنا التنبيه على بعض مقاصدها وكان عدو الله إبليس قد جاء إلى المشركين في صورة سراقة بن مالك وكانت يده في يد الحارث بن هشام وجعل يشجعهم ويعدهم ويمنيهم فلما رأى الملائكة هرب وألقى نفسه في البحر وقد أخبر الله عن ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٤٨] وفي الموطأ حديث مرسل عن النبي ﷺ قال: "ما رؤي الشيطان أحقر ولا أدحر ولا أصغر من يوم عرفة إلا ما رأى يوم بدر قيل: ما رأى يوم بدر؟ قال: رأى جبريل يزع الملائكة". فإبليس عدو الله يسعى في إطفاء نور الله وتوحيده ويغري بذلك أولياءه من الكفار والمنافقين فلما عجز عن ذلك بنصر الله نبيه وإظهار دينه على الدين كله رضي بإلقاء الفتن بين المسلمين واجتزى منهم بمحقرات الذنوب حيث عجز عن ردهم عن دينهم كما قال النبي ﷺ : "إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم" خرجه مسلم من حديث جابر وخرج الإمام أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجه من حديث عمرو بن الأحوص قال: سمعت النبي ﷺ يقول في حجة الوداع: "ألا إن الشيطان قد أيس أن يعبد في بلدكم هذا أبدا ولكن سيكون له طاعة في بعض ما تحتقرون من أعمالكم فيرضى بها" وفي صحيح الحاكم عن ابن عباس أن النبي ﷺ خطب في حجة الوداع فقال: "إن الشيطان قد أيس أن يعبد بأرضكم ولكنه يرضى أن يطاع فيما سوى ذلك فيما تحاقرون من أعمالكم فيرضى بها فاحذروا يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه ﷺ " ولم يعظم على إبليس شيء أكبر من بعثة محمد ﷺ وانتشار دعوته في مشارق الأرض ومغاربها فإنه أيس أن تعود أمته كلهم إلى الشرك الأكبر قال سعيد بن جبير: لما رأى إبليس النبي ﷺ قائما بمكة يصلي رن ولما افتتح النبي ﷺ مكة رن رنة أخرى اجتمعت إليه ذريته فقال: "آيسوا أن تردوا أمة محمد ﷺ إلى الشرك بعد يومكم هذا ولكن افتنوهم في دينهم وافشوا فيهم النوح والشعر" خرجه ابن أبي

стр. 179

الدنيا وخرج الطبراني بإسناده عن مجاهد عن أبي هريرة قال: إن إبليس رن لما أنزلت فاتحة الكتاب وأنزلت بالمدينة والمعروف هذا عن هذا عن مجاهد من قوله قال: رن إبليس أربع رنات حين لعن وحين أهبط من الجنة وحين بعث محمد وحين أنزلت فاتحة الكتاب وأنزلت بالمدينة خرجه وكيع وغيره وقال بعض التابعين لما أنزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥] الآية بكى إبليس يشير إلى شدة حزنه بنزولها لما فيها من الفرح لأهل الذنوب فهو لا يزال في هم وغم وحزن منذ بعث النبي ﷺ لما رأى منه ومن أمته ما يهمه ويغيظه. قال ثابت: لما بعث النبي ﷺ قال إبليس لشياطينه: لقد حدث أمر فانظروا ما هو فانطلقوا ثم جاؤوه فقالوا: ما ندري؟ قال إبليس: أنا أنبئكم بالخبر فذهب وجاء بالخبر فذهب وجاء قال: قد بعث محمد ﷺ فجعل يرسل شياطينه إلى أصحاب النبي ﷺ فيجيؤا بصحفهم ليس فيها شيء فقال: ما لكم لا تصيبون منهم شيئا؟ قالوا: ما صحبنا قوما قط مثل هؤلاء نصيب منهم ثم يقومون إلى الصلاة فيمحى ذلك قال: رويدا إنهم عسى أن يفتح الله لهم الدنيا هنالك تصيبون حاجتكم منهم. وعن الحسن قال: قال إبليس سولت لأمة محمد المعاصي فقطعوا ظهري بالإستغفار فسولت لهم ذنوبا لا يستغفرون منها ـ يعني الأهواء ـ ولا يزال إبليس يرى في مواسم المغفرة والعتق من النار ما يسؤه فيوم عرفة لا يرى أصغر ولا أحقر ولا أدحر فيه منه لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رؤي يوم بدر وروي إنه لما رأى نزول المغفرة للأمة في حجة الوداع يوم النحر بالمزدلفة أهوى يحثي على رأسه التراب ويدعو بالويل والثبور فتبسم النبي ﷺ مما رأى من جزع الخبيث. وفي شهر رمضان يلطف الله بأمة محمد فيغل فيه الشياطين ومردة الجن حتى لا يقدروا على ما كانوا يقدرون عليه في غيره من تسويل الذنوب ولهذا تقل المعاصي في شهر رمضان في الأمة لذلك ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين" ولمسلم: "فتحت أبواب الرحمة" وله أيضا عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وأغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين" وخرج منه البخاري ذكر فتح أبواب الجنة وللترمذي وابن ماجه عنه عن النبي ﷺ قال: "إذا كان أول ليلة من شهر رمضان

стр. 180

صفدت الشياطين ومردة الجن وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب وينادي مناد يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة" وفي رواية للنسائي: "تغل فيه مردة الشياطين" وللإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أعطيت أمتي في رمضان خمس خصال لم تعطه أمة قبلهم خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا ويزين الله كل يوم جنته ثم يقول يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤنة والأذى ويصيروا إليك وتصفد مردة الشياطين فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره يغفر لهم في آخر ليلة" قيل: يا رسول الله أهي ليلة القدر؟ قال: " لا ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله". وفي ليلة القدر تنتشر الملائكة في الأرض فيبطل سلطان الشياطين كما قال الله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ، سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٤, ٥] وفي المسند عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "والملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى" وفي صحيح ابن حبان عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "في ليلة القدر لا يخرج شيطانها حتى يخرج فجرها" وفي المسند من حديث عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال: "في ليلة القدر لا يحل لكوكب أن يرمى به حتى يصبح وإن أمارتها أن الشمس تخرج صبيحتها مستوية ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر لا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذ" وروي عن ابن عباس ﵄: إن الشيطان يطلع مع الشمس كل يوم إلا ليلة القدر وذلك أنها تطلع لا شعاع لها وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] قال: سلام أن يحدث فيها داء أو يستطيع شيطان العمل فيها وعنه قال: ليلة القدر ليلة سالمة لا يحدث فيها داء ولا يرسل فيها شيطان وعنه قال: هي سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءا ولا يحدث فيها أذى وعن الضحاك عن ابن عباس قال: في تلك الليلة تصفد مردة الجن وتغل عفاريت الجن وتفتح فيها أبواب السماء كلها ويقبل الله فيها التوبة لكل تائب فلذلك قال: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] ويروى عن أبي بن كعب ﵁ قال: لا يستطيع الشيطان أن يصيب فيها أحدا بخبل أو داء أو ضرب من ضروب الفساد ولا ينفذ فيها سحر ساحر ويروى بإسناد ضعيف عن أنس مرفوعا أنه "لا تسري نجومها ولا تنبح كلابها" وكل هذا يدل على كف.
следующие страницы →