Полный текст (360 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
سنة فهو أول رمضان صامه وصامه المسلمون معه ثم خرج النبي ﷺ لطلب عير من قريش قدمت من الشام إلى المدينة في يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان وأفطر في خروجه إليها قال ابن المسيب قال عمر: غزونا مع رسول الله ﷺ غزوتين في رمضان يوم بدر ويوم الفتح وأفطرنا فيهما.
وكان سبب خروجه حاجة أصحابه خصوصا المهاجرين: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨] وكانت هذه العير معها أموال كثيرة لأعدائهم الكفار الذين أخرجوهم من ديارهم وأموالهم ظلما وعدوانا كما قال الله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: ٣٩, ٤٠] الآية فقصد النبي ﷺ أن يأخذ أموال هؤلاء الظالمين المعتدين على أولياء الله وحزبه وجنده فيردها على أولياء الله وحزبه المظلومين المخرجين من ديارهم وأموالهم ليتقوا بها على عبادة الله وطاعته وجهاد أعدائه وهذا مما أحله الله لهذه الأمة فإنه أحل لهم الغنائم ولم تحل لأحد قبلهم وكان عدة أصحاب بدر ﵃ ثلاثمائة وبضعة عشر وكانوا على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر وما جاوزه معه إلا مؤمن وفي سنن أبي داود من حديث عبد الله بن عمرو قال: خرج رسول الله ﷺ يوم بدر في ثلاثمائة وخمسة عشر من المقاتلة كما خرج طالوت فدعا لهم رسول الله ﷺ حين خرجوا فقال: "اللهم إنهم حفاة فاحملهم وإنهم عراة فاكسهم وإنهم جياع فأشبعهم" ففتح الله يوم بدر فانقلبوا حين انقلبوا وما فيهم رجل إلا وقد رجع بجمل أو جملين واكتسوا وشبعوا وكان أصحاب النبي ﷺ حين خرجوا على غاية من قلة الظهر والزاد فإنهم لم يخرجوا مستعدين لحرب ولا لقتال إنما خرجوا لطلب العير فكان معهم نحو سبعين بعيرا يعتقبونها بينهم كل ثلاثة على بعير وكان للنبي ﷺ زميلان فكانوا يعتقبون على بعير واحد فكان زميلاه يقولان له اركب يا رسول الله حتى نمشي عنك فيقول: "ما أنتما بأقوى على المشي مني وقالا أنا بأغنى عن الأجر منكما" ولم يكن معهما إلا فرسان وقيل ثلاثة وقيل: فرس واحد للمقداد.
وبلغ المشركين خروج النبي ﷺ لطلب العير فأخذ أبو سفيان بالعير نحو الساحل وبعث إلى مكة يخبرهم الخبر ويطلب منهم أن ينفروا لحماية عيرهم فخرجوا مستصرخين وخرج أشرافهم ورؤساؤهم وساروا نحو بدر واستشار النبي ﷺ المسلمين في القتال فتكلم المهاجرون فسكت عنهم وإنما كان قصده
стр. 177
الأنصار لأنه ظن أنهم لم يبايعوه إلا على نصرته على من قصده في ديارهم فقام سعد بن عبادة فقال: إيانا تريد ـ يعني الأنصار ـ والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا وقال له المقداد: لا نقول لك كما قال بني إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَا عِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] ولكن نقاتل عن يمينك وشمالك وبين يديك ومن خلفك فسر النبي ﷺ بذلك وأجمع على القتال وبات تلك الليلة ليلة الجمعة سابع عشر رمضان قائما يصلي ويبكي ويدعو الله ويستنصره على أعدائه.
وفي المسند عن علي بن أبي طالب قال: لقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله ﷺ تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح وفيه عنه أيضا قال: أصابنا طش من مطر يعني ليلة بدر فانطلقنا تحت الشجر والحجف نستظل بها من المطر وبات رسول الله ﷺ يدعو ربه ويقول: "إن تهلك هذه الفئة لا تعبد" فلما طلع الفجر نادى الصلاة عباد الله فجاء الناس من تحت الشجر والحجف فصلى بنا رسول الله ﷺ وحث على القتال وأمد الله تعالى نبيه ولمؤمنين بنصر من عنده وبجند من جنده كما قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ، وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٩, ١٠] وفي صحيح البخاري: أن جبريل قال للنبي ﷺ : ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: "من أفضل المسلمين" أو كلمة نحوها قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣] وقال: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] وروي أن النبي ﷺ لما رآهم قال: " اللهم إن هؤلاء قريش قد جاءت بخيلائها يكذبون رسولك فأنجز لي ما وعدتني" فأتاه جبريل فقال: خذ قبضة من تراب فارمهم بها فأخذ قبضة من حصباء الوادي فرمى بها نحوهم وقال شاهت الوجوه فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه ومنخره وفمه شيء ثم كانت الهزيمة وقال حكيم بن حزام: سمعنا يوم بدر صوتا وقع من السماء كأنه صوت حصاة على طست فرمى رسول الله ﷺ تلك الرمية فانهزمنا ولما قدم الخبر على أهل مكة قالوا لمن أتاهم بالخبر: كيف حال الناس قال: لا شيء والله إن كان إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلونا ويأسرونا كيف شاؤا وأيم الله مع ذلك ما لمت الناس لقينا رجالا على خيل بلق بين السماء والأرض ما يقوم لها شيء.
стр. 178
وقتل الله صناديد كفار قريش يومئذ منهم عتبة بن ربيعة وشيبة والوليد بن عتبة وأبو جهل وأسروا منهم سبعين وقصة بدر يطول استقصاؤها وهي مشهورة في التفسير وكتب الصحاح والسنن والمسانيد والمغازي والتواريخ وغيرها وإنما المقصود ههنا التنبيه على بعض مقاصدها وكان عدو الله إبليس قد جاء إلى المشركين في صورة سراقة بن مالك وكانت يده في يد الحارث بن هشام وجعل يشجعهم ويعدهم ويمنيهم فلما رأى الملائكة هرب وألقى نفسه في البحر وقد أخبر الله عن ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٤٨] وفي الموطأ حديث مرسل عن النبي ﷺ قال: "ما رؤي الشيطان أحقر ولا أدحر ولا أصغر من يوم عرفة إلا ما رأى يوم بدر قيل: ما رأى يوم بدر؟ قال: رأى جبريل يزع الملائكة".
فإبليس عدو الله يسعى في إطفاء نور الله وتوحيده ويغري بذلك أولياءه من الكفار والمنافقين فلما عجز عن ذلك بنصر الله نبيه وإظهار دينه على الدين كله رضي بإلقاء الفتن بين المسلمين واجتزى منهم بمحقرات الذنوب حيث عجز عن ردهم عن دينهم كما قال النبي ﷺ : "إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم" خرجه مسلم من حديث جابر وخرج الإمام أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجه من حديث عمرو بن الأحوص قال: سمعت النبي ﷺ يقول في حجة الوداع: "ألا إن الشيطان قد أيس أن يعبد في بلدكم هذا أبدا ولكن سيكون له طاعة في بعض ما تحتقرون من أعمالكم فيرضى بها" وفي صحيح الحاكم عن ابن عباس أن النبي ﷺ خطب في حجة الوداع فقال: "إن الشيطان قد أيس أن يعبد بأرضكم ولكنه يرضى أن يطاع فيما سوى ذلك فيما تحاقرون من أعمالكم فيرضى بها فاحذروا يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنة نبيه ﷺ " ولم يعظم على إبليس شيء أكبر من بعثة محمد ﷺ وانتشار دعوته في مشارق الأرض ومغاربها فإنه أيس أن تعود أمته كلهم إلى الشرك الأكبر قال سعيد بن جبير: لما رأى إبليس النبي ﷺ قائما بمكة يصلي رن ولما افتتح النبي ﷺ مكة رن رنة أخرى اجتمعت إليه ذريته فقال: "آيسوا أن تردوا أمة محمد ﷺ إلى الشرك بعد يومكم هذا ولكن افتنوهم في دينهم وافشوا فيهم النوح والشعر" خرجه ابن أبي
стр. 179
الدنيا وخرج الطبراني بإسناده عن مجاهد عن أبي هريرة قال: إن إبليس رن لما أنزلت فاتحة الكتاب وأنزلت بالمدينة والمعروف هذا عن هذا عن مجاهد من قوله قال: رن إبليس أربع رنات حين لعن وحين أهبط من الجنة وحين بعث محمد وحين أنزلت فاتحة الكتاب وأنزلت بالمدينة خرجه وكيع وغيره وقال بعض التابعين لما أنزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥] الآية بكى إبليس يشير إلى شدة حزنه بنزولها لما فيها من الفرح لأهل الذنوب فهو لا يزال في هم وغم وحزن منذ بعث النبي ﷺ لما رأى منه ومن أمته ما يهمه ويغيظه.
قال ثابت: لما بعث النبي ﷺ قال إبليس لشياطينه: لقد حدث أمر فانظروا ما هو فانطلقوا ثم جاؤوه فقالوا: ما ندري؟ قال إبليس: أنا أنبئكم بالخبر فذهب وجاء بالخبر فذهب وجاء قال: قد بعث محمد ﷺ فجعل يرسل شياطينه إلى أصحاب النبي ﷺ فيجيؤا بصحفهم ليس فيها شيء فقال: ما لكم لا تصيبون منهم شيئا؟ قالوا: ما صحبنا قوما قط مثل هؤلاء نصيب منهم ثم يقومون إلى الصلاة فيمحى ذلك قال: رويدا إنهم عسى أن يفتح الله لهم الدنيا هنالك تصيبون حاجتكم منهم.
وعن الحسن قال: قال إبليس سولت لأمة محمد المعاصي فقطعوا ظهري بالإستغفار فسولت لهم ذنوبا لا يستغفرون منها ـ يعني الأهواء ـ ولا يزال إبليس يرى في مواسم المغفرة والعتق من النار ما يسؤه فيوم عرفة لا يرى أصغر ولا أحقر ولا أدحر فيه منه لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رؤي يوم بدر وروي إنه لما رأى نزول المغفرة للأمة في حجة الوداع يوم النحر بالمزدلفة أهوى يحثي على رأسه التراب ويدعو بالويل والثبور فتبسم النبي ﷺ مما رأى من جزع الخبيث.
وفي شهر رمضان يلطف الله بأمة محمد فيغل فيه الشياطين ومردة الجن حتى لا يقدروا على ما كانوا يقدرون عليه في غيره من تسويل الذنوب ولهذا تقل المعاصي في شهر رمضان في الأمة لذلك ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين" ولمسلم: "فتحت أبواب الرحمة" وله أيضا عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وأغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين" وخرج منه البخاري ذكر فتح أبواب الجنة وللترمذي وابن ماجه عنه عن النبي ﷺ قال: "إذا كان أول ليلة من شهر رمضان
стр. 180
صفدت الشياطين ومردة الجن وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب وينادي مناد يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة" وفي رواية للنسائي: "تغل فيه مردة الشياطين" وللإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أعطيت أمتي في رمضان خمس خصال لم تعطه أمة قبلهم خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا ويزين الله كل يوم جنته ثم يقول يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤنة والأذى ويصيروا إليك وتصفد مردة الشياطين فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره يغفر لهم في آخر ليلة" قيل: يا رسول الله أهي ليلة القدر؟ قال: " لا ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله".
وفي ليلة القدر تنتشر الملائكة في الأرض فيبطل سلطان الشياطين كما قال الله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ، سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٤, ٥] وفي المسند عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "والملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى" وفي صحيح ابن حبان عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "في ليلة القدر لا يخرج شيطانها حتى يخرج فجرها" وفي المسند من حديث عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ أنه قال: "في ليلة القدر لا يحل لكوكب أن يرمى به حتى يصبح وإن أمارتها أن الشمس تخرج صبيحتها مستوية ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر لا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذ" وروي عن ابن عباس ﵄: إن الشيطان يطلع مع الشمس كل يوم إلا ليلة القدر وذلك أنها تطلع لا شعاع لها وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] قال: سلام أن يحدث فيها داء أو يستطيع شيطان العمل فيها وعنه قال: ليلة القدر ليلة سالمة لا يحدث فيها داء ولا يرسل فيها شيطان وعنه قال: هي سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءا ولا يحدث فيها أذى وعن الضحاك عن ابن عباس قال: في تلك الليلة تصفد مردة الجن وتغل عفاريت الجن وتفتح فيها أبواب السماء كلها ويقبل الله فيها التوبة لكل تائب فلذلك قال: ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] ويروى عن أبي بن كعب ﵁ قال: لا يستطيع الشيطان أن يصيب فيها أحدا بخبل أو داء أو ضرب من ضروب الفساد ولا ينفذ فيها سحر ساحر ويروى بإسناد ضعيف عن أنس مرفوعا أنه "لا تسري نجومها ولا تنبح كلابها" وكل هذا يدل على كف.
стр. 181
الشياطين فيها عن انتشارهم في الأرض ومنعهم من استراق السمع فيها من السماء.
ابن آدم لو عرفت قدر نفسك ما أهنتها بالمعاصي أنت المختار من المخلوقات ولك أعدت الجنة إن اتقيت فهي إقطاع المتقين والدنيا إقطاع إبليس فهو فيها من المنظرين فكيف رضيت لنفسك بالإعراض عن إقطاعك ومزاحمة إبليس على إقطاعه وأن تكون غدا معه في النار من جملة أتباعه إنما طردناه عن السماء لأجلك حيث تكبر عن السجود لأبيك وطلبنا قربك لتكون من خاصتنا وحزبنا فعاديتنا وواليت عدونا: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ [الكهف: ٥٠] .
رعى الله من نهوى وإن كان ما رعى ... حفظنا له العهد القديم فضيعا
وصاحبت قوما كنت أنهاك عنهم ... وحقك ما أبقيت للصلح موضعا
أبشروا يا معاشر المسلمين فهذه أبواب الجنة الثمانية في هذا الشهر لأجلكم قد فتحت ونسماتها على قلوب المؤمنين قد نفحت وأبواب الجحيم كلها لأجلكم مغلقة وأقدام إبليس وذريته من أجلكم موثقة ففي هذا الشهر يؤخذ من إبليس بالثأر وتستخلص العصاة من أسره فما يبقى لهم عنده آثار كانوا فراخه قد غذاهم بالشهوات في أوكاره فهجروا اليوم تلك الأوكار نقضوا معاقل حصونه بمعاول التوبة والإستغفار خرجوا من سجنه إلى حصن التقوى والإيمان فأمنوا من عذاب النار قصموا ظهره بكلمة التوحيد فهو يشكو ألم الإنكسار في كل موسم من مواسم الفضل يحزن ففي هذا الشهر يدعو بالويل لما يرى تنزل الرحمة ومغفرة الأوزار غلب حزب الرحمن حزب الشياطين فما بقي له سلطان إلا على الكفار عزل سلطان الهوى وصارت الدولة لسلطان التقوى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] .
يا نداماى صحا القلب صحا ... فاطردوا عني الصبا والمرحا
هزم العقل جنودا للهوى ... فاسدي لا تعجبوا أن صلحا
زجر الحق فؤادي فارعوى ... وأفاق القلب مني وصحا
بادروا التوبة من قبل الردى ... فمناديه ينادينا الوحا
عباد الله شهر رمضان قد انتصف فمن منكم حاسب نفسه فيه لله وانتصف من منكم قام في هذا الشهر بحقه الذي عرف من منكم عزم قبل غلق أبواب الجنة
стр. 182
أن يبني له فيها غرفا من فوقها غرفا ألا إن شهركم قد أخذ في النقص فزيدوا أنتم في العمل فكأنكم به وقد انصرف فكل شهر فعسى أن يكون منه خلف وأما شهر رمضان فمن أين لكم منه خلف.
تنصف الشهر والهفاه وانهدما ... واختص بالفوز بالجنات من خدما
وأصبح الغافل المسكين منكسرا ... مثلي فيا ويحه يا عظم ما حرم
من فاته الزرع في وقت البدار فما ... تراه يحصد إلا الهم والندما
طوبى لمن كانت التقوى بضاعته ... في شهره وبحبل الله معتصما
стр. 183
المجلس الرابع في ذكر العشر الأواخر من رمضان .
في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله هذا لفظ البخاري ولفظ مسلم: أحيا الليل وأيقظ أهله وشد المئزر وفي رواية لمسلم عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره كان النبي ﷺ يخص العشر الأواخر من رمضان بأعمال لا يعملها في بقية الشهر فمنها: إحياء الليل: فيحتمل أن المراد إحياء الليل كله.
وقد روي من حديث عائشة من وجه فيه ضعف بلفظ: "وأحيا الليل كله" وفي المسند من وجه آخر عنها قالت: كان النبي ﷺ يخلط العشرين بصلاة ونوم فإذا كان العشر ـ يعني الأخير ـ شمر وشد المئزر وخرج الحافظ أبو نعيم بإسناد فيه ضعف عن أنس قال: كان النبي ﷺ إذا شهد رمضان قام ونام فإذا كان أربعا وعشرين لم يذق غمضا ويحتمل أن يريد بإحياء الليل إحياء غالبه وقد روي عن بعض المتقدمين من بني هاشم ظنه الراوي أبا جعفر بن علي أنه فسر ذلك بإحياء نصف الليل وقال: من أحيا نصف الليل فقد أحيا الليل وقد سبق مثل هذا في قول عائشة ﵂: كان النبي ﷺ يصوم شعبان كله كان يصوم شعبان إلا قليلا.
ويؤيده ما في صحيح مسلم عن عائشة قالت: ما أعلمه ﷺ قام ليلة حتى الصباح.
стр. 184
وذكر بعض الشافعية في إحياء ليلتي العيدين أنه تحصل فضيلة الإحياء بمعظم الليل قال: وقيل: تحصل بساعة وقد نقل الشافعي في الأم عن جماعة من خيار أهل المدينة ما يؤيده ونقل بعض أصحابهم عن ابن عباس أن إحياءها يحصل بأن يصلي العشاء في جماعة ويعزم على أن يصلي الصبح في جماعة وقال مالك في الموطأ بلغني أن ابن المسيب قال: من شهد ليلة القدر ـ يعني في جماعة ـ فقد أخذ بحظه منها وكذا قال الشافعي في القديم: من شهد العشاء والصبح ليلة القدر فقد أخذ بحظه منها وقد روي هذا من حديث أبي هريرة مرفوعا: "من صلى العشاء الآخرة في جماعة في رمضان فقد أدرك ليلة القدر" خرجه أبو الشيخ الأصبهاني ومن طريقه أبو موسى المديني وذكر أنه روي من وجه آخر عن أبي هريرة نحوه ويروى من حديث علي بن أبي طالب مرفوعا لكن إسناده ضعيف جدا ويروى من حديث أبي جعفر محمد بن علي مرسلا: أن النبي ﷺ قال: "من أتى عليه رمضان صحيحا مسلما صام نهاره وصلى وردا من ليله وغض بصره وحفظ فرجه ولسانه ويده وحافظ على صلاته في الجماعة وبكر إلى جمعة فقد صام الشهر واستكمل الأجر وأدرك ليلة القدر وفاز بجائزة الرب " قال أبو جعفر: جائزة لا تشبه جوائز الأمراء خرجه ابن أبي الدنيا.
ولو نذر قيام ليلة القدر لزمه أن يقوم من ليالي شهر رمضان ما يتيقن به قيامها فمن قال من العلماء: إنها في جميع الشهر يقول: يلزمه قيام جميع ليالي الشهر ومن قال: هي في النصف الآخر من الشهر قال: يلزمه قيام ليالي النصف الأخير منه ومن قال: هي في العشر الأواخر من الشهر قال: يلزمه قيام ليالي العشر كلها وهو قول أصحابنا وإن كان نذره كذلك وقد مضى بعض ليالي العشر فإن قلنا: إنها لا تنتقل في العشر أجزأه في نذره أن يقوم ما بقي من ليالي العشر ويقوم من عام قابل من أول العشر إلى وقت نذره وإن قلنا إنها تنتقل في العشر لم يخرج من نذره بدون قيام ليالي العشر كلها بعد عام نذره ولو نذر قيام ليلة غير معينة لزمه قيام ليلة تامة فإن قام نصف ليلة ثم نام أجزأه أن يقوم من ليلة أخرى نصفها قاله الأوزعي نقله عنه الوليد بن مسلم في كتاب النذور وهو شبيه بقول من قال من أصحابنا وغيرهم: أن الكفارة يجزىء فيها أن يعتق نصفي رقبتين.
ومنها: أن النبي ﷺ كان يوقظ أهله للصلاة في ليالي العشر دون غيره من الليالي وفي حديث أبي ذر أن النبي ﷺ لما قام بهم ليلة ثلاث وعشرين وخمس
стр. 185
وعشرين ذكر أنه دعا أهله ونساءه ليلة سبع وعشرين خاصة وهذا يدل على انه يتأكد إيقاظهم في أكد الأوتار التي ترجى فيها ليلة القدر وخرج الطبراني من حديث علي: أن النبي ﷺ كان يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان وكل صغير وكبير يطيق الصلاة قال سفيان الثوري: أحب إلي إذا دخل العشر الأواخر أن يتهجد بالليل ويجتهد فيه وينهض أهله وولده إلى الصلاة إن أطاقوا ذلك وقد صح عن النبي ﷺ أنه كان يطرق فاطمة وعليا ليلا فيقول لهما "ألا تقومان فتصليان" وكان يوقظ عائشة بالليل إذا قضى تهجده وأراد أن يوتر وورد الترغيب في إيقاظ أحد الزوجين صاحبه للصلاة ونضح الماء في وجهه وفي الموطأ أن عمر بن الخطاب كان يصلي من الليل ما شاء الله أن يصلي حتى إذا كان نصف الليل أيقظ أهله للصلاة يقول لهم: الصلاة الصلاة ويتلو هذه الآية: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢] الآية.
كانت امرأة حبيب أبي محمد تقول له بالليل: قد ذهب الليل وبين أيدينا طريق بعيد وزاد قليل وقوافل الصالحين قد سارت قدامنا ونحن قد بقينا.
يا نائم الليل كم ترقد ... قم يا حبيبي قد دنا الموعد
وخذ من الليل وأوقاته ... وردا إذا ما هجع الرقد
من نام حتى ينقضي ليله ... لم يبلغ المنزل أو يجهد
قل لذوي الألباب أهل التقى ... قنطرة العرض لكم موعد
ومنها: أن النبي ﷺ كان يشد المئزر واختلفوا في تفسيره فمنهم من قال: هو كناية عن شدة جده واجتهاده في العبادة كما يقال فلان يشد وسطه ويسعى في كذا وهذا فيه نظر فإنها قالت: جد وشد المئزر فعطفت شد المئزر على جده والصحيح: أن المراد: اعتزاله النساء وبذلك فسره السلف والأئمة المتقدمون منهم: سفيان الثوري وقد ورد ذلك صريحا من حديث عائشة وأنس وورد تفسيره بأنه لم يأو إلى فراشه حتى ينسلخ رمضان وفي حديث أنس وطوى فراشه واعتزل النساء وقد كان النبي ﷺ غالبا يعتكف العشر الأواخر والمعتكف ممنوع من قربان النساء بالنص والإجماع وقد قالت طائفة من السلف في تفسير قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] إنه طلب ليلة القدر والمعنى في ذلك: أن الله تعالى لما أباح مباشرة النساء في ليالي الصيام إلى أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود أمر مع ذلك بطلب ليلة القدر لئلا يشتغل.
стр. 186
المسلمون في طول ليالي الشهر بالإستمتاع المباح فيفوتهم طلب ليلة القدر فأمر مع ذلك بطلب ليلة القدر بالتهجد من الليل خصوصا في الليالي المرجو فيها ليلة القدر فمن ههنا كان النبي ﷺ يصيب من أهله في العشرين من رمضان ثم يعتزل نساءه ويتفرغ لطلب ليلة القدر في العشر الأواخر.
ومنها تأخيره للفطور إلى السحور وروي عنه من حديث عائشة وأنس أنه ﷺ كان في ليالي العشر يجعل عشاءه سحورا ولفظ حديث عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا كان رمضان قام ونام فإذا دخل العشر شد المئزر واجتنب النساء واغتسل بين الأذانين وجعل العشاء سحورا أخرجه ابن أبي عاصم وإسناده مقارب وحديث أنس خرجه الطبراني ولفظه: كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر الأواخر من رمضان طوى فراشه واعتزل النساء وجعل عشاءه سحورا وفي إسناده حفص بن واقد قال ابن عدي: هذا الحديث من أنكر ما رأيت له وروي أيضا نحوه من حديث جابر خرجه أبو بكر الخطيب وفي إسناده من لا يعرف حاله.
وفي الصحيحين ما يشهد لهذه الروايات ففيهما عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال في الصوم فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله؟ فقال: "وأيكم مثلي إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" فلما أبو أن ينتهو عن الوصال واصل بهم يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال فقال: "لو تأخر لزدتكم" كالتنكيل لهم حين أبو أن ينتهو فهذا يدل على أنه واصل بالناس في آخر الشهر وروى عاصم بن كليب عن أبيه عن أبي هريرة قال: ما واصل النبي ﷺ وصالكم قط غير أنه قد أخر الفطر إلى السحور وإسناده لا بأس به وخرج الإمام أحمد من حديث علي أن النبي ﷺ كان يواصل إلى السحر وخرجه الطبراني من حديث جابر أيضا وخرج ابن جرير الطبري من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان يواصل إلى السحر ففعل ذلك بعض أصحابه فنهاه فقال: أنت تفعل ذلك؟ فقال: "إنكم لستم مثلي إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني" وزعم ابن جرير: أن النبي ﷺ لم يكن يواصل في صيامه إلا إلى السحر خاصة وإن ذلك يجوز لمن قوي عليه ويكره لغيره وأنكر أن يكون استدامة الصيام في الليل كله طاعة عند أحد من العلماء وقال: إنما كان يمسك بعضهم لمعنى آخر غير الصيام إما ليكون أنشط له على العبادة أو إيثارا بطعامه على نفسه أو لخوف مقلق منعه طعامه أو نحو ذلك فمقتضى كلامه: أن من واصل ولم يفطر ليكون أنشط له على العبادة من غيره أن يعتقد أن إمساك الليل قربة أنه جائز وإن أمسك تعبدا بالمواصلة فإن
стр. 187
كان إلى السحر وقوي عليه لم يكره وإلا كره ولذلك قال أحمد وإسحاق لا يكره الوصال إلى السحر وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر" قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله؟ قال: "إني لست كهيئتكم إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني" وظاهر هذا يدل على أنه ﷺ كان يواصل الليل كله وقد يكون ﷺ إنما فعل ذلك لأنه رآه أنشط له على الاجتهاد في ليالي العشر ولم يكن ذلك مضعفا له عن العمل فإن الله كان يطعمه ويسقيه.
واختلف في معنى إطعامه فقيل: إنه كان يؤتى بطعام من الجنة يأكله وفي هذا نظر فإنه لو كان كذلك لم يكن مواصلا وقد أقرهم على قولهم له إنك تواصل لكن روى عبد الرزاق في كتابه عن ابن جريج أخبرني عمرو بن دينار أن النبي ﷺ نهى عن الوصال قالوا: فإنك تواصل؟ قال: "وما يدريكم لعل ربي يطعمني ويسقيني" وهذا مرسل وفي رواية لمسلم من حديث أنس: "إني أظل يطعمني ربي ويسقيني" وإنما يقال: ظل يفعل كذا إذا كان نهارا ولو كان أكلا حقيقيا لكان منافيا للصيام والصحيح: أنه إشارة إلى ما كان الله يفتحه عليه في صيامه وخلوته بربه لمناجاته وذكره من مواد أنسه ونفحات قدسه فكان يرد بذلك على قلبه من المعارف الإلهية والمنح الربانية ما يغذيه ويغنيه عن الطعام والشراب كما قيل:
لها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الطعام وتلهيها عن الزاد
لها بوجهك نور تستضيء به ... وقت المسير في أعقابها حادي
إذا شكت من كلال السير أوعدها ... روح القدوم فتحيا عند ميعاد
الذكر قوت قلوب العارفين يغنيهم عن الطعام والشراب كما قيل:
أنت ربي إذا ظمئت إلى الماء ... وقوتي إذا أردت الطعاما
لما جاع المجتهدون شبعوا من طعام المناجاة فأف لمن باع لذة المناجاة بفضل لقمة.
يا من لحشا المحب بالشوق حشا ... ذا سر سراك في الدجا كيف فشا
هذا المولى إلى المماليك مشى ... لا كان عيشا أورث القلب غشا
ويتأكد تأخير الفطر في الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر قال ذر بن حبيش:
стр. 188
في ليلة سبع وعشرين من استطاع منكم أن يؤخر فطره فليفعل وليفطر على ضياح لبن: ورواه بعضهم عن أبي بن كعب مرفوعا ولا يصح وضياح اللبن: وروي: ضيح ـ الضاد المعجمة والياء آخر الحروف ـ هو اللبن الخاثر الممزوج بالماء وروى أبو الشيخ الأصبهاني بإسناده عن علي قال: إن وافق ليلة القدر وهو يأكل أورثه داء لا يفارقه حتى يموت وخرجه من طريقه أبو موسى المديني وكأنه يريد إذا وافق دخولها أكله والله أعلم.
ومنها: اغتساله بين العشاءين: وقد تقدم من حديث عائشة واغتسل بين الأذانين والمراد أذان المغرب والعشاء وروي من حديث علي أن النبي ﷺ كان يغتسل بين العشاءين كل ليلة يعني من العشر الأواخر وفي إسناده ضعف وروي عن حذيفة أنه قام مع النبي ﷺ ليلة من رمضان فاغتسل النبي ﷺ وستره حذيفة وبقيت فضلة فاغتسل بها حذيفة وستره النبي ﷺ خرجه ابن أبي عاصم وفي رواية أخرى عن حذيفة قال: نام النبي ﷺ ذات ليلة من رمضان في حجرة من جريد النخل فصب عليه دلو من ماء.
وقال ابن جرير: كانوا يستحبون أن يغتسلوا كل ليلة من ليالي العشر الأواخر وكان النخعي يغتسل في العشر كل ليلة ومنهم من كان يغتسل ويتطيب في الليالي التي تكون أرجى لليلة القدر فأمر ذر بن حبيش بالاغتسال ليلة سبع وعشرين من رمضان وروي عن أنس بن مالك ﵁: أنه إذا كان ليلة أربع وعشرين اغتسل وتطيب ولبس حلة إزار أو رداء فإذا أصبح طواهما فلم يلبسهما إلى مثلها من قابل وكان أيوب السختياني يغتسل ليلة ثلاث وعشرين وأربع وعشرين ويلبس ثوبين جديدين ويستجمر ويقول: ليلة ثلاث وعشرين هي ليلة أهل المدينة والتي تليها ليلتنا يعني البصريين وقال حماد بن سلمة: كان ثابت البناني وحميد الطويل يلبسان أحسن ثيابهما ويتطيبان ويطيبون المسجد بالنضوح والدخنة في الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر وقال ثابت: كان لتميم الداري حلة اشتراها بألف درهم وكان يلبسها في الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر فتبين بهذا أنه يستحب في الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر التنظف والتزين والتطيب بالغسل والطيب واللباس الحسن كما يشرع ذلك في الجمع والأعياد وكذلك يشرع أخذ الزينة بالثياب في سائر الصلوات كما قال تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] وقال ابن عمر: الله أحق أن يتزين له وروي عنه مرفوعا:
ولا يكمل التزين الظاهر إلا بتزين الباطن بالتوبة والإنابة إلى الله تعالى.
стр. 189
وتطهيره من أدناس الذنوب وأوضارها فإن زينة الظاهر مع خراب الباطن لا تغني شيئا قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] .
إذا المرء لم يلبس ثيابا من التقى ... تقلب عريانا وإن كان كاسيا
لا يصلح لمناجاة الملك في الخلوات إلا من زين ظاهره وباطنه وطهرهما خصوصا لملك الملوك الذي يعلم السر وأخفى وهو لا ينظر إلى صوركم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم فمن وقف بين يديه فليزين له ظاهره باللباس وباطنه بلباس التقوى أنشد الشبلي:
قالوا غدا العيد ماذا أنت لابسه ... فقلت خلعة ساق حبه جوعا
فقر وصبرهما ثوبان تحتهما ... قلب يرى ألفه الأعياد والجمعا
أحرى الملابس أن تلقى الحبيب به ... يوم التزاور فبالثوب الذي خلعا
الدهر لي مأتم إن غبت يا أملي ... والعيد ما كنت لي مرأى ومستمتعا
ومنها: الإعتكاف: ففي الصحيحين عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين وإنما كان يعتكف النبي ﷺ في هذا العشر التي يطلب فيها ليلة القدر قطعا لإشغاله وتفريغا للياليه وتخليا لمناجاة ربه وذكره ودعائه وكان يحتجر حصيرا يتخلى فيها عن الناس فلا يخالطهم ولا يشتغل بهم ولهذا ذهب الإمام أحمد إلى أن المعتكف لا يستحب له مخالطة الناس حتى ولا لتعلم علم وإقراء قرآن بل الأفضل له الإنفراد بنفسه والتخلي بمناجاة ربه وذكره ودعائه وهذا الإعتكاف هو الخلوة الشرعية وإنما يكون في المساجد لئلا يترك به الجمع والجماعات فإن الخلوة القاطعة عن الجمع والجماعات منهي عنها سئل ابن عباس عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل ولا يشهد الجمعة والجماعة قال: هو في النار فالخلوة المشروعة لهذه الأمة هي الإعتكاف في المساجد خصوصا في شهر رمضان خصوصا في العشر الأواخر منه كما كان النبي ﷺ يفعله فالمعتكف قد حبس نفسه على طاعة الله وذكره وقطع عن نفسه كل شاغل يشغله عنه وعكف بقلبه وقالبه على ربه وما يقربه منه فما بقي له هم سوى الله وما يرضيه عنه كما كان داود الطائي يقول في ليله:
стр. 190
همك عطل على الهموم وحالف بيني وبين السهاد وشوقي إلى النظر إليك أوثق مني اللذات وحال بيني وبين الشهوات.
مالي شغل سواه مالي شغل ... ما يصرف عن قلبي هواه عذل
ما أصنع أجفان وخاب الأمل ... مني بدل ومنه مالي بدل
فمعنى الإعتكاف وحقيقته: قطع العلائق عن الخلائق للإتصال بخدمة الخالق وكلما قويت المعرفة بالله والمحبة له والأنس به أورثت صاحبها الإنقطاع إلى الله تعالى بالكلية على كل حال كان بعضهم لا يزال منفردا في بيته خاليا بربه فقيل له: أما تستوحش؟ قال: كيف أستوحش وهو يقول: أنا جليس من ذكرني.
أوحشتني خلواتي ... بك من كل أنيسي
وتفردت فعاينتك ... بالغيب جليسي
يا ليلة القدر للعابدين اشهدي يا أقدم القانتين اركعي لربك واسجدي يا ألسنة السائلين جدي في المسألة واجتهدي.
يا رجال الليل جدوا ... رب داع لا يرد
ما يقوم الليل إلا ... من له عزم وجد
ليلة القدر عند المحبين ليلة الحظوة بأنس مولاهم وقربه وإنما يفرون من ليالي البعد والهجر كان ببغداد موضعان يقال لأحدهما: دار الملك والأخرى: القطيعة فجاز بعض العارفين بملاح في سفينة فقال له: احملني معك إلى دار الملك فقال له: الملاح ما أقصد إلا القطيعة فصاح العارف لا بالله لا بالله منها أفر:
وليلة بت بأكفانها ... تعدل عندي ليلة القدر
كانت سلاما لسروري بها ... بالوصل حتى مطلع الفجر
يا من ضاع عمره لا شيء استدرك ما فاتك في ليلة القدر فإنها تحسب بالعمر.
وليلة وصل بات منجز وعده ... سميري فيها بعد طول مطال
شفيت بها قلبا أطيل غليله ... زمانا فكانت ليلة بليالي
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ
стр. 191
الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ١, ٣] واختلف في ليلة القدر والحكمة في نزول الملائكة في هذه الليلة: إن الملوك والسادات لا يحبون أن يدخل دارهم أحد حتى يزينون دارهم بالفرش والبسط ويزينوا عبيدهم بالثياب والأسلحة فإذا كان ليلة القدر أمر الرب ﵎ الملائكة بالنزول إلى الأرض لأن العباد زينوا أنفسهم بالطاعات بالصوم والصلاة في ليالي رمضان ومساجدهم بالقناديل والمصابيح فيقول الرب تعالى: أنتم طعنتم في بني آدم وقلتم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] الآية فقلت لكم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] اذهبوا إليهم في هذه الليلة حتى تروهم قائمين ساجدين راكعين لتعلموا أني اخترتهم على علم على العالمين.
قال مالك: بلغني: أن رسول الله ﷺ رأى أعمار الناس قبله أو ما شاء الله من ذلك فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل الذي بلغه غيرهم في طول العمر فأعطاه الله ليلة القدر خيرا من ألف شهر وروي عن مجاهد: أن النبي ﷺ ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح ألف شهر فعجب المسلمون من ذلك فأنزل الله هذه السورة ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:٣] الذي لبس فيها ذلك الرجل في سبيل الله ألف شهر وقال النخعي: العمل فيها خير من العمل في ألف شهر.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" وفي المسند عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: "من قامها ابتغاءها ثم وقعت له غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" وفي المسند والنسائي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال في شهر رمضان: "فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم" قال جويبر: قلت للضحاك: أرأيت النفساء والحائض والمسافر والنائم لهم في ليلة القدر نصيب؟ قال: نعم كل من تقبل الله عمله سيعطيه نصيبه من ليلة القدر.
إخواني المعول على القبول لا على الاجتهاد والاعتبار ببر القلوب لا بعمل الأبدان رب قائم حظه من قيامه السهر كم من قائم محروم وكم من نائم مرحوم نام وقلبه ذاكر وهذا قام وقلبه فاجر.
إن المقادير إذا ساعدت ... ألحقت النائم بالقائم
لكن العبد مأمور بالسعي في اكتساب الخيرات والاجتهاد في الأعمال.
стр. 192
الصالحات وكل ميسر لما خلق له أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥, ١٠] فالمبادرة إلى اغتنام العمل فيما بقي من الشهر فعسى أن يستدرك به ما فات من ضياع العمر.
تولى العمر في سهو وفي لهو وفي خسر
فيا ضيعة ما أنفقت في الأيام من عمري
ومالي في الذي ضيعت من عمري من عذر
فما أغفلنا من واجبات الحمد والشكر
أما قد خصنا الله بشهر أيما شهر
بشهر أنزل الرحمن فيه أشرف الذكر
وهل يشبه شهر وفيه ليلة القدر
فكم من خبر صح بما فيها من الخير
روينا عن ثقات أنها تطلب في الوتر
فطوبى لامرىء يطلبها في هذه العشر
ففيها تنزل الأملاك بالأنوار والبر
قد قال ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾
ألا فادخرها إنها من أنفس الذخر
فكم من معلق فيها من النار ولا يدري
стр. 193
المجلس الخامس في ذكر السبع الأواخر من رمضان .
في الصحيحين عن ابن عمر ﵄: أن رجالا من أصحاب النبي ﷺ أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر فقال رسول الله ﷺ : "أرى رؤياكم قد
стр. 194
تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر" وفي صحيح مسلم عنه عن النبي ﷺ قال: "التمسوها في العشر الأواخر فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبن على السبع البواقي" قد ذكرنا فيما تقدم أن النبي ﷺ كان يجتهد في شهر رمضان على طلب ليلة القدر وأنه اعتكف مرة العشر الأوائل منه ثم طلبها فاعتكف بعد ذلك العشر الأوسط في طلبها وإن ذلك تكرر منه غيرة مرة ثم استقر أمره على اعتكاف العشر الأواخر في طلبها وأمر بطلبها فيه ففي الصحيحين عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان" وفي رواية للبخاري: "في الوتر من العشر الأواخر من رمضان" وله من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "التمسوها في العشر الأواخر الغوابر من رمضان" ولمسلم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "التمسوها في العشر الغوابر" والأحاديث في المعنى كثيرة وكان يأمر بالتماسها في أوتار العشر الأواخر ففي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان في تاسعة تبقى في سابعة تبقى في خامسة تبقى" وفي رواية له: "هي في العشر في سبع تمضين أو سبع يبقين".
وخرج الإمام أحمد والنسائي والترمذي من حديث أبي بكرة قال: ما أنا بملتمسها لشيء سمعته من رسول الله ﷺ إلا في العشر الأواخر فإني سمعته يقول: "التمسوها في تسع يبقين أو سبع يبقين أو خمس يبقين أو ثلاث يبقين أو آخر ليلة" وكان أبو بكرة يصلي في العشرين من رمضان كصلاته في سائر السنة فإذا دخل العشر اجتهد ثم بعد ذلك أمر بطلبها في السبع الأواخر.
وفي المسند وكتاب النسائي عن أبي ذر قال: كنت أسأل الناس عنها يعني ليلة القدر فقلت: يا رسول الله أخبرني عن ليلة القدر؟ أفي رمضان هي أو في غيره؟ قال: "بلى هي في رمضان" قلت: تكون مع الأنبياء ما كانوا فإذا قبضوا رفعت أم هي إلى يوم القيامة؟ قال: "بل هي إلى يوم القيامة" قلت في أي رمضان هي؟ قال التمسوها في العشر الأول والعشر الأواخر قلت: فبأي العشرين هي؟ قال: في العشر الأواخر لا تسألني عن شيء بعدها ثم حدث رسول الله ﷺ ثم اهتبلت غفلته فقلت: يا رسول الله أقسمت بحقي لما أخبرتني في أي العشر هي؟ فغضب علي غضبا لم يغضب مثله منذ صحبته؟ وقال: "التمسوها في السبع الأواخر لا تسألني عن شيء بعدها" وخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم،
стр. 195
وفي رواية لهما: أنه قال: "ألم أنهك أن تسألني عنها إن الله لو أذن لي أن أخبركم بها لأخبرتكم لا آمن أن تكون في السبع الأواخر".
ففي هذه الرواية أن بيان النبي ﷺ لليلة القدر انتهى إلى أنها في السبع الأواخر ولم يزد على ذلك شيئا وهذا مما يستدل به من رجح ليلة ثلاث وعشرين وخمس وعشرين على ليلة إحدى وعشرين فإن ليلة إحدى وعشرين ليست من السبع الأواخر بلا تردد وقد روى عن النبي ﷺ من وجوه أخر: أنه بين أنها ليلة سبع وعشرين كما سيأتي إن شاء الله تعالى واختلف في أول السبع الأواخر فمنهم من قال أول السبع ليلة ثلاث وعشرين على حساب نقصان الشهر دون تمامه لأنها المتيقن وروي هذا ابن عباس وسيأتي كلامه فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وفي صحيح البخاري عن بلال قال: إنها أول السبع من العشر الأواخر وخرجه ابن أبي شيبة وعنده قال: ليلة ثلاث وعشرين وهذا قول مالك قال: أرى والله أعلم أن التاسعة ليلة إحدى وعشرين والسابعة ليلة ثلاث وعشرين والخامسة ليلة خمس وعشرين وتأوله عبد الملك بن حبيب على أنه إنما يحسب كذلك إذا كان الشهر ناقصا وليس هذا بشيء فإنه أمر بالإجتهاد في هذه الليالي على هذا الحساب وهذا لا يمكن أن يكون مراعى بنقصان الشهر في آخره.
وكان أيوب السختياني يغتسل ليلة ثلاث وعشرين ويمس طيبا وليلة أربع وعشرين ويقول: ليلة ثلاث وعشرين ليلة أهل المدينة وليلة أربع وعشرين ليلتنا يعني أهل البصرة.
وكذلك كان ثابت وحميد يفعلان وكانت طائفة تجتهد ليلة أربع وعشرين روي عن أنس والحسن وروي عنه قال: رقبت الشمس عشرين سنة ليلة أربع وعشرين فكانت تطلع لا شعاع لها وروي عن ابن عباس ذكره البخاري عنه وقيل: إن المحفوظ عنه أنها ليلة ثلاث وعشرين كما سبق.
وقد تقدم حديث إنزال القرآن في ليلة أربع وعشرين وكذلك أبو سعيد الخدري وأبو ذر حسبا الشهر تاما فيكون عندهما أول السبع الأواخر ليلة أربع وعشرين وممن اختار هذا القول ابن عبد البر واستدل بأن الأصل تمام الشهر ولهذا أمر النبي ﷺ بإكماله إذا غم مع احتمال نقصانه وكذلك رجحه بعض أصحابنا وقد تقدم من حديث أنس ﵁: أن النبي ﷺ كان إذا كان ليلة أربع
стр. 196
وعشرين لم يذق غمضا وإسناده ضعيف وقد روي عن النبي ﷺ ما يدل على أن أول السبع البواقي ليلة ثلاث وعشرين ففي مسند الإمام أحمد عن جابر أن عبد الله بن أنيس سأل رسول الله ﷺ عن ليلة القدر وقد خلت اثنان وعشرون ليلة فقال رسول الله ﷺ : "التمسوها في السبع الأواخر التي بقين من الشهر" وفيه أيضا عن عبد الله بن أنيس أنهم سألوا النبي ﷺ عن ليلة القدر وذلك مساء ليلة ثلاث وعشرين فقال: "التمسوها هذه الليلة" فقال رجل من القوم: فهي إذن يا رسول الله أولى ثمان فقال رسول الله ﷺ : "إنها ليست بأولى ثمان ولكنها أولى سبع أن الشهر لا يتم".
وفيه أيضا عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "كم مضى من الشهر"؟ قلنا: مضت ثنتان وعشرون وبقي ثمان فقال رسول الله ﷺ : "لا بل مضت ثنتان وعشرون وبقي سبع اطلبوها الليلة" وقد يحمل هذا على شهر خاص اطلع النبي ﷺ على نقصانه وهو بعيد ويدل على خلافه أنه روي في تمام حديث أبي هريرة ﵁ ثم قال رسول الله ﷺ : "الشهر هكذا وهكذا وهكذا ثم خنس إبهامه في الثالثة" فهذا يدل على أنه تشريع عام وإنه حسب الشهر على تقدير نقصانه أبدا لأنه المتيقن كما ذهب إليه أيوب ومالك وغيرهما وعلى قولهما تكون ليلة سابعة تبقى ليلة ثلاث وعشرين وليلة خامسة تبقى ليلة خمس وعشرين وليلة تاسعة تبقى ليلة إحدى وعشرين.
وقد روي عن النعمان بن بشير ﵁ أنه أنكر أن تحسب ليلة القدر بما مضى من الشهر وأخبر أن الصحابة يحسبونها بما بقي منه وهذا الإحتمال إنما يكون في مثل قول النبي ﷺ : "التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة" وقد خرجه البخاري من حديث عبادة ﵁ ومسلم من حديث أبي سعيد فإنه يحتمل أن يراد به التاسعة والسابعة والخامسة بما يبقى وبما يمضي فأما حديث ابن عباس وأبي بكرة وما في معناهما فإنها مقيدة بالباقي من الشهر فلا يحتمل أن يراد به الماضي وحينئذ يتوجه الإختلاف السابق في أنه هل يحسب على تقدير تمام الشهر أو نقصانه وحديث ابن عباس قد روي بالشك فيما مضى أو يبقى وقد خرجه البخاري بالوجهين.
وحديث أبي ذر في قيام النبي ﷺ بهم أفراد العشر الأواخر قد خرجه أبو داود الطيالسي بلفظ صريح: أنه قام بهم أشاع العشر الأواخر وحسبها أوتارا بالنسبة إلى ما يبقى من الشهر وقدره تاما وجعل الليلة التي قامها حتى خشوا أن يفوتهم
стр. 197
الفلاح ليلة ثمان وعشرين وهي الثالثة مما يبقى وقد قيل: إن ذلك من تصرف بعض الرواة بما فهمه من المعنى والله أعلم.
وعلى قياس من حسب الليالي الباقية من الشهر على تقدير نقصان الشهر فينبغي أن يكون عنده أول العشر الأواخر ليلة العشرين لاحتمال أن يكون الشهر ناقصا فلا يتحقق كونها عشر ليال بدون إدخال ليلة العشرين فيها وقد يقال: بل العشر الأواخر عبارة عما بعد انقضاء العشرين الماضية من الشهر وسواء كانت تامة أو ناقصة فهي المعبر عنها بالعشر الأواخر وقيامها هم قيام العشر الأواخر وهذا كما يقال: صام عشر ذي الحجة وإنما صام منه تسعة أيام ولهذا كان ابن سيرين يكره أن يقال: صام عشر ذي الحجة وقال: إنما يقال: صام التسع ومن لم يكره وهم الجمهور فقد يقولون: الصيام المضاف إلى العشر هو صيام ما يمكن منه وهو ما عدا يوم النحر ويطلق على ذلك العشر لأنه أكثر العشر والله أعلم.
وقد اختلف الناس في ليلة القدر كثيرا فحكى عن بعضهم أنها رفعت وحديث أبي ذر يرد ذلك وروي عن محمد بن الحنفية أنها في كل سبع سنين مرة وفي إسناده ضعف وعن بعضهم أنها في كل السنة حكي عن ابن مسعود وطائفة من الكوفيين وروي عن أبي حنيفة وقال الجمهور: هي في رمضان كل سنة ثم منهم من قال: هي في الشهر كله وحكي عن بعض المتقدمين: أنها أول ليلة منه وقالت طائفة: هي في النصف الثاني منه وقد حكي عن أبي يوسف ومحمد وقد تقدم قول من قال: إنها ليلة بدر على اختلافهم هي ليلة سبع عشرة أو تسع عشرة.
وقال الجمهور: هي منحصرة في العشر الأواخر واختلفوا في أي ليالي العشر أرجى فحكي عن الحسن ومالك أنها تطلب في جميع ليال العشر أشفاعه وأوتاره ورجحه بعض أصحابنا وقال: لأن قول النبي ﷺ : "التمسوها في تاسعة تبقى أو سابعة تبقى أو خامسة تبقى" إن حملناه على تقدير كمال الشهر كانت أشفاعا وإن حملناه على ما بقي منه حقيقة كان الأمر موقوفا على كمال الشهر فلا يعلم قبله فإن كان تاما كانت الليالي المأمور بها بطلبها أشفاعا وإن كان ناقصا كانت أوتارا فيوجب ذلك الإجتهاد في القيام في كلا الليلتين الشفع منها والوتر وقال الأكثرون: بل بعض لياليه أرجى من بعض وقالوا: الأوتار أرجى في الجملة ثم اختلفوا أي الأوتار أرجى: فمنهم من قال: ليلة إحدى وعشرين وهو المشهور عن الشافعي لحديث أبي سعيد الخدري وقد ذكرناه فيما سبق وحكي
стр. 198
عنه أنها تطلب ليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين قال في القديم: كأني رأيت والله أعلم أقوى الأحاديث فيه ليلة إحدى وعشرين وليلة ثلاث وعشرين وهي التي مات فيها علي بن أبي طالب ﵁ وقد جاء في ليلة سبع عشرة وليلة أربع وعشرين وليلة سبع وعشرين انتهى وقد روي عن علي وابن مسعود ﵄: أنها تطلب ليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين.
وحكى للشافعي قول آخر: أرجاها ليلة ثلاث وعشرين وهذا قول أهل المدينة وحكاه سفيان الثوري عن أهل مكة والمدينة وممن روي عنه أنه كان يوقظ أهلها فيها ابن عباس وعائشة وهو قول مكحول وروى رشدين بن سعد عن زهرة بن معبد قال: أصابني احتلام في أرض العدو وأنا في البحر ليلة ثلاث وعشرين في رمضان فذهبت لأغتسل فسقطت في الماء فإذا الماء عذب فناديت أصحابي أعلمهم أني في ماء عذب قال ابن عبد البر: هذه الليلة تعرف بليلة الجهني بالمدينة يعني عبد الله بن أنيس وقد روي عنه أن النبي ﷺ أمره بقيامها وفي صحيح مسلم عنه أن النبي ﷺ قال في ليلة القدر: "أريت أني أسجد صبيحتها في ماء وطين" فانصرف النبي ﷺ من صلاة الصبح يوم ثلاث وعشرين وعلى جبهته أثر الماء والطين وقال سعيد بن المسيب: كان النبي ﷺ في نفر من أصحابه فقال: "ألا أخبركم بليلة القدر"؟ قالوا: بلى يا رسول الله فسكت ساعة ثم قال: "لقد قلت لكم ما قلت آنفا وأنا أعلمها ثم أنسيتها أرأيتم يوما كنا بموضع كذا وكذا ـ أي ليلة هي" في غزوة غزاها ـ فقالوا: سرنا فقفلنا حتى استقام ملأ القوم على أنها ليلة ثلاث وعشرين خرجه عبد الرزاق في كتابه.
ورجحت طائفة ليلة أربع وعشرين وهم: الحسن وأهل البصرة وقد روي عن أنس وكان حميد وأيوب وثابت يحتاطون فيجمعون بين الليلتين أعني ليلة ثلاث وأربع ورجحت طائفة ليلة سبع وعشرين وحكاه الثوري عن أهل الكوفة وقال نحن نقول هي ليلة سبع وعشرين لما جاءنا عن أبي بن كعب وممن قال بهذا أبي بن كعب وكان يحلف عنه ولا يستثني وزر بن حبيش وعبده بن أبي لبابة وروي عن قنان بن عبد الله النهي قال: سألت زرا عن ليلة القدر؟ فقال: كان عمر وحذيفة وأناس من أصحاب النبي ﷺ لا يشكون أنها ليلة سبع وعشرين خرجه ابن أبي شيبة وهو قول أحمد وإسحاق وذهب أبو قلابة إلى أنها تنتقل في ليالي العشر وروي عنه أنها تنتقل في أوتاره خاصة وممن قال بانتقالها في ليال العشر: المزني وابن خزيمة وحكاه ابن عبد البر عن مالك والثوري
стр. 199
والشافعي وأحمد وأبي ثور وفي صحة ذلك عنهم بعد وإنما قول أنها في العشر وتطلب في لياليه كله.
واختلفوا في أرجى لياليه كما سبق واستدل من رجح ليلة سبع وعشرين بأن أبي بن كعب كان يحلف على ذلك ويقول بالآية أو بالعلامة التي أخبرنا بها رسول الله ﷺ أن الشمس تطلع في صبيحتها لا شعاع لها خرجه مسلم وخرجه أيضا بلفظ آخر عن أبي بن كعب ﵁ قال: والله إني لأعلم أي ليلة هي هي الليلة التي أمرنا رسول الله ﷺ بقيامها هي ليلة سبع وعشرين وفي مسند الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ أن رجلا قال: يا رسول الله إني شيخ كبير عليل يشق علي القيام فمرني بليلة يوفقني الله فيها لليلة القدر قال: "عليك بالسابعة" وإسناده على شرط البخاري.
وروى الإمام أحمد أيضا قال حدثنا يزيد بن هارون: أنبأنا شعبة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كان منكم متحريها فليتحرها ليلة سبع وعشرين" أو قال: "تحروها ليلة سبع وعشرين" يعني ليلة القدر ورواه شبابة ووهب بن جرير عن شعبة مثله ورواه أسود بن عامر عن شعبة مثله وزاد: "في السبع البواقي" قال شعبة: وأخبرني ثقة عن سفيان أنه إنما قال: في السبع البواقي يعني لم يقل: ليلة سبع وعشرين قال أحمد في رواية ابنه صالح الثقة هو يحيى بن سعيد قال شعبة: فلا أدري أيهما قال ورواه عمرو عن شعبة وقال في حديثه: "ليلة سبع وعشرين" أو قال: "في السبع الأواخر" بالشك فرجع الأمر إلى أن شعبة شك في لفظه ورواه حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمرو قال: كانوا لا يزالون يقصون على النبي ﷺ إنها الليلة السابعة من العشر الأواخر فقال رسول الله ﷺ : "أرى رؤياكم أنها قد تواطأت إنها ليلة السابعة في العشر الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها ليلة السابعة من العشر الأواخر" كذا رواه حنبل بن اسحاق عن عارم عن حماد وكذا خرجه الطحاوي عن إبراهيم بن مرزوق عن عارم ورواه البخاري في صحيحه عن عارم إلا أنه لم يذكر لفظه ليلة السابعة بل قال: "من كان متحريها فليتحرها في العشر الأواخر" ورواه عبد الرزاق في كتابه عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني رأيت في النوم ليلة القدر كأنها ليلة سابعة فقال رسول الله ﷺ : "إني أرى رؤياكم قد تواطأت إنها ليلة سابعة فمن كان متحريها منكم فليتحرها في ليلة سابعة" قال معمر: فكان
стр. 200
أيوب يغتسل في ليلة ثلاث وعشرين يشير إلى أنه حملها على سابعة تبقى وخرجه الثعلبي في تفسيره من طريق الحسن بن عبد الأعلى عن عبد الرزاق بهذا الإسناد وقال: في حديثه ليلة سابعة تبقى فقال رسول الله ﷺ : "إني أرى رؤياكم قد تواطأت على ثلاث وعشرين فمن كان منكم يريد أن يقوم من الشهر شيئا فليقم ليلة ثلاث وعشرين" وهذه الألفاظ غير محفوظة في الحديث والله أعلم.
وفي سنن أبي داود بإسناد رجاله كلهم رجال الصحيح عن معاوية عن النبي ﷺ في ليلة القدر ليلة سبع وعشرين وخرجه ابن حبان في صحيحه وصححه ابن عبد البر وله علة وهي وقفه على معاوية وهو أصح عند الإمام أحمد والدارقطني وقد اختلف أيضا عليه في لفظه وفي المسند عن ابن مسعود ﵁ أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: متى ليلة القدر؟ فقال: "من يذكر منكم ليلة الصهباوات" قال عبد الله: أنا بأبي أنت وأمي وإن في يدي لتمرات أتسحر بهن مستترا بمؤخرة رحل من الفجر وذلك حين طلع القمر وخرجه يعقوب بن شيبة في مسنده وزاد: وذلك ليلة سبع وعشرين وقال: صالح الإسناد والصهباوات: موضع بقرب خيبر وفي المسند أيضا من وجه آخر عن ابن مسعود ﵁ عن النبي قال: "إن ليلة القدر في النصف من السبع الأواخر من رمضان" وإذا حسبنا أول السبع الأواخر ليلة أربع وعشرين كانت ليلة سبع وعشرين نصف السبع لأن قبلها ثلاث ليال وبعدها ثلاث ليال.
ومما يرجح أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين أنها من السبع الأواخر التي أمر النبي ﷺ بالتماسها فيها بالإتفاق وفي دخول الثالثة والعشرين في السبع اختلاف سبق ذكره ولا خلاف أنها آكد من الخامس والعشرين ومما يدل على ذلك أيضا حديث أبي ذر في قيام النبي ﷺ بهم في أفراد السبع الأواخر وإنه قام بهم في الثالثة والعشرين إلى ثلث الليل وفي الخامسة إلى نصف الليل وفي السابعة إلى آخر الليل حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح وجمع أهله ليلتئذ وجمع الناس وهذا كله يدل على تأكدها على سائر أفراد السبع والعشر.
ومما يدل على ذلك ما استشهد به ابن عباس ﵁ بحضرة عمر ﵁ والصحابة معه واستحسنه عمر ﵁ وقد روي من وجوه متعددة: فروى عبد الرزاق في كتابه عن معمر عن قتادة وعاصم أنهما سمعا عكرمة يقول: قال ابن عباس ﵄ دعا عمر بن الخطاب أصحاب محمد ﷺ فسألهم عن ليلة القدر فأجمعوا أنها في العشر الأواخر قال ابن عباس: فقلت لعمر ﵁: إني لأعلم أو
стр. 201
إني لأظن أي ليلة هي؟ قال عمر ﵁: وأي ليلة هي؟: قلت: سابعة تمضي أو سابعة تبقى من العشر الأواخر فقال عمر ﵁: ومن أين علمت ذلك؟ قال: فقلت: إن الله خلق سبع سموات وسبع أرضين وسبعة أيام وإن الدهر يدور على سبع وخلق الله الإنسان في سبع ويأكل من سبع ويسجد على سبع والطواف بالبيت سبع ورمي الجمار سبع لا يشاء ذكرها فقال عمر ﵁: لقد فطنت لأمر ما فطنا له.
وكان قتادة يزيد على ابن عباس في قوله: يأكل من سبع قال هو قول الله : ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً، وَعِنَباً وَقَضْباً، وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً، وَحَدَائِقَ غُلْباً، وَفَاكِهَةً وَأَبّاً﴾ [عبس: ٢٧, ٣١] ولكن في هذه الرواية: أنها في سبع تمضي أو تبقى بالترديد في ذلك وخرجه ابن شاهين من رواية عبد الواحد بن زياد عن عاصم الأحول حدثني لاحق بن حميد وعكرمة قالا: قال عمر ﵁: من يعلم ليلة القدر؟ فذكر الحديث بنحوه وزاد: أن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "هي في العشر سبع تمضي أو سبع تبقى" فخالف في إسناده وجعله مرسلا ورفع آخره روى ابن عبد البر بإسناد صحيح من طريق سعيد بن جبير قال: كان ناس من المهاجرين وجدوا على عمر في ادنائه ابن عباس فجمعهم ثم سألهم عن ليلة القدر فأكثروا فيها فقال بعضهم: كنا نراها في العشر الأوسط ثم بلغنا أنها في العشر الأواخر فأكثروا فيها فقال بعضهم: ليلة إحدى وعشرون وقال بعضهم: ليلة ثلاث وعشرون وقال بعضهم: ليلة سبع وعشرين فقال عمر ﵁: يا ابن عباس تكلم فقال: الله أعلم قال عمر: قد نعلم أن الله يعلم وإنما نسألك عن علمك فقال ابن عباس ﵄: إن الله وتر يحب الوتر خلق من خلقه سبع سموات فاستوى عليهن وخلق الأرض سبعا وجعل عدة الأيام سبعا ورمي الجمار سبعا وخلق الإنسان من سبع وجعل رزقه من سبع فقال عمر: خلق الإنسان من سبع وجعل رزقه من سبع هذا أمر ما فهمته؟ فقال: إن الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون:١٢] حتى بلغ آخر الآيات وقرأ: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً، فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً، وَعِنَباً وَقَضْباً، وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً، وَحَدَائِقَ غُلْباً، وَفَاكِهَةً وَأَبّاً، مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات: ٢٥, ٣٣] ثم قال: والأب للدواب.
وخرجه ابن سعد في طبقاته عن اسحاق الأزرق عن عبد الملك بن أبي سليمان عن سعيد بن جبير فذكره بمعناه وزاد في آخره: قال: وأما ليلة القدر فما تراها إن شاء الله إلا ليلة ثلاث وعشرين يمضين أو سبع يبقين والظاهر إن هذا.
стр. 202
سمعه سعيد بن جبير من ابن عباس فيكون متصلا وروى عاصم بن كليب عن أبيه عن ابن عباس ﵄ قال: دعا عمر الأشياخ من أصحاب محمد ﷺ ذات يوم فقال لهم: إن رسول الله ﷺ قال: في ليلة القدر ما قد علمتم "التمسوها في العشر الأواخر وترا" ففي أي الوتر ترونها؟ فقال رجل برأيه: أنها تاسعة سابعة خامسة ثالثة ثم قال: يا ابن عباس تكلم فقلت: أقول برأي قال: عن رأيك أسألك؟ فقلت: إني سمعت رسول الله أكثر من ذكر السبع وذكر باقيه بمعنى ما تقدم وفي آخره قال عمر ﵁: أعجزتم أن تقولوا مثل ما قال هذا الغلام الذي لم تستوي شؤون رأسه خرجه الإسماعيلي في مسند عمر والحاكم وقال: صحيح الإسناد وخرجه الثعلبي في تفسيره وزاد قال ابن عباس فما أراها إلا ليلة ثلاث وعشرين لسبع بقين وخرج علي بن المديني في كتاب العلل المرفوع منه وقال: هو صالح وليس مما يحتج به.
وروى مسلم الملاي ـ وهو ضعيف ـ عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ أن عمر قال له: أخبرني برأيك عن ليلة القدر فذكر معنى ما تقدم وفيه أن ابن عباس قال: لا أراها إلا في سبع يبقين من رمضان فقال عمر وافق رأي رأيك وروي بإسناد فيه ضعف عن محمد بن كعب عن ابن عباس: أن عمر ﵁ جلس في رهط من أصحاب النبي ﷺ فتذاكروا ليلة القدر فذكر معنى ما تقدم وزاد فيه عن ابن عباس أنه قال: وأعطى من المثاني سبعا ونهى في كتابه عن نكاح الأقربين عن سبع وقسم الميراث في كتابه على سبع ونقع في السجود من أجسادنا على سبع وقال: فأراها في السبع الأواخر من رمضان.
وليس في شيء من هذه الروايات أنها ليلة سبع وعشرين جزما بل في بعضها الترديد بين ثلاث وسبع وفي بعضها: أنها ليلة ثلاث وعشرين لأنها أول السبع الأواخر على رأيه وقد صح عن ابن عباس أنه كان ينضح على أهله الماء ليلة ثلاث وعشرين خرجه عبد الرزاق وخرجه ابن أبي عاصم مرفوعا والموقوف أصح.
وقد استنبط طائفة من المتأخرين من القرآن أنها ليلة سبع وعشرين موضعين:
أحدهما: أن الله تعالى ذكر ليلة القدر في سورة القدر في ثلاثة مواضع منها وليلة القدر حروفها تسع حروف والتسع إذا ضربت في ثلاثة فهي سبع وعشرون.
стр. 203
والثاني: أنه قال سلام الله عليه فكلمة هي: هي الكلمة السابعة والعشرون من السورة فإن كلماتها كلها ثلاثون كلمة.
قال ابن عطية: هذا من ملح التفسير لا من متين العلم وهو كما قال ومما استدل به من رجح ليلة سبع وعشرين بالآيات والعلامات التي رأيت فيها قديما وحديثا وبما وقع فيها من إجابة الدعوات فقد تقدم عن أبي بن كعب أنه استدل على ذلك بطلوع الشمس في صبيحتها لا شعاع لها وكان عبدة ابن أبي لبابة يقول: هي ليلة سبع وعشرين ويستدل على ذلك فإنه قد جرب ذلك بأشياء وبالنجوم خرجه عبد الرزاق وروي عن عبدة أنه ذاق ماء البحر ليلة سبع وعشرين فإذا هو عذب ذكره الإمام أحمد بإسناده وطاف بعض السلف ليلة سبع وعشرين بالبيت الحرام فرأى الملائكة في الهواء طائفين فوق رؤوس الناس وروى أبو موسى المديني من طريق أبي الشيخ الأصبهاني بإسناد عن حماد بن شعيب عن رجل منهم قال: كنت بالسواد فلما كان في العشر الأواخر جعلت أنظر بالليل فقال لي رجل منهم: إلى أي شيء تنظر؟ قلت: إلى ليلة القدر قال: فنم فإني سأخبرك فلما كان ليلة سبع وعشرين جاء وأخذ بيدي فذهب بي إلى النخل فإذا النخل واضع سعفه في الأرض فقال: لسنا نرى هذا في السنة كلها إلا في هذه الليلة وذكر أبو موسى بأسانيد له أن رجلا مقعدا دعا الله ليلة سبع وعشرين فأطلقه وعن امرأة مقعدة كذلك وعن رجل بالبصرة كان أخرس ثلاثين سنة فدعا الله ليلة سبع وعشرين فأطلق لسانه فتكلم.
وذكر الوزير أبو المظفر ابن هبيرة أنه رأى ليلة سبع وعشرين وكانت ليلة جمعة بابا في السماء مفتوحا شامي الكعبة قال: فظننته حيال الحجرة النبوية المقدسة قال: ولم يزل كذلك إلى أن التفت إلى المشرق لأنظر طلوع الفجر ثم التفت إليه فوجدته قد غاب قال: وإن وقع في ليلة من أوتار العشر ليلة جمعة فهي أرجى من غيرها "واعلم أن جميع هذه العلامات لا توجب القطع بليلة القدر".
وقد روى سلمة بن شبيب في كتاب فضائل رمضان حدثنا إبراهيم بن الحكم حدثني أبي قال: حدثني فرقد: أن أناسا من الصحابة كانوا في المسجد فسمعوا كلاما من السماء ورأوا نورا من السماء وبابا من السماء وذلك في شهر رمضان فأخبروا رسول الله ﷺ بما رأوا فزعم أن رسول الله ﷺ قال: "أما النور فنور رب العزة تعالى وأما الباب فباب السماء والكلام كلام الأنبياء فكل شهر رمضان على هذه الحال ولكن هذه ليلة كشف غطاؤها" وهذا مرسل ضعيف.
стр. 204
وأما العمل في ليلة القدر فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" وقيامها إنما هو إحياؤها بالتهجد فيها والصلاة وقد أمر عائشة بالدعاء فيها أيضا قال سفيان الثوري الدعاء في تلك الليلة أحب إلي من الصلاة قال: وإذا كان يقرأ وهو يدعو ويرغب إلى الله في الدعاء والمسألة لعله يوافق انتهى ومراده أن كثرة الدعاء أفضل من الصلاة التي لا يكثر فيها الدعاء وإن قرأ ودعا كان حسنا وقد كان النبي ﷺ يتهجد في ليالي رمضان ويقرأ قراءة مرتلة لا يمر بآية فيها رحمة إلا سأل ولا بآية فيها عذاب إلا تعوذ فيجمع بين الصلاة والقراءة والدعاء والتفكر وهذا أفضل الأعمال وأكملها في ليالي العشر وغيرها والله أعلم وقد قال الشعبي في ليلة القدر: ليلها كنهارها وقال الشافعي في القديم: استحب أن يكون اجتهاده في نهارها كاجتهاده في ليلها وهذا يقتضي استحباب الإجتهاد في جميع زمان العشر الأواخر ليله ونهاره والله أعلم المحبون تطول عليهم الليالي فيعدونها غدا لانتظار ليالي العشر في كل عام فإذا ظفروا بها نالوا مطلوبهم وخدموا محبوبهم.
قد مزق الحب قميص الصبر ... وقد غدوت حائرا في أمري
آه على تلك الليالي الغر ... ما كن إلا كليالي القدر
إن عدن لي من بعد هذا الهجر ... وفيت لله بكل نذر
وقام بالحمد خطيب شكري
رياح هذه الأسحار تحمل أنين المذنبين وأنفاس المحبين وقصص التائبين ثم تعود برد الجواب بلا كتاب.
أعلمتمو أن النسيم إذا سرى ... حمل الحديث إلى الحبيب كما جرى
جهل الحبيب بأنني في حبهم ... سهر الدجى عندي ألذ من الكرى
...
فإذا ورد يريد برد السحر بحمل ملطفات الألطاف لم يفهمها غير من كتبت إليه.
نسيم صبا نجد متى جئت حاملا ... تحيتهم فاطو الحديث عن الركب
ولا تذع السر المصون فإنني ... أغار على ذكر الأحبة من صحبي
يا يعقوب الهجر قد هبت ريح يوسف الوصل فلو استنشقت لعدت بعد العمى بصيرا ولوجدت ما كنت لفقده فقيرا.
стр. 205
كان لي قلب أعيش به ... ضاع مني في تقلبه
رب فاردده علي فقد ... عيل صبري في تطلبه
وأغثني ما دام بي رمق ... يا غياث المستغيث به
لو قام المذنبون في هذه الأسحار على أقدام الإنكسار ورفعوا قصص الإعتذار مضمونها: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٨٨] لبرز لهم التوقيع عليها: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢] .
أشكو إلى الله كما قد شكى ... أولاد يعقوب إلى يوسف
قد مسني الضر وأنت الذي ... تعلم حالي وترى موقفي
بضاعتي المزجاة محتاجة ... إلى سماح من كريم وفي
فقد أتى المسكين مستمطرا ... جودك فارحم ذله واعطف
فاوف كيلي وتصدق على ... هذا المقل البائس الأضعف
قالت عائشة ﵂ للنبي ﷺ : أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول فيها قال: قولي: "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني" العفو من أسماء الله تعالى وهو يتجاوز عن سيئات عباده الماحي لأثارهم عنهم وهو يحب العفو فيحب أن يعفو عن عباده ويحب من عباده أن يعفو بعضهم عن بعض فإذا عفا بعضهم عن بعض عاملهم بعفوه وعفوه أحب إليه من عقوبته وكان النبي ﷺ يقول: "أعوذ برضاك من سخطك وعفوك من عقوبتك" قال يحيى بن معاذ: لو لم يكن العفو أحب الأشياء إليه لم يبتل بالذنب أكرم الناس عليه يشير إلى أنه ابتلى كثيرا من أوليائه وأحبابه بشيء من الذنوب ليعاملهم بالعفو فإنه يحب العفو قال بعض السلف الصالح: لو علمت أحب الأعمال إلى الله تعالى لأجهدت نفسي فيه فرأى قائلا يقول له في منامه: إنك تريد ما لا يكون إن الله يحب أن يعفو ويغفر وإنما أحب أن يعفو ليكون العباد كلهم تحت عفوه ولا يدل عليه أحد منهم بعمل.
وقد جاء في حديث ابن عباس مرفوعا: "إن الله ينظر ليلة القدر إلى المؤمنين من أمة محمد ﷺ فيعفو عنهم ويرحمهم إلا أربعة: مدمن خمر وعاقا ومشاحنا وقاطع رحم" لما عرف العارفون بجلاله خضعوا ولما سمع المذنبون بعفوه طمعوا ما تم إلا عفو الله أو النار لولا طمع المذنبين في العفو لاحترقت قلوبهم
стр. 206
باليأس من الرحمة ولكن إذا ذكرت عفو الله استروحت إلى برد عفوه كان بعض المتقدمين يقول في دعائه: اللهم إن ذنوبي قد عظمت فجلت عن الصفة وإنها صغيرة في جنب عفوك فاعف عني وقال آخر منهم: جرمي عظيم وعفوك كثير فاجمع بين جرمي وعفوك يا كريم.
يا كبير الذنب عفو ... الله من ذنبك أكبر
أكبر الأوزار في ... جنب عفو الله يصغر
وإنما أمر بسؤال العفو في ليلة القدر بعد الإجتهاد في الأعمال فيها وفي ليالي العشر لأن العارفين يجتهدون في الأعمال ثم لا يرون لأنفسهم عملا صالحا ولا حالا ولا مقالا فيرجعون إلى سؤال العفو كحال المذنب المقصر قال يحيى بن معاذ: ليس بعارف من لم يكن غاية أمله من الله العفو.
إن كنت لا أصلح للقرب ... فشأنك عفو عن الذنب
كان مطرف يقول في دعائه: اللهم ارض عنا فإن لم ترض عنا فاعف عنا من عظمت ذنوبه في نفسه لم يطمع في الرضا وكان غاية أمله أن يطمع في العفو ومن كملت معرفته لم ير نفسه إلا في هذه المنزلة.
يا رب عبدك قد أتا ... ك وقد أساء وقد هفا
يكفيه منك حياؤه ... من سوء ما قد أسلفا
حمل الذنوب على الذنو ... ب الموبقات وأسرفا
وقد استجار بذيل عفو ... ك من عقابك ملحفا
رب اعف وعافه ... فلأنت أولى من عفا
стр. 207
المجلس السادس في وداع رمضان .
في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" وفيهما أيضا من حديث أبي هريرة أيضا ﵁ عن النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 208
قال: "من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" وللنسائي في رواية: "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" وقد سبق في قيام ليلة القدر مثل ذلك من رواية عبادة بن الصامت والتكفير بصيامه قد ورد مشروطا بالتحفظ مما ينبغي أن يتحفظ منه ففي المسند وصحيح ابن حبان عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من صام رمضان فعرف حدوده وتحفظ مما ينبغي له أن يتحفظ منه كفر ذلك ما قبله" والجمهور على أن ذلك إنما يكفر الصغائر ويدل عليه ما خرجه مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "الصلوات الخمس الجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر" وفي تأويله قولان:
أحدهما: أن تكفير هذه الأعمال مشروط باجتناب الكبائر فمن لم يجتنب الكبائر لم تكفر له الأعمال كبيرة ولا صغيرة.
والثاني: أن المراد أن هذه الفرائض تكفر الصغائر خاصة بكل حال وسواء اجتنبت الكبائر أو لم تجتنب وأنها لا تكفر الكبائر بحال وقد قال ابن المنذر في قيام ليلة القدر: إنه يرجى به مغفرة الذنوب كبائرها وصغائرها وقال غيره مثل ذلك في الصوم أيضا والجمهور على: أن الكبائر لا بد لها من توبة نصوح وهذه المسائل قد ذكرناها مستوفاة في مواضع أخر فدل حديث أبي هريرة ﵁ على: أن هذه الأسباب الثلاثة كل واحد منها مكفر لما سلف من الذنوب وهي: صيام رمضان وقيامه وقيام ليلة القدر.
فقيام ليلة القدر بمجرده يكفر الذنوب لمن وقعت له كما في حديث عبادة بن الصامت وقد سبق ذكره وسواء كانت أول العشر أو أوسطه أو آخره وسواء شعر بها أو لم يشعر ولا يتأخر تكفير الذنوب بها إلى انقضاء الشهر وأما صيام رمضان وقيامه فيتوقف التكفير بهما على تمام الشهر فإذا تم الشهر فقد كمل للمؤمن صيام رمضان وقيامه فيترتب له على ذلك مغفرة ما تقد من ذنبه بتمام السببين وهما صيامه وقيامه وقد يقال: إنه يغفر لهم عند استكمال القيام في آخر ليلة من رمضان بقيام رمضان قبل تمام نهارها وتتأخر المغفرة بالصيام إلى إكمال النهار بالصوم فيغفر لهم بالصوم في ليلة الفطر ويدل على ذلك ما خرجه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أعطيت أمتي خمس خصال في رمضان لم يعطها أمة غيرهم خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا ويزين الله كل يوم
стр. 209
جنته ويقول: يوشك عبادي أن يكفوا عنهم المؤنة والأذى ويصيروا إليك ويصفد فيه مردة الشياطين فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره ويغفر لهم في آخر ليلة فيه فقيل له: يا رسول الله أهي ليلة القدر؟ قال: لا ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله".
وقد روي: أن الصائمين يرجعون يوم الفطر مغفورا لهم وإن يوم الفطر يسمى يوم الجوائز وفيه أحاديث ضعيفة وقال الزهري إذا كان يوم الفطر خرج الناس إلى الجبار اطلع عليهم قال: عبادي لي صمتم ولي قمتم ارجعوا مغفورا لكم قال مورق العجلي لبعض إخوانه في المصلى يوم الفطر: يرجع هذا اليوم قوم كما ولدتهم أمهاتهم وفي حديث أبي جعفر الباقر المرسل: "من أتى عليه رمضان فصام نهاره وصلى وردا من ليله وغض بصره وحفظ فرجه ولسانه ويده وحافظ على صلاته في الجماعة وبكر إلى الجمعة فقد صام الشهر واستكمل الأجر وأدرك ليلة القدر وفاز بجائزة الرب" قال أبو جعفر: جائزة لا تشبه جوائز الأمراء إذا أكمل الصائمون صيام رمضان وقيامه فقد وفوا ما عليهم من العمل وبقي ما لهم من الأجر وهو المغفرة فإذا خرجوا يوم عيد الفطر إلى الصلاة قسمت عليهم أجورهم فرجعوا إلى منازلهم وقد استوفوا الأجر واستكملوه كما في حديث ابن عباس ﵄ المرفوع: "إذا كان يوم الفطر هبطت الملائكة إلى الأرض فيقومون على أفواه السكك ينادون بصوت يسمعه جميع من خلق الله إلا الجن والإنس يقولون: يا أمة محمد اخرجوا إلى رب كريم يعطي الجزيل ويغفر الذنب العظيم فإذا برزوا إلى مصلاهم يقول الله لملائكته: يا ملائكتي ما جزاء الأجير إذا عمل عمله؟ فيقولون: إلهنا وسيدنا أن توفيه أجره فيقول: إني أشهدكم أني قد جعلت ثوابهم من صيامهم وقيامهم رضائي ومغفرتي انصرفوا مغفورا لكم" خرجه سلمة بن شبيب في كتاب فضائل رمضان وغيره وفي إسناده مقال وقد روي من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ موقوفا بعضه وقد روي معناه مرفوعا من وجوه أخر فيها ضعف: من وفى ما عليه من العمل كاملا وفى له الأجر كاملا ومن سلم ما عليه وفرا تسلم ماله نقدا لا مؤخرا.
ما بعتكم مهجتي إلا بوصلكم ... ولا أسلمها إلا يدا بيد
فإن وفيتم بما قلتم وفيت أنا ... وإن أبيتم يكون الرهن تحت يدي
ومن نقص من العمل الذي عليه نقص من الأجر بحسب نقصه فلا يلم إلا
стр. 210
نفسه قال سلمان: الصلاة مكيال فمن وفى وفي له ومن طفف فقد علمتم ما قيل في المطففين فالصيام وسائر الأعمال على هذا المنوال من وفاها فهو من خيار عباد الله الموفين ومن طفف فيها فويل للمطففين أما يستحي من يستوفي مكيال شهواته ويطفف في مكيال صيامه وصلاته إلا بعد المدين في الحديث: "أسوأ الناس سرقة الذي يسرق صلاته" إذا كان الويل لمن طفف مكيال الدنيا فكيف حال من طفف مكيال الدين: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤, ٥] .
غدا توفى النفوس ما كسبت ... ويحصد الزارعون ما زرعوا
إن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم ... وإن أسؤا فبئس ما صنعوا
كان السلف الصالح يجتهدون في إتمام العمل وإكماله وإتقانه ثم يهتمون بعد ذلك بقبوله ويخافون من رده وهؤلاء الذين: ﴿يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] روي عن علي ﵁ قال: كونوا لقبول العمل أشد اهتماما منكم بالعمل ألم تسمعوا الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] وعن فضالة بن عبيد قال: لأن أكون أعلم أن الله قد تقبل مني مثقال حبة من خردل أحب إلي من الدنيا وما فيها لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] قال ابن دينار: الخوف على العمل أن لا يتقبل أشد من العمل وقال عطاء السلمي: الحذر الاتقاء على العمل أن لا يكون لله وقال عبد العزيز بن أبي رواد: أدركتهم يجتهدون في العمل الصالح فإذا فعلوه وقع عليهم الهم أيقبل منهم أم لا.
قال بعض السلف كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم شهر رمضان ثم يدعون الله ستة أشهر أن يتقبله منهم خرج عمر بن عبد العزيز ﵀ في يوم عيد فطر فقال في خطبته: أيها الناس إنكم صمتم لله ثلاثين يوما وقمتم ثلاثين ليلة وخرجتم اليوم تطلبون من الله أن يتقبل منكم كان بعض السلف يظهر عليه الحزن يوم عيد الفطر فيقال له: إنه يوم فرح وسرور فيقول: صدقتم ولكني عبد أمرني مولاي أن أعمل له عملا فلا أدري أيقبله مني أم لا؟.
رأى وهب بن الورد قوما يضحكون في يوم عيد فقال: إن كان هؤلاء تقبل منهم صيامهم فما هذا فعل الشاكرين وإن كان لم يتقبل منهم صيامهم فما هذا فعل الخائفين وعن الحسن قال: إن الله جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه يستبقون
стр. 211
فيه بطاعته إلى مرضاته فسبق قوم ففازوا وتخلف آخرون فخابوا فالعجب من اللاعب الضاحك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون ويخسر فيه المبطلون.
لعلك غضبان وقلبي غافل ... سلام على الدارين إن كنت راضيا
روي عن علي ﵁ أنه كان ينادي في آخر ليلة من شهر رمضان: يا ليت شعري من هذا المقبول فنهنيه ومن هذا المحروم فنعزيه وعن ابن مسعود أنه كان يقول: من هذا المقبول منا فنهنيه ومن هذا المحروم منا فنعزيه أيها المقبول هنيئا لك أيها المردود جبر الله مصيبتك.
ليت شعري من فيه يقبل منا ... فيهنا يا خيبة المردود
من تولى عنه بغير قبول ... أرغم الله أنفه بخزي شديد
ماذا فات من فاته خير رمضان وأي شيء أدرك من أدركه فيه الحرمان كم بين من حظه فيه القبول والغفران ومن كان حظه فيه الخيبة والخسران رب قائم حظه من قيامه السهر وصائم حظه من صيامه الجوع والعطش.
ما أصنع هكذا جرى المقدور ... الجبر لغيري وأنا المكسور
أسير ذنب مقيد مهجور ... هل يمكن أن يغير المقدور
غيره.
سار القوم والشفاء يقعدني ... حازوا القرب والجفا يبعدني
حسبي حسبي إلى متى تطردني ... أعداي داني وكلهم يقصدني
غيره:
"أسباب هواك أوهنت أسبابي ... من بعد جفاك فالضنى أولى بي
ضاقت حيلي وأنت تدري ما بي ... فارحم فالعبد واقف بالباب
شهر رمضان تكثر فيه أسباب الغفران فمن أسباب المغفرة فيه صيامه وقيامه وقيام ليلة القدر فيه كما سبق.
ومنها: تفطير الصوام والتخفيف عن المملوك وهما مذكوران في حديث سلمان المرفوع.
ومنها: الذكر وفي حديث مرفوع: "ذاكر الله في رمضان مغفور له".
ومنها: الإستغفار والإستغفار طلب المغفرة.
стр. 212
ودعاء الصائم مستجاب في صيامه وعند فطره ولهذا كان ابن عمر إذا أفطر يقول: اللهم يا واسع المغفرة اغفر لي وفي حديث أبي هريرة ﵁ المرفوع في فضل شهر رمضان "ويغفر فيه إلا لمن أبى" قالوا: يا أبا هريرة ومن يأبى؟ قال: "يأبى أن يستغفر الله".
ومنها: استغفار الملائكة للصائمين حتى يفطروا وقد تقدم ذكره.
فلما كثرت أسباب المغفرة في رمضان كان الذي تفوته المغفرة فيه محروما غاية الحرمان وفي صحيح ابن حبان عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ صعد المنبر فقال: "آمين آمين آمين" قيل: يا رسول الله إنك صعدت المنبر فقلت: "آمين آمين آمين؟ فقال: "إن جبريل أتاني فقال: من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله قل آمين فقلت آمين ومن أدرك أبويه أو أحدهما فلم يبرهما فمات فدخل النار فأبعده الله قل آمين فقلت آمين ومن ذكرت عنده فلم يصل عليك فمات فدخل النار فأبعده الله قل آمين فقلت آمين" وخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان أيضا من وجه آخر عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا بلفظ: "رغم أنفه" وحسنه الترمذي وقال سعيد عن قتادة: كان يقال: من لم يغفر له في رمضان فلن يغفر له فيما سواه وفي حديث آخر: إذا لم يغفر له في رمضان فمتى يغفر لمن لا يغفر له في هذا الشهر من يقبل من رد في ليلة القدر متى يصلح من لا يصلح في رمضان حتى يصلح من كان به فيه من داء الجهالة والغفلة مرضان كل مالا يثمر من الأشجار في أوان الثمار فإنه يقطع ثم يوقد في النار من فرط في الزرع في وقت البدار لم يحصد يوم الحصاد غير الندم والخسارة.
ترحل شهر الصبر والهفاه وانصرما ... واختص بالفوز في الجنات من خدما
وأصبح الغافل المسكين منكسرا ... مثلي فيا ويحه يا عظم ما حرما
من فاته الزرع في وقت البدار فما ... تراه يحصد إلا الهم والندما
شهر رمضان شهر أوله رحمه وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار روي هذا عن النبي ﷺ من حديث سلمان الفارسي خرجه ابن خزيمة في صحيحه وروي عنه أيضا من حديث أبي هريرة ﵁ خرجه ابن أبي الدنيا وغيره والشهر كله شهر رحمة ومغفرة وعتق ولهذا في الحديث الصحيح: "إنه تفتح فيه أبواب الرحمة" وفي الترمذي وغيره: "إن لله عتقاء من النار وذلك كل ليلة" ولكن الأغلب على أوله الرحمة وهي للمحسنين المتقين قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ
стр. 213
مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [لأعراف: ٥٦] وقال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [لأعراف: ١٥٦] فيفاض على المتقين في أول الشهر خلع الرحمة والرضوان ويعامل أهل الإحسان بالفضل والإحسان وأما أوسط الشهر فالأغلب عليه المغفرة فيغفر فيه للصائمين وإن ارتكبوا بعض الذنوب الصغائر فلا يمنعهم من المغفرة كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] وأما آخر الشهر فيعتق من النار من أوبقته الأوزار واستوجب النار بالذنوب الكبار.
وفي حديث ابن عباس المرفوع: " لله في كل ليلة من شهر رمضان عند الإفطار ألف ألف عتيق من النار كلهم قد استوجبوا النار فإذا كان آخر ليلة من شهر رمضان أعتق الله في ذلك اليوم بعدد ما أعتق من أول الشهر إلى آخره".
وخرجه سلمة بن شبيب وغيره وإنما كان يوم الفطر من رمضان عيدا لجميع الأمة لأنه تعتق فيه أهل الكبائر من الصائمين من النار فيلتحق فيه المذنبون بالأبرار كما أن يوم النحر هو العيد الكبر لأن قبله يوم عرفة وهو اليوم الذي لا يرى في يوم من الدنيا أكثر عتقا من النار منه فمن أعتق من النار في اليومين فله يوم عيد ومن فاته العتق في اليومين فله يوم وعيد.
ليس عيد المحب قصد المصلى ... وانتظار الأمير والسلطان
إنما العيد أن تكون لدى الله ... كريما مقربا في أمان
ورؤي بعض العارفين ليلة عيد في فلاة يبكي على نفسه وينشد:
بحرمة غربتي كم ذا الصدود ... ألا تعطف على ألا تجود
سرور العيد قد عم النواحي ... وحزني في ازدياد لا يبيد
فإن اقترفت خلال سوء ... فعذري في الهوى أن لا أعود
لما كانت المغفرة والعتق كل منهما مرتبا على صيام رمضان وقيامه أمر الله عند إكمال العدة بتكبيره وشكره فقال: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥] فشكر من أنعم على عباده بتوفيقهم للصيام وإعانتهم عليه ومغفرته لهم وعتقهم من النار أن يذكروه ويشكروه ويتقوه حق تقاته وقد فسر ابن مسعود ﵁ تقواه حق تقواه بأن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر فيا أرباب الذنوب العظيمة الغنيمة الغنيمة في هذه الأيام الكريمة فما منها عوض ولا لها قيمة فكم يعتق فيها من النار من ذي.
стр. 214
جريرة وجريمة فمن أعتق فيها من النار فقد فاز بالجائزة العظيمة والمنحة الجسيمة.
يا من أعتقه مولاه من النار إياك أن تعود بعد أن صرت حرا إلى رق الأوزار أيبعدك مولاك من النار وتتقرب منها وينقذك منها وأنت توقع نفسك فيها ولا تحيد عنها.
وإن امرءا ينجو من النار بعدما ... تزود من أعمالها لسعيد
إن كانت الرحمة للمحسنين فالمسيء لا ييأس منها وإن تكن المغفرة مكتوبة للمتقين فالظالم لنفسه غير محجوب عنها غيره.
إن كان عفوك لا يرجوه ذو خطأ ... فمن يجود على العاصين بالكرم
غيره:
إن كان لا يرجوك إلا محسن ... فمن الذي يرجو ويدعو المذنب
لم لا يرجى العفو من ربنا وكيف لا يطمع في حلمه وفي الصحيح: أنه بعبده أرحم من أمه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر: ٥٣] .
فيا أيها العاصي وكلنا ذلك لا تقنط من رحمة الله بسوء أعمالك فكم يعتق من النار في هذه الأيام من أمثالك فأحسن الظن بمولاك وتب إليه فإنه لا يهلك على الله هالك.
إذا أوجعتك الذنوب فداوها ... برفع يد بالليل والليل مظلم
ولا تقنطن من رحمة الله إنما ... قنوطك منها من ذنوبك أعظم
فرحمته للمحسنين كرامة ... ورحمته للمذنبين تكرم
ينبغي لمن يرجو العتق في شهر رمضان من النار أن يأتي بأسباب توجب العتق من النار وهي متيسرة في هذا الشهر وكان أبو قلابة يعتق في آخر الشهر جارية حسناء مزينة يرجو بعتقها العتق من النار وفي حديث سلمان الفارسي المرفوع الذي في صحيح ابن خزيمة: "من فطر صائما كان عتقا له من النار ومن خفف فيه عن مملوكه كان له عتقا من النار" وفيه أيضا: "فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين: ترضون بها ربكم وخصلتين: لا غناء لكم عنهما فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم: شهادة أن لا إله إلا الله والإستغفار وأما اللتان لا غناء لكم عنهما: فتسألون الله الجنة وتستعيذون به من النار" فهذه الخصال الأربعة المذكورة في الحديث كل منها سبب العتق والمغفرة: فأما كلمة التوحيد:
стр. 215
فإنها تهدم الذنوب وتمحوها محوا ولا تبقي ذنبا ولا يسبقها عمل وهي تعدل عتق الرقاب الذي يوجب العتق من النار ومن أتى بها أربع مرار حين يصبح وحين يمسي أعتقه الله من النار ومن قالها مخلصا من قلبه حرمه الله على النار وأما كلمة الإستغفار: فمن أعظم أسباب المغفرة فإن الإستغفار دعاء بالمغفرة ودعاء الصائم مستجاب في حال صيامه وعند فطره وقد سبق حديث أبي هريرة المرفوع: "يغفر فيه ـ يعني شهر رمضان ـ إلا لمن أبى قالوا: يا أبا هريرة ومن أبى؟ قال: من أبى أن يستغفر الله " قال الحسن: أكثروا من الإستغفار فإنكم لا تدرون متى تنزل الرحمة وقال لقمان لابنه: يا بني عود لسانك الإستغفار فإن لله ساعات لا يرد فيهن سائلا وقد جمع الله بين التوحيد والإستغفار في قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩] وفي بعض الآثار: أن إبليس قال: أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والإستغفار والإستغفار ختام الأعمال الصالحة كلها فيختم به الصلاة والحج وقيام الليل ويختم به المجالس فإن كانت ذكرا كان كالطابع عليها وإن كانت لغوا كان كفارة لها فكذلك ينبغي أن تختم صيام رمضان بالاستغفار وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار يأمرهم بختم رمضان بالاستغفار وصدقة الفطر فإن الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث والإستغفار يرقع ما تخرق من الصيام باللغو والرفث ولهذا قال بعض العلماء المتقدمين: إن صدقة الفطر للصائم كسجدتي السهو للصلاة وقال عمر بن عبد العزيز في كتابه قولوا كما قال أبوكم آدم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [لأعراف: ٢٣] وقولوا كما قال نوح ﵇: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧] وقولوا كما قال موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦] وقولوا كما قال ذو النون ﵇: ﴿سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الانبياء: ٨٧] .
ويروى عن أبي هريرة ﵁ قال: الغيبة تخرق الصيام والإستغفار يرقعه فمن استطاع منكم أن يجيء بصوم مرقع فليفعل وعن ابن المنكدر معنى ذلك: الصيام جنة من النار ما لم يخرقها والكلام السيء يخرق هذه الجنة والاستغفار يرقع ما تخرق منها فصيامنا هذا يحتاج إلى استغفار نافع وعمل صالح له شافع كم نخرق صيامنا بسهام الكلام ثم نرقعه وقد اتسع الخرق على الراقع كم نرفو.
следующие страницы →