Полный текст (360 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
فيه بطاعته إلى مرضاته فسبق قوم ففازوا وتخلف آخرون فخابوا فالعجب من اللاعب الضاحك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون ويخسر فيه المبطلون.
لعلك غضبان وقلبي غافل ... سلام على الدارين إن كنت راضيا
روي عن علي ﵁ أنه كان ينادي في آخر ليلة من شهر رمضان: يا ليت شعري من هذا المقبول فنهنيه ومن هذا المحروم فنعزيه وعن ابن مسعود أنه كان يقول: من هذا المقبول منا فنهنيه ومن هذا المحروم منا فنعزيه أيها المقبول هنيئا لك أيها المردود جبر الله مصيبتك.
ليت شعري من فيه يقبل منا ... فيهنا يا خيبة المردود
من تولى عنه بغير قبول ... أرغم الله أنفه بخزي شديد
ماذا فات من فاته خير رمضان وأي شيء أدرك من أدركه فيه الحرمان كم بين من حظه فيه القبول والغفران ومن كان حظه فيه الخيبة والخسران رب قائم حظه من قيامه السهر وصائم حظه من صيامه الجوع والعطش.
ما أصنع هكذا جرى المقدور ... الجبر لغيري وأنا المكسور
أسير ذنب مقيد مهجور ... هل يمكن أن يغير المقدور
غيره.
سار القوم والشفاء يقعدني ... حازوا القرب والجفا يبعدني
حسبي حسبي إلى متى تطردني ... أعداي داني وكلهم يقصدني
غيره:
"أسباب هواك أوهنت أسبابي ... من بعد جفاك فالضنى أولى بي
ضاقت حيلي وأنت تدري ما بي ... فارحم فالعبد واقف بالباب
شهر رمضان تكثر فيه أسباب الغفران فمن أسباب المغفرة فيه صيامه وقيامه وقيام ليلة القدر فيه كما سبق.
ومنها: تفطير الصوام والتخفيف عن المملوك وهما مذكوران في حديث سلمان المرفوع.
ومنها: الذكر وفي حديث مرفوع: "ذاكر الله في رمضان مغفور له".
ومنها: الإستغفار والإستغفار طلب المغفرة.
стр. 212
ودعاء الصائم مستجاب في صيامه وعند فطره ولهذا كان ابن عمر إذا أفطر يقول: اللهم يا واسع المغفرة اغفر لي وفي حديث أبي هريرة ﵁ المرفوع في فضل شهر رمضان "ويغفر فيه إلا لمن أبى" قالوا: يا أبا هريرة ومن يأبى؟ قال: "يأبى أن يستغفر الله".
ومنها: استغفار الملائكة للصائمين حتى يفطروا وقد تقدم ذكره.
فلما كثرت أسباب المغفرة في رمضان كان الذي تفوته المغفرة فيه محروما غاية الحرمان وفي صحيح ابن حبان عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ صعد المنبر فقال: "آمين آمين آمين" قيل: يا رسول الله إنك صعدت المنبر فقلت: "آمين آمين آمين؟ فقال: "إن جبريل أتاني فقال: من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله قل آمين فقلت آمين ومن أدرك أبويه أو أحدهما فلم يبرهما فمات فدخل النار فأبعده الله قل آمين فقلت آمين ومن ذكرت عنده فلم يصل عليك فمات فدخل النار فأبعده الله قل آمين فقلت آمين" وخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان أيضا من وجه آخر عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا بلفظ: "رغم أنفه" وحسنه الترمذي وقال سعيد عن قتادة: كان يقال: من لم يغفر له في رمضان فلن يغفر له فيما سواه وفي حديث آخر: إذا لم يغفر له في رمضان فمتى يغفر لمن لا يغفر له في هذا الشهر من يقبل من رد في ليلة القدر متى يصلح من لا يصلح في رمضان حتى يصلح من كان به فيه من داء الجهالة والغفلة مرضان كل مالا يثمر من الأشجار في أوان الثمار فإنه يقطع ثم يوقد في النار من فرط في الزرع في وقت البدار لم يحصد يوم الحصاد غير الندم والخسارة.
ترحل شهر الصبر والهفاه وانصرما ... واختص بالفوز في الجنات من خدما
وأصبح الغافل المسكين منكسرا ... مثلي فيا ويحه يا عظم ما حرما
من فاته الزرع في وقت البدار فما ... تراه يحصد إلا الهم والندما
شهر رمضان شهر أوله رحمه وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار روي هذا عن النبي ﷺ من حديث سلمان الفارسي خرجه ابن خزيمة في صحيحه وروي عنه أيضا من حديث أبي هريرة ﵁ خرجه ابن أبي الدنيا وغيره والشهر كله شهر رحمة ومغفرة وعتق ولهذا في الحديث الصحيح: "إنه تفتح فيه أبواب الرحمة" وفي الترمذي وغيره: "إن لله عتقاء من النار وذلك كل ليلة" ولكن الأغلب على أوله الرحمة وهي للمحسنين المتقين قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ
стр. 213
مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [لأعراف: ٥٦] وقال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [لأعراف: ١٥٦] فيفاض على المتقين في أول الشهر خلع الرحمة والرضوان ويعامل أهل الإحسان بالفضل والإحسان وأما أوسط الشهر فالأغلب عليه المغفرة فيغفر فيه للصائمين وإن ارتكبوا بعض الذنوب الصغائر فلا يمنعهم من المغفرة كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: ٦] وأما آخر الشهر فيعتق من النار من أوبقته الأوزار واستوجب النار بالذنوب الكبار.
وفي حديث ابن عباس المرفوع: " لله في كل ليلة من شهر رمضان عند الإفطار ألف ألف عتيق من النار كلهم قد استوجبوا النار فإذا كان آخر ليلة من شهر رمضان أعتق الله في ذلك اليوم بعدد ما أعتق من أول الشهر إلى آخره".
وخرجه سلمة بن شبيب وغيره وإنما كان يوم الفطر من رمضان عيدا لجميع الأمة لأنه تعتق فيه أهل الكبائر من الصائمين من النار فيلتحق فيه المذنبون بالأبرار كما أن يوم النحر هو العيد الكبر لأن قبله يوم عرفة وهو اليوم الذي لا يرى في يوم من الدنيا أكثر عتقا من النار منه فمن أعتق من النار في اليومين فله يوم عيد ومن فاته العتق في اليومين فله يوم وعيد.
ليس عيد المحب قصد المصلى ... وانتظار الأمير والسلطان
إنما العيد أن تكون لدى الله ... كريما مقربا في أمان
ورؤي بعض العارفين ليلة عيد في فلاة يبكي على نفسه وينشد:
بحرمة غربتي كم ذا الصدود ... ألا تعطف على ألا تجود
سرور العيد قد عم النواحي ... وحزني في ازدياد لا يبيد
فإن اقترفت خلال سوء ... فعذري في الهوى أن لا أعود
لما كانت المغفرة والعتق كل منهما مرتبا على صيام رمضان وقيامه أمر الله عند إكمال العدة بتكبيره وشكره فقال: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥] فشكر من أنعم على عباده بتوفيقهم للصيام وإعانتهم عليه ومغفرته لهم وعتقهم من النار أن يذكروه ويشكروه ويتقوه حق تقاته وقد فسر ابن مسعود ﵁ تقواه حق تقواه بأن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر فيا أرباب الذنوب العظيمة الغنيمة الغنيمة في هذه الأيام الكريمة فما منها عوض ولا لها قيمة فكم يعتق فيها من النار من ذي.
стр. 214
جريرة وجريمة فمن أعتق فيها من النار فقد فاز بالجائزة العظيمة والمنحة الجسيمة.
يا من أعتقه مولاه من النار إياك أن تعود بعد أن صرت حرا إلى رق الأوزار أيبعدك مولاك من النار وتتقرب منها وينقذك منها وأنت توقع نفسك فيها ولا تحيد عنها.
وإن امرءا ينجو من النار بعدما ... تزود من أعمالها لسعيد
إن كانت الرحمة للمحسنين فالمسيء لا ييأس منها وإن تكن المغفرة مكتوبة للمتقين فالظالم لنفسه غير محجوب عنها غيره.
إن كان عفوك لا يرجوه ذو خطأ ... فمن يجود على العاصين بالكرم
غيره:
إن كان لا يرجوك إلا محسن ... فمن الذي يرجو ويدعو المذنب
لم لا يرجى العفو من ربنا وكيف لا يطمع في حلمه وفي الصحيح: أنه بعبده أرحم من أمه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر: ٥٣] .
فيا أيها العاصي وكلنا ذلك لا تقنط من رحمة الله بسوء أعمالك فكم يعتق من النار في هذه الأيام من أمثالك فأحسن الظن بمولاك وتب إليه فإنه لا يهلك على الله هالك.
إذا أوجعتك الذنوب فداوها ... برفع يد بالليل والليل مظلم
ولا تقنطن من رحمة الله إنما ... قنوطك منها من ذنوبك أعظم
فرحمته للمحسنين كرامة ... ورحمته للمذنبين تكرم
ينبغي لمن يرجو العتق في شهر رمضان من النار أن يأتي بأسباب توجب العتق من النار وهي متيسرة في هذا الشهر وكان أبو قلابة يعتق في آخر الشهر جارية حسناء مزينة يرجو بعتقها العتق من النار وفي حديث سلمان الفارسي المرفوع الذي في صحيح ابن خزيمة: "من فطر صائما كان عتقا له من النار ومن خفف فيه عن مملوكه كان له عتقا من النار" وفيه أيضا: "فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين: ترضون بها ربكم وخصلتين: لا غناء لكم عنهما فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم: شهادة أن لا إله إلا الله والإستغفار وأما اللتان لا غناء لكم عنهما: فتسألون الله الجنة وتستعيذون به من النار" فهذه الخصال الأربعة المذكورة في الحديث كل منها سبب العتق والمغفرة: فأما كلمة التوحيد:
стр. 215
فإنها تهدم الذنوب وتمحوها محوا ولا تبقي ذنبا ولا يسبقها عمل وهي تعدل عتق الرقاب الذي يوجب العتق من النار ومن أتى بها أربع مرار حين يصبح وحين يمسي أعتقه الله من النار ومن قالها مخلصا من قلبه حرمه الله على النار وأما كلمة الإستغفار: فمن أعظم أسباب المغفرة فإن الإستغفار دعاء بالمغفرة ودعاء الصائم مستجاب في حال صيامه وعند فطره وقد سبق حديث أبي هريرة المرفوع: "يغفر فيه ـ يعني شهر رمضان ـ إلا لمن أبى قالوا: يا أبا هريرة ومن أبى؟ قال: من أبى أن يستغفر الله " قال الحسن: أكثروا من الإستغفار فإنكم لا تدرون متى تنزل الرحمة وقال لقمان لابنه: يا بني عود لسانك الإستغفار فإن لله ساعات لا يرد فيهن سائلا وقد جمع الله بين التوحيد والإستغفار في قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩] وفي بعض الآثار: أن إبليس قال: أهلكت الناس بالذنوب وأهلكوني بلا إله إلا الله والإستغفار والإستغفار ختام الأعمال الصالحة كلها فيختم به الصلاة والحج وقيام الليل ويختم به المجالس فإن كانت ذكرا كان كالطابع عليها وإن كانت لغوا كان كفارة لها فكذلك ينبغي أن تختم صيام رمضان بالاستغفار وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار يأمرهم بختم رمضان بالاستغفار وصدقة الفطر فإن الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث والإستغفار يرقع ما تخرق من الصيام باللغو والرفث ولهذا قال بعض العلماء المتقدمين: إن صدقة الفطر للصائم كسجدتي السهو للصلاة وقال عمر بن عبد العزيز في كتابه قولوا كما قال أبوكم آدم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [لأعراف: ٢٣] وقولوا كما قال نوح ﵇: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧] وقولوا كما قال موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦] وقولوا كما قال ذو النون ﵇: ﴿سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الانبياء: ٨٧] .
ويروى عن أبي هريرة ﵁ قال: الغيبة تخرق الصيام والإستغفار يرقعه فمن استطاع منكم أن يجيء بصوم مرقع فليفعل وعن ابن المنكدر معنى ذلك: الصيام جنة من النار ما لم يخرقها والكلام السيء يخرق هذه الجنة والاستغفار يرقع ما تخرق منها فصيامنا هذا يحتاج إلى استغفار نافع وعمل صالح له شافع كم نخرق صيامنا بسهام الكلام ثم نرقعه وقد اتسع الخرق على الراقع كم نرفو.
стр. 216
خروقه بمخيط الحسنات ثم نقطعه بحسام السيئات القاطع كان بعض السلف إذا صلى صلاة استغفر من تقصيره فيها كما يستغفر المذنب من ذنبه إذا كان هذا حال المحسنين في عباداتهم فكيف حال المسيئين مثلنا في عباداتهم ارحموا من حسناته كلها سيئات وطاعاته كلها غفلات.
أستغفر الله من صيامي ... طول زماني ومن صلاتي
يوم يرى كله خروق ... وصلاته أيما صلاة
مستيقظ في الدجى ولكن ... أحسن من يقظتي سنأتي
وقريب من هذا أمر النبي ﵇ لعائشة ﵂ في ليلة القدر بسؤال العفو فإن المؤمن يجتهد في شهر رمضان في صيامه وقيامه فإذا قرب فراغه وصادف ليلة القدر لم يسأل الله تعالى إلا العفو كالمسيء المقصر كان صلة بن أشيم يحي الليل ثم يقول في دعائه عند السحر: اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار ومثلي يجترىء أن يسألك الجنة كان مطرف يقول: اللهم ارض عنا فأن لم ترض عنا فاعف عنا قال يحيى بن معاذ: ليس بعارف من لم يكن غاية أمله من الله العفو.
إن كنت لا أصلح للقرب ... فشأنكم عفو عن الذنب
أنفع الاستغفار ما قارنته التوبة وهي حل عقدة الإصرار فمن استغفر بلسانه وقلبه على المعصية معقود وعزمه أن يرجع إلى المعاصي بعد الشهر ويعود فصومه عليه مردود وباب القبول عنه مسدود قال كعب: من صام رمضان وهو يحدث نفسه أنه إذا أفطر بعد رمضان أنه لا يعصي الله دخل الجنة بغير مسألة ولا حساب ومن صام رمضان وهو يحدث نفسه إذا أفطر بعد رمضان عصى ربه فصيامه عليه مردود وخرجه مسلمة بن شبيب.
ولولا التقى ثم النهى خشية الردى ... لعاصيت في وقت الصبا كل واجب
قضى ما قضى فيما مضى ثم لا يرى ... له عودة أخرى لليالي الغوائب
وفي سنن أبي داود وغيره عن أبي بكرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يقولن أحدكم: صمت رمضان كله ولا قمت رمضان كله" قال أبو بكرة: فلا أدري أكره التزكية أم لا بد من غفلة.
أين من كان إذا صام صان الصيام وإذا قام استقام في القيام أحسنوا الإسلام ثم ارحلوا بسلام ما بقي إلا من إذا صام افتخر بصيامه وصال وإذا قام عجب.
стр. 217
بقيامه وقال: كم بين خلى وشجى وواجد وفاقد وكاتم ومبدي وأما سؤال الجنة والاستعاذة من النار فمن أهم الدعاء وقال النبي ﷺ : "حولها ندندن" فالصائم يرجى استجابة دعائه فينبغي أن لا يدعو إلا بأهم الأمور قال أبو مسلم: ما عرضت لي دعوة إلا صرفتها إلى الاستعاذة من النار وقال: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر:٢٠] .
في الحديث: "تعرضوا لنفحات رحمة بكم فإن لله نفحات من رحمته": ﴿يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [يونس: ١٠٧] فمن أصابته سعد سعادة لا يشقى بعدها بدا فإن أعظم نفحاته مصادفة دعوة الإجابة يسأل العبد فيها الجنة والنجاة من النار فيجاب سؤاله فيفوز بسعادة الأبد قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود:١٠٦] إلى قوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾ [هود: ١٠٨] .
ليس السعيد الذي دنياه تسعده ... إن السعيد الذي ينجى من النار
عباد الله إن شهر رمضان قد عزم على الرحيل ولم يبق منه إلا القليل فمن منكم أحسن فيه فعليه التمام ومن فرط فليختمه بالحسنى والعمل بالختام فاستغنموا منه ما بقي من الليالي اليسيرة والأيام واستودعوه عملا صالحا يشهد لكم به عند الملك العلام وودعوه عند فراقه بأزكى تحية وسلام.
سلام من الرحمن كل أوان ... على خير شهر قد مضى وزمان
سلام على الصيام فإنه ... أمان من الرحمن كل أمان
لئن فنيت أيامك الغر بغتة ... فما الحزن من قلبي عليك بفان
لقد ذهبت أيامه وما أطعتم وكتبت عليكم فيه آثامه وما أضعتم وكأنكم بالمشمرين فيه وقد وصلوا وانقطعتم أترى ما هذا التوبيخ لكم أو ما سمعتم.
ما ضاع من أيامنا هل يعزم ... هيهات والأزمان كيف تقوم
يوم بأرواح تباع وتشترى ... وأخوه ليس يسام فيه درهم
قلوب المتقنين إلى هذا الشهر تحن ومن ألم فراقه تئن.
دهاك الفراق فما تصنع ... أتصبر للبين أم تجزع
إذا كنت تبكي وهم جيرة ... فكيف تكون إذا ودعوا
стр. 218
كيف لا تجرى للمؤمن على فراقه دموع وهو لا يدري هل بقي له في عمره إليه رجوع.
تذكرت أياما مضت ولياليا ... خلت فجرت من ذكرهن دموع
ألا هل لها يوما من الدهر عودة ... وهل لي إلى يوم الوصال رجوع
وهل بعد إعاض الحبيب تواصل ... وهل لبدور قد أفلن طلوع
أين حرق المجتهدين في نهاره أين قلق المجتهدين في أسحاره.
اسمع أنين العاشقين ... إن استطعت له سماعا
راح الحبيب فشيعته ... مدامعي تهمي سراعا
لو كلف الجبل الأصم ... فراق إلف ما استطاعا
إذا كان هذا جزع من ربح فيه, فكيف حال من خسر في أيامه ولياليه ماذا ينفع المفرط فيه بكاؤه وقد عظمت فيه مصيبته وجل عزاؤه كم نصح المسكين فما قبل النصح كم دعي إلى المصالحة فما أجاب إلى الصلح كم شاهد الواصلين فيه وهو متباعد كم مرت به زمر السائرين وهو قاعد حتى إذا ضاق به الوقت وخاف المقت ندم على التفريط حين لا ينفع الندم وطلب الإستدراك في وقت العدم.
أتترك من تحب وأنت جار ... وتطلبهم وقد بعد المزار
وتبكي بعد نأيهم اشتياقا ... وتسأل في المنازل أين ساروا
تركت سؤالهم وهم حضور ... وترجو أن تخبرك الديار
فنفسك لم ولا تلم المطايا ... ومت كمدا فليس لك اعتذار
يا شهر رمضان ترفق دموع المحبين تدفق قلوبهم من ألم الفراق تشقق عسى وقفة للوداع تطفىء من نار الشوق ما أحرق عسى ساعة توبة وإقلاع ترفو من الصيام كلما تخرق عسى منقطع عن ركب المقبولين يلحق عسى أسير الأوزار يطلق عسى من استوجب النار يعتق.
عسى وعسى من قبل وقت التفرق ... إلى كل ما ترجو من الخير تلتقى
فيجبر مكسور ويقبل تائب ... ويعتق خطاء ويسعد من شقى
стр. 219
وظائف شوال
المجلس الأول: في صيام شوال كله وإتباع رمضان بصيام ستة أيام من شوال
...
وظائف شوال.
وفيه مجالس:
المجلس الأول في صيام شوال كله وإتباع رمضان بصيام ستة أيام من شوال.
خرج مسلم من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر" ثم اختلف في هذا الحديث وفي العمل به: فمنهم من صححه ومنهم من قال: هو موقوف قاله: ابن عيينة وغيره وإليه يميل الإمام أحمد ومنهم من تكلم في إسناده وأما العمل به فاستحب صيام ستة من شوال أكثر العلماء روي ذلك عن ابن عباس ﵄ وطاوس والشعبي وميمون بن مهران وهو قول ابن المبارك والشافعي وأحمد واسحاق وأنكر ذلك آخرون.
وروي عن الحسن أنه كان إذا ذكر عنده صيام هذه الستة قال: لقد رضي الله بهذا الشهر لسنة كلها ولعله إنما أنكر على من اعتقد وجوب صيامها وأنه لا يكتفي بصيام رمضان عنها في الوجوب وظاهر كلامه يدل على هذا وكرهها الثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف وعلل أصحابهما ذلك مشابهة أهل الكتاب يعنون في الزيادة في صيامه المفروض عليهم ما ليس منه وأكثر المتأخرين من مشايخهم قالوا: لا بأس به وعللوا أن الفطر قد حصل بفطر يوم العيد حكى ذلك صاحب الكافي منهم وكان مهدي يكرهها ولا ينهى عنها وكرهها أيضا مالك وذكر في الموطأ: أنه لم ير أحدا من أهل العلم يفعل ذلك وقد قيل: إنه كان يصومها في نفسه وإنما كرهها على وجه يخشى منه أن يعتقد فريضتها لئلا يزاد في رمضان ما ليس منه.
وأما الذين استحبوا صيامها فاختلفوا في صيامها على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يستحب صيامها من أول الشهر متتابعة وهو قول الشافعي وابن
стр. 220
المبارك وقد روي في حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا: "من صام ستة أيام بعد الفطر متتابعة فكأنما صام السنة" خرجه الطبراني وغيره من طرق ضعيفة وروي مرفوعا وروي عن ابن عباس ﵄ من قوله بمعناه بإسناد ضعيف أيضا.
والثاني: إنه لا فرق بين أن يتابعها أو يفرقها من الشهر كله وهما سواء وهو قول وكيع وأحمد.
والثالث: أنها لا تصام عقب يوم الفطر فإنها أيام أكل وشرب ولكن يصام ثلاثة أيام قبل أيام البيض وأيام البيض أو بعدها وهذا قول معمر وعبد الرزاق وروي عن عطاء حتى روي عنه أنه كره لمن عليه صيام من قضاء رمضان أن يصومه ثم يصله بصيام تطوع وأمر بالفطر بينهما وهو قول شاذ.
وأكثر العلماء على: أنه لا يكره صيام ثاني يوما لفطر وقد دل عليه حديث عمران بن حصين ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال لرجل: "إذا أفطرت فصم" وقد ذكرناه في صيام آخر شعبان وقد سرد طائفة من الصحابة والتابعين الصوم إلا يوم الفطر والأضحى وقد روي عن أم سلمة أنها كانت تقول لأهلها من كان عليه رمضان فليصمه الغد من يوم الفطر فمن صام الغد من يوم الفطر فكأنما صام رمضان وفي إسناده ضعف وعن الشعبي قال: لإن أصوم يوما بعد رمضان أحب إلي من أن أصوم الدهر كله ويروى بإسناد ضعيف عن أين عمر مرفوعا: "من صام بعد الفطر يوما فكأنما صام السنة" وبإسناده ضعف عن ابن عباس ﵄ مرفوعا: "الصائم بعد رمضان كالكار بعد الفار".
وأما صيام شوال كله: ففي حديث رجل من قريش سمع النبي ﷺ يقول: "من صام رمضان وشوالا والأربعاء والخميس دخل الجنة" وخرجه الإمام أحمد والنسائي وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي من حديث مسلم القرشي عن النبي ﷺ أنه سئل عن صيام الدهر؟ فقال: "إن لأهلك عليك حقا فصم رمضان والذي يليه وكل أربعة وخميس فإذا أنت قد صمت الدهر وأفطرت" وخرج ابن ماجه بإسناد منقطع أن أسامة بن زيد كان يصوم الأشهر الحرم فقال له رسول الله ﷺ : "صم شوالا" فترك الأشهر الحرم لم يزل يصوم شوالا حتى مات وخرجه أبو يعلى الموصلي بإسناد متصل عن أسامة قال كنت أصوم شهرا من السنة فقال لي رسول الله ﷺ "أين أنت من شوال" فكان أسامة إذا أفطر أصبح الغد صائما من شوال حتى يأتي على آخره وصيام شوال كصيام شعبان لأن كلا الشهرين حريم لشهر رمضان وهما يليانه وقد ذكرنا في فضل
стр. 221
صيام شعبان أن الأظهر أن صيامهما أفضل من صيام الأشهر الحرم والإختلاف في ذلك وإنما كان صيام رمضان واتباعه بست من شوال يعدل صيام الدهر لأن الحسنة بعشر أمثالها وقد جاء ذلك مفسرا من حديث ثوبان ﵁ عن النبي ﷺ قال: "صيام رمضان بعشرة أشهر وصيام ستة أيام بشهرين فذلك صيام سنة" يعني رمضان وستة أيام من شوال بعده خرجه الإمام أحمد والنسائي وهذا لفظه وابن حبان في صحيحه وصححه أبو حاتم الرازي.
وقال الإمام أحمد: ليس في حديث الرازي أصح منه وتوقف فيه في رواية أخرى ولا فرق في ذلك بين أن يكون شهر رمضان ثلاثين أو تسعا وعشرين وعلى هذا حمل بعضهم قول النبي ﷺ "شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة" وقال: المراد كمال آخره سواء كان ثلاثين أو تسعا وعشرين وأنه اتبع بستة أيام من شوال فإنه يعدل صيام الدهر على كل حال.
وكره إسحاق ابن راهويه أن يقال لشهر رمضان: أنه ناقص وإن كان تسعا وعشرين لهذا المعنى فإن قال قائل: فلو صام هذه الستة أيام من غير شوال يحصل له هذا الفضل؟ فكيف خص صيامها من شوال؟ قيل: صيامها من شوال يلتحق بصيام رمضان في الفضل فيكون له أجر صيام الدهر فرضا ذكر ذلك ابن المبارك وذكر: أنه في بعض الحديث حكاه الترمذي في جامعه ولعله أشار إلى ما روي عن أم سلمة ﵂: أن من صام الغد من يوم الفطر فكأنما صام رمضان.
وفي معاودة الصيام بعد رمضان فوائد عديدة:
منها: أن صيام ستة أيام من شوال بعد رمضان يستكمل بها أجر صيام الدهر كله كما سبق.
ومنها: أن صيام شوال وشعبان كصلاة السنن الرواتب قبل الصلاة المفروضة وبعدها فيكمل بذلك ما حصل في الفرض من خلل ونقص فإن الفرائض تجبر أو تكمل بالنوافل يوم القيامة كما ورد ذلك عن النبي ﷺ من وجوه متعددة وأكثر الناس في صيامه للفرض نقص وخلل فيحتاج إلى ما يجبره ويكمله من الأعمال ولهذا نهى النبي ﷺ : أن يقول الرجل صمت رمضان كله أو قمته كله قال الصحابي فلا أدري أكره التزكية أم لا بد من الغفلة وكان عمر بن عبد العزيز ﵀ يقول: من لم يجد ما يتصدق به فليصم يعني من لم يجد ما يخرجه صدقة الفطر في آخر رمضان فليصم بعد الفطر فإن الصيام يقوم مقام
стр. 222
الإطعام في التكفير للسيئات كما يقوم مقامه في كفارات الإيمان وغيرها من الكفارات في مثل كفارات القتل والوطء في رمضان والظهار.
ومنها: أن معاودة الصيام بعد صيام رمضان علامة على قبول صوم رمضان فإن الله إذا تقبل عمل عبد وفقه لعمل صالح بعده كما قال بعضهم: ثواب الحسنة الحسنة بعدها فمن عمل حسنة ثم اتبعها بعد بحسنة كان ذلك علامة على قبول الحسنة الأولى كما أن من عمل حسنة ثم اتبعها بسيئة كان ذلك علامة رد الحسنة وعدم قبولها.
ومنها: أن صيام رمضان يوجب مغفرة ما تقدم من الذنوب كما سبق ذكره وأن الصائمين لرمضان يوفون أجورهم في يوم الفطر وهو يوم الجوائز فيكون معاودة الصيام بعد الفطر شكرا لهذه النعمة فلا نعمة أعظم من مغفرة الذنوب كان النبي ﷺ يقوم حتى تتورم قدماه فيقال له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ماتقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: "أفلا أكون عبدا شكورا".
وقد أمر الله عباده بشكر نعمة صيام رمضان بإظهار ذكره وغير ذلك من أنواع شكره فقال: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥] فمن جملة شكر العبد لربه على توقيفه لصيام رمضان وإعانته عليه ومغفرة ذنوبه أن يصوم له شكرا عقب ذلك كان بعض السلف إذا وفق لقيام ليلة من الليالي أصبح في نهاره صائما ويجعل صيامه شكرا للتوفيق للقيام وكان وهب بن الورد يسئل عن ثواب شيء من الأعمال كالطواف ونحوه؟ فيقول: لا تسألوا عن ثوابه ولكن اسألوا ما الذي على من وفق لهذا العمل من الشكر للتوفيق والإعانة عليه.
إذا أنت لم تزدد على كل نعمة ... لموليكها شكرا فلست بشاكر
على كل نعمة على العبد من الله في دين أو دنيا يحتاج إلى شكر عليها ثم للتوفيق للشكر عليها نعمة أخرى تحتاج إلى شكر ثان ثم التوفيق للشكر الثاني نعمة أخرى يحتاج إلى شكر أخر وهكذا أبدا فلا يقدر العبد غلى القيام بشكر النعم وحقيقة الشكر الإعتراف بالعجز عن الشكر كما قيل:
إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... علي له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمر
قال أبو عمر الشيباني: قال موسى ﵇ يوم الطور: يا رب إن أنا.
стр. 223
صليت فمن قبلك وإن أنا تصدقت فمن قبلك وإن بلغت رسالاتك فمن قبلك فكيف أشكرك؟ قال: يا موسى الآن شكرتني فأما مقابلة نعمة التوفيق كصيام شهر رمضان بارتكاب المعاصي بعده فهو من فعل من بدل نعمة الله كفرا فإن كان قد عزم في صيامه على معاودة المعاصي بعد انقضاء الصيام فصيامه عليه مردود وباب الرحمة في وجهه مسدود قال كعب: من صام رمضان وهو يحدث نفسه إذا أفطر من رمضان لم يعص الله دخل الجنة بغير مسألة ولا حساب ومن صام رمضان وهو يحدث نفسه إذا أفطر عصى ربه فصيامه عليه مردود.
ومنها أن الأعمال التي كان العبد يتقرب بها إلى ربه في شهر رمضان لا تنقطع بانقضاء رمضان بل هي باقية بعد انقضائه ما دام العبد حيا وهذا معنى الحديث المتقدم: أن الصائم بعد رمضان كالكار بعد الفار يعني كالذي يفر من القتال في سبيل الله ثم يعود إليه وذلك لأن كثيرا من الناس يفرح بانقضاء شهر رمضان لاستثقال الصيام وملله وطوله عليه ومن كان كذلك فلا يكاد يعود إلى الصيام سريعا فالعائد إلى الصيام بعد فطره يوم الفطر يدل عوده على رغبته في الصيام وأنه لم يمله ولم يستثقله ولا تكره به.
وفي حديث خرجه الترمذي مرفوعا: "أحب الأعمال إلى الله الحال المرتحل" وفسر بصاحب القرآن يضرب من أوله إلى آخره ومن آخره إلى أوله كلما حل ارتحل والعائد إلى الصيام سريعا بعد فراغ صيامه شبيه بقارىء القرآن إذا فرغ من قراءته ثم عاد في المعنى والله أعلم وقيل لبشر: إن قوما يتعبدون ويجتهدون في رمضان فقال: بئس القوم لا يعرفون لله حقا إلا في شهر رمضان إن الصالح الذي يتعبد ويجتهد السنة كلها سئل الشبلي: أيما أفضل رجب أم شعبان؟ فقال: كن ربانيا ولا تكن شعبانيا كان النبي ﷺ عمله ديمة وسئلت عائشة ﵂: هل كان يخص يوما من الأيام؟ فقالت: لا كان عمله ديمة وقالت: كان النبي ﷺ لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة وقد كان النبي ﷺ يقضي ما فاته من أوراده في رمضان في شوال فترك في عام اعتكاف العشر الأواخر من رمضان ثم قضاه في شوال فاعتكف العشر الأول منه وسأل رجل أهل صام من شهر شعبان في شوال وقد تقدم عن أم سلمة أنها كانت تأمر أهلها من كان عليه قضاء من شهر رمضان فليبدأ أن يقضيه الغد من يوم الفطر فمن كان عليه قضاء من شهر رمضان فليبدأ بقضائه في شوال فإنه أسرع
стр. 224
لبراءة ذمته وهو أولى من التطوع بصيام ستة من شوال فإن العلماء اختلفوا فيمن عليه صيام مفروض هل يجوز أن يتطوع قبله أو لا وعلى قول من جوز التطوع قبل القضاء فلا يحصل مقصود صيام ستة أيام من شوال إلا لمن أكمل صيام رمضان ثم أتبعه بست من شوال فمن كان عليه قضاء من رمضان ثم بدأ بصيام ست من شوال حيث لم يكمل عدة رمضان لم يحصل له ثواب من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال كما لا يحصل لمن أفطر رمضان لعذر بصيام ستة من شوال آخر صيام السنة بغير إشكال ومن بدأ بالقضاء في شوال ثم أراد أن يتبع ذلك بصيام ستة من شوال بعد تكمله قضاء رمضان كان حسنا لأنه يصير حينئذ قد صام رمضان وأتبعه بست من شوال ولا يحصل له فضل صيام ست من شوال بصوم قضاء رمضان لأن صيام الست من شوال إنما تكون بعد إكمال عدة رمضان.
عمل المؤمن لا ينقضي حتى يأتيه أجله قال الحسن: إن الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلا دون الموت ثم قرأ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩] هذه الشهور والأعوام والليالي والأيام كلها مقادير الآجال ومواقيت الأعمال ثم تنقضي سريعا وتمضي جميعا والذي أوجدها وابتدعها وخصها بالفضائل وأودعها باق لا يزول ودائم لا يحول هو في جميع الأوقات إله واحد ولأعمال عباده رقيب مشاهد فسبحان من قلب عباده في اختلاف الأوقات بين وظائف الخدم يسبغ عليهم فيها فواضل النعم ويعاملهم بنهاية الجود والكرم لما انقضت الأشهر الحرم الثلاثة الكرام التي أولها الشهر الحرام وآخر شهر الصيام أقبلت الأشهر الثلاثة أشهر الحج إلى بيت الله الحرام فكما أن من صام رمضان وقامه غفر له ما تقدم من ذنبه فمن حج البيت ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه فما يمضي من عمر المؤمن ساعة من الساعات إلا والله فيها عليه وظيفة من وظائف الطاعات فالمؤمن يتقلب بين هذه الوظائف ويتقرب بها إلى مولاه وهو راج خائف المحب لا يمل من التقرب بالنوافل إلى مولاه ولا يأمل إلا قربه ورضاه.
ما للمحب سوى إرادة حبه ... إن المحب بكل أمر يضرع
كل وقت يخيله العبد من طاعة مولاه فقد خسره وكل ساعة يغفل فيها عن ذكر الله تكون عليه يوم القيامة ترة فوا أسفاه على زمان ضاع في غير طاعته وواحسرتاه على قلب بات في غير خدمته.
стр. 225
من فاته أن يراك يوما ... فكل أوقاته فوات
وحيثما كنت من بلاد ... فلى إلى وجهك التفات
إليكم هجرتي وقصدي ... وأنتم الموت والحياة
أمنت أن توحشوا فؤادي ... فآنسوا مقتلي ولات
من عمل طاعة من الطاعات وفرغ منها فعلامة قبولها أن يصلها بطاعة أخرى وعلامة ردها أن يعقب تلك الطاعة بمعصية ما أحسن الحسنة بعد السيئة تمحوها وأحسن منها بعد الحسنة تتلوها وما أقبح السيئة بعد الحسنة تمحقها وتعفوها ذنب واحد بعد التوبة أقبح من سبعين ذنبا قبلها النكسة أصعب من الضعفة وربما أهلكت سلوا الله الثبات على الطاعات إلى الممات وتعوذوا به من تقلب لقلوب ومن الحور بعد الكور وما أوحش ذل المعصية بعد عز الطاعة وأوحش منه فقر الطمع بعد غنى القناعة ارحموا عزيز قوم بالمعاصي ذل وغني قوم بالذنوب افتقر.
ترى الحي الأولى بانوا ... على العهد كما كانوا
أم الدهر بهم خانوا ... ودهر المرء خوان
إذا عز بغير الله ... يوما شر هانوا
يا شبان التوبة لاترجعوا إلى ارتضاع ثدي الهوى من بعد الفطام فالرضاع إنما يصلح للأطفال لا للرجال ولكن لا بد من الصبر على مرارة الفطام فإن صبرتم تعوضتم عن لذة الهوى بحلاوة الإيمان في القلوب من ترك شيئا لله لم يجد فقده عوضه الله خيرا منه: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٠] وفي الحديث: "النظر سهم مسموم من سهام إبليس من تركه من خوف الله أعطاه إيمانا يجد حلاوته في قلبه" خرجه الإمام أحمد وهذا الخطاب للشباب فأما الشيخ إذا عاود المعاصي بعد انقضاء رمضان فهو أقبح وأقبح لأن الشباب يؤمل معاودة التوبة في آخر عمره وهو مخاطر فإن الموت قد يعاجله وقد يطرقه بغتة وأما الشيخ فقد شارف مركبه على ساحل بحر المنون فماذا يؤمل.
نعى لك ظل الشباب المشيب ... ونادتك باسم سواك الخطوب
فكن مستعدا لداعي الفناء ... فكل الذي هو آت قريب
...
стр. 226
ألسنا نرى شهوات النفو ... س تفنى وتبقى علينا الذنوب
يخاف على نفسه من يتوب ... فكيف يكون الذي لا يتوب
стр. 227
المجلس الثاني في ذكر الحج وفضله والحث عليه .
في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أفضل الأعمال إيمان بالله ورسوله ثم جهاد في سبيل الله ثم حج مبرور".
هذه الأعمال الثلاثة ترجع في الحقيقة إلى عملين:
أحدهما: الإيمان بالله ورسوله وهو التصديق الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر كما فسر النبي ﷺ الإيمان بذلك في سؤال جبريل وفي غيره من الأحاديث وقد ذكر الله تعالى الإيمان بهذه الأصول في مواضع كثيرة من كتابه كأول البقرة ووسطها وآخرها.
والعمل الثاني: الجهاد في سبيل الله تعالى وقد جمع الله بين هذين الأصلين في مواضع من كتابه كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١٠, ١١] الآية وفي قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥] وقد صح عن النبي ﷺ من غير وجه: أن أفضل الأعمال: الإيمان بالله والجهاد في سبيل الله فالإيمان المجرد يدخل فيه الجوارح عند السلف وأهل الحديث والإيمان المقرون بالعمل يراد به التصديق مع القول وخصوصا إن قرن الإيمان بالله بالإيمان برسوله كما في هذا الحديث فالإيمان القائم بالقلوب أصل كل خير وهو خير ما أوتيه العبد في الدنيا والآخرة وبه يحصل له سعادة الدنيا والآخرة والنجاة من شقاوة الدنيا والآخرة ومتى رسخ الإيمان في القلب انبعثت الجوارح كلها بالأعمال الصالحة واللسان بالكلام الطيب كما قال النبي ﷺ : "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" ولا صلاح للقلب بدون
стр. 228
الإيمان بالله وما يدخل في مسماه من معرفة الله وتوحيده وخشيته ومحبته ورجائه وإجابته والإنابة إليه والتوكل عليه قال الحسن: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكنه بما وقر في الصدور وصدقته الأعمال ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ [الأنفال: ٢, ٤] وفي هذا يقول بعضهم:
ما كل من زوق لي قوله ... يغرني يا صاح تزويقه
من حقق الإيمان في قلبه ... لا بد أن يظهر تحقيقه
فإذا ذاق العبد حلاوة الإيمان ووجد طعمه وحلاوته ظهر ثمرة ذلك على لسانه وجوارحه فاستحلى اللسان ذكر الله وما والاه وسرعت الجوارح إلى طاعة الله فحينئذ يدخل حب الإيمان في القلب كما يدخل حب الماء البارد الشديد برده في اليوم الشديد حره للظمآن الشديد عطشه ويصير الخروج من الإيمان أكره إلى القلوب من الإلقاء في النار وأمر عليها من الصبر ذكر ابن المبارك عن أبي الدرداء ﵁ أنه دخل المدينة فقال لهم: ما لي لا أرى عليكم يا أهل المدينة حلاوة الإيمان والذي نفسي بيده لو أن دب الغابة وجد طعم الإيمان لرؤي عليه حلاوة الإيمان.
لو ذاق طعم الإيمان رضوى ... لكاد من جوده يميد
قد حملوني تكليف عهد ... يعجز عن حمله الحديد
فالإيمان بالله ورسوله وظيفة القلب واللسان ثم يتبعهما عمل الجوارح وأفضلها الجهاد في سبيل الله وهو نوعان: أفضلهما: جهاد المؤمن بعدوه الكافر وقتاله في سبيل الله: فإن فيه دعوة له إلى الإيمان بالله ورسوله ليدخل في الإيمان قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠] قال أبو هريرة ﵁ في هذه الآية: يجيئون بهم في السلاسل حتى يدخلونهم الجنة وفي الحديث المرفوع: "عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل" فالجهاد في سبيل الله دعاء الخلق إلى الإيمان بالله ورسوله بالسيف واللسان بعد دعائهم إليه بالحجة والبرهان وقد كان النبي ﷺ في أول الأمر لا يقاتل قوما حتى يدعوهم فالجهاد به تعلو كلمة الإيمان وتتسع
стр. 229
رقعة الإسلام ويكثر الداخلون فيه وهو وظيفة الرسل وأتباعهم وبه تصير كلمة الله هي العليا والمقصود منه أن يكون الدين كله لله والطاعة له كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] والمجاهد في سبيل الله هو المقاتل لتكون كلمة الله هي العليا خاصة.
والنوع الثاني من الجهاد: جهاد النفس في طاعة الله كما قال النبي ﷺ : "المجاهد من جاهد نفسه في الله" وقال بعض الصحابة لمن سأله عن الغزو؟: ابدأ بنفسك فاغزها وابدأ بنفسك فجاهدها وأعظم مجاهدة النفس على طاعة الله عمارة بيوته بالذكر والطاعة قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: ١٨] وفي حديث أبي سعيد الخدري المرفوع: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان" ثم تلا الآية خرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وقال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ*رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٦, ٣٧] الآية.
والنوع الأول من الجهاد أفضل من هذا الثاني قال الله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٩, ٢٠] وفي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير ﵁ قال: كنت عند منبر النبي ﷺ فقال رجل: لا أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج وقال آخر: لا أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ وهو يوم الجمعة ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه فأنزل الله : ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٩] إلى آخر الآية فهذا الحديث الذي فيه ذكر سبب نزول هذه الآية يبين أن المراد أفضل ما يتقرب به إلى الله تعالى من أعمال النوافل والتطوع الجهاد وإن الآية تدل على أن أفضل ذلك الجهاد مع الإيمان فدل على التطوع بالجهاد أفضل من التطوع بعمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج وعلى مثل هذا يحمل حديث أبي هريرة ﵁ هذا وأن الجهاد أفضل من الحج المتطوع به فإن فرض الحج تأخر عند كثير من العلماء إلى السنة التاسعة،
стр. 230
ولعل النبي ﷺ قال هذا الكلام قبل أن يفرض الحج بالكلية فكان حينئذ تطوعا.
وقد قيل: إن الجهاد كان في أول الإسلام فرض عين فلا إشكال في هذا على تقديمه على الحج قبل افتراضه فأما بعد أن صار الجهاد فرض كفاية والحج فرض عين فإن الحج المفترض حينئذ يكون أفضل من الجهاد قال عبد الله بن عمرو بن العاص: حجة قبل الغزو أفضل من عشر غزوات وغزوة بعد حجة أفضل من عشر حجات وروي ذلك مرفوعا من وجوه متعددة في أسانيدها مقال وقال الصبي بن معبد: كنت نصرانيا فأسلمت فسألت أصحاب محمد ﷺ : الجهاد أفضل أم الحج؟ فقالوا: الحج والمراد والله أعلم: أن الحج أفضل لمن لم يحج حجة الإسلام مثل الذي أسلم وقد يكون المراد بحديث أبي هريرة ﵁: أن جنس الجهاد أشرف من جنس الحج فإن عرض للحج وصف يمتاز به على الجهاد وهو كونه فرض عين صار ذلك الحج المخصوص أفضل من الجهاد وإلا فالجهاد أفضل والله أعلم.
وقد دل حديث أبي هريرة ﵁ على أن أفضل الأعمال بعد الجهاد في سبيل الله جنس عمارة المساجد بذكر الله وطاعته فيدخل في ذلك الصلاة والذكر والتلاوة والإعتكاف وتعليم العلم النافع واستماعه وأفضل من ذلك عمارة أفضل المساجد وأشرفها وهو المسجد الحرام بالزيارة والطواف فلهذا خصه بالذكر وجعل قصده للحج أفضل الأعمال بعد الجهاد وقد خرجه ابن المنذر ولفظه: "ثم حج مبرور أو عمرة".
وقد ذكر الله تعالى هذا البيت في كتابه بأعظم ذكر وأفخم تعظيم وثناء قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة:١٢٥] الآيات وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ، فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران: ٩٦, ٩٧] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ، وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج:٢٧] فعمارة سائر المساجد سوى المسجد الحرام وقصدها للصلاة فيها وأنواع العبادات من الرباط في سبيل الله تعالى كما قال النبي ﷺ : "إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط" فأما المسجد.
стр. 231
الحرام بخصوصه فقصده لزيارته وعمارته بالطواف الذي خصه الله به من نوع الجهاد في سبيل الله .
وفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ قالت: يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد فقال: "لكن أفضل الجهاد حج مبرور" يعني أفضل جهاد النساء ورواه بعضهم: "لكن أفضل الجهاد حج مبرور" فيكون صريحا في هذا المعنى وقد خرجه البخاري بلفظ آخر وهو: "جهادكن الحج" وهو كذلك وفي المسند وسنن ابن ماجه عن أم سلمة ﵂ عن النبي قال: "الحج جهاد كل ضعيف" وخرج البيهقي وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا: "جهاد الكبير والضعيف والمرأة الحج والعمرة" وفي حديث مرسل الحج جهاد والعمرة تطوع وفي حديث آخر مرسل خرجه عبد الرزاق أن رجلا قال للنبي ﷺ : إني جبان لا أطيق لقاء العدو قال: "ألا أدلك على جهاد لا قتال فيه" قال: بلى قال: "عليك بالحج والعمرة" وخرج أيضا من مراسيل علي بن الحسين أن رجلا سأل النبي ﷺ عن الجهاد فقال "ألا أدلك على جهاد لا شوكة فيه الحج" وفيه عن عمر أنه قال: إذا وضعتم السروج يعني من سفر الجهاد فشدوا الرحال إلى الحج والعمرة فإنه أحد الجهادين وذكره البخاري تعليقا وقال ابن مسعود ﵁: إنما سرج ورحل فالسرج في سبيل الله والرحل والحج خرجه الإمام أحمد في مناسكه.
وإنما كان الحج والعمرة جهادا لأنه يجهد المال والنفس والبدن كما قال أبو الشعثاء نظرت في أعمال البر فإذا الصلاة تجهد البدن دون المال والصيام كذلك والحج يجهدهما فرأيته أفضل وروى عبد الرزاق بإسناده عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رجلا سأله عن الحج قال: إن الحاج يشفع في أربعمائة بيت من قومه ويبارك في أربعين من أمهات البعير الذي حمله ويخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه فقال له رجل: يا أبا موسى إني كنت أعالج الحج وقد كبرت وضعفت فهل من شيء يعدل الحج فقال له: هل تستطيع أن تعتق سبعين رقبة مؤمنة من ولد إسماعيل فأما الحل والرحيل: فلا أجد له عدلا أو قال مثلا وبإسناده عنه طاوس أنه سئل هل الحج بعد الفريضة أفضل أم الصدقة؟ قال: فأين الحل والرحيل والسهر والنصب والطواف بالبيت والصلاة عنده والوقوف بعرفة وجمع ورمي الجمار كأنه يقول الحج أفضل.
وقد اختلف العلماء في تفضيل الحج تطوعا أو الصدقة فمنهم من رجح.
стр. 232
الحج كما قال طاوس وأبو الشعثاء وقال الحسن أيضا ومنهم من رجح الصداقة وهو قول النخعي ومنهم من قال: إن كان ثم رحم محتاجه أو زمن مجاعة فالصدقة وإلا فالحج وهو نص أحمد وروي عن الحسن معناه وإن صلة الرحم والتنفيس عن المكروب أفضل من التطوع بالحج وفي كتاب عبد الرزاق بإسناد ضعيف عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ سئل عن رجل حج فأكثر أيجعل نفقته في صلة أو عتق؟ فقال النبي ﷺ : "طواف سبع لا لغو فيه يعدل رقبة" وهذا يدل على تفضيل الحج.
واستدل من رأى ذلك أيضا بأن النفقة في الحج أفضل من النفقة في سبيل الله وفي مسند الإمام أحمد عن بريدة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف" وخرجه الطبراني من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ : "النفقة في سبيل الله الدرهم فيه بسبعمائة" ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ*وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٥, ١٩٦] ففيه دليل على أن النفقة في الحج والعمرة تدخل في جملة النفقة في سبيل الله وقد كان بعض الصحابة جعل بعيره في سبيل الله فأرادت امرأته أن تحج عليه فقال لها النبي ﷺ : "حجي عليه فإن الحج في سبيل الله" وقد خرجه أهل المسانيد والسنن من وجوه متعددة وذكره البخاري تعليقا وهذا يستدل به على أن الحج يصرف فيه من سهم سبيل الله المذكور في آية الزكاة كما هو أحد قولي العلماء فيعطى من الزكاة من لم يحج ما يحج به في اعطائه لحج التطوع اختلاف بينهم أيضا.
وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" وفي المسند أن النبي ﷺ سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله وحده ثم الجهاد ثم حجة برة تفضل سائر الأعمال ما بين مطلع الشمس إلى مغربها" وثبت عنه ﷺ أنه قال: "من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" فمغفرة الذنوب بالحج ودخول الجنة به مرتب على كون الحج مبرورا.
وإنما يكون مبرورا باجتماع أمرين قيه:
أحدهما: الإتيان فيه بأعمال البر والبر يطلق بمعنيين:
أحدهما: بمعنى الإحسان إلى الناس كما يقال البرو الصلة وضده العقوق وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ سئل عن البر؟ فقال: "حسن الخلق" وكان ابن.
стр. 233
عمر ﵄ يقول: إن البر شيء هين: وجه طليق وكلام لين وهذا يحتاج إليه في الحج كثيرا أعني معاملة الناس بالإحسان بالقول والفعل قال بعضهم: إنما سمي السفر سفرا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال وفي المسند عن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ قال: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" قالوا: وما بر الحج يا رسول الله؟ قال: "إطعام الطعام وإفشاء السلام" وفي حديث آخر: "وطيب الكلام" وسئل سعيد بن جبير: أي الحج أفضل؟ قال: من أطعم الطعام وكف لسانه قال الثوري: سمعت أنه من بر الحج وفي مراسيل خالد بن معدان عن النبي ﷺ قال: "ما يصنع من يؤم هذا البيت إذا لم يكن فيه خصال ثلاثة: ورع يحجزه عما حرم الله وحلم يضبط به جهله وحسن صحابة لمن يصحب وإلا فلا حاجة لله بحجه" وقال أبو جعفر الباقر: ما يعبأ بمن يؤم هذا البيت إذا لم يأت بثلاثة: ورع يحجزه عن معاصي الله وحلم يكف به غضبه وحسن الصحابة لمن يصحبه من المسلمين فهذه الثلاثة يحتاج إليها في الأسفار خصوصا في سفر الحج فمن كملها فقد كمل حجه وبر.
ومن أجمع خصال البر التي يحتاج إليها الحاج ما وصى به النبي ﷺ أبا جزي الهجيمي فقال: "لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي ولو أن تعطي صلة الحبل ولو أن تعطي شسع النعل ولو أن تنحي الشي من طريق الناس يؤذيهم ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منطلق ولو أن تلقى أخاك المسلم عليه فتسلم عليه ولو أن تؤنس الوحشان في الأرض" وفي الجملة: فخير الناس أنفعهم للناس وأصبرهم على أذى الناس كما وصف الله المتقين بذلك في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤] والحاج يحتاج إلى مخالطة الناس والمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل ممن لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم قال ربيعة: المروءة في السفر بذل الزاد وقلة الخلاف على الأصحاب وكثرة المزاح في غير مساخط الله وجاء رجلان إلى ابن عون يودعانه ويسألانه أن يوصيهما فقال لهما: عليكما بكظم الغيظ وبذل الزاد فرأى أحدهما في المنام: أن ابن عون أهدى إليهما حلتين.
والإحسان إلى الرفقة في السفر أفضل من العبادة القاصرة لا سيما إن احتاج العابد إلى خدمة إخوانه وقد كان النبي ﷺ في سفر في حر شديد ومعه من هو صائم ومفطر فسقط الصوام وقام المفطرون فضربوا الأبنية وسقوا الركاب فقال
стр. 234
النبي ﷺ : "ذهب المفطرون اليوم بالأجر" وروي أنه ﷺ كان في سفر فرأى رجلا صائما فقال له: "ما حملك على الصوم في السفر"؟ فقال: معي ابناي يرحلان بي ويخدماني فقال له "ما زال لهما الفضل عليك" وفي مراسيل أبي داود عن أبي قلابة ﵁ قال: قدم ناس من أصحاب رسول الله ﷺ من سفر يثنون على صاحب لهم قالوا: ما رأينا مثل فلان قط ما كان في مسير إلا كان في قراءة ولا نزلنا منزلا إلا كان في صلاة قال: "فمن كان يكفيه ضيعته"؟ حتى ذكر ومن كان يعلف دابته؟ قالوا: نحن قال: " فكلكم خير منه".
وقال مجاهد: صحبت ابن عمر في السفر لأخدمه فكان يخدمني وكان كثير من السلف يشترط على أصحابه في السفر أن يخدمهم اغتناما لأجر ذلك منهم: عامر بن عبد قيس وعمرو بن عتبة بن فرقد مع اجتهادهما في العبادة في أنفسهما وكذلك كان إبراهيم بن أدهم يشترط على أصحابه في السفر الخدمة والأذان وكان رجل من الصالحين يصحب إخوانه في سفر الجهاد وغيره فيشترط عليهم أن يخدمهم فكان إذا رأى رجلا يريد أن يغسل ثوبه قال له: هذا من شرطي فيغسله وإذا رأى من يريد أن يغسل رأسه قال: هذا من شرطي فيغسله فلما مات نظروا في يده فإذا فيها مكتوب من أهل الجنة فنظروا إليها فإذا هي كتابة بين الجلد واللحم.
وترافق بهيم العجلي وكان من العبادين البكائين ورجل تاجر موسر في الحج فلما كان يوم خروجهم للسفر بكى بهيم حتى قطرت دموعه على صدره ثم قطرت على الأرض وقال: ذكرت بهذه الرحلة الرحلة إلى الله ثم علا صوته بالنحيب فكره رفيقه التاجر منه ذلك وخشي أن يتنغص عليه سفره ومعه بكثرة بكائه فلما قدما من الحج جاء الرجل الذي رافق بينهما إليه ليسلم عليهما فبدأ بالتاجر فسلم عليه وسأله عن حله مع بهيم فقال له: والله ظننت إن في هذا الخلق مثله كان والله يتفضل علي في النفقة وهو معسر وأنا موسر ويتفضل علي في الخدمة وهو شيخ ضعيف وأنا شاب ويطبخ لي وهو صائم وأنا مفطر فسأله عما كان يكرهه من كثرة بكائه فقال: والله ألفت ذلك البكاء وأشرب حبه قلبي حتى كنت أساعده عليه حتى تأذى بنا الرفقة ثم ألفوا ذلك فجعلوا إذا سمعونا نبكي بكوا ويقول بعضهم لبعض: ما الذي جعلهما أولى بالبكاء منا والمصير واحد فجعلوا والله يبكون ونبكي ثم خرج من عنده فدخل على بهيم فسلم عليه وقال له: كيف رأيت صاحبك قال: خير صاحب كثير الذكر لله طويل التلاوة
стр. 235
للقرآن سريع الدمعة متحمل لهفوات الرفيق فجزاك الله عني خيرا.
وكان ابن المبارك يطعم أصحابه في الأسفار أطيب الطعام وهو صائم وكان إذا أراد الحج من بلده مر وجمع أصحابه وقال: من يريد منكم الحج فيأخذ منهم نفقاتهم فيضعها عنده في صندوق ويقفل عليه ثم يحملهم وينفق عليهم أوسع النفقة ويطعمهم أطيب الطعام ثم يشتري لهم من مكة ما يريدون من الهدايا والتحف ثم يرجع بهم إلى بلده فإذا وصلوا صنع لهم طعاما ثم جمعهم عليه ودعا بالصندوق الذي فيه نفقاتهم فرد إلى كل واحد نفقته.
المعنى الثاني: مما يراد بالبر: فعل الطاعات كلها وضده الإثم وقد فسر الله تعالى البر بذلك في قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧] الآية فتضمنت الآية: أن أنواع البر ستة أنواع من استكملها فقد استكمل البر:
أولها: الإيمان بأصول الإيمان الخمسة.
وثانيها: إيتاء المال المحبوب لذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب.
وثالثها: إقام الصلاة.
ورابعها: إيتاء الزكاة.
وخامسها: الوفاء بالعهد.
وسادسها: الصبر على البأساء والضراء وحين البأس.
وكلها يحتاج الحاج إليها فإنه لا يصح حجه بدون الإيمان ولا يكمل حجه ويكون مبرورا بدون إقام الصلاة وإيتاء الزكاة فإن أركان الإسلام بعضها مرتبطة ببعض فلا يكمل الإيمان والإسلام حتى يؤتي بها كلها ولا يكمل بر الحج بدون الوفاء بالعهود في المعاقدات والمشاركات المحتاج إليها في سفر الحج وإيتاء المال المحبوب لمن يحب الله إيتاءه ويحتاج مع ذلك إلى الصبر على ما يصيبه من المشاق في السفر فهذه خصال البر ومن أهمها للحاج: إقام الصلاة فمن حج من غير إقام الصلاة لا سيما إن كان حجه تطوعا كان بمنزلة من سعى في ربح درهم وضيع رأس ماله وهو ألوف كثيرة وقد كان السلف يواظبون في الحج على نوافل الصلاة وكان النبي ﷺ يواظب على قيام الليل على راحلته في أسفاره كلها ويؤثر عليها وحج مسروق فما نام إلا ساجدا وكان محمد بن واسع يصلي في
стр. 236
طريق مكة ليله أجمع في محمله يومىء إيماء ويأمر حاديه أن يرفع صوته خلفه حتى يشغل عنه بسماع صوت الحادي فلا يتفطن له وكان المغيرة بن الحكيم الصنعاني يحج من اليمن ماشيا وكان له ورد بالليل يقرأ فيه كل ليلة ثلث القرآن فيقف فيصلي حتى يفرغ من ورده ثم يلحق بالركب متى لحق فربما لم يلحقهم إلا في آخر النهار سلام الله على تلك الأرواح رحمة الله على تلك الأشباح ما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل:
نزلوا بمكة في قبائل هاشم ... ونزلت بالبيداء أبعد منزل
فنحن ما نأمر إلا بالمحافظة على الصلاة في أوقاتها ولو بالجمع بين الصلاتين المجموعتين في وقت إحداهما بالأرض فإنه لا يرخص لأحد أن يصلي صلاة الليل في النهار ولا صلاة النهار في الليل ولا أن يصلي على ظهر راحلته المكتوبة إلا من خاف الإنقطاع عن رفقته أو نحو ذلك مما يخاف على نفسه فأما المريض ومن كان في ماء وطين ففي صلاته على الراحلة اختلاف مشهور للعلماء وفيه روايتان عن الإمام أحمد وأن يكون بالطهارة الشرعية بالوضوء بالماء مع القدرة عليه والتيمم عند العجز حسا أو شرعا ومتى علم الله من عبد حرصه على إقام الصلاة على وجهها أعانه.
قال بعض العلماء: كنت في طريق الحج وكان الأمير يقف للناس كل يوم لصلاة الفجر فينزل فنصلي ثم نركب فلما كان ذات يوم قرب طلوع الشمس ولم يقفوا للناس فناديتهم فلم يلتفتوا إلى ذلك فتوضأت على المحمل ثم نزلت للصلاة على الأرض ووطنت نفسي على المشي إلى وقت نزولهم للضحى وكانوا لا ينزلون إلى قريب وقت الظهر مع علمي بمشقة ذلك علي وإني لا قدرة لي عليه فلما صليت وقضيت صلاتي نظرت إلى رفقتي فإذا هم وقوف وقد كانوا لو سئلوا ذلك لم يفعلوه فسألتهم عن سبب وقوفهم؟ فقالوا: لما نزلت تعرقلت مقاود الجمال بعضها في بعض فنحن في تخليصها إلى الآن قال: فجئت وركبت وحمدت الله وعلمت أنه ما قدم أحد حق الله على هوى نفسه وراحتها إلا رأى سعادة الدنيا والآخرة ولا عكس أحد ذلك فقدم حظ نفسه على حق ربه إلا ورأى الشقاوة في الدنيا والآخرة واستشهد بقول القائل:
والله ما جئتكم زائرا ... إلا وجدت الأرض تطوى لي
ولا ثنيت العزم عن بابكم ... إلا تعثرت بأذيالي
стр. 237
ومن أعظم أنواع بر الحج كثرة ذكر الله تعالى فيه وقد أمر الله تعالى بكثرة ذكره في إقامة مناسك الحج مرة بعد أخرى وقد روي أن النبي ﷺ سئل: أي الحاج أفضل؟ قال: "أكثرهم لله ذكرا" خرجه الإمام أحمد وروي مرسلا من وجوه متعددة وخصوصا كثرة الذكر في حال الإحرام بالتلبية والتكبير وفي الترمذي وغيره عن النبي ﷺ قال: "أفضل الحج العج والثج" وفي حديث جبير بن مطعم المرفوع: "عجو التكبير عجا وثجوا الإبل ثجا" فالعج رفع الصوت في التكبير والتلبية الثج إراقة دماء الهدايا والنسك والهدي من أفضل الأعمال قال الله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦] الآية وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢] وقال تعالى ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: من الآية٣٢] وأهدى النبي ﷺ في حجة الوداع مائة بدنة وكان يبعث الهدي إلى منى فتنحر عنه وهو مقيم بالمدينة.
الأمر الثاني: مما يكمل ببر الحج اجتناب أفعال الإثم فيه من الرفث والفسوق والمعاصي قال الله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] . وفي الحديث الصحيح: "من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" وقد سبق حديث: "من لم يكن له ورع يحجزه عن معاصي الله فليس لله حاجة في حجه" فما تزود حاج ولا غيره أفضل من زاد التقوى ولا دعي للحاج عند توديعه بأفضل من التقوى وقد روي أن النبي ﷺ ودع غلاما للحج فقال له: "زودك الله التقوى" قال بعض السلف لمن ودعه: اتق الله فمن اتقى الله فلا وحشة عليه وقال آخر: لمن ودعه للحج أوصيك بما وصى به النبي ﷺ معاذا حين ودعه: "اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن" وهذه وصية جامعة لخصال البر كلها ولأبي الدرداء ﵁:
يريد المرء أن تؤتى مناه ... ويأبى الله إلا ما أراد
يقول المرء فائدتي ومالي ... وتقوى الله أفضل ما استفاد
ومن أعظم ما يجب على الحاج اتقاؤه من الحرام وأن يطيب نفقته في الحج وأن لا يجعلها من كسب حرام وقد خرج الطبراني وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا: "إذا خرج الرجل حاجا بنفقة طيبة ووضع رجله في الغرز فنادى لبيك اللهم لبيك ناداه مناد من السماء: لبيك وسعديك زادك حلال
стр. 238
وراحلتك حلال وحجك مبرور غير مأزور وإذا خرج بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز فنادى لبيك اللهم لبيك ناداه مناد من السماء: لا لبيك ولا سعديك زادك حرام ونفقتك حرام وحجك غير مبرور".
مات رجل في طريق مكة فحفروا له فدفنوه ونسوا الفأس في لحده فكشفوا عنه التراب ليأخذوا الفاس فإذا رأسه وعنقه قد جمعا في حلقة الفاس فردوا عليه التراب ورجعوا إلى أهله فسألوهم عنه فقالوا: صحب رجلا فأخذ ماله فكان منه يحج ويغزو.
إذا حججت بمال أصله سحت ... فما حججت ولكن حجت العير
لا يقبل الله إلا كل طيبة ... ما كل من حج بيت الله مبرور
وما يجب اجتنابه على الحاج وبه يتم بر حجه أن لا يقصد بحجه رياء ولا سمعة ولا مباهاة ولا فخرا ولا خيلاء ولا يقصد به إلا وجه الله ورضوانه ويتواضع في حجه ويستكين ويخشع لربه روي عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ حج على رحل رث وقطيفة ما تساوي أربعة دراهم وقال: "اللهم اجعلها حجة لا رياء فيها ولا سمعة" وقال عطاء: صلى رسول الله ﷺ الصبح بمنى غداة عرفة ثم غدا إلى عرفات وتحته قطيفة اشتريت له بأربعة دراهم وهو يقول: "اللهم اجعلها حجة مبرورة متقبلة لا رياء فيها ولا سمعة" وقال عبد الله بن الحارث: ركب رسول الله ﷺ رحلا فاهتز به فتواضع لله وقال: "لبيك لا عيش إلا عيش الآخرة" قال رجل لابن عمر: ما أكثر الحاج فقال: ابن عمر: ما أقلهم ثم رأى رجلا على بعير على رحل رث خطامه حبال فقال: لعل هذا وقال شريح: الحاج قليل والركبان كثير ما أكثر من يعمل الخير ولكن ما أقل الذين يريدون وجهه.
خليلي قطاع الفيافي إلى الحمى ... كثير وأما الواصلون قليل
كان بعض المتقدمين يحج ماشيا على قدميه كل عام فكان ليلة نائما على فراشه فطلبت منه أمه شربة ماء فصعب على نفسه القيام من فراشه لسقي أمه الماء فتذكر حجه ماشيا كل عام وأنه لا يشق عليه فحاسب نفسه فرأى أنه لا يهونه عليه إلا رؤية الناس له ومدحهم إياه فعلم أنه كان مدخولا قال بعض التابعين: رب محرم يقول: لبيك اللهم لبيك فيقول الله: لا لبيك ولا سعديك هذا مردود عليك قيل له: لم؟ قال: لعله اشترى ناقة بخمسمائة درهم ورحلا بمائتي درهم ومفرشا بكذا وكذا ثم ركب ناقته ورجل رأسه ونظر في عطفيه فذلك الذي يرد
стр. 239
عليه ومن هنا استحب للحاج أن يكون شعثا أغبر وفي حديث المباهاة يوم عرفة أن الله تعالى يقول لملائكته: "انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا ضاحين اشهدوا أني قد غفرت لهم" قال عمر يوما وهو بطريق مكة: تشعثون وتغبرون وتتفلون وتضحون لا تريدون بذلك شيئا من عرض الدنيا ما نعلم سفرا خيرا من هذا يعني الحج وعنه قال: إنما الحاج الشعث التفل وقال ابن عمر لرجل رآه: قد استظل في إحرامه أضح لمن أحرمت له أي أبرز للضحى وهو حر الشمس.
أتاك الوافدون إليك شعثا ... يسوقون المقلدة الصواف
فكم من قاصد للرب رغبا ... ورهبا بين منتعل وحاف
سبحان من جعل بيته الحرام مثابة للناس وأمنا يترددون إليه ويرجعون عنه ولا يرون أنهم قضوا منه وطرا لما أضاف الله تعالى ذلك البيت إلى نفسه ونسبه إليه بقوله لخليله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦] تعلقت قلوب المحبين ببيت محبوبهم فكلما ذكر لهم ذلك البيت الحرام حنوا وكلما تذكروا بعدهم عنه أنوا.
لا يذكر الرمل الأحن مغترب ... له بذي الرمل أوطار وأوطان
تهفو إلى البان من قلبي نوازعه ... وما بي البان بل من داره البان
رأى بعض الصالحين الحاج في وقت خروجهم فوقف يبكي ويقول: واضعفاه وينشد على أثر ذلك:
فقلت دعوني واتباعي ركابكم ... أكن طوع أيديكم كما يفعل العبد
ثم تنفس وقال: هذه حسرة من انقطع عن الوصول إلى البيت فكيف تكون حسرة من انقطع عن الوصول إلى رب البيت يحق لمن رأى الواصلين وهو منقطع أن يقلق ولمن شاهد السائرين إلى ديار الأحبة وهو قاعد أن يحزن".
يا سائق العيس ترفق واستمع ... مني وبلغ السلام عني
عرض بذكري عندهم لعلهم ... إن سمعوك سألوك عني
قل ذلك المحبوس عن قصدكم ... معذب القلب بكل فني
يقول أملت بأن أزوركم ... في جملة الوفد فخاب ظني
أقعدني الحرمان عن قصدكم ... ورمت أن أسعى فلم يدعني
ينبغي للمنقطعين طلب الدعاء من الواصلين لتحصل المشاركة كما روي عن.
стр. 240
النبي ﷺ قال لعمر لما أراد العمرة: "يا أخي أشركنا في دعائك" وفي مسند البزار عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: "اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج" وفي الطبراني عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ سمع رجلا يقول في الطواف: "اللهم اغفر لفلان بن فلان فقال رسول الله ﷺ : " من هذا؟ " قال: رجل حملني أن أدعو له بين الركن والمقام فقال: "قد غفر لصاحبك".
ألا قل لزوار دار الحبيب ... هنيئا لكم في الجنان الخلود
أفيضوا علينا من الماء فيضا ... فنحن عطاش وأنتم ورود
لئن سار القوم وقعدنا وقربوا وبعدنا فما يؤمننا أن نكون ممن كره الله أتباعهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين.
لله در ركائب سارت بهم ... تطوي القفار الشاسعات على الدجا
رحلوا إلى البيت الحرام وقد شجا ... قلب المتيم منهمو ما قد شجا
نزلوا بباب لا يخيب نزيله ... وقلوبهم بين المخافة والرجا
على أن المتخلف لعذر شريك للسائر كما قال النبي ﷺ لما رجع من غزوة تبوك: "إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم خلفهم العذر".
يا سائرين إلى البيت العتيق لقد ... سرتم جسوما وسرنا نحن أرواحا
إنا أقمنا على عذر وقد رحلوا ... ومن أقام على عذر كمن راحا
وربما سبق بعض من سار بقلبه وهمته وعزمه بعض السائرين ببدنه رأى بعض الصالحين في منامه عشية عرفة بعرفة قائلا يقول له: ترى هذا الزحام بالموقف قال: نعم قال: ما حج منهم إلا رجل واحد تخلف عن الموقف فحج بهمته فوهب الله له أهل الموقف ما الشأن فيمن سار ببدنه إنما الشأن فيمن قعد بدنه وسار بقلبه حتى سبق الركب.
من لي بمثل سيرك المذلل ... تمشي رويدا وتجي في الأول
يا سائرين إلى دار الأحباب قفوا للمنقطعين تحملوا معكم رسائل المحصرين. خذوا نظرة مني فلاقوا بها الحمى".
يا سائرين إلى الحبيب ترفقوا ... فالقلب بين رحالكم خلفته
مالي سوى قلبي وفيك أذبته ... مالي سوى دمعي وفيك سكبته
стр. 241
كان عمر بن عبد العزيز إذا رأى من يسافر إلى المدينة النبوية يقول له: أقرىء رسول الله ﷺ مني السلام وروي أنه كان يبرد عليه البريد من الشام.
هذه الخيف وهاتيك مني ... فترفق أيها الحادي بنا
واحبس الركب علينا ساعة ... نندب الربع ونبكي الدمنا
فلذا الموقف أعددنا البكا ... ولذا اليوم الدموع تقتني
أتراكم في النقا والمنحنا ... أهل سلع تذكرونا ذكرنا
انقطعنا ووصلتم فاعلموا ... واشكروا المنعم يا أهل منى
قد خسرنا وربحتم فصلوا ... بفضول الربح من قد غبنا
سار قلبي خلف أحمالكم ... غير أن العذر عاق البدنا
ما قطعتم واديا إلا وقد ... جئته أسعى بأقدام المنى
آه وأشواقي إلى ذاك الحمى ... شوق محروم وقد ذاق العنا
سلموا عني على أربابه ... أخبروهم أنني خلف الضنا
أنا مذ غبتم على تذكاركم ... أترى عندكم ما عندنا
بيننا يوم أثيلات النقا ... كان عن غير تراض بيننا
زمنا كان وكنا جيرة ... فأعاد الله ذاك الزمنا
من شاهد تلك الديار وعاين تلك الآثار ثم انقطع عنها لم يمت إلا بالأسف عليها والحنين إليها.
ما أذكر عيشنا الذي قد سلفا ... إلا وجف القلب وكم قد وجفا
واها لزماننا الذي كان صفا ... وا أسفا وهل يرد فائتا وا أسفا
стр. 242
المجلس الثالث فيما يقوم مقام الحج والعمرة عند العجز عنهما .
يذكر بعد خروج الحاج في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء الفقراء إلى
стр. 243
رسول الله ﷺ فقالوا: ذهب الدثور من الأموال بالدرجات العلى والنعيم المقيم يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ولهم فضل أموال يحجون بها ويعتمرون ويجاهدون ويتصدقون؟ فقال رسول الله ﷺ : "ألا أحدثكم بمال لو أخذتم به لحقتم من سبقكم ولم يدرككم أحد بعدكم وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه إلا من عمل مثله: تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين".
وفي المسند وسنن النسائي عن أبي الدرداء ﵁ قال: قلنا يا رسول الله ذهب الأغنياء بالأجر يحجون ولا نحج ويجاهدون ولا نجاهد وبكذا وبكذا فقال رسول الله ﷺ : "ألا أدلكم على شيء إن أخذتم به جئتم من أفضل ما يجيء به أحد منهم: أن تكبروا الله أربع وثلاثين وتسبحوه ثلاثا وثلاثين وتحمدوه ثلاثا وثلاثين في دبر كل صلاة".
المال لمن استعان به على طاعة الله وأنفقه في سبل الخيرات القربة إلى الله سبب موصل له إلى الله وهو لمن أنفقه في معاصي الله واستعان به على نيل أغراضه المحرمة أو اشتغل به عن طاعة الله قاطع له عن الله كما قال أبو سليمان الداراني: الدنيا حجاب عن الله لأعدائه ومطية موصلة إليه لأوليائه فسبحان من جعل سببا واحدا للإتصال به والإنقطاع عنه وقد مدح الله في كتابه القسم الأول وذم القسم الثاني فقال في مدح الأولين: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٢٦٢] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ، لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٢٩, ٣٠] والآيات في المعنى كثيرة جدا وقال في ذم الآخرين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ، وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ٩, ١٠] .
وقد قال ابن عباس ﵄: ليس أحد لا يؤتي زكاة ماله إلا سأل الرجعة عند الموت ثم تلا هذه الآية وأخبر عن أهل النار الذين يؤتي أحدهم كتابه بشماله أنه يقول: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨, ٢٩] والأحاديث في مدح من أنفق ماله في سبل الخيرات وفي ذم من لم يؤد حق الله منه كثيرة جدا وقد ﷺ : "نعم المال الصالح للرجل الصالح" وقال: "الأكثرون
стр. 244
هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال بالمال هكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه وقليل ما هم" وقال: "إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو وإن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع" فالمؤمن الذي يأخذ المال من حقه ويضعه في حقه فله أجر ذلك كله وكلما أنفق منه يبتغي به وجه الله فهو له صدقة يؤجر عليها حتى ما يطعم نفسه فهو له صدقة وما يطعم ولده فهو له صدقة وما يطعم أهله فهو له صدقة وما يطعم خادمه فهو له صدقة وكان عامة أهل الأموال من أصحاب النبي ﷺ من هذا القسم قال أبو سليمان: كان عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف خازنين من خزان الله تعالى في أرضه ينفقان في طاعته وكانت معاملتهم لله بقلوبهما ورأس المنفقين أموالهم في سبيل الله من هذه الأمة أبو بكر الصديق ﵁ وفيه نزلت هذه الآية: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى، الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى، وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى، إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى، وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: ١٧, ٢١] وفي صحيح الحاكم عن ابن الزبير قال: قال أبو قحافة لأبي بكر: أراك تعتق رقابا ضعافا فلو أنك إذا فعلت ما فعلت أعتقت رجالا جلدا يمنعونك ويقومون دونك فقال أبو بكر: يا أبت إني إنما أريد ما أريد قيل: وإنما أنزلت هذه الآيات فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل:٥] إلى آخر السورة وروي من وجه آخر عن ابن الزبير وخرجه الإسماعيلي ولفظه: أن أبا بكر كان يبتاع الضعفة فيعتقهم فقال له أبو قحافة: يا بني لو ابتعت من يمنع ظهرك فقال: يا أبت منع ظهري أريد ونزلت فيه: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ [الليل:١٧] إلى آخر السورة.
وخرج أبو داود والترمذي من حديث عمر قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق ووافق ذلك عندي مالا فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما قال: فجئت بنصف مالي فقال رسول الله ﷺ : "ما أبقيت لأهلك"؟ قلت: مثله وإن أبا بكر أتى بكل ما عنده فقال: "يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك"؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله فقلت: لا أسابقه إلى شيء أبدا وخرج الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر" فبكى أبو بكر وقال: هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله وخرجه الترمذي بدون هذه الزيادة في آخره.
وكان من المنفقين أموالهم في سبيل الله عثمان بن عفان ففي الترمذي عن عبد الرحمن بن خباب قال: شهدت النبي ﷺ وهو يحث على جيش العسرة فقام
стр. 245
عثمان فقال: يا رسول الله علي مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله ثم حض على الجيش فقام عثمان فقال: يا رسول الله علي مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله ثم حض على الجيش فقام عثمان فقال: يا رسول الله علي ثلاثمائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله قال فرأيت رسول الله ﷺ نزل على المنبر وهو يقول: "ما على عثمان ما فعل بعد هذه ما على عثمان ما فعل بعد هذه".
وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث عبد الرحمن بن سمرة ﵁ أن عثمان جاء إلى النبي ﷺ بألف دينار حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجره قال: فرأيت النبي ﷺ يقلبها في حجره ويقول: "ما ضر عثمان ما فعل بعد هذا اليوم" مرتين.
وكان أيضا منهم عبد الرحمن بن عوف وفي مسند الإمام أحمد أنه قدم له عير إلى المدينة فارتجت لها المدينة فسألت عائشة عنها وحدثت حديثا عن النبي ﷺ فبلغ عبد الرحمن فجعلها كلها في سبيل الله بأقتابها وأحلاسها وكانت سبعمائة راحلة وخرجه ابن سعد من وجه آخر فيه انقطاع وعنده أنها كانت خمسمائة راحلة وخرج الترمذي من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يقول تعني لأزواجه: "إن أمركن لمما يهمني بعدي ولن يصبر عليكن إلا الصابرون" قال: ثم تقول عائشة لأبي سلمة: سقى الله أباك من سلسبيل الجنة وكان قد وصل أزواج النبي ﷺ بمال بيعت بأربعين ألفا وقال: حسن غريب وخرجه الحاكم وصححه وخرج الإمام أحمد أوله وخرج الإمام أحمد أيضا والحاكم من حديث أم بكر بنت المسور بن مخرمة أن عبد الرحمن بن عوف باع أرضا له من عثمان بأربعين ألف دينار فقسمها في فقراء بني زهرة وفي المهاجرين وأمهات المؤمنين قال المسور: فأتيت عائشة ﵂ بنصيبها من ذلك فقالت لنا: إني سمعت رسول الله ﷺ قال: "لا يحنو عليكن بعدي إلا الصابرون، سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة" وخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ قال لأزواجه: "إن الذي يحنو عليكن بعدي هو الصادق البار: اللهم ساق عبد الرحمن بن عوف من سلسبيل الجنة" وخرجه ابن سعد وزاد: إن إبراهيم بن سعد قال: حدثني بعض أهلي من ولد عبد الرحمن بن عوف أن عبد الرحمن بن عوف باع أمواله من كيدمة وسهمه من بني النضير بأربعين ألف دينار فقسمها على أزواج النبي ﷺ وخرج الترمذي من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن ﵁ أن أباه عبد الرحمن بن عوف
стр. 246
أوصى بحديقة لأمهات المؤمنين بيعت بأربعمائة ألف وخرجه الحاكم ولفظه: بيعت بأربعين ألف دينار.
وأخبار الأجواد المنفقين أموالهم في سبيل الله من أصحاب رسول الله ﷺ يطول ذكرها جدا وكان الفقراء من الصحابة كلما رأوا أصحاب الأموال منهم ينفقون أموالهم فيما يحبه الله من الحج والإعتمار والجهاد في سبيل الله والعتق والصدقة والبر والصلة وغير ذلك من أنواع البر والطاعات والقربات حزنوا لما فاتهم من مشاركتهم في هذه الفضائل وقد ذكرهم الله في كتابه بذلك فقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩١, ٩٢] : نزلت هذه الآية بسبب قوم من فقراء المسلمين أتوا النبي ﷺ وهو يتجهز إلى غزوة تبوك فطلبوا منه أن يحملهم فقال لهم: "لا أجد ما أحملكم عليه" فرجعوا وهم يبكون حزنا على ما فاتهم من الجهاد مع رسول الله ﷺ قال بعض العلماء: هذا والله بكاء الرجال بكوا على فقدهم رواحل يتحملون عليها إلى الموت في مواطن تراق فيها الدماء في سبيل الله وتنزع فيها رؤوس الرجال عن كواهلها بالسيوف فأما من بكى على فقد حظه من الدنيا وشهواته العاجلة فذلك شبيه ببكاء الأطفال والنساء على فقد حظوظهم العاجلة.
سهر العيون لغير وجهك باطل ... وبكاؤهن لغير فقدك ضائع
إنما يحسن البكاء والأسف على فوات الدرجات العلى والنعيم المقيم قال بعضهم: يرى رجل في الجنة يبكي فيسأل عن حاله فيقول: كانت لي نفس واحدة قتلت في سبيل الله ووددت أنه كانت لي نفوس كثيرة تقتل كلها في سبيله غزا قوم في سبيل الله فلما صافوا عدوهم واقتتلوا رأى كل واحد منهم زوجته من الحور قد فتحت بابا من السماء وهي تستدعي صاحبها إليها وتحثه على القتال فقتلوا كلهم إلا واحدا وكان كلما قتل منهم واحد غلق باب وغابت منه المرأة فأفلت آخرهم فأغلقت تلك المرأة الباب الباقي وقالت ما فاتك يا شقي؟ فكان يبكي على حاله إلى أن مات ولكنه أورثه ذلك طول الإجتهاد والحزن والأسف.
على مثل ليلى يقتل المرء نفسه ... وإن كان من ليلى على الهجر طاويا
стр. 247
لما سمع الصحابة ﵃ قول الله : ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] . ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١] فهموا أن المراد من ذلك أن يجتهد كل واحد منهم أن يكون هو السابق لغيره إلى هذه الكرامة والمسارع إلى بلوغ هذه الدرجة العالية فكان أحدهم إذا رأى من يعمل عملا يعجز عنه خشي أن يكون صاحب ذلك العمل هو السابق له فيحزن لفوات سبقه فكان تنافسهم في درجات الآخرة واستباقهم إليها كما قال تعالى: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦] ثم جاء من بعدهم فعكس الأمر فصار تنافسهم في الدنيا الدنية وحظوظها الفانية.
قال الحسن: إذا رأيت الرجل ينافسك في الدنيا فنافسه في الآخرة وقال وهيب بن الورد: إن استطعت أن لا يسبقك إلى الله أحد فافعل وقال بعض السلف: لو أن رجلا سمع بأحد أطوع لله منه كان ينبغي له أن يحزنه ذلك وقال غيره: لو أن رجلا سمع برجل أطوع لله منه فانصدع قلبه فمات لم يكن ذلك بعجب قال رجل لمالك بن دينار رأيت في المنام مناديا ينادي أيها الناس الرحيل الرحيل فما رأيت أحدا يرتحل إلا محمد بن واسع فصاح مالك وغشي عليه: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ، فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٠, ١٢] قال عمر بن عبد العزيز في حجة حجها عند دفع الناس من عرفة ليس السابق اليوم من سبق به بعيره إنما السابق من غفر له.
كان رأس السابقين إلى الخيرات من هذه الأمة أبو بكر الصديق ﵁ قال عمر: ما استبقنا إلى شيء من الخير إلا سبقنا أبو بكر وكان سباقا بالخيرات ثم كان السابق بعده إلى الخيرات عمر وفي آخر حجة حجها عمر جاء رجل لا يعرف كانوا يرونه من الجن فرثاه بأبيات منها:
فمن يسع أو يركب جناحي نعامة ... ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق
صاحب الهمة العالية والنفس الشريفة التواقة لا يرضى بالأشياء الدنية الفانية وإنما همته المسابقة إلى الدرجات الباقية الزاكية التي لا تفنى ولا يرجع عن مطلوبه ولو تلفت نفسه في طلبه ومن كان في الله تلفه كان على الله خلفه.
قيل لبعض المجتهدين في الطاعات: لم تعذب هذا الجسد؟ قال: كرامته أريد.
وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام
قال عمر بن عبد العزيز إن لي نفسا تواقة ما نالت شيئا إلا تاقت إلى ما هو
стр. 248
أفضل منه وإنها لما نالت هذه المنزلة يعني الخلافة وليس في الدنيا منزلة أعلى منها تاقت إلى ما هو أعلى من الدنيا يعني الآخرة.
على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم
قيمة كل إنسان ما يطلب فمن كان يطلب الدنيا فلا أدنى منه فإن الدنيا دنية وأدنى منها من يطلبها وهي خسيسة وأخس منها من يخطبها قال بعضهم: القلوب جوالة فقلب يجول حول العرش وقلب يجول حول الحش الدنيا كلها حش وكل ما فيها من مطعم ومشرب يؤل إلى الحش وما فيها من أجسام ولباس يصير ترابا كما قيل:
وكل الذي فوق التراب تراب
وقال بعضهم في يوم عيد لإخوانه: هل تنظرون إلا خرقا تبلى أو لحما يأكله الدود غدا وأما من كان يطلب الآخرة فقدره خطير لأن الآخرة خطيرة شريفة ومن يطلبها أشرف منها كما قيل:
أثامن بالنفس النفيسة ربها ... وليس لها في الخلق كلها ثمن
بها تدرك الأخرى فإن أنا بعتها ... بشيء من الدنيا فذاك هو الغبن
لئن ذهبت نفسي بدنيا أصبتها ... لقد ذهبت نفسي وقد ذهب الثمن
وأما من كان يطلب الله فهو أكبر الناس عنده كما أن مطلوبه أكبر من كل شيء كما قيل:
له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر
قال الشبلي: من ركن إلى الدنيا أحرقته بنارها فصار رمادا تذروه الرياح ومن ركن إلى الآخرة أحرقته بنورها فصار سبيكة ذهب ينتفع به ومن ركن إلى الله أحرقه بنور التوحيد فصار جوهرا لا قيمة له العالي الهمة يجتهد في نيل مطلوبه ويبذل وسعه في الوصول إلى رضى محبوبه فأما خسيس الهمة فاجتهاده في متابعة هواه ويتكل على مجرد العفو فيفوته إن حصل له العفو منازل السابقين المقربين قال بعض السلف: هب أن المسيء عفي عنه أليس قد فاته ثواب المحسنين.
فيا مذنب يرجو من الله عفوه ... أترضى بسبق المتقين إلى الله
لما تنافس المتنافسون في نيل الدرجات غبط بعضهم بعضا بالأعمال.
стр. 249
الصالحات قال النبي ﷺ : "لا حسد إلا في اثنتين: رجل أتاه الله مالا فهو ينفقه في سبيل الله آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار" وفي رواية: "لا تحاسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل والنهار يقول: لو أتيت مثل ما أوتي هذا لفعلت كما يفعل ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه في حقه يقول: لو أتيت مثل ما أوتي هذا لفعلت كما يفعل" وهذا الحديث في الصحيحين وفي الترمذي وغيره عن النبي ﷺ قال: "إنما مثل هذه الأمة كأربعة نفر: رجل آتاه الله مالا وعلما فهو يعمل بعلمه في ماله ينفقه في حقه ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا وهو يقول: لو كان لي مثل هذا لعملت فيه مثل الذي يعمل قال رسول الله ﷺ : فهما في الأجر سواء ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته الله علما ولا مالا فهو يقول: لو كان لي مال هذا عملت فيه مثل الذي يعمل قال رسول الله ﷺ : فهما في الوزر سواء".
وروى حميد بن زنجويه بإسناده عن زيد بن أسلم قال: يؤتى يوم القيامة بفقير وغني اصطحبا في الله فيوجد للغني فضل عمل فيما كان يصنع في ماله فيرفع على صاحبه فيقول الفقير: يا رب لما رفعته وإنما اصطحبنا فيك وعملنا لك فيقول الله تعالى: له فضل عمل بما صنع في ماله فيقول: يا رب لقد علمت لو أعطيتني مالا لصنعت مثل ما صنع فيقول: صدق فارفعوه إلى منزلة صاحبه ويؤتى بمريض وصحيح اصطحبا في الله فيرفع الصحيح بفضل عمله فيقول المريض: يا رب لم رفعته علي فيقول: بما كان يعمل في صحته فيقول: يا رب لقد علمت لو أصححتني لعملت كما عمل فيقول الله: صدق فارفعوه إلى درجة صاحبه ويؤتى بحر ومملوك اصطحبا في الله فيقول مثل ذلك ويؤتى بحسن الخلق وسيء الخلق فيقول: يا رب لم رفعته علي وإنما اصطحبنا فيك وعملنا فيقول: بحسن خلقه فلا يجد له جوابا.
العاقل يغبط من أنفق ماله في سبيل الخيرات ونيل علو الدرجات والجاهل يغبط من أنفق ماله في الشهوات وتوصل به إلى اللذات المحرمات قال الله تعالى حاكيا عن قارون: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ، وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: ٧٩, ٨٠] إلى قوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:
стр. 250
٨٣] فلما رأى النبي ﷺ تأسف أصحابه الفقراء وحزنهم على ما فاتهم من إنفاق إخوانهم الأغنياء أموالهم في سبيل الله تقربا إليه وابتغاء لمرضاته طيب قلوبهم ودلهم على عمل يسير يدركون به من سبقهم ولا يلحقهم معه أحد بعدهم ويكونون به خيرا ممن هم معه إلا من عمل مثل عملهم: وهو الذكر عقب الصلوات المفروضات.
وقد اختلفت الروايات بأنواعه وعدده والأخذ بكل ما ورد من ذلك حسن وله فضل عظيم وفي حديث أبي هريرة هذا: أنهم يسبحون ويحمدون ويكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين وقد فسره أبو صالح راوية عنه بالجمع وهو أن يقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثا وثلاثين مرة فيكون جملة ذلك تسعا وتسعين.
وقد يستشكل على هذا حديث: أن رجلا سأل النبي ﷺ : عما يعدل الجهاد؟ فقال: "هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم فلا تفطر وتقوم ولا تفتر" وهو حديث ثابت صحيح أيضا فلم يجعل للجهاد عدلا سوى الصيام الدائم والقيام الدائم وفي هذا الحديث قد جعل الذكر عقب الصلوات عدلا له؟ والجمع بين ذلك كله: أن النبي لم يجعل للجهاد في زمانه عملا يعدله بحيث إذا انقضى الجهاد انقضى ذلك العمل واستوى العامل مع المجاهد في الأجر وإنما جعل الذي يعدل الجهاد الذكر الكثير المستدام في بقية عمر المؤمن من غير قطع له حتى يأتي صاحبه أجله فإذا استمر على هذا الذكر في أوقاته إلى أن مات عليه عدل ذكره هذا الجهاد وقد دل على ذلك أيضا ما خرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ " قالوا بلى يا رسول الله قال: "ذكر الله " وخرجه مالك في الموطأ موقوفا.
وخرج الإمام أحمد والترمذي أيضا من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ سئل: أي العبادة أفضل درجة عند الله يوم القيامة؟ قال: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب: ٣٥] قلت يا رسول الله ومن الغازي في سبيل الله؟ قال: "لو ضرب بسيفه الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختصب دما لكان الذاكرون الله أفضل منه درجة" وقد روي هذا المعنى عن معاذ بن جبل ﵁ وطائفة من الصحابة موقوفا وأن الذكر لله أفضل من الصدقة بعدة دراهم ودنانير ومن النفقة في
следующие страницы →