← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11363

لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف - ط ابن حزم

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (360 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

أوصى بحديقة لأمهات المؤمنين بيعت بأربعمائة ألف وخرجه الحاكم ولفظه: بيعت بأربعين ألف دينار. وأخبار الأجواد المنفقين أموالهم في سبيل الله من أصحاب رسول الله ﷺ يطول ذكرها جدا وكان الفقراء من الصحابة كلما رأوا أصحاب الأموال منهم ينفقون أموالهم فيما يحبه الله من الحج والإعتمار والجهاد في سبيل الله والعتق والصدقة والبر والصلة وغير ذلك من أنواع البر والطاعات والقربات حزنوا لما فاتهم من مشاركتهم في هذه الفضائل وقد ذكرهم الله في كتابه بذلك فقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩١, ٩٢] : نزلت هذه الآية بسبب قوم من فقراء المسلمين أتوا النبي ﷺ وهو يتجهز إلى غزوة تبوك فطلبوا منه أن يحملهم فقال لهم: "لا أجد ما أحملكم عليه" فرجعوا وهم يبكون حزنا على ما فاتهم من الجهاد مع رسول الله ﷺ قال بعض العلماء: هذا والله بكاء الرجال بكوا على فقدهم رواحل يتحملون عليها إلى الموت في مواطن تراق فيها الدماء في سبيل الله وتنزع فيها رؤوس الرجال عن كواهلها بالسيوف فأما من بكى على فقد حظه من الدنيا وشهواته العاجلة فذلك شبيه ببكاء الأطفال والنساء على فقد حظوظهم العاجلة. سهر العيون لغير وجهك باطل ... وبكاؤهن لغير فقدك ضائع إنما يحسن البكاء والأسف على فوات الدرجات العلى والنعيم المقيم قال بعضهم: يرى رجل في الجنة يبكي فيسأل عن حاله فيقول: كانت لي نفس واحدة قتلت في سبيل الله ووددت أنه كانت لي نفوس كثيرة تقتل كلها في سبيله غزا قوم في سبيل الله فلما صافوا عدوهم واقتتلوا رأى كل واحد منهم زوجته من الحور قد فتحت بابا من السماء وهي تستدعي صاحبها إليها وتحثه على القتال فقتلوا كلهم إلا واحدا وكان كلما قتل منهم واحد غلق باب وغابت منه المرأة فأفلت آخرهم فأغلقت تلك المرأة الباب الباقي وقالت ما فاتك يا شقي؟ فكان يبكي على حاله إلى أن مات ولكنه أورثه ذلك طول الإجتهاد والحزن والأسف. على مثل ليلى يقتل المرء نفسه ... وإن كان من ليلى على الهجر طاويا

стр. 247

لما سمع الصحابة ﵃ قول الله : ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] . ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١] فهموا أن المراد من ذلك أن يجتهد كل واحد منهم أن يكون هو السابق لغيره إلى هذه الكرامة والمسارع إلى بلوغ هذه الدرجة العالية فكان أحدهم إذا رأى من يعمل عملا يعجز عنه خشي أن يكون صاحب ذلك العمل هو السابق له فيحزن لفوات سبقه فكان تنافسهم في درجات الآخرة واستباقهم إليها كما قال تعالى: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦] ثم جاء من بعدهم فعكس الأمر فصار تنافسهم في الدنيا الدنية وحظوظها الفانية. قال الحسن: إذا رأيت الرجل ينافسك في الدنيا فنافسه في الآخرة وقال وهيب بن الورد: إن استطعت أن لا يسبقك إلى الله أحد فافعل وقال بعض السلف: لو أن رجلا سمع بأحد أطوع لله منه كان ينبغي له أن يحزنه ذلك وقال غيره: لو أن رجلا سمع برجل أطوع لله منه فانصدع قلبه فمات لم يكن ذلك بعجب قال رجل لمالك بن دينار رأيت في المنام مناديا ينادي أيها الناس الرحيل الرحيل فما رأيت أحدا يرتحل إلا محمد بن واسع فصاح مالك وغشي عليه: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ، فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٠, ١٢] قال عمر بن عبد العزيز في حجة حجها عند دفع الناس من عرفة ليس السابق اليوم من سبق به بعيره إنما السابق من غفر له. كان رأس السابقين إلى الخيرات من هذه الأمة أبو بكر الصديق ﵁ قال عمر: ما استبقنا إلى شيء من الخير إلا سبقنا أبو بكر وكان سباقا بالخيرات ثم كان السابق بعده إلى الخيرات عمر وفي آخر حجة حجها عمر جاء رجل لا يعرف كانوا يرونه من الجن فرثاه بأبيات منها: فمن يسع أو يركب جناحي نعامة ... ليدرك ما قدمت بالأمس يسبق صاحب الهمة العالية والنفس الشريفة التواقة لا يرضى بالأشياء الدنية الفانية وإنما همته المسابقة إلى الدرجات الباقية الزاكية التي لا تفنى ولا يرجع عن مطلوبه ولو تلفت نفسه في طلبه ومن كان في الله تلفه كان على الله خلفه. قيل لبعض المجتهدين في الطاعات: لم تعذب هذا الجسد؟ قال: كرامته أريد. وإذا كانت النفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام قال عمر بن عبد العزيز إن لي نفسا تواقة ما نالت شيئا إلا تاقت إلى ما هو

стр. 248

أفضل منه وإنها لما نالت هذه المنزلة يعني الخلافة وليس في الدنيا منزلة أعلى منها تاقت إلى ما هو أعلى من الدنيا يعني الآخرة. على قدر أهل العزم تأتي العزائم ... وتأتي على قدر الكرام المكارم قيمة كل إنسان ما يطلب فمن كان يطلب الدنيا فلا أدنى منه فإن الدنيا دنية وأدنى منها من يطلبها وهي خسيسة وأخس منها من يخطبها قال بعضهم: القلوب جوالة فقلب يجول حول العرش وقلب يجول حول الحش الدنيا كلها حش وكل ما فيها من مطعم ومشرب يؤل إلى الحش وما فيها من أجسام ولباس يصير ترابا كما قيل: وكل الذي فوق التراب تراب وقال بعضهم في يوم عيد لإخوانه: هل تنظرون إلا خرقا تبلى أو لحما يأكله الدود غدا وأما من كان يطلب الآخرة فقدره خطير لأن الآخرة خطيرة شريفة ومن يطلبها أشرف منها كما قيل: أثامن بالنفس النفيسة ربها ... وليس لها في الخلق كلها ثمن بها تدرك الأخرى فإن أنا بعتها ... بشيء من الدنيا فذاك هو الغبن لئن ذهبت نفسي بدنيا أصبتها ... لقد ذهبت نفسي وقد ذهب الثمن وأما من كان يطلب الله فهو أكبر الناس عنده كما أن مطلوبه أكبر من كل شيء كما قيل: له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر قال الشبلي: من ركن إلى الدنيا أحرقته بنارها فصار رمادا تذروه الرياح ومن ركن إلى الآخرة أحرقته بنورها فصار سبيكة ذهب ينتفع به ومن ركن إلى الله أحرقه بنور التوحيد فصار جوهرا لا قيمة له العالي الهمة يجتهد في نيل مطلوبه ويبذل وسعه في الوصول إلى رضى محبوبه فأما خسيس الهمة فاجتهاده في متابعة هواه ويتكل على مجرد العفو فيفوته إن حصل له العفو منازل السابقين المقربين قال بعض السلف: هب أن المسيء عفي عنه أليس قد فاته ثواب المحسنين. فيا مذنب يرجو من الله عفوه ... أترضى بسبق المتقين إلى الله لما تنافس المتنافسون في نيل الدرجات غبط بعضهم بعضا بالأعمال.

стр. 249

الصالحات قال النبي ﷺ : "لا حسد إلا في اثنتين: رجل أتاه الله مالا فهو ينفقه في سبيل الله آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار" وفي رواية: "لا تحاسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل والنهار يقول: لو أتيت مثل ما أوتي هذا لفعلت كما يفعل ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه في حقه يقول: لو أتيت مثل ما أوتي هذا لفعلت كما يفعل" وهذا الحديث في الصحيحين وفي الترمذي وغيره عن النبي ﷺ قال: "إنما مثل هذه الأمة كأربعة نفر: رجل آتاه الله مالا وعلما فهو يعمل بعلمه في ماله ينفقه في حقه ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا وهو يقول: لو كان لي مثل هذا لعملت فيه مثل الذي يعمل قال رسول الله ﷺ : فهما في الأجر سواء ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته الله علما ولا مالا فهو يقول: لو كان لي مال هذا عملت فيه مثل الذي يعمل قال رسول الله ﷺ : فهما في الوزر سواء". وروى حميد بن زنجويه بإسناده عن زيد بن أسلم قال: يؤتى يوم القيامة بفقير وغني اصطحبا في الله فيوجد للغني فضل عمل فيما كان يصنع في ماله فيرفع على صاحبه فيقول الفقير: يا رب لما رفعته وإنما اصطحبنا فيك وعملنا لك فيقول الله تعالى: له فضل عمل بما صنع في ماله فيقول: يا رب لقد علمت لو أعطيتني مالا لصنعت مثل ما صنع فيقول: صدق فارفعوه إلى منزلة صاحبه ويؤتى بمريض وصحيح اصطحبا في الله فيرفع الصحيح بفضل عمله فيقول المريض: يا رب لم رفعته علي فيقول: بما كان يعمل في صحته فيقول: يا رب لقد علمت لو أصححتني لعملت كما عمل فيقول الله: صدق فارفعوه إلى درجة صاحبه ويؤتى بحر ومملوك اصطحبا في الله فيقول مثل ذلك ويؤتى بحسن الخلق وسيء الخلق فيقول: يا رب لم رفعته علي وإنما اصطحبنا فيك وعملنا فيقول: بحسن خلقه فلا يجد له جوابا. العاقل يغبط من أنفق ماله في سبيل الخيرات ونيل علو الدرجات والجاهل يغبط من أنفق ماله في الشهوات وتوصل به إلى اللذات المحرمات قال الله تعالى حاكيا عن قارون: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ، وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: ٧٩, ٨٠] إلى قوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:

стр. 250

٨٣] فلما رأى النبي ﷺ تأسف أصحابه الفقراء وحزنهم على ما فاتهم من إنفاق إخوانهم الأغنياء أموالهم في سبيل الله تقربا إليه وابتغاء لمرضاته طيب قلوبهم ودلهم على عمل يسير يدركون به من سبقهم ولا يلحقهم معه أحد بعدهم ويكونون به خيرا ممن هم معه إلا من عمل مثل عملهم: وهو الذكر عقب الصلوات المفروضات. وقد اختلفت الروايات بأنواعه وعدده والأخذ بكل ما ورد من ذلك حسن وله فضل عظيم وفي حديث أبي هريرة هذا: أنهم يسبحون ويحمدون ويكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين وقد فسره أبو صالح راوية عنه بالجمع وهو أن يقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثا وثلاثين مرة فيكون جملة ذلك تسعا وتسعين. وقد يستشكل على هذا حديث: أن رجلا سأل النبي ﷺ : عما يعدل الجهاد؟ فقال: "هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم فلا تفطر وتقوم ولا تفتر" وهو حديث ثابت صحيح أيضا فلم يجعل للجهاد عدلا سوى الصيام الدائم والقيام الدائم وفي هذا الحديث قد جعل الذكر عقب الصلوات عدلا له؟ والجمع بين ذلك كله: أن النبي لم يجعل للجهاد في زمانه عملا يعدله بحيث إذا انقضى الجهاد انقضى ذلك العمل واستوى العامل مع المجاهد في الأجر وإنما جعل الذي يعدل الجهاد الذكر الكثير المستدام في بقية عمر المؤمن من غير قطع له حتى يأتي صاحبه أجله فإذا استمر على هذا الذكر في أوقاته إلى أن مات عليه عدل ذكره هذا الجهاد وقد دل على ذلك أيضا ما خرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي الدرداء ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ " قالوا بلى يا رسول الله قال: "ذكر الله " وخرجه مالك في الموطأ موقوفا. وخرج الإمام أحمد والترمذي أيضا من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ سئل: أي العبادة أفضل درجة عند الله يوم القيامة؟ قال: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب: ٣٥] قلت يا رسول الله ومن الغازي في سبيل الله؟ قال: "لو ضرب بسيفه الكفار والمشركين حتى ينكسر ويختصب دما لكان الذاكرون الله أفضل منه درجة" وقد روي هذا المعنى عن معاذ بن جبل ﵁ وطائفة من الصحابة موقوفا وأن الذكر لله أفضل من الصدقة بعدة دراهم ودنانير ومن النفقة في

стр. 251

سبيل الله وقيل لأبي الدرداء ﵁: رجل أعتق مائة نسمة؟ قال: إن مائة نسمة من مال رجل كثير وأفضل من ذلك إيمان ملزوم بالليل والنهار وأن لا يزال لسان أحدكم رطبا من ذكر الله وعنه قال: لأن أقول لا إله إلا الله والله أكبر مائة مرة أحب إلي من أن أتصدق بمائة دينار ويروى مرفوعا وموقوفا من غير وجه. من فاته الليل أن يكابده وبخل بالمال أن ينفقه وجبن عن عدوه أن يقاتله فليكثر من سبحان الله وبحمده فإنها أحب إلى الله من جبل ذهب أو فضة ينفقه في سبيل الله وذكر الله من أفضل أنواع الصدقة وخرج الطبراني عن ابن عباس ﵄ مرفوعا: "ما صدقة أفضل من ذكر الله " وقد قال طائفة من السلف في قول الله : ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ [الحديد: ١٨] : إن القرض الحسن قول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وفي مراسيل الحسن عن النبي ﷺ قال: "ما أنفق عبد نفقة أفضل عند الله من قول ليس من القرآن وهو من القرآن: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" وروى عبد الرزاق في كتابه عن معمر عن قتادة قال: قال ناس من فقراء المؤمنين: يا رسول الله ذهب أصحاب الدثور بالأجور يتصدقون ولا نتصدق وينفقون ولا ننفق قال "أرأيتم لو أن مال الدنيا وضع بعضه على بعض أكان بالغا السماء"؟ قالوا: لا يا رسول الله قال: "أفلا أخبركم بما أصله في الأرض وفرعه في السماء: أن تقولوا في دبر كل صلاة: لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله عشر مرات فإن أصلهن في الأرض وفرعهن في السماء". وقد كان بعض الصحابة يظن أن لا صدقة إلا بالمال فأخبره النبي ﷺ : أن "الصدقة لا تختص بالمال وأن الذكر وسائر أعمال المعروف صدقة" كما في صحيح مسلم عن أبي ذر ﵁: أن ناسا من أصحاب النبي ﷺ قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم؟! فقال النبي ﷺ : أو ليس قد جعل الله لكم ما تتصدقون به؟ إن بكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة وفي بضع أحدكم صدقة. وفي المسند عنه أنه قال يا رسول الله الأغنياء يتصدقون ولا نتصدق قال: "وأنت فيك صدقة رفعك العظم عن الطريق صدقة وهدايتك الطريق صدقة وعونك الضعيف بفضل قوتك صدقة وبيانك عن الأرتم صدقة ومباضعتك امرأتك صدقة".

стр. 252

وفي المعنى أحاديث كثيرة جدا يطول ذكرها. واعلم أن من عجز عن عمل خير وتأسف عليه وتمنى حصوله كان شريكا لفاعله في الأجر كما تقدم في الذي قال: لو كان لي مال لعملت فيه ما عمل فلان.. أنهما سواء في الأجر والوزر وقد قيل إنهما سواء في أصل الأجر دون المضاعفة فإنهما تختص بالعامل فمن هنا كان أرباب الهمم العالية لا يرضون بمجرد هذه المشاركة ويطلبون أن يعملوا أعمالا تقاوم الأعمال التي عجزوا عنها ليفوزوا بثواب يقاون ثواب تلك الأعمال ويضاعف لهم كما يضاعف لأولئك فيسيروا هو وأولئك العمال في الأجر كله. وقد كان بعض من يقعد عن الجهاد من امرأة وضعيف في عهد النبي ﷺ يسأله عن عمل يعدل الجهاد. وفات بعض النساء الحج مع النبي ﷺ فلما قدم سألته عما يجزىء من تلك الحجة قال: "اعتمري في رمضان فإن عمرة في رمضان تعدل حجة أو حجة معي". وقالت عائشة يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال: "جهادكن الحج والعمرة". وكان منهم من إذا تخلف عن الغزو واجتهد في مشاركة الغزاة في أجرهم فإما أن يخرج مكانه رجلا بماله وإما أن يعين غازيا وإما أن يخالف في أهله بخير فإن من فعل هذا كله فقد غزا. تصدق بعض الأغنياء بمال كثير فبلغ ذلك طائفة من الصالحين فاجتمعوا في مكان وحسبوا ما تصدق به من الدراهم وصلوا بدل كل درهم تصدق به لله ركعة هكذا يكون استباق الخيرات والتنافس في علو الدرجات. كذاك الفخر يا همم الرجال ... تعالى فانظري كيف التغالي سبحان من فضل هذه الأمة وفتح لها على يدي نبيها نبي الرحمة أبواب الفضائل الجمة فما من عمل عظيم يقوم به قوم ويعدز عنه آخرون إلا وقد جعل الله عملا يقاومه أو يفضل عليه فتتساوى الأمة كلها في القدرة عليه. لما كان الجهاد أفضل الأعمال ولا قدرة لكثير من الناس عليه كان الذكر الكثير الدائم يساويه ويفضل عليه وكان العمل في عشر ذي الحجة يفضل عليه إلا من خرج بنفسه وماله ولم يرجع منهما بشيء.

стр. 253

لما كان الحج من أفضل الأعمال والنفوس تتوق إليه لما وضع الله في القلوب من الحنين إلى ذلك البيت المعظم وكان كثير من الناس يعجز عنه ولا سيما كل عام شرع الله أعمالا يبلغ أجرها أجر الحج فيتعرض بذلك العاجزون عن التطوع بالحج. ففي الترمذي عن النبي ﷺ قال: "من صلى الصبح في جماعة ثم جلس في مصلاه يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كان له مثل أجر حجة وعمرة تامة" قال رسول الله ﷺ "تامة تامة تامة". شهود الجمعة يعدل حجة تطوع قال سعيد بن المسيب هو أحب إلى من حجة نافلة وقد جعل النبي ﷺ المبكر إليها كالمهدي هديا إلى بيت الله الحرام وفي حديث ضعيف "الجمعة حج المساكين". وفي تاريخ ابن عساكر عن الأوزاعي قال مر يونس بن ميسرة بن حلبس بمقابر باب توما فقال: السلام عليكم يا أهل القبور أنتم لنا سلف ونحن لكم تبع فرحمنا الله وإياكم وغفر لنا ولكم فكأن قد صرنا إلى ما صرتم إليه فرد الله الروح إلى رجل منهم فأجابه فقال: طوبى لكم يا أهل الدنيا حين تحجون في الشهر أربع مرار قال وإلى أين يرحمك الله؟ قال إلى الجمعة أما تعلمون أنها حجة مبرورة متقبلة قال: ما خير ما قدمتم؟ قال الاستغفار يا أهل الدينا قال فما يمنعك أن ترد السلام؟ قال: يا أهل الدنيا السلام والحسنات قد رفعت عنا فلا في حسنة نزيد ولا في سيئة تنقص غلقت رهوننا يا أهل الدنيا. في سنن أبي داود عن النبي ﷺ قال: "من تطهر في بيته ثم خرج إلى المسجد لأداء صلاة مكتوبة فأجره مثل أجر الحاج المحرم ومن خرج لصلاة الضحى كان له مثل أجر المعتمر". وفي حديث أنس أن النبي ﷺ وصى رجلا ببر أمه وقال له "أنت حاج ومعتمر ومجاهد" ويعني إذا برها. وقال بعض الصحابة الخروج إلى العيد يوم الفطر يعدل عمرة ويوم الأضحى يعدل حجة. وقال الحسن مشيك في حاجة أخيك المسلم خير لك من حجة بعد حجة. وقال عقبة بن عبد الغافر: صلاة العشاء في جماعة تعدل حجة وصلاة الغد في جماعة تعدل عمرة وقال أبو هريرة لرجل: بكورك إلى المسجد أحب إلي من غزوتنا مع رسول الله ﷺ ذكره الإمام أحمد.

стр. 254

أداء الواجبات كلها أفضل من التنفل بالنفل بالحج والعمرة وغيرهما فإنه ما تقرب العباد إلى الله تعالى بأحب إليه من أداء ما افترض عليهم وكثير من الناس يهون عليه التنقل بالحج والصدقة ولا يهون عليه أداء الواجبات من الديون ورد المظالم وكذلك يثقل على كثير من النفوس التنزه عن كسب الحرام والشبهات ويسهل عليها إنفاق ذلك في الحج والصدقة قال بعض السلف: ترك دانق مما يكرهه الله أحب إلي من خمسمائة حجة. كف الجوارح عن المحرمات أفضل من التطوع بالحج وغيره وهو أشف على النفوس قال الفضيل بن عياض: ما حج ولا رباط ولا جهاد أشد من حبس اللسان ولو أصبحت يهمك لسانك أصبحت في هم شديد ليس الإعتبار بأعمال البر بالجوارح وإنما الإعتبار بلين القلوب وتقواها وتطهيرها عن الآثام سفر الدنيا ينقطع بسير الأبدان وسفر الآخرة ينقطع بسير القلوب قال رجل لبعض العارفين: قد قطعت إليك مسافة قال: ليس هذا الأمر بقطع المسافات فارق نفسك بخطوة وقد وصلت إلى مقصودك سير القلوب أبلغ من سير الأبدان كم من واصل ببدنه إلى البيت وقلبه منقطع عن رب البيت وكم من قاعد على فراشه في بيته وقلبه متصل بالمحل الأعلى. جسمي معي غير أن الروح عندكم ... فالجسم في غربة والروح في وطن قال بعض العارفين: عجبا لمن يقطع المفاوز والقفار ليصل إلى البيت فيشاهد فيه آثار الأنبياء كيف لا يقطع هواه ليصل إلى قلبه فيرى فيه أثر: "ويسعني قلب عبدي المؤمن" أيها المؤمن: إن لله بين جنبيك بيتا لو طهرته لأشرق ذلك البيت بنور ربه وانشرح وانفسح أنشد الشبلي: إن بيتا أنت ساكنه ... غير محتاج إلى السرج ومريضا أنت عائده ... قد أتاه الله بالفرج وجهك المأمول حجتنا ... يوم يأتي الناس بالحجج تطهيره تفريغه من كل ما يكرهه الله تعالى من أصنام النفس والهوى ومتى بقيت فيه من ذلك بقية فالله أغنى الأغنياء عن الشرك وهو لا يرضى بمزاحمة الأصنام قال سهل بن عبد الله: حرام على قلب أن يدخله النور وفيه شيء مما يكرهه الله. أردناكم صرفا فلما مزجتم ... بعدتم بمقدار التفاتكم عنا وقلنا لكم لا تسكنوا القلب غيرنا ... فأسكنتم الأغيار ما أنتم منا

стр. 255

إخواني إن حبستم العام عن الحج فارجعوا إلى جهاد النفوس فهو الجهاد الأكبر أو أحصرتم عن أداء النسك فأريقوا على تخلفكم من الدموع ما تيسر فإن إراقة الدماء لازمة للمحصر ولا تحلقوا رؤوس أديانكم بالذنوب فإن الذنوب حالقة الدين ليست حالقة الشعر وقوموا لله باستشعار الرجاء والخوف مقام القيام بأرجاء الخيف والمشعر ومن كان قد بعد عن حرم الله فلا يبعد نفسه بالذنوب عن رحمة الله فإن رحمة الله قريب ممن تاب إليه واستغفر ومن عجز عن حج البيت أو البيت منه بعد فليقصد رب البيت فإنه ممن دعاه ورجاه أقرب من حبل الوريد. إليك قصدي رب البيت والحجر ... فأنت سؤالي من حجي ومن عمري وفيك سعيي وتطوافي ومزدلفي ... والهدي جسمي الذي يغني عن الجزي ومسجد الخيف خوفي من تباعدكم ... ومشعري ومقامي دونكم خطري زادي رجائي لكم والشوق راحلتي ... والماء من عبراتي والهوى سفري

стр. 256

وظيفة شهر ذي القعدة . خرج الإمام أحمد بإسناده عن رجل من باهلة قال: أتيت رسول الله ﷺ لحاجة مرة فقال: " من أنت؟ " قلت: أما تعرفني؟ قال: "ومن أنت؟ " قلت: أنا الباهلي الذي أتيتك عام أول فقال: " إنك أتيتني وجسمك ولونك وهيئتك حسنة فما بلغ بك وما أرى"؟ قلت: والله ما أفطرت بعدك إلا ليلا قال: "من أمرك أن تعذب نفسك من أمرك أن تعذب نفسك"؟ ـ ثلاث مرات ـ "صم شهر الصبر" قلت: إني أجد قوة وإني أحب أن تزيدني قال: "صم يوما من الشهر" قلت: إني أجد قوة وإني أحب أن تزيدني قال: "فيومين من الشهر" قلت: إني أجد قوة وإني أحب أن تزيدني قال: "ثلاثة أيام من الشهر" قال: ألح عند الرابعة فما كاد فقلت: إني أجد قوة وإني أحب أن تزيدني قال: " فمن الحرم وأفطر" وخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه بمعناه وفي ألفاظهم زيادة ونقص وفي بعض الروايات: "صم الحرم وأفطر". في هذا الحديث دليل على أن من تكلف من العبادة ما يشق عليه حتى تأذى

стр. 257

بذلك جسده فإنه غير مأمور بذلك ولذلك قال النبي ﷺ له: "من أمرك أن تعذب نفسك" وأعادها عليه ثلاث مرار وهذا كما قاله لمن رآه يمشي في الحج وقد أجهد نفسه: "إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه فمروه فليركب". وقال لعبد الله بن عمرو بن العاص حيث كان يصوم النهار ويقوم الليل ويختم القرآن في كل ليلة ولا ينام مع أهله فأمره: أن يصوم ويفطر ويقرأ القرآن في كل سبع وقال له "إن لنفسك عليك حقا وإن لأهلك عليك حقا فآت كل ذي حق حقه" ولما بلغه عن بعض الصحابة أنه قال: أنا أصوم ولا أفطر وقال آخر منهم: أنا أقوم ولا أنام وقال آخر منهم: لا أتزوج النساء فخطب وقال: "ما بال رجال يقولون: كذا وكذا: لكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام وآكل اللحم وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" وسبب هذا: أن الله تعالى خلق ابن آدم محتاجا إلى ما يقوم به بدنه من مأكل ومشرب ومنكح وملبس وأباح له من ذلك كله ما هو طيب حلال تقوى به النفس ويصح به الجسد ويتعاونان على طاعة الله وحرم من ذلك ما هو ضار خبيث يوجب للنفس طغيانها وعماها وقسوتها وغفلتها وأشرها وبطرها فمن أطاع نفسه في تناول ما تشتهيه مما حرمه الله عليه فقد تعدى وطغى وظلم نفسه ومن منعها حقها من المباح حتى تضررت بذلك فقد ظلمها ومنعها حقها فإن كان ذلك سببا لضعفها وعجزها عن أداء شيء من فرائض الله عليه وحقوق الله أو حقوق عباده كان بذلك عاصيا وأن كان ذلك سببا للعجز عن نوافل هي أفضل مما فعله كان بذلك مفرطا مغبونا خاسرا. وقد كان رجل في زمن التابعين يصوم ويواصل حتى يعجز عن القيام فكان يصلي الفرض جالسا فأنكروا ذلك عليه حتى قال عمرو بن ميمون: لو أدرك هذا أصحاب محمد ﷺ لرجموه وكان ابن مسعود يقل الصيام ويقول: إنه يضعفني عن قراءة القرآن وقراءة القرآن أحب إلي. وأحرم رجل من الكوفة فقدم مكة وقد أصابه الجهد فرآه عمر بن الخطاب وهو سيء الهيئة فأخذ عمر بيده وجعل يدور به الحلق ويقول للناس: انظروا إلى ما يصنع هذا بنفسه وقد وسع الله عليه فمن تكلف من التطوع ما يتضرر به في جسمه كما فعل هذا الباهلي أو يمنع به حقا واجبا عليه كما فعل عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره ممن عزم على ترك المباحات في عهد النبي ﷺ فإنه ينهى عن ذلك ومن احتمل بدنه ذلك ولم يمنعه من حق واجب عليه لم ينه عن ذلك

стр. 258

إلا أن يمنعه عما هو أفضل من ذلك من النوافل فإنه يرشد إلى عمل الأفضل وأحوال الناس تختلف فيما تحمل أبدانهم من العمل. كان سفيان الثوري يصوم ثلاثة أيام من الشهر فيرى أثر ذلك عليه وكان غيره في زمنه يصوم الدهر فلا يظهر عليه أثره وكان كثير من المتقدمين يحملون على أنفسهم من الأعمال ما يضر بأجسادهم ويحتسبون أجر ذلك عند الله وهؤلاء قوم أهل صدق وجد واجتهاد فيحثون على ذلك ولكن لا يقتدى بهم وإنما يقتدى بسنة رسول الله ﷺ فإن خير الهدي هديه ومن أطاعه فقد اهتدى ومن اقتدى به وسلك وراءه وصل إلى الله . وقد كان النبي ﷺ ينهى عن التعسير ويأمر بالتيسير ودينه الذي بعث به يسر وكان يقول: "خير دينكم أيسره" ورأى رجلا يكثر الصلاة فقال: "إنكم أمة أريد بكم اليسر" ولم يكن أكثر تطوع النبي ﷺ وخواص أصحابه بكثرة الصوم والصلاة بل ببر القلوب وطهارتها وسلامتها وقوة تعلقها بالله خشية له ومحبة وإجلالا وتعظيما ورغبة فيما عنده وزهدا فيما يفنى وفي المسند عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "إني أعلمكم بالله وأتقاكم له قلبا" قال ابن مسعود ﵁ لأصحابه: أنتم أكثر صلاة وصياما من أصحاب محمد ﷺ وهم كانوا خيرا منكم قالوا: ولم؟ قال: كانوا أزهد منكم في الدنيا وأرغب في الآخرة وقال بكر المزني: ما سبقهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة ولكن بشيء وقر في صدره قال بعض العلماء المتقدمين: الذي وقر في صدره هو حب الله والنصيحة لخلقه وسئلت فاطمة بنت عبد الملك زوجة عمر بن عبد العزيز بعد وفاته عن عمله؟ فقالت: والله ما كان بأكثر الناس صلاة ولا بأكثرهم صياما ولكن والله ما رأيت أحدا أخوف لله من عمر لقد كان يذكر الله في فراشه فينتفض انتفاض العصفور من شدة الخوف حتى نقول: ليصبحن الناس ولا خليفة لهم. قال بعض السلف: ما بلغ من بلغ عندنا بكثرة صلاة ولا صيام ولكن بسخاوة النفوس وسلامة الصدور والنصح للأمة وزاد بعضهم واحتقار أنفسهم وذكر لبعضهم شدة اجتهاد بني إسرائيل في العبادة فقال: إنما يريد الله منكم صدق النية فيما عنده فمن كان بالله أعرف فله أخوف وفيما عنده أرغب فهو أفضل ممن دون في ذلك وإن كثر صومه وصلاته وقال أبو الدرداء ﵁: يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم كيف يسبق سهر الجاهلين وصيامهم ولهذا المعنى كان فضل العلم النافع الدال على معرفة الله وخشيته ومحبته ومحبة ما يحبه وكراهة ما يكرهه.

стр. 259

لا سيما عند غلبة الجهل والتعبد به أفضل من التطوع بأعمال الجوارح قال ابن مسعود ﵁: أنتم في زمان العمل فيه أفضل من العلم وسيأتي زمان العلم فيه أفضل من العمل وقال مطرف: فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة وخير دينكم الورع وخرجه الحاكم وغيره مرفوعا ونص كثير من الأئمة على: أن طلب العلم أفضل من صلاة النافلة وكذلك الإشتغال بتطهير القلوب أفضل من الإستكثار من الصوم والصلاة مع غش القلوب ودغلها ومثل من يستكثر من الصوم والصلاة مع دغل القلب وغشه كمثل من بذر بذرا في أرض دغلة كثيرة الشوك فلا يزكو ما ينبت فيها من الزرع بل يمحقه دغل الأرض ويفسده فإذا نظفت الأرض من دغلها زكى ما ينبت فيها ونما قال يحيى بن معاذ: كم من مستغفر ممقوت وساكت مرحوم هذا استغفر وقلبه فاجر وهذا سكت وقلبه ذاكر وقال غيره: ليس الشأن فيمن يقوم الليل إنما الشأن فيمن ينام على فراشه ثم يصبح وقد سبق الركب من سار على طريق الرسول ﷺ ومنهاجه وإن اقتصد فإنه يسبق من سار على غير طريقه وإن اجتهد. من لي بمثل سيرك المذلل ... تمشي رويدا وتجيء في الأول والمقصود أن هذا الباهلي لما رآه النبي ﷺ وقد أنهكه الصوم وغير هيئته وأضر به في جسده أمره: أولا: أن يقتصر على صيام شهر الصبر وهو شهر رمضان فإنه الشهر الذي افترض الله صيامه على المسلمين واكتفى منهم بصيامه من السنة كلها وصيامه كفارة لما بين الرمضانين إذا اجتنبت الكبائر فطلب منه الباهلي أن يزيده من الصيام ويأمره بالتطوع وأخبره أنه يجد قوة على الصيام فقال له: "صم يوما من الشهر" فاستزاده وقال: إني أجد قوة فقال: "صم يومين من الشهر" فاستزاده وقال: إني أجد قوة فقال "صم ثلاثة أيام من الشهر" قال: وألح عند الثالثة فما كاد يعني ما كاد يزيده على الثلاثة أيام من الشهر وهكذا قال لعبد الله بن عمرو بن العاص أيضا ففي صحيح مسلم عنه أن النبي ﷺ قال له: "صم يوما من الشهر ولك أجر ما بقي" قال: إني أطيق أكثر من ذلك قال: "صم يومين ولك أجر ما بقي" قال: إني أطيق أكثر من ذلك قال: "صم ثلاثة أيام ولك أجر ما بقي" ففي هذا: أن صيام ثلاثة أيام من الشهر يحصل به أجر صيام الشهر كله وكذلك صيام يومين منه ووجه ذلك أن الصيام يضاعف ما لا يضاعف غيره من الأعمال وقد سبق ذكر ذلك عند الكلام على حديث: "كل عمل ابن آدم

стр. 260

له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف قال الله : إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به" فالصيام لا يعلم منتهى مضاعفته إلا الله وكلما قوي الإخلاص فيه وإخفاؤه وتنزيهه من المحرمات والمكروهات كثرت مضاعفته فلا يستنكر أن يصوم الرجل يوما من الشهر فيضاعف له بثواب ثلاثين يوما فيكتب له صيام الشهر كله وكذلك إذا صام يومين من الشهر وأما إذا صام منه ثلاثة أيام فهو ظاهر لأن الحسنة بعشر أمثالها. وخرج الترمذي والنسائي عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من صام كل شهر ثلاثة أيام كان كمن صام الدهر" فأنزل الله تصديق ذلك: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] اليوم بعشرة أيام وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "صم من الشهر ثلاثة أيام فإن الحسنة بعشر أمثالها وذلك مثل صيام الدهر" وفي رواية فيهما أيضا: "إن بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها فإن ذلك صيام الدهر كله". وفي المسند عن قرة المزني عن النبي ﷺ قال: "صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر وإفطاره" يعني صيامه في مضاعفة الله وإفطاره في رخصة الله كما كان أبو هريرة ﵁ وأبو ذر يقولان ذلك وكانا يصومان ثلاثة أيام من كل شهر ويقولان في سائر أيام الشهر نحن صيام ويتأولان لأنهما صيام في مضاعفة الله وهما مفطران في رخصة الله وقد وصى النبي ﷺ جماعة من أصحابه بصيام ثلاثة أيام من كل شهر منهم: أبو هريرة ﵁ وأبو الدرداء وأبو ذر وغيرهم. وفي المسند أن النبي ﷺ قال في صيام ثلاثة أيام من كل شهر: "هو صوم حسن" وفيه أيضا عن أبي ذر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر ويذهب مغلة الصدر قلت: وما مغلة الصدر؟ قال: رجس الشيطان" وفيه أيضا عن رجل عن النبي ﷺ قال: "صيام شهر الصبر وثلاثة من كل شهر يذهبن كثيرا من وحر الصدر" وفي غير هذه الرواية: "وغر الصدر" وهما بمعنى واحد يقال: وحر صدره ووغر: إذا كان فيه غل وغش وقيل: الوحر الغل والوغر الغيظ وقد كان النبي ﷺ يتحرى صيام ثلاثة أيام من كل شهر وكذلك كان إبراهيم ﵇ كما خرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ مرفوعا: "صيام إبراهيم ثلاثة أيام من كل شهر صام الدهر وأفطر الدهر" وفي السنن عن حفصة ﵂: أن النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 261

كان يصوم العشر وعاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر وفي إسناده اختلاف وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر قيل لها من أيه كان يصوم؟ قالت: كان لا يبالي من أيه صام ففي هذا الحديث أنه ﷺ لم يكن يبالي من أي الشهر صام الأيام الثلاثة. وقد روي في صفة صيام النبي ﷺ للأيام الثلاثة من الشهر أنواع أخر: أحدها: ما خرجه الترمذي من حديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم من الشهر السبت والأحد والإثنين ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس وقال حديث حسن وذكر أن بعضهم رواه موقوفا يعني من قول عائشة ﵂ غير مرفوع. الثاني: ما خرجه أبو داود وغيره من حديث حفصة: أن النبي ﷺ كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر الإثنين والخميس والإثنين من الجمعة الأخرى فعلى هذه الرواية كان النبي ﷺ يجعلها من أول الشهر ولا يوالي بينها بل كان يتحرى بها يوم الإثنين مرتين والخميس مرة. الثالث: عكس الثاني خرجه النسائي من حديث حفصة أيضا: أن النبي ﷺ كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام أول اثنين من الشهر ثم الخميس ثم الخميس الذي يليه. وفي رواية له أيضا: أول اثنين من الشهر وخميسين وخرج أبو داود من حديث أم سلمة عن النبي ﷺ معنى ذلك وفي رواية في المسند: الإثنين والجمعة والخميس وكأنها غير محفوظة فإن كانت محفوظة فهي نوع رابع. والنوع الخامس: ما خرجه أبو داود والنسائي والترمذي من حديث ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ كان يصوم من غرة كل شهر ثلاثة أيام وحسنه الترمذي وذكر أن بعضهم لم يرفعه يعني وقفه على ابن مسعود وظاهر هذا أنه كان يوالي بين الأيام الثلاثة من أول كل شهر. والنوع السادس: أنه كان يصوم أيام البيض فخرج النسائي عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ كان لا يدع صيام أيام البيض في حضر ولا سفر وخرج الترمذي والنسائي عن أبي ذر ﵁: أن النبي ﷺ أمره بصيام أيام البيض: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة وفي السنن الأربعة خلا الترمذي عن قتادة بن ملحان عن النبي ﷺ نحوه وخرج النسائي من حديث جابر البجلي عن النبي ﷺ نحوه أيضا.

стр. 262

وقد روي عن الحسن: أنه كان يصوم خمسة أيام من أول الشهر ويقول: ما يدريني لعلي لا أدرك البيض وفي كتاب مناقب الحسن لأبي حيان التوحيدي: أن رجلا سأل الحسن لأي شيء استحب صيام الأيام البيض؟ فلم يدر ما يقول فقال أعرابي عنده: لأن القمر ينكسف في لياليهن فيكون الناس عند حدوث الآيات على عبادة فقال الحسن: خذوها من غير فقيه. وفي حديث الباهلي أنه قال للنبي ﷺ بعد ذلك: إني أجد قوة وإني أحب أن تزيدني فقال له: "فمن الحرم وأفطر" وفي رواية: "صم الحرم وأفطرط وفي رواية قال: "صم الأشهر الحرم" فهذا دليل على فضل صيام الأشهر الحرم الأربعة التي ذكرها الله تعالى في كتابه بقوله: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦] وقد فسرها النبي ﷺ في حديث أبي بكرة ـ بأنها ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وشهر رجب وقد ذكرناه في وظيفة شهر رجب وذكرنا عن ابن عباس ﵄ أن العمل الصالح والأجر في هذه الحرم أعظم وذكرنا في وظائف المحرم قول النبي ﷺ : "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله الذي تدعونه المحرم" وسيأتي في وظائف ذي الحجة ذكر فضل صيام عشر ذي الحجة إن شاء الله وقد كان كثير من السلف يصوم الأشهر الحرم كلها روي ذلك عن ابن عمر والحسن البصري وأبي إسحاق السبيعي. وقال سفيان الثوري: الأشهر الحرم أحب إلي أن يصام منها وروى خلاد الصفار عن أبي مسلم قال: صيام يوم من أشهر الحج أو قال أشهر الحرم يعدل شهرا وصيام يوم من غير الأشهر الحرم يعدل عشرا وروي عن النخعي نحوه لكنه قال: من المحرم فيحتمل أنه أراد جنس الأشهر المحرمة وروي معناه مرفوعا من حديث أنس وإسناده ضعيف جدا ويروى بإسناد مجهول عن أنس مرفوعا: "من صام من شهر حرام الخميس والسبت كتب الله له عبادة تسعمائة سنة" وقال كعب: اختار الله الزمان فأحبه إليه الأشهر الحرم ويروى من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا ولا يصح. وعن قيس بن عبادة أنه قال: ليس في الأشهر الحرم شهر إلا في اليوم العاشر منه خير قال: ففي الحجة في العاشر النحر يوم الحج الأكبر وفي المحرم العاشر عاشوراء وفي العاشر من رجب ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] قال الراوي: ونسيت ما قال في ذي القعدة. وقد تقدم في ذكر وظيفة رجب أنه روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه

стр. 263

ذكر من عجائب الدنيا بأرض عاد عمود من نحاس عليه شجرة من نحاس فإذا كان في الأشهر الحرم قطر منها الماء فملؤوا منه حياضهم وسقوا مواشيهم وزروعهم فإذا ذهبت الأشهر الحرم انقطع الماء. وذو القعدة من الشهر الحرم بغير خلاف وهو أول الأشهر الحرم المتوالية وهل هو أول الحرم مطلقا أم لا؟ فيه خلاف ذكرناه في وظيفة رجب وهو أيضا من أشهر الحج التي قال الله تعالى فيها: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] وقيل: إن تحريم ذي القعدة كان في الجاهلية لأجل السير إلى الحج وسمي ذا القعدة لقعودهم فيه عن القتال وتحريم المحرم لرجوع الناس فيه من الحج إلى بلادهم وتحريم ذي الحجة لوقوع حجهم فيه وتحريم رجب كان للإعتمار فيه من البلاد القريبة. ومن خصائص ذي القعدة أن عمر النبي ﷺ كلها كانت في ذي القعدة سوى عمرته التي قرنها بحجته مع أنه ﷺ أحرم بها أيضا في ذي القعدة وفعلها في ذي الحجة مع حجته وكانت عمره ﷺ أربعا: عمرة الحديبية ولم يتمها بل تحلل منها ورجع وعمرة القضاء من قابل وعمرة الجعرانة عام الفتح لما قسم غنائم حنين وقيل: إنها كانت في آخر شوال والمشهور أنها كانت في ذي القعدة وعليه الجمهور وعمرته في حجة الوداع كما دلت عليه النصوص الصحيحة وعليه جمهور العلماء أيضا. وقد روي عن طائفة من السلف منهم ابن عمر وعائشة وعطاء تفضيل عمرة ذي القعدة وشوال على رمضان لأن النبي ﷺ اعتمر في ذي القعدة وفي أشهر الحج حيث يجب عليه الهدي إذا حج من عامه لأن الهدي زيادة نسك فيجتمع نسك العمرة مع نسك الهدي ولذي القعدة فضيلة أخرى وهي أنه قد قيل: إنه الثلاثون يوما الذي واعد الله فيه موسى ﵇ قال ليث عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] قال ذو القعدة ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢] قال عشر ذي الحجة. يا من لا يقلع عن ارتكاب الحرام لا في شهر حلال ولا في شهر حرام يا من هو في الطاعات إلى وراء وفي المعاصي إلى قدام يا من هو في كل يوم من عمره شرا مما كان في قبله من الأيام متى تستفيق من هذا المنام متى تتوب من هذا الإجرام يا من أنذره الشيب بالموت وهو مقيم على الآثام أما كفاك واعظ الشيب مع واعظ القرآن والإسلام الموت خير لك من الحياة على هذه الحال والسلام.

стр. 264

يا غاديا في غفلة ورائحا ... إلى متى تستحسن القبائحا وكم إلى كم لا تخاف موقفا ... يستنطق الله به الجوارحا واعجبا منك وأنت مبصر ... كيف تجنبت الطريق الواضحا وكيف ترضى أن تكون خاسرا ... يوم يفوز من يكون رابحا

стр. 265

وظائف شهر ذي الحجة المجلس الأول: في فضل عشر ذي الحجة الفصل الأول: في فضل العمل فيه ... وظائف شهر ذي الحجة. ويشتمل على مجالس. المجلس الأول في فضل عشر ذي الحجة. خرج البخاري من حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام" يعني أيام العشر قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلا خرج بنفسه وماله لم رجع من ذلك بشيء" الكلام في فضل عشر ذي الحجة في فصلين: في فضل العمل فيه وعليه دل هذا الحديث وفي فضله في نفسه. الفصل الأول: في فضل العمل فيه. وقد دل هذا الحديث على أن العمل في أيامه أحب إلى الله من العمل في أيام الدنيا من غير استثناء شيء منها وإذا كان أحب إلى الله فهو أفضل عنده وقد ورد

стр. 266

هذا الحديث بلفظ: "ما من أيام العمل فيها أفضل من أيام العشر" وروي بالشك في لفظه: "أحب أو أفضل" وإذا كان العمل في أيام العشر أفضل وأحب إلى الله من العمل في غيره من أيام السنة كلها صار العمل فيه وإن كان مفضولا أفضل من العمل في غيره وإن كان فاضلا ولهذا قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله قال: "ولا الجهاد" ثم استثنى جهادا واحدا هو أفضل الجهاد فإنه ﷺ سئل: أي الجهاد أفضل قال: "من عقر جواده وأهريق دمه وصاحبه أفضل الناس درجة عند الله". سمع النبي ﷺ رجلا يدعو يقول: اللهم أعطني أفضل ما تعطي عبادك الصالحين قال: "إذن يعقر جوادك وتستشهد" فهذا الجهاد بخصوصه يفضل على العمل في العشر وأما بقية أنواع الجهاد فإن العمل في عشر ذي الحجة أفضل وأحب إلى الله منها وكذلك سائر الأعمال وهذا يدل على أن العمل المفضول في الوقت الفاضل يلتحق بالعمل الفاضل في غيره ويزيد عليه لمضاعفة ثوابه وأجره وقد روي في حديث ابن عباس ﵄: هذا زيادة والعمل فيهن يضاعف بسبعمائة وفي إسنادها ضعف وقد ورد في قدر المضاعفة روايات متعددة مختلفة فخرج الترمذي وابن ماجه من رواية النهاس بن قهم عن قتادة عن ابن المسيب عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة يعدل صيام كل يوم منها بسنة وكل ليلة منها بقيام ليلة القدر" والنهاس بن قهم ضعفوه وذكر الترمذي عن البخاري أن الحديث يروى عن قتادة عن سعيد مرسلا وروى ثوير بن أبي فاخته ـ وفيه ضعف ـ عن مجاهد عن ابن عمر ﵄ قال: ليس يوم أعظم عند الله من يوم الجمعة ليس العشر فإن العمل فيها يعدل عمل سنة وروى أبو عمر والنيسابوري في كتاب الحكايات بإسناده عن حميد قال: سمعت ابن سيرين وقتادة يقولان: صوم كل يوم من العشر يعدل سنة وقد روي في المضاعفة أكثر من ذلك فروى هارون بن موسى النحوي قال: سمعت الحسن يحدث عن أنس بن مالك قال: كان يقال في أيام العشر: بكل يوم ألف يوم ويوم عرفة عشرة آلاف قال الحاكم: هذا من المسانيد التي لا يذكر سندها عن رسول الله ﷺ . وروى في المضاعفة أقل من سنة قال حميد بن زنجويه: حدثنا يحيى بن عبد الله الحراني حدثنا أبو بكر بن أبي مريم عن راشد بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: "صيام كل يوم من أيام من أيام العشر كصيام شهر" وهذا مرسل ضعيف الإسناد.

стр. 267

وروى عبد الرزاق في كتابه عن جعفر عن هشام عن الحسن قال: صيام يوم العشر يعدل شهرين وقال عبد الكريم عن مجاهد: العمل في العشر يضاعف وفي المضاعفة أحاديث أخر مرفوعة لكنها موضوعة فلذلك أعرضنا عنها وعما أشبهها من الموضوعات في فضائل العشر وهي كثيرة. وقد دل حديث ابن عباس على مضاعفة جميع الأعمال الصالحة في العشر من غير استثناء شيء منها وقد روي في خصوص صيام أيامه وقيام لياليه وكثرة الذكر فيه ما يذكر مما يحسن ذكره دون ما لا يحسن لعدم صحته وقد سبق حديث أبي هريرة في ذلك ومرسل راشد بن سعد وما روي عن الحسن وابن سيرين وقتادة في صومه وفي المسند والسنن عن حفصة: أن النبي ﷺ كان لا يدع صيام عاشوراء والعشر وثلاثة أيام من كل شهر وفي إسناده اختلاف وروي عن بعض أزواج النبي ﷺ : أن النبي ﷺ كان لا يدع صيام تسع ذي الحجة وممن كان يصوم العشر عبد الله بن عمر ﵄ وقد تقدم عن الحسن وابن سيرين وقتادة ذكر فضل صيامه وهو قول أكثر العلماء أو كثير منهم. وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ صائما العشر قط وفي رواية في العشر قط وقد اختلف جواب الإمام أحمد عن هذا الحديث فأجاب مرة بأنه قد روى خلافه وذكر حديث حفصة وأشار إلى أنه اختلف في إسناد حديث عائشة فأسنده الأعمش ورواه منصور عن إبراهيم مرسلا وكذلك أجاب غيره من العلماء بأنه إذا اختلفت عائشة وحفصة في النفي والإثبات أخذ بقول المثبت لأن معه علما خفي على النافي وأجاب أحمد مرة أخرى بأن عائشة أرادت أنه لم يصم العشر كاملا يعني وحفصة أرادت انه كان يصوم غالبه فينبغي أن يصام بعضه ويفطر بعضه وهذا الجمع يصح في رواية من روى ما رأيته صائما العشر وأما من روى ما رأيته صائما في العشر فيبعد أو يتعذر هذا الجمع فيه وكان ابن سيرين يكره أن يقال: صام العشر لأنه يوهم دخول يوم النحر فيه وإنما يقال: صام التسع ولكن الصيام إذا أضيف إلى العشر فالمراد صيام ما يجوز صومه منه وقد سبق حديث: أن النبي ﷺ كان يصوم العشر ولو نذر صيام العشر فينبغي أن ينصرف إلى التسع أيضا فلا يلزم بفطر يوم النحر قضاء ولا كفارة فإنه غلب استعماله عرفا في التسع ويحتمل أن يخرج في لزوم القضاء والكفارة خلاف فإن أحمد قال فيمن نذر صوم شوال فأفطر يوم

стр. 268

الفطر وصام باقيه: أنه يلزمه قضاء يوم وكفارة وقال القاضي أبو يعلى: هذا إذا نوى صوم جميعه فأما إن أطلق لم يلزمه شيء لأنه يوم الفطر مستثنى شرعا وهذا قاعدة من قواعد الفقه وهي أن العموم هل يخص بالشرع أم لا؟ ففي المسألة خلاف مشهور. وأما قيام ليالي العشر فمستحب وقد سبق الحديث في ذلك وقد ورد في خصوص إحياء ليلتي العيدين أحاديث لا تصح وورد إجابة الدعاء فيهما واستحبه الشافعي وغيره من العلماء وكان سعيد بن جبير وهو الذي روى هذا الحديث عن ابن عباس ﵄ إذا دخل العشر اجتهد اجتهادا حتى ما يكاد يقدر عليه وروي عنه أنه قال: لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر تعجبه العبادة وأما استحباب الإكثار من الذكر فيها فقد دل عليه قول الله : ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨] فإن الأيام المعلومات هي أيام العشر عند جمهور العلماء وسيأتي ذكر ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى. وفي مسند الإمام أحمد عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "ما من أيام أعظم ولا أحب إليه العمل فيهن عند الله من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد" فإن قيل: فإذا كان العمل في أيام العشر أفضل من العمل في غيرها؟ وإن كان ذلك العمل أفضل في نفسه مما عمل في العشر لفضيلة العشر في نفسه؟ فيصير العمل المفضول فيه فاضلا حتى يفضل على الجهاد الذي هو أفضل الأعمال كما دلت على ذلك النصوص الكثيرة وهو قول الإمام أحمد وغيره من العلماء فينبغي أن يكون الحج أفضل من الجهاد لأن الحج مخصوص بالعشر وهو من أفضل ما عمل في العشر أو أفضل ما عمل فيه؟ فكيف كان الجهاد أفضل من الحج؟ فإنه ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رجلا قال: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله" قال: ثم ماذا؟ قال: "جهاد في سبيل الله" قال: ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور". قيل التطوع بالجهاد أفضل من التطوع بالحج عند جمهور العلماء وقد نص عليه الإمام أحمد وهو مروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص وروي فيه أحاديث مرفوعة في أسانيدها مقال وحديث أبي هريرة هذا صريح في ذلك ويمكن الجمع بينه وبين حديث ابن عباس بوجهين: أحدهما: أن حديث ابن عباس قد صرح فيه بأن جهاد من لا يرجع من نفسه وماله بشيء يفضل على العمل في العشر فيمكن أن يقال: الحج أفضل من الجهاد

стр. 269

إلا جهاد من لم يرجع من نفسه بشيء ويكون هو المراد من حديث أبي هريرة ويجتمع حينئذ الحديثان. والثاني: وهو الأظهر: أن العمل المفضول قد يقترن به ما يصير أفضل من الفاضل في نفسه كما تقدم وحينئذ فقد يقترن بالحج ما يصير به أفضل من الجهاد وقد يتجرد عن ذلك فيكون الجهاد حينئذ أفضل منه فإن كان الحج مفروضا فهو أفضل من التطوع بالجهاد فإن فروض الأعيان أفضل من فروض الكفايات عند جمهور العلماء وقد روي هذا في الحج والجهاد بخصوصهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص وروي مرفوعا من وجوه متعددة في أسانيدها لين وقد دل على ذلك ما حكاه النبي ﷺ عن ربه أنه قال: "ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه" وإن كان الحاج ليس من أهل الجهاد فحجه أفضل من جهاده كالمرأة. وفي صحيح البخاري عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله ترى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ فقال: "أفضل الجهاد حج مبرور" وفي رواية له: "جهادكن الحج" وفي رواية له: "نعم الجهاد الحج" وكذلك إذا استغرق العشر كله عمل الحج وأتى به على أكمل وجوه البر من أداء الواجبات واجتناب المحرمات وانضم إلى ذلك الإحسان إلى الناس ببذل السلام وإطعام الطعام وضم إليه كثرة ذكر الله والعج والثج وهو رفع الصوت بالتلبية وسوق الهدي فإن هذا الحج على هذا الوجه قد يفضل على الجهاد وإن وقع عمل الحج في جزء يسير من العشر ولم يؤت به على الوجه المبرور فالجهاد أفضل منه وقد روي عن عمر وابن عمر وأبي موسى الأشعري ومجاهد ما يدل على تفضيل الحج على الجهاد وسائر الأعمال وينبغي حمله على الحج المبرور الذي كمل بره واستوعب فعله أيام العشر والله أعلم. فإن قيل: قوله ﷺ : "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام" هل يقتضي تفضيل كل عمل صالح وقع في شيء من أيام العشر على جميع ما يقع في غيرها وإن طالت مدته أم لا؟ قيل: الظاهر والله أعلم أن المراد أن العمل في هذه الأيام العشر أفضل من العمل في أيام عشر غيرها فكل عمل صالح يقع في هذا العشر فهو أفضل من عمل في عشرة فهو أفضل من عمل في عشرة أيام سواها من أي شهر كان فيكون تفضيلا للعمل في كل يوم منه على العمل في كل يوم من أيام السنة غيره.

стр. 270

وقد قيل: إنما يفضل العمل فيها على الجهاد إذا كان العمل فيها مستغرقا لأيام العشر فيفضل على جهاد في عدد تلك الأيام من غير العشر وإن كان العمل مستغرقا لبعض أيام العشر فهو أفضل من جهاد في نظير ذلك الزمان من غير العشر واستدل على ذلك بأن النبي ﷺ جعل العمل الدائم الذي لا يفتر من صيام وصلاة معادلا للجهاد في أي وقت كان فإذا وقع ذلك العمل الدائم في العشر كان أفضل من الجهاد في مثل أيامه لفضل العشر وشرفه ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد؟ قال: أجده قال "لا هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر" قال: ومن يستطيع ذلك ولفظه للبخاري ولمسلم معناه وزاد ثم قال: "مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله الذي لا يفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجع المجاهد في سبيل الله" وللبخاري: "مثل المجاهد في سبيل الله والله أعلم بمن يجاهد في سبيله كمثل الصائم القائم" وللنسائي: "كمثل الصائم القائم الخاشع الراكع الساجد" ويدل على أن المراد تفضيله على جهاد في مثل أيامه خاصة: ما في صحيح ابن حبان عن جابر عن النبي ﷺ قال: "ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة" فقال رجل: يا رسول الله هو أفضل أم عدتهن جهاد في سبيل الله؟ قال: "هو أفضل من عدتهن جهادا في سبيل الله" فلم يفضل العمل في العشر إلا على الجهاد في عدة أيام العشر لا مطلقا. وأما ما تقدم من أن كل يوم منه يعدل سنة أو سنتين أو ألف يوم فكلها من أحاديث الفضائل وليست بقوية ثم إن أكثر ما ورد ذلك في صيامها والصيام له خصوصية في المضاعفة فإنه لله والله يجزي به فإن قيل: إنه لا يختص بالصوم بل يعم سائر الأعمال فإنما يدل على تفضيل كل عمل في العشر على مثل ذلك العمل في غيره سنة فلا يدخل فيه إلا تفضيل من جاهد في العشر على من جاهد في غيرها سنة. وإذا قيل يلزم من تفضيل العمل في هذا العشر على كل عشر غيره أن يكون صيام هذا العشر أفضل من صوم عشر رمضان وقيام لياليه أفضل من قيام لياليه؟ قيل: أما صيام رمضان فأفضل من صيامه بلا شك فإن صوم الفرض أفضل من النفل بلا تردد وحينئذ فيكون المراد أن ما فعل في العشر في فرض فهو أفضل مما فعل في عشر غيره من فرض غيره من فرض فقد تضاعف صلواته المكتوبة على صلوات عشر

стр. 271

رمضان وما فعل فيه من نفل فهو أفضل مما فعل في غيره من نفل وقد اختلف عمر وعلي ﵄ في قضاء رمضان في عشر ذي الحجة فكان عمر يحتسبه أفضل أيامه فيكون قضاء رمضان فيه أفضل من غيره وهذا يدل على مضاعفة الفرض فيه على النفل وكان علي ينهي عنه وعن أحمد في ذلك روايتان وقد علل قول علي: بأن القضاء فيه يفوت به فضل صيامه تطوعا وبهذا علله الإمام أحمد وغيره وقد قيل: إنه يحصل به فضيلة صيام التطوع بها وهذا على قول من يقول: إن نذر صيام شهر فصام رمضان أجزاءه عن فرضه ونذره متوجه وقد علل بغير ذلك وأما قيام لياليه وتفضيل قيامه على قيام عشر رمضان فيأتي الكلام فيه إن شاء الله.

стр. 272

الفصل الثاني: في فضل عشر ذي الحجة على غيره من أعشار الشهور . قد سبق حديث ابن عمر المرفوع: "ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر" وفي صحيح ابن حيان عن جابر عن النبي ﷺ قال: "ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة" وقد تقدم ورويناه من وجه آخر بزيادة وهي: "ولا ليالي أفضل من ليالهين" قيل: يا رسول الله هي أفضل من عدتهن جهادا في سبيل الله؟ قال: " هي أفضل من عدتهن جهادا في سبيل الله إلا من عُفّرَ وجهه تعفيرا وما من يوم أفضل من يوم عرفة" خرجه الحافظ أبو موسى المديني من جهة أبي نعيم الحافظ بالإسناد الذي خرجه به ابن حبان وخرج البزار وغيره من حديث جابر أيضا عن النبي ﷺ قال: "أفضل أيام الدنيا أيام العشر" قالوا: يا رسول الله ولا مثلهن في سبيل الله؟ قال: "ولا مثلهن في سبيل الله إلا من عُفّرَ وجهه بالتراب" وروي مرسلا وقيل: إنه أصح وقد سبق ما روي عن ابن عمر قال: ليس يوم أعظم عند الله من يوم الجمعة ليس العشر ويدل على أن أيام العشر أفضل من أيام الجمعة الذي هو أفضل الأيام.

стр. 273

وقال سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن كعب قال: اختار الله الزمان وأحب الزمان إلى الله الأشهر الحرم وأحب الأشهر الحرم إلى الله ذو الحجة وأحب ذي الحجة إلى الله العشر الأول ورواه بعضهم عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة ورفعه ولا يصح ذلك وقال مسروق في قوله تعالى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر:٢] هي أفضل أيام السنة خرجه عبد الرزاق وغيره وأيضا فأيام هذا العشر يشتمل على يوم عرفة وقد روي أنه أفضل أيام الدنيا كما جاء في حديث جابر الذي ذكرناه وفيه يوم النحر وفي حديث عبد الله بن قرط عن النبي ﷺ أنه قال: "أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم النفر" خرجه الإمام أحمد وأبو دواد وغيرهما وهذا كله يدل على أن عشر ذي الحجة أفضل من غيره من الأيام من غير استثناء هذا في أيامه. فأما لياليه فمن المتأخرين من زعم أن ليالي عشر رمضان أفضل من لياليه لاشتمالها على ليلة القدر وهذا بعيد جدا. ولو صح حديث أبي هريرة "قيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر" لكان صريحا في تفصيل لياليه على ليالي عشر رمضان فإن عشر رمضان فضل بليلة واحدة فيه وهذا جميع لياليه متساوية لها في القيام على هذا الحديث ولكن حديث جابر الذي خرجه أبو موسى صرح في تفضيل لياليه كتفضيل أيامه أيضا والأيام إذا أطلقت دخلت فيها الليالي تبعا وكذلك الليالي تدخل أيامها تبعا. وقد أقسم الله تعالى بلياليه فقال ﴿وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١, ٢] وهذا يدل على فضيلة لياليه لكن لم يثبت أن لياليه ولا شيئا منها يعدل ليلة القدر. وقد زعم طوائف من أصحابنا أن ليلة الجمعة أفضل من ليلة القدر ولكن لا يصح ذلك عن أحمد فعلى قول هؤلاء لا يستبعد تفضيل هذا العشر على ليلة القدر. والتحقيق ما قاله بعض أعيان المتأخرين من العلماء أن يقال مجموع هذا العشر أفضل من مجموع عشر رمضان وإن كان في عشر رمضان ليلة لا يفضل عليها غيرها والله أعلم. وما تقدم عن كعب يدل على أن شهر ذي الحجة أفضل الأشهر الحرم الأربعة وكذا قال سعيد بن جبير راوي الحديث عن ابن عباس "ما من الشهور أعظم حرمة من ذي الحجة".

стр. 274

وفي مسند البزار عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "سيد الشهور رمضان وأعظمها حرمة ذو الحجة" وفي إسناد ضعف. وفي مسند الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري أيضا أن النبي ﷺ قال في حجة الوداع في خطبته يوم النحر "ألا إن أحرم الأيام يومكم هذا ألا وإن أحرم الشهور شهركم هذا ألا وإن أحرم البلاد بلدكم هذا". رورى ذلك أيضا عن جابر ووابصة بن معبد ونبيط بن شريط وغيرهم عن النبي ﷺ وهذا كله يدل على أن شهر ذي الحجة أفضل الأشهر الحرم حيث كان أشدها حرمة وقد روى عن الحسن أن أفضلها المحرم وسنذكره عند ذكر شهر المحرم إن شاء الله تعالى. وأما من قال أفضلها رجب فقوله مردود. ولعشر ذي الحجة فضائل أخر غير ما تقدم فمن فضائله أن الله تعالى أقسم به جملة وببعضه خصوصا قال تعالى ﴿وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١, ٢] فأما الفجر فقيل إنه أراد جنس الفجر وقيل: المراد طلوع الفجر أو صلاة الفجر أوالنهار كله فيه اختلاف بين المفسرين وقيل بل أريد فجر معين ثم قيل إنه أريد به فجر أول يوم من عشر ذي الحجة وقيل: بل أريد به فجر آخر يوم منه وهو يوم النحر وعلى جميع هذه الأقوال فالعشر يشتمل على الفجر الذي أقسم الله به. وأما الليالي العشر فهي عشر ذي الحجة هذا الصحيح الذي عليه جمهور المفسرين من السلف وغيرهم وهو الصحيح عن ابن عباس روي عنه من غير وجه والرواية عنه "انه عشر رمضان" إسنادها ضعيف. وفيه حديث مرفوع خرجه الإمام أحمد والنسائي في التفسير من رواية زيد بن الحباب حدثنا عياش بن عقبة حدثنا خير بن نعيم عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ قال: "العشر عشر الضحى والوتر يوم عرفة والشفع يوم النحر" وهو إسناد حسن. وكذا فسر الشفع والوتر ابن عباس في رواية عكرمة وغيره وفسرهما أيضا بذلك عكرمة والضحاك وغير واحد وقد قيل في الشفع والوتر أقوال كثيرة وأكثرها لا يخرج عن أن يكون العشر أو بعضه مشتملا على الشفع والوتر أو أحدهما كقول من قال: هي الصلاة منها شفع ومنها وتر وقد خرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث عمران بن حصين عن النبي ﷺ . وقول

стр. 275

من قال هي المخلوقات منها شفع ومنها وتر يدخل فيها أيام العشر وقول من قال: الشفع الخلق كله والوتر الله فإن أيام العشر من جملة المخلوقات. ومن فضائله ايضا: أنه من جملة الأربعين التي واعدها الله لموسى ﵇ قال الله تعالى ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] لكن هل عشر ذي الحجة خاتمة الأربعين فيكون هو العشر الذي أتم به الثلاثون أم هو الأول الأربعين فيكون من جملة الثلاثين التي أتمت بعشر فيه اختلاف بين المفسرين. روى عبد الرزاق عن معمر عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد قال: ما من عمل في أيام السنة أفضل منه في العشر من ذي الحجة وهي العشر التي اتمها الله لموسى ﵇. ومن فضائله: انه خاتمة الأشهر المعلومات اشهر الحج التي قال الله فيها ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] وهي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة وروي عن عمر وابنه عبد الله وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن الزبير وغيرهم وهو قول أكثر التابعين ومذهب الشافعين وأحمد وابي حنيفة وأبي يوسف وأبي ثور وغيرهم لكن الشافعي وطائفة أخرجوا منه يوم النحر وأخله فيه الأكثرون لأنه يوم الحج الأكبر وفيه يقع أكثر أفعال مناسك الحج وقالت طائفة: ذو الحجة كله من اشهر الحج وهو قول مالك والشافعي في القديم ورواه عن ابن عمر أيضا وروي عن طائفة من السلف وفيه حديث مرفوع خرجه الطراني لكنه لا يصح والكلام في هذه المسألة يطول وليس هذا موضعه. ومن فضائله: أنه الأيام المعلومات التي شرع الله ذكره فيها على ما رزق من بهيمة الأنعام قال الله تعالى ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٧, ٢٨] . وجمهور العلماء على أن هذه الأيام المعلومات هي عشر ذي الحجة منهم ابن عمر وابن عباس والحسن وعطاء ومجاهد وعكرمة وقتادة والنخعي وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد في المشهور عنه. وروي عن أبي موسى الأشعري أي الأيام المعلومات هي تسع ذي الحجة غير يوم النحر وأنه قال لا يرد فيهن الدعاء خرجه جعفر الفريابي وغيره.

стр. 276

وقالت طائفة: هي أيام الذبح وروي عن طائفة من السلف وهو قول مالك وأبي يوسف وجعلوا ذكر الله فيها ذكره على الذبح وهو قول ابن عمر ﵄ ونقل المروذي عن أحمد أنه استحسنه والقول الأول أظهر. وذكر الله على بهيمة الأنعام لا يختص بحال ذبحها كما قال تعالى ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] وقال تعالى ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤] وأيضا فقد قال الله تعالى بعد هذا ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ، ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٨, ٢٩] فجعل هذا كله بعد ذكره في الأيام المعلومات وقضاء التفث وهو شعث الحج وغباره ونصبه والطواف بالبيت إنما يكون في يوم النحر وما بعده ولا يكون قبله وقد جعل الله يبحانه هذا مرتبا على ذكره في الأيام المعلومات بلفظة "ثم" فدل على أن المراد بالأيام المعلومات ما قبل يوم النحر وهو عشر ذي الحجة. وأما قوله تعالى ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] فقيل إن المراد ذكره عند ذبحها وهو حاصل بذكره في يوم النحر فإنه أفضل أيام النحر والأصح أنه إنما أريد ذكره شكرا على نعمة تسخير بهيمة الأنعام لعباده فإن الله تعالى على عباده في بهيمة الأنعام نعما كثيرة قد عدد بعضها في مواضع من القرآن والحاج لهم خصوصية في ذلك عن غيرهم فإنهم يسيرون عليها إلى الحرم لقضاء نسكهم كما قال تعالى ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧] وقال تعالى ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ [النحل: ٧] ويأكلون من لحومها ويشربون من ألبانها وينتفعون بأصوافها واوبارها وأشعارها. ويختص عشر ذي الحجة في حق الحاج بأنه زمن سوقهم للهدي الذي به يكمل فضل الحج ويأكلون من لحومه آخر العشر وهو يوم النحر وأفضل سوق الهدي من الميقات ويشعر ويقلد عند الإحرام وتقارنه التلبية وهي من الذكر لله في الأيام المعلومات. وفي الحديث "أفضل الحج العج والثج" وفي حديث آخر "عجوا التكبير عجا وثجوا الإبل ثجا". فيكون كثرة ذكر الله في أيام العشر شكرا على هذه النعمة المختصة ببهيمة الأنعام التي بعضها يتعلق بدين الحاج وبعضها بدنياهم وأفضل الأعمال ما كثر

стр. 277

ذكر الله تعالى منها خصوصا الحج وقد أمر الله تعالى بذكره كثيرا في أيام الحج قال تعالى ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ، ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٨, ١٩٩] فهذا الذكر يكون في عشر ذي الحجة ثم قال تعالى ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ [البقرة: ٢٠٠] وهذا يقع في يوم النحر وهو خاتمة العشر أيضا ثم أمر بذكره بعد العشر في الأيام المعدودات وهي أيام التشريق. وفي السنن عن النبي ﷺ قال: "إنما جعل الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله ". وفي مسند الإمام أحمد عن معاذ بن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله أي الجهاد أعظم أجرا؟ قال: "أكثرهم لله ذكرا" قال فأي الصائمين أعظم أجرا؟ قال: "أكثرهم لله ذكرا" قال: ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة كل [ذلك] ورسول الله ﷺ يقول: "اكثرهم لله ذكرا" فقال أبو بكر يا ابا حفص ذهب الذاكرون بكل خير فقال رسول الله ﷺ "أجل". وقد خرجه ابن المبارك وابن أبي الدنيا من وجوه أخر مرسلة وفي بعضها: أي الحجاج خير؟ قال "أكثرهم ذكرا لله" وفي بعضها أي الحجاج أعظم جرا؟ قال: "أكثرهم لله ذكرا" وذكر بقية الأعمال بمعنى ما تقدم فهذا كله بالنسبة إلى الحاج. فأما أهل الأمصار فإنهم يشاركون الحاج في عشر ذي الحجة في الذكر وإعداد الهدي فأما إعداد الهدي فإنه العشر تعد فيه الأضاحي كما يسوق أهل الموسم الهدي ويشاركونهم في بعض إحرامهم فإن من دخل عليه العشر وأراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئا كما روت ذلك أم سلمة عن النبي ﷺ خرج حديها مسلم وأخذ بذلك الشافعي وأحمد وعامة فقهاء الحديث. ومنهم من شرط أن يكون قد اشترى هديه قبل العشر وأكثرهم لم يشرطوا ذلك. وخالف فيه مالك وأبو حنيفة وكثير من الفقهاء وقالوا: لا يكره شيء من ذلك واستدلوا بحديث عائشة كنت أفتل قلائد الهدي لرسول الله ﷺ فلا يحرم عليه شيء أحله الله له.

стр. 278

وأجاب كثير من أهل القول الأول: بأنه يجمع بين الحديثين فيؤخذ بحديث أم سلمة فيمن يريد أن يضحي في مصره ويبحديث عائشة فيمن أرسل بهديه مع غيره وأقام في بلده وكان ابن عمر إذا ضحى يوم النحر حلق رأسه ونص أحمد على ذلك. واختلف العلماء في التعريف بالأمصار عشية عرفة وكان الإمام أحمد لا يفعله ولا ينكر على من فعله لأنه روي عن ابن عباس وغيره من الصحابة وأما مشاركتهم لهم في الذاكرة في الأيام المعلومات فإنه يشرع للناس كلهم الإكثار من ذكر الله في أيام العشر خصوصا وقد سبق حديث ابن عمر المرفوع: "فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد" واختلف العلماء هل يشرع إظهار التكبير والجهر به في الأسواق في العشر؟ فأنكره طائفة واستحبه أحمد والشافعي لكن الشافعي خصه بحال رؤية بهيمة الأنعام وأحمد يستحبه مطلقا. وقد ذكر البخاري في صحيحه عن ابن عمر وأبي هريرة أنهما كانا يخرجان إلى السوق في العشر فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما ورواه أبو داود حدثنا سلام أبو المنذر عن حميد الأعرج عن مجاهد قال كان أبي هريرة وابن عمر يأتيان السوق أيام العشر فيكبران ويكبر الناس معهما ولا يأتيان لشيء إلا لذلك وروى جعفر الفريابي في كتاب العيدين: حدثنا إسحاق بن راهويه أخبرنا جرير عن يزيد بن أبي زياد قال رأيت سعيد بن جبير ومجاهدا وعبد الرحمن بن أبي ليلى أو اثنين من هؤلاء الثلاثة وما رأينا من فقهاء الناس يقولون في أيام العشر: الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد. لما كان الله قد وضع في نفوس المؤمنين حنينا إلى مشاهدة بيته الحرام وليس كل أحد قادرا على مشاهدته في كل عام فرض على المستطيع الحج مرة واحدة في عمره وجعل موسم العشر مشتركا بين السائرين والقاعدين فمن عجز عن الحج في عام قدر في العشر على عمل يعمله في بيته يكون أفضل من الجهاد الذي هو أفضل من الحج. "ليالي العشر أوقات الإجابة ... فبادر رغبة تلحق ثوابه ألا لا وقت للعمال فيه ... ثواب الخير أقرب للإصابة من أوقات الليالي العشر حقا ... فشمر واطلبن فيها الإنابة احذروا المعاصي فإنها تحرم المغفرة في مواسم الرحمة وروى المروذي في

стр. 279

كتاب الورع بإسناده عن عبد الملك بن عمير عن رجل ـ إما من الصحابة أو من التابعين ـ: أن آتيا أتاه في منامه في العشر من ذي الحجة فقال: ما من مسلم إلا يغفر له في هذه الأيام كل يوم خمس مرارا إلا أصحاب الشاء يقولون: مات ما موته يعني أصحاب الشطرنج فإذا كان اللعب بالشطرنج مانعا من المغفرة فما الظن بالإصرار على الكبائر المجمع عليها. طاعة الله خير ما لزم العبـ ... ـد فكن طائعا ولا تعصينه ما هلاك النفوس إلا المعاصي ... فاجتنب ما نهاك لا تقربنه إن شيئا هلاك نفسك فيه ... ينبغي أن تصون نفسك عنه المعاصي سبب البعد والطرد كما أن الطاعات أسباب القرب والود. أيضمن لي فتى ترك المعاصي ... وأرهنه الكفالة بالخلاص أطاع الله قوم فاستراحوا ... ولم يتجرعوا غصص المعاصي إخوانكم في هذه الأيام قد عقدوا الإحرام وقصدوا البيت الحرام وملؤا الفضاء بالتلبية والتكبير والتهليل والتحميد والإعظام لقد ساروا وقعدنا وقربوا وبعدنا فإن كان لنا معهم نصيب سعدنا. أتراكم في النقا والمنحنى ... أهل سلع تذكرونا ذكرنا انقطعنا ووصلتم فاعلموا ... واشكروا المنعم يا أهل منى قد خسرنا وربحتم فصلوا ... بفضول الريح من قد غبنا سار قلبي خلف أحمالكم ... غير أن العذر عاق البدنا ما قطعتم واديا إلا وقد ... جئته أسعى بأقدام المنى أنا مذ غبتم على تذكاركم ... أترى عندكمو ما عندنا القاعد لعذر شريك للسائر وربما سبق السائر بقلبه السائرين بأبدانهم رأى بعضهم في المنام عشية عرفة في الموقف قائلا يقول له: أترى هذا الزحام على هذا الموقف فإنه لم يحج منهم أحد إلا رجل تخلف عن الموقف فحج بهمته فوهب له أهل الموقف. يا سائرين إلى البيت العتيق ... لقد سرتم جسوما وسرنا نحن أرواحا إنا أقمنا على عذر وقد رحلوا ... ومن أقام على عذر كمن راحا

стр. 280

الغنيمة الغنيمة بانتهاز الفرصة في هذه الأيام العظيمة فما منها عوض ولا لها قيمة المبادرة المبادرة بالعمل والعجل العجل قبل هجوم الأجل قبل أن يندم المفرط على ما فعل قبل أن يسأل الرجعة فيعمل صالحا فلا يجاب إلى ما سأل قبل أن يحول الموت بين المؤمل وبلوغ الأمل قبل أن يصير المرء مرتهنا في حفرته بما قدم من عمل. ليس للميت في قبره ... فطر ولا أضحى ولا عشر ناء عن الأهل على قربه ... كذاك من مسكنه القبر يا من طلع فجر شيبه بعد بلوغ الأربعين يا من مضى عليه بعد ذلك ليالي عشر سنين حتى بلغ الخمسين يا من هو في معترك المنايا ما بين الستين والسبعين ما تنتظر بعد هذا الخبر إلا أن يأتيك اليقين يا من ذنوبه بعدد الشفع والوتر أما تستحي من الكرام الكاتبين؟ أم أنت ممن يكذب بيوم الدين؟ يا من ظلمة قلبه كالليل إذا يسري أما آن لقلبك أن يستنير أو يلين تعرض لنفحات مولاك في هذا العشر فإن فيه لله نفحات يصيب بها من يشاء فمن أصابته سعد بها آخر الدهر.

стр. 281

المجلس الثاني في يوم عرفة مع عيد النحر في الصحيحين عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلا من اليهود له: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لا تخذنا اليهود نزلت لا تخذنا ذلك اليوم عيدا فقال: أي آية: قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة: ٣] فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه والمكان الذي نزلت فيه: نزلت ورسول الله ﷺ قائم بعرفة يوم الجمعة وخرج الترمذي عن ابن عباس نحوه وقال فيه: نزلت في يوم عيد من يوم جمعة ويوم عرفة. والعيد هو موسم الفرح والسرور وأفراح المؤمنين وسرورهم في الدنيا إنما هو بمولاهم إذا فازوا بإكمال طاعته وحازوا ثواب أعمالهم بوثوقهم بوعده لهم عليها بفضله ومغفرته كما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] قال بعض العارفين: ما فرح أحد بغير الله إلا بغفلته

стр. 282

عن الله فالغافل يفرح بلهوه وهواه والعاقل يفرح بمولاه وأنشد سمنون في هذا المعنى: وكان فؤادي خاليا قبل حبكم ... وكان بذكر الخلق يلهو ويمرح فلما دعا قلبي هواك أجابه ... فلست أراه عن فنائك يبرح رميت ببعد منك إن كنت كاذبا ... وإن كنت في الدنيا بغيرك أفراح وإن كان شيء في البلاد بأسرها ... إذا غبت عن عيني لعيني يملح فإن شئت واصلني وإن شئت لا تصل ... فلست أرى قلبي لغيرك يصلح لما قدم النبي ﷺ المدينة كان لهم يومان يلعبون فيهما فقال: "إن الله قد أبدلكم يومين خيرا منهما يوم الفطر والأضحى" فأبدل الله هذه الأمة بيومي اللعب واللهو يومي الذكر والشكر والمغفرة والعفو ففي الدنيا للمؤمنين ثلاثة أعياد عيد يتكرر فهو يوم الجمعة وهو عيد الأسبوع وهو مترتب على إكمال الصلوات المكتوبات فإن الله فرض على المؤمنين في كل يوم وليلة خمس صلوات وأيام الدنيا تدور على سبعة أيام فكلما دور أسبوع من أيام الدنيا واستكمل المسلمون صلواتهم فيه شرع لهم في يوم استكمالهم وهو اليوم الذي كمل فيه الخلق وفيه خلق آدم وأدخل الجنة وأخرج منها وفيه ينتهي أمد الدنيا فتزول وتقوم الساعة فالجمعة من الإجتماع على سماع الذكر والموعظة وصلاة الجمعة وجعل ذلك لهم عيدا ولهذا نهى عن إفراده بالصيام وفي شهود الجمعة شبه من الحج وروي: أنها حج المساكين وقال سعيد بن المسيب: شهود الجمعة أحب إلي من حجة نافلة والتبكير إليها يقوم مقام الهدي على قدر السبق فأولهم كالمهدي بدنة ثم بقرة ثم كبشا ثم دجاجة ثم بيضة وشهود الجمعة يوجب تكفير الذنوب إلى الجمعة الأخرى إذا سلم ما بين الجمعتين من الكبائر كما أن الحج المبرور يكفر ذنوب تلك السنة إلى الحجة الأخرى وقد روي إذا سلمت الجمعة سلمت الأيام وروي أن الله تعالى يغفر يوم الجمعة لكل مسلم وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "ما طلعت الشمس ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة" وفي المسند عنه ﷺ أنه قال في يوم الجمعة: "هو أفضل عند الله من يوم الفطر ويوم

стр. 283

الأضحى" فهذا عيد الأسبوع وهو متعلق بإكمال الصلوات المكتوبة وهي أعظم أركان الإسلام ومبانيه بعد الشهادتين. وأما العيدان اللذان لا يتكرران في كل عام وإنما يأتي قال واحد منهما في العام مرة واحدة فأحدهما: عيد الفطر من صوم رمضان وهو مترتب على إكمال صيام رمضان وهو الركن الثالث من أركان الإسلام ومبانيه فإذا استكمل المسلمون صيام شهرهم المفروض عليهم واستوجبوا من الله والمغفر والعتق من النار فإن صيامه يوجب مغفرة ما تقدم من الذنوب وآخره عتق من النار يعتق فيه من النار من استحقها بذنوبه فشرع الله تعالى لهم عقب إكمالهم لصيامهم عيدا يجتمعون فيه على شكر الله وذكره وتكبيره على ما هداهم له وشرع لهم في ذلك العيد الصلاة والصدقة وهو يوم الجوائز يستوفي الصائمون فيه أجر صيامهم ويرجعون من عيدهم بالمغفرة. والعيد الثاني: عيد النحر وهو أكبر العيدين وأفضلهما وهو مترتب على إكمال الحج وهو الركن الرابع من أركان الإسلام ومبانيه فإذا أكمل المسلمون حجهم غفر لهم وإنما يكمل الحج بيوم عرفة والوقوف بعرفة فإنه ركن الحج الأعظم كما قال ﷺ : "الحج عرفة" ويوم عرفة هو يوم العتق من النار فيعتق الله من النار من وقف بعرفة ومن لم يقف بها من أهل الأمصار من المسلمين فلذلك صار اليوم الذي يليه عيدا لجميع المسلمين في جميع أمصارهم من شهد الموسم منهم ومن لم يشهده لا شتراكهم في العتق والمغفرة يوم عرفة وإنما لم يشترك المسلمون كلهم في الحج كل عام رحمة من الله وتخفيفا على عباده فإنه جعل الحج فريضة العمر لا فريضة كل عام وإنما هو في كل عام فرض كفاية بخلاف الصيام فإنه فريضة كل عام على كل مسلم فإذا كمل يوم عرفة وأعتق الله عباده المؤمنين من النار اشترك المسلمون كلهم في العيد عقب ذلك وشرع للجميع التقرب إليه بالنسك وهو إراقة دماء القرابين. فأهل الموسم يرمون الجمرة فيشرعون في التحلل من إحرامهم بالحج ويقضون تفثهم ويوفون نذورهم ويقربون قرابينهم من الهدايا ثم يطوفون بالبيت العتيق وأهل الأمصار يجتمعون على ذكر الله وتكبيره والصلاة له قال مخنف بن سليم وهو معدود من الصحابة: الخروج يوم الفطر يعدل عمرة والخروج يوم الأضحى يعدل حجة ثم ينسكون عقب ذلك نسكهم ويقربون قرابينهم بإراقة دماء ضحاياهم فيكون ذلك شكرا منهم لهذه النعم والصلاة والنحر الذي يجتمع في

стр. 284

عيد النحر أفضل من الصلاة والصدقة الذي في عيد الفطر لهذا أمر رسول الله ﷺ أن يجعل شكره لربه على إعطائه الكوثر أن يصلي لربه وينحر وقيل له قل: ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] ولهذا ورد الأمر بتلاوة هذه الآية عند ذبح الأضاحي والأضاحي سنة إبراهيم ﵇ ومحمد ﷺ فإن الله شرعها لإبراهيم حين فدى ولده الذي أمره بذبحه بذبح عظيم وفي حديث زيد بن أرقم قيل: يا رسول الله ما هذه الأضاحي قال: "سنة إبراهيم" قيل له: فما لنا بها؟ قال: "بكل شعرة حسنة" قيل: فالصوف؟ قال: "بكل شعرة من الصوف حسنة" خرجه ابن ماجه وغيره فهذه أعياد المسلمين في الدنيا وكلها عند إكمال طاعة مولاهم الملك الوهاب وحيازتهم لما وعدهم من الأجر والثواب. مر قوم براهب في دير فقالوا له: متى عيد أهل هذا الدير؟ قال: يوم يغفر لأهله ليس العيد لمن لبس الجديد إنما العيد لمن طاعاته تزيد ليس العيد لمن تجمل باللباس والركوب إنما العيد لمن غفرت له الذنوب في ليلة العيد تفرق خلق العتق والمغفرة على العبيد فمن ناله فمنها شيء فله عيد وإلا فهو مطرود بعيد كان بعض العارفين ينوح على نفسه ليلة العيد بهذه الأبيات: بحرمة غربتي كم ذا الصدود ... ألا تعطف علي ألا تجود سرور العيد قد عم النواحي ... وحزني في ازدياد لا يبيد فإن كنت اقترفت خلال سوء ... فعذري في الهوى أن لا أعود وأنشد غيره: للناس عشر وعيد ... ونا فقير وحيد يا غايتي ومناي ... قد لذ لي ما تريد وأنشد الشبلي: ليس عيد المحب قصد المصلى ... وانتظار الأمير والسلطان إنما العيد أن تكون لدى الحب ... كريما مقربا في أمان وأنشد: إذا ما كنت لي عيدا ... فما أصنع بالعيد جرى حبك في قلبي ... كجري الماء في العود

стр. 285

وأنشد: قالوا غدا العيد أنت لابسه ... فقلت خلعة ساق حسنة برعا صبر رهقرقهما ثوبان تحتهما ... قلب يرى ألفه الأعياد والجمعا أحرى الملابس أن تلقى الحبيب به ... يوم التزوار في الثواب الذي خلعا الدهر لي مأتم إن غبت يا أملي ... والعيد ما كنت لي أمرا ومستمعا وأما أعياد المؤمنين في الحنة فهي أيام زيارتهم لربهم فيزورونه ويكرمهم غاية الكرامة ويتجلى لهم وينظرون إليه فما أعطاهم شيئا هو أحب إليهم من ذلك وهو الزيادة التي قال الله تعالى فيها: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] ليس للمحب عيد سوى قرب محبوبه. إن يوما جامعا شملي بهم ... ذاك عيد ليس لي عيد سواه كل يوم كان للمسلمين عيدا في الدنيا فإنه عيد لهم في الجنة يجتمعون فيه على زيارة ربهم ويتجلى لهم فيه ويوم الجمعة يدعى في الجنة: يوم المزيد ويوم الفطر والأضحى يجتمع أهل الجنة فيهما للزيارة وروي أنه يشارك النساء الرجال فيهما كما كن يشهدن العيدين مع الرجال دون الجمعة فهذا لعموم أهل الجنة فأما خواصهم فكل يوم لهم عيد يزورون ربهم كل يوم مرتين بكرة وعشيا الخواص كانت أيام الدنيا كلها لهم أعيادا فصارت أيامهم في الآخرة كلها أعيادا قال الحسن: كل يوم لا يعصى الله فيه فهو عيد كل يوم يقطعه المؤمن في طاعة مولاه وذكره وشكره فهو له عيد. أركان الإسلام التي بني الإسلام عليها خمسة: الشهادتان والصلاة والزكاة وصيام رمضان والحج فأعياد عموم المسلمين في الدنيا عند إكمال دور الصلاة وإكمال الصيام والحج يجتمعون عند ذلك اجتماعا عاما. فأما الزكاة فليس لها وقت معين ليتخذ عيدا بل كل من ملم نصابا فحوله بحسب ملكه وأما الشهادتان فإكمالها يحصل بتحقيقهما والقيام بحقوقها وخواص المؤمنين يجتهدون على ذلك في كل وقت فلذلك كانت أوقاتهم كلها أعيادا لهم في الدنيا والآخرة كما أنشد الشبلي: عيدي مقيم وعيد الناس منصرف ... والقلب مني عن اللذات منحرف ولي قرينان مالي منهما خلف ... طول الحنين وعين دمعها يكف
следующие страницы →