Полный текст (360 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
المجلس الثاني في يوم عرفة مع عيد النحر
في الصحيحين عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلا من اليهود له: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لا تخذنا اليهود نزلت لا تخذنا ذلك اليوم عيدا فقال: أي آية: قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة: ٣] فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه والمكان الذي نزلت فيه: نزلت ورسول الله ﷺ قائم بعرفة يوم الجمعة وخرج الترمذي عن ابن عباس نحوه وقال فيه: نزلت في يوم عيد من يوم جمعة ويوم عرفة.
والعيد هو موسم الفرح والسرور وأفراح المؤمنين وسرورهم في الدنيا إنما هو بمولاهم إذا فازوا بإكمال طاعته وحازوا ثواب أعمالهم بوثوقهم بوعده لهم عليها بفضله ومغفرته كما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] قال بعض العارفين: ما فرح أحد بغير الله إلا بغفلته
стр. 282
عن الله فالغافل يفرح بلهوه وهواه والعاقل يفرح بمولاه وأنشد سمنون في هذا المعنى:
وكان فؤادي خاليا قبل حبكم ... وكان بذكر الخلق يلهو ويمرح
فلما دعا قلبي هواك أجابه ... فلست أراه عن فنائك يبرح
رميت ببعد منك إن كنت كاذبا ... وإن كنت في الدنيا بغيرك أفراح
وإن كان شيء في البلاد بأسرها ... إذا غبت عن عيني لعيني يملح
فإن شئت واصلني وإن شئت لا تصل ... فلست أرى قلبي لغيرك يصلح
لما قدم النبي ﷺ المدينة كان لهم يومان يلعبون فيهما فقال: "إن الله قد أبدلكم يومين خيرا منهما يوم الفطر والأضحى" فأبدل الله هذه الأمة بيومي اللعب واللهو يومي الذكر والشكر والمغفرة والعفو ففي الدنيا للمؤمنين ثلاثة أعياد عيد يتكرر فهو يوم الجمعة وهو عيد الأسبوع وهو مترتب على إكمال الصلوات المكتوبات فإن الله فرض على المؤمنين في كل يوم وليلة خمس صلوات وأيام الدنيا تدور على سبعة أيام فكلما دور أسبوع من أيام الدنيا واستكمل المسلمون صلواتهم فيه شرع لهم في يوم استكمالهم وهو اليوم الذي كمل فيه الخلق وفيه خلق آدم وأدخل الجنة وأخرج منها وفيه ينتهي أمد الدنيا فتزول وتقوم الساعة فالجمعة من الإجتماع على سماع الذكر والموعظة وصلاة الجمعة وجعل ذلك لهم عيدا ولهذا نهى عن إفراده بالصيام وفي شهود الجمعة شبه من الحج وروي: أنها حج المساكين وقال سعيد بن المسيب: شهود الجمعة أحب إلي من حجة نافلة والتبكير إليها يقوم مقام الهدي على قدر السبق فأولهم كالمهدي بدنة ثم بقرة ثم كبشا ثم دجاجة ثم بيضة وشهود الجمعة يوجب تكفير الذنوب إلى الجمعة الأخرى إذا سلم ما بين الجمعتين من الكبائر كما أن الحج المبرور يكفر ذنوب تلك السنة إلى الحجة الأخرى وقد روي إذا سلمت الجمعة سلمت الأيام وروي أن الله تعالى يغفر يوم الجمعة لكل مسلم وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "ما طلعت الشمس ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة" وفي المسند عنه ﷺ أنه قال في يوم الجمعة: "هو أفضل عند الله من يوم الفطر ويوم
стр. 283
الأضحى" فهذا عيد الأسبوع وهو متعلق بإكمال الصلوات المكتوبة وهي أعظم أركان الإسلام ومبانيه بعد الشهادتين.
وأما العيدان اللذان لا يتكرران في كل عام وإنما يأتي قال واحد منهما في العام مرة واحدة فأحدهما: عيد الفطر من صوم رمضان وهو مترتب على إكمال صيام رمضان وهو الركن الثالث من أركان الإسلام ومبانيه فإذا استكمل المسلمون صيام شهرهم المفروض عليهم واستوجبوا من الله والمغفر والعتق من النار فإن صيامه يوجب مغفرة ما تقدم من الذنوب وآخره عتق من النار يعتق فيه من النار من استحقها بذنوبه فشرع الله تعالى لهم عقب إكمالهم لصيامهم عيدا يجتمعون فيه على شكر الله وذكره وتكبيره على ما هداهم له وشرع لهم في ذلك العيد الصلاة والصدقة وهو يوم الجوائز يستوفي الصائمون فيه أجر صيامهم ويرجعون من عيدهم بالمغفرة.
والعيد الثاني: عيد النحر وهو أكبر العيدين وأفضلهما وهو مترتب على إكمال الحج وهو الركن الرابع من أركان الإسلام ومبانيه فإذا أكمل المسلمون حجهم غفر لهم وإنما يكمل الحج بيوم عرفة والوقوف بعرفة فإنه ركن الحج الأعظم كما قال ﷺ : "الحج عرفة" ويوم عرفة هو يوم العتق من النار فيعتق الله من النار من وقف بعرفة ومن لم يقف بها من أهل الأمصار من المسلمين فلذلك صار اليوم الذي يليه عيدا لجميع المسلمين في جميع أمصارهم من شهد الموسم منهم ومن لم يشهده لا شتراكهم في العتق والمغفرة يوم عرفة وإنما لم يشترك المسلمون كلهم في الحج كل عام رحمة من الله وتخفيفا على عباده فإنه جعل الحج فريضة العمر لا فريضة كل عام وإنما هو في كل عام فرض كفاية بخلاف الصيام فإنه فريضة كل عام على كل مسلم فإذا كمل يوم عرفة وأعتق الله عباده المؤمنين من النار اشترك المسلمون كلهم في العيد عقب ذلك وشرع للجميع التقرب إليه بالنسك وهو إراقة دماء القرابين.
فأهل الموسم يرمون الجمرة فيشرعون في التحلل من إحرامهم بالحج ويقضون تفثهم ويوفون نذورهم ويقربون قرابينهم من الهدايا ثم يطوفون بالبيت العتيق وأهل الأمصار يجتمعون على ذكر الله وتكبيره والصلاة له قال مخنف بن سليم وهو معدود من الصحابة: الخروج يوم الفطر يعدل عمرة والخروج يوم الأضحى يعدل حجة ثم ينسكون عقب ذلك نسكهم ويقربون قرابينهم بإراقة دماء ضحاياهم فيكون ذلك شكرا منهم لهذه النعم والصلاة والنحر الذي يجتمع في
стр. 284
عيد النحر أفضل من الصلاة والصدقة الذي في عيد الفطر لهذا أمر رسول الله ﷺ أن يجعل شكره لربه على إعطائه الكوثر أن يصلي لربه وينحر وقيل له قل: ﴿إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢] ولهذا ورد الأمر بتلاوة هذه الآية عند ذبح الأضاحي والأضاحي سنة إبراهيم ﵇ ومحمد ﷺ فإن الله شرعها لإبراهيم حين فدى ولده الذي أمره بذبحه بذبح عظيم وفي حديث زيد بن أرقم قيل: يا رسول الله ما هذه الأضاحي قال: "سنة إبراهيم" قيل له: فما لنا بها؟ قال: "بكل شعرة حسنة" قيل: فالصوف؟ قال: "بكل شعرة من الصوف حسنة" خرجه ابن ماجه وغيره فهذه أعياد المسلمين في الدنيا وكلها عند إكمال طاعة مولاهم الملك الوهاب وحيازتهم لما وعدهم من الأجر والثواب.
مر قوم براهب في دير فقالوا له: متى عيد أهل هذا الدير؟ قال: يوم يغفر لأهله ليس العيد لمن لبس الجديد إنما العيد لمن طاعاته تزيد ليس العيد لمن تجمل باللباس والركوب إنما العيد لمن غفرت له الذنوب في ليلة العيد تفرق خلق العتق والمغفرة على العبيد فمن ناله فمنها شيء فله عيد وإلا فهو مطرود بعيد كان بعض العارفين ينوح على نفسه ليلة العيد بهذه الأبيات:
بحرمة غربتي كم ذا الصدود ... ألا تعطف علي ألا تجود
سرور العيد قد عم النواحي ... وحزني في ازدياد لا يبيد
فإن كنت اقترفت خلال سوء ... فعذري في الهوى أن لا أعود
وأنشد غيره:
للناس عشر وعيد ... ونا فقير وحيد
يا غايتي ومناي ... قد لذ لي ما تريد
وأنشد الشبلي:
ليس عيد المحب قصد المصلى ... وانتظار الأمير والسلطان
إنما العيد أن تكون لدى الحب ... كريما مقربا في أمان
وأنشد:
إذا ما كنت لي عيدا ... فما أصنع بالعيد
جرى حبك في قلبي ... كجري الماء في العود
стр. 285
وأنشد:
قالوا غدا العيد أنت لابسه ... فقلت خلعة ساق حسنة برعا
صبر رهقرقهما ثوبان تحتهما ... قلب يرى ألفه الأعياد والجمعا
أحرى الملابس أن تلقى الحبيب به ... يوم التزوار في الثواب الذي خلعا
الدهر لي مأتم إن غبت يا أملي ... والعيد ما كنت لي أمرا ومستمعا
وأما أعياد المؤمنين في الحنة فهي أيام زيارتهم لربهم فيزورونه ويكرمهم غاية الكرامة ويتجلى لهم وينظرون إليه فما أعطاهم شيئا هو أحب إليهم من ذلك وهو الزيادة التي قال الله تعالى فيها: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] ليس للمحب عيد سوى قرب محبوبه.
إن يوما جامعا شملي بهم ... ذاك عيد ليس لي عيد سواه
كل يوم كان للمسلمين عيدا في الدنيا فإنه عيد لهم في الجنة يجتمعون فيه على زيارة ربهم ويتجلى لهم فيه ويوم الجمعة يدعى في الجنة: يوم المزيد ويوم الفطر والأضحى يجتمع أهل الجنة فيهما للزيارة وروي أنه يشارك النساء الرجال فيهما كما كن يشهدن العيدين مع الرجال دون الجمعة فهذا لعموم أهل الجنة فأما خواصهم فكل يوم لهم عيد يزورون ربهم كل يوم مرتين بكرة وعشيا الخواص كانت أيام الدنيا كلها لهم أعيادا فصارت أيامهم في الآخرة كلها أعيادا قال الحسن: كل يوم لا يعصى الله فيه فهو عيد كل يوم يقطعه المؤمن في طاعة مولاه وذكره وشكره فهو له عيد.
أركان الإسلام التي بني الإسلام عليها خمسة: الشهادتان والصلاة والزكاة وصيام رمضان والحج فأعياد عموم المسلمين في الدنيا عند إكمال دور الصلاة وإكمال الصيام والحج يجتمعون عند ذلك اجتماعا عاما.
فأما الزكاة فليس لها وقت معين ليتخذ عيدا بل كل من ملم نصابا فحوله بحسب ملكه وأما الشهادتان فإكمالها يحصل بتحقيقهما والقيام بحقوقها وخواص المؤمنين يجتهدون على ذلك في كل وقت فلذلك كانت أوقاتهم كلها أعيادا لهم في الدنيا والآخرة كما أنشد الشبلي:
عيدي مقيم وعيد الناس منصرف ... والقلب مني عن اللذات منحرف
ولي قرينان مالي منهما خلف ... طول الحنين وعين دمعها يكف
стр. 286
ولما كان عيد النحر أكبر العيدين وأفضلهما ويجتمع فيه شرف المكان والزمان لأهل الموسم كانت لهم فيه معه أعياد قبله وبعده فقبله وبعده فقبله يوم عرفة وبعده أيام التشريق وكل هذه الأعياد أعياد لأهل الموسم كما في حديث عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: "يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب" خرجه أهل السنن وصححه الترمذي ولهذا لا يشرع لأهل الموسم صوم يوم عرفة لأنه أول أعيادهم وأكبر مجامعهم وقد أفطره النبي ﷺ بعرفة والناس ينظرون إليه وروي أنه نهي عن صوم يوم عرفة بعرفة وروي عن سفيان بن عيينة: أنه سئل عن النهي عن صيام يوم عرفة بعرفة؟ فقال: لأنهم زوار الله وأضيافه ولا ينبغي للكريم أن يجوع أضيافه وهذا المعنى يوجد في العيدين وأيام التشريق أيضا فإن الناس كلهم في ضيافه الله لا سيما عيد النحر فإن الناس يأكلون من لحوم نسكهم أهل الموقف وغيرهم.
وأيام التشريق الثلاثة هي أيام عيد أيضا ولهذا بعث النبي ﷺ من ينادي بمكة: أنها أيام أكل وشرب وذكر الله فلا يصومن أحد وقد يجتمع في يوم واحد عيدان كما إذا اجتمع يوم الجمعة مع يوم عرفة أو يوم النحر فيزداد ذلك اليوم حرمة وفضلا لإجتماع عيدين فيه وقد كان ذلك اجتمع للنبي ﷺ في حجته يوم عرفة فكان يوم الجمعة وفيه نزلت هذه الآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة: ٣] .
وإكمال الدين في ذلك اليوم حصل من وجوه:
منها: أن المسلمين لم يكونوا حجوا حجة الإسلام بعد فرض الحج قبل ذلك ولا أحد منهم هذا قول أكثر العلماء أو كثير منهم فيكمل بذلك دينهم لاستكمالهم عمل أركان الإسلام كلها.
ومنها: أن الله تعالى أعاد الحج على قواعد إبراهيم ﵇ ونفى الشرك وأهله فلم يختلط بالمسلمين في ذلك الموقف منهم أحد قال الشعبي: نزلت هذه الآية على النبي ﷺ وهو واقف بعرفة حين وقف موقف إبراهيم واضمحل الشرك وهدمت منار الجاهلية ولم يطف بالبيت عريان وكذا قال قتادة وغيره وقد قيل: إنه لم ينزل بعدها تحليل ولا ترحيم قاله أبو بكر بن عياش.
وأما إتمام النعمة فإنما حصل بالمغفرة فلا تتم النعمة بدونها كما قال لنبيه ﷺ : ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [الفتح:٢] وقال تعالى في آية الوضوء: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ
стр. 287
وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ومن هنا استنبط محمد بن كعب القرظي بأن الوضوء يكفر الذنوب كما وردت السنة بذلك صريحا ويشهد له أيضا: أن النبي ﷺ سمع رجلا يدعو ويقول: أسألك تمام النعمة فقال له: تمام النعمة النجاة من النار ودخول الجنة فهذه الآية تشهد لما روي في يوم عرفة أنه يوم المغفرة والعتق من النار.
فيوم عرفة له فضائل متعددة.
منها: أنه يوم إكمال الدين وإتمام النعمة.
ومنها: أنه عيد لأهل الإسلام كما قاله عمر بن الخطاب وابن عباس فإن ابن عباس قال: نزلت في يوم عيدين يوم الجمعة ويوم عرفة وروي عن عمر أنه قال: وكلاهما بحمد الله لنا عيد خرجه ابن جرير في تفسيره ويشهد له حديث عقبة بن عامر المتقدم لكنه عيد لأهل الموقف خاصة ويشرع صيامه لأهل الأمصار عند جمهور العلماء وإن خالف فيه بعض السلف.
ومنها: أنها قد قيل: إنه الشفع الذي أقسم الله به في كتابه وأن الوتر يوم النحر وقد روي هذا عن النبي ﷺ من حديث جابر خرجه الإمام أحمد والنسائي في تفسيره وقيل: إنه الشاهد الذي أقسم الله به في كتابه فقال تعالى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج:٣] وفي المسند عن أبي هريرة مرفوعا وموقوفا: "الشاهد يوم عرفة والمشهود يوم الجمعة" وخرجه الترمذي مرفوعا وروي ذلك عن علي من قوله وخرج الطبراني من حديث أبي مالك الأشعري مرفوعا: "الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة" وعلى هذا فإذا وقع يوم عرفة في يوم الجمعة فقد اجتمع في ذلك اليوم شاهد ومشهود.
ومنها: أنه روي أنه أفضل الأيام خرجه ابن حبان في صحيحه من حديث جابر عن النبي ﷺ قال: "أفضل الأيام يوم عرفة" وذهب إلى ذلك طائفة من العلماء ومنهم من قال: يوم النحر أفضل الأيام لحديث عبد الله بن قرط عن النبي ﷺ قال: " أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم النفر" خرجه الإمام أحمد وأبو دواد والنسائي وابن حبان في صحيحه ولفظه: "أفضل الأيام".
ومنها: أنه روي عن أنس بن مالك أنه قال: كان يقال: يوم عرفة بعشرة آلاف يوم يعني في الفضل وقد ذكرناه في فضل العشر وروي عن عطاء قال: من صام يوم عرفة كان له كأجر ألفي يوم.
ومنها: أنه يوم الحج الأكبر عند جماعة من السلف منهم عمر وغيره.
стр. 288
وخالفهم آخرون وقالوا: يوم الحج الأكبر يوم النحر وروي ذلك عن النبي ﷺ .
ومنها: أن صيامه كفارة سنتين وسنذكر الحديث في ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.
ومنها: أنه يوم مغفرة الذنوب والتجاوز عنها والعتق من النار والمباهاة بأهل الموقف كما في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيدا من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟ " وفي المسند عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: "إن الله يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا" وفيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إن الله يباهي بأهل عرفات يقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا" وخرجه ابن حبان في صحيحه وخرج فيه أيضا من حديث جابر عن النبي ﷺ قال: "ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة ينزل الله ﵎ إلى السماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء فيقول: انظروا إلى عبادي شعثا غبرا ضاحين جاؤوا من كل فج عميق يرجون رحمتي ولم يروا عذابي فلم ير أكثر عتيقا من النار من يوم عرفة" وخرجه ابن منده في كتاب التوحيد ولفظه: "إذا كان يوم عرفة ينزل الله إلى سماء الدنيا فيباهي بهم الملائكة فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا من كل فج عميق أشهدكم أني قد غفرت لهم فتقول الملائكة: يا رب فلان مرهق فيقول: قد غفرت لهم فما من يوم أكثر عتيقا من النار من يوم عرفة" وقال: إسناد حسن متصل انتهى ورويناه من وجه آخر بزيادة فيه وهي: "أشهدكم يا عبادي أني قد غفرت لمحسنهم وتجاوزت عن مسيئهم".
ورويناه من رواية إسماعيل بن رافع ـ وفيه مقال ـ عن أنس عن النبي ﷺ قال: "يهبط الله إلى السماء الدنيا عشية عرفة ثم يباهي بكم الملائكة فيقول: هؤلاء عبادي جاؤوني شعثا من كل فج عميق يرجون رحمتي ومغفرتي فلو كانت ذنوبهم كعدد الرمل لغفرتها أفيضوا عبادي مغفورا لكم ولمن شفعتم فيه" وخرجه البزار في مسنده بمعناه من حديث مجاهد عن ابن عمر عن النبي ﷺ وقال: لا نعلم له طريقا أحسن من هذا الطريق وخرجه الطبراني وغيره من حديث عبد الله بن العاص عن النبي ﷺ مختصرا ورويناه من طريق الوليد بن مسلم قال: أخبرني أبو بكر بن أبي مريم عن الأشياخ أن النبي ﷺ قال: "إن الله يدنو إلى السماء الدنيا عشية فيقبل على ملائكته فيقول: ألا إن لكل وفد جائزة
стр. 289
وهؤلاء وفدي شعثا غبرا أعطوهم ما سألوا واخلفوا لهم ما أنفقوا حتى إذا كان عند غروب الشمس أقبل عليهم فقال: ألا إني قد وهبت مسيئكم لمحسنكم وأعطيت محسنكم ما سأل أفيضوا بسم الله".
وروى إبراهيم بن الحكم بن أبان حدثنا أبي حدثنا فرقد قال: إن أبواب السماء تفتح كل ليلة ثلاث مرات وفي ليلة الجمعة سبع مرات وفي ليلة عرفة تسع مرات وروينا من طريق نفيع أبي دواد عن ابن عمر مرفوعا وموقوفا: "إذا كان يوم عرفة لم يبق أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا غفر له قيل له: أللمعروف خاصة أم للناس عامة؟ قال: بل للناس عامة" وخرج مالك في الموطأ من مراسيل طلحة بن عبيد الله بن كريز أن النبي ﷺ قال: "ما رؤي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه يوم عرفة وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رؤي يوم بدر" قيل: وما رأى يوم بدر قال: "رأى جبريل ﵇ وهو يزع الملائكة".
وروى أبو عثمان الصابوني بإسناد له عن رجل كان أسيرا ببلاد الروم فهرب من بعض الحصون قال: فكنت أسير بالليل وأكمن بالنهار فبينا أنا ذات ليلة أمشي بين جبال وأشجار إذا أنا بحس فراعني ذلك فنظرت فإذا راكب بعير فازددت رعبا وذلك لأنه لا يكون ببلاد الروم بعير فقلت: سبحان الله في بلاد الروم راكب بعير إن هذا لعجب فلما انته إلي قلت: يا عبد الله من أنت؟ قال: لا تسأل قلت: إني أرى عجبا! فأخبرني؟ فقال: لا تسأل فأبيت عليه فقال: أنا إبليس وهذا وجهي من عرفات رافقتهم عشية اليوم اطلع عليهم فنزلت عليهم المغفرة ووهب بعضهم لبعض فداخلني اللهم والحزن والكآبة وهذا وجهي إلى قسطنطينية انفرج بما أسمع من الشرك بالله وادعاء أن له ولدا فقلت: أعوذ بالله منك فلما قلت: هذا الكلمات لم أر أحدا.
ويشهد لهذه الحكاية حديث عباس بن مرداس الذي خرجه أحمد وابن ماجه في دعاء النبي ﷺ لأمته عشية عرفة ثم بالمزدلفة فأجيب فضحك ﷺ وقال: "إن إبليس حين علم أن الله قد غفر لأمتي واستجاب دعائي أهوى يحثي التراب على رأسه ويدعو بالويل والثبور فضحكت من الخبيث من جزعه" ويروى عن علي بن موفق أنه وقف بعرفة في بعض حجاته فرأى كثرة الناس فقال: اللهم إن كنت لم تتقبل منهم أحدا فقد وهبته حجي فرأى رب العزة في منامه وقال له: يا ابن الموفق أتسخى علي قد غفرت لأهل الموقف ولأمثالهم وشفعت كل واحد منهم
стр. 290
في أهل بيته وذريته وعشيرته وأنا أهل التقوى وأنا أهل المغفرة ويروى نحوه عن غيره أيضا من الشيوخ.
فمن طمع في العتق من النار ومغفرة ذنوبه في يوم عرفة فليحافظ على الأسباب التى يرجى بها العتق والمغفرة فمنها: صيام ذلك اليوم ففي صحيح مسلم عن أبي قتادة عن النبي ﷺ قال: "صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده".
ومنها: حفظ جوراحه عن المحرمات في ذاك اليوم ففي مسند الإمام أحمد عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "يوم عرفة هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له".
ومنها: الإكثار من شهادة التوحيد بإخلاص وصدق فإنها أصل دين الإسلام الذي أكلمه الله تعالى في ذلك اليوم وأساسه وفي المسند عن عبد الله بن عمر قال: كان أكثر دعاء النبي ﷺ يوم عرفة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير" وخرجه الترمذي ولفظه: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة وخير ما قلت أنا والنبيون من قلبي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" وخرجه الطبراني من حديث علي وابن عمر مرفوعا أيضا.
وخرج الإمام أحمد من حديث الزبير بن العوام قال سمعت رسول الله ﷺ وهو بعرفة يقرأ هذه الآية: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨] الآية ويقول: "وأنا على ذلك من الشاهدين يا رب" ويروى من حديث عبادة قال شهدت النبي ﷺ يوم عرفة فكان أكثر قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] الآية ثم قال: "أي رب وأنا أشهد" فتحقيق كلمة التوحيد يوجب عتق الرقاب وعتق الرقاب يوجب العتق من النار كما ثبت في الصحيح: أن من قالها مائة مرة كان له عدل عشر رقاب وثبت أيضا: أن من قالها عشر مرات كان كمن اعتق أربعة من ولد إسماعيل.
وفي سنن أبي دواد وغيره عن أنس عن النبي ﷺ قال: "من قال حين يصبح أو يمسي: اللهم أني أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع خلقك أنك أنت الله لا إله إلا أنت وأن محمدا عبدك ورسولك أعتق الله ربعه من النار ومن قالها مرتين أعتق الله نصفه من النار ومن قالها ثلاث مرات أعتق الله
стр. 291
ثلاثة أرباعه ومن قالها أربع مرار أعتقه الله من النار" ويروى من مراسيل الزهري: "من قال في يوم: عشرة آلاف مرة لا إله إلا الله وحده لا شريك له أعتقه الله من النار كما أنه لو جاء بدية من قتله عشرة آلاف قبلت منه".
ومنها: أن يعتق رقبة إن أمكنه فإن من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار كان حكيم بن حزام ﵁ يقف بعرفة ومعه مائة بدنة مقلدة ومائة رقبة فيعتق رقيقه فيضج الناس بالبكاء والدعاء ويقولون: ربنا هذا عبدك قد أعتق عبيده ونحن عبيدك فاعتقنا وجرى للناس مرة مع الرشيد نحو هذا وكان أبو قلابة يعتق جارية في عيد الفطر يرجو أن يعتق بذلك من النار.
ومنها: كثرة الدعاء بالمغفرة والعتق فإنه يرجى إجابة الدعاء فيه روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن علي قال: ليس في الأرض يوم إلا لله فيه عتقاء من النار وليس يوم أكثر فيه عتقا للرقاب من يوم عرفة فأكثر فيه أن تقول: اللهم أعتق رقبتي من النار وأوسع لي من الرزق الحلال واصرف عني فسقة الجن والإنس فإنه عامة دعائي اليوم.
وليحذر من الذنوب التي تمنع المغفرة فيه والعتق:
فمنها: الإختيال روينا من حديث جابر عن النبي ﷺ قال: "ما يري يوم أكثر عتيقا ولا عتيقة من يوم عرفة لا يغفر الله فيه لمختال" وخرجه البزار والطبراني وغيرهما والمختال هو المتعاظم في نفسه المتكبر قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٣] وقال النبي ﷺ : "إن الله لا ينظر إلى جر ثوبه خيلاء".
ومنها: الإصرار على الكبائر روى جعفر السراج بإسناده عن يونس بن عبد الأعلى أنه حج سنة فرأى أمير الحاج في منامه: أن الله قد غفر لأهل الموسم سوى رجل فسق بغلام فأمر بالنداء بذلك في الموسم وروى ابن أبي الدنيا وغيره أن رجلا رأى في منامه أن الله قد غفر لأهل الموقف كلهم إلا رجلا من أهل بلخ فسأل عنه حتى وقع عليه فسأله عن حاله فذكر أنه كان مدمنا لشرب الخمر ليلة وهو سكران فعاتبته أمه وهي تسجر تنور فاحتملها فألقاها فيه حتى احترقت يا من يطمع في العتق من النار ثم يمنع نفسه الرحمة بالإصرار على كبائر الإثم والأوزار تالله نصحت نفسك ولا وقف في طريقك غيرك توبق نفسك بالمعاصي فإذا حرمت المغفرة قلت: إني هذا: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥] .
стр. 292
فنفسك لم ولا تلم المطايا ... ومت كمدا فليس لك اعتذار
إن كنت تطمع في العتق فاشتر نفسك من الله ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] من كرمت عليه نفسه هان عليه كل ما يبذل في افتكاكها من النار.
اشترى بعض السلف نفسه من الله ثلاث مرار أو أربعا يتصدق كل مرة بوزن نفسه فضة واشترى عامر بن عبد الله بن الزبير نفسه من الله بدية ست مرات تصدق بها واشترى حبيب نفسه من الله بأربعين ألف درهم تصدق بها وكان أبو هريرة يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة بقدر ديته يفتك بذلك نفسه.
بدم الحبيب يباع وصلهم ... فمن الذي يبتاع في الثمن
من عرف ما يطلب هان عليه كل ما يبذل ويحك قد رضينا منك في فكاك نفسك بالندم وقنعنا منك في ثمنها بالتوبة والحزن وفي هذا الموسم قد رخص السعر من ملك سمعه وبصره ولسانه غفر له مد إليه يد الإعتذار وقم على بابه بالذل والإنكسار وارفع قصة ندمك مرقومة على صحيفة خدك بمداد الدموع والغزار وقل: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] قال يحيى بن معاذ: العبد يوحش ما بينه وبين سيده بالمخالفات ولا يفارق بابه بحال لعلمه بأن عز العبد في ظل مواليهم وأنشأ يقول:
قرة عيني لا بد لي منك وإن ... أوحش بيني وبينك الزلل
قرة عيني أنا الغريق فخذ ... كف غريق عليك يتكل
كانت أحوال الصادقين في الموقف بعرفة تتنوع: فمنهم: من كان يغلب عليه الخوف أو الحياء وقف مطرف بن عبد الله بن الشخير وبكر المزني بعرفة فقال أحدهم: اللهم لا ترد أهل الموقف من أجلي وقال الآخر: ما أشرفه من موقف وأرجاه لأهله لولا أني فيهم وقف الفضيل بعرفة والناس يدعون وهو يبكي بكاء الثكلى المحترقة قد حال البكاء بينه وبين الدعاء فلما كادت الشمس أن تغرب رفع رأسه إلى السماء وقال: واسوأتاه منك وإن عفوت وقال الفضيل أيضا لشعيب بن حرب بالموسم: إن كنت تظن أنه شهد الموقف أحد شرا مني ومنك فبئس ما ظننت دعا بعض العارفين بعرفة فقال: اللهم إن كنت لم تقبل حجي وتعبي ونصبي فلا تحرمني أجر المصيبة على تركك القبول مني وقف بعض.
стр. 293
الخائفين بعرفة إلى أن قرب غروب الشمس فنادى الأمان فقد دنا الإنصراف فليت شعري ما صنعت في حاجة المساكين.
وإني من خوفكم والرجا ... أرى الموت والعيش منكم عيانا
فمنوا على تائب خائف ... أتاكم ينادي الأمان الأمانا
إذا طلب الأسير من الملك الكريم أمنه أمنه.
الأمان الأمان وزري ثقيل ... وذنوبي إذا عددن تطول
أوبقتني وأوثقتني ذنوبي ... فترى لي إلى الخلاص سبيل
وقف بعض الخائفين بعرفة فمنعه الحياء من الدعاء فقيل له: لم لا تدعو؟ فقال: ثم وحشة فقيل له: هذا يوم العفو عن الذنوب فبسط يديه ووقع ميتا.
جز أيها الحادي إلى نعمان ... فاستذكرت عهدا لها بالبان
فسألت الروح من الأجفان ... تشوقا إلى الزمان الفاني
غيره:
قد لج من الغرام حتى قالوا ... قد جن فيهم وهكذا البلبال
الموت إذا رضيته سلسال ... في مثل هواك ترخص الآجال
وقف بعض الخائفين بعرفات وقال: إلهي الناس يتقربون إليك بالبدن وأنا أتقرب إليك بنفسي ثم خر ميتا.
للناس حج ولي حج إلى سكني ... تهدي الأضاحي وأهدي مهجتي ودم
ما يرضى المحبون لمحبوبهم بإراقة دماء الهديا وإنما يهدون له الأرواحا.
أرى موسم الأعياد أنس الحبائب ... وما العبد عندي غير قرب الحبائب
إذا قربوا بدنا فقرباني الهوى ... فإن قبلوا قلبي وإلا فقالبي
وما بدم الأنعام أقضي حقوقهم ... ولكن بما بين الحشا والترائب
كان أبو عبيدة الخواص قد غلب عليه الشوق والقلق حتى يضرب على صدره في الطريق ويقول: واشوقاه إلى من يراني ولا أراه وكان بعد ما كبر يأخذ بلحيته ويقول: يا رب قد كبرت فاعتقني ورؤي بعرفة وقد ولع به الوله وهو يقول:
سبحان من لو سجدنا بالعيون له ... على حمى الشوك والمحمى من الإبر
стр. 294
لم نبلغ العشر من معاشر نعمته ... ولا العشير ولا عشرا من العشر
هو الرفيع فلا الأبصار تدركه ... سبحنه من مليك نافذ القدر
سبحان من هو أنسى إذا خلوت به ... في جوف ليلي وفي الظلماء والسحر
أنت الحبيب وأنت الحب يا أملي ... من لي سواك ومن أرجوه يا ذخر
ومن العارفين من إن بالموقف يتعلق بأذيال الرجاء قال ابن المبارك:
جئت إلى سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاث على ركبتيه وعيناه تهملان فقلت له: من أسوأ هذا الجمع حالا؟ قال: الذي يطن أن الله لا يغفر لهم وروي عن الفضيل أنه نظر إلى تسبيح الناس وبكائهم عشية عرفة فقال: أرأيتم لو أن هؤلاء ساروا إلى رجل فسألوا دانقا ـ يعني سدس درهم ـ أكان يردهم قالوا: لا قال: والله للمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق.
وإني لأدعو الله أطلب عفوه ... واعلم أن الله يعفو ويغفر
لئن أعظم الناس الذنوب فإنها ... وإن عظمت في رحمة الله تصغر
وعما قليل تقف إخوانكم بعرفة في ذلك الموقف فهنيئا لمن رزقه يجاورن إلى الله بقلوب محترقة ودموع مستبقة فكم فيهم من خائف أزعجه الخوف وأقلقه ومحب ألهبه الشوق وأحرقه وراج أحسن الظن بوعد الله وصدقه وتائب نصح لله في التوبة وصدقه وهارب لجأ إلى باب الله وطرقه فكم هنالك من مستوجب للنار أنقذه الله وأعتقه ومن أسير للأوزار فكه وأطلقه وحينئذ يطلع عليهم أرحم الرحماء ويباهي بجمعهم أهل السماء ويدنو ثم يقول: ما أراد هؤلاء؟ لقد قطعنا عند وصولهم الحرمان وأعطاهم نهاية سؤلهم الرحمن وهو الذي أعطى ومنع ووصل وقطع.
ما أصنع هكذا جرى المقدور ... الجبر لغيري وأنا المكسور
أسير ذنب مقيد مأسور ... هل يمكن أن يبدل المسطور
من فاته في هذا العام القيام بعرفة فليقم لله بحقه الذي عرفه من عجز عن المبيت بمزدلفة فليبت عزمه على طاعة الله وقد قربه وأزلفه من لم يمكنه القيام بأرجاء الخيف فليقم لله بحق الرجاء والخوف من لم يقدر على نحر هديه بمنا فليذبح هواه هنا وقد بلغ المنا من لم يصل إلى البيت لأنه منه بعيد فليقصد رب البيت فإنه أقرب إلى من دعاه ورجاه من حبل الوريد.
стр. 295
نفحت في هذه اليام نفحة من نفحات الأنس من رياض القدس على كل قلب أجاب إلى ما دعى يا همم العارفين بغير الله لا تقنعي يا عزائم الناسكين لجمع أنساك السالكين اجمعي لحب مولاك أفردي وبين خوفه ورجائه اقرني وبذكره تمتعي.
يا أسرار المحبين بكعبة الحب طوفي واركعي وبين صفاء الصفا ومروة المروى اسعي واسرعي وفي عرفات الغرفات قفي وتضرعي ثم إلى مزدلفة الزلفى فادفعي ثم إلى منى نيل المنى فارجعي فإذا قرب القرابين فقربي الأرواح ولا تمنعي لقد وضح الطريق ولكن قل السالك على التحقيق وكثر المدعي.
لئن لم أحج البيت أوشط ربعه ... حججت إلى من لا يغيب عن الذكر
فأحرمت من وقتي بخلع نقائصي ... أطوف وأسعى في اللطائف والبر
صفاي صفائي عن صفاتي ومروتي ... مروءة قلبي عن سوى حبه فقر
وفي عرفات الأنس بالله موقفي ... ومزدلفى الزلفى لديه إلى الحشر
وبت المنى مني مبيتي في منا ... ورمي جماري جمر شوقي في صدري
وأشعار هدي ذبح نفسي بقهرها ... وخلعي بمحو الكائنات عن السر
ومن رام نفرا بعد نسك فإنني ... مقيم على نسكي بلا نفر
стр. 296
المجلس الثالث في أيام التشريق .
خرج مسلم في صحيحه من حديث نبيشة الهذلي أن النبي ﷺ قال: "أيام منى أيام أكل وشرب وذكر الله " وخرجه أهل السنن والمسانيد من طرق متعددة عن النبي ﷺ وفي بعضها: أن النبي ﷺ بعث في أيام منى مناديا ينادي: "لا تصوموا هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وذكر الله " وفي رواية للنسائي: "أيام أكل وشرب وصلاة" وفي رواية للدارقطني بإسناد فيه ضعف: "أيام أكل وشرب وبعال" وفي رواية للإمام أحمد: "من كان صائما فليفطر فإنها أيام أكل وشرب" وفي رواية: أنها ليست أيام صيام.
أيام منى هي الأيام المعدودات التي قال الله فيها: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ
стр. 297
فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر وهي أيام التشريق هذا قول ابن عمر واكثر العلماء وروي عن ابن عباس وعطاء أنها أربعة أيام: يوم النحر وثلاثة أيام بعده وسماها عطاء أيام التشريق والأول أظهر وقد قال النبي ﷺ "أيام منى ثلاثة: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] " خرجه أهل السنن الأربعة من حديث عبد الرحمن بن يعمر عن النبي ﷺ وهذا صريح في أنها أيام التشريق.
وأفضلها أولها يوم القر لأن أهل منى يستقرون فيه ولا يجوز فيه النفر وفي حديث عبد الله بن قرط عن النبي ﷺ : "أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر" وقد روي عن سعيد بن المسيب: أن يوم الحج الأكبر هو يوم القر وهو غريب ثم يوم النفر الأول وهو أوسطها ثم يوم النفر الثاني وهو آخرها قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] قال كثير من السلف: يريد أن المتعجل والمتأخر يغفر له ويذهب عنه الإثم الذي كان عليه قبل حجه إذا حج فلم يرفث ولم يفسق ورجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه ولهذا قال تعالى: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣] فتكون التقوى شرطا لذهاب الإثم على هذا التقدير وتصير الآية دالة على ما صرح به قول النبي ﷺ : "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه" وقد أمر الله تعالى بذكره في هذه الأيام المعدودات كما قال النبي ﷺ : "إنها أيام أكل وشرب وذكر الله ".
وذكر الله المأمور به في أيامك التشريق أنواع متعددة:
منها: ذكر الله عقب الصلوات المكتوبات بالتكبير في أدبارها وهو مشروع إلى آخر أيام التشريق عند جمهور العلماء وقد روي عن عمر وعلي وابن عباس وفيه حديث مرفوع في إسناده ضعف.
ومنها: ذكره بالتسمية والتكبير عند ذبح النسك فإن وقت ذبح الهدايا والأضاحي يمتد إلى آخر أيام التشريق عند جماعة من العلماء وهو قول الشافعي ورواية عن الإمام أحمد وفيه حديث مرفوع: "كل أيام منى ذبح" وفي إسناده مقال وأكثر الصحابة على أن الذبح يختص بيومين من أيام التشريق مع يوم النحر وهو المشهور عن أحمد وقول مالك وأبي حنيفة والأكثرين.
ومنها: ذكر الله على الأكل والشرب فإن المشروع في الأكل والشرب أن يسمي الله في أوله ويحمده في آخره وفي الحديث عن النبي الله ﷺ :
стр. 298
"أن الله يرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها" وقد روي: أن من سمى على أول طعامه وحمد الله على آخره فقد أدى ثمنه ولم يسأل بعد عن شكره.
ومنها: ذكره بالتكبير عند رمي الجمار في أيام التشريق وهذا يختص به أهل الموسم.
ومنها: ذكر الله تعالى المطلق فإنه يستحب الإكثار منه في أيام التشريق وقد كان عمر يكبر بمنى في قبته فيسمعه الناس فيكبرون فترتج منى تكبيرا وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ [البقرة: ٢٠٠] إلى آخر الآية وقد استحب كثير من السلف كثرة الدعاء بهذا في أيام التشريق.
قال عكرمة: كان يستحب أن يقال في أيام التشريق: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] وعن عطاء قال: ينبغي لكل من نفر أن يقول حين ينفر متوجها إلى أهله: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] خرجهما عبد بن حميد في تفسيره وهذا الدعاء من أجمع الأدعية للخير وكان النبي ﷺ يكثر منه وروي: أنه كان أكثر دعائه وكان إذا دعا بدعاء جعله معه فإنه يجمع خير الدنيا والآخرة قال الحسن: الحسنة في الدنيا: العلم والعبادة وفي الآخرة: الجنة وقال سفيان: الحسنة في الدنيا: العلم والرزق الطيب وفي الآخرة: الجنة والدعاء من أفضل أنواع ذكر الله وقد روى زياد الجصاص عن أبي كنانة القرشي أنه سمع أبا موسى الأشعري يقول في خطبته يوم النحر بعد يوم النحر ثلاثة أيام التي ذكر الله الأيام المعدودات لا يرد فيهن الدعاء فارفعوا رغبتكم إلى الله .
وفي الأمر بالذكر عند انقضاء النسك معنى وهو أن سائر العبادات تنقضي ويفرغ منها وذكر الله باق لا ينقضي ولا يفرغ منه بل هو مستمر للمؤمنين في الدنيا والآخرة وقد أمر الله تعالى بذكره عند انقضاء الصلاة قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣] وقال في صلاة الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الجمعة: ١٠] وقال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ*وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧, ٨] روي عن ابن مسعود قال كان فإذا فرغت.
стр. 299
من الفرائض فانصب وعنه قوله: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٨] قال: في المسألة وأنت جالس وقال الحسن: أمره إذا فرغ من غزوة أن يجتهد في الدعاء والعبادة فالأعمال كلها يفرغ منها والذكر لا فراغ له ولا انقضاء والأعمال تنقطع بانقطاع الدنيا ولا يبقى منها شيء في الآخرة والذكر لا ينقطع المؤمن يعيش على الذكر ويموت عليه وعليه يبعث.
أحسبتموا أن الليالي غيرت ... عهد الهوى لا كان من يتغير
يفنى الزمان وليس يفنى ذكركم ... وعلى محبتكم أموت وأحشر
قال ذو النون: ما طابت الدنيا إلا بذكره ولا الآخرة إلا بعفوه ولا الجنة إلا برؤيته.
بذكر الله ترتاح القلوب ... ودنيانا بذكراه تطيب
إذا ذكر المحبوب عند حبيبه ... ترنح نشوان وحن طروب
فأيام التشريق يجتمع فيها للمؤمنين نعيم أبدانهم بالأكل والشرب ونعيم قلوبهم بالذكر والشكر وبذلك تتم النعم وكلما أحدثوا شكرا على النعمة كان شكرهم نعمة أخرى إلى شكر آخر ولا ينتهي الشكر أبدا.
إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... علي له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمر
في قول النبي ﷺ : "إنها أيام أكل وشرب وذكر الله " إشارة إلى أن الأكل في أيام الأعياد والشرب إنما يستعان به على ذكر الله تعالى وطاعته وذلك من تمام شكر النعمة أن يستعان بها على الطاعات وقد أمر الله تعالى في كتابه بالأكل من الطيبات والشكر له فمن استعان بنعم الله على معاصيه فقد كفر نعمة الله وبدلها كفرا وهو جدير أن يسلبها كما قيل:
إذا كنت في نعمة فارعها ... فإن المعاصي تزيل النعم
وداوم عليها بشكر الإله ... فشكر الإله يزيل النقم
وخصوصا نعمة الأكل من لحوم بهيمة الأنعام كما في أيام التشريق فإن هذه البهائم مطيعة وهي مسبحة له قانتة كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الاسراء: ٤٤] وإنها تسجد له كما أخبر بذلك في سورة النحل وسورة الحج وربما كانت أكثر ذكرا لله من بعض بني آدم وفي المسند مرفوعا:
стр. 300
"رب بهيمة خير من راكبها واكثر له منه ذكرا" وقد أخبر الله تعالى في كتابه أن كثيرا من الجن والإنس كالأنعام بل هم أضل.
فأباح الله ذبح هذه البهائم المطيعة الذاكرة له لعباده المؤمنين حتى تتقوى بها أبدانهم وتكمل لذاتهم في أكلهم اللحوم فإنها من أجل الأغذية وألذها مع أن الأبدان تقوم بغير اللحم من النباتات وغيرها لكن لا تكمل القوة والعقل واللذة إلا باللحم فأباح للمؤمنين قتل هذه البهائم والأكل من لحومها ليكمل بذلك قوة عباده وعقولهم فيكون ذلك عونا لهم على علوم نافعة وأعمال صالحة يمتاز بها بنو آدم على البهائم وعلى ذكر الله وهو أكثر من ذكر البهائم فلا يليق بالمؤمن مع هذا إلا مقابلة هذه النعم بالشكر عليها والإستعانة بها على طاعة الله وذكره حيث فضل الله ابن آدم على كثير من المخلوقات وسخر له هذه الحيوانات قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦] فأما من قتل هذه البهيمة المطيعة الذاكرة لله ثم استعان بأكل لحومها على معاصي الله ونسي ذكر الله فقد قلب الأمر وكفر النعمة فلا كان من كانت البهائم خيرا منه وأطوع.
نهارك يا مغرور سهو وغفلة ... وليلك نوم والردى لك لازم
وتتعب فيما سوف تكره غبه ... كذلك في الدنيا تعيش البهائم
وإنما نهى عن صيام أيام التشريق لأنها أعياد للمسلمين مع يوم النحر فلا تصام بمنى ولا غيرها عند جمهور العلماء خلافا لعطاء في قوله: إن النهي يختص بأهل منى وإنما نهي عن التطوع بصيامها سواء وافق عادة أو لم يوافق فأما صيامها عن قضاء فرض أو نذر أو صيامها بمنى للمتمتع إذا لم يجد الهدي ففيه اختلاف مشهور بين العلماء ولا فرق بين يوم منها ويوم عند الأكثرين إلا عند مالك فإنه قال في اليوم الثالث منها: يجوز صيامه عن نذر خاصة.
وفي النهي عن صيام هذه الأيام والأمر بالأكل فيها والشرب سر حسن وهو لله تعالى لما علم ما يلاقي الوافدون إلى بيته من مشاق السفر وتعب الإحرام وجهاد النفوس على قضاء المناسك شرع لهم الإستراحة عقب ذلك بالإقامة بمنى يوم النحر وثلاثة أيام بعده وأمرهم بالأكل فيها من لحوم نسكهم فهم في ضيافة الله فيها لطفا من الله بهم ورأفة ورحمة وشاركهم أيضا أهل الأمصار في ذلك لأن أهل الأمصار شاركوهم في حصول المغفرة والنصب لله،
стр. 301
والإجتهاد في عشر ذي الحجة بالصوم والذكر والإجتهاد في العبادات وشاركوهم في حصول المغفرة وفي التقرب إلى الله تعالى بإراقة دماء الأضاحي فشاركوهم في أعيادهم واشترك الجميع في الراحة في أيام الأعياد بالأكل والشرب كما اشتركوا جميعا في أيام العشر في الإجتهاد في الطاعة والنصب وصار المسلمون كلهم في ضيافة الله في هذه الأيام يأكلون من رزقه ويشكرونه على فضله.
ونهوا عن صيامهم لأن الكريم لا يليق به أن يجيع أضيافه فكأنه قيل للمؤمنين في هذه الأيام قد فرغ عملكم الذي عملتموه فما بقي لكم إلا الراحة فهذه الراحة بهذا كالتعب كما أريح الصائمون لله شهر رمضان بأمرهم بإفطار يوم عيد الفطر ويؤخذ من هذا إشارة إلى حال المؤمنين في الدنيا فإن الدنيا كلها أيام سفر كأيام الحج وهو زمان إحرام المؤمن عما حرم عليه من الشهوات فمن صبر في مدة سفره على إحرامه وكف عن الهوى فإذا انتهى سفر عمره ووصل إلى منى المنى فقد قضى تفثه ووفى نذره فصارت أيامه كلها كأيام منى أيام أكل وشرب وذكر الله وصار في ضيافة الله في جواره أبد الأبد ولهذا يقال لأهل الجنة: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور:١٩] ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤] وقد قيل: إنها نزلت في الصوام في الدنيا.
وقد صمت عن لذات دهري كلها ... ويوم لقاكم ذاك فطر صيامي
قال بعض السلف: صم عن الدنيا وليكن فطرك الموت.
فصم يومك الأدنى لعلك في غد ... تفوز الفطر والناس صوم
من صام اليوم عن شهواته أفطر عليها غدا بعد وفاته ومن تعجل ما حرم عليه من لذاته عوقب بحرمان نصيبه من الجنة وفواته شاهد ذلك من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة ومن لبس الحرير لم يلبسه في الآخرة.
أنت في دار شتات ... فتأهب لشتاتك
واجعل الدنيا كيوم ... صمته عن شهواتك
وليكن فطرك عند الله ... في يوم وفاتك
قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس:٢٥] الجنة ضيافة الله أعدها للمؤمنين نزلا فيها ما لا عين رأت ولا أذن.
стр. 302
سمعت ولا خطر على قلب بشر فبعث رسول الله ﷺ يدعو إليها بالإيمان والإسلام والإحسان فمن أجابه دخل الجنة وأكل من تلك الضيافة ومن لم يجب حرم.
خرج الترمذي عن جابر قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يوما فقال: "رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي فقال أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلا فقال: اسمع سمعت أذناك واعقل عقل قلبك: إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ دارا ثم بنى فيها بناء وجعل فيها مائدة ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من تركه فالله تعالى هو الملك والدار هي الإسلام والبيت الجنة وأنت يا محمد رسول الله من أجابك دخل الإسلام ومن دخل الإسلام دخل الجنة ومن دخل الجنة أكل فيها" وخرجه البخاري بمعناه ولفظه: "مثله كمثل رجل بنى دارا وجعل فيها مأدبة وبعث داعيا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة والدار الجنة والداعي محمد ﷺ ".
في بعض الآثار الإسرائلية يقول الله تعالى: "ابن آدم ما أنصفتني أذكرك وتنساني أدعوك إلى إلي فتفر مني إلى غيري وأذهب عنك البلايا وأنت منعكف على الخطايا ابن آدم ما يكون اعتذارك غدا إذا جئتني" طوبى لمن أجاب مولاه: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الاحقاف: ٣١] .
يا نفس ويحك قد أتاك هواكي ... أجيبي فداعي الحق قد ناداكي
كم قد دعيت إلى الرشاد فتعرضي ... وتجيبي داعي الغي حين دعاكي
كل ما في الدنيا يذكر بالآخرة فمواسمها وأعيادها وأفراحها تذكر بمواسم الآخرة وأعيادها وأفراحها صنع عبد الواحد بن زيد طعاما لإخوانه فقام عتبة الغلام على رؤوس الجماعة يخدمهم وهو صائم فجعل عبد الواحد ينظر إليه ويسارقه النظر ودموع عتبة تجري فسأله بعد ذلك عن بكائه حينئذ فقال: ذكرت موائد الجنة والولدان قائمون على رؤوسهم فصعق عبد الواحد: أبدان العارفين في الدنيا وقلوبهم في الآخرة.
جسمي معي غير أن الروح عندكم ... فالجسم في غربة والروح في وطن
أعياد الناس تنقضي فأما أعياد العارفين فدائمة قال الحسن: كل يوم لا.
стр. 303
تعصي الله فهو لك عيد جاء بعضهم إلى بعض العارفين فسلم عليه وقال له: أريد أن أكلمك فقال: اليوم لنا عيد فتركه ثم جاء يوما آخر فقال له مثل ذلك ثم جاء يوما آخر فقال له مثل ذلك فقال له: ما أكثر أعيادك قال: يا بطال أما علمت أن كل يوم لا تعصي الله فيه فهو لنا عيد أوقات العارفين كلها فرح وسرور بمناجاة مولا هم وذكره فهي أعياد وكان الشبلي ينشد:
إذا ما كنت لي عيدا ... فما أصنع بالعيد
جرى حبك في قلبي ... كجري الماء في العود
وأنشد أيضا:
عيدي مقيم وعيد الناس منصرف ... والقلب مني عن اللذات منحرف
ولي قرينان مالي منهما خلف ... طول الحنين وعين دمعها يكف
стр. 304
المجلس الرابع في ختام العام
خرج الإمام أحمد من حديث جابر عن النبي ﷺ قال: "لا تتمنوا الموت فإن هول المطلع شديد وإن من السعادة أن يطول عمر العبد ويرزقه الله الإنابة" فتمني الموت يقع على وجوه:
منها: تمنيه لضر دنيوي ينزل بالعبد فينهى حينئذ عن تمني الموت وفي الصحيحين عن أنس عن النبي ﷺ قال: "لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به فإن كان لا بد فاعلا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي" ووجه كراهيته في هذا الحال أن المتمني للموت لضر نزل به إنما يتمناه تعجيلا للإستراحة من ضره وهو لا يدري إلى ما يصير بعد الموت فلعله يصير إلى ضر أعظم من ضره فيكون كالمستجير من الرمضاء بالنار وفي الحديث عن النبي ﷺ قال: "إنما يستريح من غفر له" فلهذا لا ينبغي له أن يدعو بالموت إلا أن يشترط أن يكون خيرا له عند الله فكذلك كل ما يعلم العبد فيه الخيرة له كالغنى والفقر وغيرهما كما يشرع له استخارة الله تعالى فيما يريد أن يعمله مما لا يعلم وجه الخيرة فيه وإنما يسأل الله على وجه الجزم
стр. 305
والقطع مما يعلم أنه خير محض كالمغفرة والرحمة والعفو والعافية والتقى والهدى ونحو ذلك.
ومنها: تمنيه خوف الفتنة في الدين فيجوز حينئذ وقد تمناه ودعا به خشية فتنة الدين خلق من الصحابة وأئمة الإسلام وفي حديث المنام: "وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون".
ومنها: تمني الموت عند حضور أسباب الشهادة اغتناما لحضورها فيجوز ذلك أيضا وسؤال الصحابة الشهادة وتعرضهم لها عند حضور الجهاد كثير مشهور وكذلك سؤال معاذ لنفسه وأهل بيته الطاعون لما وقع بالشام.
ومنها: تمني الموت لمن وثق بعمله شوقا إلى لقاء الله فهذا يجوز أيضا وقد فعله كثير من السلف قال أبو الدرداء: أحب الموت اشتياقا إلى ربي وقال أبو عنبسة الخولاني: كان من قبلكم لقاء الله أحب إليه من الشهد.
وقال بعضهم: طال شوقي إليك فعجل قدومي عليك وقال بعضهم: لا تطيب نفسي بالموت إلا إذا ذكرت لقاء الله فإنني حينئذ أشتاق إلى الموت كشوق الظمآن الشديد ظمؤه في اليوم الحار الشديد حره إلى الماء البارد الشديد برده وفي هذا يقول بعضهم:
أشتاق إليك يا قريبا نائي ... شوق ظأم إلى الزلال الماء
وقد دل على جواز ذلك قول الله : ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ [البقرة: ٩٤] وقوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ [الجمعة: ٦] فدل ذلك على أن أولياء الله لا يكرهون الموت بل يتمنوه ثم أخبر أنهم: ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [الجمعة: ٧] فدل على: أنه يكره الموت من له ذنوب يخاف القدوم عليها كما قال بعض السلف: ما يكره الموت إلا مريب وفي حديث عمار بن ياسر عن النبي ﷺ : "أسألك لذة النظر إلى وجهك وشوقا إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة" فالشوق إلى لقاء الله تعالى إنما يكون بمحبة الموت وذلك لا يقع غالبا إلا عند خوف ضراء مضرة في الدنيا أو فتنة مضلة في الدين فأما إذا خلا عن ذلك كان شوقا إلى لقاء الله وهو المسؤول في هذا الحديث وفي المسند عن أبي
стр. 306
هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا يتمنين الموت إلا من وثق بعمله" فالمطيع لله مستأنس بربه فهو يحب لقاء الله والله يحب لقاءه والعاصي مستوحش بينه وبين مولاه وحشة الذنوب فهو يكره لقاء ربه ولا بد له منه قال ذو النون: كل مطيع مستأنس وكل عاص مستوحش وفي هذا يقول بعضهم:
أمستوحش أنت مما جنيت ... فاحسن إذا شئت واستأنس
قال أبو بكر الصديق لعمر ﵄ في وصيته له عند الموت: أن حفظت وصيتي لم يكن غائب أحب إليك من الموت ولا بد لك منه وإن ضيعتها لم يكن غائب أكره إليك من الموت ولن تعجزه قال أبو حازم: كل عمل تكره الموت من أجله فاتركه ثم لا يضرك متى مت العاصي يفر من الموت لكراهية لقاء الله وأين يفر من هو في قبضة من يطلبه.
أين المفر والإله الطالب ... والمجرم المغلوب ليس الغالب
سئل أبو حازم: كيف القدوم على الله؟ قال: أما المطيع فقدوم الغائب على أهله المشتاقين إليه وأما العاصي فكقدوم الآبق على سيده الغضبان.
رؤي بعض الصالحين في النوم فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: خيرا لم ير مثل الكريم إذا حل به مطيع الدنيا كلها شهر صيام المتقين وعيد فطرهم يوم لقاء ربهم كما قيل:
وقد صمت عن لذات دهري كلها ... ويوم لقائكم ذاك فطر صيامي
ومنها: تمني الموت على غير الوجوه المتقدمة فقد اختلف العلماء في كراهيته واستحبابه وقد رخص فيه جماعة من السلف وكرهه آخرون وحكى بعض أصحابنا عن أحمد في ذلك روايتين ولا يصح فإن أحمد إنما نص على كراهة تمني الموت لضرر الدنيا وعلى جواز تمنيه خشية الفتنة في الدين وربما أدخل بعضهم في هذا الإختلاف القسم الذي قبله وفي ذلك نظر واستدل من كرهه بعموم النهي عنه كما في حديث جابر الذي ذكرناه وفي معناه أحاديث أخر يأتي بعضها إن شاء الله تعالى وقد علل النهي عن تمني الموت في حديث جابر بعلتين:
إحداهما: أن هول المطلع شديد وهول المطلع: هو ما يكشف للميت عند حضور الموت من الأهوال التي عهد له بشيء منها في الدنيا من رؤية الملائكة
стр. 307
ورؤية أعماله من خير أو شر وما يبشر به عند ذلك من الجنة والنار هذا مع ما يلقاه من شدة الموت وكربه وغصصه وفي الحديث الصحيح: "إذا حملت الجنازة وكانت صالحة قالت: قدموني قدموني وإن كانت غير ذلك قالت: يا ويلها أين تذهبون بها يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان ولو سمعها الإنسان لصعق" قال الحسن: لو أعلم ابن آدم أن له في الموت راحة وفرحا لشق عليه أن يأتيه الموت لما يعلم من فظاعته وشدته وهوله فكيف وهو لا يعلم ما له في الموت نعيم دائم أو عذب مقيم.
بكى النخعي عند احتضاره وقال: انتظر ملك الموت لا أدري يبشرني بالجنة أو النار فالمتمني للموت كأنه يستعجل حلول البلاء وإنما أمرنا بسؤال العافية وسمع ابن عمر رجلا يتمنى الموت فقال: لا تتمنى الموت فإنك ميت ولكن سل الله العافية قال إبراهيم بن أدهم: إن للموت كأسا لا يقوى عليها إلا خائف وجل مطيع لله كان يتوقعها وقال أبو العتاهية:
ألا للموت كأس أي كأس ... وأنت لكأسه لا بد حاسي
إلى كم والممات إلى قريب ... تذكر بالممات وأنت ناسي
جزع الحسن بن علي ﵄ عند موته وقال: إني أريد أن أشرف على ما لم أشرف عليه قط وبكى الحسن البصري عند موته وقال: نفيسة ضعيفة وأمر مهول عظيم وإنا لله وإنا إليه راجعون وكان حبيب العجمي عند موته يبكي ويقول: أريد أن أسافر سفرا ما سافرته قط وأسلك طريقا ما سلكته قط وأزور سيدي ومولاي وما رأيته قط وأشرف على أهوال ما شاهدتها قط فهذا كله من هول المطلع الذي قطع قلوب الخائفين حتى قال عمر عند موته: لو أن لي ما في الأرض لافتديت به من هول المطلع ومن هول المطلع ما يكشف للميت عند نزوله قبره من فينة القبر فإن الموتى يفتنون بالمسألة في قبورهم مثل أو قريبا من فتنة المسيح الدجال وما يكشف لهم في قبورهم عن منازلهم من الجنة والنار وما يلقون من ضمة القبر وضيقته وهوله وعذابه إن لم يعاف الله من ذلك.
رؤي بعض الصالحين في المنام بعد موته فسئل عن حاله فأنشد:
وليس يعلم ما في القبر داخله ... إلا الإله وساكن الأجداث
والعلة الثانية: أن المؤمن لا يزيد عمره إلا خيرا فمن سعادته أن يطول عمره ويرزقه الله الإنابة إليه والتوبة من ذنوبه السالفة والإجتهاد في العمل الصالح فإذا
стр. 308
تمنى الموت فقد تمنى إقطاع عمله الصالح فلا ينبغي له ذلك وروى إبراهيم الحربي من رواية ابن لهيعة عن ابن الهاد عن ابن المطلب عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "السعادة طول العمر في طاعة الله " وقد روي هذا المعنى عن النبي ﷺ من وجوه متعددة ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يتمنين أحدكم الموت أما محسنا فلعله أن يزداد خيرا وإما مسيئا فلعله أن يستعتب" وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "لا يتمنين أحدكم الموت ولا يدع به من قبل أن يأتيه إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا" وفي مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا يتمنين أحدكم الموت ولا يدع به من قبل أن يأتيه إلا أن يكون قد وثق بعمله فإنه إن مات أحدكم انقطع عنه عمله وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا" وفيه عن أم الفضل ﵂ أن النبي ﷺ سمع العباس وهو يشتكي فتمنى الموت فقال: "لا تتمنى الموت فإنك إن كنت محسنا تزداد إحسانا وإن كنت مسيئا فإن تؤخر تستعب من إساءتك خير لك" وفيه أيضا عن أبي أمامة ﵁ قال: جلسنا إلى رسول الله ﷺ فذكرنا ورققنا فبكى سعد بن أبي وقاص فأكثر البكاء وقال: يا ليتني مت فقال النبي ﷺ : "يا سعد إن كنت خلقت للجنة فما طال من عمرك وحسن من عملك فهو خير لك".
وفي المعنى أحاديث أخر كثيرة وكلها تدل على النهي عن تمني الموت بكل حال وأن طول عمر المؤمن خير له فإنه يزداد فيه خيرا وهذا قد قيل إنه يدخل فيه تمنيه للشوق إلى لقاء الله وفيه نظر فإن النبي ﷺ قد تمناه في تلك الحال واختلف السالكون أيما أفضل من تمنى الموت شوقا إلى لقاء الله أو من تمنى الحياة رغبة في طاعة الله أو من فوض الأمر إلى الله ورضي باختياره له ولم يختر لنفسه شيئا واستدل طائفة من الصحابة على تفضيل الموت على الحياة بقول الله : ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨] ولكن الأحاديث الصحيحة تدل على أن عمر المؤمن كلما طال ازداد بذلك ما له عند الله من الخير فلا ينبغي له أن يتمنى انقطاع ذلك اللهم إلا أن يخشى الفتنة على دينه فإنه إذا خشي الفتنة على دينه فقد خشي أن يفوته ما عند الله من خير ويتبدل ذلك بالشر عياذا بالله من ذلك والموت خير من الحياة على هذه الحال.
قال ميمون بن مهران: لا خير في الحياة إلا لتائب أو رجل يعمل في الدرجات يعني أن التائب يمحو بالتوبة ما سلف من السيئات والعامل يجتهد في
стр. 309
علو الدرجات ومن عداهما فهو خاسر كما قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١, ٣] فأقسم الله تعالى أن كل إنسان خاسر إلا من اتصف بهذه الأوصاف الأربعة: الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر على الحق فهذه السورة ميزان للأعمال يزين المؤمن بها نفسه فيبين له بها ربحه من خسرانه ولهذا قال الشافعي ﵁: لو فكر الناس كلهم فيها لكفتهم.
رأى بعض المتقدمين النبي ﷺ في منامه فقال له أوصني؟ فقال له: من استوى يوماه فهو مغبون وكان يومه شرا من أمسه فهو ملعون ومن لم يتفقد الزيادة في عمله فهو في نقصان ومن كان في نقصان فالموت خير له قال بعضهم: كان الصديقون يستحيون من الله أن يكونوا اليوم على مثل حالهم بالأمس يشير إلى أنهم كانوا لا يرضون كل يوم إلا بالزيادة من عمل الخير ويستحيون من فقد ذلك ويعدونه خسرانا كما قيل:
أليس من الخسران أن لياليا ... تمر بلا نفع وتحسب من عمري
فالمؤمن القائم بشروط الإيمان لا يزداد بطول عمره إلا خيرا ومن كان كذلك فالحياة خير له من الموت وفي دعاء النبي ﷺ : "اللهم اجعل الحياة زيادة لي في كل خير والموت راحة لي من كل شر" خرجه مسلم وفي الترمذي عنه ﷺ أنه سئل: أي الناس خير؟ قال: "من طال عمره وحسن عمله" قيل: فأي الناس شر؟ قال: "من طال عمره وساء عمله" وفي المسند وغيره: أن نفرا ثلاثة قدموا النبي ﷺ فأسلموا فكانوا عند طلحة فبعث النبي ﷺ بعثا فخرج فيهم أحدهم فاستشهد ثم بعث بعثا آخر فخرج منهم فاستشهد ثم مات الثالث على فراشه قال طلحة: فرأيتهم في الجنة فرأيت الميت على فراشه أمامهم ورأيت الذي استشهد آخرا يليه ورأيت الذي استشهد أولهم آخرهم فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال: "وما أنكرت من ذلك ليس أفضل عند الله من مؤمن يعمر في الإسلام لتسبيحه وتكبيره وتهليله" وفي رواية قال "أليس قد مكث هذا بعده سنة"؟ قالوا: بلى قال: "وأدرك رمضان فصامه"؟ قالوا: بلى قال: "وصلى كذا وكذا سجدة في السنة"؟ قالوا: بلى قال: " فلما بينهما أبعد ما بين السماء والأرض".
قيل لبعض السلف طاب الموت قل: لا تفعل لساعة تعيش فيها.
стр. 310
تستغفر الله خير لك من موت الدهر وقيل لشيخ كبير منه: تحب الموت؟ قال: لا قيل: ولم؟ قال: ذهب الشباب وشره وجاء الكبر وخيره فإذا قمت قلت: بسم الله وإذا قعدت قلت: الحمد لله فأنا أحب أن يبقى لي هذا وقيل لشيخ آخر منهم: ما بقي مما تحب له الحياة قال: البكاء على الذنوب ولهذا كان السلف الصالح يتأسفون عند موتهم على انقطاع أعمالهم عنهم بالموت وبكى معاذ عند موته وقال: إنما أبكي على ظمأ الهواجر وقيام ليل الشتاء ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر وبكى عبد لرحمن بن الأسود عند موته وقال: وا أسفاه على الصوم والصلاة ولم يزل يتلو القرآن حتى مات وبكى يزيد الرقاشي عند موته وقال: أبكي على ما يفوتني من قيام الليل وصيام النهار ثم بكى وقال: من يصلي لك يا يزيد بعدك ومن يصوم ومن يتقرب لك بالأعمال الصالحة ومن يتوب لك من الذنوب السالفة وجزع بعضهم عند موته وقال: إنما أبكي على أن يصوم الصائمون لله ولست فيهم ويصلي المصلون ولست فيهم ويذكر الذاكرون ولست فيهم فذلك الذي أبكاني.
تحمل أصحابي ولم يجدوا وجدي ... وللناس أشجان ولي شجن وحدي
أحبكم ما دمت حيا فإن أمت ... فوا أسفى ممن يحبكم بعدي
في الترمذي عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: "ما من ميت مات إلا ندم: إن كان محسنا ندم أن لا يكون ازداد وإن كان مسيئا ندم أن لا يكون استعتب" إذا كان المحسن يندم على ترك الزيادة فكيف يكون حال المسيء رأى بعض المتقدمين في المنام قائلا يقول له:
يا خد إنك إن توسد لينا ... وسدت بعد الموت صم الجندل
فاعمل لنفسك في حياتك صالحا ... فلتقدمن غدا إذا لم تفعل
ورأى آخر في المنام قائلا يقول له:
إن كنت لا ترتاب أنك ميت ... ولست لبعد الموت ما أنت تعمل
فعمرك ما يفنى وأنت مفرط ... واسمك في الموتى معد محصل
رؤي بعض الموتى في المنام فقال: ما عندنا أكثر من الندامة ولا عندكم أكثر من الغفلة وجد على قبر مكتوب:
ندمت على ما كان مني ندامة ... ومن يتبع ما تشتهي النفس يندم
стр. 311
ألم تعلم أن الحساب أمامكم ... وأن وراءكم طالبا ليس يسأم
فخافوا لكيما تأمنوا بعد موتكم ... ستلقون ربا عادلا ليس يظلم
فليس لمغرور بدنياه راحة ... سيندم إن زلت له النعل فاعلموا
الموتى في قبورهم يتحسرون على زيادة في أعمالهم بتسبيحة وبركعة ومهم من يسأل الرجعة إلى الدنيا لذلك فلا يقدرون على ذلك قد حيل بينهم وبين العمل غلقت منهم الرهون ورؤي بعضهم في المنام فقال: ندمنا على أمر عظيم نعلم ولا نعمل وأنتم تعملون ولا تعلمون والله لتسبيحة أو تسبيحتان أو ركعة أو ركعتان في صحيفة أحدنا أحب إليه من الدنيا وما فيها.
قال بعض السلف: كل يوم يعيش فيه المؤمن غنيمة وقال بعضهم بقية عمر المؤمن لا قيمة له يعني أنه يمكنه أن يمحو فيه ما سلف منه من الذنوب بالتوبة وأن يجتهد فيه في بلوغ الدرجات العالية بالعمل الصالح فأما من فرط في بقية عمره فإنه خاسر فإن ازداد فيه من الذنوب فذلك هو الخسران المبين الأعمال بالخواتيم من أصلح فيما بقي غفر له ما مضى ومن أساء فيما بقي أخذ بما بقي وما مضى.
يا بائع عمره مطيعا أمله ... في معصية الله كفعل الجهلة
إن ساومك الجهل باقيه فقل ... باقي عمر المؤمن لا قيمة له
ما مضى من العمر وإن طالت أوقاته فقد ذهب لذاته وبقيت تبعاته وكأنه لم يكن إذا جاء الموت وميقاته قال الله : ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ*ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ، مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥, ٢٠٧] تلا بعض السلف هذه الآية وبكى وقال: إذا جاء الموت لم يغن عن المرء ما كان فيه من اللذة والنعيم وفي هذا المعنى ما أنشده أبو العتاهية للرشيد حين بنى قصره واستدعى إليه ندماءه.
عش ما بدا لك سالما ... في ظل شاهقة القصور
يسعى عليك بما اشتهيت ... لدى الرواح وفي البكور
فإذا النفوس تقعقعت ... في ضيق حشرجة الصدور
فهناك تعلم موقنا ... ما كنت إلا في غرور
وفي صحيح البخاري عن النبي ﷺ قال: " أعذر الله إلى من بلغه ستين من
стр. 312
عمره" وفي الترمذي " أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك" وفي رواية: " حصاد أمتي من بلغ الخمسين فقد تنصف المائة فماذا ينتظر".
لهفي على خمسين عاما قد مضت ... كانت أمامي ثم خلفتها
لو كان عمر بمائة هدني ... تذكري أني تنصفتها
في بعض الكتب السالفة: إن لله مناديا ينادي كل يوم: أبناء الخمسين زرع دنا حصاده أبناء الستين هلموا إلى الحساب أبناء السبعين ماذا قدمتم وماذا أخرتم أبناء الثمانين لا عذر لكم ليت الخلق لم يخلقوا وليتهم إذ خلقوا علموا لماذا خلقوا وتجالسوا بيهم فتذاكروا ما عملوا ألا أتتكم الساعة فخذوا حذركم.
وقال وهب: إن لله مناديا ينادي في السماء الرابعة كل صباح: أبناء الأربعين زرع دنا حصاده أبناء الخمسين ماذا قدمتم وما أخرتم أبناء الستين لا عذر لكم.
وفي حديث: "إن الله يقول للحفظة ارفقوا بالعبد ما دامت حداثته فإذا بلغ الأربعين حققا وتحفظا" فكان بعض رواته يبكي عند روايته ويقول: حين كبرت السن ورق العظم وقع التحفظ قال مسروق: إذا أتتك الأربعون فخذ حذرك وقال النخعي: كان يقال لصاحب الأربعين احتفظ بنفسك وكان كثير من السلف إذا بلغ الأربعين تفرغ للعبادة وقال عمر بن عبد العزيز: تمت حجة الله على ابن الأربعين فمات لها ورأى في منامه قائلا يقول له:
إذا ما أتتك الأربعون فعندها ... فاخش الإله وكن للموت حذارا
يا أبناء العشرين كم مات من أقرانكم وتخلفتم يا أبناء الثلاثين أصبتم بالشباب على قرب من العهد فما تأسفتم يا أبناء الأربعين ذهب الصبا وأنتم على اللهو قد عكفتم يا أبناء الخمسين تنصفتم المائة وما أنصفتم يا أبناء الستين أنتم على معترك المنايا قد أشرفتم أتلهون وتلعبون لقد أسرفتم.
وإذا تكامل للفتى من عمره ... خمسون وهو إلى التقى لم يجنح
عكفت عليه المخزيات فما له ... متأخر عنها ولا متزحزح
وإذا رأى الشيطان غرة وجهه ... حيا وقال فديت من لا يفلح
قال الفضيل لرجل: كم أتى عليك؟ قال: ستون سنة قال له: أنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك يوشك أن تصل.
стр. 313
وإن امرءا قد سار ستين حجة ... إلى منهل من ورده لقريب
يا من يفرح بكثرة مرور السنين عليه إنما تفرح بنقص عمرك قال أبو الدرداء والحسن ﵄: إنما أنت أيام كلما مضى منك يوم مضى بعضك.
إنا لنفرح بالأيام نقطعها ... وكل يوم مضى يدني من الأجل
فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهدا ... فإنما الربح والخسران في العمل
قال بعض الحكماء: كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره وشهره يهدم سنته وسنته تهدم عمره؟ كيف يفرح من يقوده عمره إلى أجله وحياته إلى موته؟.
نجد سرورا بالهلال إذا بدا ... وما هو إلا السيف للحتف ينتضى
إذا قيل تم الشهر فهو كناية ... وترجمة عن شطر عمر قد انقضى
قال الحسن: الموت معقود بنواصيكم والدنيا تطوى من ورائكم وهي مراحل.
نسير إلى الآجال في كل لحظة ... وأعمارنا تطوى وهن مراحل
ترحل من الدنيا بزاد من التقى ... فعمرك أيام وهن قلائل
قال بعض الحكماء: من كانت الليالي والأيام مطاياه سارتا به وإن لم يسر.
وما هذه الأيام إلا مراحل ... يحث بها حاد إلى الموت قاصد
وأعجب شيء لو تأملت أنها ... منازل تطوى والمسافر قاعد
يا من كلما طال عمره زاد ذنبه يا من كلما ابيض شعره بمرور الأيام اسود بالآثام قلبه.
شيخ كبير له ذنوب ... تعجز عن حملها المطايا
قد بيضت شعره الليالي ... وسودت قلبه الخطايا
يا من تمر عليه سنة بعد سنة وهو مستثقل في نوم الغفلة والسنة يا من يأتي عليه عام بعد عام وقد غرق في بحر الخطايا فعام يا من يشاهد الآيات والعبر كلما توالت عليه الأعوام والهور ويسمع الآيات والسور ولا ينتفع بما يسمع ولا بما يرى من عظائم الأمور ما الحيلة فيمن سبق عليه الشقاء في الكتاب المسطور: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]ـ ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] .
стр. 314
خليلي كم من ميت قد حضرته ... ولكنني لم أنتفع بحضوري
وكم من ليالي قد أرتني عجائبا ... لهن وأيام خلت وشهور
وكم من سنين قد طوتني كثيرة ... وكم من أمور قد جرت وأمور
ومن لم يزده السن ما عاش عبرة ... فذاك الذي لا يستنير بنور
стр. 315
فصل ـ ويلتحق بوظائف شهور السنة الهلالية وظائف فصول السنة الشمسية
المجلس الأول: في ذكر فصل الربيع
...
فصل ـ ويلتحق بوظائف شهور السنة الهلالية وظائف فصول السنة الشمسية.
وفيه ثلاث مجالس:
المجلس الأول في ذكر فصل الربيع.
خرجا في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض" قيل: ما بركات الأرض؟ قال: "زهرة الدنيا" فقال له رجل: هل يأتي الخير بالشر؟ فصمت رسول الله ﷺ حتى ظننت أنه سينزل عليه ثم جعل يمسح عن جبينه قال: أين السائل؟ قال: أنا قال: "لا يأتي الخير إلا بالخير إن هذا المال خضرة حلوة وإن كل ما أنبت الربيع يقتل حبطا أو يلم إلا آكلة الخضر أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت الشمس فاجترت وثلطت وبالت ثم عادت فأكلت وإن هذا المال خضرة حلوة من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو وإن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع".
كان النبي ﷺ يتخوف على أمته من فتح الدنيا عليهم فيخاف عليهم الإفتتان بها ففي الصحيحين عن عمرو بن عوف أن النبي ﷺ قال للأنصار لما جاءه مال
стр. 316
من البحرين: "أبشروا وأملوا ما يسركم فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم ما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم" وكان آخر خطبة خطبها على المنبر حذر فيها من زهرة الدنيا ففي الصحيحين عن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ صعد المنبر فقال: "إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها فتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم" قال قال عقبة: فكان آخر ما رأيت من رسول الله ﷺ على المنبر.
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: "إذا افتتحت عليكم خزائن فارس والروم أي قوم أنتم"؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: نقول كما أمرنا الله فقال رسول الله ﷺ : "أو غير ذلك تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون ثم تتباغضون" وفي المسند عن عمر عن النبي ﷺ قال: "لا تفتح الدنيا على أحد إلا ألقى الله بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة" قال عمرو: أنا أشفق من ذلك وفيه أيضا عن أبي ذر: أن أعرابيا قال: يا رسول الله أكلتنا الضبع يعني السنة والجدب فقال النبي ﷺ : "غير ذلك أخوف مني عليكم حين تصب عليكم الدنيا صبا فليت أمتي لا يلبسون الذهب" وفي رواية الديباج وفيه أيضا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ما أخشى عليكم الفقر ولكني أخشى عليكم التكاثر" ويروى من حديث عوف بن مالك وأبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: "الفقر تخافون والذي نفسي بيده لتصبن عليكم الدنيا صبا حتى لا يزيغ قلب أحدكم إن أزاغه إلا هي" وفي رواية عوف: "فإن الله فاتح عليكم فارس والروم" وفي المعنى أحاديث أخر.
وفي الترمذي أنه ﷺ قال: "لكل أمة فتنة وإن فتنة أمتي المال" فقوله ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري: "إن أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض" ثم فسره بزهرة الدنيا ومراده: ما يفتح على أمته منها من ملك فارس والروم وغيرهم من الكفار الذين ورثت هذه الأمة ديارهم وأموالهم وأراضيهم التي تخرج منها زروعهم وثمارهم وأنهارهم ومعادنهم وغير ذلك مما يخرج من بركات الأرض وهذا من أعظم المعجزات وهو إخباره بظهور أمته على كنوز فارس والروم وأموالهم وديارهم ووقع على ما أخبر به ولكنه لما سمى ذلك ببركات الأرض وأخبر أنه أخوف ما يخافه عليهم أشكل ذلك على بعض من سمعه حيث سماه بركة ثم خاف منه أشد الخوف فإن البركة إنما هي خير ورحمة.
стр. 317
وقد سمى الله تعالى المال خيرا في مواضع كثيرة من القرآن فقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات:٨] وقال: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] وقال تعالى عن سليمان ﵇: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [صّ: ٣٢] فلما سأله السائل: هل يأتي الخير بالشر صمت النبي ﷺ حتى ظنوا أنه أوحي إليه والظاهر أن الأمر كان كذلك ويدل عليه أنه ورد في رواية لمسلم في هذا الحديث: "فأفاق يمسح عنه الرحضاء" ـ وهو العرق ـ وكان النبي ﷺ إذا أوحي إليه يتحدر منه مثل الجمان من العرق من شدة الوحي وثقله عليه وفي هذا دليل على أنه ﷺ كان إذا سئل عن شيء لم يكن أوحي إليه فيه شيء انتظر الوحي فيه ولم يتكلم فيه بشيء حتى يوحى إليه فيه فلما نزل عليه جواب ما سئل عنه قال: "أين السائل؟ " قال: ها أنا فقال النبي ﷺ : "إن الخير لا يأتي إلا بالخير" وفي رواية لمسلم فقال: "أو خير هو؟ " وفي ذلك دليل على: أن المال ليس بخير على الإطلاق بل منه خير ومنه شر ثم ضرب مثل المال ومثل من يأخذه بحقه ويصرفه في حقه ومن يأخذه من غير حقه ويصرفه في غير حقه فالمال في حق الأول خير وفي حق الثاني شر فتبين بهذا أن المال ليس بخير مطلق بل هو خير مقيد فإن استعان به المؤمن على ما ينفعه في آخرته كان خيرا له وإلا كان شرا له فأما المال فقال: "إنه خضرة حلوة".
وقد وصف المال والدنيا بهذا الوصف في أحاديث كثيرة: ففي الصحيحين عن حكيم بن حزام أنه سأل النبي ﷺ فأعطاه ثم سأله فأعطاه ثم سأله فقال له النبي ﷺ : "يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع" وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الدنيا خضرة حلوة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء" واستخلافهم فيها هو ما أورثهم الله منها مما كان في أيدي الأمم من قبلهم كفارس والروم وحذرهم من فتنة الدنيا وفتنة النساء خصوصا فإن النساء أول ما ذكره الله من شهوات الدنيا ومتاعها في قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤] .
وفي المسند والترمذي عن خولة بنت قيس عن النبي ﷺ قال: "إن هذا المال
стр. 318
خضرة حلوة فمن أصابه بحقه بورك له فيه ورب متخوض فيما شاءت نفسه من مال الله ورسوله ليس له يوم القيامة إلا النار" وفي المسند أيضا عن خولة بنت ثامر الأنصارية عن النبي ﷺ قال: "إن الدنيا خضرة حلوة وإن رجالا سيخوضون في مال الله بغير حق لهم النار يوم القيامة" وخرج البخاري من قوله: "إن رجالا" إلى آخره وفي المسند أيضا عن عائشة عن النبي ﷺ قال: "إن هذه الدنيا خضرة حلوة فمن آتيناه منها شيئا بطيب نفس أو طيب طعمة ولا إسراف بورك له فيه ومن آتيناه منها شيئا بغير طيب نفس منا وغير طعمة وإسراف منه لم يبارك له فيه" وفي المعنى أحاديث أخر.
وقوله ﷺ : " إن مما ينبت الربيع يقتل حبطا أو يلم إلا أكلة الخضر" مثل آخر ضربه ﷺ لزهرة الدنيا وبهجة منظرها وطيب نعيمها وحلاوته في النفوس فمثله كمثل نبات الربيع وهو المرعى الخضر الذي ينبت في زمان الربيع فإنه يعجب الدواب التي ترعى فيه وتستطيبه وتكثر من الأكل منه أكثر من قدر حاجتها لاستحلائها له فأما أن يقتلها فتهلك وتموت حبطا والحبط: انتفاخ البطن من كثرة الأكل أو يقارب قتلها ويلم به فتمرض منه مرضا مخوفا مقاربا للموت فهذا مثل من يأخذ من الدنيا بشره وجوع نفس من حيث لاحت له لا بقليل يقنع ولا بكثير يشبع ولا يحلل ولا يحرم بل الحلال عنده ما حل بيده وقدر عليه والحرام عنده ما منع منه وعجز عنه فهذا هو المتخوض في مال الله ورسوله فيما شاءت نفسه وليس له إلا النار يوم القيامة كما في حديث خولة المتقدم.
والمراد بمال الله ومال رسوله: الأموال التي يجب على ولاة الأمور حفظها وصرفها في طاعة الله ورسوله من أموال الفيء والغنائم ويتبع ذلك مال الخراج والجزية وكذا أموال الصدقات التي تصرف للفقراء والمساكين كمال الزكاة والوقف ونحو ذلك وفي هذا تنبيه على أن من تخوض من الدنيا في الأموال المحرم أكلها كمال الربا ومال الأيتام الذي من أكله أكل نارا والمغضوب والسرقة والغش في البيوع والخداع والمكر وجحد الأمانات والدعاوى الباطلة ونحوها من الحيل المحرمة أولى أن يتخوض صاحبها في نار جهنم غدا فكل هذه الأموال وما أشبهها يتوسع بها أهلها في الدنيا ويتلذذون بها ويتوصلون بها إلى لذات الدنيا وشهواتها ثم ينقلب ذلك بعد موتهم فيصير جمرا من جمر جهنم في بطونهم فما تفي لذتها بتبعها كما قيل:
стр. 319
تفنى اللذاذة ممن نال لذاتها ... من الحرام ويبقى الإثم والعار
تبقى عواقب سوء من مغبتها ... لا خير في لذة من بعدها النار
فلهذا شبه النبي ﷺ من يأخذها بغير حقها ويضعها في غير حقها بالبهائم الراعية من خضراء الربيع حتى تنتفخ بطونها من أكله فإما أن يقتلها وإما أن يقارب قتلها فكذلك من أخذ الدنيا من غير حقها ووضعها في غير وجهها إما أن يقتله ذلك فيموت به قلبه ودينه وهو من مات على ذلك من غير توبة منه وإصلاح حال فيستحق النار بعمله قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢] وهذا هو الميت حقيقة فإن الميت من مات قلبه كما قيل:
ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء
وأما أن يقارب موته ثم يعافى وهو من أفاق من هذه السكرة وتاب قبل موته.
وقد قال علي ﵁ في كلامه المشهور في أقسام جملة العلم: أو منهوم باللذات سلس القياد للشهوات أو مغرى بجمع الأموال والإدخار وليسوا من رعاة الدين أقرب شبابهم الأنعام السارحة وفي الأبيات المشهورة التي كان عمر بن عبد العزيز ينشدها كثيرا:
نهارك يا مغرور سهو وغفلة ... وليلك نوم والردى لك لازم
وتتعب فيما سوف تكره غبه ... كذلك في الدنيا تعيش البهائم
وإما استثناؤه ﷺ من ذلك: "آكلة الخضر" فمراده بذلك مثل المقتصد الذي يأخذ من الدنيا بحقها مقدار حاجته فإذا نفذ واحتاج عاد إلى الأخذ منها قدر الحاجة بحقه وآكلة الخضر: دويبة تأكل من الخضر بقدر حاجتها إذا احتاجت إلى الأكل ثم تصرفه عنها فتستقبل عين الشمس فتصرف بذلك ما في بطنها وتخرج منه ما يؤذيها من الفضلات وقد قيل: إن الخضر ليس من نبات الربيع عند العرب إنما هو من كلاء الصيف بعد يبس العشب وهيجه واصفراره والماشية من الإبل لا تستكثر منه بل تأخذ منه قليلا قليلا ولا تحبط بطونها منه فهذا مثل المؤمن المقتصد من الدنيا يأخذ من حلالها وهو قليل بالنسبة إلى حرامها قدر بلغته وحاجته ويجتزي من متاعها بأدونه وأخشنه ثم لا يعود إلى الأخذ منها إلا إذا نفذ ما عنده وخرجت فضلاته فلا يوجب له هذا الأخذ ضررا ولا مرضا ولا.
стр. 320
هلاكا بل يكون ذلك بلاغا له ويتبلغ به مدة حياته ويعينه على التزود لآخرته وفي هذا إشارة إلى مدح من أخذ من حلال الدنيا بقدر بلغته وقنع بذلك كما قال ﷺ : "قد أفلح من هداه الله إلى الإسلام وكان عيشه كفافا فقنع به" وقال ﷺ : "خير الرزق ما يكفي" وقال: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا".
خذ من الرزق ما كفا ... ومن العيش ما صفا
كل هذا سينقضي ... كسراج إذا انطفا
ثم قال ﷺ : "إن هذا المال خضرة حلوة" فأعاده مرة ثانية تحذيرا من الإغترار به فخضرته منظرة وحلاوته طيب طعمه فلذلك تشتهيه النفوس وتسارع إلى طلبه ولكن لو فكرت في عواقب لهربت منه الدنيا في الحال حلوة خضره وفي المآل مرة كدرة نعمت المرضعة وبئست الفاطمة.
إنما الدنيا نهار ... ضوءه ضوء معار
بينما عيشك غض ... ناعم فيه اخضرار
إذ رماه زمناه ... فإذا فيه اصفرار
وكذلك الليل يأتي ... ثم يمحوه النهار
مثل حرام الدنيا كشجرة الدفلى تعجب من رآها وتقتل من آكلها.
نرى الدنيا وزهرتها فنصبوا ... وما يخلو من الشهوات قلب
فضول العيش أكثره هموم ... وأكثر ما يضرك ما تحب
إذا اتفق القليل وفيه سلم ... فلا ترد الكثير وفيه حرب
الذي بشر أمته بفتح الدنيا عليهم حذرهم من الإغترار بزهرتها وخوفهم من خضرتها وحلاوتها وأخبرهم بخبرابها وفنائها وأن بين أيديهم دارا لا تنقطع خضرتها وحلاوتها فمن وقف مع زهرة هذه العاجلة انقطع وهلك ومن لم يقف معها وسار إلى تلك وصل ونجا في المسند عن ابن عباس: أن النبي ﷺ أتاه فيما يرى النائم ملكان فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه فقال أحدهما للآخر: اضرب له مثلا فقال: إن مثله ومثل أمته كمثل قوم سفر انتهو إلى رأس مفازة فلم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة ولا ما يرجعون به فبينما هم كذلك إذا أتاهم رجل في حلة حبرة فقال: أرأيتم إن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواء أتتبعوني؟ قالوا: نعم قال: فانطلق بهم فأوردهم رياضا معشبة.
следующие страницы →