← Общие книги

Общие книги · id 11364

لمحات في الثقافة الإسلامية

عمر عودة الخطيب

Полный текст (407 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الجهود السلمية"١. وقد ذكر "أدوين بلس" الذي ألف كتاب "ملخص تاريخ التبشير" أن "رامون لل" الإسباني هو أول من تولى التبشير بعد أن فشلت الحروب الصليبية في مهمتها؛ فتعلم اللغة العربية بكل مشقة، وجال في بلاد الإسلام وناقش علماء المسلمين في بلاد كثيرة٢. ٢- إن الغاية لدى أعداء الإسلام واضحة مكشوفة يجاهر بها بعض ساستهم، ورجال الدين والفكر والاقتصاد مجاهرة لا مواربة فيها، كما يحاول بعض هؤلاء أن يكتموا حقيقة أهدافهم بضروبهم من المخاتلة والمراوغة تأخذ طابع الدعاوى العريضة مثل: الرسالة الإنسانية ونشر الحضارة وبث المدنية والنهوض والتقدم ونحو ذلك.. والحقيقة أن الغاية هي القضاء على الإسلام وتمزيق المسلمين واتخاذ كل وسيلة ممكنة لبلوغها، وحول حقيقة هذه الغاية يلتقي كل أعداء الإسلام في جبهة واحدة مهما كانت اختلافاتهم عميقة الجذور، عريقة في التاريخ، لا يتصور معها أي توافق أو لقاء..؛ لأن حقدهم على الإسلام وعداءهم الشديد له وحرصهم على تدميره وتدمير أبنائه يلغي استحالة لقائهم واتفاقهم وتعاونهم، ويجعله ممكنًا ميسورًا، بل أمرًا لا بد من المبادرة إليه، وتذليل الصعوبات التي تعترضه، وبذل كل الجهود لتحقيقه، والإنفاق على ذلك بغير حساب.. ومن هنا نجد دائمًا أن الدول والحركات، والاتجاهات والمبادئ والمذاهب السياسية والاجتماعية ... التي يجمعها عداؤها للإسلام ... تتحول بسرعة عجيبة من كيانات واتجاهات متناقضة متنافرة.. إلى كيان موحد متلاحم البنية متناسق

стр. 177

الحركة، حين يتصل الأمر بتحقيق الهدف المشترك وهو النيل من الإسلام والمسلمين. لقد ظهر في عام ١٩٣٢ كتاب اسمه "التفكير الجديد في أمر الإرساليات" أصدرته لجنة من المبشرين وفيه: أن المبشرين يفرضون على أنفسهم أن يكونوا مستعدين لأن يقبلوا بأمور تخالف العقيدة المسيحية.. "ويرى هذا الكتاب أن جميع المبشرين من بلاد رأسمالية، ولكن هذا يجب ألا يمنعهم من تفهم المذاهب الاقتصادية الأخرى كالاشتراكية والشيوعية. وعليهم أن يطعنوا الرأسمالية إذا كان ذلك يفتح لهم قلوب الخاضعين قهرًا لها، حتى إنه ليس ثمة مانع يمنع مصادقة الشيوعيين أيضًا، وإن كانت الشيوعية عدوة للنصرانية" ويقول "تشارلس واطسون" -في نصحه للمبشرين بالتلون في سبيل تحقيق هدفهم التبشري: "يجب أن يظلوا برآء كالحمام، ولكن هذا لا يمنعهم أيضًا من أن يكونوا حكماء كالحيات"١. ٣- وإذا كانت رسالة الرجل الأبيض -وهي عنوان الاستعمار الحديث بجميع صوره وأشكاله النتيجة التي آلت إليها حركة أوروبا في العصر الحديث، فإن هذه النتيجة قد سبقتها مقدمة قبلها وهي حركة الحروب الصليبية، وليست تفهم حركة الاستعمار الحديث -سياسيًّا وعسكريًّا وثقافيًّا واقتصاديًّا- إذا لم تفهم قبلها حق الفهم حركة الحروب الصليبية. ولا نحسب أننا نفهم سر انتقال الدعوة الصليبية إلى ما يسمى برسالة الرجل الأبيض إلا إذا فهمنا أن الرسالة الجديدة جاءت لتحل محل الحركة الصليبية الأولى، كما جاءت لتمتد بها وتستفيد من سوابقها.. فرسالة

стр. 178

الرجل الأبيض -مبشرًا وطبيبًا ومعلمًا- هي نسخة مكررة من رسالة المحارب الصليبي القديم الذي جاء إلى بلاد المسلمين بكل ما في صدره من حقد وضغينة "وهو يصغي إلى الريح التي تصفر من بعيد؛ من شواطئ رومه ومن شواطئ فرنسا وهو يردد: "إن الله يريدها" أي إن الله هو الذي أراد الحروب الصليبية١.

стр. 179

المواقع الثقافية وحملات التشويه: ١- ولقد شهدنا -في هذا العصر- مبلغ حرص الدول الاستعمارية على إنشاء المواقع الثقافية لها في البلاد الإسلامية؛ لتؤدي من خلالها مهمة استعمارية مزدوجة، وذلك بأن تنشر مفاهيمها الخاصة من جهة، وتشوه -من جهة أخرى- المفاهيم الإسلامية الأصيلة في حياة المسلمين، وبخاصة تلك المفاهيم التي يعتبرها المستعمرون من معوقات أهدافهم الاستعمارية البعيدة المدى. إن المفاهيم الخاصة بهم التي يحرصون على غرسها في عقول أبناء المسلمين وتربيتهم عليها، وإنشائهم على التزامها، وصياغتهم للمستقبل على أساس منها، فهي المفاهيم النصرانية المحضة، التي تتراوح بين الغاية القصوى وهي: جعل المسلم نصرانيًّا في عقيدته، وبين ما دون ذلك من الغايات إذا تعذر إدارك الغاية القصوى، وتقوم هذه الغايات الأخرى على محور واحد وهو أن ينفك المسلم عن إسلامه بأي صورة من الصور، بدءًا من عاداته ومظاهر حياته، نهايةًً بعقيدته وتصوراته. جاء في كلمة "شاتليه" عن إرساليات التبشير البروتستانتية: "ولا شك في

стр. 180

أن إرساليات التبشير -من بروتستانتية وكاثوليكية- تعجز عن أن تزحزح العقيدة الإسلامية من نفوس منتحليها، ولا يتم لها ذلك إلا ببث الأفكار التي تتسرب مع اللغات الأورربية، فبنشرها اللغات الإنكليزية والألمانية والهولندية والفرنسية، يتحكك الإسلام بصحف أوروبا، وتتمهد السبل لتقدم إسلامي مادي، وتقضي إرساليات التبشير لبناتها من هدم الفكرة الدينية الإسلامية، التي لن تحفظ لها كيانها وقوتها إلا بعزلتها وانفرادها". ويقول: "ولا ينبغي لنا أن نتوقع من جمهور العالم الإسلامي أن يتخذ له أوضاعًا وخصائص أخرى إذا هو تنازل عن أوضاعه وخصائصه الاجتماعية؛ إذ إن الضعف التدريجي في الاعتقاد بالفكرة الإسلامية، وما يتبع هذا الضعف من الانتفاض والاضمحلال الملازم له سوف يفضي -بعد انتشاره في كل الجهات- إلى انحلال الروح الدينية من أساسها لا إلى نشأتها بشكل آخر. ويدعو أخيرًا إلى أن يكتفي المبشرون من أهدافهم بانحلال الروح الإسلامية لدى المسلمين فيقول: "فلنقتصر إذن على القول بأن سير العالم الإسلامي تدرج نحو انحلال أفكاره الدينية وزوالها. وذلك أمر طبيعي ممكن التحقيق. أما فرض تدرج المسلمين إلى اعتناق المسيحية فخارج عن حد الإمكان"١. ٢- ولقد شكا المبشرون في عدد من المؤتمرات التبشيرية من إخفاقهم في تحويل المسلمين إلى النصرانية وقالوا: إنه لا يستجيب أحد من المسلمين للتبشير إلا أحد اثنين: طفل مخطوف من أهله وهو صغير فيربى على

стр. 181

النصرانية وهو جاهل بأصل عقيدته، أو رجل معدم لا يجد سبيلًا للعيش إلا الدخول في النصرانية ليحصل على لقمة الخبز ويظل من المشكوك فيه أنه غيَّر عقيدته حقيقة. إزاء هذه الشكوى قام القس "صموئيل زويمر" يقول في نهاية هذا المؤتمر: "إن الخطباء قد أخطئوا أيما خطأ، وإنه ليس الهدف الحقيقي للتبشير هو إدخال المسلمين في النصرانية، وإنما الهدف هو تحويل المسلمين عن التمسك بدينهم، وفي ذلك قد نجحنا نجاحًا باهرًا عن طريق مدارسنا الخاصة. وعن طريق المدارس الحكومية التي تتبع مناهجنا"١. ٣- وبدا واضحًا أن الغربيين الحاقدين -من مبشرين ومستشرقين وغيرهم- أدركوا إخفاقهم في تحويل المسلمين إلى نصارى، فلجئوا إلى خطتهم الرامية إلى تشويه المفاهيم الإسلامية بكل وسيلة، وركزوا اهتمامهم على تلوين المسلمين بالنصرانية والمفاهيم الغربية والمادية تلوينًا يبعدهم عن عقيدتهم الإسلامية، ثم يدينهم -فكرًا وخلقًا وولاءً وشعورًا- من الغرب. يقول "جيب" في كتابه "إلى أين يتجه الإسلام؟ " موضحًا موقف التفكير الديني إزاء الثقافة الغربية: "إنه قد يبدو للنظرة الأولى أن الجمهرة العظمى من المسلمين لم تتأثر بمؤثرات دينية أوروبية، وأن التفكير الديني الإسلامي قد ظل وثيق الاتصال بأصوله الدينية التقليدية. ولكن ذلك ليس هو الحقيقة كلها. فالواقع أن التعاليم الدينية ومظاهرها -عند أشد المسلمين محافظة على الدين وتمسكًا به- قد أخذت في التحول ببطء خلال القرن الماضي. فإن دخول عناصر جديدة على الحياة الإسلامية

стр. 182

كان يقتضي إبراز بعض تعليمات الدين، وتوجيه عناية أكبر لها، ووضعها في المكان الأول، ووضع تعليمات أخرى في مرتبة غير أساسية، وإذا حدث هذا فمعناه: أن الموازين الدينية والتعاليم الأخلاقية في الإسلام آخذة في التحول، وأن هذا التحول يتجه نحو تقريبه من الموازين الغربية في الأخلاق، التي هي في الوقت نفسه متمثلة في التعاليم الأخلاقية للكنيسة المسيحية١. ٤- ولقد شن المبشرون والمستشرقون وغيرهم من أعداء الإسلام حملة شديدة على القرآن الكريم، وكان أول همهم أن يبحثوا لأوروبا عن سلاح غير أسلحة القتال لتخوض المعركة مع هذا الكتاب الذي سيطر على الأمم المختلفة الأجناس والألوان والألسنة، وجعلها أمة واحدة، تعد العربية لسانها، وتعد تاريخ العرب تاريخها، وقد لخص "وليم غيفورد بلغراف" الإنكليزي -الذي سُمّي "الحرباء" بسبب تحوله إلى راهب يسوعي بعد أن كان قسًّا بروتستانتيًّا، ثم عاد بعد ذلك إلى بروتستنتي كما كان -لخص "بلغراف" هذا عداء الغربيين للقرآن في كلمته المشهورة: "متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في سبل الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه"٢. ويقول أحد المبشرين "جون تاكلي": "يجب أن نستخدم كتابهم -أي: القرآن الكريم- وهو أمضى سلاح في الإسلام، ضد الإسلام نفسه لنقضي عليه تمامًا. يجب أن نُرِي هؤلاء الناس أن الصحيح في القرآن ليس جديدًا، وأن الجديد فيه ليس صحيحًا"٣.

стр. 183

٥- ولقد دعوا في سبيل تحقيق أهدافهم الخبيثة إلى تطوير الإسلام تطويرًا تامًّا، وبثوا فكرة إعادة تفسيره، بحيث يبدو متفقًا مع الحضارة الغربية وغير متعارض معها على الأقل، بدل أن يبدو عدوًا لها أو معارضًا لقيمها وأساليبها. والحضارة الغربية -في حقيقتها- قائمة على الحضارة الرومانية الوثنية "أو لا تزال في واقعها وثنية مادية لا تؤمن بغير القوة". من أجل ذلك نرى فرقًا عظيما بينها وبين الإسلام الذي بني على الروح والأخلاق والمثل العليا، تلك الأسس التي جعلت في الإسلام مناعة ذاتية جبارة، ولا ريب في أن هذه الحقيقة الثمينة قد انكشفت لغلادستون -وزير بريطانيا الأول وأحد موطدي أركان الإمبراطورية في الشرق- حين قال: "ما دام هذا القرآن موجودًا فلن تستطيع أوربا السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان"١. إن هذا التطوير الذي انطلقت الدعوة من دوائر المستشرقين والمبشرين في الغرب، إنما يعني في الحقيقة هدم الإسلام ونسف أصوله والقضاء عليه كقوة فاعلة في هذه الأرض تنشر الهدى وتكافح الشر.. ولقد جال هذا الاستعمار جولات خطيرة تحت شعار التطوير والتجديد والتقدم وغير ذلك من الشعارات.. إلى جانب جولاته العسكرية التي تستخدم الحديد والنار.. وكان في جولاته هذه كلها يخوض معركة محاولة اقتلاع الإسلام من الجذور.. وهي معركة أراد بها تشويه تعاليم الإسلام باسم العلم والحضارة والتقدم والتطور، ونشر هذه الصورة المشوهة في قلوب المسلمين، بالإضافة إلى إذلالهم والسيطرة عليهم واحتلال أرضهم.. وإذا كان الاستعمار قد احتاج -كما أسلفنا- إلى جهود مضنية للاستيلاء على العالم الإسلامي، استغرقت قرنًا من الزمان..

стр. 184

فقد احتاج إلى قرن آخر لمحاولة تقويض الإسلام من الداخل، من مكمن العقيدة في داخل النفوس.. وهي محاولة ليست سهلة ميسورة، لقوة رسوخ العقيدة في نفوس المسلمين، ومدى مقاومتها للأحداث الرهيبة.. ولكن الاستعمار الصليبي لم ييأس، ووضع الخطط الماكرة لتوهين العقيدة في نفوس المسلمين، واستطاع أن يربي على سمومه الخبيثة هذه أجيالا لا تعرف من الإسلام إلا اسمه، وإلا أنه علاقة بين "العبد وربه" لا صلة لها بالسلوك العملي، ولا علاقة لها بشئون المجتمع وشئون الحياة، أو لا تعرف عنه إلا أنه رجعية وجمود وتأخر، ينبغي الانسلاخ منها للحاق بركب الحياة.. ٦- وقد انتشرت هذه الأفكار وراجت هذه المفاهيم في العالم الإسلامي على أيدي طائفة من الكتاب المثقفين والباحثين الذين أوكل إليهم الاستعمار مهمة التوجيه والتأثير، وقيادة الفكر والثقافة وأمور التربية والتعليم.. وكانت الدوائر التبشيرية والاستشراقية هي المحاضن الأساسية التي أنفق عليها المستعمرون نفقات كبيرة، ورصدوا لها أضخم الميزانيات، وزودوها بجيش من الخبراء؛ فأصبحت المؤسسات الثقافية التابعة لهذه الدوائر الاستعمارية الصليبية تضم بين جنباتها مئات الألوف من أبناء العالم الإسلامي في آسيا وإفريقيا. ومما يدل على ذلك ويؤكده -على سبيل المثال لا الحصر: أ- ما صرح به القائد الفرنسي الجنرال "بيير كيللر" في قوله عن المعاهد الفرنسية في لبنان: "فالتربية الوطنية كانت بكاملها تقريبًا في أيدينا، بداية حرب عامي "١٩١٤-١٩١٨م" كان أكثر من اثنين وخمسين ألف تلميذ يتلقون دروسهم في مدارسنا، وكان بين هؤلاء فتيان وفتيات ينتمون إلى عائلات إسلامية عريقة"١.

стр. 185

إن أهداف الاستعمار من إنشاء المواقع الثقافية له في البلاد الأخرى -وبخاصة البلاد الإسلامية- هو تخريج قادة يستلمون بعد رحيله الذي لا بد أن يقع زمام التوجيه والتخطيط؛ لتحقيق مفاهيمه الاستعمارية، في العقيدة والفكر، والسياسة والاجتماع، وليكونوا مستخلفين من بعده على قومهم في تنفيذ المبادئ التي رباهم عليها، ونشر الثقافة التي تخدم مطامعه وأغراضه، والتي يعطيها -خداعًا وتضليلاً- صيغ العلاقات الطيبة والتفاهم المتبادل.. ب- وقد عبر اللورد لويد -حين كان مندوبًا ساميًا لبريطانيا في مصر- عن هذه الأهداف تعبيرًا صريحًا في خطبته التي ألقاها في كلية "فيكتوريا" بالإسكندرية سنة ١٩٢٦م حين قال: "لقد أوجد اللورد كرومر شركة وطيدة بين بريطانيا ومصر، وهذه الشركة مهما تغيرت أشكالها لازمة للشريكين، وهذا يجعل استمرارها لا مندوحة عنه، فعلينا أن نقوي كل ما لدينا من وسائل التفاهم المتبادلة بين البريطانيين والمصريين.. وقد كان هذا التفاهم المتبادل غاية لورد كرومر من تأسيس كلية فيكتوريا بوجه عام، ومن تأسيسها في الإسكندرية بوجه خاص، وهي غاية أعتقد أن الكلية تحققها.. وليس من وسيلة لتوطيد هذه الرابطة أفضل من كلية تعلم الشبان من مختلف الأجناس المبادئ البريطانية العليا". وبعد أن أشار إلى أن المدرسة تضم طلبة ينتمون إلى ثمانية أجناس أو تسعة قال: "كل هؤلاء لا يمضي عليهم وقت طويل حتى يتشبعوا بوجهة النظر البريطانية، بفضل العشرة الوثيقة بين المعلمين والتلاميذ، فيصيروا قادرين أن يفهموا أساليبنا ويعطفوا عليها.. ومتى تسنى للجمهور أن يعرف هذه الكلية أكثر مما عرف عنها في الماضي، ينتبه الآباء إلى أن تعليم أولادهم فيها ينمي فيهم من الشعور الإنكليزي ما يكون كافيًا

стр. 186

لجعلهم صلة للتفاهم بين الشرقي والغربي، كما كانت الإسنكدرية في أيام عظمتها في عهد البطالسة"١.

стр. 187

مدارس الإرساليات التبشيرية: ١- لقد أدرك الغرب المستعمر الزاحف على الشرق المسلم بضراوة وحقد وتعصب أن أكثر الوسائل جدوى وقوة وتأثيرًا؛ لتحقيق غايته هي التركيز على الجانب التربوي والتعليمي. وحول هذا الجانب يقول "هنري جيب": "إن التعليم في مدارس الإرساليات المسيحية إنما هو واسطة إلى غاية فقط، هذه الغاية هي قيادة الناس إلى المسيح، وتعليمهم حتى يصبحوا أفرادًا مسيحيين وشعوبًا مسيحية، ولكن حينما يخطو التعليم وراء هذه الحدود ليصبح غاية في نفسه، وليخرج لنا خيرة علماء الفلك وطبقات الأرض وعلماء النبات وخير الجراحين والأطباء في سبيل الزهو العلمي، فإننا لا نتردد حينئذ في أن نقول: إن رسالةً مثل هذه قد خرجت عن المدى التبشيري المسيحي إلى مدى علماني محض"١. ٢- ويرى المبشرون -ومن ورائهم الدوائر الاستعمارية الصليبية- أن المدارس ليست غاية في ذاتها، وأنها لا تعدو أن تكون وسائل بالغة التأثير الذي يستمر حتى يشمل أولئك الذين سيصبحون يومًا ما قادة في أوطانهم٢. ومن هنا فقد ركز الغرب اهتمامه على فتح المدارس على كافة المستويات،

стр. 188

من رياض الأطفال حتى الجامعات.. بالإضافة إلى التفاته إلى البعثات التي تفد إلى دياره.. ويتضح بذلك أن تنفيذ هذه الوسيلة قد أخذ طابع الاحتواء الكامل لكل أنواع المؤسسات التعليمية والثقافية والتوجيهية، بالإضافة إلى المؤسسات الطبية والمراكز الاجتماعية وغيرها. ٣- ويرفض المبشرون في مدارسهم التابعة لإرسالياتهم الأجنبية أن يتقيدوا بالمناهج الرسمية؛ لأن هذا التقيد يفقد مدارسهم صفتها التبشيرية المسيحية ويجعلها في عداد المدارس الوطنية فتبطل الغاية من وجودها، ويتفق المبشرون جميعًا على أن التعليم أفضل الطرق التبشيرية، كما يتفقون على أن المقصود الأول بالتبشير من طريق التعليم هم المسملون، ولهذه الأسباب يعمل المبشرون على استغلال الجهل بين الشعوب الإسلامية لينفذوا من ذلك إلى غاياتهم. كتب "بنيامين ماراي" مقالاً في مجلة العالم الإسلامي -وهي مجلة فرنسية خاصة بأعمال المبشرين الكاثوليك- وكان موضوع المقال: "شمالي نيجيرية ميدان للتبشير" وقد استعرض فيه حالة تلك البلاد وما عليه من التأخر العلمي على الأخص؛ إذ إن الذين يحسنون القراءة والكتابة أو شيئًا من الكتابة لا يتجاوز اثنين ونصف بالمائة، ثم قال: "وهذا يتيح فرصة عظيمة للتعليم التبشيري المسيحي"١. ٤- ولقد بدأ المبشرون بإنشاء مدارسهم في البلاد الإسلامية في وقت مبكر جدًّا، فأنشئوا أول مدرسة للبنات في بيروت عام ١٨٣٠م. وعلى الرغم من أن اهتمامهم قد انصرف أولاً إلى الأطفال والبنات في سن مبكرة، وأنشئوا لهذا الغرض مئات المدارس في البلاد العربية -وبخاصة سورية ولبنان ومصر- كما أنشئوا كذلك ألوفًا من مدارسهم في البلاد الإسلامية

стр. 189

الأخرى في إفريقية وآسيا.. فإنهم كانوا يرون أن التعليم العالي لا يقل أهمية عن سائر درجات التعليم؛ لأنه يساعدهم على الوصول إلى الطبقات المثقفة لنشر آرائهم ومفاهيمهم بين هذه الطبقات حتى تتسرب بواسطتهم إلى جميع أفراد المجتمع الإسلامي. وعلى هذا الأساس أنشأ المبشرون البروتستانت كلية في بيروت عام ١٨٦٢ وأطلقوا عليها "الكلية السورية الإنجيلية"التي أصبحت اليوم "الجامعة الأميركية" في بيروت. ولم يكتفوا ببيروت، بل أرادوا أن يكون ثمة كلية في القاهرة إلى جانب الجامع الأزهر كما أنشئوا كلية "روبرت" في "استانبول"، وأنشأ الفرنسيون كلية لهم في مدينة "لاهور"١. ٥- يجدر بنا -نحن المسلمين- أن نعي أبعاد قضيتنا الثقافية في هذا المعترك الكبير.. فهي قضية وجودنا كله، قضية ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، قضية بقائنا أو فنائنا.. وإن أخطر ما نواجهه بصددها: الغفلة عنها، والجهل بها، والتغاضي عن الأخطار المحدقة بها، والتواني عن العمل لها والعناية بها، وترك زمام أمورنا للأيدي الغريبة العدوة ما بين يهودية وصليبية وملحدة -لتفسد العقول وتلوث الضمائر، وتحطم الأخلاق، وتصوغ الأجيال صياغة ضالة منحرفة، تقطع صلتها بعقيدتها وتاريخها وتراثها، ومقوماتها الأصيلة كلها، وتحقق حلمها القديم الذي كانت الحروب الصليبية تعبيرًا صارخًا داميًا له، ثم كان الاستعمار في العصر الحديث صورة تعبيره الآخر الذي اتخذ أشكالاً كثيرة وضم وسائل متعددة.. وإذا تركنا -جانبًا- احتلال الأرض، واستغلال الخيرات، ونهب الثروات، والسيطرة على الإدارة الوطنية في البلاد المحتلة، ونشر الفتن، وإثارة الخلاف، وإشاعة الانقسام بين المسلمين، وتمزيق عرى الوحدة فيما بينهم.

стр. 190

ولقد رأينا كيف أن "رامون لل"عرض على البابا "سلتين الخامس" في عام ١٢٩٤م خطته التبشيرية التي تتخذ العلم والمدارس وسيلة للتبشير، فإن لم تفلح فلا بد من تنصير المسلمين بالقوة.. وتحرك التبشير والاستعمار لتحقيق هذا الهدف، تحفزه إلى التخطيط الدائب والعمل المستمر تلك الروح الصليبية الحاقدة، التي نجد نماذج كثيرة من التعبير عنها في أقوال المبشرين والمستشرقين ومكائدهم الكبرى ... يقول القس "صموئيل زويمر" في المؤتمر التبشيري الذي عقد -في أوائل هذا القرن الميلادي- للنظر فيما سماه المؤتمر "كارثة اجتماع المسلمين على رأي واحد": "إن المبشرين المنتشرين على ضفتي النيل وشرقي إفريقيا وبلاد النيجر والكونغو يشكون مر الشكوى من انتشار الإسلام بسرعة في هذه الأنحاء. وبالرغم من أن انتشاره في الهند الهولندية قد لقي الموانع من مجهودات جمعيات التبشير الهولندية والألمانية؛ فهو يتوطد ويثبت هناك لأن المسلمين أخذوا يستبدلون التقاليد الخرافية بعقائد ثابتة قويمة، وفي أمريكا عدد كبير من المسلمين لا يستهان به إذ بلغ "٥٦ ألفًا". وأضاف: "إن الإسلام قد بدأ يتنبه لحقيقة مواقفه ويشعر بحاجته إلى تلافي الخطر.. ولكن إذا نظرنا إلى البلاد التي يحكمها هذا الدين الكبير المخاصم لنا، وإلى البلاد التي يتهددها بحكمه، ظهر لنا أن كل واحدة من هذه البلاد رمز لمشكلة من المشاكل الكبرى.. وعلى كلٍ فالإسلام يحتاج قبل كل شيء إلى المسيح"١.

стр. 191

المناداة بتحرير المرأة: ١- ولقد اهتم المبشرون اهتمامًا كبيرًا بما سموه تحرير المرأة، ولهم في ذلك

стр. 192

نشاط واسع يرمي إلى تخريج جيل من الفتيات المسلمات اللواتي لا يعرفن عن دينهن وتاريخهن شيئًا، ويتعلقن تعلقًا كاملاً بالحياة الغربية التي تتيح لهن أن ينطقن باسم التحرر والمساواة في تيار الفساد والانحلال، ذلك أن المرأة في أوروبا قد تحررت فعلاً.. ولكن من الدين والخلق والكرامة.. وتساوت مع الرجل في العمل الشاق المرهق، واضطرت في المجتمع الغربي المنحل أن تتبذل لتضمن الحصول على لقمة العيش. لقد أراد المبشرون أن يخرجوا المرأة المسلمة عن عقيدتها وخلقها وكرامتها ودعوا إلى تعليمها وفق مناهجهم التربوية الخبيثة لتصبح متحررة من الإسلام، فلا تكون في المستقبل الأم المسلمة التي تغرس في أبنائها بذور العقيدة، وتنشئ فيهم روح الإيمان، وتحفزهم إلى البطولة والجهاد، وبذلك يتحقق لهم هدفهم الخطير الذي لا يفترون عن العمل لبلوغه، وهو القضاء بشتى الوسائل على كل ما يؤدي إلى إنشاء جيل مسلم يحمل رسالة الإسلام من جديد. ٢- أدرك المبشرون أن المرأة ذات أثر عميق في التربية فَأَوْلَوْهَا اهتمامًا عظيمًا، وبادروا إلى فتح أول مدرسة تبشيرية للبنات في بيروت عام ١٨٣٠، ومن ثم فتحوا مدارس كثيرة للبنات في مصر والسودان وسورية، والهند والأفغان.. وقالوا: "إن التبشير يكون أتم حبكًا في مدارس البنات الداخلية، لما يكون فيها من الأحوال المواتية والفرص السانحة، إن المدرسة الداخلية تَفْضُلُ المدرسة الخارجية؛ لأنها تجعل الصلة الشخصية بالطالبات أوثق، ولأنها تنتزعهن من نفوذ بيتية غير مسيحية، ويفرح المبشرون إذا اجتمع في مدارسهم الداخلية بنات من أسر معروفة لأن نفوذ هؤلاء يكون حينئذ في بيتهن أعظم.. وتتكلم المبشرة "أنّا ميليغان" فتقول: "في صفوف كلية البنات في القاهرة بنات آباؤهن "باشاوات"

стр. 193

و"بكوات"، وليس ثمة مكان آخر يمكن أن يجتمع فيه مثل هذا العدد من البنات المسلمات تحت النفوذ المسيحي، وليس ثمة طريق إلى حصن الإسلام أقصر مسافة من هذه المدرسة". ٣- ولم تخلُ مؤتمرات المبشرين فيما أصدرت من قرارت وتوصيات من الإلحاح على تحرير المرأة وتعليم النساء.. فقد جاء في كتاب "الغارة على العالم الإسلامي" الذي صدر في فرنسا قبل نيف وخمسين عامًا ما يؤكد ذلك: جاء في الصفحة ٤٧: "ينبغي للمبشرين ألا يقنطوا إذا رأوا نتيجة تبشيرهم للمسلمين ضعيفة؛ إذ من المحقق أن المسلمين قد نما في قلوبهم الميل الشديد إلى علوم الأوربيين وتحرير النساء". وجاء في صفحتي ٨٨، ٨٩ تقرير عن أعمال وقرارات "مؤتمر لكنو ومؤتمر القاهرة" فقد وضع مؤتمر لكنو التبشيري -الذي عقد سنة ١٩١١م- في برنامجه عدة أمور: أولها: درس الحالة الحاضرة. ثانيها: استنهاض الهمم لتوسيع نطاق تعليم المبشرين والتعليم النسائي. أما لجنة مواصلة أعمال مؤتمر القاهرة الذي عقد سنة ١٩٠٦ فقد وضعت هي الأخرى برنامجًا يحتوي على مواد منها: المادة السابعة: الارتقاء الاجتماعي والنفسي بين النساء المسلمات٢. وحول التركيز على المرأة على أيدي المبشرين يقول "جيب": "إن مدرسة البنات في بيروت هي بؤبؤ عيني. لقد شعرت دائمًا أن

стр. 194

مستقبل سورية إنما هو بتعليم بناتها ونسائها. لقد بدأت مدرستنا للبنات ولكن ليس لها بعد بناء خاص بها، وها هي قد أثارت اهتمامًا شديدًا في أوساط الجمعيات التبشيرية". من أجل ذلك طلب المبشرون الأمريكيون منذ عام ١٨٧٠ مبلغ ثلاثين ألف دولار لمدرسة دينية للبنات في بيروت وعللوا طلبهم بقيمة المرأة في الحياة البيتية، وأن تلك المدرسة ستساعد على تنصير سورية في المستقبل١.

стр. 195

نشر كتب الطعن على الإسلام: ومن وسائلهم كذلك نشر الكتب في الطعن على الإسلام وتشويه التاريخ الإسلامي، والدعوة إلى هجر الفصحى ونشر العامية، وكتابتها بالحروف اللاتينية.. ومن أخطر الكتب التي نشروها، وفرضوا تدريسها في مدارسهم التبشيرية الكتاب الذي أسموه: "البحث عن الدين الحقيقي" تأليف: "المنسنيور كولي"١. والذي نال رضا البابا ليون الثالث عشر في عام ١٨٨٧ وصدر عن اتحاد مؤسسات التعليم المسيحي في باريس، ولا يزال هذا الكتاب يدرس في المدارس المسيحية في الشرق والغرب إلى اليوم.. يطوي الصدور على الأحقاد نحو العرب والمسلمين. وقد جاء فيه على الصفحة ٢٢٠ ما يلي: "الإسلام -في القرن السابع للميلاد: برز في الشرق عدو جديد، ذلك هو الإسلام الذي أسس على القوة وقام على أشد أنواع التعصب. لقد وضع محمد السَّيفَ في أيدي الذين اتبعوه، وتساهل في أقدس قوانين الأخلاق، ثم سمح لأتباعه بالفجور والسلب، ووعد الذين يهلكون في القتال بالاستمتاع

стр. 196

الدائم بالملذات. وبعد قليل أصبحت آسية الصغرى وإفريقيا وإسبانيا فريسة له، حتى إن إيطالية هددها الخطر، وتناول الاجتياح نصف فرنسا، لقد أصيبت المدنية، ولكن هياج هؤلاء الأشياع "المسلمين" تناول في الأكثر كلاب النصارى ولكن انظر: ها هي النصرانية تضع بسيف "شارل مارتل" سدًّا في وجه سير الإسلام المنتصر عند بواتيه "٧٥٢م" ثم تعمل الحروب الصليبية على مدى قرنين تقريبًا "١٠٩٩-١٢٥٤م" في سبيل الدين، فتدجج أوروبا بالسلاح وتنجي النصرانية. وهكذا تقهقرت قوة الهلال أمام راية الصليب، وانتصر الإنجيل على القرآن وعلى ما فيه من قوانين الأخلاق السهلة"١. ويضيق المجال عن استقصاء المزيد من هذه الوقائع التي تملأ مجلدات ضخمة. والتي لا بد أن تفرد ببحث خاص.. وهي وقائع تلقي على المسلمين تبعات جسامًا، ومزيدًا من الوعي واليقظة.. حتى يكون المسلم -في وعيه وعمق إدراكه- واضح الرؤية نافذ البصيرة مستوفز الشعور، واضح الاتجاه صادق الولاء لعقيدته وأمته..

стр. 197

الاستشراق والثقافة الإسلامية بين المادحين والمشوهين: ينقسم المستشرقون في موقفهم من الثقافة الإسلامية إلى فريقين: فهناك طبقة المادحين لها، وطبقة المنتقدين لها المشوهين لسمعتها، ولكن من المؤكد أن الطبقتين معًا كان لهما تأثير واضح على مجرى الفكر الأوربي تجاه الثقافة الإسلامية، ولما كانت أوروبا جملة لم تستطع أن تتحرر من عقدة التعصب النصراني ضد الإسلام، فقد كان ما كتبه المستشرقون المنتقدون المشوِّهون المادة التي ألهبت أُوَار التعصب، وشحنته بمزيد من الحقد والكراهية، ويكاد يضيع ما ذكره المادحون لثقافة الإسلام في غمار ذلك التيار المتعصب الأهوج إن لم يكن له تأثير عكسي من حيث إغراء المتعصبين بمزيدٍ من الطعن والدس والتشويه. "إن أوروبا اكتشفت الفكر الإسلامي في مرحلتين من تاريخها، فكانت في مرحلة القرون الوسطى قبل وبعد توماس الأكويني تريد اكتشاف هذا الفكر وترجمته، من أجل إثراء ثقافتها بالطريقة التي أتاحت لها فعلاً تلك الخطوات التي هَدَتْها إلى حركة النهضة منذ أواخر القرن الخامس عشر. وفي المرحلة العصرية والاستعمارية فإنها تكتشف الفكر الإسلامي مرة

стр. 198

أخرى لا من أجل تعديل ثقافي، بل من أجل تعديل سياسي، لوضع خططها السياسية مطابقةً لما تقتضيه الأوضاع في البلاد الإسلامية من ناحية، ولتيسير هذه الأوضاع طبق ما تقتضيه السياسات في البلاد الإسلامية، لتسيطر على الشعوب الخاضعة فيها لسلطانها"١. ولا بد لنا حتى تكتمل الصورة من الإشارة إلى تاريخ الاستشراق وميدانه ودوافعه وأهدافه ووسائله٢.

стр. 199

تاريخ الاستشراق: لا يعرف بالضبط من هو أول غربي عني بالدراسات الشرقية ولا في أي وقت كان ذلك، ولكن المؤكد أن بعض الرهبان الغربيين قصدوا الأندلس في إبان عظمتها ومجدها وتثقفوا في مدارسها، وترجموا القرآن والكتب العربية إلى لغاتهم، وتتلمذوا على علماء المسلمين في مختلف العلوم، وبخاصة في الفلسفة والطب والرياضيات.. ومن أوائل هؤلاء الرهبان، الراهب الفرنسي "جربرت" الذي انتخب بابا لكنيسة روما عام ٩٩٩م بعد تعلمه في معاهد الأندلس وعودته إلى بلاده، و"بطرس المحترم ١٠٩٢م-١١٥٦م"و "جيرار دي كريمون ١١١٤-١١٨٧م". وبعد أن عاد هؤلاء الرهبان إلى بلادهم نشروا ثقافة العرب ومؤلفات أشهر علمائهم، ثم أسست المعاهد للدراسات العربية أمثال مدرسة "بادوي العربية" وأخذت الأَدْيِرَة والمدارس الغربية تدرس مؤلفات العرب

стр. 200

المترجمة إلى اللاتينية -وهي لغة العلم في جميع بلاد أوروبا يومئذ- واستمرت الجامعات الغربية تعتمد على كتب العرب، وتعتبرها المراجع الأصلية للدراسة قرابة ستة قرون. ويذكر بعض الباحثين أن هذه المحاولات الاستشراقية التي بدأت في وقت مبكر لا تعدو أن تكون فردية أو جماعية محدودة، برزت بشكل أكثر شمولاً في بعض البلاد الأوروبية خلال القرن الثالث عشر الميلادي، ويكاد الدارسون لتاريخ الاستشراق يجمعون على أن انتشاره في أوروبا ظهر بصفة جدية بعد فترة ما يسمى في التاريخ الأوربي "عهد الإصلاح الديني"١. ولم ينقطع منذ ذلك الوقت وجود أفراد درسوا الإسلام واللغة العربية، وترجموا معاني القرآن وبعض الكتب العربية العلمية والأدبية، حتى جاء القرن الثامن عشر -وهو العصر الذي بدأ فيه الغرب في استعمار العالم الإسلامي والاستيلاء على ممتلكاته- فإذا بعدد من علماء الغرب ينبغون في الاستشراق ويصدرون لذلك المجلات في جميع الممالك الغربية، ويغيرون على المخطوطات العربية في البلاد العربية والإسلامية فيشترونها من أصحابها الجهلة، أو يسرقونها من المكتبات العامة التي كانت في نهاية الفوضى، وينقلونها إلى بلادهم ومكتباتهم وإذا بأعداد هائلة من نوادر المخطوطات العربية تنتقل إلى مكتبات أوربا، وقد بلغت في أوائل القرن التاسع عشر مائتين وخمسين ألف مجلد وما زال هذا العدد يتزايد حتى اليوم. "ويعتمد المستشرقون -فيما يعتمدون- على عقد المؤتمرات العامة من وقت لآخر لتنظيم نشاطهم، وأول مؤتمر عقدوه كان في سنة ١٧٨٣م وما زالت مؤتمراتهم تتكرر حتى اليوم. وفي العصر الحديث تقوم المؤسسات الدينية والسياسية والاقتصادية في

стр. 201

الغرب بما كان يقوم به الملوك والأمراء في الماضي من الإغداق على المستشرقين وحبس الأوقاف والمنح على من يعملون في حقل الاستشراق"١.

стр. 202

دوافع الاستشراق: إذا كان الاستشراق قد بدأ بدراسة العربية والإسلامية؛ فإن الدافع لذلك لم يكن دافعًا علميًا خالصًا لدى جمهرة المستشرقين؛ لأن من طبيعة الدافع العلمي أن يكون نزيهًا عادلاً، حريصًا على استجلاء الحقيقة بتجرد وصدق وإنصاف، لا تتحكم فيه موروثات أو رواسب ثقيلة مما صنعته البيئة الخاصة، أو أَمْلَتْهُ وقائع تاريخية معينة تتسم بتسجيل فترات الخصومات الدموية والنزاع العدواني. ولكن هذه الشروط التي تجعل دراسة الاستشراق للإسلام وتاريخه واللغة العربية عملاً علميًا صحيحًا؛ ليست متوافرة للمستشرقين الأوربيين الذين اتجهوا للدراسات الإسلامية، ذلك أن موقف الأوروبي من الإسلام ليس "موقف كره في غير مبالاة فحسب، كما هي الحال في موقفه من سائر الأديان والثقافات، بل هو كره عميق الجذور يقوم في الأكثر على صدور من التعصب الشديد. وهذا الكره ليس عقليًّا فحسب، ولكن يصطبغ أيضًا بصبغة عاطفية قوية، فقد لا تتقبل أوروبا تعاليم الفلسفة البوذية أو الهندوكية، ولكنها تحتفظ دائمًا -فيما يتعلق بهذين المذهبين- بموقف عقلي متزن ومبني على التفكير، إلا أنها حال ما تتجه إلى الإسلام يختل التوازن، ويأخذ الميل العاطفي بالتسرب. حتى إن أبرز المستشرقين الأوروبيين جعلوا من أنفسهم فريسة التحزب غير العملي في كتاباتهم عن الإسلام. ويظهر في جميع بحوثهم -على الأكثر- كما لو أن الإسلام لم يمكن أن يعالج على أنه موضوع بحت في البحث

стр. 203

العلمي؛ بل على أنه متهم يقف أمام قضاته، إن بعض المستشرقين يمثلون دور المدعي العام الذي يحاول إثبات الجريمة، وبعضهم يقوم مقام المحامي في الدفاع، فهو مع اقتناعه شخصيًّا بإجرام موكله لا يستطيع أكثر من أن يطلب له مع شيء من الفتور اعتبار الأسباب المخففة. وعلى الجملة فإن طريقة الاستقراء والاستنتاج التي يتبعها أكثر المستشرقين تذكرنا بوقائع دواوين التفتيش، تلك الدواوين التي أنشأتها الكنيسة الكاثوليكية لخصومها في العصور الوسطى، أي إن تلك الطريقة لم يتفق لها أبدًا أن نظرت في القرائن التاريخية بتجرد، ولكنها كانت في كل دعوى تبدأ باستنتاج متفق عليه من قبل، قد أملاه عليها تعصبها لرأيها. ويختار المستشرقون شهودهم حسب الاستنتاج الذي يقصدون إليه مبدئيًّا. وإذا تعذر عليهم الاختيار العرفي للشهود، عمدوا إلى اقتطاع أقسام من الحقيقة التي شهد بها الشهود الحاضرون ثم فصلوها من المتن أو تأولوا الشهادات بروح غير علمي من سوء القصد من غير أن ينسبوا قيمة ما إلى عرض القضية من وجهة نظر الجانب الآخر، أي من قبل المسلمين أنفسهم. وليست نتيجة هذه المحاكمة سوى صورة مشوهة للإسلام وللأمور الإسلامية تواجهنا في جميع ما كتبه مستشرقو أوروبا. وليس ذلك قاصرًا على بلد دون آخر -إنك تجده في إنكلترا وألمانيا، وفي روسيا وفرنسا، وفي إيطاليا وهولنده- وبكلمة واحدة: في كل صقع يتجه المستشرقون فيه بأبصارهم نحو الإسلام، ويظهر أنهم ينتشون بشيء من السرور الخبيث حينما تعرض لهم فرصة -حقيقية أو خيالية- ينالون بها من الإسلام عن طريق النقد"١. ومن هنا نجد أن هنالك دافعًا رئيسيًّا للاستشراق لا يمكن أن يوصف بأنه دافع علمي؛ لأنه لا يحرص على الحقيقة، بل يحاول تشويهها، بباعث من تعصب راسخ عميق الجذور يعود إلى النزعة العدوانية الحاقدة التي دفعت

стр. 204

الأوربيين إلى الحروب الصليبية. وتأتي مع هذا الواقع الرئيسي دوافع أخرى فرعية نلحظها في بحوث المستشرقين وميادين عملهم. ١- الدافع الديني التبشيري: إن الدافع الأول للاستشراق عند الغربيين -كما رأينا- هو الدافع الديني، فقد بدأه الرهبان الذين كان يهمهم أن يطعنوا في الإسلام ويحرفوا حقائقه؛ ليثبتوا لجماهيرهم التي تخضع لزعامتهم الدينية أن الإسلام -وقد كان يومئذ الخصم الوحيد للمسيحية في نظر الغربيين- دين لا يستحق الانتشار، وأن المسلمين قوم همج لصوص وسفاكو دماء، يحثهم دينهم على الملذات الجسدية ويبعدهم عن كل سمو روحي وخلقي، ثم اشتدت حاجتهم إلى هذا الهجوم في العصر الحاضر بعد أن رأوا الحضارة الحديثة قد زعزت أسس العقيدة عند الغربيين، وأخذت تشككهم بكل التعاليم التي كانوا يتلقونها عن رجال الدين عندهم فيما مضى، فلم يجدوا خيرًا من تشديد الهجوم على الإسلام لصرف أنظار الغربيين عن نقد ما عندهم من عقيدة وكتب مقدسة، وهم يعلمون ما تركته الفتوحات الإسلامية الأولى ثم الحروب الصليبية ثم الفتوحات العثمانية في أوروبا بعد ذلك في نفوس الغربيين من خوف من قوة الإسلام وكره لأهله، فاستغنوا هذا الجو النفسي وازدادوا نشاطًا في الدراسات الإسلامية. وهنالك الهدف التبشيري الذي لم يناسوه في دراستهم العلمية وهم قبل كل شيء رجال دين، فأخذوا يهدفون إلى تشويه سمعة الإسلام في نفوس رواد ثقافتهم من المسلمين، لإدخال الوهن إلى العقيدة الإسلامية، والتشكيك في التراث الإسلامي والحضارة الإسلامية، وكل ما يتصل بالإسلام من علم وأدب وتراث. ومن العسير حقًّا على أي باحث أن يفرز العمل الاستشراقي عن الهدف

стр. 205

الديني التبشيري في جملة دراسة المستشرقين عن الإسلام، وإذا كان بعضهم يجهر بهذا الهدف بشكل واضح في كل مناسبة تقتضي ذلك، فإن فئة أخرى منهم تجنح إلى أسلوب الدس الخفي، وإخفاء الحقائق، وإبراز الشبهات، وبتر النصوص، وإثارة الشكوك.. في كل ما يتعلق بالدراسات عن الإسلام: عقيدته وأحكامه وتاريخه ورجاله.. يقول "لويس ماسينيون" -وهو أستاذ جامعة فرنسية في باريس والمبشر في قسم الشئون الشرقية في وزارة المستعمرات الفرنسية: "إن الطلاب الشرقيين الذين يأتون إلى فرنسا يجب أن يلونوا بالمدنية المسيحية"١. ويتمنى "ماسينيون" -في إحدى مقالاته أن يعود الاعتقاد الإسلامي في رجوع عيسى ابن مريم فيتفق مع الحادث الثاني للمسيح النصراني.. ويقصد "ماسينيون" بكلمة ثانية أوضح أن يعود المسلمون عن قولهم عيسى ابن مريم إلى القول: عيسى ابن الله -تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا- وفحوى مقال "ماسينيون" كله أنه ما دام لدى المسلمين أخبار برجوع المسيح عيسى ابن مريم، فلماذا لا يكون هذا المسيح الراجع هو المسيح الذي يعتقد به النصارى اليوم؟ وجعل "ماسينيون" هذه الفكرة عمدة دعوته إلى أن يُحْمَلَ المسلمون على ترك دينهم حتى يسهل استعمارهم على أهل الغرب٢. وكان "ماسينيون" هذا زعيم الحركة الرامية إلى الكتابة العامية بالحرف اللاتيني تحقيقًا لهدف الحملة الاستعمارية التنصيرية التي ترى أن تقطيع أوصال العرب والمسلمين لا يمكن أن يتم ما دام هنالك لغة واحدة يتكلمها

стр. 206

العرب، ويعبر بها العرب والمسلمون من آرائهم، وما دام هنالك حرف عربي يربط حاضر المسلمين إلى تراثهم الماضي، فإذا استطاعوا حمل المسلمين على التخلي عن الحرف العربي وإحلال الحرف اللاتيني مكانه، انقطعت صلة العرب والمسلمين بالقرآن الكريم وبتراثهم الإسلامي وذخائرهم اللغوية والأدبية والتاريخية والفكرية، وحينئذ يصبح العرب "وحدات" لغوية فكرية غير متعارفة، ثم تتنافر هذه الوحدات مع الزمن فيسهل إخضاعها بجهد يسير، ويسهل بعد ذلك صبغهم -على مراحل- بالنصرانية، وجعلهم شعوبًا تابعة للحضارة الغربية، ويتحقق لدى الغربيين ما يؤملون من القضاء على الإسلام والمسلمين. ولقد حاول "ماسينيون" أن يثبت دعوته هذه في المغرب وفي مصر وفي سورية ولبنان خاصة، كما سعى لهذه الغاية أيضًا مستشرقون ومبشرون آخرون، ونقلها وتبناها عدد من تلامذة هؤلاء وأشياعهم وخلفائهم في مصر ولبنان، ولا يزالون حتى يومنا هذا، يحاولون -بوسائل عدة- الترويج لفكرتهم، وجمع الأنصار لها، تحقيقًا لمآرب خبيثة ومقاصد عدائية رهيبة لا تخفى على مسلم واعٍ بصير١. وإذا كان "ماسينيون" وأمثاله من المستشرقين لا يحاولون إخفاء نزعتهم الدينية التبشيرية المعادية للإسلام.. فإن هنالك فريقًا آخر من المستشرقين يعملون على أن تسود بين المسلمين القيم الغربية عن طريق الإشادة بها والانتقاص من القيم الإسلامية، حتى يضل المسلمون عن أنفسهم، ويستسلموا لكل ما يَطْلُعُ به الغرب من قيم ومفاهيم وأخلاق فيتهافتوا عليها وينقادوا إليها. ولعل أبرز هؤلاء المستشرق الإنكليزي "جيب" -الذي كان مستشارًا

стр. 207

لوزارة الخارجية البريطانية ومن كبار محرري دائرة المعارف الإسلامية -فقد جاء في مقدمته للكتاب الذي أصدرته جماعة من المستشرقين المختلفي الأجناس بعنوان: "إلى أين يتجه الإسلام؟ Whither Islam" قوله: "إن مشكلة الإسلام -بالقياس إلى الأوروبيين- لسيت مشكلة أكاديمية خالصة فحسب، فإن لتعاليم الدين الإسلامي من السيطرة على المسلمين في كل تصرفاتهم ما يجعل لها مكانًا بارزًا في أي تخطيط لاتجاهات العالم الإسلامي، فالإسلام ليس مجرد مجموعة من القوانين الدينية، ولكنه حضارة كاملة"١. ويقرر "جيب" بعد ذلك أن هذه السيطرة لتعاليم الإسلام على تصرفات المسلمين لم تظل دائمًا في العصر الحديث وثيقة الصلة بالأصول الدينية، بل يسجل بكثير من التأكيد أن تأثير المسلمين بمفاهيم الغرب قد أصبح ظاهرة واضحة الدلالة على ما اعترى المفاهيم الإسلامية الأصيلة من تحول، فهو يقول: "إنه قد يبدو للنظرة الأولى أن الجمهرة العظمى من المسلمين لم تتأثر بمؤثرات دينية أوروبية، وأن التفكير الديني الإسلامي قد ظل وثيق الصلة بأصوله الدينية التقليدية، ولكن ذلك ليس هو الحقيقة كلها، فالواقع أن التعاليم الدينية ومظاهرها عند أشد المسلمين محافظة على الدين وتمسكًا به قد أخذت في التحول ببطء خلال القرن الماضي"٢. ويرى "جيب" أن تأثر المسلمين بالأمور الشكلية والمظاهر الخارجية التي تأخذ لديهم طابع "التجديد" أمر ثانوي لا قيمة له، إذا لم يبلغ حد التغلغل التام والتفاعل الوثيق مع كيان المسلمين الجديد، بحيث لا يقتصر تحول المفاهيم الإسلامية الجديدة -بتأثير الفكر الغربي- على الاقتراب من الموازين المسيحية الغربية، بل يمتزج بها امتزاجًا تامًّا يبلغ حد الذوبان الكامل فيها، وأخذ صورتها

стр. 208

وملامحها. ولا يعبر "جيب" عن أمنيته هذه بوضوح وأسلوب مكشوف، بل يلتمس لذلك تعبيرات لا تستطيع مهما بالغ صاحبها في المداورة واختيار الألفاظ أن تخفي الأمنية التي يطوي عليها صدره، والغاية التي يعمل على بلوغها.. فهو يقول: "والواقع أننا إذا أردنا أن نعرف المقياس الحقيقي للنفوذ الغربي، ولمدى تغلغل الثقافة الغربية في الإسلام، كان علينا أن ننظر إلى ما وراء المظاهر السطحية. علينا أن نبحث عن الآراء الجديدة والحركات المستحدثة التي ابتُكِرَتْ بدافعٍ من التأثير بالأساليب الغربية، بعد أن تهضم وتصبح جزءًا حقيقيًا من كيان هذه الدول الإسلامية، فتتخذ شكلاً يلائم ظروفها"١ ٢- الدافع الاستعماري: لما انتهت الحروب الصليبية بهزيمة الصليبين لم ييأس الغربيون من العودة إلى احتلال بلاد العرب فبلاد الإسلام، فاتجهوا إلى دراسة هذه البلاد في كل شئونها من عقيدة وعادات وأخلاق وثروات، ليتعرفوا إلى مواطن القوة فيها فيضعفوها، وإلى مواطن الضعف فيغتنموه، ولما تم لهم الاستيلاء العسكري والسيطرة السياسية؛ كان من دوافع تشجيع الاستشراق إضعاف المقاومة الروحية والمعنوية في نفوسنا، وبث الوهن والارتباك في تفكيرنا، وذلك عن طريق التشكيك بفائدة ما في أيدينا من تراث، وما عندنا من عقيدة وقيم إنسانية، فنفقد الثقة بأنفسنا، ونرتمي في أحضان الغرب نستجدي منه المقاييس الأخلاقية والمبادئ العقائدية، وبذلك يتم لهم ما يريدون من خضوعنا لحضارتهم وثقافتهم خضوعًا لا تقوم لنا من بعده قائمة.

стр. 209

انظر إليهم كيف يشيعون في بلادنا القوميات التاريخية التي عفى عليها الزمن، واندثرت منذ حمل الغرب رسالة الإسلام، فتوحدت لغتهم وعقيدتهم وبلادهم، وحملوا هذه الرسالة إلى العالم فأقاموا بينهم وبين الشعوب روابط إنسانية وتاريخية وثقافية ازدادوا بها قوة وازدادت الشعوب بها رفعة وهداية، إنهم ما برحوا منذ نصف قرن يحاولون إحياء الفرعونية في مصر، والفينيقية في سوريا ولبنان وفلسطين، والآشورية في العراق وهكذا، ليتسنى لهم تشتيت شملنا كأمة واحدة، وليعوقوا قوة الاندفاع عن عملها في قوتنا وتحررنا وسيادتنا على أرضنا وثروتنا، وعودتنا من جديد إلى قيادة ركب الحضارة، ووحدتنا مع إخوتنا في العقيدة والمثل العليا والتاريخ والمصالح المشتركة. وإذا كان السبب الرئيسي المباشر الذي دعا الأوروبيين إلى الاستشراق هو سبب ديني في الدرجة الأولى-كما أسلفنا- لما تركته الحروب الصليبية في نفوس الأوروبيين من آثار مرة عميقة، فقد أقبل الأوروبيون على الاستشراق ليتسنى لهم تجهيز المبشرين وإرسالهم للعالم الإسلامي، والتقت هنا مصلحة المبشرين مع أهداف الاستعمار -في نطاق حركة الاستشراق- فمكن الاستعمار لهؤلاء المستشرقين المبشرين، واعتمد عليهم في بسط نفوذه في الشرق، كما استطاع المبشرون المستشرقون إقناع زعماء الاستعمار بأن المسيحية ستكون قاعدة الاستعمار الغربي في الشرق، وبذلك سهل الاستعمار لهؤلاء مهمتهم وبسط عليهم حمايته، وزودهم بالمال والسلطان، وهذا هو السبب في أن الاستشراق قام في أول أمره على أكتاف المبشرين والرهبان ثم اتصل بالاستعمار١. ٣- الدافع السياسي: وهنالك دافع آخر أخذ يتجلى في عصرنا الحاضر بعد استقلال أكثر الدول

стр. 210

العربية والإسلامية، ففي كل سفارة من سفارات الدول الغربية لدى هذه الدول سكرتير أو ملحق ثقافي يحسن اللغة العربية، ليتمكن من الاتصال برجال الفكر والصحافة والسياسة فيتعرف إلى أفكارهم، ويبث فيهم من الاتجاهات السياسية ما تريده دولته، وكثيرًا ما كان لهذا الاتصال أثره الخطير في الماضي حين كان السفراء الغربيون -ولا يزالون في بعض البلاد العربية والإسلامية- يبثون الدسائس للتفرقة بين الدول العربية بعضها مع بعض، وبين الدول العربية والدول الإسلامية، بحجة توجيه النصح وإسداء المعونة بعد أن درسوا تمامًا نفسية كثيرين من المسئولين في تلك البلاد، وعرفوا نواحي الضعف في سياستهم العامة، كما عرفوا الاتجاهات الشعبية الخطيرة على مصالحهم واستعمارهم. ٤- الدافع العلمي: ومن المستشرقين نفر قليل جدًّا أقبلوا على الاستشراق بدافع من حب الاطلاع على حضارات الأمم وأديانها وثقافتها ولغاتها، وهؤلاء كانوا أقل من غيرهم خطأ في فهم الإسلام وتراثه؛ لأنهم لم يكونوا يتعمدون الدس والتحريف، فجاءت أبحاثهم أقرب إلى الحق وإلى المنهج العلمي السليم من أبحاث الجمهرة الغالبة من المستشرقين، بل إن منهم من اهتدى إلى الإسلام وآمن برسالته. على أن هؤلاء لا يوجدون إلا حين يكون لهم من الموارد المالية الخاصة ما يمكنهم من الانصراف إلى الاستشراق بأمانة وإخلاص؛ لأن أبحاثهم المجردة عن الهوى، لا تلقى رواجًا، لا عند رجال الدين، ولا عند رجال السياسة، ولا عند عامة الباحثين، ومن ثمة فهي لا تدر عليهم ربحًا ولا مالاً، ولهذا ندر وجود هذه الفئة في أوساط المستشرقين. ٥- الدافع التجاري والشخصي: وبجانب هذا كان هناك أسباب تجارية، وأخرى شخصية تتصل بالمزاج

стр. 211

عند بعض الناس الذين تهيأ لهم الفراغ والمال، واتخذوا الاستشراق وسيلة لإشباع رغباتهم الخاصة في السفر أو في الاطلاع على ثقافات العالم القديم. ويبدو أن فريقًا من الناس دخلوا ميدان الاستشراق من باب البحث عن الرزق عندما ضاقت بهم سبل العيش العادية، أو دخلوه هاربين عندما قعدت بهم إمكاناتهم الفكرية عن الوصول إلى مستوى العلماء في العلوم الأخرى، أو دخلوه تخلصًا من مسئولياتهم الدينية المباشرة في مجتمعاتهم المسيحية، أقبل هؤلاء على الاستشراق تبرئة لذمتهم الدينية أمام إخوانهم في الدين، وتغطية لعجزهم الفكري، وأخيرًا بحثًا عن لقمة العيش إذ إن التنافس في هذا المجال أقل منه في غيره من أبواب الرزق"١.

стр. 212

أهداف الدراسات الاستشراقية: من الواضح أن أبرز هدف للمستشرقين من دراساتهم هو: "إضعاف مثل الإسلام وقيمه العليا من جانب، وإثبات تفوق المثل الغربية وعظمتها من جانب آخر، وإظهار أي دعوى للتمسك بالإسلام بمظهر الرجعية والتأخر"١. وغني عن البيان أن هذا الهدف الرئيسي قد أخذ في هذا العصر طابع تيارات فكرية حديثة تتحرك وتنشط في أوساط المسلمين، وهي تيارات نشأت كلها في الغرب، وحملها إلى المسلمين عدد من المستشرقين والمبشرين، بالإضافة إلى فئات أخرى من العرب والمسلمين الذين درسوا في الغرب على أيدي المستشرقين، أو في المؤسسات الثقافية الغربية التي أقامها الغرب في بلاد المسلمين.

стр. 213

"ونقطة البداية في نشوء هذه المذاهب الفكرية في أوروبا والفاصلة في تاريخها كانت في النهضة العلمية والفكرية التي تولدت باتصال أهل أوربا بالحضارة الإسلامية عن طريق الأندلس وصقلية. وترجمة كتب العلوم والفلسفة إليها. وكانت خسارة البشرية هنا بالضبط في أنهم أخذوا الجانب العقلي والمادي من حضارة المسلمين ولم يأخذوا الجانب العقائدي والروحي الخلقي"١. ومن العجيب حقًّا أن هذه المذاهب الفكرية التي تقوم على اتخاذ العقل وحده أساسًا للحكم على الحقائق كلها الحسية منها والغيبية لم تظل في أوروبا وحدها على الرغم من كل نقائصها الفاضحة، بل كانت في محورها الجوهري المادي، وما برزت من وجوه فكرية وسياسية واقتصادية وأخلاقية وتربوية أول المذاهب الفاسدة اتصالاً بالشعوب الإسلامية وتأثيرًا فيها، وغزوًا للطبقة المثقفة ولقادة الفكر والسياسة في عدد من البلاد الإسلامية، وذلك عن طريق انتقال الثقافة الفرنسية إلى الدولة العثمانية وللمغرب، وإلى مصر في عهد محمد علي، وعن طريق الثقافة الإنكليزية في الهند ومصر والسودان، فقد غزا هذا التيار الشعوب الإسلامية التي كانت قد تردت في دركات التخلف بسبب تشويهها للإسلام، وابتعادها عن كثير من تعاليمه، وعن وعي أهدافه ومقاصده، فتسلل المذهب العقلي العلماني والمادي التجريبي إلى عقول الطبقة المثقفة، والمذهب الوطني الديمقراطي العلماني إلى الطبقة السياسية الحاكمة، وكانت النتيجة إقصاء الإسلام وعزله عن توجيه الحياة الفكرية والثقافية، وإقصاؤه كذلك عن توجيه الحياة السياسية في مفاهيمها وقيمها، وفي اتجاهاتها ومواقفها في الأحداث الداخلية والدولية وفي تشريعاتها ونظمها٢. من باعث الحقد والتعصب، ونحو هذا الهدف الخطير في إضعاف الإسلام

стр. 214

وعزله ثم إقصائه عن الحياة والقضاء.. تحرك المستشرقون لتحقيق عدد من الأهداف الدينية والسياسية والعلمية المشبوهة، واتخذوا لذلك نهجًا في التشكيك والمغالطة وتشويه الحقائق والافتراء والتزوير، وهو نهج لا يسلم منه أو من بعضه إلا عدد يسير منهم، كما اتبعوا لبلوغ ما يريدون كل وسيلة تتيح لهم بث سمومهم، ونشر أباطيلهم.. ويمكن تلخيص هذه الأهداف والوسائل فيما يلي: ١- إنكار أن يكون القرآن الكريم كتابًا سماويًّا منزلاً من عند الله ، وحين يفحم المستشرقون ما ورد فيه من حقائق تاريخية عن الأمم الماضية مما يستحيل صدوره عن أمي مثل محمد ﷺ وتبطل دعواهم ببشرية القرآن الكريم وزعمهم بأنه ليس أكثر من تعبير عن انطباع البيئة العربية في نفس الرسول، حين تبطل دعواهم التافهة هذه، يزعمون ما زعمه المشركون الجاهليون في عهد رسول الله ﷺ من أنه استمد هذه المعلومات من أناس كانوا يخبرونه بها، ويتخبطون في ذلك تخبطًا عجيبًا، وحين يفحمهم ما جاء في القرآن من حقائق علمية لم تعرف وتكتشف إلا في هذا العصر يرجعون ذلك إلى ذكاء النبي ﷺ فيقعون في تخبط أشد غرابة من سابقه. وعلى الرغم من أن بعض تلامذة المستشرقين من العرب والمسلمين يقولون عن القرآن الكريم كلامًا يدل على اعتقادهم أنه فكر يتأثر ببيئة عربية معينة١، فإن هنالك عددًا من علماء المسلمين المعاصرين قد أعدوا بحوثًا ودراسات علمية وافية في دحض دعاوى المستشرقين ومزاعمهم

стр. 215

الباطلة، وافتراءاتهم المتهافتة١. ٢- التشكيك بصحة رسالة النبي ﷺ ومصدرها الإلهي، فجمهورهم ينكر أن يكون الرسول نبيًّا موحى إليه من عند الله ويتخبطون في تفسير مظاهر الوحي التي كان يراها أصحاب النبي ﷺ أحيانًا، وبخاصة السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂. فمن المستشرقين من يرجع ذلك إلى "صرع" كان ينتاب النبي ﷺ حينًا بعد حين، ومنهم من يفسرها بمرض نفسي وهكذا.. كأن الله لم يرسل نبيًّا قبله حتى يصعب عليهم تفسير الوحي، ولما كانوا كلهم ما بين يهود ومسيحيين يعترفون بأنبياء التوارة، وهم كانوا أقل شأنًا من محمد ﷺ في التاريخ والتأثير والمبادئ التي نادى بها، كان إنكارهم لنبوة النبي ﷺ تعنتًا مبعثه التعصب الديني الذي يملأ نفوس أكثرهم كرهبان وقساوسة ومبشرين٢. ٣- ويتبع إنكارهم لنبوة الرسول وسماوية القرآن، وإنكارهم أن يكون الإسلام دينًا من عند الله، وإنما هو ملفق -عندهم- من الديانتين اليهودية والمسيحية، وليس لهم في ذلك مستند يؤيده البحث العلمي، وإنما هي ادعاءات تستند على بعض نقاط الالتقاء بين الإسلام والدينين السابقين.
следующие страницы →