عند بعض الناس الذين تهيأ لهم الفراغ والمال، واتخذوا الاستشراق وسيلة لإشباع رغباتهم الخاصة في السفر أو في الاطلاع على ثقافات العالم القديم.
ويبدو أن فريقًا من الناس دخلوا ميدان الاستشراق من باب البحث عن الرزق عندما ضاقت بهم سبل العيش العادية، أو دخلوه هاربين عندما قعدت بهم إمكاناتهم الفكرية عن الوصول إلى مستوى العلماء في العلوم الأخرى، أو دخلوه تخلصًا من مسئولياتهم الدينية المباشرة في مجتمعاتهم المسيحية، أقبل هؤلاء على الاستشراق تبرئة لذمتهم الدينية أمام إخوانهم في الدين، وتغطية لعجزهم الفكري، وأخيرًا بحثًا عن لقمة العيش إذ إن التنافس في هذا المجال أقل منه في غيره من أبواب الرزق"١.
стр. 212
أهداف الدراسات الاستشراقية:
من الواضح أن أبرز هدف للمستشرقين من دراساتهم هو: "إضعاف مثل الإسلام وقيمه العليا من جانب، وإثبات تفوق المثل الغربية وعظمتها من جانب آخر، وإظهار أي دعوى للتمسك بالإسلام بمظهر الرجعية والتأخر"١. وغني عن البيان أن هذا الهدف الرئيسي قد أخذ في هذا العصر طابع تيارات فكرية حديثة تتحرك وتنشط في أوساط المسلمين، وهي تيارات نشأت كلها في الغرب، وحملها إلى المسلمين عدد من المستشرقين والمبشرين، بالإضافة إلى فئات أخرى من العرب والمسلمين الذين درسوا في الغرب على أيدي المستشرقين، أو في المؤسسات الثقافية الغربية التي أقامها الغرب في بلاد المسلمين.
стр. 213
"ونقطة البداية في نشوء هذه المذاهب الفكرية في أوروبا والفاصلة في تاريخها كانت في النهضة العلمية والفكرية التي تولدت باتصال أهل أوربا بالحضارة الإسلامية عن طريق الأندلس وصقلية. وترجمة كتب العلوم والفلسفة إليها. وكانت خسارة البشرية هنا بالضبط في أنهم أخذوا الجانب العقلي والمادي من حضارة المسلمين ولم يأخذوا الجانب العقائدي والروحي الخلقي"١.
ومن العجيب حقًّا أن هذه المذاهب الفكرية التي تقوم على اتخاذ العقل وحده أساسًا للحكم على الحقائق كلها الحسية منها والغيبية لم تظل في أوروبا وحدها على الرغم من كل نقائصها الفاضحة، بل كانت في محورها الجوهري المادي، وما برزت من وجوه فكرية وسياسية واقتصادية وأخلاقية وتربوية أول المذاهب الفاسدة اتصالاً بالشعوب الإسلامية وتأثيرًا فيها، وغزوًا للطبقة المثقفة ولقادة الفكر والسياسة في عدد من البلاد الإسلامية، وذلك عن طريق انتقال الثقافة الفرنسية إلى الدولة العثمانية وللمغرب، وإلى مصر في عهد محمد علي، وعن طريق الثقافة الإنكليزية في الهند ومصر والسودان، فقد غزا هذا التيار الشعوب الإسلامية التي كانت قد تردت في دركات التخلف بسبب تشويهها للإسلام، وابتعادها عن كثير من تعاليمه، وعن وعي أهدافه ومقاصده، فتسلل المذهب العقلي العلماني والمادي التجريبي إلى عقول الطبقة المثقفة، والمذهب الوطني الديمقراطي العلماني إلى الطبقة السياسية الحاكمة، وكانت النتيجة إقصاء الإسلام وعزله عن توجيه الحياة الفكرية والثقافية، وإقصاؤه كذلك عن توجيه الحياة السياسية في مفاهيمها وقيمها، وفي اتجاهاتها ومواقفها في الأحداث الداخلية والدولية وفي تشريعاتها ونظمها٢.
من باعث الحقد والتعصب، ونحو هذا الهدف الخطير في إضعاف الإسلام
стр. 214
وعزله ثم إقصائه عن الحياة والقضاء.. تحرك المستشرقون لتحقيق عدد من الأهداف الدينية والسياسية والعلمية المشبوهة، واتخذوا لذلك نهجًا في التشكيك والمغالطة وتشويه الحقائق والافتراء والتزوير، وهو نهج لا يسلم منه أو من بعضه إلا عدد يسير منهم، كما اتبعوا لبلوغ ما يريدون كل وسيلة تتيح لهم بث سمومهم، ونشر أباطيلهم.. ويمكن تلخيص هذه الأهداف والوسائل فيما يلي:
١- إنكار أن يكون القرآن الكريم كتابًا سماويًّا منزلاً من عند الله ، وحين يفحم المستشرقون ما ورد فيه من حقائق تاريخية عن الأمم الماضية مما يستحيل صدوره عن أمي مثل محمد ﷺ وتبطل دعواهم ببشرية القرآن الكريم وزعمهم بأنه ليس أكثر من تعبير عن انطباع البيئة العربية في نفس الرسول، حين تبطل دعواهم التافهة هذه، يزعمون ما زعمه المشركون الجاهليون في عهد رسول الله ﷺ من أنه استمد هذه المعلومات من أناس كانوا يخبرونه بها، ويتخبطون في ذلك تخبطًا عجيبًا، وحين يفحمهم ما جاء في القرآن من حقائق علمية لم تعرف وتكتشف إلا في هذا العصر يرجعون ذلك إلى ذكاء النبي ﷺ فيقعون في تخبط أشد غرابة من سابقه.
وعلى الرغم من أن بعض تلامذة المستشرقين من العرب والمسلمين يقولون عن القرآن الكريم كلامًا يدل على اعتقادهم أنه فكر يتأثر ببيئة عربية معينة١، فإن هنالك عددًا من علماء المسلمين المعاصرين قد أعدوا بحوثًا ودراسات علمية وافية في دحض دعاوى المستشرقين ومزاعمهم
стр. 215
الباطلة، وافتراءاتهم المتهافتة١.
٢- التشكيك بصحة رسالة النبي ﷺ ومصدرها الإلهي، فجمهورهم ينكر أن يكون الرسول نبيًّا موحى إليه من عند الله ويتخبطون في تفسير مظاهر الوحي التي كان يراها أصحاب النبي ﷺ أحيانًا، وبخاصة السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂. فمن المستشرقين من يرجع ذلك إلى "صرع" كان ينتاب النبي ﷺ حينًا بعد حين، ومنهم من يفسرها بمرض نفسي وهكذا.. كأن الله لم يرسل نبيًّا قبله حتى يصعب عليهم تفسير الوحي، ولما كانوا كلهم ما بين يهود ومسيحيين يعترفون بأنبياء التوارة، وهم كانوا أقل شأنًا من محمد ﷺ في التاريخ والتأثير والمبادئ التي نادى بها، كان إنكارهم لنبوة النبي ﷺ تعنتًا مبعثه التعصب الديني الذي يملأ نفوس أكثرهم كرهبان وقساوسة ومبشرين٢.
٣- ويتبع إنكارهم لنبوة الرسول وسماوية القرآن، وإنكارهم أن يكون الإسلام دينًا من عند الله، وإنما هو ملفق -عندهم- من الديانتين اليهودية والمسيحية، وليس لهم في ذلك مستند يؤيده البحث العلمي، وإنما هي ادعاءات تستند على بعض نقاط الالتقاء بين الإسلام والدينين السابقين.
стр. 216
ويلاحظ أن المستشرقين اليهود أمثال "جولد تسيهر" و"شاخت" هم أشد حرصًا على ادعاء استمداد الإسلام من اليهودية وتأثيرها فيه، أما المستشرقون المسيحيون فيجرون وراءهم في هذه الدعوى؛ إذ ليس في المسيحية تشريع يستطيعون أن يزعموا تأثر الإسلام به وأخذه منه، وإنما فيها مبادئ أخلاقية زعموا أنها أثرت في الإسلام، ودخلت عليه منها، كان المفروض في الديانات الإلهية أن تتعارض مبادئها الأخلاقية، وكأن الذي أوحى بدين هو غير الذي أوحى بدين آخر، فتعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا.
والظاهر أن المستشرقين اليهود أقبلوا على الاستشراق لأسباب دينية ترمي إلى التشكيك في قيم الإسلام بدعوى فضل اليهود عليه وأنها هي مصدره الأول، وأسباب سياسية تتصل بخدمة الصهيونية فكرة أولاً ثم دولة ثانيًا١.
وحول ما يتعلق بالإسلام يدعي المستشرقون أن المجتمع الإسلامي في صلته بالإسلام لم يكن على نحو قوي إلا فترة قصيرة هي الفترة الأولى التي يطلقون عليها "عهد بدائية المجتمع الإسلامي" التي أوجدت نوعًا من التلازم بين الحياة فيه وتعاليم الإسلام، ويزعمون أنه كلما تطور المجتمع ازدادت الفجوة لأن الإسلام لا يوافق التطور.
ومن هنا يسارعون إلى تقرير أن التخلف عن تنفيذ تعاليم الإسلام تمليه الضرورة الاجتماعية تحت ضغط ظروف الحياة المتجددة التي لا يستطيع الإسلام -كما يزعمون- أن يكيفها في تعاليمه، وعلى هذا فإن تطبيق الإسلام في نظرهم إنما يعني العزلة والتخلف. ويرون أن الحل هو في الخضوع -لما يسمونه قانون التطور- ولا يتم ذلك كما ينادون إلا بالسير
стр. 217
وفق المثل الغربية والتفاعل معها١.
٤- التشكيك في صحة الحديث النبوي الذي اعتمده علماؤنا المحققون، ويتذرع هؤلاء المستشرقون بما دخل على الحديث النبوي من وضع ودس، متجاهلين تلك الجهود التي بذلها علماؤنا لتنقية الحديث الصحيح من غيره، مستندين إلى قواعد بالغة الدقة في التثبت والتحري، مما لم يعهد عندهم في ديانتهم عشر معشاره في التأكد من صحة الكتب المقدسة عندهم٢.
والذي حملهم على ركوب متن الشطط في دعواهم هذه، ما رأوه في الحديث النبوي الذي اعتمده علماؤنا من ثروة فكرية وتشريعية مدهشة، وهم لا يعتقدون بنبوة الرسول، فادعوا أن هذا لا يعقل أن يصدر كله عن محمد الأمي، بل هو عمل المسلمين خلال القرون الثلاثة الأولى، فالعقدة النفسية عندهم هي عدم تصديقهم بنبوة الرسول، ومنها تنعبث كل تخبطاتهم وأوهامهم.
٥- التشكيك بقيمة الفقه الإسلامي الذاتية، ذلك التشريع الهائل الذي لم يجتمع مثله لجميع الأمم في جميع العصور، لقد أسقط في أيديهم حين اطلاعهم على عظمته وهم لا يؤمنون بنبوة الرسول، فلم يجدوا بدًّا من الزعم بأن هذا الفقه العظيم مستمد من الفقه الروماني، أي أنه مستمد منهم -الغربيين- وقد بين علماؤنا الباحثون تهافت هذه الدعوى، وفيما قرره مؤتمر القانون المقارن المنعقد "بلاهاي" من أن الفقه الإسلامي فقه مستقل بذاته وليس مستمدًا من أي فقه آخر، ما يفحم المتعنتين منهم، ويقنع المنصفين الذين لا يبغون غير الحق سبيلاً.
стр. 218
٦- التشكيك في قدرة اللغة العربية على مسايرة التطور العلمي، لنظل عالة على مصطلحاتهم التي تشعرنا بفضلهم وسلطانهم الأدبي علينا، وتشكيكهم في غنى الأدب العربي، وإظهاره مجدبًا فقيرًا لنتجه إلى آدابهم، وذلك هو الاستعمار الأدبي الذي يبغونه مع الاستعمار العسكري الذي يرتكبونه. "ومن المبشرين نفر يشتغلون بالآداب العربية والعلوم الإسلامية، أو يستخدمون غيرهم في سبيل ذلك، ثم يرمون كلهم بما يكتبون إلى أن يوازنوا بين الآداب العربية والآداب الأجنبية أو بين العلوم الإسلامية والعلوم الغربية -التي يعدونها نصرانية لأن أمم الغرب تدين بالنصرانية- ليخرجوا دائمًا بتفضيل الآداب الغربية على الآداب العربية والإسلامية، وبالتالي إلى إبراز نواحي النشاط الثقافي في الغرب، وتفضيلها على أمثالها في تاريخ العرب والإسلام، وما غايتهم من ذلك إلا تخاذل روحي وشعور بالنقص في نفوس الشرقيين وحملهم من هذا الطريق على الرضا بالخضوع للمدنية المادية الغربية"١.
٧- تشكيك المسلمين بقيمة تراثهم الحضاري، بدعوى أن الحضارة الإسلامية منقولة عن حضارة الرومان، ولم يكن العرب والمسلمون إلا نقلة لفلسفة تلك الحضارة وآثارها، لم يكن لهم إبداع فكري ولا ابتكار حضاري، وكان في حضارتهم كل النقائص، وإذا تحدثوا بشيء عن حسناتها -وقليلاً ما يفعلون- يذكرونها على مضض مع انتقاص كبير.
٨- إضعاف ثقة المسلمين بتراثهم، وبث روح الشك في كل ما بين أيديهم من قيم وعقيدة ومثل عليا، ليسهل على الاستعمار تشديد وطأته عليهم، ونشر ثقافته الحضارية فيما بينهم، فيكونوا عبيدًا لها، يجرهم حبها إلى حبهم أو إضعاف روح المقاومة في نفوسهم.
٩- إضعاف روح الإخاء الإسلامي بين المسلمين في مختلف أقطارهم عن
стр. 219
طريق إحياء القوميات التي كانت لهم قبل الإسلام، وإثارة الخلافات والنعرات بين شعوبهم، وكذلك يفعلون في البلاد الإسلامية، ويجهدون لمنع اجتماع شملها ووحدة كلمتها بكل ما في أذهانهم من قدرة على تحريف الحقائق، وتصيد الحوادث الفردية في التاريخ، ليصنعوا منها تاريخًا جديدًا يدعو إلى ما يريدون من منع الوحدة بين البلاد العربية والإسلامية والتفاهم على الحق والخير بين جماهيرها المؤمنة.
١٠- ومن الإنصاف أن نذكر أن لبعض المستشرقين أهدافًا علمية خالصة لا يقصد منها إلا البحث والتمحيص، ودراسة التراث العربي والإسلامي دراسة تجلو لهم بعض الحقائق الخافية عنهم، وهذا الصنف قليل عدده جدًّا، وهم مع إخلاصهم في البحث والدراسة لا يسلمون من الأخطاء والاستنتاجات البعيدة عن الحق، إما لجهلهم بأساليب اللغة العربية، وإما لجهلهم بالأجواء الإسلامية التاريخية على حقيقتها، فيحبون أن يتصوروها كما يتصورون مجتمعاتهم، ناسين الفروق الطبيعية والنفسية والزمنية التي تفرق بين الأجواء التاريخية التي يدرسونها، وبين الأجواء الحاضرة التي يعيشونها.
وهذه الفئة أسلم الفئات الثلاثة في أهدافها، وأقلها خطرًا، إذ سرعان ما يرجعون إلى الحق حين يتبين لهم، ومنهم من يعيش بقلبه وفكره في جو البيئة التي يدرسها، فيأتي بنتائج مع الحق والصدق والواقع، ولكنهم يلقون عنتًا من أصحاب الهدفين السابقين، إذ سرعان ما يتهمونهم بالانحراف عن النهج العلمي، أو الانسياق وراء العاطفة، أو الرغبة في مجاملة المسلمين والتقرب إليهم، كما فعلوا مع "توماس أرنولد" حين أنصف المسلمين في كتابه العظيم: "الدعوة إلى الإسلام" فقد برهن على تسامح المسلمين في جميع العصور مع مخالفيهم في الدين، على عكس مخالفيهم معهم، هذا الكتاب الذي يعتبر من أدق وأوثق المراجع
стр. 220
في تاريخ التسامح الديني في الإسلام، يطعن فيه المستشرقون المتعصبون وبخاصة المبشرين منهم، بأن مؤلفه كان مندفعًا بعاطفة قوية من الحب والعطف على المسلمين، مع أنه لم يذكر فيه حادثة إلا أرجعها إلى مصدرها.
ومن هؤلاء من يؤدي بهم البحث الخالص لوجه الحق إلى اعتناق الإسلام والدفاع عنه في أوساط أقوامهم الغربيين، كما فعل المستشرق الفرنسي الفنان "دينيه" الذي عاش في الجزائر، فأعجب بالإسلام وأعلن إسلامه وتسمى باسم: "ناصر الدين دينيه" وألف مع عالم جزائري كتابًا عن سيرة الرسول ﷺ وله كتاب "أشعة خاصة بنور الإسلام" بين فيه تحامل قومه على الإسلام ورسوله، وقد توفي هذا المستشرق المسلم في فرنسا، ونقل جثمانه إلى الجزائر ودفن فيها١.
стр. 221
وسائل الاستشراق:
لم يترك المستشرقون وسيلة لنشر أبحاثهم وبث آرائهم إلا سلكوها، ومنها:
١- تأليف الكتب في موضوعات مختلفة عن الإسلام واتجاهاته ورسوله وقرآنه، وفي أكثرها كثير من التحريف المتعمد في نقل النصوص أو ابتسارها وفي فهم الوقائع التاريخية والاستنتاج منها.
٢- إرساليات التبشير إلى العالم الإسلامي لتزاول أعمالاً إنسانية في الظاهر كالمستشفيات والجمعيات والمدارس والملاجئ والمياتم، ودور الضيافة كجميعات الشبان المسيحية وأشباهها.
٣- إلقاء المحاضرات في الجامعات والجمعيات العلمية، ومن المؤسف أن
стр. 222
أشدهم خطرًا أو عداء للإسلام كانوا يستدعون إلى الجامعات العربية والإسلامية في القاهرة ودمشق وبغداد والرباط وكراتشي ولاهور وعليكرة وغيرها ليتحدثوا عن الإسلام!..
وحول هذه الظاهرة العجيبة في توجيه الدعوة إلى المستشرقين الذين يطعنون في الإسلام لإلقاء بحوثهم التي تتضمن أفكارهم المسمومة ضد الإسلام والمسلمين في البلاد الإسلامية، يقول بعض المفكرين الإسلاميين المعاصرين١:
"هذا من تقلبات الدهر وعجائب أمره، لقد مَرَّ على المسيحيين في أوروبا حين من الدهر كانوا يشدون فيه الرحال إلى الأندلس، ليتعلموا كتابهم المقدس -التوراة- من علماء المسلمين. أما الآن فقد انقلب الأمر رأسًا على عقب حيث أصبح المسلمون -واأسفاه- يرجعون إلى أهل الغرب "أوروبا وأمريكا" يسألونهم: ما هو الإسلام، وما هو تاريخه، وما هي حضارته؟ ليس هذا فقط. بل قد أصبحوا يتعلمون اللغة العربية منهم، ويستوردونهم لتدريس التاريخ الإسلامي. وكل ما يكتبونه عن الإسلام والمسلمين لا يجعلونه مادة للدراسة في كلياتهم وجامعاتهم فقط، ولكن يؤمنون به إيمانًا راسخًا مع أنهم -أعني أهل الغرب- قوم لا يسمحون لأحد إذا لم يكن من أتباع دينهم بأن يتدخل فيما يتعلق بدينهم وتاريخهم ولا في أتفه الأمور.
لقد نشر اليهود موسوعتهم tewish encyclopaedia وما فيها مقال واحد article كتبه أحد المسيحيين فضلاً عن أن يكتبه أحد من المسلمين، وقد قاموا أنفسهم بترجمة التوراة، ويربئون عن أن يمسوا الترجمة المسيحية. وعلى العكس من هذا فإن علماءهم يكتبون الكتب والمقالات عن الإسلام ويتلقاها المسلمون بكل ترحيب".
стр. 223
٤- عقد المؤتمرات وإصدار المجلات الخاصة ببحوثهم عن الإسلام وتاريخه ونظمه وبلاده وشعوبه، وتقوم على تنظيم هذه المؤتمرات، وإصدار هذه المجلات جمعيات استشراقية في عدد من البلاد الأوروبية.
ومن أمثلة ذلك:
- في عام ١٨٨٧م أنشأ الفرنسيون جمعية للمستشرقين ألحقوها بأخرى في عام ١٩٢٠، وأتبعوا ذلك بإصدار "المجلة الآسيوية".
- تألفت في لندن في عام ١٨٢٣ جمعية لتشجيع الدراسات الشرقية، وقبل الملك أن يكون ولي أمرها، وأصدرت هذه الجميعة "مجلة الجمعية الآسيوية الملكية".
- أنشأ الأمريكيون في عام ١٨٤٢م جمعية باسم "الجمعية الشرقية الأمريكية" وأصدر بهذا الاسم مجلة تعني بالدراسات الاستشراقية.
- وأخطر المجالات التي يصدرها المستشرقون الأمريكيون في الوقت الحاضر هي مجلة "العالم الإسلامي The Muslim World" وهي مجلة أنشأها "صموئيل زويمر S.Zweimer" في سنة ١٩١١م وتصدر الآن من "هارتفورد Hartford" بأمريكا. ورئيس تحريرها "كنيث كراج K.Cragg" وطابع هذه المجلة تبشيري سافر.
وللمستشرقين الفرنسيين مجلة شبيهة بمجلة "العالم الإسلامي" في روحها واتجاهها العدائي التبشيري واسمها أيضًا١ Le Mond Musulman.
٥- إنشاء الموسوعة "دائرة المعارف الإسلامية" وقد أصدروها بعدة لغات، وبدءوا بإصدار طبعة جديدة منها، وقد بدئ بترجمة الطبعة الأولى إلى اللغة العربية، وصدر منها حتى الآن ثلاثة عشر مجلدًا. وفي هذه الموسوعة
стр. 224
التي حشد لها كبار المستشرقين وأشدهم عداء للإسلام، قد دس السم في الدسم، وملئت بالأباطيل عن الإسلام وما يتعلق به، ومن المؤسف أنها مرجع لكثير من المثقفين عندنا بحيث يعتبرونها حجة فيما تتكلم به، وهذا من مظاهر الجهل بالثقافة الإسلامية وعقدة النقص عند هؤلاء المثقفين١.
стр. 225
الفصل الخامس: الثقافة الإسلامية وآفاق الحياة الإنسانية
أفق البناء الفكري والخلقي
مدخل
...
أفق البناء الفكري والخلقي:
في ضوء ما أسلفنا من ارتكاز الثقافة الإسلامية على العقيدة الحقة النيرة، والمنهج الرباني الخالص، ورصيد الفطرة الإنسانية الأصيلة.. وما أوضحنا من خصائص الثقافة الإسلامية، وأنها موضع الثقة الكاملة، وأنها بلغت الكمال في تصورها للحياة والإنسان، وبنت في هذه الأمة روح التميز، وكانت إيجابية في روحها، أخلاقية في دعوتها، فريدة في رعايتها للوحدة الإنسانية والمثل العليا.
وفي ضوء هذا كله تنطلق هذه الثقافة في الآفاق التي تتسم بكل خير وطهر، واستقامة وصلاح، بحيث لا تدع جانبًا من جوانب حياة الفرد والجماعة والأمة والإنسانية كلها، إلا وتتناوله بالمعالجة الكاملة، والإصلاح الشامل، والتنظيم الفريد، وإقامته على أمتن القواعد، وأرفع المثل، وأسمى الأهداف.
стр. 226
تحرير العقل من التعطل:
١- إنها تحرر العقل من سلطان الخرافة والوهم، والجمود والتقليد، ومن وسائلها في ترسيخ الحقائق في العقول ودحض منطق الانحراف والضلال تنبيه هذا الإنسان إلى مشاهد هذا الكون، بإثارة نزوعه الفطري الأصيل، نحو التأمل المنتج والتدبر الهادف فيما خلق الله في هذا الكون من مخلوقات تحيط بالإنسان من كل جانب، وتدل بروعة إنشائها ودقة إحكامها، وكمال تناسقها، ووحدة نواميسها على عظمة بارئها، وقدرة مصورها، وفي ذلك أعمق إيحاء وأجل برهان على وحدانية الله ﵎، واستحقاقه للعبادة والخضوع والشكر.
قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ ١.
ويقول : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ، إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ ٢.
стр. 227
ويقول سبحانه: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ، وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ، قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ، فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ ١.
وملاك الأمر في هذه القضية أن توحيد الله ﵎ هو مفرق الطريق في حياة الإنسان بين ما يجب أن يكون عليه من رعاية للعمل العقلي السليم، والمنطق السديد الذي يحقق الدقة والنظام، في أخطر شأن من شئون البشر -وهو العقيدة- وبين ما لاينبغي له ولا يليق به من استخفاف بما يحكم به العقل السوي، وما يحمل عليه المنطق الصحيح، وما يؤدي إليه الاستخفاف من اضطراب وفوضى في العقيدة. بسبب الانسياق وراء الخرافات الباطلة والأوهام الزائفة، التي يأباها العقل، ويرفضها المنطق.
٢- وإذا كانت النظم التي لا غنى عنها للبشر في حياة صالحة سليمة قويمة، ترتكز في بواعثها ومقوماتها، وروحها وضوابطها على العقيدة التي يؤمن بها الإنسان، ويُحْكَمُ على هذه النظم بالصحة أو بالفساد، وبالنظام أو بالفوضى، في ضوء العقيدة التي تقوم هذه النظم عليها، وتنبعث منها، وتتلاءم مع مقتضاها وتوجيهاتها، فإن من المقطوع به -عقلاً ومنطقًا وتجربة- أن أي نظام اجتماعي أو سياسي، أو اقتصادي أو دولي،
стр. 228
لا يمكن أن يوصف بالصحة والدقة، وتحقيق الطمأنينة والخير، للفرد والجماعة، إذا كان منبثقًا من عقيدة لا ترجح في ميزان العقل، ولا تثبت أمام المنطق السليم، ومن هنا كان توحيد الله ﵎ هو حقًّا مفرق الطريق بين النظام والفوضى في حياة الإنسان عقيدة وسلوكًا ونظمًا، ذلك أن توحيد الله هو وحده الذي يحرر العقل الإنساني من التعطل المزري، والانسياق وراء الأهواء والأوهام والخرافات، والأساطير الغامضة الباطلة.
إنه ليس في المنهج الإسلامي أوهام وأسرار وخرافات تصطدم مع العقل السليم والمنطق الصحيح، بل لقد جعل هذا المنهج الرباني العقل الإنساني هاديًا إلى الحق، وأمر بالاحتكام إليه في حقائق الوجود، وجعله مناط الفصل في حسم الجدال بين الملحدين والمؤمنين، حول أي قضية يثور النزاع فيها بين الشك واليقين.
٣- بهذا المنهج الذي يهدم الخرافة والوهم والتقليد، وينبه العقل للتأمل والتفكير، تسقط كل ضروب الأساطير وأنواع الخرافات مهما اختلفت في مظاهرها وصورها، وتعددت أشكالها بتعدد الأمم والأجناس التي تضمها فترة زمنية معينة، ثم لا يسمح لها بعد ذلك أن تحيا في المجتمع الإسلامي الذي يحرر العقل ويحترمه، ويدعو إلى البحث الدقيق، ويحث على التفكير العميق، ويدفع إلى تقصي الحقائق، ويصون الكيان الفكري من آفات الجهل والخرافة، والوهم والانحراف.
قال تعالى في الحث على التفكير والثناء عليه:
﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون﴾ ٢.
стр. 229
﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ١.
﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢.
وقال في إعلاء شأن العقل والدعوة إلى إعماله في فهم آيات الله، وإدراك دلائل الهداية في الكون والحياة:
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون﴾ ٣.
﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٤.
﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون﴾ ٥.
﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون﴾ ٦.
ويقرر هذا المنهج أن الذي يُعْمِلُ عقله فيعلم الحق ويوقن به، هو الإنسان السوي البصير، وأن الجاهل الذي يعطل عقله فلا يعلم ولا يهتدي، هو الأعمى المطموس البصيرة، المشلول الإدارك، كما قال : ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ ٧.
стр. 230
الحَثّ على العلم:
١- إن هذا التحرير للعقل الذي يفتح المدارك، ويثير التفكير، ويحمل على الاستزادة من العلوم والمعارف، ويفصل فصلاً حاسمًا بين الحقائق والأوهام، ذلك أن الإنسان إنما يفكر ويتقدم في مضمار العلم بالعمل العقلي، فإذا تعطل العقل انحسرت المعرفة، وضمر العلم، وذلك يعقد الإسلام أوثق الأواصر بين الإيمان والفكر، والإيمان والمعرفة والإيمان والتقدم في الميدان العلمي، حين يدعو الإنسان إلى النظر والتأمل والتدبير في خلق السموات والأرض، وبحثه على التفكير في عالم النفس، وفي آفاق الكون، ويرى أن خير عظة توجه إلى الإنسان هو أن يفكر تفكيرًا سليمًا وينظر نظرًا صحيحًا في آيات الله في الأنفس والآفاق.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ ١.
"وفضيلة الإسلام الكبرى أن يفتح للمسلمين أبواب المعرفة، ويحثهم على ولوجها والتقدم فيها، وقبول كل مستحدث من العلوم على تقدم
стр. 231
الزمن، وتجدد أدوات الكشف، ووسائل التعليم، وليست فضيلته الكبرى أن يقعدهم عن الطلب، وينهاهم عن التوسع في البحث والنظر؛ لأنهم يعتقدون أنهم حاصلون على جميع العلوم"١.
٢- من أجل هذا لا يتصور في ظل منهج الإسلام أي ضرب من ضروب النزاع بين الدين والفكر أو العلم، كمثل ما عرفت أوروبا من نزاع طويل مرير بين العلماء وبين رجال الكنيسة، ذلك النزاع الذي انتهى في بعض أطواره إلى سيطرة نزعة الشك، ثم تفاقمت هذه النزعة حتى انتهت في بعض الحالات إلى هجر الدين أو الإلحاد، وظل الدين -في أوروبا- على أي حال ينظر بتوجس وخيفة وحذر، إلى العمل العقلي، والمسائل العلمية، خلال حقبة طويلة شملت القرون الوسطى، ثم لم ينعقد الوئام بين الدين والعلم فيما يسمى عصر النهضة، وإن فرض الواقع أن ظل رجال الدين في مواقعهم، يتلهون باستعراض صور تاريخهم الذي اتسم بالقسوة والعنف، وممارسة ضروب الاضطهاد والإيذاء للعلماء والمفكرين إلى حد القتل والإحراق، والتعذيب والحرمان، لكل من جاء بآراء ونظريات لم تحظَ منهم بالقبول، بسبب تناقضها مع أوهامهم وخرافاتهم.. ظل رجال الدين هكذا من حيث انطلق العلماء والمفكرون في مضمار البحث والعلم والكشف والاختراع والتربية والنظام، بعيدًا عن استيحاء الدين وسيطرة رجاله، واستغل الماديون منهم تلك العقدة التي شكلها تاريخ النزاع الحاد المرير بين العلماء ورجال الدين، فدعوا إلى إقامة الحياة الإنسانية على المنطق المادي وحده، وأقاموا بنيانهم الفكري والعلمي على غير قاعدة الإيمان، بل لقد جهر بعضهم بالدعوة إلى الإلحاد وإنكار الإيمان بالله، كما يرى ذلك في الفلسفة الماركسية. "إن هذا الصراع بين العلم والكنيسة، وانتصار
стр. 232
العلم في النهاية على الكنيسة. إن هذا الصراع وهذا الانتصار، وما أعقبه بعد ذلك من اتجاهات جديدة في التاريخ السياسي والفكري، لا يعدو أن يكون حديثًا أوروبيًّا محضًا متعلقًا بطبيعة الكنيسة وسلطتها الكهنوتية، وتحكمها في تفسير المسيحية، وتحديدها لعقائدها، وإعطاء صفة القداسة لما قررته المجامع الكنسية من نصوص.
ولذا فإن الخطأ والظلم الفادحين اعتبار هذا الحدث في التاريخ الإنساني كله، فإن هذا يحمل في مدلوله تعميم الظاهرة على التاريخ الإسلامي، وينتهي إلى خطأ أخطر وظلم أكبر وهو: التسوية بين طبيعة المسيحية وطبيعة الإسلام، ثم الحكم عليهما بحكم واحد. ووجه الخطأ والظلم في هذا هو أن ذلك الصراع بين العلم والكنيسة في أوروبا، كان ظاهرة مَرَضِيَّةً خطيرة، قيدت الفكر وعاقت سير العلم، وأخرت النهضة، وأوقفت نمو الحضارة، ولكن لم يكن لهذه الظاهرة المرضية وجود في بنية المجتمع الإسلامي، الذي كان -في تلك الفترة الزمنية وقبلها- في أوج عافيته، منارًا لحرية الفكر، وانتشار العلم، وازدهار الحضارة، ومصدر عافيته دائمًا هو الإسلام، الذي يحض على العلم ويدعو إليه، ولا يعرف تاريخه هذا الصراع العجيب بين العلم والدين"١.
٣- إن دعوة المنهج الإسلامي إلى إعمال العقل بتوجيهه الدائم إلى التدبير والتفكير، في كل جوانب الكون والحياة، للتعرف على الحقائق بشمول وعمق؛ هو منهج العلم في أصدق أصوله، وأرسخ قواعده، فهو المنهج الذي يرفع من شأن البحث العلمي الذي يوصل إلى معرفة الحق، ويؤدي إلى الإذعان له، لما يقوم عليه العلم الصحيح من الحجة القوية، والبرهان المقنع، وليس يقبل في هذا المنهج الاعتماد على الظن
стр. 233
والتخمين طريقًا للوصول إلى المعرفة، وإدراك الحقائق، ولقد دعا القرآن الكريم الضالين المكذبين من المشركين وأهل الكتاب إلى أن يأتوا ببرهان على ما يزعمون إن كانوا صادقين.
قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَءلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١.
﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٢.
ويعلي المنهج الإسلامي من قدر العلماء الذين يجعلون علمهم دليلاً إلى عمق الهداية في قلوبهم، وقوة خشيتهم لربهم.
قال تعالى:
﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُون﴾ ٣.
﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٤.
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ ٥.
﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ ٦.
стр. 234
﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ ١.
٤- وإذا كان القرآن الكريم كتاب عقيدة وهداية، فإن خير ما يطلب كانت العقيدة في مجال العلم أن يحث على التفكير، ولا يتضمن حكمًا من الأحكام يشل حركة العقل وتفكيره، أو يحول بينه وبين الاستزادة من العلوم، ما استطاع حيثما استطاع، وكل هذا مكفول للمسلم في كتابه، كما لم يُكْفَلْ قَطٌّ في كتاب من كتب الأديان، وهو بذلك يطابق العلم، أو يوافق العلوم الطبيعية بهذا المعنى الذي تستقيم به العقيدة، ولا تتعرض للنقائض والأظانين، كلما تبدلت القواعد العلمية، أو تتابعت الكشوف بجديد ينقض القديم أو يبطل التخمين٢.
على أنه ليس لنا أن نتلمس للنصوص القرآنية مصداقًا من النظريات العلمية -حتى ولو كان ظاهر النص يتفق مع النظرية وينطبق- فالنظرية العلمية قابلة دائمًا للانقلاب رأسًا على عقب، كلما اهتدى العلماء إلى فرض جديد، وامتحنوه فوجدوه أقرب إلى تفسير الظواهر الكونية من الفرض القديم، الذي قامت عليه النظرية الأولى، والنص القرآني صادق بذاته، اهتدى العلم إلى الحقيقة التي يقررها أم لم يهتدِ.
وفرق ما بين الحقيقة العلمية والنظرية العلمية، فالحقيقة العلمية قابلة للتجربة وثابتة في جميع الأحوال. أما النظرية العلمية فهي قائمة على فرض يفسر ظاهرة كونية أو عدة ظواهر، وهي قابلة للتغيير والتبديل والانقلاب، ومن ثم فلا يحمل القرآن عليها، ولا تحمل هي على القرآن، فلها طريق غير طريق القرآن، ومجال غير مجال القرآن.
وتَلمُّس موافقات من النظريات العلمية للنصوص القرآنية هو هزيمة
стр. 235
لِجِدِّيَّةِ الإيمان بهذا القرآن واليقين بصحة ما جاء فيه، وأنه من لدن حكيم خبير، هزيمةٌ ناشئة من الفتنة بالعلم، وإعطائه أكثر من مجاله الطبيعي الذي لا يصدق ولا يوثق به إلا في دائرته، فلينتبه إلى دبيب الهزيمة من نفسه أنه بتطبيق القرآن على العلم يخدم القرآن ويخدم العقيدة ويثبت الإيمان.
إن الإيمان الذي ينتظر كلمة العلم المتقلبة لِيَثْبُتَ لهو إيمان يحتاج إلى إعادة النظر فيه. إن القرآن هو الأصل والنظريات العلمية توافقه أو تخالفه سواء. أما الحقائق العلمية التجريبية الثابتة فمجالها غير مجال القرآن. وقد تركها القرآن للعقل البشري يعمل فيها بكامل حريته، ويصل إلى النتائج التي يصل إليها بتجاربه، ووكل نفسه بتربية هذا العقل على الصحة والاستقامة والسلامة، وتحريره من الوهم والخرافة. كما عمل على إقامة نظام للحياة يكفل لهذا العقل أن يستقيم وأن يتحرر، وأن يعيش في سلام ونشاط. ثم تركه بعد ذلك يعمل في دائرته الخاصة. ويصل إلى الحقائق الجزئية الواقعية بتجاربه. ولم يتعرض لذكر شيء من الحقائق العلمية إلا نادرًا، وما أثبته القرآن أثبته العلم التجريبي من هذه الحقائق، مثل إن الماء أصل الحياة، والعنصر المشترك في جميع الأحياء، ومثل إن جميع الأحياء أزواج حتى النبات الذي يلقح من نفسه، فهو يحتوي على خلايا التذكير والتأنيث"١.
стр. 236
السمو بالنفس وتطهير الضمير:
١- إن إصلاح الفرد إصلاحًا يجعله جديرًا بحمل المبادئ الفاضلة، والعمل لتحقيق الأهداف السامية؛ لا يتم ولا يؤدي ثمرته المرجوة إلا إذا مَسَّ الإصلاح -أولاً- نفسه التي بين جنبيه، باعتبارها مصدر السلوك وموطن الشعور، ومبعث الأعمال التي توصف بالخير أو الشر، وتضع الإنسان مع الأخيار المفلحين، أو الأشرار الخائبين، كما قال تعالى:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ١.
ولذا فإن تربية الضمير من أخطر المهام التي يتعلق بها مصير الإنسان، ويتوقف عليها ضمان سعادة الفرد وتماسك المجتمع، ومن الضروري أن يوضع لها من القواعد والأسس ما يتناسب مع دقة مهمتها وجلال رسالتها؛ لأن أي انحراف في المنطق سيئول في النهاية إلى الضياع والهلاك. وخطر الانحراف في تربية الضمير، أو إهمال تربيته؛ هو في ذلك الامتداد والتوسع الذي يشمل كل جزء من أجزاء النشاط الإنساني. ويؤكد الواقع أنه ليس لأي عامل من عوامل الحركات الإنسانية -مهما
стр. 237
بلغ من الدقة والتنظيم والإحكام- أثر أقوى وأبلغ وأشد فاعلية في توجيه البشر من الإيمان، وأن كل ما عداه من العوامل التي أحلها البشر محل العقيدة، واعتبروها ذات أثر في حركات الأفراد والجماعات، إنما تتفاوت -من حيث القوة والضعف- بمقدار ما بينها وبين الإيمان من المشابهة، في تمكنها من باطن السريرة وأصل الشعور.
إن الإيمان ينشئ في الإنسان ضميرًا واحدًا لا يعتريه ضعفٌ أو انهزام، ولا يتبدل وفق تبدلات الزمان والمكان، ولا يتكيف بحسب البيئة والنظم، ولا يتعطل تحت ضغط الأهواء والشهوات، إنه في يقظة دائمة وتنبه مستمر، يرصد نوازع الشر، ويحذر خداع النفس، ويبين حقيقة الهوى، ويرقب نزغات الشيطان١.
٢- ولما كان بين العقيدة والسلوك أوثق ارتباط وأعمقه وأقواه فإن الثقافة الإسلامية بترسيخها العقيدة في النفس الإنسانية إنما تقيم حجر الزاوية في التطهير النفسي من دنس الأهواء ونزغات الشيطان، وتنقي الضمير من شوائب الانحراف والفساد وبذلك تسمو بهذه النفس إلى حب الفضائل من الصدق والوفاء، والكرم والشجاعة، والتضحية والإيثار، ولا شك أن الارتقاء بالنفس عن المستوى المادي القاصر المحدود يترك أطيب الثمرات في السلوك ويتيح للإنسان أن يحيا حياة كريمة طيبة.
قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ ٢.
ومن شأن الثقافة الإسلامية أن تنشئ شخصية ذات مثل أعلى يتصل بالله
стр. 238
تبارك وتعالى خالق الكون ومفيض الخير والرحمة والنعمة. وبذلك يشتق صاحب هذه الشخصية مثاليته من الحق والخير والكمال، وتتجلى مثاليته بطلب الحقيقة أين كانت، والنزوع إلى الكمال، وحب الخير ويبدو في حب الإنسانية جميعًا والعمل في سبيلها..
ولا شك أن سيطرة هذه المثل على النفس توحدها وتربط دوافعها ونوازعها وعاداتها كلها برباط واحد، تحت قيادة واحدة تسير النفس في ظلها موحدة منسجمة، لا نزاع فيها ولا شذوذ ولا نشاز، كما تستمد من هذه المثل كل نزعة خلقية لدى الفرد، وغذاءها وحافزها وموجهها١.
٣- "وإن منهج الإسلام يتناول الحياة كلها، ويتولى شئون البشرية كبيرها وصغيرها، وينظم حياة الإنسان لا في الحياة الدنيا وحدها، ولكن كذلك في الدار الآخرة، ولا في عالم الشهادة وحده ولكن كذلك في عالم الغيب المكنون عنها، ولا في المعاملات المادية الظاهرة وحدها ولكن كذلك في أعماق الضمير، ودنيا السرائر والنوايا -فهو مؤسسة ضخمة هائلة شاسعة الأطراف- ولا بد له إذن من جذور وأعماق بهذه السعة والضخامة والعمق والانتشار أيضًا.
هذا جانب من سر هذا الدين وطبيعته، يحدد منهجه في بناء نفسه وفي امتداده، ويجعل بناء العقيدة وتمكينها، وشمولها هذه العقيدة واستغراقها لشعاب النفس كلها. ضرورة من ضروريات النشأة الصحيحة، وضمانًا من ضمانات الاحتمال، والتناسق بين الظاهر من الشجرة في الهواء والضارب من جذورها في الأعماق.
ومتى استقرت عقيدة "لا إله إلا الله" في أعماقها الغائرة البعيدة،
стр. 239
استقر معها في نفس الوقت النظام الذي تتمثل فيه "لا إله إلا الله" وتَعَيَّنَ أنه النظام الوحيد الذي ترتضيه النفوس التي استقرت فيها العقيدة واستسلمت هذه النفوس ابتداءً لهذا النظام، حتى قبل أن تعرض عليها تفصيلاته، وقبل أن تعرض عليها تشريعاته، فالاستسلام ابتداء هو مقتضى الإيمان، وبمثل هذا الاستسلام تلقت النفوس -فيما بعد- تنظيمات الإسلام وتشريعاته بالرضى والقبول، لا تعترض على شيء منه فور صدوره إليها، ولا تتلكأ في تنفيذه بمجرد تلقيها له.. وهكذا أبطلت الخمر، وأبطل الربا، وأبطل الميسر، وأبطلت العادات الجاهلية كلها.. أبطلت بآيات من القرآن، أو كلمات من الرسول ﷺ بينما الحكومات الأرضية تجهد في شيء من هذا كله بقوانينها وتشريعاتها، ونظمها وأوضاعها، وجندها وسلطاتها، ودعايتها وإعلامها، فلا تبلغ أن تضبط الظاهر من المخالفات، بينما المجتمع يعج بالمنهيات والمنكرات"١.
٤- إن السمو بالنفس وتربية الضمير -كما جاء بذلك منهج الإسلام- "لا بد أن ينبثق من تصور الإنسان للكون والوجود، الذي يعتمد على أن لهذا الكون إلهًا، وأنه ما من إله غيره خلق الكون وأوجده، وهذا الكون يسير بانتظام مذعنًا لأمر الله ومشيئته، والإنسان جزء من هذا الكون، خلقه الله بطبيعة متميزة لعبادته والانقياد لأمره ولا معنى لحياته إلا أن تكون خالصة العبودية لله، فالغاية البعيدة من مجهودات الإنسان ومساعيه في الدنيا هي ابتغاء وجه الله تعالى ونيل رضاه، وهذا هو المقياس الذي يقاس به في الإسلام كل عمل من أعمال الإنسان ويحكم عليه بالخير أو الشر"٢.
стр. 240
وقد بين شيخ الإسلام "ابن تيمية" "أن الإنسان على مفترق طريقين لا ثالث لهما: فإما أن يختار العبودية لله، وإما أن يرفض هذه العبودية فيقع لا محالة في عبودية لغير الله ... وهو -كما رأيت- يقيم هذا الجزء من نظريته على الأسس النفسية، والتحليل الدقيق للطبيعة البشرية، فالإنسان لا ينفك عن وصف العبودية؛ لأنه كائن حي ذو حاجات ومطامع، ولأن له قلبًا، فإما أن يكون عبدًا لله، وإلا فهو عبد لغيره، وبتعبير آخر إن لم يرضَ أن يكون عبدًا لله استعبدته حاجاته ومطامعه وأهواؤه وشهواته، وطواغيت الجن والإنس، وما يزينون لبني آدم من معبودات.
ومن هذا يتضح أن العبودية لله تحررهم من كل عبودية أخرى شعروا بها أو لم يشعروا، رضوا بها أو سخطوا"١.
"ونظرية "ابن تيمية" في "العبودية" هي في الوقت نفسه نظرية في الأخلاق والفضيلة:
"وقد بين الله أن عباده المخلصين هم الذين ينجون من السيئات التي زينها الشيطان". ص٨٤ - من رسالة العبودية. "وقال تعالى في حق يوسف: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ ٢.
فالله يصرف عن عبده ما يسوؤه من الميل إلى الصورة والتعلق بها، ويصرف عنه الفحشاء بإخلاصه لله". ص٩٩ من رسالة العبودية.
"ومن كانت عبوديته لله وجهاده في سبيله، فعلمه كله فضيلة وهو لا ينحرف في أي شأن من الشئون إلا عندما يزيغ عن هذه العبودية"٣.
стр. 241
٥- ومن منهج الإسلام في السمو بالنفس وتطهير الضمير، ردُّ كل شيء من انفعال الإنسان وحركاته، ونواياه وتطلعاته، وأقواله وأفعاله، إلى الله فهو الذي يعلم ما في نفوس عباده، وما وراء سلوكهم الظاهري، وما يقولون أو يفعلون..
قال تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ ١.
فعلى أساس هذه الحقيقة الإيمانية يسمو الإنسان بنفسه إلى الفضائل ومكارم الأخلاق، ويحيا ضميره على اليقظة والخشية، ومراقبة الله في السر والعلن، وبذلك يظل المؤمن في نجوة من الانزلاق، والوقوع في المعاصي والآثام، ويقيم من ضميره اليقظ ونفسه اللوامة ومراقبة الله وذكره، حارسًا يرغبه في الخير والاستقامة، ويحذره من الشر والانحراف، فإذا أخطأ أو زلَّ -بسبب ضعفه البشري- فإنه سرعان ما يبادر إلى التوبة والاستغفار، والأوبة إلى الله بعد أن يقلع عن الذنب، ويندم عليه، ويعزم على عدم العودة إليه.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
وقد أسهب علماء السلف في تفصيل منهج الإسلام في محاسبة النفس
стр. 242
ومراقبتها، وفق ما جاء في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وألفوا في ذلك كتبًا عدة، وعقد "الإمام أحمد بن عبد الرحمن بن قدامة المقدسي المتوفى سنة ٧٤٢هـ "بابًا في المحاسبة والمراقبة في كتابه "مختصر منهاج القاصدين" الذي اختصر فيه كتاب "منهاج القاصدين ومفيد الصادقين" لابن الجوزي.
ذكر في هذا الباب أن مناط الأمر في الاستقامة وصلاح النفس، متعلق بشعور الإنسان بخطر حسابه عند ربه في الآخرة. وقال:
"وتحقق أرباب البصائر أنهم لا ينجيهم من هذه الأخطار إلا لزوم المحاسبة لأنفسهم، وصدق المراقبة. فمن حاسب نفسه في الدنيا، خفَّ في القيامة حسابه، وحسن منقلبه، ومن أهمل المحاسبة دامت حسراته. فلما علموا أنه لا ينجيهم إلا الطاعة وقد أمرهم الله بالصبر والمرابطة فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ ١.
فرابطوا أنفسهم أولا بالمشارطة، ثم بالمراقبة، ثم بالمحاسبة، ثم بالمعاقبة، ثم بالمجاهدة، ثم بالمعاتبة، فكانت لهم في المرابطة ست مقامات. وأصلها المحاسبة، ولكن كل حساب يكون بعد مشارطة ومراقبة، ويتبعه عند الخسران المعاتبة والمعاقبة"٢.
ثم شرح كل مقام بما يقتضيه من التحليل الدقيق لنوازع النفوس ورغائبها، والآفات التي تعرض لها، مفصلاً طريقة العلاج، وخطة الإصلاح، حتى تستقيم على التقوى، والتزام ما يرضي الله .
стр. 243
أفق البناء الاجتماعي والسياسي إنشاء المجتمع الفاضل:
لا بد لتحقيق المجتمع الفاضل من توافر عناصر عدة تضمن لهذا المجتمع القوة والوحدة، والتماسك والاستمرار، والإسهام في البناء الحضاري الخيِّر للإنسانية جمعاء.. من هذه العناصر:
أولا: صياغة الفرد صياغة تقوم على أساس إبراز خصائصه الإنسانية العليا، وتطهيره من أدران الهبوط والإسفاف، والتجافي به عن كل ما يتنافى مع أصالة فطرته، وكمال إنسانيته، والسمو به فكرًا وروحًا وشعورًا وسلوكًا.
ثانيا: صياغة المجتمع على أساس إنساني عالمي، يقوم على مبادئ سليمة، وغايات طيبة وأخلاق قويمة، وروابط تحقق الوحدة والتكافل والعدل، وتمنع الفرقة والأثرة والظلم.
ثالثًا: إقامة العلاقات بين الفرد والمجتمع على أساس التساند والتوازن بين النزعتين الفردية والجماعية، بحيث لا تطغى نزعة على أخرى، ولا يقع أي تعارض أو تطرف بين النزعتين، أو يجري أي خلل في الحقوق والواجبات.
رابعًا: انبثاق النظام الاجتماعي بمعناه الشامل -في جوانبه التربوية والسياسية والاقتصادية والخلقية- من عقيدة حقة واضحة صحيحة، لا لبس
стр. 244
فيها ولا غموض، ولا بد أن تكون هذه العقيدة حية تبعث الحركة والنشاط لدى الفرد والجماعة.
ويحقق الإسلام هذه العناصر التي يقوم عليها المجتمع الفاضل على أساس إيجابي وآخر سلبي، تطبيقًا لمنهجه في إقامة المعروف، وهدم المنكر، ويصوغ الفرد والجماعة والعلاقة بينهما، والنظام الذي لا غنى عنه لحياة اجتماعية صحيحة، على أساس عقيدة التوحيد الفطرية السليمة، التي جاءت بالخير والحق، والاستقامة والرشاد، وفق المنهج الإلهي الذي قرره الله تبارك تعالى في كتابه الكريم: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ١.
وتحقق فيما شرع الله عناصر هذا المجتمع الفاضل على أكمل صورة، وأقوم تربية، وأقوى كيان، بحيث يكون "المجتمع الإسلامي" هو وحده من دون أي مجتمع إنساني آخر "المجتمع الفاضل" المنشود.
١- صياغة الفرد:
أ- الفرد هو الإنسان الذي خلقه الله بيديه، ونفخ فيه من روحه، وفضله على كثير من خلقه، وسخر له ما في السموات والأرض، وكرَّمه أعظم تكريم، وخلقه في أحسن تقويم، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، وحمَّله الأمانة الغالية، وأكرمه بالفطرة الطيبة وأعده أكمل إعداد وأوفاه، وأمره أن يعبد الله وحده لا شريك له، عبادة خالصة يؤدي بها شكر ربه ويبتغي ثوابه ورضاه.
قال تعالى:
стр. 245
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ١.
﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ ٢.
ب- إن الإسلام بهذا قد كرم الفرد الإنساني كرامة رائعة ينالها منذ تكوينه جنينًا في بطن أمه، وهي كرامة ينشرها منهج الإسلام على كل فرد من البشر، ذكرًا كان أو أنثى، أبيض أو أسود، ضعيفًا أو قويًّا فقيرًا أو غنيًّا، كما يصون منهج الإسلام دم الإنسان أن يسفك، أو عرضه أن ينتهك، وماله أن يغتصب، ومسكنه أن يقتحم، ونسبه أن يبدل، ووطنه أن يخرج منه أو يزاحم عليه، وضميره أن يتحكم فيه قسرًا، وتعطل حريته خداعًا ومكرًا ... فهو حمى محمي، وفي حرم محرم، ولا يزال كذلك حتى ينتهك هو حرمة نفسه، وينزع بيده هذا الستر المضروب عليه، بارتكاب جريمة ترفع عنه جانبًا من تلك الحصانة، وهو بعد ذلك بريء حتى تثبت جريمته، ولم يكتفِ الإسلام بأن عرف كل فرد حقه نظريًّا في هذه الحصانة الإنسانية، ولكنه أخذ يهيب به أن يدافع عن هذا الحق، وطفق يحرضه أشد التحريض على أن يقاتل دونه وأن يضحي بنفسه في سبيله٣.
ج- وإذا كانت الكرامة الإنسانية -كما قررها منهج الإسلام- سياجًا لحرمة الإنسان وحصانة له، وحفظًا لحقوقه، فإنها -من ناحية آخرى- روح تحمل الإنسان على أن يعرف في هذا الوجود مكانته
стр. 246
التي بوأه الله إياها، ووظيفته التي كلفه بها، ويقتضي ذلك منه أن يتحرك وفق خصائص الإنسانية الأصيلة، وفطرته الطيبة النقية، فلا يهبط ولا يسف، ولا يتقاصر عن السمو والارتقاء، بل ينطلق في رحاب الجد والعلم والإنتاج، دون أن يشرب انطلاقه غرور أو ظلم أو كبرياء.
د- يقوم التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان على حقيقة أن كل شيء يخضع لله وينقاد لأمره.
﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُون﴾ ١.
فالإنسان -وفق التصور- مكلف بحكم ما أودع الله فيه من الفطرة، وما مَيَّزَهُ به من العقل، أن يصبغ حياته كلها وفق مقتضى هذه الحقيقة، بحيث يحقق في حياته معنى الطاعة الكاملة لله، والانقياد التام لأمره، والإذعان لحكمه، فإذا انسجم بكل ملكاته وطاقاته مع هذا اليقين، واتجه بصدق وإخلاص نحو هذه الغاية، كان مؤمنًا حقًّا، والمؤمن هو الفرد الصالح النافع، الذي يحسن إلى نفسه وإلى الناس.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ٢.
﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ٣.
ولا بد أن يتم توافق الإنسان وانسجامه الكامل، مع هذه الغاية التي
стр. 247
قررها المنهج الرباني، بحيث يشمل فكر الإنسان ونيته، وشعوره وإرادته، وسلوكه وحركته، وبذلك يدرك مكانه في هذا الوجود، وعلاقته بهذا الكون، وتقويمه لهذه الحياة، فلا يزلّ ولا يَضِل، ولا تتشعب به السبل، أو تلتوي به المسالك، وبذلك تخلو حياته عن العبث والفراغ.
قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ، فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ ١.
٢- صياغة المجتمع:
تنطلق صياغة المنهج الإسلامي للمجتمع من حيث المبادئ والغايات، والروابط والأخلاق، والمثل والتشريعات، من حقيقتين أصيلتين راسختين، تنبثق عنهما وتتحرك بهما، وتتأثر بإيحائهما، وتستنير بهديهما كل المسائل والقضايا المتصلة بالمجتمع على أي مستوى كان، وفي أي زمان ومكان، بحيث لا تقوم مشكلة إلا وتجد الحل الناجع الحاسم، ولا ينشب خلاف إلا وينتهي بالوفاق والوئام، وتسود الطمأنينة ويعم الرخاء وينتشر السلام.
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ ٢.
стр. 248
ويقول الرسول ﷺ :
"أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أبيض، ولا لأبيض على أحمر فضل إلا بالتقوى" ١.
واتحدت مع طبيعة الأصل والنشأة تلك الفطرة التي فطرها الله عليها، وتلك الاستعدادات التي أودعها الله فيهم، فهم من حيث علاقتهم بها في هذه الحياة من متع وزينة، إنما يصدرون عن حب لها وتطلع إليها.
قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ ٢.
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ٣.
وهاتان الحقيقتان هما:
أ- وحدة الأصل: فالبشر جميعًا ينتسبون إلى أب واحد وأمٍّ واحدة، وإذا اختلفوا جنسًا ولونًا ووطنًا، فلا ينبغي أن يكون اختلافهم الذي
стр. 249
اقتضته حكمة الله لعمارة الأرض بهم، عائقًا عن مشاركتهم الإيجابية في هذه الوظيفة الإنسانية، التي يفرض أداؤها على الوجه الصحيح، التعارف فيما بينهم، والتعاون الخيِّر البنَّاء، وهذا هو المعنى الإنساني الأصيل الذي يقرره منهج الإسلام، وتغذية توجيهاته وقواعده وأحكامه.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ١.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٢.
وإذا كان الناس قد خلقوا -كما يقرر منهج الإسلام- من نفس واحدة، فإن الوحدة الإنسانية فيما بينهم، متحققة أتم تحقق في خصائصهم الإنسانية، التي أودعها الله فيهم، فهم لا يختلفون من حيث أصل النشأة، فقد خلقهم الله من التراب فاتحدت بذلك طبيعتهم.. ومن شأن وحدة الطبيعة فيهم، أن توجه طاقاتهم لما يحقق النفع والخير لهم.
ب- وحدة العقيدة: ومحور هذه الحقيقة هو تلك الصلة التي تجعل البشر جميعًا عبادًا لله وعقيدة التوحيد هذه تؤكد أن رسل الله -عز
стр. 250
وجل- قد جاءوا جميعًا بذلك الدين الواحد وهو "الإسلام":
﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلام﴾ ١.
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ٢.
فهذا هو أساس العقيدة الذي لا يتبدل، أما التشريع الذي ينظم حياة الجماعة فهو الذي يتطور في الرسالات الإلهية على أيدي الرسل، تبعًا لمصلحة البشرية ودرجة نموها وتطور إدراكها، حتى إذا جاء الإسلام في صورته النهائية التي جاء عليها في رسالة محمد ﷺ كان قد احتضن الفكرة الأساسية في دين الله الواحد، واستقى الصالح من المبادئ والتشريعات والنظم في الرسالات السابقة، وأكمل الناقص منها وأتمَّهُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ ٣.
وتؤكد الآيات الكريمة في كتاب الله وحدة العقيدة هذه؛ ببيان أن كل دين كان هو الإسلام في صورة من صوره الموحدة الأصل، وتكشف لنا عن الطبيعة العالمية للإسلام باحتضانه كافة العقائد السماوية قبله، واحترامها واحترام أنبيائها وأتباعها، ومودته للمؤمنين منهم، وسماحته بحرية العبادة حتى إن لم يؤمنوا به، ما لم يقاوموه ويحادوه.
في سورة الأعراف ترد قصص نوح وهود وصالح متجاورة، فيرد