← Общие книги

Общие книги · id 11364

لمحات في الثقافة الإسلامية

عمر عودة الخطيب

Полный текст (407 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

التي بوأه الله إياها، ووظيفته التي كلفه بها، ويقتضي ذلك منه أن يتحرك وفق خصائص الإنسانية الأصيلة، وفطرته الطيبة النقية، فلا يهبط ولا يسف، ولا يتقاصر عن السمو والارتقاء، بل ينطلق في رحاب الجد والعلم والإنتاج، دون أن يشرب انطلاقه غرور أو ظلم أو كبرياء. د- يقوم التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان على حقيقة أن كل شيء يخضع لله وينقاد لأمره. ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُون﴾ ١. فالإنسان -وفق التصور- مكلف بحكم ما أودع الله فيه من الفطرة، وما مَيَّزَهُ به من العقل، أن يصبغ حياته كلها وفق مقتضى هذه الحقيقة، بحيث يحقق في حياته معنى الطاعة الكاملة لله، والانقياد التام لأمره، والإذعان لحكمه، فإذا انسجم بكل ملكاته وطاقاته مع هذا اليقين، واتجه بصدق وإخلاص نحو هذه الغاية، كان مؤمنًا حقًّا، والمؤمن هو الفرد الصالح النافع، الذي يحسن إلى نفسه وإلى الناس. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ٢. ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ٣. ولا بد أن يتم توافق الإنسان وانسجامه الكامل، مع هذه الغاية التي

стр. 247

قررها المنهج الرباني، بحيث يشمل فكر الإنسان ونيته، وشعوره وإرادته، وسلوكه وحركته، وبذلك يدرك مكانه في هذا الوجود، وعلاقته بهذا الكون، وتقويمه لهذه الحياة، فلا يزلّ ولا يَضِل، ولا تتشعب به السبل، أو تلتوي به المسالك، وبذلك تخلو حياته عن العبث والفراغ. قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ، فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ ١. ٢- صياغة المجتمع: تنطلق صياغة المنهج الإسلامي للمجتمع من حيث المبادئ والغايات، والروابط والأخلاق، والمثل والتشريعات، من حقيقتين أصيلتين راسختين، تنبثق عنهما وتتحرك بهما، وتتأثر بإيحائهما، وتستنير بهديهما كل المسائل والقضايا المتصلة بالمجتمع على أي مستوى كان، وفي أي زمان ومكان، بحيث لا تقوم مشكلة إلا وتجد الحل الناجع الحاسم، ولا ينشب خلاف إلا وينتهي بالوفاق والوئام، وتسود الطمأنينة ويعم الرخاء وينتشر السلام. قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ ٢.

стр. 248

ويقول الرسول ﷺ : "أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أبيض، ولا لأبيض على أحمر فضل إلا بالتقوى" ١. واتحدت مع طبيعة الأصل والنشأة تلك الفطرة التي فطرها الله عليها، وتلك الاستعدادات التي أودعها الله فيهم، فهم من حيث علاقتهم بها في هذه الحياة من متع وزينة، إنما يصدرون عن حب لها وتطلع إليها. قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ ٢. ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ٣. وهاتان الحقيقتان هما: أ- وحدة الأصل: فالبشر جميعًا ينتسبون إلى أب واحد وأمٍّ واحدة، وإذا اختلفوا جنسًا ولونًا ووطنًا، فلا ينبغي أن يكون اختلافهم الذي

стр. 249

اقتضته حكمة الله لعمارة الأرض بهم، عائقًا عن مشاركتهم الإيجابية في هذه الوظيفة الإنسانية، التي يفرض أداؤها على الوجه الصحيح، التعارف فيما بينهم، والتعاون الخيِّر البنَّاء، وهذا هو المعنى الإنساني الأصيل الذي يقرره منهج الإسلام، وتغذية توجيهاته وقواعده وأحكامه. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ١. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٢. وإذا كان الناس قد خلقوا -كما يقرر منهج الإسلام- من نفس واحدة، فإن الوحدة الإنسانية فيما بينهم، متحققة أتم تحقق في خصائصهم الإنسانية، التي أودعها الله فيهم، فهم لا يختلفون من حيث أصل النشأة، فقد خلقهم الله من التراب فاتحدت بذلك طبيعتهم.. ومن شأن وحدة الطبيعة فيهم، أن توجه طاقاتهم لما يحقق النفع والخير لهم. ب- وحدة العقيدة: ومحور هذه الحقيقة هو تلك الصلة التي تجعل البشر جميعًا عبادًا لله وعقيدة التوحيد هذه تؤكد أن رسل الله -عز

стр. 250

وجل- قد جاءوا جميعًا بذلك الدين الواحد وهو "الإسلام": ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلام﴾ ١. ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ٢. فهذا هو أساس العقيدة الذي لا يتبدل، أما التشريع الذي ينظم حياة الجماعة فهو الذي يتطور في الرسالات الإلهية على أيدي الرسل، تبعًا لمصلحة البشرية ودرجة نموها وتطور إدراكها، حتى إذا جاء الإسلام في صورته النهائية التي جاء عليها في رسالة محمد ﷺ كان قد احتضن الفكرة الأساسية في دين الله الواحد، واستقى الصالح من المبادئ والتشريعات والنظم في الرسالات السابقة، وأكمل الناقص منها وأتمَّهُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ ٣. وتؤكد الآيات الكريمة في كتاب الله وحدة العقيدة هذه؛ ببيان أن كل دين كان هو الإسلام في صورة من صوره الموحدة الأصل، وتكشف لنا عن الطبيعة العالمية للإسلام باحتضانه كافة العقائد السماوية قبله، واحترامها واحترام أنبيائها وأتباعها، ومودته للمؤمنين منهم، وسماحته بحرية العبادة حتى إن لم يؤمنوا به، ما لم يقاوموه ويحادوه. في سورة الأعراف ترد قصص نوح وهود وصالح متجاورة، فيرد

стр. 251

فيها نص واحد على لسان هؤلاء الأنبياء في دعوتهم إلى أقوامهم منذ أقدم الرسالات: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ١. ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٢. ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ٣. وفي سورة البقرة دعا على لسان إبراهيم وإسماعيل في أثناء قيامهما ببناء البيت الحرام يقولان فيه: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ ٤. وحكاية كذلك عن إبراهيم ويعقوب والأسباط: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ، إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ

стр. 252

مُسْلِمُونَ، أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ١. وهكذا يتضح أن الرسل جمعيًا جاءوا برسالة واحدة هي عبادة الله وحده بلا شريك، وهي الإسلام في معناه العام، وعلى أساس هذا كان إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط مسلمين. وتبعًا لهذه الحقيقة الكلية يؤمن المسلمون بالرسل جميعًا، ولا يفرقون بينهم، ولا يكرهون دياناتهم، ولا أتباع هذه الديانات، وكل ما يطلبونه منهم أن يؤمنوا هم كذلك بما جاء به محمد ﷺ مصدقًا لما بين أيديهم، فإن لم يستجيبوا، فهم وما يشاءون، وليدعوا المسلمين آمنين يبلغون دعوتهم للعالمين. والإسلام تبعًا لفكرته عن هذه الديانات المختلفة، وتمشيًا مع نزعته العالمية، لا يبت الصلة بينه وبين من لا يؤمنون به ما داموا لا يحاربونه، ولا يمنعون دعوته أن تبلغ الناس، ولا يفسدون في الأرض ولا يعتدون على الضعفاء، بل يفسح للداخلين في سلطانه مجال الحياة كاملاً، ويفسح لمن لا سلطان عليهم مجال التعاون العالمي في الخير والصلاح٢. وبهذا يتبيَّن أن المجتمع الذي يصوغه الإسلام، هو المجتمع الذي يقوم على وحدة الأصل ووحدة العقيدة، وما ينبثق من هذه الوحدة من المبادئ السامية والغايات النبيلة، والأخلاق الفاضلة، والضوابط المحكمة، والروابط الوثيقة، التي تجعل من هذا المجتمع الإنساني الكبير

стр. 253

النموذج الذي تتشكل على صورته الفذة الوحدات الاجتماعية الأخرى التي يقتضي العمران البشري قيامها، ضمن حدود مكانية وزمانية معينة، فإذا ما قدمت هذه المجتمعات على جوهر هاتين الحقيقتين، لم تكن الأوضاع الخاصة والأشكال التي تقتضيها الاعتبارات الجغرافية أو السكانية أو الاقتصادية أو غير ذلك من الاعتبارات، عاملاً من عوامل الفرقة والخلاف، بل دعمًا للحقيقتين الأصيلتين وإغناءً لهما، وتطبيقًا لما تقرر أنه من المعاني الإنسانية التي يتحقق بها للبشر الخير والعدل والسلام. ٣- التوازن بين الفرد والمجتمع: أ- حين تتم الصياغة للفرد والمجتمع على أساس من حقائق المنهج الإسلامي، الذي لا يقيم أي وزن للنعرات الجنسية، أو العصبيات العنصرية، أو الفروق اللونية، أو الامتيازات الطبقية؛ فإن من الطبيعي أن تنعدم في كيان هذا المجتمع وروحه، آفات التصادم والتنافر بين النزعتين الفردية والجماعية، وبذلك يقوم المجتمع على أسس التوازن الكامل بين مطالب الفرد وحق الجماعة، في جو عامر بالأخوة والود، والحرية والعدالة، والمساواة في الحقوق والواجبات. ب- وإن مما يؤكد هذا التوازن قيامه على وعي المسلم بحق الجماعة، وشعوره بواجب التعاون معها، وتنديده بالنزعات الانعزالية التي تنمي الأثرة والفردية، وتنكمش عن التعاون الاجتماعي، ويعد الإسلام الحافز الاجتماعي لدى الفرد، الذي يحمل على نفع الناس والتعاون معهم، مقياس القرب من الله . قال رسول الله ﷺ :

стр. 254

"الخلق كلهم عيال الله فأَحَبّهُمْ إلى الله أنفعهم لعياله"١. ويعد الإسلام كل عمل اجتماعي نافع عبادة من أفضل العبادات ما دام قصد فاعله الخير لا تصيد الثناء، واكتساب السمعة الزائفة عند الناس. كل عمل يمسح به الإنسان دمعة محزون، أو يخفف به كربة مكروب، أو يضمد به جراح منكوب، أو يسد به رمق محروم، أو يشد به أزر مظلوم، أو يقيل به عثرة مغلوب، أو يقضي به دين غارم مثقل، أو يأخذ بيد فقير متعفف ذي عيال، أو يهدي حائرًا، أو يعلم جاهلاً، أو يؤوي غريبًا، أو يدفع شرًا عن مخلوق، أو أذى عن طريق، أو يسوق نفعًا إلى ذي كبد رطبة، فهو عبادة وقربة إلى الله إذا صحت فيه النية. بمثل هذه الروح يستحث الإسلام كل مسلم -وإن يكن محدود الاستطاعة- أن يؤدي هذه العبادة أو "الضريبة الاجتماعية".. وفي هذه الدائرة الرحبة من أعمال البر العامة التي تشمل الإنسان وغير الإنسان يجد المهتمون بالعبادة، الراغبون في الإكثار منها، والمهتمون بخدمة المجتمع والإحسان إلى الخلق أيضًا ما يشبع نهمهم ويتجاوب مع أشواقهم، بدل أن يحصروا في عبادات "الصوامع" وحدها، وينقطعوا عن ركب الحياة٢. ج- وإذا كان الدين الحق هو الذي ينمي في الإنسان روح الشعور بحق الجماعة، والحضارة الخالدة هي التي تحمل أبناءها على الشعور بشعور الجماعة، والأمم الراقية هي التي تغلب الروح الجماعية كل نزعة فردية وانعزالية في أبنائها.. فإن من الحق أن نقرر أن الإسلام يحتل مكان الصدارة بين الديانات التي تدعو إلى التعاون، وتحارب العزلة والانكماش

стр. 255

وتقوي صلة الفرد بالمحيط الذي يعيش فيه عن طريق العبادة والتربية والتشريع١. "ومع كل هذا فقد بدا لبعض المستشرقين أن يصوروا المسلم على أنه ذو نزعة فردية لا تقاوم، لم يعرف معنى رباط التضامن في يوم من الأيام"٢ وإن الدين الإسلامي -كما يقول أحد المستشرقين- يحترم النزعة الفردية ويقدسها، ولا يعرف معنى اندماج النفوس وتلاشيها في تنظيم كبير: "فليست الأعمال الجماعية مثل صلاة الجمعة، ووَقْفَة عرفات، وصلاة الأعياد، إلا أعمالاً فردية يؤديها المؤمنون في وقت واحد ومكان واحد، دون أن تتخذ طابع الاحتفالات الموجهة أو المنظمة وفق تنسيق خاص"٣. وسوف يلاحظ أي إنسان يحضر صلاة الجماعة للمسلمين، أن هذا القول لا أساس له من الصحة، وسوف لا يرى المؤمنين مبعثرين في غير نظام، يصلي كل واحد من أجل نفسه، أو يحضر كمشاهد، بينما إمامهم يؤدي وحده جوهر الفريضة الدينية؛ وإنما سوف يرى المؤمنين مصطفِّين في نظام جميل، متلاصقين كتفًا إلى كتف، الغني بجانب الفقير، والرئيس بجوار مرءوسه في وضع واحد، واتجاه واحد، ودعاء واحد، كل منهم يدعو للجميع: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ . إنهم جميعًا يطلبون النجاة والفلاح، ليس فقط لمجموعة المصلين، وإنما لجميع عباد الله الصالحين أينما كانوا: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"٤.

стр. 256

د- ويرى بعض المستشرقين -من المنصفين- عكس ما يراه غيرهم من المتعصبين.. بل لقد ألحت فكرة موقف الإسلام من الجماعة، وصياغتها على العقيدة والعوامل الروحية. وفكرة الوحدة.. على واحد من هؤلاء المستشرقين وهو "مونتغمري وات" -عميد قسم الدراسات العربية بجامعة "أدنبرة"- فأصدر كتابًا سماه: "الإسلام والجماعة المتحدة" قال فيه: "إن فكرة الأمة -كما جاء بها الإسلام- هي الفكرة البديعة التي لم يسبق إليها، ولم تزل إلى هذا الزمن ينبوعًا لكل فيض من فيوض الإيمان يدفع بالمسلمين إلى "الوحدة" في "أمة" واحدة، تختفي فيها حواجز الأجناس واللغات وعصبيات النسب والسلالة. وقد تفرد الإسلام بخلق هذه الوحدة بين أتباعه، فاشتملت أمته على أقوام من العرب والفرس والهنود والصينيين والمغول والبربر والسود والبيض، على تباعد الأقطار، وتفاوت المصالح، ولم يخرج من حظيرة هذه الأمة أحد لينشق عليها، ويقطع الصلة بينها"١. هـ- ولقد غابت هذه الحقيقة عن الرأسمالية في الغرب والشيوعية في الشرق، فكان هذا التناقض والتنافر والصدام وهذه الحقيقة ليست أمرًا معقدًا غامضًا. ولكن تجاهلها والانحراف عنها لا بد أن ينتهي إلى التعقيد والغموض ويدفع إلى التخبط والاضطراب، وتلتوي السبل، وتتعرج المسالك، ولا تبلغ بسالكيها إلا إلى متاهات لا حدود لها، وضياع لا اهتداء معه. لقد انحرفت تلك الفلسفات عن هذه الحقيقة التي يقررها الإسلام -انطلاقًا من روح الفطرة الإنسانية- وتجاوزت تلك الفلسفات نهج

стр. 257

الفطرة السوية، ووقفت عند ظاهرة التعارض السطحي، وتحركت تفلسف التناقض وجنحت إلى طرفيه، فالتزمت إحداها طرف الفردية وفسرت الحياة والمجتمع من خلاله، وصاغت النظام بتأثير منه، والتزمت إحداها الطرف المقابل، وجاءت بتفسير للحياة ونظامٍ لها على النقيض من الآخر، واتسعت شقة الخلاف واحتدم الصراع. أما الإسلام -وهو دين الفطرة- فقد جاء يوفق بقدر ما في طاقة البشر بين النزعتين الأصيلتين: الفردية والجماعية، ويغذيهما معًا، ويجعلهما متساندتين بدلًا من أن تكونا متنازعتين. ولا يعد الإسلام تغذية إحدى النزعتين إساءة إلى الأخرى، أو إسقاطًا لها من الحساب، بل ينظر إليهما معًا. مقررًا حاجة الحياة إليهما بباعث الفطرة التي لا يمكن أن تستقيم بإحداهما دون الأخرى، ولذلك لا يكبت أيًّا منهما، ويلقي على الفرد والجماعة عددًا من المسئوليات والتبعات، لصياغة الفرد والجماعة على أساسٍ من التوازن الدقيق، والتعاون الوثيق١. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ٢. ويرى الإسلام أن التعاون في المجتمع إنما يقوم على الاختيار بدلًا من الإلزام، وهو ليس قاصرًا على جانب واحد، ولكنه متعدد الجوانب، ويتحقق فيه التوازن والتعادل بين الغنى والفقر، بمعنى انعدام الفجوات القائمة على الشحناء والبغضاء، والحقد والكراهية بين الغني والفقير، ولم تستطع النظم المادية التي تقوم على النزعة الجماعية، وسحق الروح الفردية -بالسطوة والقوة والإلزام- أن تنزع البغضاء والكراهية

стр. 258

من نفوس الأفراد لتحقيق الروح التعاونية المنتجة في المجتمع، بل إنها -على العكس من ذلك- دمَّرت هذه الروح وقضت عليها؛ حين أقامت العلاقات الاجتماعية، بالتربية السيئة والقهر القانوني على قاعدة الحقد والكراهية والبغضاء، فلم ينعدم التعاون في تلك المجتمعات فحسب، بل اعتبرته تلك الأنظمة آفة من آفات المجتمع؛ لأنه ينبثق من الضمير الذي لم يبلغ الدرجة المطلوبة من الوعي والنضج، وهي تعني بذلك أن يظل الضمير الإنساني مشحونًا بالمقت والحقد ضد الروح الإنسانية، ومحبة الإنسان لأخيه الإنسان، حتى يُعَدَّ لديها واعيًا ناضجًا. ومن هنا يبدو الفرق بين نظرة الإسلام المرتكزة على تربية الضمير بالإيمان والخير والحب والإحسان والتعاون، وبين نظرة هذه النظم المرتكزة على تغذية هذا الضمير بالشر والكراهية، ومقت الإحسان والتعاون.. "وشتان بين إنسان له مستوى الإنسانية في السلوك والتصرف وإنسان آخر يؤمن بقوة العلم، ولا يؤمن بقوة الخلق. يؤمن بقيمة التطور في الصناعة، ولكنه يكفر بهدف الخير ومصلحة المجتمع الإنساني كله"١. ٤- العقيدة والنظام الاجتماعي: - إن أي تعايش بين مجموعة من الناس، لا يمكن أن يكون صحيحًا وسليمًا ومنتجًا، إلا إذا قام على ضرب من التوافق بين أفراد هذه المجموعة على دعم الخير وهدم الشر، وإشاعة الحق وإزهاق الباطل، وتقوية كل ما يصلح وينفع، ومقاومة كل ما يفسد ويضر.

стр. 259

ولكن هل يكفي أن يتحول هذا التوافق إلى عرف عام، ينتقل بعد ذلك إلى قانون له صفة الإلزام؟ إن الحقيقة أن هذا التوافق -وهو فكر وخلق بحكم طبيعته وهدفه- لا يمكن أن يُعَوَّلَ عليه ويُطمأن إليه، إذا لم يكن مشتقًّا من عقيدة تطبع الجماعة بطابعها، وتصبغها بصبغتها، ولن تبلغ النظم المنبثقة من هذا التوافق الاجتماعي هدف الإلزام الذي لا مناص منه، إذا لم يقم على أساس من الفطرة التي تحب الخير وتكره الشر، وتقبل على الحق وتنأى عن الباطل، وتتفاعل مع مقتضيات الاستقامة، وتتجافى عن جواذب الانحراف، ثم لا بد مع هذا من قيام هذا التوافق على مبدأ الثواب والعقاب، والمسئولية والجزاء، حتى تكون قيم الجماعة مصونة من أن ينالها الضعف أو الفساد، وحتى يكون كيان الجماعة نفسها آمنًا قويًّا سليمًا. ب- وعلى هذا فالعقيدة إذن: هي التي تصون القيم الإنسانية، وتهذب ضمير الفرد، وتقوي فطرته الطبيعية، كما تحتفظ للجماعة قوتها وسلامتها ووحدتها، لأنها "منتهى ما تصل إليه الجماعة لحفظ كيانها، وتحقيق أهدافها الفطرية في قيام حياة اجتماعية، منتطمة متحركة ودائمة، وما دامت العقيدة فإن الجماعة تدوم، فإذا زالت فإن تلك الجماعة تنحل وينقرض وجودها"١. إن أي مجتمع من المجتمعات البشرية لا بد أن يرتكز توافق أفرادها على عقيدة ربانية، توحد أفكارهم ومفاهيمهم ومشاعرهم، وتضبط بها تصرفاتهم وأوضاعهم وسلوكهم، حتى يصح أن يوصف هذا المجتمع بالصلاح والتماسك والثبات والاستقرار. ومن هنا فقد جاء الإسلام

стр. 260

يبين لنا "أن أساس المجتمع الفاضل عقيدة صالحة، ترفع عن العقول لوثة الوثنية، وانحراف التفكير، وضلال العبادة، وتطهر المجتمع من الزيغ وعبادة الأصنام، وتدعو إلى عبادة الله الواحد الأحد، المستحق للعبادة، والمتفرد بها، وأنه هو الخالق القادر، ليس له كفء ولا مثيل، ولم يلد ولم يولد، وهو الهادي إلى سواء السبيل"١. قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ٢. إن هذه العقيدة التي تقرر بأن الدين هو موجة الحياة، وأن الحاكمية فيه لله رب العالمين؛ إذ إن معنى الألوهية لله أن تكون الحاكمية له، فلا أحبار ولا رهبان، يشرعون للناس ما لم يأذن به الله، ولا سيادة للشعب، وإنما هي لله ، والشعب له السلطان في اختيار من ينفذ شرع الله، ولا طبقة تَحْكُم وطبقة تُحْكَم، ولا شخصيات مقدسة فوق القانون، ولا محاكم تختص بطبقة من الحكام دون آخرين، ولا تشريعات تفرق بين جنس وجنس، ولون ولون. والقادة والأحزاب والحكام والشعوب، كلها تخضع للنظام الذي أنزله الله . ولا يعني هذا تحجر النظم والتشريعات، ولا تقييد البشرية والتضييق عليها، وإنما يعني هذا أن يكون الأساس الذي يقوم عليه التشريع، والأرضية التي ينبثق عنها الحكم، أرضية ثابتة لا تضل، هي من عند الله الخبير العليم، الذي يعلم البشر واتجاهاتهم ودخائل نفوسهم، فوضع لهم الأسس التي تنظم حياتهم، وترك لهم

стр. 261

استنباط الأحاكم للفروع والجزئيات بما يحقق المصلحة والسعادة، ويضمن العدالة والطمأنينة١. ج- وإذا كان من مقومات المجتمع الأنظمة التي تنظم علاقات الأفراد، وتشمل الأنظمة التجارية والاقتصادية والمعاملات وأنظمة الأسرة والقضاء والوصايا والميراث والنفقات، وأنظمة الحكم والسياسة والعقوبات وغيرها. فإن هذه الأنظمة تستند -في مجتمع الإسلام- إلى دستور مستمد من كتاب الله ﵎، فالقرآن الكريم هو أصل الدستور الذي يوضح القانون العام، وعنه تنبثق كل الأنظمة التي تكون هذا المقوم الأساسي للمجتمع، فتنظم علاقاته، وتسوي أموره، وترفع خصوماته٢. إن المجتمع الإسلامي هو المجتمع الذي يطبق فيه الإسلام عقيدة وعبادة وشريعة ونظامًا، وخلقًا وسلوكًا؛ لأن آصرة التجمع الأساسية فيه هي العقيدة التي تقرر أن الحكم لله وحده لا شريك له. قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ ٣. وحين تكون الحاكمية العليا في مجتمع لله وحده، متمثلة في سيادة الشريعة الإلهية؛ تكون هذه هي الصورة الوحيدة التي يتحرر فيها البشر تحررًا كاملاً وحقيقيًّا من العبودية للبشر، وتكون هذه هي "الحضارة الإنسانية"؛ لأن حضارة الإنسان تقتضي قاعدة أساسية من

стр. 262

التحرر الحقيقي الكامل للإنسان، ومن الكرامة المطلقة لكل فرد في المجتمع، ولا حرية في الحقيقة، ولا كرامة للإنسان -ممثلاً في كل فرد من أفراده- في مجتمع بعض أربابه يشرعون، وبعضه عبيد يطيعون. والمجتمع الإسلامي هو وحده المجتمع الذي يهيمن عليه إله واحد، ويخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، والعبودية المطلقة لله وحده تتمثل في اتخاذ الله وحده إلهًا، عقيدةً وعبادةً وشريعةً؛ فلا يعتقد المسلم أن الألوهية تكون لأحد غير الله سبحانه، ولا يعتقد أن العبادة تكون لغيره من خلقه، ولا يعتقد أن الحاكمية تكون لأحدٍ من عباده١. وتتمثل حقيقة العبودية لله، واتباع شريعته، والإذعان بالحاكمية لله، بالإيمان الكامل -من ناحية أخرى- بأحقية ما شرعه الله ﵎ لتنظيم الحياة البشرية من أصول الاعتقاد، وأصول الحكم، وأصول الأخلاق، وأصول المعرفة، وكل تشريع ينظم أوضاع الناس السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، وكل ما يتعلق بالقيم والموازين التي تسود المجتمع وتنميه وتقويه، وتدفع نشاط كل فرد فيه، لما يرضي الله .

стр. 263

روح المسئولية في الدَّولة والحُكْم: ١- يضع الإسلام في شئون الدولة والحكم قواعد عامة تنمي شعور الارتباط الوثيق بالله وتغرس روح التناصح والتآزر، والتعاون على البر والتقوى، والتكافل في المسئولية، باعتبار الحكم تعاقدًا بين الأمة وحاكمها، يتمثل في البيعة على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وصالح المؤمنين، وتؤكد هذه المسئولية العامة حين تلزم جميع الأفراد القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ورعاية حدود الله. "وقد عُنِي الإسلام فيما عُنِي بهاتين الخصلتين العظيمتين: إخلاص ولاة الأمور للأمة، وطاعة الأمة لولاة أمورها، فأوجب على الولاة أن يقيموا سياستهم على رعاية الحقوق والمصالح. قال رسول الله ﷺ : "ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه إلا لم يجد رائحة الجنة" ١. ثم التفت إلى الرعية فأمرهم بحسن الطاعة. ومن شواهد هذا قوله ﵊: "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" ٢.

стр. 264

وفي هذا ما يؤكد "أن سعادة الأمة في أيدي رؤسائها، فإذا استقاموا على الطريق، وساسوها برفق وحرص على مصالحها وكرامتها؛ سارت بجانبهم مستقيمة، فلا تلبث أن تنجح في سيرتها، وتظفر ببغيتها"١. ٢- وتنبثق مسئولية الدولة في المنهج الإسلامي، من وظيفتها الأساسية في إقامة الإسلام وتمكينه، والقضاء على الشرك والانحراف والفساد، وذلك بسياسة أمور الناس في حدود ما أنزل الله من الهدى ودين الحق، ورعاية الخير والعدل، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة حدود الله٢. قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ٤. ٣- من جوهر هذه الأمور المسئولية الكبرى، وضع عدد من علماء المسلمين طائفة من الواجبات المنوط القيام بها بالحاكم المسلم؛ حتى يعرف حدود مسئوليته، ولا يقصر في أي واجب من هذه الواجبات.

стр. 265

وقد حدَّدَ "الماوردي" عشرة واجبات رأى أن الإمام ملزم بأدائها، وهي تنحصر في واجبين أساسيين هما: إقامة الإسلام، وإدارة شئون الدولة في حدود الإسلام: أما الواجبات فهي١: أحدها: حفظ الدين على الأصول التي أجمع عليها سلف الأمة، فإن زاغ ذو شبهة عنه بَيَّنَ له الحجة، وأوضح له الصواب، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود؛ ليكون الدين محروسًا من خلل، والأمة ممنوعة من الزلل. الثاني: تنفيذ الأحكام بين المتشاجرين، وقطع الخصام بينهم حتى تظهر النصفة، فلا يتعدى ظالم، ولا يضعف مظلوم. الثالث: حماية البيضة والذب عن الحوزة؛ ليتصرف الناس في المعايش، وينتشروا في الأسفار آمنين. الرابع: إقامة الحدود؛ لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك، وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك. الخامس: تحصين الثغور بالعدة المانعة، والقوة الدافعة، حتى لا يظفر الأعداء بغرة ينتهكون بها محرمًا، ويسفكون فيها دمًا لمسلم أو معاهد. السادس: جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل في الذمة. السابع: جباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع نصًا واجتهادًا من غير عسف. الثامن: تقدير العطاء وما يستحق في بيت المال من غير سرف فيه ولا تقصير، ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير.

стр. 266

التاسع: استكفاء الأمناء، وتقليد النصحاء فيما يفوض إليهم من الأعمال، ويكله إليهم من الأموال؛ لتكون الأعمال مضبوطة، والأموال محفوظة. العاشر: أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتفحص الأحوال؛ ليهتم بسياسة الأمة، وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض تشاغلاً بلذة أو عبادة، فقد يخون الأمين، ويغش الناصح. وقال تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ ١. فلم يقتصر سبحانه على التفويض دون المباشرة. وقد قال النبي ﷺ : "كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته". ٤- إن للمسئولية مرحلتين أساسيتين٢: الأولى: مرحلة المسئولية قبل القيام بالعمل، وهذه مسئولية تكليف ومطالبة، وهي بالنسبة لكل إنسان نوع من أنواع الكرامة التي أكرم الله بها هذا المخلوق، حين جعله خليفة في الأرض ومكَّنه من التصرف، وأعطاه في الحياة أنواعًا من السلطان والنفوذ، وهي بالنسبة لمن يلي من أمور الناس شيئًا مسئولية تتسع على قدر اتساع سلطة الإنسان، وامتداد قدرته، ولذا فمسئولية الحاكم أكبر من مسئولية المحكوم؛ لأن التكاليف المنوطة به أضخم، ومطالبته بالعمل على ما يحقق للناس مصالحهم أشد من حيث الخطط والمشروعات، وتوفير وسائل الحياة الطيبة الصالحة الكريمة لهم.

стр. 267

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ١. الثانية: مرحلة المسئولية بعد القيام بالعمل، وهذه مسئولية استجواب ومحاسبة، ولما كانت مسئولية الإنسان لا تتوجه عليه إلا في حدود حريته واختياره؛ فإن المسئولية هنا تتوجه على الحاكم في حدود ما كُلِّفَ به، وكانت له القدرة على التصرف فيه، وهي متناسبة مع مركزه في المجتمع، وسلطانه على الناس، ولذلك لا يقبل من الحاكم المسلم أن يزيل المنكر بقلبه ولسانه، بل إن عليه -بما أوتي من السلطة والنفوذ- أن يزيله بيده. ولذلك كانت مسئوليته في هذا الجانب أعلى درجة في سلم المسئولية لدى الناس جميعًا. ٥- ويلقي الإسلام على كل إنسان تبعة أعماله الحسنة أو السيئة بصفته الفردية، بحيث لا يترك له أن يأمل أن أحدًا ما سينقذه من تبعة أعماله، أو يحمل عنه خطاياه وذنوبه، ولا يستطيع كذلك أن يسلم من وبال جرائمه، كما لا يحمل وزر جرائم غيره، إن كل شخص في الإسلام منفرد في احتماله العقاب؛ نتيجة لأعماله السيئة، وهو منفرد كذلك في فوزه بالثواب؛ نتيجة لأعماله الصالحة، فعلى كل شخص -وفي مقدمة ذلك ما يلي السلطة والحكم- أن يكون على شعور تام بتبعته الفردية في انتفاعه بالدنيا وتصرفه في شئونها، وعليه كذلك ألا يقضي حياته إلا على شعور تام بأنه هو المسئول عن كل عمل من أعماله.

стр. 268

قال تعالى: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ١. ﴿لَنْ تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٢. ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ٣. ٦- بعد هذا لا بد أن نجيب عن هذا السؤال وهو: إلى من سيكون تقديم الحساب؟ وهنا تختلف وجهة النظر الإسلامية عن غيرها من وجهة نظر المذاهب الفلسفية، وما يتصل بذلك من مناهجها في التربية؛ فبينا ترى بعض هذه المذاهب أن المسئولية هي مسئولية الإنسان أمام ضميره، ولذا فهي تبذل جهودها في تربية الضمير الفردي على ما تراه من نزعات أخلاقية، ترى المذاهب ذات النزعة الاجتماعية أن المسئولية هي أمام الأمة، وتعمل لتحقيق ذلك على تربية الشعور الاجتماعي. أما وجهة النظر الإسلامية: فإنها تقرر أن المسئولية هي أمام الله وهي منوطة بالتكليف الرباني للإنسان بحمل الأمانة، وأدائها حق أدائها كما قال : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ

стр. 269

أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ ١. فالأمانة شاملة للقيام بجميع التكاليف والالتزامات التي تلازم الإنسان، باعتباره مؤهلاً بطبيعة ما أودع الله فيه من العقل والإرادة وجميع الخصائص الإنسانية لاحتمالها وأدائها، ولا بد إزاء هذا من أن يكون مسئولاً عن هذا الاحتمال والأداء أمام الله ﵎، الذي جعله من بين سائر المخلوقات الكائن المكلف المسئول، فإذا كانت الأمانة تعني الاستقامة في شئون الحياة كلها، من عقيدة وأدب ومعاملة وتكافل وسياسة حكيمة وخلق حسن، ونصح ورعاية وصيانة لكرامات الناس وحرياتهم٢، فإن مسئولية الحاكم بهذا مسئولية كبرى أمام الله ﵎، فإن رعاها حق رعايتها كان وفيًّا أمينًا، وإلا كان ظالمًا لنفسه بما قَصَّرَ وفرَّط، ولا بد أن يسأل عن ذلك ويحاسب وينال جزاءه العادل. قال تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ ٣. وقال: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ ٤. ويشير بعض الباحثين٥ إلى أن القرآن الكريم يضعنا -من حيث المسئولية- أما محكمة الضمير في قلوبنا، ومحكمة البشر من حولنا،

стр. 270

ومحكمة السماء من فوقنا، ولكل واحدة منها أمانة في أعناقنا.. وقد اشتق هذه الفكرة من تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١. فقد جمعت هذه الآية الكريمة في هذه الكلمات القليلة أنواع السلطات القضائية التي ستتولى محاسبتنا: ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ﴾ هذه هي المسئولية الدينية. و ﴿الرَّسُولَ﴾ هذه هي المسئولية أمام الناس ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ هذه هي المسئولية الأخلاقية أمام الضمير. وإليكم نصًّا قرآنيًا يؤكد هذا المعنى ويزيده تفصيلاً، ذلك هو قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٢. ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ : هذه هي المحكمة الإلهية. ﴿وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ : هذه هي المحكمة الإنسانية. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ : هذه هي محكمة الضمير، نمر أمامها يوم القيامة قبل أن نعرض على المحكمة الإلهية: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا، اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ ٣.

стр. 271

ويختم الباحث فكرته بقوله: "فهذا هو أدق نظام وأحكمه، وأرقى تكوين وأكمله، وفي هذا صلاح البشرية في ظاهرها وباطنها، وفي سرها وعلانيتها"١. ٧- وإذا رجعنا إلى ما روي من سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢، فإننا نرى أن بعض الروايات تشير إلى أنها أنزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، حين بعثه رسول الله ﷺ إلى بني قريظة لينزلوا على حكم رسول الله ﷺ فاستشاروه في ذلك فأشار عليهم بذلك، وأشار بيده إلى حلقه أي إنه الذبح، ثم فطن أبو لبابة ورأى أنه قد خان الله ورسوله، فحلف لا يذوق ذواقًا حتى يموت، أو يتوب الله عليه، وانطلق إلى مسجد المدينة فربط نفسه في سارية منه، فمكث كذلك تسعة أيام حتى كان يخر مغشيًّا عليه من الجهد، حتى أنزل الله توبته على رسوله، فجاء الناس يبشرونه بتوبة الله عليه وأرادوا أن يحلوه من السارية، فحلف لا يحله منها إلا رسول الله ﷺ بيده فحله، فقال: يا رسول الله: إني كنت نذرت أن أنخلع من مالي صدقة. فقال: "يجزيك الثلث أن تصدَّقَ به". وذكر ابن كثير٣ آثارًا أخرى وعقب على ذلك بقوله: "والصحيح أن الآية عامة، وإن صح أنها وردت على سبب خاص فالأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب عند الجماهير من العلماء". ونقل عن السدي

стр. 272

قوله:"إذا خانوا الله والرسول فقد خانوا أماناتهم". ومن هذا يفهم أن مَرَدَّ الأمر إلى مسئولية الإنسان أمام الله -عز جل- وخوفه منه وحده، ولم يكن صنيع أبي لبابة إلا بباعث من شعوره بهذه المسئولية الكبرى، وهو شعور جعله يحس بخطورة ذنبه. الذي لا خلاص منه إلا بتوبة الله عليه. فإذا خلا الإنسان عن هذا الإيمان الذي يدفعه إلى مراقبة الله وخوفه منه، فلن يضعه على درب الاستقامة، شعوره بمسئوليته أمام ضميره أو أمام الأمة. ولذلك كان "الهتاف الأخير للأمة المؤمنة هو هتاف التقوى، فما تنهض القلوب بهذه الأمانات الثقال إلا وهي متصلة بالله ترقبه وتخشاه، وتتطلع إلى فضله ورضاه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ١. هذا هو الزاد الذي تتقوى به القلوب في طريق الجهاد، وزاد التقوى الذي يحيي القلوب ويقويها، وزاد الهدى الذي يفرق بين الحق والباطل، وزاد المغفرة الذي يكفر الخطايا، وزاد الأمل في فضل الله العظيم. ذلك يوم تنفد الأزواد، ويوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم"١.

стр. 273

الروح الإنسانية في علاقات السلم والحرب عالمية الإسلام وإنسانيته: ١- يضع الإسلام بارتكازه على عقيدة التوحيد المتسقة مع الفطرة الإنسانية أسس الوحدة الإنسانية القائمة على الحق والعدل، باعتبار الدعوة الإسلامية دعوة للبشرية جمعاء تقيمهم على أساس الوحدانية في العقيدة والعبادة، والأخلاق الفاضلة في السلوك الفردي والجماعي، والعلاقات الإنسانية، فأما الفطرة -وقد أسلفنا الإشارة إليها كركيزة لهذه الثقافة- فهي جلية في قوله : ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ ١. ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ ٢. وحول دعوة الإسلام العامة التي لم تخصص بمكان أو زمان أو قوم، بل

стр. 274

جاءت رسالةً موجهةً لخير بني الإنسان على اختلاف الأجناس والألوان، إرشادًا لهم إلى الخير، وتحذيرًا لهم من الشر، وتحقيقًا لخيري الدنيا والدين، يقول الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١. ويقول سبحانه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ ٢. ٢- ويمكن إجمال الخصائص التي يجب أن يشتمل عليها الدين؛ ليكون عالميًّا وصالِحًا لكل زمان ومكان في ثلاث: أ- وفاؤه بحاجة الإنسانية جميعًا، فيما يصون وحدتها، ويرعى إنسانيتها، ويحمي أفرادها في العاجل والآجل. ب- تشريعاته التي تضمن قيام الإنسانية كلها في محيط واحد، لا تنزع معه إلى عصبية دم، أو اختلاف لون، أو فرقة جنس. ج- اتساقه مع حقائق الكون وخصائص الوجود، بحيث لا يتعارض مع ما يثبت من حقائق العلم، أو يختلف مع منطق الفكر. فهل تضمنت الدعوة الإسلامية كل ذلك أو قصرت عنه؟ الحق أن كل شيء في الإسلام ينهض بهذه الخصائص ويفي بها. عقيدته التي تؤمن أن الله واحد تحقق وحدة الإنسانية في القصد والسلوك، وهي ترى الله في سعيها، وتخشاه في سرها وعلنها، ولا شيء يصون السلوك

стр. 275

ويحفظ السعي ويوقظ الضمير مثل معرفة الله ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ ١. وهي أيضًا تحصن الفرد من غوائل الهوى ودوافع الشهوة، فيسعى في الأرض يتفكر بخلق السماء، ويتطلع إلى السماء بجميل السعي في الأرض، وهي كذلك تقيم المساواة بين العباد جميعًا؛ فتجعلهم أمام الله سواء، يتفاضلون بالتقوى والعمل الصالح. فتنتفي مع هذه العقيدة عصبية الدم واللون والجنس، وتحيا عصبية الإخاء والإيمان والحب"٢. وتفي بهذه الخصائص كذلك عباداته وآداب السلوك والأخلاق والمعاملة فيه؛ بحيث يتضح أن معجزة هذا الدين هي معجزة الحقائق القائمة، والأصول الثابتة، والآيات الباقية، معجزة التفاعل مع هذا الكون والتآخي معه، معجزة الفطرة في بساطتها، والسلوك في اعتداله، والسعي في استقامته، معجزة العدل مع العدو والصديق، والوفاء مع القريب والبعيد، والصدق في الشدة والرخاء، ومعرفة الله في السراء والضراء. وكلها حقائق قائمة ثابتة مع الزمان والمكان يستضيء بها الوجود الإنساني، ويرتبط معها كيانه، كما يستضيء الكون بضوء الشمس، وتنجذب إليها كواكبه ونجومه، حقائق يرحب بها العقل، ويشاركه في الترحيب بها القلب والوجدان.. أفلا تكون تلك هي الرحمة المهداة شريعة العالمين وهداية الرحمن؟ ٣.

стр. 276

مبادئ الإسلام في العلاقات بين الناس: ١- من روح هذه القواعد وعلى أساس من هذه المبادئ؛ جاء الإسلام

стр. 277

بنظام لعلاقات الناس بعضهم ببعض في حالات السلم والحرب، وفي رأس القواعد في هذا النظام أن الأصل في صلات الدول والشعوب هو السلام، وأن الحرب وإن كانت إحدى الظواهر الطبيعية في حياة البشر؛ إلا أنه لا ينبغي اللجوء إليها في حل المشكلات وحسم المنازعات إلا بوصفها العلاج الحاسم الأخير، الذي تفرضه الضرورة حين تخفق كل الحلول الأخرى في مقاومة الطغيان، ورد العدوان، وإزاحة العقبات التي تحول دون استجابة الناس للهدى ودين الحق طواعيةً واختيارًا دون قسر أو إكراه. وإذا كانت العلاقات قبل الإسلام قائمة على العداوة والبغضاء، والخصومة والشر، وفقدان روح الفضيلة والأخلاق، وتحكيم نزعة القوة والبطش، وانعدام أي رعاية للحق والعدل والسلام؛ فإن الإسلام قد جاء بالمبادئ التي تضمن أسمى تشريع أخلاقي وإنساني في علاقات الدول بعضها ببعض، وهي مبادئ ترتكز على صياغة كرامة الإنسان وحريته، وعلى ضمان العدالة والمساواة له. ولما كانت الأمة الإسلامية هي الأمة التي تحمل مبادئ الحياة العليا. وتحمل أمانة توطيدها وإقرارها في العالم. فقد عنى الإسلام بتربية العنصر الأخلاقي والإنساني لدى كل فرد مسلم، فجاءت مبادئه -في الميدان الدولي- هدمًا لكل مظاهر الفساد والتجاوز على المثل الإنسانية العليا، سواء أكان ذلك فسادًا في العقيدة، أو كان ظلم شعب لآخر، أو استغلال طبقة لأخرى، أو تحكم أمة في أمة، فحيثما كان الفساد فإن الأمة الإسلامية ملزمة بمكافحته وإزالة قواه. وتوفير الحرية والعدالة والكرامة لكل إنسان. ٢- ولقد وضع الإسلام للحياة قاعدة أساسية ترتكز على طمأنينة الإنسان واستقراره وتوفير السلام له "ولكن الإسلام مع هذا دين يواجه الواقع

стр. 278

ولا يفر منه، وما دامت في الدنيا نفوس لها أهواء ونوازع ومطامع، وما دام هناك هذا الناموس الذي يطبق على الأفراد والجماعات على السواء، ناموس تنازع البقاء، فلا بد إذن من الاشتباك والحرب، وحين تكون الحرب لردع المعتدي، وكف الظالم، ونصرة الحق، والانتصاف للمظلوم، تكون فضيلة من الفضائل، وتنتج الخير والبركة والسمو للناس، وحين تكون تحيزًا وفسادًا في الأرض، واعتداء على الضعفاء؛ تكون رذيلة اجتماعية، وتنتج السوء والشر والفساد في الناس. ومن هنا جاء الإسلام يقرر هذا الواقع ويصوره فيقول القرآن الكريم: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ١. كما يقول في آية أخرى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ٢. وبذلك كانت أولى نظرات الإسلام إلى الحرب أنها ضرورة اجتماعية، أو شر لا بد منه إلا لما يرجى من ورائه من خير"٣.

стр. 279

٣- فإذا كان لا بد من وقوع الحرب؛ فإن الإسلام -وهو يحيطها بهذا الإطار الفريد- يوجب إعلانها وعدم أخذ الناس بها على حين غرة، تجنبًا للغدر والبدء بالعدوان، كما ينهى عن قتل الشيوخ والأطفال والنساء، ويحذر المحاربين من أي سلوك يقع فيه التجاوز على المبادئ الإنسانية والروح الأخلاقية وكرامة بني الإنسان. قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ١. وقال : ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ ٢. ولم يدع الإسلام الحرب تشتعل وتمتد؛ فتسيطر على النفوس والعقول، وتدفعها في تيارها اللاهب المدمر، وتقذفها في أتون الحقد والكراهية بغير وازع من رحمة، أو رادع من خلق، أو رعاية لحق الإنسان في الحياة، أو حفاظ على نفسه وماله وكرامته وحريته.. بل وضع للحرب أغراضًا لا يصح تجاوزها، وأخلاقًا لا يجوز التفريط بها، وقواعد وأحكامًا لا يقبل من المسلم أن يتعدى حدودها وإلا كان مسئولًا عن ذلك محاسبًا ومعاقبًا عليه.. وبذلك لم يدع الإنسان المحارب الذي يجاهد في سبيل الله لنزعات نفسه، وسلطان هواه، ولم يدع للحرب -بطبيعتها القاسية الضارية- أن توجهه وتتحكم فيه؛ بحيث يباح له في ظروف الحرب أن يظلم ويعتدى، وينفك عن الرحمة، وينخلع من

стр. 280

الأخلاق.. بل جعل المسلم -في هذه الظروف الطارئة العارضة- الإنسان الذي يوجِّهُ الحرب ويصرف أوضاعها وفق مبادئه السامية، وأغراض الشريعة ومقاصدها، والهدف الكبير في إعلاء كلمة الله، وإقامة دينه في الأرض، وإزالة عوائق الطغيان، ورد غوائل العدوان.. وبذلك أقام الإسلام -بخوف الله ومراقبته- في ضمير المجاهد. ذلك الحارس الأمين، الذي يوجه حركته ويضبط سلوكه في ميدان الحرب؛ بحيث يعرف متى يضرب ومتى يتوقف، وما هي الأهداف التي يرميها، والمواطن أو المواضع التي يتفادى المسَّ بها.

стр. 281

أغراض الحرب في الإسلام: ويجعل الإسلام من أغراض الحرب١: ١- رد العدوان والدفاع عن النفس والأهل والمال والوطن والدين، وكانت أول آية من آيات القتال نزلت وفيها الإذن به قول الله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ ٢. وقال : ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ ٣.

стр. 282

وعن سعد بن زيد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قُتِلَ دون ماله فهو شهيد، ومن قُتِلَ دون دمه فهو شهيد، ومن قُتِلَ دون دينه فهو شهيد، ومن قُتِلَ دون أهله فهو شهيد" ١. ٢- تأمين حرية الدين والاعتقاد للمؤمنين الذين يحاول الكافرون أن يفتنوهم عن دينهم. وفي ذلك يقول : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ٢. ٣- حماية الدعوة حتى تبلغ إلى الناس جميعًا ويتحدد موقفهم منها تحديدًا واضحًا، وذلك أن الإسلام رسالة عامة شاملة تنطوي على أفضل مبادئ الحق والخير والعدل، فلا بد أن تزول من طريقها كل عقبة تمنع من إبلاغها، ولا بد أن يعرف موقف كل فرد وكل أمة بعد هذا البلاغ. وعلى ضوء هذا التحديد تكون معاملة الإسلام وأهله للناس، فالمؤمنون إخوانهم، والمعاهدون لهم عهدهم، وأهل الذمة يوفى لهم بذمتهم، والأعداء المحاربون ومن تُخْشَى خيانتهم يُنْبَذُ إليهم، فإن عدلوا عن خصومتهم فبها، وإلا حوربوا جزاء اعتدائهم، حتى لا يكونوا عقبة في طريق دعوة الحق، أو مصدر تهديد وخيانة لأهلها، لا إكراها لهم على قبول الدعوة، ولا محاولة لكسب إيمانهم بالقوة. قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ٣.

стр. 283

وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ١. وعن ابن عمر ﵄ قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أُقَاتِلَ الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله" ٢. ٤- تأديب ناكثي العهد من المعاهدين، أو الفئة الباغية على جماعة المؤمنين، التي تتمرد على أمر الله، وتأبى حكم العدل والإصلاح. وفي ذلك يقول : ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ، أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ٣. ويقول ﵎: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى

стр. 284

تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ١. ٥- إغاثة المظلومين من المؤمنين أينما كانوا، والانتصار لهم من الظالمين، وفي ذلك يقول الله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٢.

стр. 285

قواعد الإسلام في الحرب: ١- إن الإسلام حين أباح الحرب وحدد أغراضها؛ قد ميز تمييزًا واضحًا بين المحاربين وغير المحاربين، فأمر بألا يقاتل إلا المقاتل، وهو الذي يحضر ميدان القتال، ويستخدم فيه قوته العداونية، كما كفل تشريعه إبعاد ويلات الحرب عن الضعفاء والآمنين، فجاء بالنهي عن قتل النساء والشيوخ والأطفال والمرضى والمعتوهين، وحظر قتال المزارعين في حرثهم، والرهبان في معابدهم، وحرص على حمايتهم من أي ضرر مادي أو نفسي، كما أوجب حصر العمليات الحربية في الأهداف العسكرية وحدها، وذلك بالنهي عن استعمال وسائل التدمير العامة على الأهداف الآمنة. ويستنكر الإسلام كذلك تلك العادة الهمجية التي يشيع استعمالها في
следующие страницы →