← Общие книги

Общие книги · id 11364

لمحات في الثقافة الإسلامية

عمر عودة الخطيب

Полный текст (407 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

أغراض الحرب في الإسلام: ويجعل الإسلام من أغراض الحرب١: ١- رد العدوان والدفاع عن النفس والأهل والمال والوطن والدين، وكانت أول آية من آيات القتال نزلت وفيها الإذن به قول الله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ ٢. وقال : ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ ٣.

стр. 282

وعن سعد بن زيد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من قُتِلَ دون ماله فهو شهيد، ومن قُتِلَ دون دمه فهو شهيد، ومن قُتِلَ دون دينه فهو شهيد، ومن قُتِلَ دون أهله فهو شهيد" ١. ٢- تأمين حرية الدين والاعتقاد للمؤمنين الذين يحاول الكافرون أن يفتنوهم عن دينهم. وفي ذلك يقول : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ٢. ٣- حماية الدعوة حتى تبلغ إلى الناس جميعًا ويتحدد موقفهم منها تحديدًا واضحًا، وذلك أن الإسلام رسالة عامة شاملة تنطوي على أفضل مبادئ الحق والخير والعدل، فلا بد أن تزول من طريقها كل عقبة تمنع من إبلاغها، ولا بد أن يعرف موقف كل فرد وكل أمة بعد هذا البلاغ. وعلى ضوء هذا التحديد تكون معاملة الإسلام وأهله للناس، فالمؤمنون إخوانهم، والمعاهدون لهم عهدهم، وأهل الذمة يوفى لهم بذمتهم، والأعداء المحاربون ومن تُخْشَى خيانتهم يُنْبَذُ إليهم، فإن عدلوا عن خصومتهم فبها، وإلا حوربوا جزاء اعتدائهم، حتى لا يكونوا عقبة في طريق دعوة الحق، أو مصدر تهديد وخيانة لأهلها، لا إكراها لهم على قبول الدعوة، ولا محاولة لكسب إيمانهم بالقوة. قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ٣.

стр. 283

وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ١. وعن ابن عمر ﵄ قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أُقَاتِلَ الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله" ٢. ٤- تأديب ناكثي العهد من المعاهدين، أو الفئة الباغية على جماعة المؤمنين، التي تتمرد على أمر الله، وتأبى حكم العدل والإصلاح. وفي ذلك يقول : ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ، أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ٣. ويقول ﵎: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى

стр. 284

تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ١. ٥- إغاثة المظلومين من المؤمنين أينما كانوا، والانتصار لهم من الظالمين، وفي ذلك يقول الله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٢.

стр. 285

قواعد الإسلام في الحرب: ١- إن الإسلام حين أباح الحرب وحدد أغراضها؛ قد ميز تمييزًا واضحًا بين المحاربين وغير المحاربين، فأمر بألا يقاتل إلا المقاتل، وهو الذي يحضر ميدان القتال، ويستخدم فيه قوته العداونية، كما كفل تشريعه إبعاد ويلات الحرب عن الضعفاء والآمنين، فجاء بالنهي عن قتل النساء والشيوخ والأطفال والمرضى والمعتوهين، وحظر قتال المزارعين في حرثهم، والرهبان في معابدهم، وحرص على حمايتهم من أي ضرر مادي أو نفسي، كما أوجب حصر العمليات الحربية في الأهداف العسكرية وحدها، وذلك بالنهي عن استعمال وسائل التدمير العامة على الأهداف الآمنة. ويستنكر الإسلام كذلك تلك العادة الهمجية التي يشيع استعمالها في

стр. 286

أثناء الحروب، ألا وهي: تعذيب الأعداء ومعاملتهم بالقسوة والخشونة. ثم إننا نجد تعاليم الرسول ﷺ التي كان يوجهها إلى قواد حملاته الحربية زاخرة بنصائحه لهم على التزام النظام وحسن السلوك في قتالهم، ومن بين هذه النصائح: تحذيره المتكرر لهم من السلب والنهب، والقتل غدرًا، والتمثيل بجثث القتلى. ٢- ولقد بلغت بالرسول ﷺ دقة تطبيقه لحكم القرآن الذي يأمر بالعفو عن الأعداء متى انتَهَوا عن عدوانهم- أَنْ نَهَى عن تَعَقُّب من يفر منهم من الحرب، فما بالك بمن يلقي سلاحه، ويتقدم إلينا في صراحة بعبارات السلام؟ إن القرآن ليحرم علينا إيذاءه تحريمًا قاطعًا، حتى لو كان ذلك بحجة الشك في صدق إيمانه. قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ١. تلك كلها أدلة ملموسة على أن الإسلام لا يرمي قط إلى القضاء على أعدائه، ولا إلى الاستيلاء عليهم بالقهر، ولكن إلى تَجَنُّب خطرهم. فمتى تحقق هذا الغرض لم يبق للصراع في نظره مبرر؛ لأن هدفه إيجاد العلاقات العامة مع الناس قاطبة٢.

стр. 287

الإحسان والتسامح مع المخالفين: ١- يرسم الإسلام بالإشادة بفضل السلام، وطبع النفوس بروح التسامح والإحسان، وحسن معاملة المخالفين، المعالم الكبرى للسلام العالمي، ويضع القواعد وأوفى الضمانات لاستقراره، فهو يدعو إلى حسن الخلق ولين الجانب، والرحمة بالضعيف والتسامح مع القريب والبعيد، وعدم التشفي من المغلوبين، وإيثارهم بالصفح والبر وحسن المعاملة، ويعدُّ أن الأصل في العلائق بين البشر هو التعارف والتعاون، والتخلي عن نزعة العدوان والتجافي عن الظلم والطغيان. ولقد دَعَّمَ الإسلام هذه المبادئ ببث أفضل المشاعر الإنسانية في النفوس من حب الخير للناس جميعًا، والترغيب في الإيثار ولو مع الحاجة. قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١. ويدعو إلى الإحسان في كل شيء حتى في القتل. قال تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين﴾ ٢.

стр. 288

وقال: ﴿إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ ١. وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَان﴾ ٢. ٢- ويقيم الإسلام العلاقة بين المسلمين وغيرهم ممن لم يقاتلوا في الدين أو يخرجوا من ديارهم على البر والعدل، والإحسان والتسامح. وفي ذلك يقول : ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٣. "ولا ينفي معنى الترغيب والطلب في الآية أنها جاءت بلفظ ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّه﴾ . فهذا التعبير قُصِد به نفي ما كان عالقًا بالأذهان -وما لا يزال- أن المخالف في الدين لا يستحق برًّا ولا قسطًا، ولا مودة ولا حسن عشرة. فَبَيَّن الله تعالى أنه لا ينهى المؤمنين عن ذلك مع كل المخالفين لهم، بل مع المحاربين لهم، العادين عليهم"٤. ٣- بل يرتفع الإسلام بالمسلم إلى ذُرْوَة الإنسانية وأكرم آفاقها حين يأمره بأن يعمل على توفير الأمن للمشرك الخائف، وحمايته وإيصاله إلى بلده ومأمنه. وفي ذلك يقول :

стр. 289

﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ ١. وأخرج الحاكم "ج٣ ص٢٧٧" عن عبد الله بن عكرمة قال: لما كان يوم الفتح دخل الحارث بن هشام وعبد الله بن ربيعة على أم هانئ بنت أبي طالب ﵂ فاستجارا بها فقالا: نحن في جوارك، فأجارتهما، فدخل عليها علي بن أبي طالب فنظر إليهما فشهر عليهما السيف، فتفلت عليهما واعتنقته وقالت: تصنع بي هذا من بين الناس، لَتَبْدَأَنَّ بي قبلهما. فقال: تجيرين المشركين! فخرج. قالت أم هانئ: فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، ما لقيت من ابن أمي علي، ما كدت أفلت منه، أجرت حَمَوَين لي من المشركين، فانفلت عليهما ليقتلهما. فقال رسول الله ﷺ : "ما كان ذلك له، قد أجرنا من أجرت وأَمَنَّا من أَمَنَّتْ" ٢. "وثبت عنه أنه أجار أبا العاص لما أجارته ابنته زينب ثم قال: "يجير على المسلمين أدناهم" وفي حديث آخر: "يجير على المسلمين أدناهم ويرد عليهم أقصاهم" ٣. ٤- وانطلاقًا من نظرة الإسلام إلى أن العقيدة لا يمكن الإكراه عليها، بل لا بد فيها من الاقتناع والرضا، وأن الاختلاف في الدين لا يحول دون البر والصلة؛ فقد دعا إلى المجادلة بالحسنى وفي حدود الأدب والحجة والإقناع.. فقد أمر الله ﵎ رسوله محمدًا ﷺ أن يجادل المشركين بالطريقة الحسنة التي تلين عريكتهم في قوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ

стр. 290

بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ١. وأباح مناظرة أهل الكتاب بتلك الطريقة في قوله: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ ٢. ومثل هذا من قبيل المناظرة التي تهدف إلى إظهار الحق وإقامة البرهان على صحته، وهي الطريقة التي يشتمل عليها جدل القرآن في هداية الكافرين وإلزام المعاندين"٣. ونهى الإسلام عن البذاءة مع المخالفين، وعن سب عقائدهم ولو كانوا وثنيين. قال تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ٤. وقرر أن أماكن العبادة للديانات الإلهية محترمة يجب الدفاع عنها وحمايتها كحماية مساجد المسلمين. قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ ٥. وبذلك أوجب الإسلام على الدولة أن تحمي أماكن عبادتهم، وألا تتدخل في عقائدهم، ولا تجور عليهم في حكم، وتسويهم بالمسلمين في الحقوق والواجبات العامة، وأن تصون كرامتهم وحياتهم ومستقبلهم، كما تصون كرامة المسلمين وحياتهم ومستقبلهم.

стр. 291

٥- لا يعرف الإسلام -فيما يضع من قواعد المعاملة مع غير المسلمين- ما يسمى بالحقد الديني، وذلك أن القضية في اختلاف الدين -في ميزان الإسلام- إنما ترجع إلى أن هذا الاختلاف هو من سنن الله ﵎ في خلقه كما قال : ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ ١. ويقول سبحانه -مخاطبًا رسوله محمدًا ﷺ : ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ٢. وعلى هذا فقد أدرك المسلمون أن القرآن الكريم يربيهم بذلك على التسامح وسعة المخالفين لهم والإحسان إليهم، وينهاهم عن أن يحملوا إى كراهية لهم أو حقد عليهم، أو أن ينالوهم بأي إساءة بسبب مخالفتهم لهم في الدين، ما دام مرد هذا الاختلاف إلى سنة الله في خلقه. ومن هنا نرى الإسلام يصون حرية الاعتقاد، ويأبى أن يرغم المسلمون أحدًا على ترك دينه واعتناق الإسلام. وفي ذلك يقول لرسوله ﷺ : ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ٣. وعلى هذا فإن الإسلام يأبى أن يُكْرِه الضمائر، ويعوق حرية العقيدة، بل إنه يقف في وجه من يعترض طريق هذه الحرية، ويعرض الناس للفتنة. وليس معنى ذلك أن هداية مخالفيه لا تهمه، فالحقيقة أنه يحرص على هذه الهداية، ولكنه يرى أن الطريق إليها؛ إنما يتم بالدعوة إلى

стр. 292

الحق، ويتسم بالحكمة والإقناع وباللين١، ولذلك فلا موطن في نفوس المسلمين لما يسمى "الحقد الديني"؛ لأن المبدأ الذي يحدد العلاقة بين جماعة المسلمين وبين مخالفيهم هو الذي يطلق عليه -بصفة عامة- اسم "التسامح" وقد تكون هذه التسمية أقل من الحقيقة؛ إذ نلاحظ أن الشعوب التي لا تعتنق الإسلام، وإنما تخضع سلميًّا لتشريعه ودولته لا تتمتع بمبدأ "التسامح" فحسب، بل إن الإسلام يأخذ على عاتقه أن يوفر لها الحريات الكاملة على قدم المساواة مع المسلمين أنفسهم على قاعدة: "لهم ما لنا وعليهم ما علينا" ولا يطلب الإسلام من هؤلاء إلا أن يقفوا منه موقف المسالمة، وعدم صَدِّ الناس عن دين الله، أو الإساءة إلى المسلمين أو إلحاق الضرر والأذى بهم. وبهذا يتضح أن ما زعمه "جون سيمون" في كتابه "حرية الاعتقاد" من أن الحقد الديني لم يتوصل إلى تخفيفه إلا منذ قرن ونصف هو قول لا نصيب له من الصحة؛ لأن الإسلام -وقد جاء منذ أربعة عشر قرنًا- لا يعرف شيئًا من هذا الحقد الديني الذي يقول عنه "جون سيمون": "إن تاريخ العالم كله هو عبارة عن تاريخ الحقد الديني، وهذا الحقد الديني الذي هو أقدم من الحرية يتصاعد إلى أبعد عصور التاريخ"٣. إن الإسلام يأبى أن يصبح الدين مفهومًا ضيقًا يتميز بالحقد والعداء، ويبعث على النزاع والشحناء، وينتهي إلى الفتن وسفك الدماء، ولهذا فإن التاريخ الإنساني لا يزال حتى يومنا هذا يقف موقف الإجلال والإكبار لأولئك الذين كانوا أمثلة فذة في التسامح والإحسان. والأمثلة على التسامح وانتفاء ما يسمى الحقد الديني لا حصر لها في تاريخنا، وإن كان هذا الحقد الديني أبرز ظاهرة في تاريخ أوروبا على

стр. 293

مر العصور حتى يومنا هذا. وحسبنا أن نذكر هنا كيف أن عمر بن الخطاب أعطى أهل بيت المقدس أمانًا على معابدهم وكنائسهم وعقائهم وأموالهم، كما أن السلطان محمد الفاتح أعطى -حين دخل القسطنطينية فاتحًا- لبطريرك المدينة السلطان الداخلي على رعيته من النصارى؛ بحيث لا تتدخل الدولة في عقائدهم ولا في عباداتهم. ويروي التاريخ أن شيخ الإسلام ابن تيمية طلب إلى أمير التتار إطلاق سراح الأسرى، فأجابه الأمير التتاري إلى إطلاق سراح أسرى المسلمين وحدهم دون المسيحيين واليهود فأبى شيخ الإسلام ﵀ ذلك وقال: "لا بد من إطلاق سراح أسرى الذميين من أهل الكتاب، فإنهم أهل ذمتنا، لهم ذمة الله ورسوله. فأطلق الأمير سراحهم جميعًا١.

стр. 294

الوَفَاء بالعُهُودِ والمواثيق: ١- وكما وضع الإسلام للحرب أسمى القواعد العادلة والموازين الإنسانية الفريدة، فقد وضع في حالة السلم نظامًا للعلاقات التي تضمن رعاية السلم العام، وتتيح للناس جميعًا أن يحيوا في حرية وأمن واطمئنان، ومن أبرز قواعد النظام الإسلامي في هذا: الوفاء بالعهود والمواثيق، ويحرص الإسلام في هذا على الالتزام الكامل بها والإخلاص فيها، وحسن النية في رعايتها، ويحذر من نقض العهد بأي صورة من الصور؛ ذلك أن الميثاق الذي يعقده المسلم لا يرتبط به أمام الناس فحسب، بل إنه ينعقد في الوقت نفسه بينه وبين الله تعالى؛ إذ يجعل المسلم ربه شهيدًا وكفيلاً على عقوده والتزاماته، فهو أمر متغلغل في النفوس، متصل أوثق اتصال بعقد الإيمان؛ بحيث لا يبقى لقوة في الأرض أن تحلله منه سواء في ذلك دوافع المنفعة، أو طلب النفوذ، أو زيادة الرخاء، أو المجال الحيوي، أو التوسع الاقتصادي، أو التوازن السياسي أو غير ذلك١. قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ

стр. 295

تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ، وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ١. ٢- ولقد جعل القرآن الكريم الخروج من فضيلة الوفاء كالخروج من فضيلة الإنسانية كلها حيث قال جل شأنه: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ، فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ، وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ ٢. وقد أوجب القرآن الكريم على المسلمين الوفاء بعهودهم، وذكر أن هذا الوفاء من صفات المؤمنين. فقال في ذلك: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ ٣. ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ ٤. وارتفع بالوفاء بالعهود والمواثيق إلى ذروة ليس للبشرية بها عهد، ولم

стр. 296

يُبِحْ نقضها مهما كان السبب، حتى ولو كان لنصرة قوم مسلمين، وفي ذلك يقول : ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ ١. وقد أوجب القرآن الكريم إتمام العهود لأصحابها الذين استقاموا على عهودهم، ولم يكن غَدْرُ فريق منهم -كما حصل من المشركين غير مرة- سببًا لسقوط العهد للمستقيمين منهم عليه. وفي ذلك يقول : ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ٢.

стр. 297

نماذج من الوفاء بالعهود: وليس يتجلى حرص المسلمين على الوفاء بعهودهم، كما يتجلى في تلك الوقائع التي كان فيها الوفاء بالعهد شاقًّا على النفوس؛ لتجافيه مع عواطفهم القلبية ومشاعرهم الوجدانية، ولكن المسألة في هذا الأمر لا يستجاب فيها لنداء العاطفة، بل يلبي فيها نداء المبدأ الذي اتسمت به شرعة الإسلام، وهو الوفاء بالعهد، ولو تصادم مع ما ترغب فيه النفوس، وتميل إليه المشاعر. ١- قال ابن إسحاق -في ذكر ما جرى عليه أمر قوم من المستضعفين بعد صلح الحديبية:

стр. 298

"فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أتاه أبو بصير عتبة بن أُسِيد بن جارية، وكان ممن حُبِسَ بمكة، فلما قدم على رسول الله ﷺ كتب فيه أزهر بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة، والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي إلى رسول الله ﷺ وبعثا رجلاً من بني عامر بن لؤي، ومعه مولى لهم، فقدما على رسول الله ﷺ بكتاب الأزهر والأخنس فقال رسول الله ﷺ : "يا أبا بصير، إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمتَ، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، فانطلق إلى قومك". فقال أبو بصير: يا سول الله، أتردني إلى المشركين يفتنوني في ديني؟ قال: "يا أبا بصير، انطلق فإن الله تعالى سيجعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا" ١. ٢- وقد غدر بعض المشركين بصلح الحديبية -وهو المقصود بالعهد عند المسجد الحرام في قول الله : ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ ٢. فلم يبطل النبي ﷺ عهد سائرهم، ولم يقبل عنده قرشيًّا يجيئه في أثناء قيام العهد عملاً بما اتفق عليه المسلمون والمشركون. وفي ذلك يقول أبو رافع مولى رسول الله ﷺ : "بعثتني قريش إلى النبي ﷺ فلما رأيت النبي وقع في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله لا أرجع إليهم، قال: "إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البرد، ولكن ارجع إليهم فإن كان في قلبك الذي فيه الآن فارجع". ٣- بل روي في الوفاء بالعهد ما هو أكثر من ذلك؛ لأنه عهد آحادٍ في مثل

стр. 299

حالة الإكراه. كما جاء في حديث حذيفة بن اليمان حيث قال: "ما منعني أن أشهد بدرًا إلا أنني خرجت أنا وأبي الحُسَيل، فأَخَذَنَا كفار قريش فقالوا: إنكم تريدون محمدًا؟ فقلنا: ما نريده، وما نريد إلا المدينة، فأخذوا منَّا عهد الله وميثاقه لننطلق إلى المدينة ولا نقاتل معه، فأتينا رسول الله ﷺ فأخبرناه الخبر فقال: "انصرفا نفي لهم بعهدهم ونستعين الله عليهم" ١. ٤- كان سهيل بن عمرو يفاوض النبي ﷺ في صلح الحديبية -بينما كان يكتب عهد الهدنة وقبل توقيعه- جاءه أبو جندل بن سهيل يرسف في الأغلال، وقد فرَّ من الكفار، فلما رأى سهيل ابنه قام وأخذ بتلابيبه وقال: يا محمد لقد لجت القضية بيني وبينك، فقال رسول الله ﷺ : "صدقت". فقال أبو جندل: يا معشر المسلمين أَأُرَدُّ إلى المشركين يفتنوني في ديني؟ فلم يغنِ عنه ذلك شيئًا، وردَّه رسول الله ﷺ وفقًا للشروط التي اتفق عليها، وإن كان بعدُ لم يوقعها. ٥- ولما كان معاوية بن أبي سفيان في أرض الروم، وكان بينه وبينهم أمَدُ، أراد أن يدنو منهم، فإذا انقضى العهد غزاهم فقال له عمرو بن عنبسة: الله أكبر يا معاوية. وفاء لا غدر. لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كان بينه وبين قوم عهد؛ فلا يحلن عقدة ولا يشدها حتى ينقضي أمرها، أو ينبذ إليهم على سواء". فرجع معاوية بالجيش.

стр. 300

بين وفاء المسلمين وغدر أعدائهم: ١- في التاريخ الإسلامي وقائع لا تحصى من وفاء المسلمين بعهودهم، وهي صفحات فِخَار تشهد بحرص المسلمين على الوفاء بعهودهم؛ اتباعًا لأمر

стр. 301

ربهم وسنة نبيهم، وفيها دلالة على أن المسلمين كانوا أول من وضع هذه القاعدة الأخلاقية الرفيعة موضع التطبيق، ثقة منهم بأن الوفاء بالعهد في ذاته قوة، فوق أنه عدالة وفضيلة، وهو دعامة أساسية من دعائم السلام. إن العهد في ذاته قوة، والتزامه قوة؛ لأن يؤمن فيه جانب الاعتداء، وأمن الاعتداء يثبت دعائم السلام، والسلام تطمئن فيه الشعوب وتستقر، ولذلك شبه القرآن الكريم من ينقض عهده بحال الحمقاء التي تغزل غزلها، فتحكمه وتقويه، ثم بعد ذلك تنقضه أنكاثًا أي: أجزاء صغيرة متفرقة مشعثة، وذكر أن النكث فيه زَلَل للقدم بعد ثبوتها؛ إذ أنها تثبت بالسلم الذي أوجده العهد، وفي السلم قوة وثبات، والنقض إزالة للأمن وللثبات المستمر والاطمئنان الدائم١. وذلك حيث يقول الله : ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ ٢. ويختم الآيات بقوله: ﴿وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٣. فهنا يحتم الإسلام الوفاء بالعهد وعدم نقضه، ويحذر من الخديعة والدَّخَل في المواثيق، بغية أن تكون أمة هي أربى من أمة، فهذا العذر الذي يعتذر به الساسة وهو "مصلحة الدولة" لا يعترف به الإسلام، ولا يراه مبررًا

стр. 302

للخديعة والدخل في العهود، ولا في نقض المعاهدات والمواثيق، ولم تكن قواعد الإسلام مثلاً نظرية، بل كانت سلوكًا عمليًا في حياة المسلمين وصلاتهم الدولية١. ٢- وهنا نتساءل في صدد الموازنة بين موقف الإسلام من هذه الفضيلة وبين موقف غيره، الذي اتسم بالغدر والخيانة ونقض العهود وهدر المواثيق: أين هذا كله مما فعله "ريتشارد قلب الأسد" الذي أمن حامية بيت المقدس من المسلمين على أنفسهم، وعاهدهم على أن يفي لهم بعهده شرط أن يفتحوا الأبواب ويسلموا أنفسهم.. ولما فعلوا ذلك قتلهم جميعًا، ثم أباح المدينة لجيوشه، فلبغ عدة من ذبحه الصليبيون من العجزة والنساء والأطفال سبعين ألفًا. ولكن صلاح الدين الأيوبي -وقد أشربت نفسه بتعاليم الإسلام- لما استعاد بيت المقدس من أيدي الصليبيين بعد ٩٠ سنة من مجزرة الغدر والخيانة ونقض العهد؛ لم يعاملهم بالمثل؛ إذ أنه لما سلمت له الحامية المسيحية أمنهم على حياتهم، وكانوا أكثر من مئة ألف، وسمح لهم بالخروج لقاء مبلغ قليل يدفعه المقتدرون منهم، وأعطاهم مهلة للخروج أربعين يومًا، وأطلق كثيرًا من فقرائهم بغير فدية. وأدى أخوه الملك العادل الفدية عن ألفي رجل منهم، وحين أشير عليه أن يأخذ من البطريرك الصليبي ما حمله من أموال طائلة من البِيَعِ والصخرة والقيامة، رفض ذلك وقال: "لا أغدر به، وفاء بقدر خير من غدر بغدر" وأبى أن يقابل صنيع "ريتشارد" بمثله، بل آسى جرحاهم ومرضاهم وأرسل بالأدوية والأزواد إلى "ريتشارد" نفسه، وأرسل مع الذي أجلاهم عن بيت المقدس، ورحلوا للحاق بقومهم مَن يحميهم، ويوصلهم إلى أماكن الصليبيين في "صور" و "صيدا" بأمان٢.

стр. 303

٣- ولعل الوقائع التاريخية عن نقض الأوربيين لعهودهم عبر عصور كثيرة تكون خير رد على ما يرجف به أعداء الإسلام ضد مبادئه وتاريخه الفذ في هذا المضمار الناصع. "فالمعروف أن باباوات أوروبا ادعوا لأنفسهم خلال قرون طويلة حق إبرام الإيمان والعهود ونقضها. فالبابا أوريان السادس حرَّم كل الأحلاف والمعاهدات التي تعقد مع أمراء ملحدين. أو أمراء انفصلوا عن كنيسة روما، واعتبر ما عُقِدَ منها باطلاً. وأعفى الملوك والأمراء الموالين للكنيسة الكاثوليكية من هذه المعاهدات. والبابا بولس الثالث صرَّح بأن جميع المعاهدات التي تعقد في المستقبل مع الملحدين باطلة مهما كانت اليمين التي تؤيدها. والبابا جول الثاني أخلى فرديناند الكاثوليكي من معاهدته مع لويس الثاني عشر. ولقد هاجم "جون بدوان" خلال القرن السادس عشر النظرية التي أباحت للبابوات أن يحلوا الملوك والأمراء من اليمين التي توثقت بها المعاهدات"١.

стр. 304

الدعوة إلى الجهاد والاستشهاد: ١- لا بُدَّ حتى يكون المسلم مسلمًا حقًّا أن يكون معنى انتمائه لهذا الدين وثيق الصلة محكم الأواصر بعقيدته الحقة، ومبادئه السامية وتشريعاته العادلة، وجهاده الدائب لإعلاء كلمة الله في الأرض، وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده لا شريك له.. كما قال "رِبْعِيُّ بن عامر"١ لرستم -قائد جيش الفرس- حين قال له هذا: ما جاء بكم؟ فقال ربعي: "إن الله ابتعثنا، والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل ذلك منا قبلنا منه، ورجعنا عنه، وتركناه وأرضه يليها دوننا، ومن أبى قاتلناه أبدًا حتى نفضي إلى موعود الله. قال رستم: وما موعود الله؟ أجاب ربعي:

стр. 305

"الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي". ٢- ولا بُدَّ -تثبيتًا لمعنى الانتماء الحق- من أن تكون صلات المؤمن وأواصره بعقيدته ممتدة في حياته كلها.. في واقعه الذي يعيشه، واتجاهاته التي يراها، ومواقفه التي يتخذها، وسبل الحياة التي يسلكها، فهي له المحور الذي لا ينفك عنه، والنبضُ الذي لا يتوقف فيه، بل يمده -فكرًا واعتقادًا وسلوكًا وعملاً- بالنور الهادي إلى سواء السبيل، فلا يضل وبين يديه نور الإيمان، ولا يزيغ ومعه زاد التقوى ولا تتفرق به السبل وأمامه صراط الله المستقيم، يسلك به دروب الرفعة والكرامة، ويبلغ به ذرى العزة والنصر، وكنف الرضى والنعيم، وملاك ذلك كله إنما هو في طاعة الله ﵎، وطاعة رسوله ﷺ والإقبال بصدق وجد، وعزيمة وإخلاص، على الالتزام بهذا الإسلام اعتقادًا وعملاً، وسلوكا واتجاها، دينًا ودنيا، وفكرًا ونظامًا، وسياسة راشدة، وعبادة خاشعة، وكفاحًا دائبًا، وجهادًا صادقًا، وتضحية وفداء، ففي هذا الالتزام بالإسلام، والتمسك بمبادئه، والتحلي بأخلاقه، وتحكيم نظامه، والانضواء تحت رايته، برهان جلي على سداد فكر المؤمن وسمو روحه، ويقظة ضميره، وتفتح بصيرته، وقوة عزيمته. ٣- لقد جاء وحي الله ﵎ يهتف بالمؤمنين ليطيعوا الله ورسوله ولا يتولوا عنه وهم يسمعون آياته وكلماته، وجاء التحذير من التولي والإعراض مقترنًا بذكر شر الدواب التي فقدت السمع والنطق والعقل، وتلك صورة ينفر الإنسان من أن ينحدر إليها؛ بحيث يصبح في إعراضه عن الهدى، وتحجر عقله، وطمس قلبه، مثل هذه الدواب التي لا تعي ولا تسمع، ولذلك فقد كان اقتران الدعوة للطاعة، والتحذير من التولي، بهذا المثل الحي، في ذروة العظة والتذكير والتأثير، وفي ذلك يقول سبحانه:

стр. 306

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ، وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ، إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ، وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ١. ويتكرر في سياق الآيات الكريمة بعد أمر المؤمنين بالطاعة أمرهم بالاستجابة لله والرسول في إطار من تذكيرهم بنعمة الله عليهم، حيث يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ، وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ، وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٢. ٤- إن رسالة الإسلام التي جاء حض المؤمنين على الاستجابة لها هي دعوة الحياة الحقة الحرة الكريمة. أما أنها دعوة الحياة الحقة؛ فلأنها -بمنهجها الراشد القويم- ارتفاع بالإنسان إلى معين الحياة وجوهرها الأصيل، وبذلك يكون المؤمن الذي لبَّى الدعوة واستجاب للنداء مثلاً فريدًا في فقه الحياة وحسن التلاؤم

стр. 307

معها، وجعلها وسيلة خير؛ لأن نور الإيمان الذي يمتلئ به قلبه هو الذي يجنبه أن يغتر بها، أو يخدع بزخارفها، أو يجعل من نفسه وملكاته تبعًا لأهوائها. ثم إذا كرم الله ﵎ المؤمن بهذا النور الهادي، تحرر به عقله، وتطهر وجدانه، وصفت سريرته، واستقام خلقه وصح اتجاهه، وصلح عمله، وتلك هي عناصر الكرامة الإنسانية في الحياة. ولكن لا بد لهذا النور الذي ينسكب في القلب والضمير بفضل الله ومنته، فيصنع هذه الحياة الطيبة، من إقبال الإنسان على الطاعات، وتجنب المعاصي، والحذر من مزالق الهوى، وهواجس الشك، ونزغات الشيطان، وهواتف الشك، ومخاطر الغفلات، ولقد كان رسول الله ﷺ وهو رسول الله المعصوم يقول -كما روى ذلك أنس بن مالك ﵁: "يا وليّ الإسلام وأهله، ثبتني به حتى ألقاك" ١. وكان يكثر من دعاء ربه بقوله: "اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" ٢. ٥- بعد ذلك لا بد من الحذر من أن تتسرب إلى صف الجماعة المؤمنة بواعث الفتن الخطيرة التي تعصف بوجود الأمة وكرامتها وعزتها، وأي فتنة أكبر وأخطر من الإعراض عن تلبية دواعي الحياة الحقة الكريمة، والقعود عن الجهاد في سبيل الله، والتراخي في تغيير المنكر ومقاومة الفساد؟ هذه هي الفتنة التي جاء الأمر الإلهي بتوقيها والحذر منها، وليس يتم هذا

стр. 308

التوقي والحذر إلا باتباع منهج الإسلام الكامل في أوامره ونواهيه، وأحكامه وآدابه، وبيع النفوس رخيصة في سبيل الله، واحتمال ما يلقاه المجاهدون في معارك عقيدتهم من شدة وبلاء، ومحن وإيذاء، إيثارًا لما عند الله، وسعيًا لما يحبه ويرضاه. ولقد جاء وحي الله ﵎ يذكر المؤمنين الذين أنزلت عليهم آياته بصورة من صور ضعفهم -في فجر الدعوة- قبل أن يوجههم إلى قتال أعدائهم من المشركين، فيصور لهم كيف كانوا وجلين خائفين، يخشون أن تمتد إليهم أيدي أعدائهم بما ينال منهم، ويفرق جمعهم، ثم كيف أكرمهم الله بعد ذلك بالأمن والقوة والنصر، والرزق الطيب والمتاع الكريم. لقد كان ذلك تحولاً ضخمًا في تاريخ هذه الجماعة التي تحمل أمانة الدعوة، فهو انتقال من الضعف إلى القوة، ومن العسر إلى اليسر، ومن الخوف إلى الأمن، ثم من الترقب والحذر، والخشية من الأعداء إلى الإقدام والاندفاع، والنصر الحاسم المبين. قال سبحانه: ﴿فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ١. ٦- ثم إن من شأن هذه الدعوة -بما فيها من نهج التحرير وروح التطهير- أن تواجه الواقع البشري في الأرض بما يصلحه ويقوم اعوجاجه، ويستأصل جذور الفساد والشر فيه، حتى تكون كلمة الله هي العليا، ويذعن الناس لسطان الله، ويقروا بالحاكمية له وحده سبحانه، وليست تتم هذه المواجهة الشاملة إلا بتوافر أسباب القوة، وإعداد العدة، وامتلاك كل الوسائل التي تفضي على جميع القوى الطاغية، المناوئة للخير،

стр. 309

المتصدية للهدى، المتحدية للحق، المتحكمة في رقاب العباد، بأوضاعها الجائرة وسلطانها الفاسد وعقائدها الباطلة ونُظُمِهَا المنحرفة. من أجل هذا كان واجب المسلمين الذين يفرض عليهم دينهم الجهاد في سبيل الله أن يعدوا العدة لأعدائهم بكل ما في طاقتهم من القوة على اختلاف أشكالها وصورها، وتعدد صنوفها وأسبابها، بحيث تكون تحت أيديهم القوة التي تلقي الرعب، وتزرع الرهبة في قلوب أعداء الله وأعدائهم، الذين بدت عداوتهم، واتضحت أهدافهم الخبيثة في كراهيتهم للمسلمين وتبييت الشر لهم، وصد الناس عن دينهم، كما ترهب أولئك الذين يضمرون العداء وإن لم يجاهروا به، ويبيّتون الشر في الخفاء وإن لم تمتد أيديهم به، هؤلاء الذين يعملون في الخفاء فلا يعلم المسلمون حقيقة أمرهم، ولكن الله يعلم سرائرهم وحقائقهم. وحين تكون للمسلمين هذه القوة وهذا الإعداد تقع الرهبة في قلوب أعداء الإسلام على اختلاف أنواعهم، وتعدد وسائلهم فلا يتاح لهم أن يتحركوا بالعدوان ولا يستطيعون أن يقفوا في وجه الدعوة الهادية، أو يحولوا بين الناس وبين الإقبال على دين الله، كما تردعهم هذه القوة عن الظلم والطغيان، وتمنعهم من إقامة العقبات في وجه رسالة الحق وإنقاذ الإنسان، وفي ذلك يقول : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ ١. ٧- إن الجهاد في الإسلام هو ذروة سنامه، فبه يتم إقرار الحق في نصابه،

стр. 310

ويرد البغي والطغيان، ويكافح الشر والعدوان، وفي ذلك يقول الله : ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ١. وفي سبيل تحقيق هذه الغاية التي اقتضتها سنة الله ﵎ في دفع الظلم، ورد البغي، وقطع دابر الفساد في الأرض، كانت صبغة الجهاد في الإسلام أنه في سبيل الله، لا في سبيل مغانم يحرزها المقاتلون، أو مواقع يحتلها المحاربون، أو رتب ومراكز يسعى لها من يخوض معارك القتال. وفي ذلك يقول رسول الله ﷺ : "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" ٢. فالجهاد في سبيل الله إنما هو الإقدام الذي لا يشوبه تردد أو إحجام، وتضحية خالصة تتجرد فيها نفوس المؤمنين من التعلق بالحياة، والإخلاد إلى ما فيها من متاع زائل، وعرض حائل، وصدق في بيع النفس، واندفاع في بذل الروح، طاعة لله وإقبالاً عليه، وحرصًا على ابتغاء ما وعد به المجاهدين الصادقين من الرضى الخالص، والفوز بجنات النعيم. وفي ذلك يقول سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى

стр. 311

بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١. ٨- وليس من شك في أن الدخول في الإسلام والانتماء إليه بيعة مع الله، يعطيها عهدًا صادقًا، وجهادًا خالصًا، وبذلا وفداء، أولئك الصفوة الأبرار من عباد الله، فلا يحتجزون لأنفسهم -وقد ارتضوا هذه الصفقة الكريمة- ذرةً من الحرص على الحياة، أو الرغبة في المال؛ لأن أرواحهم وأموالهم قد بيعت في سبيل الله، فليس عليهم إلا أن يفوا بالعهد، ويمضوا العقد، فيجاهدوا في سبيل الله طيبة نفوسهم، رضية أرواحهم، ويسلكون السبيل القويم الكريم إلى نهايته، فإذا تم لهم النصر فذلك خير كبير أكرمهم الله به، وإذا أدركتهم الشهادة فتلك هي النعمة الكبرى، والغاية التي يسعى لها المجاهدون الصادقون، ولهم في الحالين الجنة التي أعدها الله للأبرار من عباده المخلصين. إن هذه البيعة العظيمة لازمة في عنق كل مؤمن، ومن رحمة الله ﵎ أنه جعل لهذا البيع ثمنًا وهو الجنة؛ لأنه سبحانه هو واهب الأنفس والأموال وهو مالكها، فكان من فضله أنه قبل العِوَض عما يملكه بما تفضل به عباده المطيعين له. ولهذا قال الحسن البصري وقتادة:"بَايَعَهُم والله فأغلى ثمنهم". وروى محمد بن كعب القرظي وغيره أن عبد الله بن رواحة ﵁ قال لرسول الله ﷺ -يعني ليلة العقبة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت.

стр. 312

فقال: "أشْتَرط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأمواكم" قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: "الجنة" قالوا: رَبِحَ البيع لا نقيل ولا نستقيل. وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: " وتكفل الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي، وتصديق برسلي، بأن توفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى منزله الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة". إن وعد الله ﵎ في هذا وعد قاطع قديم كتبه على نفسه وأنزله على رسله في التوارة المنزلة على موسى، والإنجيل المنزل على عيسى، والقرآن المنزل على محمد -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- والله ﵎ لا يخلف الميعاد فليستبشر من أخلص نفسه وماله لله، وقام بمقتضى هذه البيعة، ووفى بهذا العهد بالفوز العظيم والنعيم المقيم. وليس الجهاد في سبيل الله مجرد اندفاع إلى القتل؛ وإنما هو ذروة العمل الذي ينبثق من روح الإيمان ويصدر عن تمثل المؤمنين بحقيقته، ولذلك جاء نعت هؤلاء الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم.. بأنهم التائبون من ذنوبهم، العابدون المخلصون في عبادتهم، فهم في طاعة دائمة وتوجه صادق إلى الله، وهم يحمدونه دائمًا على نعمه، ويشكرونه في كل حال على فضله، وهم ينفقون عمرهم في الحرص على تقوى الله، فيهاجرون في سبيله، ويصومون ابتغاء مرضاته، ويتفكرون في آياته، ويقيمون الصلاة، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويقومون على حدود الله؛ لتنفيذها في أنفسهم وفي الناس، ومقاومة من يضَيِّعها أو يعتدى عليها. ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ

стр. 313

وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١. ٩- ثم إن تصور الناس عن الحياة، وتصرفهم تجاه ما تحفل به من شئون وشجون، منبثق أصلًا من تصورهم الاعتقادي لمعنى الحياة والموت، فبينما ينظر المفتونون بالحياة الدنيا، المحجوبون عن هدى الله إلى الحياة على أنها الغاية التي ليس بعدها غاية، فيحرصون عليها ويتشبثون بها، ويتعلقون بمتعها، ويروعهم تصور انقضائها، فيخشون ذكر الموت، ويجزعون أن يصيبهم، أو يدرك عزيزًا عليهم، ويرُدُّونَ -بسبب فساد تصورهم- وقوع الموت وانقضاء الحياة إلى الأسباب الظاهرة، زاعمين أن الجبن والقعود عن القتال يصون الحياة، فإذا لم يجاهدوا ويخوضوا معارك القتال استطاعوا أن يتفادوا وقوع الموت، أو يؤخروا أجله المحتوم. بينما ينظر هؤلاء إلى الحياة والموت تلك النظرة القاصرة الخائرة التي تشد إلى الذل، وتحمل على المهانة، وتنأى بأصحابها عن دروب الكرامة، تأتي دعوة الإسلام بما ينشئ في أعماق المؤمنين ذلك التصور الإيماني الصحيح للحياة والموت، وهو تصور يرتكز على تجاوز الأسباب الظاهرة، ويرد الأمر إلى قضاء الله وقدره، فمن كتب عليه أن يقتل فلن يؤجل موته قعود، ولن يمنعه حرص أو تدبير، ومن لم يُقَدَّر له أن يقتل فلا خوف عليه من خوض المعارك، وورود المهالك. هذا هو التصور الحق الذي يجب أن يستقر في يقين المؤمن عن الحياة والموت، وهو التصور الذي جاء وحي الله يغرسه في قلوب المؤمنين، ويربيهم عليه، مفنِّدًا ما عداه من التصورات الجاهلية الضالة الصادرة عن بُعْدِ الإنسان عن ربه ، وعدم الإيمان بقدره، وفي ذلك يقول سبحانه:

стр. 314

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ١. ١٠- على أساس من تجلية هذا التصور تقوم حقيقة كبرى جليلة الشأن بعيدة الأثر في موقف المؤمن المكلف بالجهاد في سبيل الله تجاه هذه الحياة، تلك هي حقيقة مصير الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله، وفي هؤلاء يأتي نهي الله ﵎ عن حسبانهم أمواتًا، وإن كانوا قد فارقوا هذه الدنيا، وبعدوا عن أعين الناس، إنهم ليسوا أمواتًا وإن فارقتهم الحياة التي لا نعرف منها إلا ظواهرها، بل هم أحياء فوق أحياء الدنيا؛ لأنهم مقربون عند ربهم، إذ بذلوا في سبيله أرواحهم، إنهم أحياء قد صاروا إلى خير مما كانوا فيه. إن حياة هؤلاء الشهداء التي أثبتها القرآن الكريم لهم، مؤكدًا لتحقيقها بأنهم يرزقون.. فرحين بهذا الرزق الذي يتمثل فيه رضى الله عنهم وفضله عليهم، هي من الأمور الغيبية التي يجب الوقوف منها موقف ما جاء في كتاب الله ﵎، والمأثور من حديث رسول الله ﷺ وإن في بيان ما يغمُرُ أرواح الشهداء الأحياء عند ربهم من فرح وغبطة، بما أعطاهم ربهم من الثواب والكرامة والإحسان. أجل حافز في بعث روح الجهاد في المؤمنين، وحثهم على الإقدام طلبًا للشهادة، ويقينًا بصدق وعد الله للشهداء، ورضاه عنهم وفضله عليهم، وهل ثمة باعث لطلب الاستشهاد في سبيل الله أعظم من هذا الباعث الذي ينتهي بأرواح الشهداء إلى جنة الخلد، حيث تسرح هناك، ويُغْدى عليهم فيها ويُرَاح برزق الله والزلفى عنده، والكرامة والنضرة والنعيم.

стр. 315

١١- وإذا كان هؤلاء الشهداء قد سبقوا إلى منازل الكرامة في غبطة وأنس ورضى، فإنهم كذلك مشغولون بمن وراءهم من إخوانهم المجاهدين الصادقين، لم ينفصلوا عنهم، ولم تنقطع صِلَاتهم بهم، يستبشرون بأولئك الذين لم يقتلوا بعدُ في سبيل الله فيلحقوا بهم من خلفهم، لقد تركوهم وراءهم أحياء تتطلع نفوسهم إلى شرف الشهادة، وبلوغ منازل الكرامة عند الله، ولذا فهم مستبشرون لهم لما استيقنوا من رضى الله عنهم؛ بحيث لم يلقوا عنده سبحانه ما يخيفهم وما يحزنهم، ما داموا ثابتين على الحق، صادقين في الجهاد متطلعين إلى الاستشهاد. إنهم جميعًا -من سَبق إلى جوار الله ومن يَنْتظر- يُنَعَّمُون بما منَّ الله به عليهم من زيادة الكرامة والنعيم، وفيض الثواب الكريم والأجر العميم. قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١. هذا هو التصور الحق لمعنى الحياة والموت، إنه التصور الذي ينقل المؤمنين تلك النقلة البعيدة الرائعة التي تتخطى هذه الحياة العاجلة الفانية، لتستقر أرواحهم في آفاق الكرامة والنعيم، وتطمئن في رحاب الرضى والأنس في دار الخلود. ١٢- وفي ظلال هذا التصور وإيحائه الرائع يأتي التنويه الكريم بأولئك المؤمنين

стр. 316

الذين استجابوا إلى الله ورسوله.. من ذلك الرعيل الأول من المجاهدين الأبرار.. الذين خرجوا ملبين النداء لملاقاة الأعداء، وهم مثخنون بالجراح، مرهقون بما نالهم من أعدائهم في يوم معركة "أحد".. خرجوا لمتابعة المشركين وتعقبهم حين استنهضهم رسول الله ﷺ لذلك؛ ليعلن للدنيا أن صف الإيمان لا يذل ولا يستكين، وأنه إذا غُلِب في معركة لم تكن هزيمته فيها خاتمة المطاف لمعركة العقيدة الدائمة في الحياة.. لم يشأ رسول الله ﷺ أن يكون آخر ما تنطوي عليه جوانح المؤمنين -بعد معركة أحد- شعور المرارة بالهزيمة، وألم الضعف والجراح، وقبول تحدي المشركين بما يحمل من استعلاء بالباطل، وتبجح وطغيان ... بل أراد أن يرهب أعداء الله، ويريهم من نفسه وأصحابه قوة الإيمان وعزته ... فَنَدَب الناس إلى المسير للقاء عدوهم وقال: "لا يخرجنَّ معنا إلا من حضر القتال وشهد يومنا بالأمس"، فاستجاب له المسلمون على ما بهم من الجراح، وساروا حتى بلغوا "حمراء الأسد" متوجهين لمقابلة المشركين بعد أن بلغهم أنهم جمعوا الكرة عليهم ليستأصلوهم، ولكنهم وجدوا أن المشركين قد انصرفوا، وعادوا دون أن يمسهم سوء بفضل الله ونعمته، وقد نالوا رضوان الله ذي الفضل العظيم. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ، الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ ١.

стр. 317

١٣- ومن الحقائق الراسخة في دعوة الإسلام أنه ليس يستقيم أمر البشر في هذه الحياة إلا باتباع هدى الله، فهو منهج الحق الكامل، وشرعة العدل الشامل، وهو أمانة الله، وسبيل السعادة الخالصة للناس في الدنيا والآخرة، وهذا المنهج الإلهي القويم حق في ذاته، ومصدره، ووسائله وغاياته، وهو منسجم أروع انسجام مع الفطرة الإنسانية الخيرة، وأشواق الإنسان وحاجاته وتطلعاته.. وإن تحقيق هذا المنهج الراشد في حياة البشر -عقيدة وعبادة، وفكرًا وسلوكًا، وتشريعًا ونظامًا- يقتضي من المؤمنين العاملين على إقامته في الأرض أن يكونوا في مستواه الرفيع، وآفاقه السامية.. ذلك أمر يحملهم في الفكرة والحركة والسلوك على الارتفاع فوق جواذب المغانم، ويحفزهم إلى احتمال أشد المغارم.. لا بد لهم إذا أرادوا أن يؤكدوا صدق انتمائهم لهذه الدعوة، وعمق ولائهم لهذه الرسالة أن يجاهدوا نفوسهم وأهواءهم، وأن يجادلوا خصومهم وأعداءهم وهم في ذروة الاستعداد للبذل والتضحية والفداء، واحتمال المصاعب، والصبر على الشدائد، والنهوض بالأعباء، مهما بَعُدَت الشقة، وطال الطريق، وبلغ مكر الأعداء.. فذلك هو طريق الإيمان الخالص والجهاد الصادق. وهو دليل العبودية الحقة، والاستجابة الصحيحة لدعوة الحياة الطيبة الكريمة، والسبيل الذي ينتهي بسالكيه إلى النصر والتمكين في هذه الحياة، والفوز والنعيم في دار الخلود. ١٤- وإن هذه الدعوة التي كلف الله ﵎ المؤمنين بحمل أمانتها، وشرفهم بالانضواء تحت رايتها، وأرشدهم إلى النهوض بمقتضى رسالتها.. تحتاج -ولا شك- إلى تعبئة النفوس المؤمنة تعبئة عالية، وإعدادها للمضي في الحياة بقوة وعزم وثبات لتأييد الحق وإعلانه، وهدم الباطل وخذلانه، وإقامة صروح العدل، وتحرير البشرية من

стр. 318

الظلم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.... وهي مهمة ضخمة ثقيلة ذات تكاليف وأعباء، وتضحيات غالية وبذل وفداء، ولا بد للمؤمنين –وهم يخوضون غِمَار هذه المعركة الدائمة في ميادينها الحاسمة- من أن تسفك منهم الدماء، ويخرَّ منهم في سبيل الله شهداء.. وهذا هو حقا عنوان عمق الولاء، وبرهان صدق الانتماء.... وإن أول ما يجب أن يستقر في قلوب المؤمنين أن قوة الله وحده، هي القوة التي يُلْتَمَسُ عندها النصر، وبها تُتَّقى الهزيمة، وإليها يكون التوجه، وعليها يكون التوكل، فإذا أراد الله ﵎ نصر المؤمنين إذا عملوا بشريعته، والتزموا بدعوته، وأطاعوا أمره، ولم يخالفوا حكمه، وتوكلوا على توفيقه ومعونته، وأخذوا للأمر أهبته، وأعدوا له عدته ... فلا غالب لهم من الناس إذا أراد الله لهم النصر والتمكين.... وإن أراد سبحانه خذلانهم بما كسبت أيديهم من الفشل والتنازع والعصيان فلا يملك أحد لهم نصرًا، ولا يدفع عنهم ذلك الخذلان ... قال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ١.

стр. 319

بين الإسلام والقانون الدولي العام: ١- وإذا كان لقواعد القانون الدولي العام من مبادئ أساسية، فإن هذه المبادئ ليست -كما تذكر الدراسات الغربية- حديثة تعود إلى ما قبل القرون الأربعة الأخيرة فحسب؛ حيث بدأ اهتمام الدول الأوربية في تنظيم علاقاتها على أساس من القواعد القانونية الثابتة، بل "إن جل هذه المبادئ وغيرها مما لم يتعرض له القانون الدولي الحديث، واردة في أحكام الشريعة الإسلامية، نزل بها القرآن منذ أبعة عشر قرنا، وصلات المسلمين ودولهم بغيرهم من الشعوب والدول، في حالي السلم والحرب.. كانت تخضع لقواعد مفصلة مستمدة من القرآن والسنة، واطَّرد اتباعها في جميع العصور الإسلامية"١. وإذا كان علماء القانون في الغرب يقررون أن فكرة "القانون الدولي العام" فكرة حديثة العهد، ابتدعتها أوروبا في العصر الأخير، فإن هذا الحكم صحيح إذا لم يعمم على التاريخ الإسلامي، ذلك أن النظام الدولي لم يكن في الحقيقة معروفًا خارج المحيط الإسلامي، فلم يكن لهذا القانون الدولي وجود لا في العصر القديم اليوناني والروماني، ولا في العصور الدينية الأولى في اليهودية والمسيحية ... ولو أننا بحثنا فكرة القانون الدولي في أوروبا في العصور الحديثة، لما وجدنا كبير فرق بينها وبين تلك العصور الأولى، على الرغم من التقدم الفعلي في تدوين هذا التشريع العام، ذلك أن فكرة تساوي الناس أمام القانون، لم تتخذ في نظر الغربيين صبغة القانون العام الشامل. ألم

стр. 320

يقل "ستيوارت ميل" باستحالة تطبيق القانون على الشعوب الهمجية، أولم يحدد "لوريمير" على وجه الأرض مناطق ثلاثًا تخضع كل منها لقانون مختلف؟ فالعالم المتمدين يجب أن يتمتع في نظره بحقوق سياسية كاملة، والعالم نصف المتمدين يكفي أن يتمتع بحقوق سياسية جزئية، بينما الشعوب غير المتحضرة ليس لها إلا حقوق عرفية لا تحمل إلزامًا قانونيًا، وجاء ميثاق "عصبة الأمم" بعد الحرب العالمية الأولى، فأقر هذا التقسيم الثلاثي، وأكسبه سلطة القانون. ٢- إن الحقيقة التي يثبتها الدرس الموضوعي، والتحقيق المجرد عن التعصب، تؤكد أن القانون الدولي ليس علمًا حديثًا كما تذكر الدراسات الغربية التي يميلها التعصب، بل هو يعود إلى القرن السابع الميلادي يوم ظهر الإسلام.. ففي هذه الفترة التي تبدأ في سنة ٦١١م انتشر الإسلام في أقل من قرن؛ بحيث عم جميع البلاد المعروفة آنذاك أو معظمها، فقد شرَّق إلى حدود الصين، وغرَّب إلى الأندلس. والمعروف أن أوروبا في ذلك الحين كانت تتكون من إمارات متعددة، وكان كل أمير يملك الأرض وما عليها، ولم يكن للعهود والمواثيق فيما بين هذه الإمارات أي احترام، وكانت الحروب مشبوبة لأتفه الأسباب، بل ولمجرد الطمع في ملك الجار. فلما خشيت الكنيسة الدين الجديد، وخشيت من سرعة انتشاره في أوروبا، قامت بدعوة الأمراء والملوك إلى اجتماعات برئاسة البابا للنظر في تنظيم العلاقات بينهم، وأخذت المجامع الكنسية تجمع الإمارات والدول تحت سلطان البابا. ولكن سرعان ما أخذ الملوك والأمراء يتبرمون بسلطان الكنيسة التي كانت تبيع صكوك الغفران، وتعاقب الخارجين عليها بالحرمان من الجنة، وإباحة دماء بعضهم، وإهدار قيمة المعاهدات والاتفاقات وتحليل نقضها، متى كان أحد الطرفين غير تابع للكنيسة، أو كان خارجًا عليها.. وقام بعد فترة "ميكيافيللي" -أحد الساسة الإيطاليين- يدعو إلى
следующие страницы →