الذين استجابوا إلى الله ورسوله.. من ذلك الرعيل الأول من المجاهدين الأبرار.. الذين خرجوا ملبين النداء لملاقاة الأعداء، وهم مثخنون بالجراح، مرهقون بما نالهم من أعدائهم في يوم معركة "أحد".. خرجوا لمتابعة المشركين وتعقبهم حين استنهضهم رسول الله ﷺ لذلك؛ ليعلن للدنيا أن صف الإيمان لا يذل ولا يستكين، وأنه إذا غُلِب في معركة لم تكن هزيمته فيها خاتمة المطاف لمعركة العقيدة الدائمة في الحياة..
لم يشأ رسول الله ﷺ أن يكون آخر ما تنطوي عليه جوانح المؤمنين -بعد معركة أحد- شعور المرارة بالهزيمة، وألم الضعف والجراح، وقبول تحدي المشركين بما يحمل من استعلاء بالباطل، وتبجح وطغيان ... بل أراد أن يرهب أعداء الله، ويريهم من نفسه وأصحابه قوة الإيمان وعزته ... فَنَدَب الناس إلى المسير للقاء عدوهم وقال: "لا يخرجنَّ معنا إلا من حضر القتال وشهد يومنا بالأمس"، فاستجاب له المسلمون على ما بهم من الجراح، وساروا حتى بلغوا "حمراء الأسد" متوجهين لمقابلة المشركين بعد أن بلغهم أنهم جمعوا الكرة عليهم ليستأصلوهم، ولكنهم وجدوا أن المشركين قد انصرفوا، وعادوا دون أن يمسهم سوء بفضل الله ونعمته، وقد نالوا رضوان الله ذي الفضل العظيم.
قال تعالى:
﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ، الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ ١.
стр. 317
١٣- ومن الحقائق الراسخة في دعوة الإسلام أنه ليس يستقيم أمر البشر في هذه الحياة إلا باتباع هدى الله، فهو منهج الحق الكامل، وشرعة العدل الشامل، وهو أمانة الله، وسبيل السعادة الخالصة للناس في الدنيا والآخرة، وهذا المنهج الإلهي القويم حق في ذاته، ومصدره، ووسائله وغاياته، وهو منسجم أروع انسجام مع الفطرة الإنسانية الخيرة، وأشواق الإنسان وحاجاته وتطلعاته..
وإن تحقيق هذا المنهج الراشد في حياة البشر -عقيدة وعبادة، وفكرًا وسلوكًا، وتشريعًا ونظامًا- يقتضي من المؤمنين العاملين على إقامته في الأرض أن يكونوا في مستواه الرفيع، وآفاقه السامية.. ذلك أمر يحملهم في الفكرة والحركة والسلوك على الارتفاع فوق جواذب المغانم، ويحفزهم إلى احتمال أشد المغارم.. لا بد لهم إذا أرادوا أن يؤكدوا صدق انتمائهم لهذه الدعوة، وعمق ولائهم لهذه الرسالة أن يجاهدوا نفوسهم وأهواءهم، وأن يجادلوا خصومهم وأعداءهم وهم في ذروة الاستعداد للبذل والتضحية والفداء، واحتمال المصاعب، والصبر على الشدائد، والنهوض بالأعباء، مهما بَعُدَت الشقة، وطال الطريق، وبلغ مكر الأعداء.. فذلك هو طريق الإيمان الخالص والجهاد الصادق. وهو دليل العبودية الحقة، والاستجابة الصحيحة لدعوة الحياة الطيبة الكريمة، والسبيل الذي ينتهي بسالكيه إلى النصر والتمكين في هذه الحياة، والفوز والنعيم في دار الخلود.
١٤- وإن هذه الدعوة التي كلف الله ﵎ المؤمنين بحمل أمانتها، وشرفهم بالانضواء تحت رايتها، وأرشدهم إلى النهوض بمقتضى رسالتها.. تحتاج -ولا شك- إلى تعبئة النفوس المؤمنة تعبئة عالية، وإعدادها للمضي في الحياة بقوة وعزم وثبات لتأييد الحق وإعلانه، وهدم الباطل وخذلانه، وإقامة صروح العدل، وتحرير البشرية من
стр. 318
الظلم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.... وهي مهمة ضخمة ثقيلة ذات تكاليف وأعباء، وتضحيات غالية وبذل وفداء، ولا بد للمؤمنين –وهم يخوضون غِمَار هذه المعركة الدائمة في ميادينها الحاسمة- من أن تسفك منهم الدماء، ويخرَّ منهم في سبيل الله شهداء.. وهذا هو حقا عنوان عمق الولاء، وبرهان صدق الانتماء....
وإن أول ما يجب أن يستقر في قلوب المؤمنين أن قوة الله وحده، هي القوة التي يُلْتَمَسُ عندها النصر، وبها تُتَّقى الهزيمة، وإليها يكون التوجه، وعليها يكون التوكل، فإذا أراد الله ﵎ نصر المؤمنين إذا عملوا بشريعته، والتزموا بدعوته، وأطاعوا أمره، ولم يخالفوا حكمه، وتوكلوا على توفيقه ومعونته، وأخذوا للأمر أهبته، وأعدوا له عدته ... فلا غالب لهم من الناس إذا أراد الله لهم النصر والتمكين.... وإن أراد سبحانه خذلانهم بما كسبت أيديهم من الفشل والتنازع والعصيان فلا يملك أحد لهم نصرًا، ولا يدفع عنهم ذلك الخذلان ...
قال تعالى:
﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ١.
стр. 319
بين الإسلام والقانون الدولي العام:
١- وإذا كان لقواعد القانون الدولي العام من مبادئ أساسية، فإن هذه المبادئ ليست -كما تذكر الدراسات الغربية- حديثة تعود إلى ما قبل القرون الأربعة الأخيرة فحسب؛ حيث بدأ اهتمام الدول الأوربية في تنظيم علاقاتها على أساس من القواعد القانونية الثابتة، بل "إن جل هذه المبادئ وغيرها مما لم يتعرض له القانون الدولي الحديث، واردة في أحكام الشريعة الإسلامية، نزل بها القرآن منذ أبعة عشر قرنا، وصلات المسلمين ودولهم بغيرهم من الشعوب والدول، في حالي السلم والحرب.. كانت تخضع لقواعد مفصلة مستمدة من القرآن والسنة، واطَّرد اتباعها في جميع العصور الإسلامية"١.
وإذا كان علماء القانون في الغرب يقررون أن فكرة "القانون الدولي العام" فكرة حديثة العهد، ابتدعتها أوروبا في العصر الأخير، فإن هذا الحكم صحيح إذا لم يعمم على التاريخ الإسلامي، ذلك أن النظام الدولي لم يكن في الحقيقة معروفًا خارج المحيط الإسلامي، فلم يكن لهذا القانون الدولي وجود لا في العصر القديم اليوناني والروماني، ولا في العصور الدينية الأولى في اليهودية والمسيحية ...
ولو أننا بحثنا فكرة القانون الدولي في أوروبا في العصور الحديثة، لما وجدنا كبير فرق بينها وبين تلك العصور الأولى، على الرغم من التقدم الفعلي في تدوين هذا التشريع العام، ذلك أن فكرة تساوي الناس أمام القانون، لم تتخذ في نظر الغربيين صبغة القانون العام الشامل. ألم
стр. 320
يقل "ستيوارت ميل" باستحالة تطبيق القانون على الشعوب الهمجية، أولم يحدد "لوريمير" على وجه الأرض مناطق ثلاثًا تخضع كل منها لقانون مختلف؟ فالعالم المتمدين يجب أن يتمتع في نظره بحقوق سياسية كاملة، والعالم نصف المتمدين يكفي أن يتمتع بحقوق سياسية جزئية، بينما الشعوب غير المتحضرة ليس لها إلا حقوق عرفية لا تحمل إلزامًا قانونيًا، وجاء ميثاق "عصبة الأمم" بعد الحرب العالمية الأولى، فأقر هذا التقسيم الثلاثي، وأكسبه سلطة القانون.
٢- إن الحقيقة التي يثبتها الدرس الموضوعي، والتحقيق المجرد عن التعصب، تؤكد أن القانون الدولي ليس علمًا حديثًا كما تذكر الدراسات الغربية التي يميلها التعصب، بل هو يعود إلى القرن السابع الميلادي يوم ظهر الإسلام.. ففي هذه الفترة التي تبدأ في سنة ٦١١م انتشر الإسلام في أقل من قرن؛ بحيث عم جميع البلاد المعروفة آنذاك أو معظمها، فقد شرَّق إلى حدود الصين، وغرَّب إلى الأندلس.
والمعروف أن أوروبا في ذلك الحين كانت تتكون من إمارات متعددة، وكان كل أمير يملك الأرض وما عليها، ولم يكن للعهود والمواثيق فيما بين هذه الإمارات أي احترام، وكانت الحروب مشبوبة لأتفه الأسباب، بل ولمجرد الطمع في ملك الجار. فلما خشيت الكنيسة الدين الجديد، وخشيت من سرعة انتشاره في أوروبا، قامت بدعوة الأمراء والملوك إلى اجتماعات برئاسة البابا للنظر في تنظيم العلاقات بينهم، وأخذت المجامع الكنسية تجمع الإمارات والدول تحت سلطان البابا. ولكن سرعان ما أخذ الملوك والأمراء يتبرمون بسلطان الكنيسة التي كانت تبيع صكوك الغفران، وتعاقب الخارجين عليها بالحرمان من الجنة، وإباحة دماء بعضهم، وإهدار قيمة المعاهدات والاتفاقات وتحليل نقضها، متى كان أحد الطرفين غير تابع للكنيسة، أو كان خارجًا عليها..
وقام بعد فترة "ميكيافيللي" -أحد الساسة الإيطاليين- يدعو إلى
стр. 321
تكوين دول كبرى من الإمارات الصغرى للوقوف في وجه الدين الإسلامي الجديد، وأباح "ميكيافيللي" لأي أمير قوي أن يغير على جيرانه، ويخضعهم بالقوة بدافع من القومية. وتقضي تعاليم "ميكيافيللي" في كتابه "الأمير" بأن السياسة كذب ونفاق، ولا مانع من استغلال الشعوب١.
ويرى "ميكيافيللي" أن الخطر الذي يواجهه الأمير نوعان: داخلي من جانب المحكومين، وخارجي من جانب الحكام الخارجيين، وحتى يستطيع المحافظة على حكمه يجب عليه ألا يخشى أي شيء، ولذلك لا بد للأمير أن يمتلك ويظهر الرحمة والإخلاص والإنسانية وفن الخطابة والتقوى، وعليه أن يفعل عكس ذلك إذا اضطر الأمر. ويجب أن يفهم كيف يدير نفسه مع الرياح، وأن يقدر نتائج كل سلوك مقدمًا، وعليه أن يكون مقتصدًا وبطيئًا في عمل الخير حتى يمكن إظهاره بوضوح، وأن يكون سريعًا في تنفيذ حالات القسوة حتى يمكن نسيانها بسرعة، وعندما لا تنفع الأمانة تفيد الخيانة وعدم الوفاء بالعهد، ومع ذلك فإن الكذب يبقى كذبًا، والقتل قتلاً، إلا أن السياسة لا تعرف قاعدة ولا قوانين، فهي انتهاز لكل فرصة مواتية، وهي في الواقع لا تملك أي محتوى، ولكنها وسيلة لكسب الحكم والمحافظة عليه.
أما الدبلوماسية عند "ميكيافيللي" فليست سوى كلمة رقيقة تخفي خلفها شريعة الغاب في الميدان الدولي؛ فالأمير الجديد سيكون موضع طمع أقرانه الأمراء وتربصهم، فيجب عليه أن يكون كالثعلب ليكشف الحيل والألاعيب٢.
стр. 322
٣- هذه هي المبادئ التي سادت أوروبا حوالي قرن من الزمان، كانت الحروب فيها على أشدها، فكان كل أمير أو ملك يدعي القوة ويدعي أنه -في سبيل تكوين دولة كبرى- يحل له محاربة غيره دون سبب، فعمت الفوضى وانتشرت الحروب، وانتشر البؤس والخراب والقوة والتشريد.
ويقولون: إنه لما تبرمت الدول الأوربية بسياسة "ميكافيللي" قام من ينادون بأن الحرب يجب أن لا تقوم إلا لأسباب قوية، وأن لها إجراءات معينة، وأنها يجب أن تتسم بالرحمة، وأن السلام بين الدول والشعوب مرغوب فيه١.
ومن الواضح أن هذه الدعوات التي يجعلها الباحثون طليعة المبادئ الأساسية للقانون الدولي -وهي في خلال القرون الوسطى في أوروبا- لم تَعْد أن تكون صرخات وأمنيات، ولم تبلغ أن تكون قانونًا دوليًا معتبرًا ومصونًا، وظلت آراء "ميكيافيللي" هي السائدة والمطبقة في أروربا منذ نادى بها حتى يومنا هذا، وعلى أساسٍ من آرائه قامت الحروب الكثيرة، والخصومات المتعددة، والمنازعات الدولية الطويلة، ونشأ الاستعمار، واشتعل أُوَار الفتن والأزمات الدولية المستعصية، وعاش البشر -وما يزالون- في ظل الخوف والقلق، وسعير الحروب الفتاكة المدمرة، ونذرها التي تهدد البشرية بمزيد من المآسي والنكبات، والمحن والويلات.
стр. 323
الفصل السادس: في العقيدة
العقيدة والحياة
مدخل
...
العقيدة والحياة:
من أخطر القضايا التي واجهت الإنسان قديمًا، وتواجهه اليوم.. هي النظرة إلى دور العقيدة في الحياة.. فقد كانت هذه القضية مصدر خير وفلاح وسعادة وتقدم لأمم رعتها حق رعايتها، واتبعت هداها، والتزمت قيمها وحدودها، ذلك أن الأنبياء ﵈ -وهم أئمة الهدى وقادة الإنسانية- "لم يدعوا إلى عقيدة وشريعة فحسب، ولم يحملوا دينًا جديدًا -هو الإسلام- فحسب، بل كانوا مؤسسي حضارة ومدنية، وعشرة واجتماع وأسلوب في الحياة جديد خاص، جدير بأن يسمى الحضارة الربانية، ولهذه الحضارة أصول ودعائم، وعلامات وشعائر، تمتاز عن الحضارات الأخرى، الحضارات التي تسمى الحضارات الجاهلية، امتيازًا في الأساس وفي الروح، وفي الأشكال والتفاصيل"١.
إن منطق العقيدة هو الراجح دائمًا؛ لأنه حق في ذاته، وإذا كان لا بد لدعوة الإيمان من أن تخوض معركتها الكبرى؛ لتصحيح التصور، وتقويم السلوك، وإصلاح النظم، وتحرير البشر من طغيان الجاهلية؛ فإن نتيجة هذه المعركة في حياة الأمم هي التي تحدد مصيرها وترسم عاقبتها، والنصر في النهاية
стр. 324
للعقيدة، مهما امتد الزمن، واحتد الصراع، وشق الطريق، وعظمت التضحيات؛ لأن هذا النصر حقيقة يقينية جازمة، تكفَّل الله ﵎ بها في كتابه الكريم فقال:
﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ ١.
وقال:
﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ٢.
وقال:
﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُون، وَإِنَّ جُندَنَا لَهُم الْغَالِبُونَ﴾ ٣.
стр. 325
العقيدة والواقع الإنساني:
١- ولقد كانت نظرة بعض الأمم لدور العقيدة باعث أزمات خطيرة لها، وسبب مشكلات كبيرة في تاريخها، ومصدر شقاء دائم وبلاء مستمر، وقد انتهى أمر بعضها إلى دمار شامل وهلاك ماحق، حين عارضت دعوة التوحيد فأقصتها عن الحياة، وعزلتها عن ميادين الفكر والسلوك والعلاقات بين الأفراد والجماعات.
وما تزال تعصف بالإنسانية اليوم رياح الشر، ويخيم عليها نذر الفناء،
стр. 326
وتهددها أشباح حرب مدمرة، تقضي على الأمن والرخاء والسلام، وتنسف ما بناه الإنسان في تقدمه العلمي والصناعي من قواعد المدنية والعمران، ولا عاصم لها من كل هذه المحن المقبلة، والأزمات المستعصية إلا بالعودة الكاملة الواعية الصادقة إلى حِمَى العقيدة الحقة "عقيدة التوحيد"، فهي وحدها التي تحسم الأدواء، وتحل المشكلات، وتقضي على الأزمات، وتشيع روح الخير والطمأنينة والسلام.. وما لم تبنَ حياة الإنسان في هذه الأرض على أسسٍ من منهج هذه العقيدة التي توازن بين مطالب الجسم والروح، وحاجات الفرد والمجتمع، وتفصل بين الحق والباطل، والفضائل والرذائل؛ فلن ينحسم الصراع بين قوى الخير والشر، ولن تجد سفينة الحياة سبيلها إلى شاطئ السلامة، وملاذ الطمأنينة وأفق الرحمة والعدل، والتسامح والمساواة..
٢- وليس ينقذ البشرية مما تعانيه من هذا الخواء الروحي المتصادم مع فطرة الإنسان وتطلعه نحو الخير؛ هذا الرخاء المادي الوفير، وهذا المتاع الحسي الواسع، وليس ينتشلها من هذا الشقاء الذي تردت فيه ذلك السباق العلمي والإنجاز الصناعي..؛ فكل ذلك في واقعه البشري اليوم يضاعف من المشكلات، وينشر ضباب القلق والفساد والاضطراب، وسبب ذلك كله إنما هو الإعراض عن المنهج الإلهي، منهج العقيدة الحقة، التي تصحح التصور، وتحرر الوجدان، وتقوِّم الفكر والسلوك، وتضع الإنسان على الطريق السوي في الحياة..
٣- تلك صورة من واقع الحياة البشرية اليوم تؤكد أن الانحراف عن المنهج الإلهي يقذف بالناس على هذه الأرض في أتون محرق من الشر، وطوفان مغرق من الفساد، وأزمات مستعصية في كل جوانب الحياة ... أزمات نفسية وخلقية وفكرية.. وأزمات في السياسة والاقتصاد والاجتماع، وأزمات في الروابط الإنسانية والعلاقات الدولية، ولو عاد البشر إلى
стр. 327
واحة الإيمان الحق، وعاشوا في ظل التوحيد الوارف الندي، لاختفى ما يعانونه من هذا الشقاء المدمر، والواقع النكد، والفراغ الخطير.. ذلك أن الرجوع إلى منهج الله وحكمه القويم وشرعه الحكيم، يرد كل شيء إلى أصول ثابتة، وقواعد خيرة وموازين عادلة، وبذلك وحده ينتهي التصادم والانقسام، وتتناسق حياة الإنسان مع سنن الله في الكون، وفطرته التي فطر الناس عليها، وبهذا التناسق تنعم الإنسانية بالسعادة والطمأنينة، وتتفيأ ظلال الأمن والخير.. قال تعالى:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١.
стр. 328
العقيدة ومصير الأمم:
١- تتوالى في كتاب الله ﵎ آيات التذكير والتحذير، المقترنة بالوعد والوعيد؛ لتوقظ القلوب وتربي الضمائر بحقيقة العقيدة، وموقعها في حياة البشر، مقررة أنها أضخم حقيقة، وأجلها وأعمقها في حياة الإنسان، وأبعدها مدى في تاريخه على هذه الأرض، ومصيره فيها، ثم نهايته الأخيرة بعد أن تنقضي هذه الحياة، وتنتهي إلى أجلها المحتوم، ويرث الله الأرض ومن عليها.. وهي النهاية الدائمة التي لا انقضاء لها، ولا مهرب منها، ولا تخلف عنها، وهي إما شقاء الأبد أو الخلود في النعيم، وحين يدرك الإنسان هذه الحقيقة الراسخة الكبرى عبر ما تحمله آيات الله ﵎ من تذكير وتحذير ووعد ووعيد؛ يصبح أكثر يقظة،
стр. 329
وأوضح بصيرة، فتتضح لديه معالم الرؤية، وتنكشف أمامه السبل، فيدرك معنى إنسانيته، ويعي حقيقة مهمته، ولا يني -مهما طال الطريق وصعب المسير- عن سعيه لبلوغ غايته، وبهذا وحده يستوعب الإنسان معنى وجوده الحق، فيستقيم على الطريقة المثلى، فكرًا وشعورًا وسلوكًا، ويحقق الطمأنينة في حياته.
٢- وفي نموذج من التحذير المقترن بالوعيد تسوق الآيات الكريمة أبلغ عظة، وأجل عبرة، في مصير أولئك الذين عَتَوْا عن أمر ربهم بالتمرد والعصيان، والاستكبار والطغيان، حين خالفوا أمر الله، فلم يستجيبوا لدعوة التوحيد، ولم يتبعوا المنهج الإلهي في حياتهم، وكذبوا الرسل الذين جاءوهم بالهدى والنور؛ فكان عاقبة موقفهم الجاحد الظالم، حساب الله العسير، وعذابه النكير، حيث ذاقوا في الدنيا وبال أمرهم، فسادًا وانحلالاً، وذلاً ونكالاً، وترديًا في الأوضاع، وفوضى في النظم، وشقاء متواصلاً، وقلقًا وفقرًا، وجزعًا وجدبًا، ثم انتهوا إلى الدمار والانهيار.. ولهم في الآخرة -فوق هذا- أشد العذاب.
وفي ذلك يقول الله ﵎:
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً﴾ ١.
٣- هذه هي الحقيقة التي يؤكدها المنهج القرآني في مواطن عدة من كتاب الله ، ويقص -في مناسبات عدة- ما جرى في حياة الأمم الماضية والقرون الغابرة من خير أو شر أو سعادة أو شقاء؛ نتيجة لموقف هذه الأمم من العقيدة.. مقررًا أن مصير هذه الأمم التي بعث فيها الأنبياء بعقيدة التوحيد كان متعلقًا بمدى الاستجابة لها، والعمل بمقتضاها
стр. 330
والانطواء تحت لوائها.. فحين اتبعوها وتمسكوا بأهدابها سادوا وعزوا، وأكرمهم الله ﵎ أجلَّ إكرام، وحين أعرضوا عنها وجانبوا سبيلها؛ إيثارًا للهوى الجامح أو صلفًا وعنادًا كانت عاقبتهم الذل والهوان والإخفاق التام، وتلك عقوبة الله تبارك تعالى للزائغين المنحرفين، ولهم في الآخرة أشد العذاب..
٤- لقد ساق الله ﵎ لهذه الأمم من الآيات الدالة على قدرته، والمشاهد الناطقة بجليل حكمته، ما فيه زاجر عن الضلال إذا تذكروا، وحافز إلى الإيمان إذا تدبروا، وأنعم عليهم بوسائل الهداية، وبسط أمام عقولهم وقلوبهم ومشاعرهم أدلتها القوية، وصورها الموحية، وسبلها النيرة، ولم يدعهم سبحانه -فضلاً منه ورحمة- في مفاوز التيه والضياع، تفترسهم الحيرة، وترديهم الجهالة، بل رسم لهم سبل المعرفة الحقة، ودعاهم إلى سلوكها، وأكرمهم برسله الأبرار، مذكرين ومرشدين، ومبشرين ومنذرين، فلا حجة بعد ذلك لمنحرف، ولا عذر لأي أحد في ضلال..
وكان مما ذكر سبحانه -في مواضع كثيرة من القرآن الكريم- أن هؤلاء المشركين من العرب لم تُجْدِ فيهم الزواجر، ولم تغنهم النذر، بل كانوا إذا رأوا آية من آيات الله أنكروها، ولجُّوا في الباطل، وأصروا على الكفر، اتباعًا للأهواء، وجمودًا على ترهات الآباء..
وفي ذلك يقول :
﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ، وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ، وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ، حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ ١.
стр. 331
سنة الله في الأمم الجاحدة:
لم يكن المشركون من العرب بدعًا بين الأمم في التكذيب والإعراض، فقد سبقتهم في طريق الضلال أمم وأقوام صَوَّر القرآن الكريم ما حلَّ بهم من العذاب والنكال؛ نتيجة كفرهم وضلالهم وإعراضهم عن دين الله.
١- فهناك قوم نوح الذين كانوا شر أسوة لمن بعدهم من الضالين المكذبين للرسل، فقد قصَّ القرآن الكريم أنهم كذبوا بآيات الله ورسالته، وكذبوا عبده ورسوله نوحًا ﵇، ونالوه بالمساءة والسخرية، ووصفوه بالجنون، وتوعدوه بالرجم، ونهروه بقسوة وعنف.... وحين ضاق بهم ذرعا، واستنفد طاقته في تبليغهم وإنذارهم، ولم يعد يجد من سبيل إلى ردعهم وإصلاح حالهم.. دعا ربه منيبًا أن قومه غلبوه تمرُّدًا وعُتُوًّا، ولم يسمعوا منه، فاستحكم يأسه منهم، ولم يعد له طاقة بهم، وكان دعاؤه ابتهالاً إلى الله أن ينتصر منهم لدعوته بعقابٍ من عنده.. وأجاب الله دعاءه، ووقع الطوفان هلاكًا ماحقًا، يغمر وجه الأرض، ويطوي ما عليها من الشر والدنس، بعد أن لَجَّ الضالون في الباطل، وأصروا على الكفر والجحود، وبلغوا الغاية في العتُوِّ والاستكبار..
وفي غمرات الشدة -والطوفان يطوي المكذبين ويغرق الجاحدين- تدرك رحمة الله ﵎ أولئك الذين آمنوا بالله، واستجابوا للحق، وصبروا على إيذاء الكافرين، فينجي الله نوحًا والذين آمنوا معه من قومه، ويكرمهم بحملهم في هذه السفينة، التي جعلها سبحانه آية للأجيال على كر الدهور وتوالي العصور لمن يتذكر ويعتبر.
وفي ذلك يقول :
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا
стр. 332
مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ، فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ، فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ، وَفَجَّرْنَا الأرض عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ، وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ، تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ، وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ، فكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُر﴾ ١.
٢- وواصلت الآيات الكبرى -بعد ذكر قصة قوم نوح- إنذار المشركين بتصوير موقف قوم عاد وثمود وبيان ما حلَّ من التنكيل والدمار والعذاب الماحق بهم، وفيه مع ما آل إليه مصير قوم نوح من الإغراق بالطوفان أبلغ العبرة لمن تدبر واعتبر.. فقد كذب قوم عاد نبيهم هودًا مثل ما كذب قوم نوح نبيهم، فعاقبهم الله على كفرهم وتماديهم في الغي والضلال، وقصَّ الله بعد ذلك نبأ ثمود الذين خلفوا قوم عاد في القوة والتمكين، ولكنهم لم يتعظوا بما أصاب مَنْ قبلهم حين جحدوا عقيدة التوحيد، فكذبوا بنذر الله، وأنكروا دعوة نبيهم صالح ﵇، وسخروا منه، وغلبت عليهم الكبرياء، فزعموا أنهم لو اتبعوه لكانوا في ضلال وجنون، واتهموا نبيهم بالكذب والطمع وحب السيطرة، وطمس الله على بصائرهم، فأغرقوا في الكفر والكبر وقبح الاتهام، وأرسل الله الناقة؛ آية لنبيه صالح ﵇، وحجة له على قومه، وامتحانًا لهم وابتلاء، وأمره أن يخبرهم أن الماء الذي يَرِدُونَه مقسوم بينهم وبين الناقة، فلها يوم ولهم يوم، فتحضر الناقة تارة ويحضرون هم أخرى، فتنال شِرْبَهَا وينالون شِرْبَهُم، فعتوا عن أمر ربهم، وعقروا الناقة ... فعاقبهم الله بأن أرسل عليهم الصيحة
مثل من قصة بني إسرائيل:
٣- وفيما وقع لبني إسرائيل مثل يصور هذه الحقيقة، وله دلالته الكبرى في كل أمة ... وتبرز فيما وقع لهم صورتان:
стр. 335
الصورة الأولى:
هي أنهم قد تجرعوا مرارة الذل والهوان أحقابًا طوالًا، وعانوا من بطش فرعون الذي كان يقتل أطفالهم ويستحيي نساءهم.. وقد بدأ الفرعون "رعمسيس الثاني" اضطهادهم، وامتحنوا امتحانًا شديدًا.. وقد بلغ من اضطادهم أن أمر فرعون جنوده أن يُلْقُوا في النهر بكل ذكر من أبناء بني إسرائيل ليموت غرقًا، وأجبرهم على العمل الشاق في تعبيد الطرق وبناء المعابد.. ولقد أزمع فرعون أن يقضي عليهم ويبيدهم.. ولكن يشاء الله ﵎ -الذي أنعم عليهم بوافر النعم، وفضلهم على أبناء زمانهم بسبب إيمانهم- أن يكرمهم بما يكون سببًا لنجاتهم، وتأييد الله لهم، وإهلاكه لعدوهم، وفي ذلك يقول :
﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ١.
لقد بعث الله فيهم موسى ﵇ مؤيدًا بالآيات الخارقة من ربه، التي أراه الله إياها ليطمئن قلبه، وذلك حين أمره أن يلقي عصاه فإذا هي حية تسعى، وأن يدخل يده في جيبه فخرجت بيضاء من غير سوء.. ثم عادت عصاه سيرتها الأولى، ورجعت يده كعهده بها، وقد أمر الله بعد ذلك أن يذهب إلى فرعون الذي طغى وبغى٢.
стр. 336
قال تعالى:
﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى، ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى، فَحَشَرَ فَنَادَى، فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ ١.
فبلغه موسى أمر ربه، وحمل إليه أمانة هذه العقيدة، وأراد أن ينقذ قومه بني إسرائيل من عدوانه وطغيانه، فكان مما قاله موسى لفرعون:
﴿إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِي بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ٢.
فضاق فرعون بهذه الجرأة عليه وعلى الملأ من حوله..
﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ ٣.
ولكن موسى عاد يطلب من فرعون أن يطلق سراح بني إسرائيل وذلك حيث يقول الله تعالى -حكاية عن موسى-:
﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ ٤.
غير أن فرعون لم يستجب له، وزاد في عُتُوِّه وغُلُوِّه حين قاله له -كما حكى الله ذلك عنه:
стр. 337
﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ ١.
وتحول الأمر بعد ذلك إلى التحدي، وأحضر فرعون المهرة من السحرة، وجمعهم من المدائن؛ كي يظهر عجز موسى أمامهم.. وكان للسحر منزلة عظيمة بمصر في ذلك العصر ... وفي ذلك اليوم الذي جمع له الناس، وبعد أن ألقى السحرة ما بأيديهم من العصي والحبال، وسحروا أعين الناس، ألقى موسى عصاه -تنفيذًا لأمر الله- فإذا هي حية تسعى، وإذا هي تلقف ما يأفكون، وألقي السحرة ساجدين، وكانوا أول من آمن برب موسى وهارون، بين تهديد فرعون ووعيده لهم بقتلهم، وصلبهم في جذوع النخل.. وقال هؤلاء المؤمنون من السحرة لفرعون:
﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى، إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ ٢.
بعد أن فوجيء فرعون بما لم يكن يتوقع من إيمان السحرة، وفضيحة الهزيمة أمام موسى، اشتدت به غُلُوَاء العناد والكبرياء وأزمع قتل موسى، والخلاص من بني إسرائيل.. ولكن موسى ﵇ قال لهم -كما حكى الله عنه:
﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأرض لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٣.
стр. 338
وهنا تتدخل القدرة الإلهية لترد عن موسى والمؤمنين من قومه ما يكتنفهم من البلاء، ويأخذ الله آل فرعون بالسنين ونقصٍ من الثمرات، وتتعرض مصر لألوان من البلاء والشقاء، ويحس أعداء العقيدة من قوم فرعون الحاجة إلى دعاء موسى فيقولون:
﴿يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾ ١.
ولم تُجْدِ الآيات البينات التي أجراها الله على يد موسى في صرف فرعون وقومه عن عتوهم وكفرهم، فلم يبق إلا أن تحق عليهم كلمة العذاب تطبيقًا لسنة الله، وأوحى الله إلى موسى أن يسري بعباده ويرحل بهم كما قال :
﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ ٢.
ورحل موسى بقومه وأمره الله -حين أدركوا البحر ومن خلفهم فرعون وجنوده- أن يضرب البحر بعصاه، فضربه فانفلق، وانحسرت الأمواج من الجانبين كالجبال، ونجى الله موسى ومن معه، واقتحم فرعون الطريق وراءهم، ولكن ما كان يتوسط البحر حتى أطبق عليه الموج.
﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٣.
стр. 339
ولكن ذلك كان بعد فوات الأوان، فكان الرد الإلهي على فرعون:
﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ ١.
هذه صورة من إكرام الله ﵎ لمن يقف في صف العقيدة، مؤمنًا بها، ثابتًا عليها، عاملًا على إقامتها في الأرض، ونشرها بين الناس.. مصداقًا لقوله تعالى :
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرضوَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرضوَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ ٢.
ومصداقًا لقوله ﵎:
﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ، مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ، وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ٣.
الصورة الثانية:
أما الصورة الأخرى فتبدأ بفرح بني اسرائيل بسبب نجاتهم من بطش فرعون وطغيانه، ولكنهم لم يكادوا يمضون مع موسى بعد خروجهم من البحر حتى رأوا قومًا يعبدون أصنامًا لهم، فإذا بهم يقولون لموسى:
стр. 340
﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١.
وسرعان ما نَسُوا الله الذي أنجاهم من الظلم والطغيان، بما ساق من الآيات والمعجزات التي تدعو إلى الثبات على الإيمان، ومع ذلك فقد شملتهم رحمة الله وفجر لهم -سبحانه- الماء من الحجر اثنتي عشرة عينًا، وأرسل عليهم الغمام يقيهم حرارة الشمس، وأنزل عليهم المنَّ والسلوى.
ولما مضى بهم موسى في صحراء سيناء، ثم ذهب لميقات ربه وخلف أخاه هارون نائبًا عنه، اتبعوا سبيل المفسدين وعصوا هارون وأطاعوا السامري، الذي قدم لهم عجلًا أوهمهم أنه إلههم وإله موسى، وطلب إليهم أن يعبدوه، فأطاعوه وانصاعوا له.. وتذكر التوراة أن موسى حين عاد وأبصر العجل، ورأى قومه يرقصون حوله.. لام أخاه فاعتذر إليه "بأن هذا الشعب شرير". لقد صرفهم السامري عن عبادة الله، وفتنهم بعبادة صنم أبكم لا يسمع ولا يفهم، ولم يَأْبَهُوا لهارون وهو يقول لهم:
﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ ٢.
ولقد كان موسى ﵇ من قومه في جيل ذليل، لا يصلح لقتال فلما أن دعاهم لدخول الأرض المقدسة قائلًا:
﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرض المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ ٣.
стр. 341
لم يكن جوابهم إلا أن رَدُّوا على موسى الذي يدعوهم إلى العزة ودخول الأرض التي كتب الله لهم قائلين:
﴿يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ ١.
وامتلأت نفوسهم بالفزع من ملاقاة أعدائهم، وقالوا:
﴿يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ٢.
وكان أن عاقبهم الله بأن يتيهوا في الأرضأربعين سنة، قبل أن يدخلوا الأرض المقدسة، كما قال :
﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرض فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ ٣.
ولعل من حكمة الله ﵎ في هذه العقوبة ما ذكره "ابن خلدون" من أنها "لإفناء أبناء الجيل الذين خرجوا من قبضة الذل والقهر والقوة، وإنشاء جيل آخر عزيز لا يعرف الأحكام والقهر ولا يسام الذل والهوان".
لقد أكرم الله هؤلاء في مرحلة التزامهم بالعقيدة بالآيات الباهرة، وأسبغ عليهم نعمه الكثيرة، وأنجاهم من عدوهم، فاتخذوا في البحر طريقًا يبسًا، أطبق الموج فيه من بعدهم على عدوهم، ثم لما انحرفوا عن العقيدة، وجانبوا طريقها القويم عاقبهم الله بالتيه أربعين سنة.. وذلك هو الدرس العظيم الذي
стр. 342
يجب أن تربى عليه نفوس المؤمنين ليثبتوا على إيمانهم واثقين بنصر الله الذي يقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ ١.
والله ﵎ هو ولي المؤمنين الذين تشرق أرواحهم بنور الإيمان، فتشف وتشع بالخير والإحسان، وتنكشف لهم حقائق الأشياء، وتتضح أمامهم معالم الطريق، فلا ينحرفون ولا يضلون، وتتلاشى من حياتهم ظلمات التيه والشرود، والمذلة والهوان، والشك والقلق، والرياء والنفاق.. تلك الظلمات الكثيفة التي تتجمع في حياة الأمم عندما تنحرف عن منهج العقيدة وتحتكم لغير منهج الله وفي ذلك يقول :
﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٢.
стр. 343
عقيدة التوحيد في مواجهة الجاهلية:
١- لقد مرت البشرية قبل دعوة الإسلام بتجارب كثيرة، شهد معها تاريخ الإنسانية صورًا من الصراع تجاوز حدود الجدال الفكري، والحوار الكلامي، إلى معارك طاحنة، أريقت فيها الدماء، وتناثرت الأشلاء، وكانت المجتمعات الإنسانية في قبضة هذه الجاهليات المتحاربة، وفي ظل طغيانها الشرس تعاني من سطوة الغالب مثل ما كانت تعاني من سطوة المغلوب، وما تكاد تخرج من عثرة حتى تقع بأخرى، فمقامها أبدًا
стр. 344
بين الحُفَرِ في ظلامها وبرودها وعَفَنِهَا، ولم يحدث أن تسلمت ذروة عالية تُحِسُّ بها وجودها، أو تَنَسَّمت هواءً طلقًا تشعر فيه بمعنى حياتها وحريتها.. كانت تنتقل من ظلم إلى ظلم، ولا ترى أن مادة القيد قد تبدلت، أو أن حقيقة الأسر قد تغيرت، وإن اختلفت الصورة، وتغير شكل العبودية..؛ ذلك لأن هذه التجارب الجاهلية على اختلاف مصادرها ومراكز تسلطها، سواء أكانت إغراق الإنسان في موجات مادية أو غير مادية لا تعدو أن تكون كحَبَّات متنافرة حجمًا وشكلًا ولونًا، ينظمها سلك واحد أو هي من خيط العنكبوت، ذلك هو فساد العقيدة، الذي يتمثل في الكفر بالله، وإنكار اليوم الآخر، وجحود كرامة الإنسان، وتزوير فطرته التي فطره الله عليها.. لا فرق في ذلك بين جاهلية سادت العرب فجمدت معها العقول، وانحرفت النفوس، وفسدت الأخلاق، واضطربت المجتمعات، ونأت عن سبل العلم والحضارة.... وبين جاهلية سيطرت على أمم أخرى تفوق العرب عُدَّةً وعددًا، وكان لها من مضمار الحضارة المادية سبق ملحوظ، بما توافر لديها من طوائف الفلاسفة والعلماء.. غير أن كل هذا لم يكن إلا طِلَاءً رقيقًا زائفًا، لبناء خَرِبٍ مزعزع القواعد والأركان، فيه عناصر تدمير خطير لِمَا ينبغي أن تكون عليه الإنسانية من خيرٍ وأمنٍ وسلام.
إنَّ كل جاهلية سبقت الإسلام، سواء كانت جاهلية العرب أو الروم أو الفرس أو غيرها، إنما تعود -على ما بينها من فروق في الصور والأشكال- إلى أصل واحد، وتمارس في الحياة مهمة مشتركة، وتعمل لتحقيق هدف متماثل، شأنها في ذلك شأن الأوبئة، والأمراض الفتاكة، تختلف في أسبابها وأعراضها، وإن كانت تؤول إلى نتيجة واحدة هي: الموت والهلاك.
قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ
стр. 345
بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١.
وقال سبحانه:
﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ ٢.
وقال:
﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ٣.
٢- كان من الطبيعي أن تُوَاجَهَ هذه الجاهلية مجتمعةً بما يعصف بها، ويأتي على بنيانها من القواعد، وقد اختار الله ﵎ لهذه المهمة الجليلة صفوته من خلقه: الرسل والأنبياء لتبليغ الرسالة، ونشر عقيدة التوحيد، وتطهير الأرض من أدران الجاهلية، وألقيت أعباء الرسالة الأخيرة الشاملة الكاملة التي كانت ختام رسالات الله على خاتم الرسل الكرام محمد بن عبد الله ﷺ ، قال تعالى:
﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ ٤.
وقال جل شأنه:
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ
стр. 346
عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ١.
وقال:
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ٢.
ولا شك أن في هذا التكليف الرباني، بإظهار دين الله وهداية البشر إليه، وحمل الناس على الحق، أعظم ذكر وأسمى تكريم وأشرف مجد، وهو من أجلِّ المسئوليات لرسول هذه الدعوة وللمؤمنين بها، وفي ذلك يقول جل شأنه:
﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ ٣.
وقد جاءت هذه الرسالة بعقيدة تخاطب في الإنسان عقله ووجدانه، وترشده إلى معرفة ربه والإيمان به، وبعبادات تُحْكِمُ صلته بخالقه، وتزكي نفسه وتسمو بروحه.. وبأحكام تحقق للمجتمع البشري ما يصلحه وينظمه، ويمنع عنه أسباب الشقاق والنزاع، بما حرصت على إقامته من ركائز العدالة والأخوة، ودعائم الحرية والمساواة والسلام، وبأخلاق تطهر النفوس، وتربي الضمائر، وتغرس فيها أنبل الصفات وأكرم الفضائل.. ولا يتم الوصول إلى هذه الأهداف الكبرى إلا بجهاد صادق خالص لا يبتغي غير وجه الله، ولا يقصد إلا إلى إعلاء كلمته ورفع رايته. وفي ذلك تصحيح لكل انحرافٍ أصاب البشر فأبعدهم عن جادة الحق، ومنهج الرشاد.
стр. 347
قال تعالى:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١.
ويقول ﵎:
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٢.
ولا شك أن كل رسالة سماوية بعث بها رسول كريم من رسل الله الأخيار ﵈، كانت تواجه لونًا من الجاهلية، يحمل أوزارها ويوقد نارها طغاة أشرار، يجحدون الحق وهم يعرفونه؛ ضمانًا لاستمرار استعبادهم للناس، أو إيثارًا لموروثات فاسدة قلدوا بها من سبقهم، أو امتيازات كانت بأيديهم وهم يخشون أن تنزع منهم.
﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٣.
٣- إن كل رسالة سبقت رسالة الإسلام كانت خاصة بقوم، وكانت تواجه جاهلية محدودة بزمان ومكان، وتنسخ إحداهما الأخرى بأمر من الله، وحين جاءت رسالة الإسلام بعمومها وشمولها وخلودها، نسخت كل ما عداها، وكانت الفرقان الأخير بين الحق والباطل والهدى والضلال، ومن أولى خصائصها: أنها صالحة لكل زمانٍ
стр. 348
ومكانٍ، وأنها باقية مستمرة لا تنقطع حتى يرث الله الأرض ومَنْ عليها.. وفيها إلغاء كامل لكل جاهلية عاصرتها أو وجدت قبلها أو حدثت بعدها، أو يمكن أن تحدث في سير البشرية في مستقبل أيامها، وعلى هذا فإن على الذين أكرمهم الله بها، ومنَّ عليهم باتباعها والانتساب إليها، أن يكونوا في مستوى أهدافها الكبرى في الإصلاح الإنساني الكامل، واقتلاع جذور الفساد، وهدم مواقع الضلال ... ولا يتم ذلك إلا وفق المنهج الرباني الذي رسمه لأنبيائه، وهم دعاة الخير ورُوَّاد الحق ...
وصفوة ذلك كله في القرآن الكريم وسنة النبي ﷺ .. فمن سار على هذا النهج أفلح وانتصر، ومن جانَبَه وأعرض عنه خاب وخسر، وفي كتاب الله نماذج رائعة من خطة الأنبياء في الدعوة والإصلاح؛ حيث ترمي جميعها إلى إثارة المعنى الكريم في الإنسان، بدعوته إلى الإيمان بالله وتقواه وطاعته، في إخلاصٍ تامٍ وتجردٍ كاملٍ، وبعد عما تميل إليه النفوس من أثرة وطمع، مع الزهد في جلب المغانم، والرضا بدفع المغارم، والنصح في القول والعمل، وأمانة في التبليغ.. وفي سورة الشعراء بخاصة بيان ذلك وتفصيله.
قال تعالى:
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ١.
وقال سبحانه في بيان منهج خاتم رسله في الجهاد والدعوة وصدق الاتباع:
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
стр. 349
العقيدة والإنسان الإنسان بين الهداية والغواية:
١- من طبيعة هذا الإنسان أن يحس بالسعادة والشقاء إحساسًا تشترك فيه الأبدان والأرواح على السواء.. تلك حكمة الله في خلق هذا الإنسان الذي كرَّمه الخالق الحكيم، حين خلقه في أحسن تقويم، بدأ خلقه من طين الأرض، ونفخ فيه من روحه وميَّزه على سائر المخلوقات بخصائص تَجِلُّ عن الحصر، ونعم لا يحصيها العد، وجعله خليفة في الأرض، وحمَّله أمانة إعمارها وإصلاحها، وحدَّدَ له فيها أجلًا لا يزيد ولا ينقص، ثم يرجع بعد ذلك في اليوم الموعود إلى الله، خالقه ورازقه ومفيض النعم عليه، حيث يلقى جزاء ما عمل، ويصير إما إلى السعادة الخالدة، أو شقاء الأبد.
قال تعالى:
﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ
стр. 350
فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ، وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ، قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ ١.
٢- والإنسان في هذه الحياة، حياة التكليف والابتلاء بين طريقين: طريق الهداية، وطريق الغواية، وهما طريقان مختلفان بدءًا ونهاية، ويؤول كل منهما بسالكه إلى المصير الذي يتناسب مع المنهج الذي التَزَمَه، والعمل الذي قَدَّمَه، فمن زكَّى نفسه بالتقوى فقد أفلح، ومن دنسها بالمعاصي فقد خاب، وفي ذلك يقول سبحانه:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ٢.
ويقول جل شأنه:
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ ٣.
على هذين الطريقين يسير فريقان من البشر لا اتفاق بينهما في المنطلق وخط المسير، ولا تلاقي بينهما في الغاية ونهاية المصير، وكيف يستوي من يعبر الدروب الواضحة النيرة، ومن يجتاز المهالك، ويتغلغل في أحشاء الظلام؟! ...
стр. 351
قال تعالى:
﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ ١.
وفي ذلك يقول :
﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ ٢.
стр. 352
طريقان لا تسوية بينهما:
١- هنالك فرق هائل كبير بين جوهر الدعوة الإلهية ومبادئها وأهدافها ووسائلها وآثارها في حياة الفرد والجماعة والإنسانية في آفاقها الواسعة ومجالاتها الرحبة.. وبين جوهر الدعوات الأرضية والتصورات الضيقة، والنظم الملتوية ... إن المحور لهذا الفرق -كما يحدده المنهج القرآني- هو عدم التسوية بين المنهجين المتضادين، والطريقين المتعارضين، وهي حقيقة تشير إلى التباين الكامل بين الوجود الحق الذي ينبغي أن يحرص عليه الإنسان ويتطلع إليه، وبين الضياع الفارغ الذي يجب أن يحذر منه وينأى عنه إذا أراد لإنسانيته أن تمارس وجودها الذاتي الصحيح على هذه الأرض.
إنها حقيقة تدركها العقول وتشعر بها النفوس وتستوعبها الضمائر.. حقيقة فطرية بسيطة لا مجال للمكابرة فيها والتعامي عنها، والغفلة عن إيحائها العميق ومدلولها البالغ ...
ولذا فقد عرضها المنهج القرآني بأسلوب جميل أخاذ، نابض
стр. 353
بالحركة والحياة، مُشِيرًا -بالمثل المصور والمشهد المعبِّر- إلى أنها حقيقة يراها الناسُ بأبصارهم، ويشهدونها بحواسهم، ويعيشونها بخلجات قلوبهم ودفق مشاعرهم.
إنها مشاهد مرئية محسوسة مدْرَكَةُ في نواميس الكون، وواقع الأحياء، تستثير في الإنسان روح النزوع نحو الخير، وتبعد به عن الشر، وتحدد له السبيل الطيب الكريم، سبيل الإيمان الذي يحقق السعادة والطمأنينة والفلاح، وتنأى به عن السبيل المعوجة الفاسدة التي لا تتضح فيها الرؤية الصحيحة بما يغمرها من الظلام، ولا يفيء الإنسان فيها إلى ظل الأمن أو ينعم بحقيقة الحياة ...
وفي ذلك يقول :
﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ، وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ، وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ، وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ، إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِير﴾ ١.
٢- فإذا كان من طبيعة الإنسان -كما أسلفنا- الإحساس بالسعادة والشقاء وإدراك هذا التنافي البعيد بين طريقي الخير والشر.. فإن من طبيعته كذلك الحرص على الثواب، والخوف من العقاب، ولهذا كان لا بد من تربيته على قاعدة المسئولية ومبدأ الجزاء، فذلك هو الحافز القوي الذي يدفع إلى الخير، والرادع الحاسم الذي يُكَفْكِفُ من غُلُوَاء الشر.. وذلك هو نهج الفطرة الذي جاءت به عقيدة الإسلام.. وهو نهج لا مجال لإنكاره والعدول عنه، فلا قيمة لأي محاولة ترمي إلى تربية الإنسان بمنأى عن فطرته، وتقويمه بما يتنافر مع خصائصه،
стр. 354
فهي محاولة محكوم عليها بالإخفاق؛ لأنها مبنية على المغالطة والأوهام، مهما برع أصحابها في تزيينها والدعاوة لها، وأطلقوا عليها أجمل الأسماء وأبرز الشعارات ... وفي ذلك يقول :
﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ ١.
стр. 355
العقيدة ذخيرة الخير:
١- يقف هذا الإنسان بمقتضى حكمة الله في خلقه وتكوينه بين قوتين، وعلى مفترق طريقين مختلفين، إنهما قوتا الخير والشر، وطريقا الهدى والضلال، ولو ترك الإنسان ونفسه في تجاذب القوتين والحيرة بين الطريقين؛ لما استطاع أن يحقق المسلك القويم والنهج الصحيح بل تلتوي عليه السبل وتَكْتَنِفُهُ الهواجس ويستبد به القلق ويضيع في غمار الحيرة.. وهنا لا بد أن تحيط به جواذب الأهواء، وتستبد به زخارف الحياة ومغرياتها، فينزلق في تيارها، ويخضع لضغطها، ويسلك سبيل الشر، وينحرف عن الغاية التي خلق من أجلها، وينتهي إلى الخسران المبين.
قال تعالى:
﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ١.
ويقول :
﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ