لكل علم أو علمين قاعة خاصة مزودة بمصادر ذلك العلم١.
وتجد في المكتبات الكبيرة أقسامًا خاصة بالكتب المخطوطة، يلحق بها كل ما يساعد على تصوير الكتب وتكبير الأفلام، وحفظ الشرائح وغير ذلك مما يقدم خدمات للقراء وأهل العلم.
كما ترى في المكتبة الحديثة موظفين متخصصين في شئون المكتبات وفهارسها، تكون كل فئة جهازًا مكتبيًا فعالًا، له أثره في تقدم المكتبة، وتيسير المطالعة على القراء والباحثين؛ فهناك قسم التزويد الذي يهتم بكل ما يصدر حديثًا وزود المكتبة به، وقسم الفهارس الذي يتولى تصنيف الكتب وفهرستها حسب موضوعاتها، كما يتولى وضع فهارس المكتبة المختلفة، وفي المكتبات الحديثة قسم الإرشاد وهو القسم الذي يتولى إرشاد المطالعين إلى مواضع الكتب التي يريدونها. وغير ذلك من الأقسام الكثيرة التي تتضافر من أجل خدمة رواد المكتبة وطلاب المعرفة. هذا سوى الأقسام الإدارية الأخرى التي لا صلة لها بالقراء.
ويلحق بالمكتبة الحديثة مطبعة تتولى نشر الكتب التي تقوم بتحقيقها لجان خاصة بذلك، وهيئة مكتبية متفرغة للانتاج العلمي، كما هو شأن دار الكتب المصرية بالقاهرة٢ وغيرها من دور الكتب العربية والأجنبية.
стр. 107
فهارس المكتبة
مدخل
...
ب - فهارس المكتبة:
فهرس المكتبة هو البيان الشامل لما تضمه المكتبة في خزائنها من مطبوعات ومخطوطات، وخرائط ومصورات وما يلحق بذلك، وينظم وفق ترتيب معين يكفل سهولة الحصول على الكتاب بالسرعة المناسبة.
لقد عرفت المكتبة الإسلامية الفهارس منذ نشأتها الأولى؛ فكان لكل مكتبة فهارسها المنظمة تنظيمًا دقيقًا حسب موضوعات محتوياتها، وإلى جانب هذا عمد خزنة المكتبات إلى لصق قائمة بأسماء الكتب التي تحتويها كل خزانة من خزائن المكتبة، على أحد جوانب الخزانة البارزة. بحيث يراها القراء، وإلى جانب كل كتاب في القائمة سجل رقمه الخاص به.
وكانت الفهارس خير دليل لمحتويات المكبتة، وبيان ما فيها؛ فكلما عظمت المكتبة ازداد عدد فهارسها، ولم تقتصر الفهارس على المكتبات العامة بل كانت متبعة في المكتبات الخاصة؛ حتى إن فهارس كتب الصاحب بن عباد كانت في عشر مجلدات١، وبلغت فهارس دواوين الشعراء في مكتبة قرطبة أربعة وأربعين جزءًا٢.
ولتصنيف الكتب في المكتبات الحديثة في فهارس خاصة عدة طرق، أيسرها وأسهلها الطريقة المعجمية؛ فترتب الكتب فيها حسب حروف الهجاء، وأنواع الفهارس في المكتبة الحديثة ثلاثة، فهرس بأسماء المؤلفين، وفهرس بأسماء الكتب، وفهرس للموضوعات، وكل هذه ترتب حسب حروف الهجاء.
وخير طريقة لوضع هذه الفهارس بين يدي رواد المكتبات أن
стр. 108
تكون على بطاقات متينة مصنوعة من المقوى الجيد بحجم مناسب.
وإلى جانب فهارس البطاقات يوجد شكل آخر لفهرسة الكتب، وهو أن تطبع فهارس الكتب في سجل كبير على شكل كتاب، كما يوجد شكل ثالث وهو أن توضع أوراق الفهرس في مغلف كبير متين؛ فيثقب طرف كل صفحة عدة ثقوب وتشد الصفحات إلى بعضها عن طريق هذه الثقوب بواسطة محازم حديدية قوية، وهناك شكل رابع للفهارس كتلك القوائم التي ذكرناها، يذكر فيها عنوان الكتاب ورقمه وتلصق على لوحات، وتوضع هذه اللوحات في مكان ظاهر غالبًا ما يكون في الممرات المؤدية إلى غرف المطالعة، أو على جدران الأروقة التي تربط بين حجرات المكتبة.
وسنكتفي في هذا المقام بذكر فهارس البطاقات، وسجلات الكتب والفهارس المطبوعة:
стр. 109
١- فهرس البطاقات:
يتكون هذا الفهرس من بطاقات طولها ١٢.٥سم وعرضها ٧.٥سم أو ١٣×٩سم، وهذا المقاس المتعارف عليه في جل المكتبات في العصر الحاضر. وتثقب البطاقة في منتصف طرفها الأسفل؛ لتسلك مع غيرها في قضيب معدني ضمن صندوق البطاقات المفهرسة. وقد جرى العرف المكتبات الحديثة ان تختلف ألوان البطاقات باختلاف الفهارس؛ فيكون اللون الأبيض مثلًا لبطاقات المؤلفين، واللون الأخضر الفاتح لبطاقات الكتب، واللون الأحمر الفاتح لبطاقات الموضوعات؛ ليسهل على المطالعين تمييز الفهارس بمعرفة ألوانها، ولفهارس البطاقات عدة مميزات منها:
١- سهولة الاستعمال: فيمكن أن تضاف بطاقات جديدة إلى
стр. 110
صندوق البطاقات فتوضع في أماكنها، كما يمكن أن ترفع بطاقات الكتب غير الصالحة، أو الموجودة في التجليد من صندوق البطاقات، ويتم ذلك كله بسهولة ويسر نتيجة نظم البطاقات في القضيب المعدني المثبت في أسفل الصندوق. انظر شكل١.
٢- فهرس البطاقات يحقق اطلاع القراء على ما يصدر من كتب حديثة منذ وصولها إلى المكتبة؛ ففي الوقت الذي يضم فيه كتاب إلى خزانة المكتبة تضم بطاقته إلى صندوق الفهارس، ولا يبقى فترة طويلة ريثما تتم فهرسة مجموعة كبيرة من الكتب، كما هو الشأن في سجلات الفهارس المطبوعة.
٣- نضيف إلى ما سبق أن فهرس الطباقات أطول عمرًا من سجل الكتب أو من الفهارس المطبوعة على ورق، وذلك لمتانة البطاقات وقوة مادتها.
стр. 111
شكل رقم١
ولكل كتب في المكتبة ثلاث بطاقات:
١- بطاقة المؤلف: وفيها يكون اسم المؤلف في أعلى البطاقات، ويدون في الزاوية العليا من الجهة اليمنى رقم الكتاب وحرفه في المكتبة، ويذكر تحت رقم الكتاب وحرفه الحرف الأول من اسم المؤلف.. ويدون عنوان الكتاب تحت اسم المؤلف، ويدون مكان الطبع والنشر وتاريخه تحت عنوان الكتاب.
стр. 112
ويلي ذلك تدوين عدد صفحات الكتاب ويكتفي بذكر حرف "ص" إلى جانب عدد الصفحات، وحرف "ج" يدل على كلمة جزء أو أجزاء، كأن يدون ٣٥٠ص و ٣ج كما هو واضح في شكل٢. ويضاف إلى أسفل البطاقات سطر يذكر فيه كون الكتاب محققًا أو مترجمًا. وسطر آخر للملاحظات. وأما موضوع الكتاب أو العلم الذي يندرج تحته؛ فبعض المفهرسين يفضلون ذكره في أسفل
شكل (٢) .
стр. 113
البطاقة، وآخرون يفضلون وضعه تحت اسم الكتاب. وحبذا لو يوضع في الطرف الأيسر من أعلى البطاقة ليكون أكثر ظهورًا.
٢- بطاقة الكتاب وهي كالبطاقة السابقة إلا أن اسم الكتاب يكون في أعلى الصفحة، وتحته اسم المؤلف:
شكل٣،
شكل (٣) .
٣- بطاقة الموضوع أو العلم، يذكر فيها موضوع الكتاب أو العلم الذي يندرج الكتاب تحته - في أعلى الصفحة، ويذكر تحته اسم
стр. 114
الكتاب ثم اسم المؤلف وجميع البيانات السابقة كما هو واضح في شكل٤. ويفضل بعض المفهرسين أن يذكر اسم المؤلف تحت اسم العلم بدلًا من اسم الكتاب.
شكل (٤) .
стр. 115
٢- الفهارس المطبوعة:
في هذا الفهرس يدون في طرف الصفحة الأيمن رقم وحرف الكتاب في المكتبة، ويدون إلى جانبه بعيدًا عنه نحو ٢ سم.
стр. 116
عنوان الكتاب، وتحته اسم المؤلف وسنتا ولادته ووفاته، وبعد ذلك يدون تقييم موجز للكتاب بما لا يزيد على خمسة أو سبعة أسطر. ويدون تححت هذه الخلاصة عدد الأزاء، والصفحات، وقطعها، ومكان الطبع وتاريخه.
ويستقل كل علم في مجلد أو أكثر، وإذا كانت مؤلفات علم من العلوم في المكتبة أقل من أن نشتغل مجلدًا، فتضم إلى مجلد أقرب علم منه، وتوضع في باب مستقل. كأن تضم مؤلفات الجغرافيا إلى مجلد فهرس التاريخ، وتكون في باب مستقل منه. أو مصنفات أصول الحديث إلى مجلد الحديث، وتذرك في باب مفرد خاص بها.
وقد يكون في خزائن دور الكتب مصنفات مخطوطة؛ فتوضع هذه المصنفات في خزائن خاصة بها، وفي قسم المخطوطات من المكتبة، كما هو الشأن في دار الكتب المصرية وغيرها. وحينئذ لا بد من وضع فهرس خاص بالمخطوطات: على نحو فهرس المطبوعات الذي ذكرناه.
وللفهارس المطبوعة عدة فوائد أهمها:-
١- سهولة نقلها من مكان إلى آخر، ويسر تبادلها مع المكتبات العالمية؛ فترى فهارس دار الكتب المصرية وبعض فهارس دار الكتب الظاهرية وفهارس مكتبات برلين ودير الإسكوريال، وفهارس المكتبة الأهلية بباريس وغيرها من الفهارس - تراها في معظم المكتبات الكبرى؛ فيطلع الطالب والعالم على محتويات المكتبات البعيدة عنه. وتتجلى هذه الفائدة في المخطوطات؛ فقد يقف المرء على مخطوط يحتاج إليه؛ فيرسل إلى المكتبة التي تضمه في خزائنها طالبًا تصويره ... وفي هذا توفير كبير للوقت والمال والجهد.
٢- الفهارس المطبوعة تعطي القارئ فكرة موجزة عن مادة
стр. 117
لكتاب ومنهج المؤلف، قد تغني المطالع عن مراجعة الكتب بنفسه، ليحسن اختيار الكتاب المناسب لموضوع بحثه، من حيث البسط والإيجاز والأدلة وما يتعلق بذلك.
стр. 118
٣- سجلات الكتب أو الفهارس المخطوطة:
السجل هو دفتر يختلف حجمه بين مكتبة وأخرى، وغالبا ما يكون قياس الصفحة فيه ٣٥×٢٥ سم، وورقه قوي سميك برستول. تضم الصفحات إلى بعضها بمحازم حديدية لطيفة، مثبتة بقاعدة مغلف متين. وتخط في الصفحة عدة جداول عمودية من أعلى الصفحة إلى أسفلها، يسجل في الجدول الأيمن رقم الكتاب وحرفه كما في خزانة المكتبة، ويسجل في الجدول الذي يليه اسم الكتاب ومؤلفه، وفي الجدول الذي يليه عدد الأجزاء، ثم عدد الصفحات ويدون في الجدول الذي ليه مكان الطبع وتاريخه، ويلي ذلك حق الملاحظات، ويستقل كل سجل بعلم خاص، وإذا ضم أكثر من علم بوب لكل علم في قسم خاص منه، وكتب في الصفحة الأولى دليل السجل أو الفهرس وما فيه من العلوم، مثلًامن ص١-٣٠ علوم الحديث. ومن ص٣١-١٢٠ كتب الحديث ومن ص١٢١-٢٠٠ كتب شروح الحديث. وهذه السجلات تقوم مقام الفهارس وقد عرفت في المكتبات قبل فهارس البطاقات، ولا تزال مستخدمة في كثير من المكتبات.
تلك الفهارس وطرق تصنيف الكتب التي عرضت لها - كانت عامة ومتبعة في أكثر مكتبات العالم، وهي السائدة في جل البلاد العربية والإسلامية، ولا يقل هذا التصنيف عن التصنيف الموضوعي الذي وضعه في الغرب المكتبي البيريطاني جيمس دف براون ولا عن تصنيف بلس الأمريكي المسمى بالتصنيف البيبليوغرافي
стр. 119
ولكل تصنيف محاسنه ومساوئه، وليس المقام مقام موازنة بين طرق التصنيف؛ بل عرض لأهم المتعارف عليه في هذا الميدان، وهذا يحملنا لأن نذكر لمحة موجزة عن التصنيف العشري.
стр. 120
ج- التصنيف العشري:
اجتهد بعض المشتغلين في المكتبات وتصنيف محتوياتها في محاولة التسهيل على القراء، وجمع كل ما يتعلق بموضوع من الموضوعات وما يلحق به أو يشاركه من قريب أو بعيد - تحت أصل واحد تتفرع عنه فروع وأجزاء ... فحاولوا التغيير في مناهج تصنيف المكتبات، وكان من بين هؤلاء الدكتور ملفيل ديوي ١٨٥١-١٩٣١م الأمريكي، الذي رد معارف الإنسان وعلومه إلى تسعة أصول رئيسية، وخصص أصلًا لما لا يندرج من الكتب تحت تلك الأصول التسعة، وسمي هذا الأصل المعارف العامة؛ فصار عدد الأصول التي تعود إليها جميع المعارف التي توصل إليها الغنسان عشرة أصول، وبالاعتماد على هذه الأصول وتبعًا لها تصنف المؤلفات في عشرة أقسام أساسية، يرمز لكل أصل برقم يدل عليه، وهذه الأصول هي:
الأصل الرقم المكتبي
١- المعارف العامة ٠٠٠ - ٠٩٩
٢- الفلسفة وعلم النفس ١٠٠ - ١٩٩
٣- الديانات ٢٠٠ - ٢٩٩
٤- العلوم الاجتماعية ٣٠٠ - ٣٩٩
٥- اللغات ٤٠٠ - ٤٩٩
٦- العلوم البحتة ٥٠٠ - ٥٩٩
стр. 121
الأصل الرقم المكتبي
٧- العلوم التطبيقية ٦٠٠ - ٦٩٩
٨- الفنون الجميلة ٧٠٠ - ٧٩٩
٩- الآداب ٨٠٠ - ٨٩٩
١٠- الجغرافيا والتاريخ والتراجم ٩٠٠ - ٩٩٩
وجعل تحت كل أصل عشرة فروع، وتحت كل فرع عشرة أجزاء وخص كل جزء برقم واحد، ومثال هذا أنه رمز للعلوم الاجتماعية بـ:
٣٠٠ - ٣٩٩ وجعل تحتها عشرة فروع
٣٠٠ - ٣٠٩ العلوم الاجتماعية
٣١٠ - ٣١٩ الإحصاء
٣٢٠ - ٣٢٩ العلوم السياسية وهكذا فكان ٣٧٠ - ٣٧٩ التربية والتعليم وتحت كل فرع عشرة أجزاء١
стр. 122
ومما يؤخد على هذا التصنيف وبخاصة في أصله الثالث أنه جعل جميع الديانات السماوية وغيرها تحت الرمز ٢٠٠ - ٢٩٩ وخص الديانة المسيحية بمعظم أرقام هذا الأصل، وضم الدين الإسلامي إلى غيره من الديانات الأخرى؛ فلم يجعل له رقمًا خاصًا مستقلًا به؛ كفرع من فروع هذا الأصل، مع كثرة علوم الإسلام، وتعدد فروعها وأجزائها؛ مما حمل المهتمين بالمكتبات العربية وتصنيفها على تعديل التصنيف العشري في ترجمته العربية، وصار العدد ٢١٠ وأجزاؤه للدين الإسلامي؛ محاولين أن يستوعب هذا التعديل تصنيف المكتبة الإسلامية؛ فترى مثلًا المذهب الشافعي في تصنيف رقم ٢١٧.٣ وتحليل ذلك:
٢٠٠ ديانات
٢١٠ الدين الإسلامي
٢١٧ المذاهب الإسلامية
٢١٧.٣ المذهب الشافعي
ومع كل هذا فإننا نرى أن التصنيف العشري لم يستغن عن الرمز ببعض الحروف لفئة من الكتب؛ فاستبدلت أرقام تصنيفها بحروف....
ولعل انتشار هذا التصنيف في النصف الثاني من القرن العشرين، واعتماده في أكثر مكتبات أمريكا وبعض أوربا - يعود إلى تبني المتهمين بشؤون المكتبات وتصنيفها هذا النظام في مؤتمرهم العالمي الذي تم انعقاده سنة ١٩٣٧م؛ محاولة منهم في توحيد نظم تصنيف المكتبات وتسهيل المعرفة.
وقد بدأت بعض المكتبات في العالم العربي تطبيق التصنيف العشري في تصنيف محتوياتها، وترتيب موجوداتها.
стр. 123
وإنك ترى معي أن رمز الفرع الذي ينطوي تحته العلم عند ديوي يقابل الحرف الذي رمزنا له في بيان فهارس البطاقات وفهارس وسجلات المكتبة التي سبق لنا أن فصلنا القول فيها، وأن رقم الجزء يقابل رقم التصنيف تحت حرفه في التصنيف المعروف سابقًا١، ولولا فكرة توحيد نظام تصنيف المكتبات؛ لم يكن لتصنيف ديوي مزية تذكر اللهم سوى حصر جزئيات موضوع تحت فرعه ورده إلى أصله؛ مما يسهل على الباحثين أعمالهم في المكتبات المتخصصة، ومكتبات الدراسات العليا.
стр. 124
الفصل الثاني: البحث وأصوله
أهمية البحث
...
الفصل الثاني: البحث وأصول.
١- أهمية البحث:
إن ما يسعد به إنسان القرن العشرين ليس وليد عصره، ولا صدفة أيامه، أو هبة زمانه؛ بل هو ثمرة جهود العلماء والأدباء والحكماء ... منذ عرف الإنسان الأرض إلى أيامنا التي نحياها بين آلاف الاختراعات، وصخب الآلات، التي تشق الحقول والزارع، وتملأ المعامل والمصانع، تتحف الأسواق، وتغطي الآفاق، تمخر عباب البحر، كما تشق عنان السماء، كل هذا التقدم المادي والرقي الحضاري، والنضج الفكري وليد البحث الدائب والدراسة المستمرة التي تعاقب عليها الباحثون في مختلف ميادين العلم والمعرفة؛ ذلك لأن البحث العلمي ليس مقصورًا على ميدان دون ميدان، أو موقوفًا على جيل دون جيل؛ فالبحث والتجربة والدراسة كما تتناول الميادين العلمية والتطبيقية، تتناول الوسائل والإمكانات التي تقتضيها طبيعة البحث في كل ميدان.
стр. 125
٢- الغاية من البحث:
ولا تخرج الغاية من البحث -وإن اختلفت ميادينه- عن واحد من الأمور الآتية: اختراع معدوم، أو جمع متفرق، أو تكميل ناقص، أو تفصيل مجمل، أو تهذيب مطول، أو ترتيب مخلط، أو تعيين مبهم، أو تبيين خطأ١ وقد يفرع على هذه الغايات غايات أخرى؛ ولكن يمكن أن ترد إلى واحدة من الأمور المذكورة وجميعها تبتغي مزيد الخير للإنسان ومن حوله.
стр. 126
٣- تعريف البحث:
ومن ثم اختلف تعريف البحث بين عالم وآخر؛ فبعضهم
стр. 127
يرى أن البحث هو العمل الذي يتم إنجازه لحل، أو محاولة حل مشكلة قائمة ذات حقيقة مادية؛ بينما يرى آخرون أن البحث هو الفحص والتقصي المنظم لمادة أي موضوع من أجل إضافة المعلومات الناتجة إلى المعرفة الإنسانية، أو المعرفة الشخصية، ويرى بعض المربين أن البحث عملية تقصي الحقائق ومعاينتها وتطبيقاتها بالنسبة لمشكلة معينة.
وعرف بعضهم البحث الأدبي بأنه محاولة لاكتشاف المعرفة، والتنقيب عنها وتنميتها وفهمها وتحقيقها بتقص دقيق، ونقد عميق، ثم عرضها عرضًا مكتملًا بذكاء وإدارك.
وبدهي أن يختلف العلماء في تعريف البحث؛ لاختلاف ميادينه وغاياته، ولسنا هنا بصدد استقصاء تلك التعاريف أو مناقشتها؛ فهذا أمر يخرج عن موضوعنا الذي يكفينا منه أن نقف على حد البحث وتعريفه عند بعض العلماء.
وقد يتساءل طالب عن تعريف البحث الديني وحقيقته وحده، والحق أن الإسلام الحنيف يشمل جميع مناحي الحياة الفردية: العقلية والروحية والنفسية، كما يشمل الحياة الاجتماعية بجميع فروعها ودقائقها، من تنظيم الأسرة إلى أكبر ميادين الجماعة بشكلها السياسي والاقتصادي والثقافي وغير ذلك؛ فلا بد من تحديد نوع ذلك البحث الديني حتى يسهل تعريفه؛ فقد يكون البحث في العقيدة، أو التفسير أو الحديث أو الفقه أو الأصول ... وغير ذلك؛ فالبحث في واحد من هذه العلوم يختلف عن غيره؛ إن كان يربط بينها جميعًا قاسم مشترك هو الكشف عن حقيقة الدين التي لا تتصل بذلك الموضوع؛ فقد يكون البحث في التفسير أو الحديث من الناحية الأدبية فنسحب على ذلك التعريف
стр. 128
الأدبي، وقد يكون في بيان الأحكام فيتعين في حقه أقوال الفقهاء والأصوليين. ومع هذا فبوسعنا أن نطلق تعريفًا عامًا على البحث الديني؛ فنقول: هو كل موضوع يحاول بيان الأحكام التي تتصل بجانب من جوانب الحياة بيانًا واضحًا، أو يسعى إلى حل مشكلة في ضوء الدين من خلال دراسة عميقة مبنية على فهم سديد وإدراك صحيح ومنهج سليم.
وما دامت دراستنا مبنية على الإسلام؛ فيمكن أن يكون تعريفنا للبحث الإسلامي: هو كل دراسة موضوعية تبين الأحكام التي تتصل بجانب من جوانب الحياة بيانًا واضحًا، أو تعالج مشكلة -اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية- من خلال قيم الإسلام وأحكامه تستند إلى فهم سديد وفحص عميق وإدراك صحيح ومنهج سليم.
стр. 129
٤- شروط الباحث ومقوماته:
وإننا لندرك مما سبق أهم الصفات التي يجب أن تتوافر في الباحث، وهي بإيجاز:
أ- أن يكون الباحث على جانب منالعلم والمعرفة، قادرًا على التأمل والتفكير والاستنباط، كي يستطيع الوقوف على دقائق الأمور، ويحسن الربط بينها، ويوفق في عرضها وبيانها. وكثرة المطالعة، والقراءة الواسعة المركزة الهادفة من أهم عوامل نجاح الباحث إلى جانب موهبته وذكائه. لكل هذا كان من الواجب على الطالب ألا يدخر وسعًا في القراءة والاطلاع؛ فالمطالعة هي المنهل الغزير الذي يوري غليل الباحث، ويوسع آفاق معرفته ويعمقها. ومن هنا كان من الواجب على الباحث ألا يدع كتابًا أو موضوعًا تناول بحثه أو جانبًا من بحثه؛ إلا أن يطلع عليه، ويدرسه دراسة فاحصة عميقة مبنية على الفهم الدقيق، والانتباه الشديد خشية الوقوع في أخطاء قد تكون فاحشة بسبب سوء الفهم أو الخطأ في النقل أو التفسير أو التأويل.
ومما تجدر الإشارة إليه أن لا يعد الباحث أن كل ما وصل إليه
стр. 130
غيره من الأمور المسلم بها، وأنها حقائق لا يعتريها الشك أو لا يعتورها الخطأ؛ ذلك لأن بعض الآراء يبنى على أساس غير سليم. من هنا وجب على الباحث أن يمحص ويفحص ما يقرأ فيعتمد ما يقوم على دعائم سليمة قوية، ويرد غيره.
ب- أن يكون موضوعيًا في بحثه بعيدًا عن الأهواء والأوهام يثبت ما يراه الحق، وما يقود إليه الدليل وإن خالف ميله وهواه.
ج- أن يكون دقيقًا في عمله نظاميًا منطقيًا، يلتزم الأمانة في النقل والنقد والعرض.
د- يحترم آراء الآخرين، لا يؤدي به الغرور العلمي إلى الحط من آراء غيره، أو النيل من شخصياتهم؛ وإن كان على صواب فيما ينقد أو يعرض؛ فكل هذا يشين بحثه ويحط من مكانته وقوته، وينفر القارئ من مطالعته، وإن التزام أدب البحث والموضوعية العلمية يجنب الباحث الزلل في مثل تلك المتاهات التي ترفضها روح البحث، ولا يرضى بها منصف.
وإذا توافرت كل تلك الأمور للباحث؛ فإنه لا بد له من وجود المشكلة التي تحتاج إلى حل، أو البحث الذي يحتاج إلى معالجة وتحليل وعرض وغير ذلك، ولا بد أن تكون المشكلة جديرة بالحل، ولها أهميتها في الميدان الذي تبحث فيه كي يكتب للباحث النجاح في موضوعه.
стр. 131
مراحل البحث
مدخل
...
٥- مراحل البحث:
وقد آن لنا أن نتكلم عن أهم المراحل التي يمر بها البحث من لحظة اختياره إلى تكامله وظهوره
стр. 132
أ- اختيار الموضوع:
يعد حسن اختيار الموضوع من العوامل القوية في نجاح البحث؛ فلا بد للطالب من أن يختار البحث الذي يلاقي صدى قويًّا في نفسه، وتجاوبًا تامًّا مع ميله وفكره؛ فلا يختار موضوعًا لا يميل إليه، أو آخر يخالف عقيدته، حتى لا يتعثر في خطواته، أو يخفق في عمله، فكما أن المرء يختار صديقه اختيارًا من بين زملائه؛ لأنه ينسجم معه، ويقدر أحواله، ويشعر بشعوره، ولا يستطيع أن يصاحب إنسانًا يغايره في تفكيره وميوله؛ كذلك تعتبر كل هذه الأمور في اختيار الموضوع؛ فإن الباحث يعيش مع موضوعه ليله ونهاره يستحوذ عليه، ويستفرغ منه كل طاقته سواء أكان موضوعه بحثًا كبيرًا أو صغيرًا، خاصًّا أو عامًّا، مما سيحاضر فيه أو مما سيطبع وينشر، وتتجلى هذه الأهمية بوضوح في الدرسات العليا في إعداد رسالة "الماجستير" أو "الدكتوراه". التي تناقش أصولها وفروعها على ملأ من المتخصصين وأهل العلم وطلابه، بين يدي أكابر العلماء. من هنا كان الموضوع صورة عن صاحبه؛ لأنه يتفاعل معه تفاعلًا تامًّا، وهو ثمرة فكره وجهوده. لكل هذا يجب أن يحسن الطالب اختيار الموضوع؛ فيعرف أبعاده وغايته، وهل في مقدوره أن يوفيه حقه من البحث الدقيق والعرض المناسب؟ فيقدر خطواته ونتائجه وما يترتب عليه. كل هذه الأمور يجب أن يراعيها الطالب قبل اختيار الموضوع. ومن الضروري جدًّا أن يقدر أهمية الموضوع وجدته وطرافته؛ فلا يختار موضوعًا قد سبقه غيره إليه، فأشبعه تحليلًا وبيانًا؛ اللهم إلا إذا كان غيره قد تناول جانبًا من جوانبه؛ فلا بأس في أن يختار جانبا آخر، ولا شك أن لكل موضوع عدة جوانب؛ فالأديب حين يدرس صدر الإسلام يدرس الشعر مثلًا ويتناول غيره من الأدباء الخطابة،
стр. 133
وقد يتناول ثالث النثر، والمؤرخ يتناول بالدراسة أهم الأحداث التي جرت في تلك الفترة، وعالم الاجتماع قد يدرس بعض الظواهر الاجتماعية في تلك الحقبة؛ بينما يتناول الفقيه أدلة الأحكام التي تنزلت على الرسول ﷺ ، ويهم المحدث أن يبين الصحيح منها والضعيف، ويحرص على معرفة حفظ الحديث وروايته وكبار نقلته وأئمته وحفاظه؛ فكل باحث تناول جانبًا من جوانب تلك الفترة المحددة؛ لكن أبحاثهم اختلفت وتغايرت. وقد يتعرض الباحث في موضوع بلمحة موجزة إلى ما له صلة بهذا الموضوع فمثل هذه اللمحة لا تحول دون اختيار الموضوع والكتابة فيه.
ومن أهم عوامل نجاح الموضوع أن يكون خصبًا حيويًّا له صلة قوية بميل الطالب. وكلما اتسعت دائرة الانتفاع به ازدادت أهميته؛ فالكتابة في موضوع "المصارف في الإسلام" تلقى اهتمامًا أكبر بكثير من الكتابة في "القياس" أو "الاستحسان"؛ ذلك لأن الموضوع الأول يشغل أذهان المسلمين على اختلاف طبقاتهم وأعمالهم. والكتابة في موضوع "استخراج الماء في الأراضي الصحراوية" في بيئة صحراوية تلقى ترحيبًا كبيرًا واهتمامًا عظيمًا غير الذي تلقاه فيما لو كتب في بلاد أنهارها كثيرة، وأمطارها غزيرة وأراضيها خصبة.
ومما يسهم في نجاح البحث غزارة المصادر، ووفرة المادة، ووضوح المنهج وتحديد الموضوع تحديدًا دقيقًا بحيث يسهل اختيار عنوانه؛ فيدل على مضمونه وألوانه.
وقد لا يواجه الطالب المبتدئ في السنوات الأولى في الكلية أو الجامعة مشكلة اختيار البحث؛ لأن المدرس يختار موضوعًا أو أكثر يناسب الطلاب؛ فيكتب كل طالب فيما عينه المدرس، أو يختار موضوعًا من موضوعين أو ثلاثة؛ فيحتاج إلى تقليب النظر فيها حتى
стр. 134
يتم له اختيار ما تميل إليه نفسه، وما يتجاوب مع ميله، بخلاف الطالب في السنوات الأخيرة من الكلية، أو في الدراسات العليا؛ حيث تقع مسؤولية اختيار الموضوع عليه وحده، ولا يعدو عمل الأستاذ المشرف التوجيه والإرشاد.
وأملنا كبير في أن تتسع آفاق المعرفة عند طلابنا، ويرتقي مستواهم العلمي في الكليات والجامعات ليختاروا أبحاثهم بأنفسهم وتستقل شخصياتهم العلمية؛ ليأخذوا مكانهم في هذه الحياة ويؤدوا دورهم على وجه الكمال.
ومما يسهل على الباحث اختيار الموضوع المناسب أن يراجع أُمَّهات المصادر والمراجع التي تتناول العلم الذي يود أن يختار موضوعه فيه؛ فيقف على ما قد كتب وعلى ما سبق إليه، ويعرف ما لم يطرق من الأبحاث بعد؛ فيختار موضوعه في ضوء ذلك، ثم يعرضه على أستاذه المشرف فيلقى القبول أو التعديل والتبديل.
стр. 135
ب- مخطط البحث الأَوَّلي:
إذا تم اختيار الموضوع في ظلال ما بيناه من الجدة والأهمية والطرافة ووفرة المصادر؛ فلا بد للباحث من أن يضع الخطوط الكبرى لمنهج بحثه، ويعرف الغاية التي يحققها منه، ولنضرب مثالًا لذلك: لو أن باحثًا وقف خلال قراءته على طعون في أحد الرواة، ولم يقف على بحث في إنصاف هذا الراوي، ووجد في نفسه الميل للكتابة في هذا البحث؛ فمن الأهمية بمكان أن يعرف الطريق الذي سيسلكه في بحثه ولو بشكل مجمل؛ فيرى أنه لا بد له من أن يتناول النقاط الآتية:
١- لمحة موجزة عن عصر الراوي.
٢- حياة الراوي العامة.
стр. 136
٣- حياته العلمية.
٤- رأي العلماء فيه.
٥- إنصافه ومناقشة الشبهات التي دارت حوله.
وذلك كي يكون طريقه واضحا بيِّنا، لا يخبط في طلب المادة من مصادرها خبط عشواء؛ فيضيع وقته. وقد يتعثر في بحثه أو قد يقف عن متابعته. ولا بد من أن نُذكِّر ثانية بأن على الباحث أن يتَّبع الحق والعدالة والنزاهة في بحثه؛ فلا يقدم على الكتابة في موضوع ليثبت فكرة سابقة في تصوره قبل أن تقوم على أساس علمي، أو يدحض رأيًا قبل أن يعرف ماله وما عليه.
بعد اختيار الموضوع ومعرفة أركانه وخطوطه الكبرى ينتقل إلى المرحلة الثالثة وهي مصادر البحث.
стр. 137
ج- مصادر البحث ومراجعه:
من أهم ما يدفع بالبحث إلى النجاح كثرة مصادره ومراجعه، واستيفاء الباحث الاطلاع عليها جميعها أو على معظمها، وإن وقوف الباحث على المصادر التي يحتاج إليها وحسن استفادته منها يعد حجر الأساس لرسالته أو موضوعه. وسنذكر أهم المصادر والمراجع التي يحتاج إليها طالب الشريعة وغيره من الباحثين، في الفصل الثالث من هذا الكتاب إن شاء الله. وسنوجز فيما يلي أهم ما يجب أن يطالعه أو يراجعه الطالب ليجمع مصادر بحثه ويُدوِّنها:
١- فهارس المكتبات الخاصة والعامة. وقد أفضنا القول فيها في حديثنا عن المكتبات.
٢- الموسوعات العلمية المتخصصة التي تتناول العلم الذي ينطوي تحته موضوع الطالب.
стр. 138
٣- فهارس المصادر والمراجع المثبتة في أواخر الكتب التي لها صلة وثيقة بالموضوع المختار، ويدخل في هذا الرسائل الجامعية لنيل إجازتها ورسائل الماجستير والدكتوراه.
٤- بعض المجلات العلمية التي تتناول ما له صلة ببحثه.
٥- أن يراجع الباحث الأشخاص ذوي الخبرة في موضوعه من المتخصصين أو الباحثين والمشتغلين في ميدانه، وفي مقدمة هؤلاء أستاذه المشرف على بحثه؛ فكثيرًا ما يجد الباحث عند هؤلاء العلماء والباحثين ما لا يجده عند غيرهم؛ فهم يقدمون إليه خلاصة خبرتهم الطويلة، ونتاج أفكارهم ومطالعتهم؛ فيرشدونه إلى أمهات المصادر ويلقون الأضواء على مسائل هامة قد لا يدركها الباحث في المراحل الأولى من بحثه.
٦- قوائم دور النشر والمكتبات: تصدر دور النشر والمكتبات في كل عام قوائم تذكر فيها أسماء الكتب في فنونها؛ ففي مراجعتها يقف الطالب على كل جديد ينشر؛ فقد يعثر على ماله صلة قريبة أو بعيدة ببحثه مما لم يصل إلى المكتبات العامة والخاصة بعد؛ فيجدر به حينئذٍ الاطلاع عليه وتقدير أهميته بالنسبة إليه.
ولا بد للباحث من أن يستفرغ جهده في البحث عن المصادر والمراجع ويدوِّن كل ما يحتاج إليه منها. ويستحسن للباحث أن يرتب مصادره ومراجعه ترتيبًا زمنيًّا ليقف على التطور التاريخي لبحثه، ويستطيع أن يقارن بين المتأخر منها والمتقدم. بعد هذا ينتقل إلى مرحلة جديدة، وهي مرحلة جمع المادة العلمية.
стр. 139
د- جمع المادة العلمية "التقميش ":
بعد أن يسجل الطالب أسماء المصادر والمراجع التي يريد أن
стр. 140
يستفيد منها يبدأ في قراءتها قراءة مستوعبة فاحصة ينفذ إلى أعماق موضوعه، وحتى تحقق قراءته وتدوينه المادة الغاية منها في وقت مناسب؛ لا بد له من اتباع الخطوات الآتية:
١- يراجع فهرس الكتاب الذي بين يديه ويحدد ماله صلة ببحثه، وقد تسترعي انتباهه موضوعات طريفة وجذابة لا صلة لها بموضوعه، وقد يشده ميله ورغبته إلى مطالعتها؛ فليدعها في هذه المرحلة وليسجل ملاحظة حولها في دفتر صغير. ويقتصر فقط في هذه المرحلة على ماله صلة بموضوعه كيلا يضيع وقته، وتبدو أهمية هذه الملاحظة جلية واضحة وحتْميَّة إذا كان الباحث مطالبًا بتقديم بحثه في فترة زمنية محددة، كما في الأبحاث الجامعية في السنوات الانتقالية، أو رسائل الإجازات الجامعية ورسائل الماجستير والدكتوراه؛ فيوجه كل طاقته ووقته لموضوعه، وأما الموضوعات الأخرى التي سجل ملاحظات حولها فيطالعها بعد إنجاز بحثه.
٢- يقرأ كل ماله صلة بموضوعه قراءة واعية مستوعبة، يفهم خلالها جميع مايطالعه، وقد يحتاج إلى قراءة نص أوفقرة عدة مرات حتى يحسن الربط بينها وبين ما يسبقها ويلحقها من الأفكار.
٣- يكتب الباحث ما يستجيده وما يراه مناسبًا لبحثه في جزازات مناسبة "بطاقات" من حجم واحد؛ غالبًا ما تكون من مقياس "١٠×١٤" سم أو نحو ذلك. ولا يخرج التدوين في البطاقات عن النقل الحرفي أو الاختصار والتلخيص. ففي النقل الحرفي إذا كان النص صغيرًا ينقله على بطاقة، أما إذا كان كبيرًا يتجاوز صفحة، أو عدة بطاقات؛ فإن كان الكتاب في متناول يده، ويسهل عليه الرجوع إليه يكتب على بطاقة فكرة موجزة عن النص ويُدوِّن فيها اسم الكتاب
стр. 141
والجزء والصفحة وسنة ومكان الطبع؛ فيعود إلى الكتاب بدلالة هذه البطاقة في الوقت المناسب، أما إذا لم يكن الكتاب سهل التناول فلا بد له من تدوين ما يريد في عدة بطاقات يعطيها أرقامًا مسلسلة، ويرى بعض الباحثين أن تُدوَّن مثل هذه النصوص الكبيرة في صفحات خاصة، يضمونها إلى أبحاثهم أثناء كتابتها الكتابة الأخيرة، وهذا أمر جيد للباحث الخبير المتمرس، ونفضل للمبتدئ أن يُدوِّنها في بطاقات. وفي تلخيص المعلومات أو اختصارها يدون الباحث هذه الخلاصة في بطاقة، ويكتب فيها اسم الكتاب واسم المؤلف ورقم الجزء والصفحة وسنة الطبع والناشر ومكان النشر، وهذا الأمر لا يمكن الاستغناء عنه؛ لأنه قد يكون للكتاب أكثر من طبعة وكثيرًا ما يختلف ترقيم صفحات طبعة عن طبعة أخرى.
ويجب أن يُفرِّق الباحث بين ما ينقله نقلًا حرفيًا وما يوجزه ويختصره؛ فيقيد عبارة غيره بين قوسين، وبعد الانتهاء من النص يدون اسم الكتاب والمؤلف والجزء والصفحة وسنة الطبع والناشر ومكان النشر. مثلًا "فتح الباري لابن حجر ج٢ ص١٣٥ طبع مصطفى الحلبي سنة ١٩٦٠ بمصر".
وأما ما يلخصه فلا يقيده بين قوسين؛ وإنما يكتب كلمة "انظر" قبل ذكر اسم المصدر وصفحاته.. ليفرق بين المنقول نقلًا حرفيًا والمختصر، وبعبارة أخرى لا بد من عزو كل ما تنقله عن غيرك إلى مصدره؛ فما كان نقله حرفيًا يقيد بين قوسين ويذكر اسم الكتاب والصفحة والجزء. وما كان عن غيرك وإنما صغته بعبارتك ودونته بأسلوبك فلا يقيد بين قوسين؛ وإنما يسبق المصدر بكلمة "انظر".
وقد تعترض ناقل النص عبارات لا يهمه نقلها فيضع مكانها عدة نقاط "...." تدل على أن الناقل أسقط بعض الكلمات من الأصل.
стр. 142
٤- قد يخطر للباحث أثناء نقل النص أو اختصاره فكرة حول ما يكتب؛ فليكتبها كملاحظة في البطاقة التي بين يديه. وقد تكون الفكرة طويلة، أو لا يتسع لها فراغ في البطاقة التي نقل فيها النص؛ فيدونها في بطاقة ثانية يربطها بالبطاقة التي دارت الفكرة حول ما جاء فيها؛ سواء كانت هذه الفكرة حول شرح النص أو نقده.
стр. 143
هـ - مخطط البحث التفصيلي:
للمادة العلمية أثر كبير في توجيه البحث ورسم منهجه وخطته، وكثيرًا ما يضطر الباحث إلى تغيير مخططه، بالنسبة لما يجتمع بين يديه من مادة علمية؛ فتحمله على التزام منهج دون غيره؛ لذلك لم نُقدِّم الكلام في مخطط البحث على جمع المادة، واكتفينا بأن يضع الباحث الخطوط الكبرى للبحث، وأخرنا الكلام في المخطط إلى ما بعد جمع المادة لما للمادة من أثر في منهج الموضوع؛ ففي ضوء ما جمع الباحث من معلومات على جزازاته يستطيع أن يدون مخطط بحثه، ويرى بعض الباحثين تأخير الكلام في المخطط إلى ما بعد فرز الجزازات ودراستها ومناقشتها وتصنيفها؛ فتكون هذه العملية السبيل الممهد لمخطط الموضوع. وكلا السبيلين جيد في رسم المخطط؛ فإذا وضع الباحث منهج موضوعه مفصلًا عرضه على المشرف على بحثه ليبدي رأيه فيه؛ فيزيد أو ينقص أو يقدم أو يؤخر بما يراه مناسبًا لتكامل الموضوع وحسن عرضه. وتبدو أهمية عرض المخطط على المشرف في الرسائل الجامعية، ورسائل الماجستير والدكتوراه؛ لأنها رسائل كبيرة جامعة، تختلف في مناهجها نظرات الباحثين والمشرفين؛ هذا إلى جانب ما يحققه عرض المخطط على المشرف من فوائد علمية قيمة تنير للباحث طريقه، وتجنبه كثيرًا من العقبات.
стр. 144
قبيل صفحات كنا قد ذكرنا الخطوط الكبرى للكتابة في راو من الرواة الذين أثيرت حولهم وحول مروياتهم بعض الشبهات؛ فإذا جمع الطالب جميع مادة الموضوع يستطيع أن يرسم مخطط البحث التفصيلي رسمًا جيدًا؛ فيرى بين يديه بطاقات في حياة الراوي، ونسبه وإسلامه وهجرته، وأخلاقه وعدة مرويَّاته، وطعون بعض القدامى فيه، وثناء الأئمة عليه وغير ذلك، كل هذا بوسعه أن يفرغه في المخطط الآتي كما فعلنا في دراستنا للصحابي الجليل أبي هريرة ﵁؛ إذ جعلنا البحث في تمهيد وبابين.
الباب الأول "أبو هريرة" وفيه فصلان:
الفصل الأول: حياته العامة وفيه:
١- نسبه والتعرف به.
٢- هيئته وأوصافه الجسمية.
٣- نشأته قبل الإسلام.
٤- إسلامه وهجرته.
٥- إسلام أمه.
٦- ملازمته رسول الله ﷺ .
٧- التزام أبي هريرة السنة.
٨- فقره وعفافه.
٩- كرم أبي هريرة.
١٠- ولايته في عهد عمر ﵁.
١١- أبو هريرة وفتنة عثمان.
١٢- أبو هريرة في عهد عليٍّ ﵁.
١٣- أبو هريرة أمير المدينة.
стр. 145
١٤- أبو هريرة والجهاد في سبيل الله.
١٥- مرح أبي هريرة ومزاحه.
١٦- قبس من أخلاقه.
١٧- مرض أبي هريرة.
١٨- وفاته.
١٩- أسرته.
الفصل الثاني: حياته العلمية: وفيه:
١- بين يدي الفصل "حول حياته العلمية".
٢- حرصه على الحديث.
٣- أمله علم لا ينسى.
٤- مجالسه ونشره الحديث.
٥- كثرة حديثه وسعة علمه.
٦- حفظ أبي هريرة.
٧- حضه على صيانة الحديث من الكذب.
٨- أبو هريرة والفتوى.
٩- أبوهريرة والقضاء.
١٠- شيوخه ومن روى عنه.
١١- عدة ما روي عنه من الحديث.
١٢- نماذج من مروياته.
١٣- أصح الطرق عن أبي هريرة.
١٤- الثناء عليه.
الباب الثاني: الرد على الشبهات التي أثيرت حول أبي هريرة.
١- أبو هريرة وبعض الباحثين "رددنا عليهم بعض ما أثاروه حول بعض أموره".