← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11368

مباحث في علوم القرآن لمناع القطان

مناع القطان

Полный текст (528 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ومثال الصيغة الثانية ما رُوِيَ عن عبد الله بن الزبير "أن الزبير خاصم رجلًا من الأنصار قد شهد بدرًا مع النبي ﷺ إلى رسول الله ﷺ في شراج من الحرة، وكانا يسقيان به كلاهما النخل، فقال الأنصاري، سرِّح الماء يمر، فأبى عليه، فقال رسول الله, ﷺ : "اسق يا زبير، ثم أَرْسِل الماء إلى جارك" فغضب الأنصاري وقال: يا رسول الله، أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال: "اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجُدر، ثم أَرْسِل الماء إلى جارك". واستوعى رسول الله ﷺ للزبير حقه، وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ رسول الله الأنصاري استرعى للزبير حقه في صريح الحكم، فقال الزبير: ما أحسب هذه الآية إلا في ذلك: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ ١, قال ابن تيمية: "قولهم: نزلت هذه الآية في كذا يراد به تارة سبب النزول، ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية وإن لم يكن السبب، وقد تنازع العلماء في قول الصحابي: "نزلت هذه الآية في كذا"، هل يجري مجرى المسند كما لو ذكر السبب الذي أنزلت لأجله أو يجري مجرى التفسير منه الذي ليس بمسند؟ فالبخاري يُدخله في المسند، وغيره لا يدخله فيه، وأكثر المسانيد على هذا الاصطلاح كمسند أحمد وغيره، بخلاف ما إذا ذكر سببًا نزلت عقبه فإنهم كلهم يدخلون مثل هذا في المسند"٢, وقال الزركشي في البرهان: "قد عُرِفَ من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: "نزلت هذه الآية في كذا" فإنه يريد بذلك أنها تتضمن هذا الحكم لا أن هذا كان السبب في نزولها فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية، لا من جنس النقل لما وقع"٣.

стр. 107

تعدد الروايات في سبب النزول: قد تتعدد الروايات في سبب نزول آية واحدة، وفي مثل هذه الحالة يكون موقف المفسر منها على النحو الآتي: أ- إذا لم تكن الصيغ الواردة صريحة مثل: "نزلت هذه الآية في كذا" أو "أحسبها نزلت في كذا" فلا منافاة بينها، إذ المراد التفسير، وبيان أن ذلك داخل في الآية ومستفاد منها، وليس المراد ذكر سبب النزول، إلا إن قامت قرينة على واحدة بأن المراد بها السببية. ب- إذا كانت إحدى الصيغ غير صريحة كقوله: "نزلت في كذا" وصرح آخر بذكر سبب مخالف فالمُعتمد ما هو نص في السببية، وتُحمل الأخرى على دخولها في أحكام الآية، ومثال ذلك ما ورد في سبب نزول قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ١: "عن نافع قال: قرأت ذات يوم: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ فقال ابن عمر: أتدري فيم أنزلت هذه الآية؟ قلت: لا، قال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهن"٢, فهذه الصيغة من ابن عمر غير صريحة في السببية، وقد جاء التصريح بذكر سبب يخالفه "عن جابر قال: كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من خلفها في قُبلِها جاء الولد أحول، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ٣" فجابر هو المُعتمد لأن كلامه نقل صريح، وهو نص في السبب، أما كلام ابن عمر فليس بنص فيُحمل على أنه استنباط وتفسير. جـ- وإذا تعددت الروايات وكانت جميعها نصًّا في السببية وكان إسناد أحدها صحيحًا دون غيره فالمُتعمد الرواية الصحيحة، مثل: ما أخرجه الشيخان وغيرهما عن جندب البجلي قال: "اشتكى النبي ﷺ فلم يقم ليلتين أو ثلاثًا، فأتته امرأة فقالت: يا محمد، ما أرى شيطانك إلا قد تركك، لم

стр. 108

يقربك ليلتين أو ثلاثة، فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى, وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى, مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ١" وأخرج الطبراني وابن أبي شيبة عن حفص بن ميسرة عن أمه عن أمها -وكانت خادم رسول الله ﷺ : "أن جروًا دخل بيت النبي ﷺ فدخل تحت السرير، فمات، فمكث النبي ﷺ أربعة أيام لا ينزل عليه الوحي، فقال: يا خولة، ما حدث في بيت رسول الله, ﷺ ؟ جبريل لا يأتيني! فقلت في نفسي: لو هيأت البيت وكنسته، فأهويت بالمكنسة تحت السرير، فأخرجت الجرو، فجاء النبي ﷺ ترعد لحيته، وكان إذا نزل عليه أخذته الرعدة فقال: يا خولة دثريني فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى﴾ ... إلى قوله: ﴿فَتَرْضَى﴾ قال ابن حجر في شرح البخاري: "قصة إبطاء جبريل بسبب الجرو مشهورة، لكن كونها سبب نزول الآية غريب، وفي إسناده من لا يُعرف، فالمعتمد ما في الصحيحين"٢. د- فإذا تساوت الروايات في الصحة ووُجِدَ وجه من وجوه الترجيح كحضور القصة مثلًا أو كون إحداها أصح قُدِّمت الرواية الراجحة، ومثال ذلك ما أخرجه البخاري عن ابن مسعود قال: "كنت أمشي مع النبي ﷺ بالمدينة، وهو يتوكأ على عسيب، فمر بنفر من اليهود، فقال بعضهم: لو سألتموه، فقالوا: حدِّثنا عن الروح، فقام ساعة ورفع رأسه، فعرفتُ أنه يوحى إليه، حتى صعد الوحي، ثم قال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٣.. وقد أخرج الترمذي وصححه عن ابن عباس قال: "قالت قريش لليهود: أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: اسألوه عن الروح، فسألوه فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ ... الآية، فهذه الرواية تقتضي أنها نزلت بمكة حيث كانت قريش. والرواية الأولى تقتضي أنها نزلت بالمدينة، وتُرجَّح الرواية الأولى لحضور ابن مسعود القصة، ثم لما عليه الأمة من تلقِّي صحيح البخاري بالقبول وترجيحه على ما صح في غيره.

стр. 109

وقد اعتبر "الزركشي" هذا المثال من باب تعدد النزول وتكرره١، فتكون هذه الآية قد نزلت مرتين: مرة بمكة، ومرة بالمدينة، واستند في ذلك إلى أن سورة "سبحان" مكية بالاتفاق. وإني أرى أن كون السورة مكية لا ينفي أن تكون آية منها أو أكثر مدنية، وما أخرجه البخاري عن ابن مسعود يدل على أن هذه الآية: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ مدنية، فالوجه الذي اخترناه من ترجيح رواية ابن مسعود على رواية الترمذي عن ابن عباس أولى من حمل الآية على تعدد النزول وتكرره. ولو صح أن الآية مكية وقد نزلت جوابًا عن سؤال فإن تكرار السؤال نفسه بالمدينة لا يقتضي نزول الوحي بالجواب نفسه مرة أخرى, بل يقتضي أن يجيب الرسول ﷺ بالجواب الذي نزل عليه من قبل. هـ- إذا تساوت الروايات في الترجيح جُمِعَ بينها إن أمكن، فتكون الآية قد نزلت بعد السببين أو الأسباب لتقارب الزمن بينها، كآيات اللِّعان: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهمْ﴾ ٢, فقد أخرج البخاري والترمذي وابن ماجه عن ابن عباس أنها نزلت في هلال بن أمية، قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء، كما ذكرنا من قبل٣. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن سعد قال: "جاء عويمر إلى عاصم بن عدي، فقال: سئل رسول الله ﷺ عن رجل وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فيُقتل به أم كيف يصنع؟ ... " فجمع بينهما بوقوع حادثة هلال أولًا، وصادف مجيء عويمر كذلك، فنزلت في شأنهما معًا بعد حادثتيهما. قال ابن حجر: لا مانع من تعدد الأسباب. و إن لم يمكن الجمع لتباعد الزمن فإنه يُحْمَل على تعدد النزول وتكرره، ومثاله: ما أخرجه الشيخان عن المسيب قال: "لما حضر أبا طالب الوفاة دخل

стр. 110

عليه رسول الله ﷺ وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال: " أي عم، قل: لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الل هـ"، فقال أبو جهل وعبد الله: يا أبا طالب: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه حتى قال: هو على ملة عبد المطلب، فقال النبي, ﷺ : "لأستغفرن لك ما لم أنه عنه"، فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ١. وأخرج الترمذي عن عليٍّ قال: "سمعت رجلًا يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت: تستغفر لأبويك وهما مشركان؟ فقال: استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك، فذكرتُ ذلك لرسول الله ﷺ فنزلت". وأخرج الحاكم وغيره عن ابن مسعود قال: "خرج النبي ﷺ يومًا إلى المقابر، فجلس إلى قبر منها، فناجاه طويلًا ثم بكى، فقال: "إن القبر الذي جلستُ عنده قبر أمي، وإني استأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي، فأنزل عليَّ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ . فجمع بين هذه الروايات بتعدد النزول. ومن أمثلته كذلك ما رُوِيَ عن أبي هريرة: "أن النبي ﷺ وقف على حمزة حين استُشِهد وقد مُثِّلَ به، فقال: "لأُمَثِّلَنَّ بسبعين منهم مكانك"، فنزل جبريل والنبي ﷺ واقف بخواتيم سورة النحل: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ٢ ... إلى آخر السورة"٣, فهذا يدل على نزولها يوم أُحد. وجاء في رواية أخرى أنها نزلت يوم فتح مكة٤، والسورة مكية، فجمع بين ذلك، بأنها نزلت بمكة قبل الهجرة مع السورة، ثم بأحد، ثم يوم الفتح، ولا مانع مع ذلك لما فيه من التذكير بنعمة الله على عباده واستحضار شريعته، قال الزركشي في البرهان: "وقد ينزل الشيء مرتين تعظيمًا لشأنه، وتذكيرًا

стр. 111

عند حدوث سببه خوف نسيانه، كما قيل في الفاتحة، نزلت مرتين: مرة بمكة، وأخرى بالمدينة". هذا ما يذكره علماء الفن في تعدد النزول وتكرره، ولا أرى لهذا الرأي وجهًا مستساغًا، حيث لا تتضح الحكمة من تكرار النزول. وإنما أرى أن الروايات المتعددة في سبب النزول ولا يمكن الجمع بينها يتأتى فيها الترجيح. فالروايات الواردة في سبب نزول قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ١ ... الآية، ترجح فيها الرواية الأولى على الروايتين الأخيرتين، لأنها وردت في الصحيحين دونهما، وحسبك برواية الشيخين قوة. فالراجح أن الآية نزلت في أبي طالب. وكذلك الشأن في الروايات التي وردت في سبب نزول خواتيم سورة النحل، فإنها ليست في درجة سواء. والأخذ بأرجحها أولى من القول بتعدد النزول وتكرره. والخلاصة.. أن سبب النزول إذا تعدد: فإما أن يكون الجميع غير صريح، وإما أن يكون الجميع صريحًا، وإما أن يكون بعضه غير صريح وبعضه صريحًا، فإن كان الجميع غير صريح في السببية فلا ضرر حيث يُحمل على التفسير والدخول في الآية "أ" وإن كان بعضه غير صريح وبعضه الآخر صريحًا فالمعتمد هو الصريح "ب" وإن كان الجميع صريحًا فلا يخلو، إما أن يكون أحدهما صحيحًا أو الجميع صحيحًا, فإن كان أحدهما صحيحًا دون الآخر فالصحيح هو المعتمد "جـ" وإن كان الجميع صحيحًا فالترجيح إن أمكن "د" وإلا فالجمع إن أمكن "هـ" وإلا حُمِل على تعدد النزول وتكرره "و" وفي هذا القسم الأخير مقال، وفي النفس منه شيء.

стр. 112

تعدد النزول مع وحدة السبب: قد يتعدد ما ينزل والسبب واحد، ولا شيء في ذلك، فقد ينزل في الواقعة الواحدة آيات عديدة في سور شتى. ومثاله: ما أخرجه سعيد بن منصور وعبد الرزاق والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن أم سلمة قالت: "يا رسول الله، لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء، فأنزل الله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ ... الآية١. وأخرج أحمد والنَّسائي وابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن أم سلمة قالت: "قلت: يا رسول الله، ما لنا لا نُذكر في القرآن كما يُذكر الرجال؟ فلم يرعني منه ذات يوم إلا نداؤه على المنبر وهو يقول: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ ٢ ... إلى آخر الآية. وأخرج الحاكم عن أم سلمة أيضًا أنها قالت: تغزو الرجال ولا تغزو النساء، وإنما لنا نصف الميراث؟ فأنزل الله: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ ٣, الآية، وأنزل: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ فهذه الآيات الثلاث نزلت على سبب واحد.

стр. 113

تقدم نزول الآية على الحكم: يذكر "الزركشي" نوعًا يتصل بأسباب النزول يسميه: "تقدم نزول الآية على الحكم"١, والمثال الذي ذكره في ذلك لا يدل على أن الآية تنزل في حكم خاص ثم لا يكون العمل بها إلا مؤخرًا، وإنما يدل على أن الآية قد تنزل بلفظ

стр. 114

مجمل يحتمل أكثر من معنى ثم يُحمل تفسيرها على أحد المعاني فيما بعد فتكون دليلًا على حكم متأخر. جاء في "البرهان": "واعلم أنه قد يكون النزول سابقًا على الحكم، وهذا كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ ١ فإنه يُستدل بها على زكاة الفطر، روى البيهقي بسنده إلى ابن عمر أنها نزلت في زكاة رمضان، ثم أسند مرفوعًا نحوه، وقال بعضهم: لا أدري ما وجه هذا التأويل؟ لأن هذه السورة مكية، ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة". وأجاب البغوي٢ في تفسيره بأنه يجوز أن يكون النزول سابقًا على الحكم، كما قال: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ, وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ ٣, فالسورة مكية، وظهر أثر الحل يوم فتح مكة، حتى قال ﵊: "أُحلت لي ساعة من نهار" ٤. وكذلك نزل بمكة: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ٥, قال عمر بن الخطاب: كنت لا أدري: أي الجمع يُهزم؟ فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله ﷺ يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ . فأنت ترى فيما ذكره صاحب البرهان أن صيغة سبب النزول محتملة للسببية ولما تضمنته الآية من الأحكام "رَوَى البيهقي بسنده إلى ابن عمر أنها نزلت في زكاة رمضان"، والآيات التي ذكرها مُجْمَلة تحتمل أكثر من معنى، أو جاءت بصيغة الإخبار عما يحدث في المستقبل ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ .

стр. 115

تعدد ما نزل في شخص واحد: قد يحدث لشخص واحد من الصحابة أكثر من واقعة، ويتنزل القرآن بشأن كل واقعة منها، فيتعدد ما نزل بشأنه بتعدد الوقائع، ومثاله: ما رواه البخاري في كتاب "الأدب المفرد" في بر الوالدين عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: "نزلت فيَّ أربع آيات من كتاب الله : كانت أمي حلفت ألا تأكل ولا تشرب، حتى أفارق محمدًا ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ ١. والثانية: أني كنت أخذت سيفًا فأعجبني فقلت: يا رسول الله. هب لي هذا السيف، فنزلت: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ ٢. والثالثة: أني كنت مرضت فأتاني رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله. إني أريد أن أُقَسِّمَ مالي، أفأُوصي بالنصف؟ فقال: لا، فقلت: الثلث، فسكت، فكان الثلث بعد جائزًا ٣. والرابعة: أني شربت الخمر مع قوم من الأنصار، فضرب رجل منهم أنفي بلحي جمل، فأتيت رسول الله ﷺ فأنزل الله تحريم الخمر". ويُعتبر من هذا القبيل موافقات عمر ﵁، فقد نزل الوحي موافقًا لرأيه في عدة آيات.

стр. 116

الاستفادة من معرفة أسباب النزول في مجال التربية والتعليم: يعاني المربون في مجال الحياة التعليمية كثيرًا من المتاعب في استخدام الوسائل التربوية لإثارة انتباه الطلاب حتى تتهيأ نفوسهم للدرس في شوق يستجمع قواهم العقلية ويرغبهم في الاستماع والمتابعة، والمرحلة التمهيدية من مراحل الدرس تحتاج إلى فطنة لماحة تعين المدرس على اجتذاب مشاعر الطلاب لدرسه بشتى الوسائل المناسبة، كما تحتاج إلى ممارسة طويلة تُكسبه خبرة في حسن اختيار الربط بين معلوماتهم دون تعسف يكلفه شططًا. وكما تهدف المرحلة التمهيدية في الدرس إلى إثارة انتباه الطلاب واجتذاب مشاعرهم فإنها تهدف كذلك إلى التصور الكلي للموضوع، كي يسهل على المدرس أن ينتقل بطلابه من الكلي للجزئي إلى أن يستوعب عناصر الدرس تفصيلًا بعد أن تصوره طلابه جملة. ومعرفة أسباب النزول هي السبيل الأفضل لتحقيق تلك الأهداف التربوية في دراسة القرآن الكريم تلاوة وتفسيرًا. إن سبب النزول إما أن يكون قصة لحادثة وقعت، وإما أن يكون سؤالًا طُرِحَ على رسول الله ﷺ لاستكشاف حكم في موضوع، فينزل القرآن إثر الحادثة أو السؤال، فلن يجد المدرس نفسه في حاجة لمعالجة التمهيد للدرس بشيء يبتكره ويختاره، إذ إنه إذا ساق سبب النزول كانت قصته كافية في إثارة انتباه الطلاب، واجتذاب مشاعرهم، واستجماع قواهم العقلية، وتهيئة نفوسهم لتقبل الدرس، وتشويقهم للاستماع إليه، وترغيبهم في الحرص عليه، فهم يتصورون الدرس بمعرفة سبب النزول تصورًا عامًّا بما فيه من عناصر القصة المثيرة، فتتوق نفوسهم إلى معرفة ما نزل ملائمًا له وما يتضمنه من أسرار تشريعية وأحكام تفصيلية، تهدي الإنسانية إلى نهج الحياة الأقوم، وصراطها المستقيم، وسبيل عزها ومجدها وسعادتها.

стр. 117

وعلى المربين في مجال الحياة التربوية التعليمية الخاصة بمقاعد الدرس أو العامة في التوجية والإرشاد أن يستفيدوا من سياق أسباب النزول في التأثير على الطلاب الدارسين وجماهير المسترشدين، فذلك أجدى وأنفع وأهدى سبيلًا لتحقيق الأهداف التربوية بأروع معانيها وأرقى صورها.

стр. 118

المناسبات بين الآيات والسور: كما أن معرفة سبب النزول لها أثرها في فهم المعنى وتفسير الآية، فإن معرفة المناسبة بين الآيات تساعد كذلك على حسن التأويل، ودقة الفهم، ولذا أفرد بعض العلماء هذا المبحث بالتصنيف١. والمناسبة في اللغة: المقاربة، يقال فلان يناسب فلانًا أي يقرب منه ويشاكله، ومنه المناسبة في العلة في باب القياس، وهي الوصف المقارب للحكم. والمراد بالمناسبة هنا: وجه الارتباط بين الجملة والجملة في الآية الواحدة أو بين الآية والآية في الآيات المتعددة، أوبين السورة والسورة. ولمعرفة المناسبة فائدتها في إدراك اتساق المعاني، وإعجاز القرآن البلاغي، وإحكام بيانه، وانتظام كلامه، وروعة أسلوبه ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ٢. قال الزركشي: "وفائدته جعل أجزاء الكلام بعضها آخذًا بأعناق بعض، فيقوى بذلك الارتباط، ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم المتلائم الأجزاء".

стр. 119

وقال القاضي أبو بكر بن العربي: "ارتباط آي القرآن بعضها ببعض، حتى تكون كالكلمة الواحدة، متسقة المعاني، منتظمة المباني، علم عظيم". ومعرفة المناسبات والربط بين الآيات ليست أمرًا توقيفيًّا، ولكنها تعتمد على اجتهاد المفسر ومبلغ تذوقه لإعجاز القرآن وأسراره البلاغية وأوجه بيانه الفريد، فإذا كانت المناسبة دقيقة المعنى، منسجمة مع السياق، متفقة مع الأصول اللغوية في علوم العربية، كانت مقبولة لطيفة. ولا يعني هذا أن يلتمس المفسر لكل آية مناسبة، فإن القرآن الكريم نزل مُنَجَّمًا حسب الوقائع والأحداث، وقد يدرك المفسر ارتباط آياته وقد لا يدركها، فلا ينبغي أن يعتسف المناسبة اعتسافًا، وإلا كانت تكلفًا ممقوتًا، قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام١: "المناسبة علم حسن، ولكن يُشترط في حسن ارتباط الكلام أن يقع في أمر متحد مرتبط أوله بآخره: فإن وقع على أسباب مختلفة لم يُشترط فيه ارتباط أحدهما بالآخر" ثم قال: "ومن ربط بين ذلك فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا برباط ركيك يصان عنه حسن الحديث فضلًا عن أحسنه، فإن القرآن نزل في نيف وعشرين سنة في أحكام مختلفة، ولأسباب مختلفة، وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض". وقد عُنِيَ بعض المفسرين ببيان المناسبة بين الجمل، أو بين الآيات، أو بين السور٢ واستنبطوا وجوه ارتباط دقيقة. فالجملة قد تكون تأكيدًا لما قبلها، أوبيانًا، أو تفسيرًا، أو اعتراضًا تذييليًّا - ولهذا أمثلته الكثيرة.

стр. 120

وللآية تعلقها بما قبلها على وجه من وجوه الارتباط يجمع بينها، كالمقابلة بين صفات المؤمنين وصفات المشركين، ووعيد هؤلاء ووعد أولئك، وذكر آيات الرحمة بعد آيات العذاب، وآيات الترغيب بعد آيات الترهيب، وآيات التوحيد والتنزيه بعد الآيات الكونية ... وهكذا. وقد تكون المناسبة في مراعاة حال المخاطَبين كقوله تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ, وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ, وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ, وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ ١, فجمع بين الإبل والسماء والجبال مراعاة لما جرى عليه الإلف والعادة بالنسبة إلى المخاطَبين في البادية، حيث يعتمدون في معايشهم على الإبل، فتنصرف عنايتهم إليها، ولا يتأتى لهم ذلك إلا بالماء الذي ينبت المرعى وترده الإبل، وهذا يكون بنزول المطر، وهو سبب تقلب وجوههم في السماء، ثم لا بد لهم من مأوى يتحصنون به ولا شيء أمنع كالجبال، وهم يطلبون الكلأ والماء فيرحلون من أرض ويهبطون أخرى، ويتنقلون من مرعًى أجدب إلى مرعًى أخصب، فإذا سمع أهل البادية هذه الآيات خالطت شغاف قلوبهم بما هو حاضر لا يغيب عن أذهانهم. وقد تكون المناسبة بين السورة والسورة، كافتتاح سورة "الأنعام" بالحمد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ ٢, فإنه مناسب لختام سورة "المائدة" في الفصل بين العباد ومجازاتهم: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٣.. إلى آخر السورة، كما قال سبحانه: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤، وكافتتاح سورة "الحديد" بالتسبيح: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٥, فإنه مناسب

стр. 121

لختام سورة "الواقعة" من الأمر به: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ ١, وكارتباط سورة ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ٢, بسورة "الفيل" فإن هلاك أصحاب الفيل كانت عاقبته تمكين قريش من رحلتيها شتاء وصيفًا، حتى قال الأخفش: اتصالها بها من باب قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ ٣. وقد تكون المناسبة بين فواتح السور وخواتمها.. ومن ذلك ما في سورة "القصص" فقد بدأت بقصة موسى ﵇، وبيان مبدأ أمره ونصره، ثم ما كان منه عندما وجد رجلين يقتتلان. وحكى الله دعاءه: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ٤، ثم ختم الله السورة بتسلية رسولنا ﷺ بخروجه من مكة والوعد بعودته إليها، ونهيه عن أن يكون ظهيرًا للكافرين: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ، وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ ٥.. ومن تتبع كتب التفسير وجد كثيرًا من وجوه المناسبات.

стр. 122

نزول القرآن مدخل ... ٧- نزول القرآن: أنزل الله القرآن على رسولنا محمد ﷺ لهداية البشرية، فكان نزوله حدثًا جللًا يؤذن بمكانته لدى أهل السماء وأهل الأرض، فإنزاله الأول في ليلة القدر أشعر العالم العُلوي من ملائكة الله بشرف الأمة المحمدية التي أكرمها الله بهذه الرسالة الجديدة لتكون خير أمة أخرجت للناس، وتنزيله الثاني مفرَّقًا على خلاف المعهود في إنزال الكتب السماوية قبله آثار الدهشة التي حملت القوم على المماراة فيه، حتى أسفر لهم صبح الحقيقة فيما وراء ذلك من أسرار الحكمة الإلهية، فلم يكن الرسول ﷺ ليتلقى الرسالة العظمى جملة واحدة ويُقنع بها القوم مع ما هم عليه من صَلَفٍ وعِناد، فكان الوحي يتنزل عليه تباعًا تثبيتًا لقلبه، وتسلية له، وتدرجًا مع الأحداث والوقائع حتى أكمل الله الدين، وأتم النعمة.

стр. 123

نزول القرآن جملة: يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ ١. ويقول: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ٢. ويقول: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ٣. ولا تعارض بين هذه الآيات الثلاث، فالليلة المباركة هي ليلة القدر من شهر رمضان، إنما يتعارض ظاهرها مع الواقع العملي في حياة رسول الله ﷺ حيث نزل القرآن عليه في ثلاث وعشرين سنة.. وللعلماء في هذا مذهبان أساسيان:

стр. 124

١- المذهب الأول: وهو الذي قال به ابن عباس وجماعة وعليه جمهور العلماء: أن المراد بنزول القرآن في تلك الآيات الثلاث نزوله جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا تعظيمًا لشأنه عند ملائكته، ثم نزل بعد ذلك مُنَجَّمًا على رسولنا محمد ﷺ في ثلاث وعشرين سنة١ حسب الوقائع والأحداث منذ بعثته إلى أن توفي صلوات الله وسلامه عليه، حيث أقام في مكة بعد البعثة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة بعد الهجرة عشر سنوات: فعن ابن عباس قال: "بُعِثَ رسول الله ﷺ لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يُوحى إليه، ثم أُمِرَ بالهجرة عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين"٢. وهذا المذهب هو الذي جاءت به الأخبار الصحيحة عن ابن عباس في عدة روايات: أ- عن ابن عباس قال: "أُنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا ليلة القدر. ثم أُنزل بعد ذلك في عشرين سنة, ثم قرأ: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ٣.. ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ ٤.. ب- وعن ابن عباس ﵄ قال: "فُصِلَ القرآن من الذكر فوُضِعَ في بيت العزة من السماء الدنيا، فجعل جبريل ينزل به على النبي, ﷺ "٥. جـ- وعن ابن عباس ﵄ قال: "أُنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا، وكان بمواقع النجوم، وكان الله يُنزله على رسوله ﷺ بعضه في إثر بعض"٦.

стр. 125

د- وعن ابن عباس ﵄ قال: "أُنزل القرآن في ليلة القدر في شهر رمضان إلى سماء الدنيا جملة واحدة، ثم أُنزل نُجومًا"١. ٢- المذهب الثاني: وهو الذي رُوِيَ عن الشعبي٢: أن المراد بنزول القرآن في الآيات الثلاث ابتداء نزوله على رسول الله ﷺ فقد ابتدأ نزوله في ليلة القدر في شهر رمضان، وهي الليلة المباركة، ثم تتابع نزوله بعد ذلك متدرجًا مع الوقائع والأحداث في قرابة ثلاث وعشرين سنة، فليس للقرآن سوى نزول واحد هو نزوله مُنَجَّمًا على رسول الله ﷺ لأن هذا هو الذي جاء به القرآن: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ ٣, وجادل فيه المشركون الذين نُقِلَ إليهم نزول الكتب السماوية السابقة جملة واحدة: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً, وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ٤. ولا يظهر للبشر مزية لشهر رمضان وليلة القدر التي هي الليلة المباركة إلا إذا كان المراد بالآيات الثلاث نزول القرآن على رسول الله ﷺ وهذا يوافق ما جاء في قوله تعالى بغزوة بدر: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٥. وقد كانت غزوة بدر في رمضان. ويؤيد هذا ما عليه المحققون في حديث بدء الوحي، عن عائشة قالت: "أول ما بُدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَق الصبح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاء فكان يأتي حِراء فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة ﵂ فتزوده لمثلها، حتى فاجأه الحق وهو في غار حِراء. فجاءه المَلَكُ فيه فقال: اقرأ، قال رسول الله, ﷺ : "فقلت: ما أنا بقارئ

стр. 126

فأخذني فغطَّنِي حتى بلغ مني الجَهْد ثم أرسلني" فقال: اقرأ، فقلت: "ما أنا بقارئ، فغَطَّنِي الثانية حتى بلغ مني الجَهْد ثم أرسلني" فقال: اقرأ، فقلت: "ما أنا بقارئ، فغَطَّنِي الثالثة حتى بلغ مني الجَهْد ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ .. حتى بلغ: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ " ١. فإن المحققين من الشراح على أن الرسول ﷺ نُبِئ أولًا بالرؤيا في شهر مولده شهر ربيع الأول، ثم كانت مدتها ستة أشهر، ثم أُوِحي إليه يقظة في شهر رمضان بـ "اقرأ" وبهذا تتآزر النصوص على معنًى واحد. ٣- وهناك مذهب ثالث: يرى أن القرآن أُنزل إلى السماء الدنيا في ثلاث وعشرين ليلة قدر٢ في كل ليلة منها ما يُقَدِّرُ الله إنزاله في كل السنة، وهذا القدر الذي ينزل في ليلة القدر إلى السماء الدنيا لسنة كاملة ينزل بعد ذلك مُنَجَّمًا على رسول الله ﷺ في جميع السنة. وهذا المذهب اجتهاد من بعض المفسرين، ولا دليل عليه. أما المذهب الثاني الذي رُوِيَ عن الشعبي فأدلته -مع صحتها والتسليم بها- لا تتعارض مع المذهب الأول الذي رُوِيَ عن ابن عباس. فيكون نزول القرآن جملة وابتداء نزوله مفرقًا في ليلة القدر من شهر رمضان، وهي الليلة المباركة. فالراجح أن القرآن الكريم له تنزلان: الأول: نزوله جملة واحدة في ليلة القدر إلى بيت العزة من السماء الدنيا. والثاني: نزوله من السماء الدنيا إلى الأرض مفرقًا في ثلاث وعشرين سنة. وقد نقل القرطبي عن مقاتل بن حيان حكاية الإجماع على نزول القرآن جملة واحدة من اللَّوْحِ المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا. ونفى ابن عباس التعارض بين الآيات الثلاث في نزول القرآن والواقع العملي في حياة الرسول ﷺ بنزول القرآن في ثلاث وعشرين سنة بغير شهر رمضان: عن ابن عباس:

стр. 127

"أنه سأله عطية بن الأسود فقال: أوقع في قلبي الشك قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ ١، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ٢, وهذا أنزل في شوال، وفي ذي القعدة، وفي ذي الحجة، وفي المحرم وصفر وشهر ربيع، فقال ابن عباس: إنه أُنزل في رمضان في ليلة القدر جملة واحدة ثم أُنزل على مواقع النجوم٣ رَسْلًا٤ في الشهور والأيام"٥. وأشار بعض العلماء إلى حكمة ذلك في تعظيم شأن القرآن، وتشريف المنزَّل عليه، قال السيوطي: "قيل: السر في إنزاله جملة إلى السماء تفخيم أمره وأمر من نزل عليه، وذلك بإعلام سكان السموات السبع أن هذا آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل لأشرف الأمم قد قربناه إليهم لينزله عليهم. ولولا أن الحكمة الإلهية اقتضت وصوله إليهم مُنَجَّمًا بحسب الوقائع لهبط به إلى الأرض جملة كسائر الكتب المنزَّلة قبله، ولكن الله باين بينه وبينها، فجعل له الأمرين: إنزاله جملة، ثم إنزاله مفرقًا، تشريفًا للمُنَزَّل عليه". وقال السخاوي في جمال القراء: "في نزوله إلى السماء جملة تكريم بني آدم وتعظيم شأنه عند الملائكة وتعريفهم عناية الله بهم، ورحمته لهم، ولهذا المعنى أمر سبعين ألفًا من الملائكة أن تُشَيِّع سورة الأنعام٦، وزاد سبحانه في هذا المعنى بأن أمر جبريل بإملائه على السَّفَرَةِ الكرام، وإنساخهم إياه، وتلاوتهم له"٧.

стр. 128

٤- ومن العلماء مَن يرى أن القرآن نزل أولًا جملة إلى اللَّوح المحفوظ مستدلًَا بقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيد فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ ١.. ثم نزل من اللَّوح المحفوظ جملة كذلك إلى بيت العزة، ثم نزل مفرقًا، فهذه تنزلات ثلاثة. وهذا لا يتعارض مع ما سبق أن رجحناه، فالقرآن الكريم مثبت في اللَّوح المحفوظ شأن سائر المغيبات المثبتة فيه، والقرآن الكريم نزل جملة من اللَّوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا -كما رُوِيَ عن ابن عباس- في ليلة القدر، والقرآن الكريم بدأ نزوله مُنَجَّمًا -كما يرى الشعبي- على رسول الله ﷺ في الليلة المباركة ليلة القدر من شهر رمضان، إذ لا مانع يمنع من نزوله جملة، ومن ابتداء نزوله على رسول الله ﷺ مفرَّقًا في ليلة واحدة، وبهذا ينتفي التعارض بين الأقوال كلها إذا استثنينا المذهب الاجتهادي الثالث الذي لا دليل له.

стр. 129

نزول القرآن مُنَجَّمًا: يقول تعالى في التنزيل: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ, نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ, عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ, بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ١. ويقول: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ ٢. ويقول: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ٣. ويقول: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِه﴾ ٤.

стр. 130

ويقول: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ١. فهذه الآيات ناطقة بأن القرآن الكريم كلام الله بألفاظه العربية، وأن جبريل نزل به على قلب رسول الله ﷺ وأن هذا النزول غير النزول الأول إلى سماء الدنيا, فالمراد به نزوله مُنَجَّمًا، ويدل التعبير بلفظ التنزيل دون الإنزال على أن المقصود النزول على سبيل التدرج والتنجيم، فإن علماء اللغة يُفَرِّقون بين الإنزال والتنزيل، فالتنزيل لما نزل مفرقًا، والإنزال أعم٢. وقد نزل القرآن مُنَجَّمًا في ثلاث وعشرين سنة منها ثلاث عشرة بمكة على الرأي الراجح، وعشر بالمدينة، وجاء التصريح بنزوله مفرَّقًا في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ ٣, أي جعلنا نزوله مفرقًا كي تقرأه على الناس على مهل وتثبت، ونزَّلناه تنزيلًا بحسب الوقائع والأحداث. أما الكتب السماوية الأخرى -كالتوراة والإنجيل والزبور- فكان نزولها جملة، ولم تنزل مفرقة، يدل على هذا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ ٤, فهذه الآية دليل على أن الكتب السماوية السابقة نزلت جملة، وهو ما عليه جمهور العلماء، ولو كان نزولها مفرقًا لما كان هناك ما يدعو الكفار إلى التعجب من نزول القرآن مُنَجَّمًا، فمعنى قولهم: ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ : هَلَّا أُنزل عليه القرآن دفعة واحدة كسائر الكتب؟ وماله أُنزل على التَّنْجِيمِ؟ ولم أُنزل مفرقًا؟ ولم يرد الله عليهم بأن هذه سُنته في إنزال الكتب السماوية كلها كما رد عليهم في قولهم: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ ٥, بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ

стр. 131

الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ ١، وكما رد عليهم في قولهم: ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ ٢, بقوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ ٣, وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ ٤, بل أجابهم الله تعالى ببيان وجه الحكمة في تنزيل القرآن مُنَجَّمًا بقوله: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ أي كذلك أنزل مفرَّقًا لحكمة هي: تقوية قلب رسول الله ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ أي قدرناه آية بعد آية بعضه إثر بعض، أو بيناه تبيينًا، فإن إنزاله مفرقًا حسب الحوادث أقرب إلى الحفظ والفهم وذلك من أعظم أسباب التثبيت. والذي استقرئ من الأحاديث الصحيحة أن القرآن كان ينزل بحسب الحاجة خمس آيات وعشر آيات وأكثر وأقل، وقد صح نزول العشر آيات في قصة الإفك جملة، وصح نزول عشر آيات في أول المؤمنين جملة، وصح نزول: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ وحدها وهي بعض آية"٥.

стр. 132

حكمة نزول القرآن منجما مدخل ... حكمة نزول القرآن مُنَجَّمًا: نستطيع أن نستخلص حكمة نزول القرآن الكريم مُنَجَّمًا من النصوص الواردة في ذلك. ونجملها فيما يأتي:

стр. 133

١- الحكمة الأولى: تثبيت فؤاد رسول الله, ﷺ . لقد وجه رسول الله ﷺ دعوته إلى الناس، فوجد منهم نفورًا وقسوة، وتصدى له قوم غلاظ الأكباد فُطِروا على الجفوة، وجُبِلوا على العناد,

стр. 134

يتعرضون له بصنوف الأذى والعنت، مع رغبته الصادقة في إبلاغهم الخير الذي يحمله إليهم، حتى قال الله فيه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ ١. فكان الوحي يتنزل على رسول الله ﷺ فترة بعد فترة، بما يثبِّت قلبه على الحق، ويُشْحذ عزمه للمضي قدمًا في طريق دعوته، لا يبالي بظلمات الجهالة التي يواجهها من قومه. فإنها سحابة صيف عما قريب تنقشع. يبيِّن الله له سُنته في الأنبياء السابقين الذين كُذِّبوا وأُوذوا فصبروا حتى جاءهم نصر الله، وأن قومه لم يكذبوه إلا علوًّا واستكبارًا، فيجد ﵊ في ذلك السٌّنَّة الإلهية في موكب النبوة عبر التاريخ التي يتأسى بها تسلية له إزاء أذى قومه، وتكذيبهم له، وإعراضهم عنه ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ, وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ ٢، ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ ٣. ويأمره القرآن بالصبر كما صبر الرسل من قبله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ ٤.. ويطمئن نفسه بما تكفل الله به من كفايته أمر المكذِّبين: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا, وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ ٥.. وهذا هو ما جاء في حكمة قصص الأنبياء بالقرآن: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ ٦..

стр. 135

وكلما اشتد ألم رسول الله ﷺ لتكذيب قومه، وداخله الحزن لأذاهم نزل القرآن دعمًا وتسلية له، يهدد المكذِّبين بأن الله يعلم أحوالهم، وسيجازيهم على ما كان منهم: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ١، ﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ٢. كما يبشره الله تعالى بآيات المنعة والغلبة والنصر: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ٣، ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ ٤، ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ٥. وهكذا كانت آيات القرآن تتنزل على رسول الله ﷺ تباعًا تسلية له بعد تسلية، وعزاء بعد عزاء، حتى لا يأخذ منه الحزن مأخذه ولا يستبد به الأسى، ولا يجد اليأس إلى نفسه سبيلًا، فله في قصص الأنبياء أسوة، وفي مصير المكذِّبين سلوى، وفي العدة بالنصر بُشرى، وكلما عرض له شيء من الحزن بمقتضى الطبع البشري تكررت التسلية، فثبت قلبه على دعوته، واطمأن إلى النصر. وهذه الحكمة هي التي رد الله بها على اعتراض الكفار في تنجيم القرآن بقوله تعالى: ﴿َذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ ٦. قال أبو شامة٧: "فإن قيل: ما السر في نزوله مُنَجَّمًا؟ وهَلَّا أُنزل كسائر الكتب جملة؟ قلنا: هذا سؤال قد تولى الله جوابه، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ ٨.. يعنون: كما أُنزل على من قبله من الرسل، فأجابهم تعالى بقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي أنزلناه مفرَّقًا ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ أي لنقوي به قلبك، فإن الوحي إذا كان

стр. 136

يتجدد في كل حادثة كان أقوى للقلب، وأشد عناية بالمرسَل إليه، ويستلزم ذلك كثرة نزول المَلَك إليه، وتجدد العهد به وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز، فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة، ولهذا كان أجود ما يكون في رمضان لكثرة لقياه جبريل"١.

стр. 137

٢- الحكمة الثانية: التحدي والإعجاز . فالمشركون تمادوا في غيهم، وبالغوا في عُتوِّهم، وكانوا يسألون أسئلة تعجيز وتحد يمتحنون بها رسول الله ﷺ في نبوته، ويسوقون له من ذلك كل عجيب من باطلهم، كعلم الساعة: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ ١، واستعجال العذاب: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ ٢, فيتنزل القرآن بما يبين وجه الحق لهم، وبما هو أوضح معنى في مؤدى أسئلتهم، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ٣, أي ولا يأتونك بسؤال عجيب من أسئلتهم الباطلة إلا أتيناك نحن بالجواب الحق، وبما هو أحسن معنًى من تلك الأسئلة التي هي مَثل في البطلان. وحيث عجبوا من نزول القرآن مُنَجَّمًا بيَّن الله لهم الحق في ذلك، فإن تحديهم به مفرقًا مع عجزهم عن الإتيان بمثله أدخل في الإعجاز، وأبلغ في الحجة من أن ينزل جملة ويقال لهم: جيئوا بمثله، ولهذا جاءت الآية عقب اعتراضهم: ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ أي لا يأتونك بصفة عجيبة يطلبونها كنزول القرآن جملة إلا أعطيناك من الأحوال ما يحق لك في حكمتنا وبما هو أبين معنًى في إعجازهم، وذلك بنزوله مفرقًا، ويشير إلى هذه الحكمة ما جاء ببعض الروايات في حديث ابن عباس عن نزول القرآن: "فكان المشركون إذا أحدثوا شيئًا أحدث الله لهم جوابًا"٤.

стр. 138

٣- الحكمة الثالثة: تيسير حفظه وفهمه . لقد نزل القرآن الكريم على أمة أمية لا تعرف القراءة والكتابة، سجلها ذاكرة حافظة، ليس لها دراية بالكتابة والتدوين حتى تكتب وتدوِّن، ثم تحفظ وتفهم: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ١، ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ ٢, فما كان للأمة الأمية أن تحفظ القرآن كله بيسر لو نزل جملة واحدة، وأن تفهم معانيه وتتدبر آياته، فكان نزوله مفرقًا خير عون لها على حفظه في صدورها وفهم آياته، كلما نزلت الآية أو الآيات حفظها الصحابة، وتدبروا معانيها، ووقفوا عند أحكامها، واستمر هذا منهجًا للتعليم في حياة التابعين, عن أبي نضرة قال: "كان أبو سعيد الخدري يعلمنا القرآن خمس آيات بالغداة، وخمس آيات بالعَشي، ويخبر أن جبريل نزل بالقرآن خمس آيات خمس آيات"٣، وعن خالد بن دينار قال: "قال لنا أبو العالية: تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات، فإن النبي ﷺ كان يأخذه من جبريل خمسًا خمسًا"٤. وعن عمر قال: "تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات، فإن جبريل كان ينزل بالقرآن على النبي ﷺ خمسًا خمسًا"٥.

стр. 139

٤- الحكمة الرابعة: مسايرة الحوادث والتدرج في التشريع . فما كان الناس ليسلس قيادهم طفرة للدين الجديد لولا أن القرآن عالجهم بحكمه، وأعطاهم من دوائه الناجع جرعات يستطبون بها من الفساد والرذيلة، وكلما حدثت حادثة بينهم نزل الحكم فيها يُجلِّي لهم صبحها ويرشدهم إلى الهدى، ويضع لهم أصول التشريع حسب المقتضيات أصلًا بعد آخر فكان هذا طبًّا لقلوبهم.

стр. 140

لقد كان القرآن الكريم بادئ ذي بدء يتناول أصول الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وما فيه من بعث وحساب وجزاء وجنة ونار، ويقيم على ذلك الحجج والبراهين حتى يستأصل من نفوس المشركين العقائد الوثنية ويغرس فيها عقيدة الإسلام. وكان يأمر بمحاسن الأخلاق التي تزكو بها النفس ويستقيم عوجها، وينهى عن الفحشاء والمنكر ليقتلع جذور الفساد والشر. ويبيِّن قواعد الحلال والحرام التي يقوم عليها صرح الدين، وترسو دعائمه في المطاعم والمشارب والأموال والأعراض والدماء. ثم تدرج التشريع بالأمة في علاج ما تأصل في النفوس من أمراض اجتماعية. بعد أن شرع لهم من فرائض الدين وأركان الإسلام ما يجعل قلوبهم عامرة بالإيمان، خالصة لله، تعبده وحده لا شريك له. كما كان القرآن يتنزل وفق الحوادث التي تمر بالمسلمين في جهادهم الطويل لإعلاء كلمة الله. ولهذا كله أدلته من نصوص القرآن الكريم إذا تتبعنا مكيه ومدنيه وقواعد تشريعه. ففي مكة شُرعت الصلاة، وشُرع الأصل العام للزكاة مقارنًا بالربا: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ, وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ ١. ونزلت سورة الأنعام -وهي مكية- تبيِّن أصول الإيمان، وأدلة التوحيد، وتندد بالشرك والمشركين، وتوضح ما يحل وما يحرم من المطاعم، وتدعو إلى صيانة حرمات الأموال والدماء والأعراض: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ

стр. 141

عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شيئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ, وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ١. ثم نزل بعد ذلك تفصيل هذه الأحكام. فأصول المعاملات المدنية نزلت بمكة، ولكن تفصيل أحكامها نزل بالمدينة كآية المداينة وآيات تحريم الربا. وأسس العلاقات الأسرية نزلت بمكة، أما بيان حقوق كل من الزوجين، وواجبات الحياة الزوجية، وما يترتب على ذلك من استمرار العشرة أو انفصامها بالطلاق، أو انتهائها بالموت ثم الإرث، أما بيان هذا فقد جاء في التشريع المدني. وأصل الزنا حُرم بمكة: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ ٢, ولكن العقوبات المترتبة عليه نزلت بالمدينة. وأصل حرمة الدماء نزل بمكة: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ ٣, ولكن تفصيل عقوباتها في الاعتداء على النفس والأطراف تزل بالمدينة. وأوضح مثال لذلك التدرج في التشريع: تحريم الخمر. فقد نزل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٤, في مقام

стр. 142

الامتنان بنعمه سبحانه - وإذا كان المراد بالسُّكْر ما يُسْكِر من الخمر، وبالرزق ما يؤكل من هاتين الشجرتين كالتمر والزبيب - وهذا ما عليه جمهور المفسرين - فإن وصف الرزق بأنه حسن دون وصف السُّكْر يُشعر بمدح الرزق والثناء عليه وحده دون السُّكْر. ثم نزل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ١, فقارنت الآية بين منافع الخمر فيما يصدر عن شربها من طرب ونشوة أو يترتب على الاتجار بها من ربح، ومضارها في إثم تعاطيها وما ينشأ عنه من ضرر في الجسم، وفساد في العقل، وضياع للمال وإثارة لبواعث الفجور والعصيان، ونفَّرت الآية منها بترجيح المضار على المنافع. ثم نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ٢, فاقتضى هذا الامتناع عن شرب الخمر في الأوقات التي يستمر تأثيرها إلى وقت الصلاة، حيث جاء النهي عن قربان الصلاة في حال السُّكْر حتى يزول عنهم أثره ويعلموا ما يقولونه في صلاتهم. ثم نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ ٣. فكان هذا تحريمًا قاطعًا للخمر في الأوقات كلها: ويوضح هذه الحكمة ما رُوِي عن عائشة ﵂ قالت: إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المُفصَّل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: "لا تشربوا الخمر" لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: "لا تزنوا" لقالوا: "لا ندع الزنا أبدًا"٤.

стр. 143

وهكذا كان التدرج في تربية الأمة وفق ما يمر بها من أحداث، فقد استشار رسول الله ﷺ صحابته في أسرى بدر، فقال عمر: اضرب أعناقهم، وقال أبو بكر: أرى أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء، وأخذ رسول الله ﷺ برأي أبي بكر، فنزل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ, لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١. وأعجب المسلمون بكثرتهم يوم حنين حتى قال رجل: لن نُغْلَب من قلة، فتلقوا درسًا قاسيًا في ذلك، ونزل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شيئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ, ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ, ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢. ولما توفي عبد الله بن أُبَيٍّ -رأس المنافقين- "دُعي رسول الله ﷺ للصلاة عليه، فقام عليه، فلما وقف قال عمر: أعلى عدو الله عبد الله بن أُبَي القائل كذا وكذا، والقائل كذا وكذا؟ يُعَدِّد أيامه. ورسول الله ﷺ يبتسم، ثم قال له: "إني قد خُيرت، قد قيل لي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ٣, فلو أعلم أني إن زدت على السبعين غُفر له لزدت عليها" ثم صلى عليه رسول الله ﷺ ومشى معه حتى قام على قبره حتى فُرِغ منه، قال عمر: فعجبت لي ولجرأتي على رسول الله ﷺ والله ورسوله أعلم، فوالله ما كان إلا يسيرًا حتى نزلت هاتان الآيتان: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا

стр. 144

بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ, وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ فما صلى رسول الله ﷺ على منافق بعد حتى قبضه الله "١. وحين تخلَّف نفر من المؤمنين الصادقين في غزوة تبوك، وأقاموا بالمدينة، ولم يجد رسول الله ﷺ لديهم عذرًا هجرهم وقاطعهم حتى ضاقوا ذرعًا بالحياة ثم نزل القرآن لقبول توبتهم: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ, وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ٢. ويشير إلى هذا ما رُوِي عن ابن عباس في نزول القرآن: "ونزَّله جبريل بجواب كلام العباد وأعمالهم"٣.

стр. 145

٥- الحكمة الخامسة: الدلالة القاطعة على أن القرآن الكريم تنزيل من حكيم حميد . إن هذا القرآن الذي نزل مُنَجَّمًا على رسول الله ﷺ في أكثر من عشرين عامًا تنزل الآية أو الآيات على فترات من الزمن يقرؤه الإنسان ويتلو سوره فيجده محكم النسج، دقيق السبك، مترابط المعاني، رصين الأسلوب، متناسق الآيات والسور، كأنه عقد فريد نظمت حباته بما لم يُعهد له مثيل في كلام البشر: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ١. ولو
следующие страницы →