← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11368

مباحث في علوم القرآن لمناع القطان

مناع القطان

Полный текст (528 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شيئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ, وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ١. ثم نزل بعد ذلك تفصيل هذه الأحكام. فأصول المعاملات المدنية نزلت بمكة، ولكن تفصيل أحكامها نزل بالمدينة كآية المداينة وآيات تحريم الربا. وأسس العلاقات الأسرية نزلت بمكة، أما بيان حقوق كل من الزوجين، وواجبات الحياة الزوجية، وما يترتب على ذلك من استمرار العشرة أو انفصامها بالطلاق، أو انتهائها بالموت ثم الإرث، أما بيان هذا فقد جاء في التشريع المدني. وأصل الزنا حُرم بمكة: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ ٢, ولكن العقوبات المترتبة عليه نزلت بالمدينة. وأصل حرمة الدماء نزل بمكة: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ ٣, ولكن تفصيل عقوباتها في الاعتداء على النفس والأطراف تزل بالمدينة. وأوضح مثال لذلك التدرج في التشريع: تحريم الخمر. فقد نزل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٤, في مقام

стр. 142

الامتنان بنعمه سبحانه - وإذا كان المراد بالسُّكْر ما يُسْكِر من الخمر، وبالرزق ما يؤكل من هاتين الشجرتين كالتمر والزبيب - وهذا ما عليه جمهور المفسرين - فإن وصف الرزق بأنه حسن دون وصف السُّكْر يُشعر بمدح الرزق والثناء عليه وحده دون السُّكْر. ثم نزل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ١, فقارنت الآية بين منافع الخمر فيما يصدر عن شربها من طرب ونشوة أو يترتب على الاتجار بها من ربح، ومضارها في إثم تعاطيها وما ينشأ عنه من ضرر في الجسم، وفساد في العقل، وضياع للمال وإثارة لبواعث الفجور والعصيان، ونفَّرت الآية منها بترجيح المضار على المنافع. ثم نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ ٢, فاقتضى هذا الامتناع عن شرب الخمر في الأوقات التي يستمر تأثيرها إلى وقت الصلاة، حيث جاء النهي عن قربان الصلاة في حال السُّكْر حتى يزول عنهم أثره ويعلموا ما يقولونه في صلاتهم. ثم نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ ٣. فكان هذا تحريمًا قاطعًا للخمر في الأوقات كلها: ويوضح هذه الحكمة ما رُوِي عن عائشة ﵂ قالت: إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المُفصَّل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: "لا تشربوا الخمر" لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل: "لا تزنوا" لقالوا: "لا ندع الزنا أبدًا"٤.

стр. 143

وهكذا كان التدرج في تربية الأمة وفق ما يمر بها من أحداث، فقد استشار رسول الله ﷺ صحابته في أسرى بدر، فقال عمر: اضرب أعناقهم، وقال أبو بكر: أرى أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء، وأخذ رسول الله ﷺ برأي أبي بكر، فنزل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ, لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١. وأعجب المسلمون بكثرتهم يوم حنين حتى قال رجل: لن نُغْلَب من قلة، فتلقوا درسًا قاسيًا في ذلك، ونزل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شيئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ, ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ, ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢. ولما توفي عبد الله بن أُبَيٍّ -رأس المنافقين- "دُعي رسول الله ﷺ للصلاة عليه، فقام عليه، فلما وقف قال عمر: أعلى عدو الله عبد الله بن أُبَي القائل كذا وكذا، والقائل كذا وكذا؟ يُعَدِّد أيامه. ورسول الله ﷺ يبتسم، ثم قال له: "إني قد خُيرت، قد قيل لي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ٣, فلو أعلم أني إن زدت على السبعين غُفر له لزدت عليها" ثم صلى عليه رسول الله ﷺ ومشى معه حتى قام على قبره حتى فُرِغ منه، قال عمر: فعجبت لي ولجرأتي على رسول الله ﷺ والله ورسوله أعلم، فوالله ما كان إلا يسيرًا حتى نزلت هاتان الآيتان: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا

стр. 144

بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ, وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ فما صلى رسول الله ﷺ على منافق بعد حتى قبضه الله "١. وحين تخلَّف نفر من المؤمنين الصادقين في غزوة تبوك، وأقاموا بالمدينة، ولم يجد رسول الله ﷺ لديهم عذرًا هجرهم وقاطعهم حتى ضاقوا ذرعًا بالحياة ثم نزل القرآن لقبول توبتهم: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ, وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ٢. ويشير إلى هذا ما رُوِي عن ابن عباس في نزول القرآن: "ونزَّله جبريل بجواب كلام العباد وأعمالهم"٣.

стр. 145

٥- الحكمة الخامسة: الدلالة القاطعة على أن القرآن الكريم تنزيل من حكيم حميد . إن هذا القرآن الذي نزل مُنَجَّمًا على رسول الله ﷺ في أكثر من عشرين عامًا تنزل الآية أو الآيات على فترات من الزمن يقرؤه الإنسان ويتلو سوره فيجده محكم النسج، دقيق السبك، مترابط المعاني، رصين الأسلوب، متناسق الآيات والسور، كأنه عقد فريد نظمت حباته بما لم يُعهد له مثيل في كلام البشر: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ ١. ولو

стр. 146

كان هذا القرآن من كلام البَشر قيل في مناسبات متعددة، ووقائع متتالية، وأحداث متعاقبة، لوقع فيه التفكك والانفصام، واستعصى أن يكون بينه التوافق والانسجام: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ ١. فأحاديث رسول الله, ﷺ -وهي في ذروة الفصاحة والبلاغة بعد القرآن الكريم- لا تنتظم حباتها في كتاب واحد سلس العبارة يأخذ بعضه برقاب بعض في وحدة وترابط بمثل ما عليه القرآن الكريم أو ما يدانيه اتساقًا وانسجامًا. فكيف بكلام سائر البشر وأحاديثهم: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ٢.

стр. 147

الاستفادة من نزول القرآن مُنَجَّمًا في التربية والتعليم: تعتمد العملية التعليمية على أمرين أساسيين: مراعاة المستوى الذهني للطلاب. وتنمية قدراتهم العقلية والنفسية والجسمية بما يوجهها وجهة سديدة إلى الخير والرشاد. ونحن نلحظ في حكمة نزول القرآن مُنَجَّمًا ما يفيدنا في مراعاة هذين الأمرين على النحو الذي ذكرناه آنفًا، فإن نزول القرآن الكريم تدرج في تربية الأمة الإسلامية تدرجًا فطريًّا لإصلاح النفس البشرية، واستقامة سلوكها، وبناء شخصيتها، وتكامل كيانها، حتى استوت على سوقها، وآتت أكلها الطيب بإذن ربها لخير الإنسانية كافة. وكان تنجيم القرآن خير عون لها على حفظه وفهمه ومدارسته وتدبر معانيه، والعمل بما فيه.

стр. 148

وبين نزول القرآن في مطلع الوحي بالقراءة والتعليم بأداة الكتابة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ, خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ, اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ, الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ, عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ ١, ونزول آيات الربا والمواريث في نظام المال، أو نزول آيات القتال في المفاصلة التامة بين الإسلام والشرك - بين ذاك وهذا مراحل تربوية كثيرة لها أساليبها التي تلائم مستوى المجتمع الإسلامي في تدرجه من الضعف إلى القوة، ومن القوة إلى شدة البأس. والمنهج الدراسي الذي لا يُراعى فيه المستوى الذهني للطلاب في كل مرحلة من مراحل التعليم وبناء جزئيات العلوم على كلياتها والانتقال من الإجمال إلى التفصيل، أو لا يراعي تنمية جوانب الشخصية العقلية والنفسية والجسمية منهج فاشل لا تجني منه الأمة ثمرة علمية سوى الجمود والتخلف. والمدرس الذي لا يعطي طلابه القدر المناسب من المادة العلمية فيُثْقِل كاهلهم ويحملهم ما لا يطيقون حفظًا أو فهمًا أو يحدثهم بما لا يدركون، أو لا يراعي حالهم في علاج ما يعرض لهم من شذوذ خُلُقي أو يفشو من عادات سيئة، فيقسو ويتعسف، ويأخذ الأمر دون أناة وروية، وتدرج وحكمة - المدرس الذي يفعل ذلك مدرس فاشل كذلك. يُحوِّل العملية التعليمية إلى متاهات موحشة، ويجعل غرف الدراسة قاعات منفرة. وقِسْ على هذا الكتاب المدرسي، فالكتاب الذي لا تنتظم موضوعاته وفصوله، ولا تتدرج معلوماته من السهل إلى الصعب، ولا تترتب جزئياته ترتيبًا محكمًا منسقًا، ولا يكون أسلوبه واضحًا في أداء المعنى المقصود، كتاب ينفر الطالب من قراءته، ويحرمه من الاستفادة منه. والهَدْي الإلهي في حكمة نزول القرآن مُنَجَّمًا هو الأسوة الحسنة في صياغة مناهج التعليم, والأخذ بأمثل الطرق في الأساليب التربوية بقاعة الدرس، وتأليف الكتاب المدرسي.

стр. 149

جمع القرآن وترتيبه مدخل ... ٨- جمع القرآن وترتيبه: يُطلق جمع القرآن ويُراد به عند العلماء أحد معنيين.. المعنى الأولى: جمعه بمعنى حفظه، وجماع القرآن: حفاظه، وهذا المعنى هو الذي ورد في قوله تعالى في خطابه لنبيه ﷺ وقد كان يحرِّك شفتيه ولسانه بالقرآن إذا نزل عليه قبل فراغ جبريل من قراءة الوحي حرصًا على أن يحفظه: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ, إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ, فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ, ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ ١, عن ابن عباس قال: "كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدة، فكان يحرِّك به لسانه وشفتيه مخافة أن ينفلت منه، يريد أن يحفظه، فأنزل الله: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ, إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ قال: يقول إن علينا أن نجمعه في صدرك ثم نقرأه: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ يقول: إذا أنزلناه عليك: ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ فاستمع له وأنصت ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أن نبينه بلسانك. وفي لفظ: علينا أن نقرأه، فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك إذا أتاه جبريل أطرق -وفي لفظ: استمع- فإذا ذهب قرأه كما وعد الله٢. المعنى الثاني: جمع القرآن بمعنى كتابته كله، مفرَّق الآيات والسور، أو مرتب الآيات فقط، وكل سورة، في صحيفة على حدة، أو مرتب الآيات والسور في صحائف مجتمعة تضم السور جميعًا وقد رُتِّب إحداها بعد الأخرى.

стр. 150

١- "أ" جمع القرآن بمعنى حفظه على عهد النبي, ﷺ : كان رسول الله ﷺ مولعًا بالوحي، يترقب نزوله عليه بشوق، فيحفظه ويفهمه، مصداقًا لوعد الله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ ١, فكان بذلك

стр. 151

أول الحُفَّاظ، ولصحابته فيه الأسوة الحسنة، شغفًا بأصل الدين ومصدر الرسالة، وقد نزل القرآن في بضع وعشرين سنة، فربما نزلت الآية المفردة، وربما نزلت آيات عدة إلى عشر، وكلما نزلت آية حُفِظت في الصدور، ووعتها القلوب، والأمة العربية كانت بسجيتها قوية الذاكرة، تستعيض عن أميتها في كتابة أخبارها وأشعارها وأنسابها بسجل صدورها. وقد أورد البخاري في صحيحه بثلاث روايات سبعة من الحفَّاظ، هم: عبد الله بن مسعود، وسالم بن معقل مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأُبَيُّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد بن السكن، وأبو الدرداء. ١- عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأُبَيِّ بن كعب" ١, وهؤلاء الأربعة: اثنان من المهاجرين هما: عبد الله بن مسعود وسالم، واثنان من الأنصار هما: معاذ وأُبَي. ٢- وعن قتادة قال: "سألت أنس بن مالك: مَن جمع القرآن على عهد رسول الله, ﷺ ؟ فقال: أربعة، كلهم من الأنصار: أُبَي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، قلت: مَن أبو زيد؟ قال: أحد عمومتي"٢. ٣- ورُوِي من طريق ثابت عن أنس كذلك قال: "مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد"٣. وأبو زيد المذكور في هذه الأحاديث جاء بيانه فيما نقله ابن حجر بإسناد على شرط البخاري عن أنس: أن أبا زيد الذي جمع القرآن اسمه: قيس بن السكن، قال: وكان رجلًا منا من بني عدي بن النجار أحد عمومتي، ومات ولم يدع عقبًا ونحن ورثناه.

стр. 152

وبين ابن حجر في ترجمة سعيد بن عبيد أنه من الحفاظ، وأنه كان يُلقَّب بالقارئ١. وذكر هؤلاء الحفاظ السبعة. أو الثمانية، لا يعني الحصر، فإن النصوص الواردة في كتب السير والسُّنن تدل على أن الصحابة كانوا يتنافسون في حفظ القرآن، ويُحَفِّظونه أزواجهم وأولادهم. ويقرءون به في صلواتهم بجوف الليل، حتى يُسمع لهم دوي كدوي النحل، وكان رسول الله ﷺ يمر على بيوت الأنصار، ويستمع إلى ندى أصواتهم بالقراءة في بيوتهم، عن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله ﷺ قال له: "لو رأيتني البارحة وأنا أستمع لقراءتك؟ لقد أُعْطِيتَ مزمارًا من مزامير داود" ٢. وعن عبد الله بن عمرو قال: جمعتُ القرآن، فقرأتُ به كل ليلة، فبلغ النبي ﷺ فقال: "اقرأه في شهر" ٣. وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله, ﷺ : "إني لأعرف رفقة الأشعريين بالليل حين يدخلون، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار" ٤. ومع حرص الصحابة على مدارسة القرآن واستظهاره فإن رسول الله ﷺ كان يشجعهم على ذلك، ويختار لهم مَن يعلمهم القرآن، عن عبادة بن الصامت قال: "كان الرجل إذا هاجر دفعه النبي ﷺ إلى رجل منا يعلمه القرآن، وكان يُسْمَعُ لمسجد رسول الله ﷺ ضجة بتلاوة القرآن، حتى أمرهم رسول الله ﷺ أن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا"٥.

стр. 153

فهذا الحصر للسبعة المذكورين من البخاري بالروايات الثلاث الآنفة الذكر محمول على أن هؤلاء هم الذين جمعوا القرآن كله في صدورهم، وعرضوه على النبي ﷺ واتصلت بنا أسانيدهم، أما غيرهم من حفظة القرآن -وهم كثر- فلم يتوافر فيهم هذه الأمور كلها، لا سيما وأن الصحابة تفرقوا في الأمصار، وحفظ بعضهم عن بعض، ويكفي دليلًا على ذلك أن الذين قُتلوا في بئر مَعونة من الصحابة كان يُقال لهم القُرَّاء، وكانوا سبعين رجلًا كما في الصحيح، قال القرطبي: "قد قُتِلَ يوم اليمامة سبعون من القرَّاء وقُتل في عهد النبي ﷺ ببئر معونة مثل هذا العدد" وهذا هو ما فهمه العلماء وأوَّلوا به الأحاديث الدالة على حصر الحُفَّاظ في السبعة المذكورين، قال الماوردي١ معلقًا على رواية أنس: "لم يجمع القرآن غير أربعة": "لا يلزم من قول أنس: لم يجمعه غيرهم أن يكون الواقع في نفس الأمر كذلك, لأن التقدير أنه لا يعلم أن سواهم جمعه، وإلا فكيف الإحاطة بذلك مع كثرة الصحابة وتفرقهم في البلاد وهذا لا يتم إلا إن كان لقي كل واحد منهم على انفراده، وأخبره عن نفسه أنه لم يكمل له جمع في عهد النبي ﷺ وهذا في غاية البعد في العادة، وإذا كان المرجع إلى ما في علمه لم يلزم أن يكون الواقع كذلك، وليس من شرط التواتر أن يحفظ كل فرد جميعه، بل إذا حفظ الكل الكل ولو على التوزيع كفى"٢. والماوردي بهذا ينفى الشُّبْه التي توهم قلة عدد الحفَّاظ بأسلوب مقنع، ويبيِّن الاحتمالات الممكنة لصيغة الحصر في حديث أنس بيانًا شافيًا. وقد ذكر أبو عبيد٣ في كتاب "القراءات" القرَّاء من أصحاب النبي ﷺ

стр. 154

فعدَّ من المهاجرين: الخلفاء الأربعة، وطلحة، وسعدًا, وابن مسعود، وحذيفة، وسالمًا، وأبا هريرة، وعبد الله بن السائب، والعبادلة١، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة. ومن الأنصار: عبادة بن الصامت. ومعاذًا الذي يُكنَّى أبا حليمة، ومجمع بن جارية، وفضالة بن عبيد، ومسلمة بن مخلد، وصرَّح بأن بعضهم إنما كمَّله بعد النبي, صلى الله عليه وسلم٢. وذكر الحافظ الذهبي٣ في "طبقات القرَّاء" أن هذا العدد من القرَّاء هم الذين عرضوه على النبي ﷺ واتصلت بنا أسانيدهم، وأما مَن جمعه منهم ولم يتصل بنا سندهم فكثير. ومن هذه النصوص يتبين لنا أن حفظة القرآن في عهد الرسول ﷺ كانوا جمعًا غفيرًا، فإن الاعتماد على الحفظ في النقل من خصائص هذه الأمة، قال ابن الجزري٤ شيخ القرَّاء في عصره: "إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب والصدور، لا على خط المصاحف والكتب أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة".

стр. 155

ب- جمع القرآن بمعنى كتابته على عهد الرسول, ﷺ : اتخذ رسول الله ﷺ كتَّابًا للوحي من أجلَّاء الصحابة. كعلي، ومعاوية، وأُبَي بن كعب، وزيد بن ثابت، تنزل الآية فيأمرهم بكتابتها، ويرشدهم إلى موضعها من سورتها، حتى تُظاهِر الكتابة في السطور، الجمع في الصدور.

стр. 156

كما كان بعض الصحابة يكتبون ما ينزل من القرآن ابتداء من أنفسهم، دون أن يأمرهم النبي ﷺ فيخطونه في العسب، واللِّخاف، والكرانيف، والرقاع، والأقتاب، وقطع الأديم، والأكتاف١، عن زيد بن ثابت قال: "كنا عند رسول الله ﷺ نُؤلِّف القرآن من الرقاع"٢. وهذا يدل على مدى المشقة التي كان يتحملها الصحابة في كتابة القرآن، حيث لم تتيسر لهم أدوات الكتابة إلا بهذه الوسائل، فأضافوا الكتابة إلى الحفظ. وكان جبريل يعارض رسول الله ﷺ بالقرآن كل سنة في ليالي رمضان، عن عبد الله بن عباس, ﵄: "كان رسول الله ﷺ أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه جبريل في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة"٣. وكان الصحابة يعرضون على رسول الله ﷺ ما لديهم من القرآن حفظًا وكتابة كذلك. ولم تكن هذه الكتابة في عهد النبي ﷺ مجتمعة في مصحف عام، بل عند هذا ما ليس عند ذاك، وقد نقل العلماء أن نفرًا منهم: علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وأُبَي بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود – قد

стр. 157

جمعوا القرآن كله على عهد رسول الله ﷺ وذكر العلماء أن زيد بن ثابت كان عرضه متأخرًا عن الجميع. وقُبِضَ رسول الله ﷺ والقرآن محفوظ في الصدور، ومكتوب في الصحف على نحو ما سبق، مفرَّق الآيات والسور، أو مرتب الآيات فقط وكل سورة في صحيفة على حدة، بالأحرف السبعة الواردة١، ولم يُجمع في مصحف عام، حيث كان الوحي يتنزل تباعًا فيحفظه القراء، ويكتبه الكتبة، ولم تدع الحاجة إلى تدوينه في مصحف واحد، لأنه ﵊ كان يترقب نزول الوحي من حين لآخر، وقد يكون منه الناسخ لشيء نزل من قبل، وكتابة القرآن لم يكن ترتيبها بترتيب النزول بل تُكتب الآية بعد نزولها حيث يشير ﷺ إلى موضع كتابتها بين آية كذا وآية كذا في سورة كذا، ولو جُمع القرآن كله بين دفتي مصحف واحد لأدى هذا إلى التغيير كلما نزل شيء من الوحي, قال الزركشي: "وإنما لم يُكتب في عهد النبي ﷺ مصحف لئلا يُفضي إلى تغييره في كل وقت، فلهذا تأخرت كتابته إلى أن كمل نزول القرآن بموته, ﷺ " وبهذا يُفسَّر ما رُوِيَ عن زيد بن ثابت، قال: "قُبِضَ النبي ﷺ ولم يكن القرآن جُمع في شيء" أي لم يكن جُمع مرتب الآيات والسور في مصحف واحد، قال الخطابي: "إنما لم يجمع ﷺ القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك، وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة٢ فكان ابتداء ذلك على يد الصديق بمشورة عمر"٣. ويسمى هذا الجمع في عهد النبي, ﷺ : أ- حفظًا، ب- وكتابة: "الجمع الأول".

стр. 158

٢- جمع القرآن في عهد أبي بكر, ﵁: قام أبو بكر بأمر الإسلام بعد رسول الله ﷺ وواجهته أحداث جسام في ارتداد جمهرة العرب، فجهَّز الجيوش وأوفدها لحروب المرتدين، وكانت غزوة أهل اليمامة سنة اثنتي عشرة للهجرة تضم عددًا كبيرًا من الصحابة القرَّاء، فاستشهد في هذه الغزوة سبعون قارئًا من الصحابة، فهال ذلك عمر بن الخطاب، ودخل على أبي بكر ﵁ وأشار عليه بجمع القرآن وكتابته خشية الضياع، فإن القتل قد استحر١ يوم اليمامة بالقرَّاء - ويُخشى إن استحر بهم في المواطن الأخرى أن يضيع القرآن ويُنْسَى، فنفر أبو بكر من هذه المقالة وكبر عليه أن يفعل ما لم يفعله رسول الله ﷺ وظل عمر يراوده حتى شرح الله صدر أبي بكر لهذا الأمر، ثم أرسل إلى زيد بن ثابت لمكانته في القراءة والكتابة والفهم والعقل، وشهوده العرضة الأخيرة، وقصَّ عليه قول عمر - فنفر زيد من ذلك كما نفر أبو بكر من قبل، وتراجعا حتى طابت نفس زيد للكتابة، وبدأ زيد بن ثابت في مهمته الشاقة معتمدًا على المحفوظ في صدور القرَّاء، والمكتوب لدى الكتبة، وبقيت تلك الصحف عند أبي بكر، حتى إذا توفي سنة ثلاث عشرة للهجرة صارت بعده إلى عمر، وظلت عنده حتى مات - ثم كانت عند حفصة ابنته صدرًا من ولاية عثمان حتى طلبها عثمان من حفصة. عن زيد بن ثابت قال: "أرسل إليَّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقرًّاء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقرَّاء في المواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أريد أن تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر: كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله, ﷺ ؟ قال: عمر: هو والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر - قال زيد: قال: أبو بكر: إنك شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ

стр. 159

فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله, ﷺ ؟ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللِّخاف وصدور الرجال، ووجدتُ آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدها مع غيره ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ ١, حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر"٢. وقد راعى زيد بن ثابت نهاية التثبت، فكان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة، وقوله في الحديث: "ووجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره" لا ينافي هذا، ولا يعني أنها ليست متواترة، وإنما المراد أنه لم يجدها مكتوبة عند غيره، وكان زيد يحفظها، وكان كثير من الصحابة يحفظونها كذلك، لأن زيدًا كان يعتمد على الحفظ والكتابة معًا، فكانت هذه الآية محفوظة عند كثير منهم، ويشهدون بأنها كُتِبت، ولكنها لم توجد مكتوبة إلا عند أبي خزيمة الأنصاري. أخرج ابن أبي داود٣ من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: "قدم عمر فقال: مَن كان تلقى من رسول الله ﷺ شيئًا من القرآن فليأت به، وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئًا حتى يشهد شهيدان" وهذا يدل على أن زيدًا كان لا يكتفي بمجرد وجدانه مكتوبًا حتى يشهد به مَن تلقَّاه سماعًا، مع كون زيد كان يحفظ، فكان يفعل ذلك مبالغة من الاحتياط، وأخرج ابن أبي داود أيضًا من طريق هشام بن عروة

стр. 160

عن أبيه: أن أبا بكر قال لعمر ولزيد: اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه" ورجاله ثقات مع انقطاعه، قال ابن حجر: "وكأن المراد بالشاهدين: الحفظ والكتاب" وقال السخاوي١ في "جمال القراء": "والمراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كُتِب بين يدي رسول الله ﷺ أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن" قال أبو شامة: "وكان غرضهم أن لا يُكتب إلا من عين ما كُتِبَ بين يدي النبي ﷺ لا من مجرد الحفظ، ولذلك قال في آخر سورة التوبة: "لم أجدها مع غيره" أي لم أجدها مكتوبة مع غيره لأنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة"٢. وقد عرفنا أن القرآن كان مكتوبًا من قبل في عهد النبي ﷺ ولكنه كان مفرَّقًا في الرقاع والأكتاف والعسب. فأمر أبو بكر بجمعه في مصحف واحد مرتب الآيات والسور وأن تكون كتابته غاية من التثبيت مشتملة على الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، فكان أبو بكر ﵁ أول مَن جمع القرآن بهذه الصفة في مصحف، وإن وُجِدَت مصاحف فردية عند بعض الصحابة، كمصحف علي، ومصحف أُبَي، ومصحف ابن مسعود، فإنها لم تكن على هذا النحو، ولم تنل حظها من التحري والدقة، والجمع والترتيب، والاقتصار على ما لم تُنسخ تلاوته، والإجماع عليها، بمثل ما نال مصحف أبي بكر، فهذه الخصائص تميَّز بها جمع أبي بكر للقرآن، ويرى بعض العلماء أن تسمية القرآن بالمصحف نشأت منذ ذلك الحين في عهد أبي بكر بهذا الجمع، وعن علي قال: "أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر، هو أول مَن جمع كتاب الله". وهذا الجمع هو المسمى بالجمع الثاني.

стр. 161

٣- جمع القرآن في عهد عثمان, ﵁: اتسعت الفتوحات الإسلامية، وتفرَّق القرَّاء في الأمصار، وأخذ أهل كل مِصر عمن وفد إليهم قراءته، ووجوه القراءة التي يؤدون بها القرآن مختلفة باختلاف الأحرف التي نزل عليها، فكانوا إذا ضمهم مجمع أو موطن من مواطن الغزو عجب البعض من وجوه هذا الاختلاف، وقد يقنع بأنها جميعًا مسندة إلى رسول الله ﷺ ولكن هذا لا يحول دون تسرب الشك للناشئة التي لم تدرك الرسول، فيدور الكلام حول فصيحها وأفصحها، وذلك يؤدي إلى الملاحاة إن استفاض أمره ومردوا عليه، ثم إلى اللجاج والتأثيم، وتلك فتنة لا بد لها من علاج. فلما كانت غزوة "أرمينية" وغزوة "أذربيجان" من أهل العراق، كان فيمن غزاهما "حذيفة بن اليمان" فرأى اختلافًا كثيرًا في وجوه القراءة، وبعض ذلك مشوب باللحن، مع إلف كل لقراءته، ووقوفه عندها، ومماراته مخالفة لغيره، وتكفير بعضهم الآخر، حينئذ فزع إلى عثمان ﵁ وأخبره بما رأى، وكان عثمان قد نمى إليه أن شيئًا من ذلك الخلاف يحدث لمن يُقرئون الصبية، فينشأ هؤلاء وبينهم من الاختلاف ما بينهم، فأكبر الصحابة هذا الأمر مخافة أن ينجم عنه التحريف والتبديل، وأجمعوا أمرهم أن ينسخوا الصحف الأولى التي كانت عند أبي بكر، ويجمعوا الناس عليها بالقراءات الثابتة على حرف واحد، فأرسل عثمان إلى حفصة، فأرسلت إليه بتلك الصحف، ثم أرسل إلى زيد بن ثابت الأنصاري، وإلى عبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام القرشيين، فأمرهم أن ينسخوها في المصاحف، وأن يُكتب ما اختلف فيه زيد مع رهط القرشيين الثلاثة بلسان قريش فإنه نزل بلسانهم. عن أنس: "أن حذيفة بن اليمان قَدِمَ على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة،

стр. 162

فقال لعثمان، أدرك الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل إلى حفصة أن أرسلي إلينا الصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليكِ، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنه إنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يُحرق، قال زيد: آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ ١, فألحقناها في سورتها في المصحف٢. ودلت الآثار على أن الاختلاف في وجوه القراءة لم يفزع منه حذيفة بن اليمان وحده، بل شاركه غيره من الصحابة في ذلك، عن ابن جرير قال: "حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية، قال: حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، قال: لما كان في خلافة عثمان جعل المعلم يُعلِّم قراءة الرجل، والمعلم يُعلِّم قراءة الرجل. فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون، حتى ارتفع ذلك إلى المعلِّمين -قال أيوب: فلا أعلمه إلا قال- حتى كفر بعضهم بقراءة بعض، فبلغ ذلك عثمان. فقام خطيبًا فقال: "أنتم عندي تختلفون فيه وتلحنون، فمن نأى عني من أهل الأمصار أشد فيه اختلافًا وأشد لحنًا، اجتمعوا يا أصحاب محمد فاكتبوا للناس إمامًا" قال أبو قلابة: فحدثني أنس بن مالك قال: كنت فيمن يُمْلَى عليهم، قال: فربما اختلفوا في الآية فيذكرون الرجل قد تلقاها من رسول الله ﷺ ولعله أن يكون غائبًا في بعض البوادي، فيكتبون ما قبلها وما

стр. 163

بعدها، ويدعون موضعها، حتى يجيء أو يرسل إليه، فلما فرغ من المصحف كتب عثمان إلى أهل الأمصار: إني قد صنعت كذا وكذا، ومحوت ما عندي، فامحوا ما عندكم١. وأخرج ابن أشتة٢ من طريق أيوب عن أبي قلابة مثله، وذكر ابن حجر في الفتح أن ابن داود أخرجه في المصاحف من طريق أبي قلابة. وعن سويد بن غفلة قال: "قال علي: لا تقولوا في عثمان إلا خيرًا، فوالله ما فعل الذي فعل في المصحف إلا عن ملأ منا. قال: ما تقولون في هذه القراءة؟ قد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد يكون كفرًا، قلنا: فما ترى؟ قال: أرى أن يُجْمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا اختلاف، قلنا: فنِعْمَ ما رأيت"٣. وهذا يدل على أن ما صنعه عثمان قد أجمع عليه الصحابة، كُتِبت مصاحف على حرف واحد من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ليجتمع الناس على قراءة واحدة، ورد عثمان الصحف إلى حفصة، وبعث إلى كل أفق بمصحف من المصاحف. واحتبس بالمدينة واحدًا هو مصحفه الذي يسمى الإمام. وتسميته بذلك لما جاء في بعض الروايات السابقة من قوله: "اجتمعوا يا أصحاب محمد فاكتبوا للناس إمامًا" وأمر أن يُحرق ما عدا ذلك من صحيفة أو مصحف، وتلقت الأمة ذلك بالطاعة، وتركت القراءة بالأحرف الستة الأخرى، ولا ضير في ذلك. فإن القراءة بالأحرف السبعة ليست واجبة، ولو أوجب رسول الله ﷺ على الأمة القراءة بها جميعًا لوجب نقل كل حرف منها نقلًا

стр. 164

متواترًا تقوم به الحجة ولكنهم لم يفعلوا ذلك فدل هذا على أن القراءة بها من باب الرخصة. وأن الواجب هو تواتر النقل ببعض هذه الأحرف السبعة. وهذا هو ما كان. قال ابن جرير فيما فعله عثمان: "وجمعهم على مصحف واحد، وحرف واحد، وخرق ما عدا المصحف الذي جمعهم عليه، وعزم على كل مَن كان عنده مصحف "مخالف" المصحف الذي جمعهم عليه، أن يحرقه١، فاستوثقت له الأمة على ذلك بالطاعة، ورأت أن فيما فعل من ذلك الرشد والهداية، فتركت القراءة بالأحرف الستة التي عزم عليها إمامها العادل في تركها، طاعة منها له، نظرًا منها لأنفسها ولمن بعدها من سائر أهل ملتها، حتى درست من الأمة معرفتها، وتعفت آثارها، فلا سبيل لأحد اليوم إلى القراءة بها، لدثورها وعفو آثارها، وتتابع المسلمين على رفض القراءة بها، من غير جحود منها صحتها وصحة شيء منها، ولكن نظرًا منها لأنفسها ولسائر أهل دينها، فلا قراءة للمسلمين اليوم إلا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم الشفيق الناصح، دون ما عداه من الأحرف الستة الباقية. فإن قال بعض من ضعفت معرفته: وكيف جاز لهم ترك قراءة أقرأهموها رسول الله ﷺ وأمرهم بقراءتها؟ قيل: إن أمره إياهم بذلك لم يكن أمر إيجاب وفرض، وإنما كان أمر إباحة ورخصة، لأن القراءة بها لو كانت فرضًا عليهم لوجب أن يكون العلم بكل حرف من تلك الأحرف السبعة، عند من يقوم بنقله الحجة، ويقطع خبره العذر، ويزيل الشك من قَرَأَةِ٢ الأمة، وفي تركهم نقل ذلك كذلك أوضح الدليل على أنهم

стр. 165

كانوا في القراءة بها مخيرين، بعد أن يكون في نقلة القرآن من الأمة من تجب بنقله الحجة ببعض تلك الأحرف السبعة. وإذ كان ذلك كذلك، لم يكن القوم بتركهم نقل جميع القراءات السبع، تاركين ما كان عليهم نقله، بل كان الواجب عليهم من الفعل ما فعلوا، إذ كان الذي فعلوا من ذلك، كان هو النظر للإسلام وأهله، فكان القيام بفعل الواجب عليهم، بهم أولى من فعل ما لو فعلوه، كانوا إلى الجناية على الإسلام وأهله أقرب منهم إلى السلامة، من ذلك".

стр. 166

الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان: يتبين من النصوص أن جمع أبي بكر يختلف عن جمع عثمان في الباعث والكيفية. فالباعث لدى أبي بكر ﵁ لجمع القرآن خشية ذهابه بذهاب حملته، حين استحر القتل بالقرَّاء. والباعث لدى عثمان ﵁ كثرة الاختلاف في وجوه القراءة، حين شاهد هذا الاختلاف في الأمصار وخطَّأ بعضهم بعضًا. وجمع أبي بكر للقرآن كان نقلًا لما كان مفرَّقًا في الرِّقاع والأكتاف والعسب. وجمعًا له في مصحف واحد مرتب الآيات والسور. مقتصرًا على ما لم تُنسخ تلاوته، مشتملًا على الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن. وجمع عثمان للقرآن كان نسخًا له على حرف واحد من الحروف السبعة، حتى يجمع المسلمين على مصحف واحد. وحرف واحد يقرءون به دون ما عداه من الأحرف الستة الأخرى. قال ابن التين وغيره: "الفرق بين جمع أبي بكر وجمع

стр. 167

عثمان، أن جمع أبي بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حملته، لأنه لم يكن مجموعًا في موضع واحد، فجمعه في صحائف، مرتبًا لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي ﷺ وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القراءة حتى قرءوه بلغاتهم على اتساع اللغات فأدى ذلك بعضهم إلى تخطئة بعضه, فخشى من تفاقم الأمر في ذلك, فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مرتبًا لسوره، واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش، محتجًّا بأنه نزل بلغتهم، وإن كان قد وسع في قراءته بلغة غيرهم رفعًا للحرج والمشقة في ابتداء الأمر، فرأى أن الحاجة إلى ذلك قد انتهت، فاقتصر على لغة واحدة" وقال الحارث المحاسبي: "المشهور عند الناس أن جامع القرآن عثمان، وليس كذلك، إنما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد، على اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار، لما خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات، فأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التي أُنزل بها القرآن فأما السابق إلى جمع الجملة فهو الصديق"١. وبهذا قطع عثمان دابر الفتنة، وحسم مادة الخلاف، وحصَّن القرآن من أن يتطرق إليه شيء من الزيادة والتحريف على مر العصور وتعاقب الأزمان. وقد اختلف العلماء في عدد المصاحف التي أرسل بها عثمان إلى الآفاق. أ- فقيل: كان عددها سبعة. أرسلت إلى: مكة، والشام, والبصرة، والكوفة، واليمن، والبحرين، والمدينة. قال ابن أبي داود: سمعتُ أبا حاتم السجستاني يقول: كتب سبعة مصاحف، فأرسل إلى مكة، وإلى الشام، وإلى اليمن، وإلى البحرين، وإلى البصرة، وإلى الكوفة، وحبس بالمدينة واحدًا.

стр. 168

ب- وقيل: كان عددها أربعة، العراقي، والشامي، والمصري، والمصحف الإمام، أو الكوفي، والبصري، والشامي، والمصحف الإمام. قال أبو عمرو الداني في المقنع١: "أكثر العلماء على أن عثمان لما كتب المصاحف جعلها أربع نسخ، وبعث إلى كل ناحية واحدة: الكوفة، والبصرة، والشام، وترك واحدًا عنده". جـ- وقيل: كان عددها خمسة، وذهب السيوطي إلى أن هذا هو المشهور. أما الصحف التي رُدَّت إلى حفصة فقد ظلت عندها حتى ماتت. ثم غُسلت غسلًا٢ وقيل أخذها مروان بن الحكم وأحرقها. والمصاحف التي كتبها عثمان لا يكاد يوجد منها مصحف واحد اليوم. والذي يُرْوَى عن ابن كثير٣ في كتابه "فضائل القرآن" أنه رأى واحدًا منها بجامع دمشق بالشام، في رق يظنه من جلود الإبل، ويُرْوَى أن هذا المصحف الشامي نُقِلَ إلى إنجلترا بعد أن ظل في حوزة قياصرة الروس في دار الكتب في لينينجراد فترة، وقيل إنه احترق في مسجد دمشق سنة. ١٣١ هجرية. وجمع عثمان للقرآن هو المسمى بالجمع الثالث، وكان سنة ٢٥ هجرية.

стр. 169

شُبَه مردودة: هناك شُبَه يثيرها أهل الأهواء لتوهين الثقة بالقرآن، والتشكيك في دقة جمعه، ونحن نورد أهمها ونرد عليها: ١- قالوا: إن الآثار قد دلت على أن القرآن قد سقط منه شيء لم يُكتب في المصاحف التي بأيدينا اليوم: أ- عن عائشة قالت: سمع رسول الله ﷺ رجلًا يقرأ في المسجد فقال: "يرحمه الله، لقد أذكرني كذا وكذا آية من سورة كذا"، وفي رواية: "أسقطتهن من آية كذا وكذا"، وفي رواية: "كنت أنسيتها" ١. ويجاب عن هذا بأن تذكير الرسول ﷺ بآية أو آيات قد أنسيها أو أسقطها نسيانًا لا يشكك في جمع القرآن، فإن الرواية التي جاء فيها التعبير بالإسقاط تفسرها الرواية الأخرى: "كنت أنسيتها" وهذا يدل على أن المراد بإسقاطها نسيانها، كما يدل عليه لفظ "أذكرني" والنسيان جائز على رسول الله ﷺ فيما لا يخل بالتبليغ، وكانت هذه الآيات قد حفظها رسول الله، واستكتبها كتاب الوحي، وحفظها الصحابة في صدورهم، وبلغ حفظها وكتابتها مبلغ التواتر, فنسيان الرسول – ﷺ لها بعد ذلك لا يؤثر في دقة جمع القرآن, وهذا هو غاية ما يدل عليه الحديث. ولذا كانت قراءة هذا الرجل -وهو أحد الحفظة الذين يبلغ عددهم حد التواتر- مذكرة لرسول الله, ﷺ : "لقد أذكرني كذا وكذا آية". ب- وقال تعالى في سورة الأعلى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ٢, والاستثناء يدل على أن رسول الله ﷺ أُنْسِي بعض الآيات.

стр. 170

ويُجاب عن ذلك بأن الله تعالى قد وعد رسوله بإقراء القرآن وحفظه، وأمَّنه من النسيان في قوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ ولما كانت الآية توهم لزوم ذلك، والله تعالى فاعل مختار: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ ١, جاء الاستثناء ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ للدلالة على أن هذا الإخبار بإقراء الرسول القرآن وتأمينه من النسيان ليس خارجًا عن إرادته تعالى، فإنه سبحانه لا يعجزه شيء، يقول الشيخ محمد عبده في تفسير الآية: "ولما كان الوعد على وجه التأبيد واللزوم، ربما يوهم أن قدرة الله لا تتسع غيره، وأن ذلك خارج عن إرادته جل شأنه، جاء بالاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ فإنه إذا أراد أن ينسيك شيئًا لم يعجزه ذلك، فالقصد هو نفي النسيان رأسًا، وقالوا: إن ذلك كما يقول الرجل لصاحبه: "أنت سهيمي فيما أملك إلا ما شاء الله" لا يقصد استثناء شيء، وهو من استعمال القلة في معنى النفي، وعلى ذلك جاء الاستثناء، في قوله تعالى في سورة هود: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ ٢, أي غير مقطوع، فالاستثناء في مثل هذا للتنبيه على أن ذلك التأبيد والتخليد، بكرم من الله وسعة جوده، لا بتحتيم عليه وإيجاب، وأنه لو أراد أن يسلب ما وهب لم يمنعه من ذلك مانع. وما ورد من أنه ﷺ نسي شيئًا كان يذكره، فذلك إن صح، فهو في غير ما أنزل الله من الكتاب والأحكام التي أُمِرَ بتبليغها، وكل ما يقال غير ذلك فهو من مدخلات الملحدين، التي جازت على عقول المغفلين، فلوَّثوا بها ما طهَّره الله، فلا يليق بمن يعرف قدر صاحب الشريعة ﷺ ويؤمن بكتاب الله أن يتعلق بشيء من ذلك".

стр. 171

٢- وقالوا: إن في القرآن ما ليس منه، واستدلوا على ذلك بما رُوِيَ من أن ابن مسعود أنكر أن المعوذتين من القرآن. ويُجاب عن ذلك بأن ما نُقِلَ عن ابن مسعود ﵁ لم يصح، وهو مخالف لإجماع الأمة، قال النووي في شرح المهذب: "وأجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة من القرآن، وأن من جحد شيئًا منها كفر، وما نُقِلَ عن ابن مسعود باطل ليس بصحيح"، وقال ابن حزم: "هذا كذب على ابن مسعود وموضوع". وعلى فرض صحته، فالذي يُحتمل: أن ابن مسعود لم يسمع المعوذتين من النبي ﷺ فتوقف في أمرهما. وإنكار ابن مسعود لا ينقض إجماع الأمة على أن المعوذتين من القرآن المتواتر. ومثل هذا يُجاب به على ما قيل من أن مصحف ابن مسعود قد أسقطت منه الفاتحة، فإن الفاتحة هي أم القرآن، ولا تخفى قرآنيتها على أحد. ٣- ويزعم نفر من غلاة الشيعة أن أبا بكر وعمر وعثمان حرَّفوا القرآن، وأسقطوا بعض آياته وسوره، فحرفوا لفظ: ﴿أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ ١, والأصل: "أئمة هي أزكى من أئمتكم"، وأسقطوا من سورة "الأحزاب" آيات فضائل أهل البيت وقد كانت في طولها مثل سورة "الأنعام"، وأسقطوا سورة الولاية بتمامها من القرآن. ويُجاب عن ذلك بأن هذه الأقوال أباطيل لا سند لها، ودعاوي لا بيِّنة عليها، والكلام فيها حمق وسفاهة، وقد تبرأ بعض علماء الشيعة من هذا السخف،

стр. 172

والمنقول عن علي ﵁ الذي يدَّعون التشيع له، يناقضه، ويدل على انعقاد الإجماع بتواتر القرآن الذي بين دفتي المصحف، فقد أُثِرَ عنه أنه قال في جمع أبي بكر: "أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر، رحمة الله على أبي بكر، هو أول من جمع كتاب الله"، وقال في جمع عثمان: "يا معشر الناس، اتقوا الله، وإياكم والغلو في عثمان وقولكم: حرَّاق مصاحف، فوالله ما حرقها إلا عن ملأ منا أصحاب رسول الله, ﷺ "، وقال: "لو كنت الوالي وقت عثمان لفعلت في المصاحف مثل الذي فعل عثمان". فهذا الذي أُثِرَ عن علي نفسه يقطع السٌّنَّة أولئك المفترين الذين يزعمون نُصرته فيهرفون بما لا يعرفون تشيعًا له، وهو منهم براء١.

стр. 173

ترتيب الآيات والسور: ترتيب الآيات: القرآن سور وآيات منها القصار والطوال، والآية: هي الجملة من كلام الله المندرجة في سورة من القرآن، والسورة: هي الجملة من آيات القرآن ذات المطلع والمقطع. وترتيب الآيات في القرآن الكريم توقيفي عن رسول الله ﷺ وحكى بعضهم الإجماع على ذلك: منهم: الزركشي في "البرهان"، وأبو جعفر بن الزبير١ في "مناسباته" إذ يقول: "ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه ﷺ وأمره من غير خلاف بين المسلمين" وجزم السيوطي بذلك فقال: "الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة في ذلك" فقد كان جبريل يتنزل بالآيات على رسول الله ﷺ ويرشده إلى موضعها من السورة أو الآيات التي نزلت قبل، فيأمر الرسول كتبة الوحي بكتابتها في موضعها ويقول لهم: ضعوا هذه الآيات في السورة التي يُذكر فيها كذا أو كذا، أو ضعوا آية كذا في موضع كذا، كما بلَّغها أصحابه كذلك، عن عثمان بن أبي العاص قال: "كنت جالسًا عند رسول الله ﷺ إذ شَخَصَ ببصره ثم صوَّبه، ثم قال: أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ ٢ ... إلى آخرها"٣. ووقف عثمان في جمع القرآن عند موضع كل آية من سورتها في القرآن، ولو كانت منسوخة الحكم. لا يغيرها. وهذا يدل على أن كتابتها بهذا الترتيب توقيفية، عن ابن الزبير قال: "قلت لعثمان: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ ٤, قد نسختها الآية الآخرى، فلم تكتبها

стр. 174

أو تدعها؟ ١ قال: "يابن أخي، لا أُغَيِّر شيئًا من مكانه"٢. وجاءت الأحاديث الدالة على فضل آيات من سور بعينها، ويستلزم هذا أن يكون ترتيبها توقيفيًّا. إذ لو جاز تغييرها لما صدقت عليها الأحاديث، عن أبي الدرداء مرفوعًا: "من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عُصِمَ من الدجال" وفي لفظ: "من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف ... " ٣, كما جاءت الأحاديث الدالة على آية بعينها في موضعها، عن عمر قال: ما سألت النبي ﷺ عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة، حتى طعن بأصبعه في صدري وقال: "تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء" ٤. وثبتت قراءة رسول الله ﷺ لسور عديدة بترتيب آياتها في الصلاة، أو في خطبة الجمعة، كسورة البقرة وآل عمران والنساء، وصح أنه قرأ "الأعراف" في المغرب، وأنه كان يقرأ في صبح الجمعة: ﴿الم، تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ﴾ "السجدة"٥، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ "الدهر"٦ وكان يقرأ سورة "ق" في الخطبة، ويقرأ "الجمعة"و"المنافقون" في صلاة الجمعة. وكان جبريل يعارض رسول الله ﷺ بالقرآن كل عام مرة في رمضان، وعارضه في العام الأخير من حياته مرتين، وكان ذلك العرض على الترتيب المعروف الآن. وبهذا يكون ترتيب آيات القرآن كما هو في المصحف المتداول في أيدينا توقيفيًّا، لا مراء في ذلك، قال السيوطي بعد أن ذكر أحاديث السور المخصوصة: "تدل قراءته ﷺ لها بمشهد من الصحابة على أن ترتيب آياتها توقيفي وما كان الصحابة ليرتبوا ترتيبًا سمعوا النبي ﷺ يقرأ على خلافه، فبلغ ذلك مبلغ التواتر"٧.

стр. 175

- ترتيب السور: اختلف العلماء في ترتيب السور: أ- فقيل: إنه توقيفي، تولاه النبي ﷺ كما أخبر به جبريل عن أمر ربه، فكان القرآن على عهد النبي ﷺ مرتب السور، كما كان مرتب الآيات على هذا الترتيب الذي لدينا اليوم، وهو ترتيب مصحف عثمان الذي لم يتنازع أحد من الصحابة فيه مما يدل على عدم المخالفة والإجماع عليه. ويؤيد هذا الرأي: أن رسول الله ﷺ قرأ بعض السور مرتبة في صلاته، رَوَى ابن أبي شيبة: أنه ﵊ كان يجمع المفصَّل في ركعة، ورَوَى البخاري عن ابن مسعود أنه قال في بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء: "إنهن من العتاق الأُوَل، وهن من تِلادى" فذكرها نسقًا كما استقر ترتيبها. ورُوي من طريق ابن وهب عن سليمان بن بلال قال: "سمعت ربيعة يسأل: لم قُدِّمت البقرة وآل عمران وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة مكية، وإنما أنزلتا بالمدينة؟ فقال: قُدِّمتا وأُلِّف القرآن على علم ممن أَلَّفه به، ثم قال: فهذا مما يُنْتَهى إليه ولا يُسأل عنه"١. وقال ابن الحصار: "ترتيب السور ووضع الآيات مواضعها إنما كان بالوحي، كان رسول الله ﷺ يقول: ضعوا آية كذا في موضع كذا، وقد حصل اليقين من النقل المتواتر بهذا الترتيب من تلاوة رسول الله ﷺ ومما أجمع الصحابة على وضعه هكذا في المصحف"٢. ب- وقيل: إن ترتيب السور باجتهاد من الصحابة بدليل اختلاف مصاحفهم في الترتيب.

стр. 176

فمصحف "علي" كان مرتبًا على النزول، أوله: اقرأ، ثم المدثر، ثم ن والقلم، ثم المزمل وهكذا ... إلى آخر المكي والمدني. وكان أول مصحف ابن مسعود: البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران. وأول مصحف أُبَي: الفاتحة، ثم البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران. وقد رَوَى ابن عباس قال: "قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما. ولم تكتبوا بينهما سطر: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ووضعتموها في السبع الطوال، فقال: كان رسول الله ﷺ تنزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا أنزل عليه شيء دعا بعض من يكتب فيقول: ضعوا هذه الآية في السورة التي فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولًا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها، فقُبِض رسول الله ﷺ ولم يبيِّن لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ووضعتها في السبع الطوال"١. جـ- وقيل: إن بعض السور ترتيبه توقيفي وبعضها باجتهاد الصحابة: حيث ورد ما يدل على ترتيب بعض السور في عهد النبوة، فقد ورد ما يدل على ترتيب السبع الطوال والحواميم والمفصَّل في حياته ﵊. ورُوِيَ أن رسول الله ﷺ قال: "اقرءوا الزهراوين: البقرة وآل عمران" ٢. ورُوِيَ: "أنه كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما، فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و"المعوذتين"٣. وقال ابن حجر: "ترتيب بعض السور على بعضها أو معظمها لا يمتنع أن يكون توقيفيًّا" واستدل على ذلك بحديث حذيفة الثقفي حيث جاء فيه: "فقال

стр. 177

لنا رسول الله, ﷺ : "طرأ عليَّ حزب من القرآن فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه"، فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ قلنا: كيف تُحزِّبون القرآن، قالوا: نُحزِّبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصَّل من "ق" حتى نختم١، قال ابن حجر: فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو في المصحف الآن كان على عهد رسول الله ﷺ قال: ويحتمل أن الذي كان مرتبًا حينئذ حزب المفصَّل خاصة بخلاف ما عداه". وإذا ناقشنا هذه الآراء الثلاثة يتبين لنا: أن الرأي الثاني الذي يرى أن ترتيب السور باجتهاد الصحابة لم يستند إلى دليل يُعتمد عليه. فاجتهاد بعض الصحابة في ترتيب مصاحفهم الخاصة كان اختيارًا منهم قبل أن يُجمع القرآن جمعًا مرتبًا، فلما جُمِع في عهد عثمان بترتيب الآيات والسور على حرف واحد واجتمعت الأمة على ذلك تركوا مصاحفهم، ولو كان الترتيب اجتهاديًّا لتمسكوا بها. وحديث سورتي: الأنفال والتوبة الذي رُوِيَ عن ابن عباس يدور إسناده في كل رواياته على "يزيد الفارسي" الذي يذكره البخاري في الضعفاء، وفيه تشكيك في إثبات البسملة في أوائل السور. كأن عثمان كان يثبتها برأيه وينفيها برأيه. ولذا قال فيه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه عليه بمسند الإمام أحمد: "إنه حديث لا أصل له". وغاية ما فيه أنه يدل على عدم الترتيب بين هاتين السورتين فقط٢.

стр. 178

أما الرأي الثالث الذي يرى أن بعض السور ترتيبها توقيفي، وبعضها ترتيبه اجتهادي. فإن أدلته ترتكز على ذكر النصوص الدالة على ما هو توقيفي. أما القسم الاجتهادي فإنه لا يستند إلى دليل يدل على أن ترتيبه اجتهادي. إذ إن ثبوت التوقيفي بأدلته لا يعني أن ما سواه اجتهادي. مع أنه قليل جدًّا. وبهذا يترجح أن ترتيب السور توقيفي كترتيب الآيات. قال أبو بكر بن الأنباري: "أنزل الله القرآن كله إلى سماء الدنيا، ثم فرَّقه في بضع وعشرين، فكانت السورة تنزل لأمر يحدث، والآية جوابًا لمستخبِر، ويوقف جبريل النبي ﷺ على موضع الآية والسورة، فاتساق السور كاتساق الآيات والحروف كله عن النبي ﷺ فمن قدَّم سورة أو أخرها فقد أفسد نظم القرآن" وقال الكرماني في "البرهان": "ترتيب السور هكذا هو عند الله في اللَّوح المحفوظ على هذا الترتيب، وعليه كان ﷺ يعرض على جبريل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه. وعرضه عليه في السٌّنَّة التي توفي فيها مرتين. وكان آخر الآيات نزولًا: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ ١, فأمره جبريل أن يضعها بين آيتي الربا والدَّيْن"٢. ومال السيوطي إلى ما ذهب إليه البيهقي قال: "كان القرآن على عهد النبي ﷺ مرتبًا سوره وآياته على هذا الترتيب إلا الأنفال وبراءة لحديث عثمان".

стр. 179

سور القرآن وآياته: سور القرآن أقسام أربعة: ١- الطوال. ٢- والمئين. ٣- والمثاني. ٤- والمفصَّل.. نوجز أرجح الآراء فيها. ١- فالطوال: سبع: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والسابعة، قيل: هي الأنفال وبراءة معًا لعدم الفصل بينهما بالبسملة. وقيل: هي يونس.

стр. 180

٢- المئون: التي تزيد آياتها على مائة أو تقاربها. ٣- والمثاني: هي التي تليها في عدد الآيات، سميت بذلك لأنها تُثنَّى في القراءة وتُكرَّر أكثر من الطوال والمئين. ٤- والمفصَّل: قيل: من أول سورة "ق"، وقيل: من أول "الحجرات"، وقيل غير ذلك، وأقسامه ثلاثة، طواله، وأوساطه، وقصاره. فطواله: من "ق" أو "الحجرات" إلى "عم" أو "البروج"، وأوساطه: من "عم" أو "البروج" إلى "الضحى" أو إلى "لم يكن"، وقصاره: من"الضحى" أو "لم يكن" إلى آخر القرآن. على خلاف في ذلك. وتسميته بالمفصَّل لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة. وتعداد السور: مائة وأربع عشرة سورة، وقيل: وثلاث عشرة بجعل الأنفال وبراءة سورة واحدة. أما تعداد الآيات فستة آلاف ومائتا آية، واختلفوا فيما زاد عن ذلك. وأطول الآيات آية الدَّيْن، وأطول السور سورة البقرة. وهذه التجزئة تيسر على الناس الحفظ، وتحملهم على الدراسة، وتشعر القارئ لسورة من السور بأنه قد أخذ قسطاً وافيًا وطائفة مستقلة من أصول دينه وأحكام شريعته.
следующие страницы →