فمصحف "علي" كان مرتبًا على النزول، أوله: اقرأ، ثم المدثر، ثم ن والقلم، ثم المزمل وهكذا ... إلى آخر المكي والمدني.
وكان أول مصحف ابن مسعود: البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران.
وأول مصحف أُبَي: الفاتحة، ثم البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران.
وقد رَوَى ابن عباس قال: "قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما. ولم تكتبوا بينهما سطر: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ووضعتموها في السبع الطوال، فقال: كان رسول الله ﷺ تنزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا أنزل عليه شيء دعا بعض من يكتب فيقول: ضعوا هذه الآية في السورة التي فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولًا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها، فقُبِض رسول الله ﷺ ولم يبيِّن لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ووضعتها في السبع الطوال"١.
جـ- وقيل: إن بعض السور ترتيبه توقيفي وبعضها باجتهاد الصحابة: حيث ورد ما يدل على ترتيب بعض السور في عهد النبوة، فقد ورد ما يدل على ترتيب السبع الطوال والحواميم والمفصَّل في حياته ﵊.
ورُوِيَ أن رسول الله ﷺ قال: "اقرءوا الزهراوين: البقرة وآل عمران" ٢.
ورُوِيَ: "أنه كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما، فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و"المعوذتين"٣.
وقال ابن حجر: "ترتيب بعض السور على بعضها أو معظمها لا يمتنع أن يكون توقيفيًّا" واستدل على ذلك بحديث حذيفة الثقفي حيث جاء فيه: "فقال
стр. 177
لنا رسول الله, ﷺ : "طرأ عليَّ حزب من القرآن فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه"، فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ قلنا: كيف تُحزِّبون القرآن، قالوا: نُحزِّبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصَّل من "ق" حتى نختم١، قال ابن حجر: فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو في المصحف الآن كان على عهد رسول الله ﷺ قال: ويحتمل أن الذي كان مرتبًا حينئذ حزب المفصَّل خاصة بخلاف ما عداه".
وإذا ناقشنا هذه الآراء الثلاثة يتبين لنا:
أن الرأي الثاني الذي يرى أن ترتيب السور باجتهاد الصحابة لم يستند إلى دليل يُعتمد عليه.
فاجتهاد بعض الصحابة في ترتيب مصاحفهم الخاصة كان اختيارًا منهم قبل أن يُجمع القرآن جمعًا مرتبًا، فلما جُمِع في عهد عثمان بترتيب الآيات والسور على حرف واحد واجتمعت الأمة على ذلك تركوا مصاحفهم، ولو كان الترتيب اجتهاديًّا لتمسكوا بها.
وحديث سورتي: الأنفال والتوبة الذي رُوِيَ عن ابن عباس يدور إسناده في كل رواياته على "يزيد الفارسي" الذي يذكره البخاري في الضعفاء، وفيه تشكيك في إثبات البسملة في أوائل السور. كأن عثمان كان يثبتها برأيه وينفيها برأيه. ولذا قال فيه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه عليه بمسند الإمام أحمد: "إنه حديث لا أصل له". وغاية ما فيه أنه يدل على عدم الترتيب بين هاتين السورتين فقط٢.
стр. 178
أما الرأي الثالث الذي يرى أن بعض السور ترتيبها توقيفي، وبعضها ترتيبه اجتهادي. فإن أدلته ترتكز على ذكر النصوص الدالة على ما هو توقيفي. أما القسم الاجتهادي فإنه لا يستند إلى دليل يدل على أن ترتيبه اجتهادي. إذ إن ثبوت التوقيفي بأدلته لا يعني أن ما سواه اجتهادي. مع أنه قليل جدًّا.
وبهذا يترجح أن ترتيب السور توقيفي كترتيب الآيات. قال أبو بكر بن الأنباري: "أنزل الله القرآن كله إلى سماء الدنيا، ثم فرَّقه في بضع وعشرين، فكانت السورة تنزل لأمر يحدث، والآية جوابًا لمستخبِر، ويوقف جبريل النبي ﷺ على موضع الآية والسورة، فاتساق السور كاتساق الآيات والحروف كله عن النبي ﷺ فمن قدَّم سورة أو أخرها فقد أفسد نظم القرآن" وقال الكرماني في "البرهان": "ترتيب السور هكذا هو عند الله في اللَّوح المحفوظ على هذا الترتيب، وعليه كان ﷺ يعرض على جبريل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه. وعرضه عليه في السٌّنَّة التي توفي فيها مرتين. وكان آخر الآيات نزولًا: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ ١, فأمره جبريل أن يضعها بين آيتي الربا والدَّيْن"٢.
ومال السيوطي إلى ما ذهب إليه البيهقي قال: "كان القرآن على عهد النبي ﷺ مرتبًا سوره وآياته على هذا الترتيب إلا الأنفال وبراءة لحديث عثمان".
стр. 179
سور القرآن وآياته:
سور القرآن أقسام أربعة: ١- الطوال. ٢- والمئين. ٣- والمثاني. ٤- والمفصَّل.. نوجز أرجح الآراء فيها.
١- فالطوال: سبع: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والسابعة، قيل: هي الأنفال وبراءة معًا لعدم الفصل بينهما بالبسملة. وقيل: هي يونس.
стр. 180
٢- المئون: التي تزيد آياتها على مائة أو تقاربها.
٣- والمثاني: هي التي تليها في عدد الآيات، سميت بذلك لأنها تُثنَّى في القراءة وتُكرَّر أكثر من الطوال والمئين.
٤- والمفصَّل: قيل: من أول سورة "ق"، وقيل: من أول "الحجرات"، وقيل غير ذلك، وأقسامه ثلاثة، طواله، وأوساطه، وقصاره.
فطواله: من "ق" أو "الحجرات" إلى "عم" أو "البروج"، وأوساطه: من "عم" أو "البروج" إلى "الضحى" أو إلى "لم يكن"، وقصاره: من"الضحى" أو "لم يكن" إلى آخر القرآن. على خلاف في ذلك.
وتسميته بالمفصَّل لكثرة الفصل بين سوره بالبسملة.
وتعداد السور: مائة وأربع عشرة سورة، وقيل: وثلاث عشرة بجعل الأنفال وبراءة سورة واحدة.
أما تعداد الآيات فستة آلاف ومائتا آية، واختلفوا فيما زاد عن ذلك.
وأطول الآيات آية الدَّيْن، وأطول السور سورة البقرة.
وهذه التجزئة تيسر على الناس الحفظ، وتحملهم على الدراسة، وتشعر القارئ لسورة من السور بأنه قد أخذ قسطاً وافيًا وطائفة مستقلة من أصول دينه وأحكام شريعته.
стр. 181
الرسم العثماني:
سبق الحديث عن جمع القرآن في عهد عثمان ﵁ وقد اتبع زيد بن ثابت والثلاثة القرشيون معه طريقة خاصة في الكتابة ارتضاها لهم عثمان، ويسمي العلماء هذه الطريقة "بالرسم العثماني للمصحف" نسبة إليه، واختلف العلماء في حكمه.
стр. 182
١- فذهب بعضهم إلى أن هذا الرسم العثماني للقرآن توقيفي يجب الأخذ به في كتابة القرآن، وبالغوا في تقديسه، ونسبوا التوقيف فيه إلى النبي ﷺ فذكروا أنه قال لمعاوية, أحد كتبة الوحي: "ألق الدواة، وحرِّف القلم، وانصب الياء، وفرِّق السين، ولا تعوِّر الميم، وحسِّن الله، ومد الرحمن، وجوِّد الرحيم، وضع قلمك على أذنك اليسرى، فإنه أذكر لك" ونقل ابن المبارك عن شيخه عبد العزيز الدباغ أنه قال له: "ما للصحابة ولا لغيرهم في رسم القرآن ولا شعرة واحدة، وإنما هو توقيف من النبي وهو الذي أمرهم أن يكتبوه على الهيئة المعروفة بزيادة الألف ونقصانها لأسرار لا تهتدى إليها العقول، وهو سر من الأسرار خص الله به كتابه العزيز دون سائر الكتب السماوية. وكما أن نظم القرآن معجز فرسمه أيضًا معجز".
والتمسوا لذلك الرسم أسرارًا تجعل للرسم العثماني دلالة على معان خفية دقيقة، كزيادة "الياء" في كتابة كلمة "أيد" من قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ ١, إذ كتبت هكذا "بأييد" وذلك للإيماء إلى تعظيم قوة الله التي بنى بها السماء. وأنها لا تشبهها قوة على حد القاعدة المشهورة، وهي: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى٢.
وهذا الرأي لم يرد فيه شيء عن رسول الله ﷺ حتى يكون الرسم توقيفيًّا، وإنما اصطلح الكتبة على هذا الرسم في زمن عثمان برضًا منه، وجعل لهم ضابطًا لذلك بقوله للرهط القرشيين الثلاثة: "إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنه إنما نزل بلسانهم" وحين اختلفوا في كتابة "التابوت" فقال زيد: "التابوه" وقال النفر القرشيون: "التابوت" وترافعوا إلى عثمان قال: "اكتبوا "التابوت" فإنما أُنزل القرآن على لسان قريش".
стр. 183
٢- وذهب كثير من العلماء إلى أن الرسم العثماني ليس توقيفيًّا عن النبي ﷺ ولكنه اصطلاح ارتضاه عثمان، وتلقته الأمة بالقبول، فيجب التزامه والأخذ به، ولا تجوز مخالفته. قال أشهب: "سُئل مالك: هل يُكتب المصحف على ما أحدثه الناس من الهجاء؟ قال: لا، إلا على الكتبة الأولى" رواه أبو عمرو الداني في "المقنع" ثم قال: "ولا مخالف له من علماء الأمة"، وقال في موضع آخر: سُئل مالك عن الحروف في القرآن مثل الواو والألف، أترى أن تُغيَّر من المصحف إذا وُجِدا فيه كذلك قال: لا، قال أبو عمرو: يعني الواو والألف المزيدتين في الرسم المعدومتين في اللفظ نحو "أولوا" وقال الإمام أحمد: "تحرم مخالفة خط مصحف عثمان في واو أو ياء أو ألف أو غير ذلك"١.
٣- وذهب جماعة إلى أن الرسم العثماني اصطلاحي، ولا مانع من مخالفته! إذا اصطلح الناس على رسم خاص للإملاء وأصبح شائعًا بينهم. قال القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابه "الانتصار": "وأما الكتابة فلم يفرض الله على الأمة فيها شيئًا. أولم يأخذ على كتَّاب القرآن وخُطَّاط المصاحف رسمًا بعينه دون غيره أوجبه عليهم وترك ما عداه، إذ وجوب ذلك لا يُدرك إلا بالسمع والتوقيف، وليس في نصوص الكتاب ولا مفهومه أن رسم القرآن وضبطه لا يجوز إلا على وجه مخصوص وحدٍّ محدود لا يجوز تجاوزه، ولا في نص السٌّنَّة ما يوجب ذلك ويدل عليه، ولا في إجماع الأمة ما يوجب ذلك، ولا دلت عليه القياسات الشرعية، بل السٌّنَّة دلت على جواز رسمه بأي وجه سهل، لأن رسول الله ﷺ كان يأمر برسمه ولم يبيِّن لهم وجهًا معينًا ولا نهى أحدًا عن كتابته. ولذلك اختلفت خطوط المصاحف، فمنهم من كان يكتب الكلمة على مخرج اللفظ، ومنهم من كان يزيد وينقص لعلمه بأن ذلك اصطلاح، وأن الناس لا يخفى عليهم الحال، ولأجل هذا بعينه جاز أن يُكتب بالحروف الكوفية والخط
стр. 184
الأول، وأن يُجعل الكلام على صورة الكاف، وأن تُعوَّج الألفات، وأن يُكتب على غير هذه الوجوه، وجاز أن يكتب المصحف بالخط والهجاء القديمين، وجاز أن يُكتب بالخطوط والهجاء المحدَثة، وجاز أن يُكتب بين ذلك، وإذا كانت خطوط المصحف وكثير من حروفها مختلفة متغايرة الصورة، وكان الناس قد أجازوا أن يكتب كل واحد منهم بما هو عادته، وما هو أسهل وأشهر وأولى. من غير تأثيم ولا تناكر، عُلِمَ أنه لم يؤخذ في ذلك على الناس حد محدود مخصوص، كما أُخِذَ عليهم في القراءة، والسبب في ذلك أن الخطوط إنما هي علامات ورسوم تجري مجرى الإشارات والعقود والرموز. فكل رسم دال على الكلمة مقيد لوجه قراءتها تجب صحته وتصويب الكاتب به على أية صورة كانت.. وبالجملة فكل من ادعى أنه يجب على الناس رسم مخصوص وجب عليه أن يقيم الحجة على دعواه، وأنَّى له ذلك".
وانطلاقًا من هذا الرأي يدعو بعض الناس اليوم إلى كتابة القرآن الكريم وفق القواعد الإملائية الشائعة المصطلح عليها، حتى تسهل قراءته على القارئين من الطلاب والدارسين، ولا يشعر الطالب في أثناء قراءته للقرآن باختلاف رسمه عن الرسم الإملائي الاصطلاحي الذي يدرسه.
والذي أراه أن الرأي الثاني هو الرأي الراجح، وأنه يجب كتابة القرآن بالرسم العثماني المعهود في المصحف.
فهو الرسم الاصطلاحي الذي توارثته الأمة منذ عهد عثمان ﵁ والحفاظ عليه ضمان قوي لصيانة القرآن من التغيير والتبديل في حروفه، ولو أبيحت كتابته بالاصطلاح الإملائي لكل عصر لأدى هذا إلى تغيير خط المصحف من عصر لآخر، بل إن قواعد الإملاء نفسها تختلف فيها وجهات النظر في العصر الواحد، وتتفاوت في بعض الكلمات من بلد لآخر.
واختلاف الخطوط الذي يذكره القاضي أبو بكر الباقلاني شيء والرسم الإملائي شيء آخر، فاختلاف الخط تغير في صورة الحرف لا في رسم الكلمة.
стр. 185
وحجة تيسير القراءة على الطلاب والدارسين بانتفاء التعارض بين رسم القرآن والرسم الإملائي الاصطلاحي لا تكون مبررًا للتغيير الذي يؤدي إلى التهاون في تحري الدقة بكتابة القرآن.
والذي يعتاد القراءة في المصحف يألف ذلك ويفهم الفوارق الإملائية بالإشارات الموضوعة على الكلمات، والذين يمارسون هذا في الحياة التعليمية أو مع أبنائهم يدركون أن الصعوبة التي توجد في القراءة بالمصحف أول الأمر تتحول بالمران بعد فترة قصيرة إلى سهولة تامة.
قال البيهقي في شُعب الإيمان: "من يكتب مصحفًا فينبغي أن يحافظ على الهجاء الذي كتبوا به تلك المصاحف، ولا يخالفهم فيه، ولا يُغيِّر مما كتبوه شيئًا، فإنهم كانوا أكثر علمًا وأصدق قلبًا ولسانًا، وأعظم أمانة منا، فلا ينبغي أن نظن بأنفسنا استدراكًا عليهم"١.
стр. 186
تحسين الرسم العثماني:
كانت المصاحف العثمانية خالية من النقط والشكل، اعتمادًا على السليقة العربية السليمة التي لا تحتاج إلى الشكل بالحركات ولا إلى الإعجام بالنقط، فلما تطرق إلى اللِّسان العربي الفساد بكثرة الاختلاط أحس أولو الأمر بضرورة تحسين كتابة المصحف بالشكل والنقط وغيرهما مما يساعد على القراءة الصحيحة.
واختلف العلماء في أول جهد بُذِل في ذلك السبيل.
فيرى كثير منهم أن أول من فعل ذلك أبو الأسود الدؤلي الذي يُنسب إليه وضع ضوابط للعربية بأمر علي بن أبي طالب، ويُرْوَى في ذلك أنه سمع قارئًا يقرأ قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ ١, فقرأها بجر
стр. 187
اللام من كلمة "رسوله" فأفزع هذا اللحن أبا الأسود وقال: عز وجه الله أن يبرأ من رسوله، ثم ذهب إلى زياد والي البصرة وقال له: قد أجبتك إلى ما سألت، وكان زياد قد سأله أن يجعل للناس علامات يعرفون بها كتاب الله، فتباطأ في الجواب حتى راعه هذا الحادث، وهنا جد جده، وانتهى به اجتهاده إلى أن جعل علامة الفتحة نقطة فوق الحرف، وجعل علامة الكسرة نقطة أسفله، وجعل علامة الضمة نقطة بين أجزاء الحرف، وجعل علامة السكون نقطتين.
ويذكر السيوطي في "الإتقان" أن أبا الأسود الدؤلي أول من فعل ذلك بأمر عبد الملك بن مروان لا بأمر زياد، حيث ظل الناس يقرءون في مصحف عثمان بضعًا وأربعين سنة. حتى خلافة عبد الملك حين كثرت التصحيفات وانتشرت في العراق ففكر الولاة في النقط والتشكيل.
وهناك روايات أخرى تنسب هذا الفعل إلى آخرين. منهم: الحسن البصري، ويحيى بن يعمر، ونصر بن عاصم الليثي، وأبو الأسود الدؤلي هو الذي اشتهر عنه ذلك، وربما كان للآخرين المذكورين جهود أخرى بُذلت في تحسين الرسم وتيسيره.
وقد تدرج تحسين رسم المصحف، فكان الشكل في الصدر الأول نقطًا، فالفتحة نقطة على أول الحرف، والضمة على آخره، والكسرة تحت أوله.
ثم كان الضبط بالحركات المأخوذة من الحروف، وهو الذي أخرجه الخليل، فالفتح شكلة مستطيلة فوق الحرف، والكسر كذلك تحته، والضم واو صغرى فوقه، والتنوين زيادة مثلها، وتُكتب الألف المحذوفة والمبدل منها في محلها حمراء، والهمزة المحذوفة تُكتب همزة بلا حرف حمراء أيضًا، وعلى النون والتنوين قبل الباء علامة الإقلاب حمراء، وقبل الحلق سكون، وتعرى عند الإدغام والإخفاء، ويسكن كل مسكن، ويعرى المدغم ويشدد ما بعده إلا الطاء قبل التاء فيكتب عليها السكون نحو "فرطْت"١.
стр. 188
ثم كان القرن الثالث الهجري فجاد رسم المصحف وتحسن، وتنافس الناس في اختيار الخطوط الجميلة وابتكار العلامات المميِّزة، فجعلوا للحرف المشدد علامة كالقوس، ولألف الوصل جرة فوقها أو تحتها أو وسطها. على حسب ما قبلها من فتحة أو كسرة أو ضمة.
ثم تدرج الناس بعد ذلك في وضع أسماء السور وعدد الآيات، والرموز التي تشير إلى رءوس الآي، وعلامات الوقف اللازم "م" والممنوع "لا" والجائز جوازًا مستوى الطرفين "ج" والجائز مع كون الوصل أولى "صلي" والجائز مع كون الوقف أولى "قلي" وتعانق الوقف بحيث إذا وقف على أحد الموضعين لا يصح الوقف على الآخر " " والتجزئة، والتحزيب، إلى غير ذلك من وجوه التحسين.
وكان العلماء في بداية الأمر يكرهون ذلك خوفًا من وقوع زيادة في القرآن مستندين إلى قول ابن مسعود: "جرِّدوا القرآن ولا تخلطوه بشيء"، ويفرِّق بعضهم بين النقط الجائز. والأعشار والفواتح التي لا تجوز. قال الحليمي: "تُكره كتابة الأعشار والأخماس، وأسماء السور وعدد الآيات فيه لقول ابن مسعود: "جرِّدوا القرآن" وأما النقط فيجوز، لأنه ليس له صورة فيتوَّهم لأجلها ما ليس بقرآن قرآنًا. وإنما هي دلالات على هيئة المقروء فلا يضر إثباتها لمن يحتاج إليها".
ثم انتهى الأمر في ذلك إلى الإباحة والاستحباب، أخرج ابن أبي داود عن الحسن وابن سيرين أنهما قالا: "لا بأس بنقط المصاحف"، وأخرج عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن: أنه قال: "لا بأس بشكله"، وقال النووي: "نقط المصحف وشكله مستحب لأنه صيانة له من اللحن والتحريف"١.
وقد وصلت العناية بتحسين رسم المصحف اليوم ذروتها في الخط العربي.
стр. 189
الفواصل ورءوس الآي:
تميز القرآن الكريم بمنهج فريد في فواصله ورءوس آياته، ونعني بالفاصلة: الكلام المنفصل مما بعده، وقد يكون رأس آية وقد لا يكون، وتقع الفاصلة عند نهاية المقطع الخطابي، سميت بذلك لأن الكلام ينفصل عندها.
ونعني برأس الآية: نهايتها التي توضع بعدها علامة الفصل بين آية وآية، ولهذا قالوا١: "كل رأس آية فاصلة، وليس كل فاصلة رأس آية، فالفاصلة تعم النوعين، وتجمع الضربين"، لأن رأس كل آية يفصل بينها وبين ما بعدها.
ومثل هذا قد يُسمى في كلام الناس سجعًا على النحو المعروف في علم البديع، ولكن كثيرًا من العلماء٢ لا يطلق هذا الوصف على القرآن الكريم سُمُوًّا به عن كلام الأدباء، وعبارات الأنبياء، وأسلوب البلغاء وفرَّقوا بين الفواصل والسجع، بأن الفواصل في القرآن: هي التي تتبع المعاني ولا تكون مقصودة لذاتها.
أما السجع: فهو الذى يُقصد في نفسه ثم يحيل المعنى عليه، لأنه: موالاة الكلام على وزن واحد، ورد القاضي أبو بكر الباقلاني على من أثبت السجع في القرآن فقال: "وهذا الذي يزعمونه غير صحيح، ولو كان القرآن سجعًا لكان غير خارج عن أساليب كلامهم، ولو كان داخلًا فيها لم يقع بذلك إعجاز، ولو جاز أن يُقال: هو سجع مُعجز لجاز لهم أن يقولوا: شِعر معجز، وكيف؟ والسجع مما كانت كهان العرب تألفه، ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجة من نفى الشعر، لأن الكهانة تخالف النبوات بخلاف الشِّعر. وما توَّهموا أنه سجع
стр. 190
باطل١، لأن مجيئه على صورته لا يقتضي كونه هو، لأن السجع من الكلام يتبع المعنى فيه اللفظ الذي يؤدَّى بالسجع، وليس كذلك ما اتفق مما هو في معنى السجع من القرآن، لأن اللفظ وقع فيه تابعًا للمعنى، وفرق بين أن ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التي تؤدِّي المعنى المقصود فيه، وبين أن يكون المعنى منتظمًا دون اللفظ"٢.
والذي أراه أنه إذا كان المراد بالسجع مراعاة موالاة الكلام على وزن واحد دون مراعاة المعنى فإن هذا تكلف ممقوت في كلام الناس فضلًا عن كلام الله. أما إذا رُوعيت المعاني وجاء الاتفاق في الوزن تابعًا لها دون تكلف فهذا ضرب من ضروب البلاغة، قد يأتي في القرآن كما يأتي في غيره. وإذا سمينا هذا في القرآن بالفواصل دون السجع فذلك لتلافي إطلاق السجع على القرآن بالمعنى الأول.
والفواصل في القرآن الكريم أنواع:
أ- فمنها الفواصل المتماثلة كقوله تعالى: ﴿وَالطُّورِ, وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ, فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ, وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ ٣, وقوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ, وَلَيَالٍ عَشْرٍ, وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ, وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ, الْجَوَارِ الْكُنَّسِ, وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ, وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ ٥.
ب- ومنها الفواصل المتقاربة في الحروف، كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ, مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ٦, للتقارب بين الميم والنون في المقطع، وقوله:
стр. 191
﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ, بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ١, بتقارب مقطعي الدال والباء٢.
جـ- ومنها المتوازي: وهو أن تتفق الكلمتان في الوزن وحروف السجع، كقوله تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ, وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ ٣.
د- ومنها المتوازن، وهو أن يُراعى في مقاطع الكلام الوزن فقط كقوله تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ, وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ ٤.
وقد يُراعى في الفواصل زيادة حرف كقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ ٥, بإلحاق ألف، لأن مقاطع فواصل هذه السورة ألفات منقلبة عن تنوين في الوقف، فزيد على النون ألف لتساوي المقاطع. وتناسب نهايات الفواصل، أو حذف حرف، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ ٦, بحذف الياء، لأن مقاطع الفواصل السابقة واللاحقة بالراء، أو تأخير ما حقه التقديم لنكتة بلاغية أخرى كتشويق النفس إلى الفاعل في قوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ ٧, لأن الأصل في الكلام أن يتصل الفعل بفاعله ويؤخر المفعول، لكن أخَّر الفاعل هنا وهو "موسى" للنكتة البلاغية السابقة على رعاية الفاصلة.
стр. 192
نزول القرآن على سبعة أحرف
مدخل
...
٩- نزول القرآن على سبعة أحرف:
لقد كان للعرب لهجات شتى تنبع من طبيعة فطرتهم في جرسها وأصواتها وحروفها تعرضت لها كتب الأدب بالبيان والمقارنة، فكل قبيلة لها من اللحن في كثير من الكلمات ما ليس للآخرين، إلا أن قريشًا من بين العرب قد تهيأت لها عوامل جعلت للغتها الصدارة بين فروع العربية الأخرى من جوار البيت وسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام والإشراف على التجارة، فأنزلها العرب جميعًا لهذه الخصائص وغيرها منزلة الأب للغاتهم، فكان طبيعيًّا أن يتنزل القرآن بلغة قريش على الرسول القرشي تأليفًا للعرب وتحقيقًا لإعجاز القرآن حين يسقط في أيديهم أن يأتوا بمثله أو بسورة منه.
وإذا كان العرب تتفاوت لهجاتهم في المعنى الواحد بوجه من وجوه التفاوت فالقرآن الذي أوحى الله به لرسوله محمد ﷺ يكمل له معنى الإعجاز إذا كان مستجمعًا بحروفه وأوجه قراءته للخالص منها، وذلك مما ييسر عليهم القراءة والحفظ والفهم.
ونصوص السٌّنَّة قد تواترت بأحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف، ومن ذلك:
عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "قال رسول الله, ﷺ : "أقرأني جبريل على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف" ١.
وعن أُبَيِّ بن كعب: "أن النبي ﷺ كان عند أضاة٢ بني غفار، قال: فأتاه جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تُقرئ أمتك القرآن على حرف. فقال: "أسال الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك"، ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تُقرئ أمتك القرآن على حرفين - فقال: "أسأل الله معافاته
стр. 193
ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك"، ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تُقرئ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف، فقال: "أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك"، ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تُقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا"١.
وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يُقرئنيها رسول الله ﷺ فكدت أساوره في الصلاة، فانتظرته حتى سلَّم، ثم لببته بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ قلت له: كذبت، فوالله إن رسول الله ﷺ أقرأني هذه السورة التي سمعتك تقرؤها، فانطلقت أقوده إلى رسول الله، فقلت: يا رسول الله. إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تُقرئنيها، وأنت أقرأتني سورة الفرقان, فقال رسول الله, ﷺ : "أ َرْسِله يا عمر, اقرأ يا هشام" , فقرأ هذه القراءة التي سمعته يقرؤها، فقال رسول الله, ﷺ : "هكذا أُنْزِلت"، ثم قال رسول الله, ﷺ : "اقرأ يا عمر"، فقرأت القراءة التي أقرأني رسول الله ﷺ فقال رسول الله, ﷺ : "هكذا أُنْزِلت"، ثم قال رسول الله, ﷺ : "إن هذا القرآن أُنْزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسَّر منها" ٢.
والأحاديث في ذلك مستفيضة استقرأ معظمها ابن جرير في مقدمة تفسيره، وذكر السيوطي أنها رويت عن واحد وعشرين صحابيًّا، وقد نصَّ أبو عبيد القاسم بن سلام على تواتر حديث نزول القرآن على سبعة أحرف٣.
واختلف العلماء في تفسير هذه الأحرف اختلافًا كثيرًا. حتى قال ابن حبان:
стр. 194
اختلاف العلماء في المراد بها الترجيح بينها
...
"اختلف أهل العلم في معنى الأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولًا"١, وأكثر هذه الآراء متداخل، ونحن نورد هنا ما هو ذو بال منها:
أ- ذهب أكثر العلماء إلى أن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب في المعنى الواحد، على معنى أنه حيث تختلف لغات العرب في التعبير عن معنًى من المعاني يأتي القرآن مُنَزَّلًا بألفاظ على قدر هذه اللغات لهذا المعنى الواحد، وحيث لا يكون هناك اختلاف فإنه يأتي بلفظ واحد أو أكثر.
واختلفوا في تحديد اللغات السبع.
فقيل: هي لغات: قريش، وهذيل، وثقيف، وهوازن، وكنانة، وتميم، واليمن.
وقال أبو حاتم السجستاني: نزل بلغة قريش، وهذيل، وتميم، والأزد، وربيعة، وهوازن، وسعد بن بكر.
ورُوِيَ غير ذلك٢.
ب- وقال قوم: إن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب نزل عليها القرآن، على معنى أنه في جملته لا يخرج في كلماته عن سبع لغات هي أفصح لغاتهم، فأكثره بلغة قريش، ومنه ما هو بلغة هذيل، أو ثقيف، أو هوازن، أو كنانة، أو تميم، أو اليمن، فهو يشتمل في مجموعه على اللغات السبع.
وهذا الرأي يختلف عن سابقه، لأنه يعني أن الأحرف السبعة إنما هي أحرف سبعة متفرقة في سور القرآن، لا أنها لغات مختلفة في كلمة واحدة باتفاق المعاني.
стр. 195
قال أبو عبيد: "ليس المراد أن كل كلمة تُقرأ على سبع لغات، بل اللغات السبع مفرَّقة فيه، فبعضه بلغة قريش، وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة هوازن، وبعضه بلغة اليمن، وغيرهم، قال: وبعض اللغات أسعد به من بعض وأكثر نصيبًا"١.
جـ- وذكر بعضهم أن المراد بالأحرف السبعة أوجه سبعة: من الأمر، والنهي، والوعد، والوعيد، والجدل، والقصص، والمثل. أو من: الأمر، والنهي، والحلال، والحرام، والمُحْكم، والمتشابه، والأمثال.
عن ابن مسعود عن النبي ﷺ قال: "كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد، وعلى حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب، على سبعة أحرف: زجر، وأمر، وحلال، وحرام، ومُحْكم، ومتشابه، وأمثال" ٢.
د- وذهب جماعة إلى أن المراد بالأحرف السبعة، وجوه التغاير السبعة التي يقع فيها الاختلاف، وهي:
١- اختلاف الأسماء بالإفراد، والتذكير وفروعهما: "التثنية، والجمع, والتأنيث" كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ ٣, قرئ "لأماناتهم" بالجمع، وقرئ "لأمانتهم" بالإفراد.. ورسمها في الصحف "لأَمَنَتِهِمْ" يحتمل القراءتين، لخلوها من الألف الساكنة، ومآل الوجهين في المعنى الواحد، فيراد بالجمع الاستغراق الدال على الجنسية، ويراد بالإفراد الجنس الدال على معنى الكثرة، أي جنس الأمانة، وتحت هذا جزئيات كثيرة.
٢- الاختلاف في وجوه الإعراب، كقوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ ٤, قرأ الجمهور بالنصب، على أن "ما" عاملة عمل "ليس" وهي لغة أهل الحجاز وبها نزل القرآن، وقرأ ابن مسعود: " مَا هَذَا بَشَرٌ " بالرفع، على لغة بني تميم، فإنهم لا يعملون "ما" عمل "ليس" وكقوله:
стр. 196
﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ ١ -"برفع "آدم" وجر "كلمات" "- وقُرِئ بنصب "آدم" ورفع "كلمات": "فَتَلَقَّى آدَمَ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٌ".
٣- الاختلاف في التصريف: كقوله تعالى: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ ٢, قُرِئ بنصب "ربَّنا" على أنه منادى مضاف، و"بَاعِد" بصيغة الأمر، وقُرِئ "ربُّنا" بالرفع، و"باعَد" بفتح العين، على أنه فعل ماض، وقُرِئ "بعِّد" بفتح العين مشددة مع رفع "ربُّنا" أيضًا.
ومن ذلك ما يكون بتغيير حرف، مثل "يعلمون، وتعلمون" بالياء والتاء، و"الصراط" و"السراط" في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ٣.
٤- الاختلاف بالتقديم والتأخير، إما في الحرف، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ ٤ وقُرِئ "أفلم يأيس" وإما في الكلمة كقوله تعالى: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ ٥, بالبناء للفاعل في الأول، وللمفعول في الثاني، وقُرِئ بالعكس، أي بالبناء للمفعول في الأول، وللفاعل في الثاني.
أما قراءة "وجاءت سكرة الحق بالموت" بدلًا من قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ ٦, فقراءة أحادية أو شاذة، لم تبلغ درجة التواتر.
٥- الاختلاف بالإبدال: سواء أكان إبدال حرف بحرف. كقوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ ٧, قُرِئ بالزاي المعجمة مع ضم النون، وقُرِئ بالراء المهملة مع فتح النون، أو إبدال لفظ بلفظ، كقوله تعالى: ﴿كَالْعِهْنِ المَنْفُوش﴾ ٨, قرأ ابن مسعود وغيره "كالصوف المنفوش"، وقد يكون هذا الإبدال مع التقارب في المخارج كقوله تعالى: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ ٩, قُرِئ "طلع" ومخرج الحاء والعين واحد، فهما من حروف الحلق.
стр. 197
٦- الاختلاف بالزيادة والنقص: فالزيادة كقوله تعالى: ﴿وَأعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ١, قُرِئ "من تحتها الأنهار" بزيادة "من" وهما قراءتان متواترتان، والنقصان كقوله تعالى: "قالوا اتخذ الله ولدًا" بدون واو، وقراءة الجمهور ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ ٢, وبالواو. وقد يمثل للزيادة في قراءة الآحاد، بقراءة ابن عباس: "وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا" بزيادة "صالحة" وإبدال كلمة "أمام" بكلمة "وراء" وقراءة الجمهور: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ ٣, كما يمثل للنقصان بقراءة "والذكر والأنثى" بدلًا من قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ ٤.
٧- اختلاف اللهجات بالتفخيم والترقيق، والفتح والإمالة، والإظهار والإدغام، والهمز والتسهيل، والإشمام ونحو ذلك، كالإمالة وعدمها في مثل قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ ٥, قُرِئ بإمالة "أتى" و"موسى" وترقيق الراء في قوله: ﴿خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ ٦, وتفخيم اللام في "الطلاق" وتسهيل الهمزة في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ ٧, وإشمام الغين ضمة مع الكسر في قوله تعالى: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ ٨ وهكذا.
هـ- وذهب بعضهم إلى أن العدد سبعة لا مفهوم له، وإنما هو رمز إلى ما أَلِفَه العرب من معنى الكمال في هذا العدد، فهو إشارة إلى القرآن في لغته وتركيبه كأنه حدود وأبواب لكلام العرب كله مع بلوغه الذروة في الكمال، فلفظ السبعة يطلق على إرادة الكثرة والكمال في الآحاد، كما يُطلق السبعون في العشرات، والسبعمائة في المائتين، ولا يُراد العدد المعيَّن٩.
стр. 198
و وقال جماعة: إن المراد بالأحرف السبعة، القراءات السبع.
والراجح من هذه الآراء جميعًا هو الرأي الأول، وأن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب في المعنى الواحد. نحو: أَقْبِل وتعال، وهلم، وعَجِّل، وأسرع، فهي ألفاظ مختلفة لمعنى واحد، وإليه ذهب سفيان بن عيينة، وابن جرير، وابن وهب، وخلائق، ونسبه ابن عبد البر لأكثر العلماء ويدل له ما جاء في حديث أبي بكرة: "أن جبريل قال: يا محمد، اقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل: استزده، فقال: على حرفين, حتى بلغ ستة أو سبعة أحرف، فقال: كلها شاف كاف، ما لم يختم آية عذاب بآية رحمة، أو آية رحمة بآية عذاب، كقولك: هلم وتعالى وأَقْبِل واذهب وأسرع وعَجِّل"١, قال ابن عبد البر: "إنما أراد بهذا ضرب المثل للحروف التي نزل القرآن عليها، وأنها معان متفق مفهومها، مختلف مسوعها، لا يكون في شيء منها معنى وضده، ولا وجه يخالف معنى وجه خلافًا ينفيه ويضاده، كالرحمة التي هي خلاف العذاب"٢.
ويؤيده أحاديث كثيرة:
"قرأ رجل عند عمر بن الخطاب ﵁ فغيَّر عليه، فقال: لقد قرأت على رسول الله ﷺ فلم يُغيِّر علي، قال: فاختصما عند النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ألم تُقرئني آية كذا وكذا؟ قال: بلى! قال: فوقع في صدر عمر شيء، فعرف النبي ﷺ ذلك في وجهه، قال: فضرب صدره وقال: "ابعد شيطانًا" -قالها ثلاثًا- ثم قال: "يا عمر، إن القرآن كله صواب ما لم تجعل رحمة عذابًا أو عذابًا رحمة" ٣.
وعن بسر بن سعيد: "أن أبا جهيم الأنصاري أخبره: أن رجلين اختلفا في آية من القرآن، فقال هذا: تلقيتها من رسول الله ﷺ وقال الآخر: تلقيتها من
стр. 199
رسول الله ﷺ فسألا رسول الله ﷺ عنها، فقال رسول الله, ﷺ : "إن القرآن نزل على سبعة أحرف، فلا تماروا في القرآن، فإن المراء فيه كفر" ١.
وعن الأعمش قال: "قرأ أنس هذه الآية: "إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأصوب قيلًا"٢، فقال له بعض القوم: يا أبا حمزة، إنما هي "وأقوم" فقال: أقوم وأصوب وأهيأ واحد"٣.
وعن محمد بن سيرين قال: نُبِّئت أن جبرائيل وميكائيل أتيا النبي ﷺ فقال له جبرائيل: اقرأ القرآن على حرفين، فقال له ميكائيل: استزده، قال: حتى بلغ سبعة أحرف، قال محمد: "لا تختلف في حلال ولا حرام، ولا أمر ولا نهي هو كقولك: تعال، وهلم، وأقبل"، قال: وفي قراءتنا: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ ٤, في قراءة ابن مسعود: "إن كانت إلا زقية واحدة"٥.
ويُجاب عن الرأي الثاني "ب" الذي يرى أن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب نزل عليها القرآن, على معنى أنه في جملته لا يخرج في كلماته عنها فهو يشتمل في مجموعه عليها - بأن لغات العرب أكثر من سبع، وبأن عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم كلاهما قرشي من لغة واحدة، وقبيلة واحدة، وقد اختلفت قراءتهما. ومحال أن ينكر عليه عمر لغته، فدل ذلك على أن المراد بالأحرف السبعة غير ما يقصدونه، ولا يكون هذا إلا باختلاف الألفاظ في معنى واحد، وهو ما نرجحه.
قال ابن جرير الطبري بعد أن ساق الأدلة، مبطلًا هذا الرأي: "بل الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، هن لغات سبع في حرف واحد، وكلمة واحدة،
стр. 200
باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني, كقول القائل: هلم، وأَقْبِل، وتعال، وإليَّ، وقصدي، ونحوي، وقُرْبي، ونحو ذلك، مما تختلف فيه الألفاظ بضروب من المنطق وتتفق فيه المعاني، وإن اختلفت بالبيان به الألسن، كالذي روينا آنفًا عن رسول الله ﷺ وعمن روينا ذلك عنه من الصحابة، أن ذلك بمنزلة قولك: "هلم وتعال وأَقْبِل"، وقوله: "ما ينظرون إلا زقية" و"إلا صيحة".
وأجاب الطبري عن تساؤل مفتَرَض: ففي أي كتاب الله نجد حرفًا واحدًا مقروءًا بلغات سبع مختلفات الألفاظ متفقات المعنى؟ أجاب: بأننا لم ندع أن ذلك موجود اليوم وعن تساؤل مفترض آخر: فما بال الأحرف الأخر الستة غير موجودة؟ - بأن الأمة أُمِرَت بحفظ القرآن, وخُيِّرت في قراءته وحفظه بأي تلك الأحرف السبعة شاءت كما أُمِرَت، ثم دعت الحاجة إلى التزام القراءة بحرف واحد مخافة الفتنة في زمن عثمان، ثم اجتمع أمر الأمة على ذلك، وهي معصومة من الضلالة١.
ويُجاب عن الرأي الثالث "جـ" الذي يرى أن المراد بالأحرف السبعة سبعة أوجه: من الأمر، والنهي والحلال، والحرام، والمُحْكم، والمتشابه، والأمثال - بأن ظاهر الأحاديث يدل على أن المراد بالأحرف السبعة أن الكلمة تقرأ على وجهين أو ثلاثة إلى سبعة توسعة للأمة، والشيء الواحد لا يكون حلالًا وحرامًا في آية واحدة، والتوسعة لم تقع في تحريم حلال، ولا تحليل حرام، ولا في تغيير شيء من المعاني المذكورة.
والذي ثبت في الأحاديث السابقة أن الصحابة الذين اختلفوا في القراءة احتكموا إلى النبي ﷺ فاستقرأ كل رجل منهم، ثم صوب جميعهم في قراءتهم على اختلافها، حتى ارتاب بعضهم لتصويبه إياهم، فقال ﷺ للذي ارتاب منهم عند تصويبه جميعهم: "إن الله أمرني أن أقرأ على سبعة أحرف".
стр. 201
"ومعلوم أن تماريهم فيما تماروا فيه من ذلك، لو كان تماريًا واختلافًا فيما دلت عليه تلاواتهم من التحليل والتحريم والوعد والوعيد وما أشبه ذلك، لكان مستحيلًا أن يصوِّب جميعهم، ويأمر كل قارئ منهم أن يلزم قراءته في ذلك على النحو الذي هو عليه، لأن ذلك لو جاز أن يكون صحيحًا وجب أن يكون الله جل ثناؤه قد أمر بفعل شيء بعينه وفَرَضَه، في تلاوة من دلت تلاوته على فَرْضه, ونهى عن فعل ذلك الشيء بعينه وزَجَر عنه, في تلاوة الذي دلت تلاوته على النهي والزجر عنه, وأباح وأطلق فعل ذلك الشيء بعينه، وجعل لمن شاء من عباده أن يفعله فعله. ولمن شاء منهم أن يتركه تركه، في تلاوة من دلت تلاوته على التخيير.
وذلك من قائله -إن قاله- إثبات ما قد نفى الله جل ثناؤه عن تنزيله ومحكم كتابه فقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ ١.
وفي نفي الله جل ثناؤه ذلك عن محكم كتابه أوضح الدليل على أنه لم ينزل كتابه على لسان محمد ﷺ إلا بحكم واحد متفق في جميع خلقه لا بأحكام فيهم مختلفة"٢.
ويُجاب عن الرأي الرابع "د" الذي يرى أن المراد بالأحرف السبعة وجوه التغاير التي يقع فيها الاختلاف٣؛ بأن هذا وإن كان شائعًا مقبولًا لكنه لا ينهض أمام أدلة الأول التي جاء التصريح فيها باختلاف الألفاظ مع اتفاق المعنى، وبعض وجوه التغاير والاختلاف التي يذكرونها ورد بقراءات الآحاد، ولا خلاف في أن كل ما هو قرآن يجب أن يكون متواترًا، وأكثرها يرجع إلى
стр. 202
شكل الكلمة أو كيفية الأداء مما لا يقع به التغاير في اللفظ، كاختلاف في الإعراب, أو التصريف، أو التفخيم والترقيق والفتح والإمالة والإظهار والإدغام والإشمام فهذا ليس من الاختلاف الذي يتنوَّع في اللفظ والمعنى، لأن هذه الصفات المتنوعة في أدائه لا تخرجه عن أن يكون لفظًا واحدًا.
وأصحاب هذا الرأي يرون أن المصاحف العثمانية قد اشتملت على الأحرف السبعة كلها، بمعنى أنها مشتملة على ما يحتمله رسمها من هذه الأحرف، فآية: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ ١. التي تُقرأ بصيغة الجمع وتُقرأ بصيغة الإفراد جاءت في الرسم العثماني ﴿لأَمَنَتِهِمْ﴾ -موصولة وعليها ألف صغيرة- وآية: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ ٢, جاءت في الرسم العثماني ﴿بَعِدْ﴾ - موصولة كذلك وعليها ألف صغيرة، وهكذا..
وهذا لا يسلم لهم في كل وجه من وجوه الاختلاف التي يذكرونها.
كالاختلاف بالزيادة والنقص، في مثل قوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ ٣. وقُرِئ: "من تحتها الأنهار" بزيادة "من" وقوله: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ ٤، وقُرِئ: "والذكر والأنثى" بنقص "ما خلق".
والاختلاف بالتقديم والتأخير في مثل قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ ٥, وقُرِئ: "وجاءت سكرت الحق بالموت".. والاختلاف بالإبدال في مثل قوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ ٦, وقُرِئ: "وتكون الجبال كالصوف المنفوش".
ولو كانت هذه الأحرف تشتمل عليها المصاحف العثمانية لما كان مصحف عثمان حاسمًا للنزاع في اختلاف القراءات، إنما كان حسم هذا النزاع بجمع الناس على حرف واحد من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ولولا هذا لظل
стр. 203
الاختلاف في القراءة قائمًا، ولما كان هناك فرق بين جمع عثمان وجمع أبي بكر. والذي دلت عليه الآثار أن جمع عثمان ﵁ للقرآن كان نسخًا له على حرف واحد من الحروف السبعة حتى يجمع المسلمين على مصحف واحد، حيث رأى أن القراءة بالأحرف السبعة كانت لرفع الحرج والمشقة في بداية الأمر. وقد انتهت الحاجة إلى ذلك، وترجح عليها حسم مادة الاختلاف في القراءة، بجمع الناس على حرف واحد، ووافقه الصحابة على ذلك. فكان إجماعًا. ولم يحتج الصحابة في أيام أبي بكر وعمر إلى جمع القرآن على وجه ما جمعه عثمان، لأنه لم يحدث في أيامهما من الخلاف فيه ما حدث في زمن عثمان، وبهذا يكون عثمان قد وُفِّقَ لأمر عظيم. رفع الاختلاف، وجمع الكلمة، وأراح الأمة.
ويُجاب عن الرأي الخامس "هـ" الذي يرى أن العدد سبعة لا مفهوم له, بأن الأحاديث تدل بنصها على حقيقة العدد وانحصاره: "أقرأني جبريل على حرف، فراجعته، فلم أزل استزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف" ١، "وإن ربي أرسل إليَّ أن اقرأ القرآن على حرف، فرددت عليه أن هوِّن على أمتي, فأرسل إليَّ أن اقرأ على سبعة أحرف" ٢. فهذا يدل على حقيقة العدد المعيَّن المحصور في سبعة.
ويُجاب عن الرأي السادس "و" الذي يرى أن المراد بالأحرف السبعة القراءات السبع, بأن القرآن غير القراءات، فالقرآن: هو الوحي المنزَّل على محمد ﷺ للبيان والإعجاز، والقراءات: هي اختلاف في كيفية النطق بألفاظ الوحي، من تخفيف أو تثقيل أو مد أو نحو ذلك، قال أبو شامة: "ظن قوم أن القراءات السبع الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة، وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل"٣.
стр. 204
وقال الطبري: "وأما ما كان من اختلاف القراءة في رفع حرف وجره ونصبه وتسكين حرف وتحريكه ونقل حرف إلى آخر مع اتفاق الصورة، فمن معنى قول النبي, ﷺ : "أُمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف" بمعزل، لأنه معلوم أنه لا حرف من حروف القرآن مما اختلفت القراءة في قراءته بهذا المعنى يوجب المراء به كفر المماري به في قول أحد من علماء الأمة، وقد أوجب ﵊ بالمراء فيه الكفر، من الوجه الذي تنازع فيه المتنازعون إليه، وتظاهرت عنه بذلك الرواية".
ولعل الذي أوقعهم في هذا الخطأ الاتفاق في العدد سبعة، فالتبس عليهم الأمر. قال ابن عمار: "لقد فعل مسبع هذه السبعة ما لا ينبغي له، وأشكل الأمر على العامة بإيهامه كل من قل نظره أن هذه القراءات هي المذكورة في الخبر، وليته إذ اقتصر نقص على السبعة أو زاد ليزيل الشُّبهة".
وبهذه المناقشة يتبين لنا أن الرأي الأول "أ" الذي يرى أن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب في المعنى الواحد هو الذي يتفق مع ظاهر النصوص، وتسانده الأدلة الصحيحة.
عن أُبَيِّ بن كعب قال: قال لي رسول الله، ﷺ : "إن الله أمرني أن أقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: رب خفف عن أمتي، فأمرني، قال: اقرأ على حرفين، فقلت: رب خفف عن أمتي، فأمرني أن أقرأه على سبعة أحرف من سبعة أبواب الجنة، كلها شاف كاف" ١.
قال الطبري: "والسبعة الأحرف: هو ما قلنا من أنه الألسن السبعة، والأبواب السبعة من الجنة هي المعاني التي فيها، من الأمر والنهي والترغيب والترهيب والقصص والمثل، التي إذا عمل بها العامل، وانتهى إلى حدودها
стр. 205
المنتهى، استوجب به الجنة، وليس -والحمد لله في قول من قال ذلك من المتقدمين- خلافٌ لشيء مما قلناه" ومعنى: "كلها شاف كاف" كما قال جل ثناؤه في صفة القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ١.. جعله الله للمؤمنين شفاء، يستشفون بمواعظه من الأدواء العارضة لصدورهم من وساوس الشيطان وخطراته، فيكفيهم ويغنيهم عن كل ما عداه من المواعظ ببيان آياته"٢.
стр. 206
حكمة نزول القرآن على سبعة أحرف:
تتلخص حكمة نزول القرآن على سبعة أحرف في أمور:
١- تيسير القراءة والحفظ على قوم أميين، لكل قبيل منهم لسان ولا عهد لهم بحفظ الشرائع، فضلًا عن أن يكون ذلك مما ألفوه -وهذه الحكمة نصت عليها الأحاديث في عبارات:
عن أُبَيٍّ قال: "لقي رسول الله ﷺ جبريل عند أحجار المراء فقال: إني بُعثت إلى أمة أميين، منهم الغلام والخادم والشيخ العاس والعجوز، فقال جبريل: فليقرءوا القرآن على سبعة أحرف"١، "إن الله أمرني أن أقرأ القرآن على حرف، فقلت: اللهم رب خفف عن أمتي" , "إن الله يأمرك أن تُقرئ أمتك القرآن على حرف"، قال: "أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك".
٢- إعجاز القرآن للفطرة اللغوية عند العرب, فتعدد مناحي التأليف
стр. 207
الصوتي للقرآن تَعدُّدًا يكافئ الفروع اللسانية التي عليها فطرة اللغة في العرب حتى يستطيع كل عربي أن يوقع بأحرفه وكلماته على لحنه الفطري ولهجة قومه مع بقاء الإعجاز الذي تحدى به الرسول العرب ومع اليأس من معارضته لا يكون إعجازًا للسان دون آخر، وإنما يكون إعجازًا للفطرة اللغوية نفسها عند العرب.
٣- إعجاز القرآن في معانيه وأحكامه -فإن تقلب الصور اللفظية في بعض الأحرف والكلمات يتهيأ معه استنباط الأحكام التي تجعل القرآن ملائمًا لكل عصر- ولهذا احتج الفقهاء في الاستنباط والاجتهاد بقراءات الأحرف السبعة.
стр. 208
القراءات والقراء
مدخل
...
١٠- القراءات والقرَّاء:
القراءات: جمع قراءة، مصدر قرأ في اللغة، ولكنها في الاصطلاح العلمي: مذهب من مذاهب النطق في القرآن يذهب به إمام من الأئمة القرَّاء مذهبًا يخالف غيره.
وهي ثابتة بأسانيدها إلى رسول الله ﷺ ويرجع عهد القرَّاء الذين أقاموا الناس على طرائقهم في التلاوة إلى عهد الصحابة، فقد اشتهر بالإقراء منهم: أُبَي, وعلي، وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وأبو موسى الأشعري، وغيرهم، وعنهم أخذ كثير من الصحابة والتابعين في الأمصار، وكلهم يسند إلى رسول الله, ﷺ .
وقد ذكر الذهبي في "طبقات القرَّاء" أن المشتهرين بإقراء القرآن من الصحابة سبعة: عثمان، وعلي، وأُبَي، وزيد بن ثابت، وأبو الدرداء، وابن مسعود، وأبو موسى الأشعري، قال: وقد قرأ على "أُبَي" جماعة من الصحابة، منهم: أبو هريرة، وابن عباس، وعبد الله بن السائب، وأخذ ابن عباس عن زيد أيضًا.
وأخذ عن هؤلاء الصحابة خلق كثير من التابعين في كل مصر من الأمصار.
كان منهم "بالمدينة": ابن المسيب، وعروة، وسالم، وعمر بن عبد العزيز، وسليمان وعطاء ابنا يسار، ومعاذ بن الحارث المعروف بمعاذ القارئ، وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وابن شهاب الزهري، ومسلم بن جندب، وزيد بن أسلم.
وكان منهم "بمكة": عبيد بن عمير، وعطاء بن أبي رباح، وطاوس، ومجاهد، وعكرمة، وابن أبي مليكة.
стр. 209
وكان منهم "بالكوفة": علقمة، والأسود، ومسروق، وعبيدة، وعمرو بن شرحبيل، والحارث بن قيس، وعمرو بن ميمون، وأبو عبد الرحمن السلمي، وسعيد بن جبير، والنخعي، والشعبي.
وكان منهم "بالبصرة": أبو عالية، وأبو رجاء، ونصر بن عاصم، ويحيى بن يعمر، والحسن، وابن سيرين، وقتادة.
وكان منهم "بالشام": المغيرة بن أبي شهاب المخزومي، صاحب عثمان، وخليفة بن سعد، صاحب أبي الدرداء.
وفي عهد التابعين على رأس المائة الأولى تجرد قوم واعتنوا بضبط القراءة عناية تامة، حين دعت الحاجة إلى ذلك، وجعلوها عِلمًا كما فعلوا بعلوم الشريعة الأخرى، وصاروا أئمة يُقتدى بهم ويُرْحل إليهم. واشتهر منهم, ومن الطبقة التي تلتهم الأئمة السبعة الذين تُنسب إليهم القراءات إلى اليوم، فكان منهم "بالمدينة": أبو جعفر يزيد بن القعقاع، ثم نافع بن عبد الرحمن، وكان منهم "بمكة": عبد الله بن كثير، وحميد بن قيس الأعرج، وكان منهم "بالكوفة": عاصم بن أبي النجود، وسليمان الأعمش، ثم حمزة، ثم الكسائي، وكان منهم "بالبصرة": عبد الله بن أبي إسحاق، وعيسى بن عمرو، وأبو عمرو بن العلاء، وعاصم الجحدري، ثم يعقوب الحضرمي، وكان منهم "بالشام": عبد الله بن عامر، وإسماعيل بن عبد الله بن المهاجر، ثم يحيى بن الحارث، ثم شريح بن يزيد الحضرمي.
والأئمة السبعة الذين اشتهروا من هؤلاء في الآفاق هم: أبو عمرو، ونافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وابن عامر، وابن كثير١.
والقراءات: غير الأحرف السبعة -على أصح الآراء- وإن أوهم التوافق العددي الوحدة بينهما، لأن القراءات مذاهب أئمة، وهي باقية إجماعًا يقرأ بها الناس، ومنشؤها اختلاف في اللهجات وكيفية النطق وطرق الأداء من تفخيم،
стр. 210
وترقيق، وإمالة، وإدغام، وإظهار، وإشباع، ومد، وقصر، وتشديد، وتخفيف ... إلخ، وجميعها في حرف واحد هو حرف قريش.
أما الأحرف السبعة فهي بخلاف ذلك على نحو ما سبق لك، وقد انتهى الأمر بها إلى ما كانت عليه العرضة الأخيرة حين اتسعت الفتوحات، ولم يعد للاختلاف في الأحرف وجه خشية الفتنة والفساد، فحمل الصحابة الناس في عهد عثمان على حرف واحد هو حرف قريش وكتبوا به المصاحف كما تقدم.
стр. 211
كثرة القرَّاء والسبب في الاقتصار على السبعة:
قراءات أولئك السبع هي المتفق عليها، وقد اختار العلماء من أئمة القراءة غيرهم ثلاثة صحت قراءتهم وتواترت، وهم: أبو جعفر يزيد بن القعقاع المدني، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي، وخلف بن هشام، وهؤلاء وأولئك هم أصحاب القراءات العشر. وما عداها فشاذ، كقراءة: اليزيدي، والحسن, والأعمش، وابن جبير، وغيرهم. ولا تخلو إحدى القراءات العشر حتى السبع المشهورة من شواذ. فإن فيها من ذلك أشياء، واختيار القرَّاء السبع إنما هو للعلماء المتأخرين في المائة الثالثة، وإلا فقد كان الأئمة الموثوق بعلمهم كثيرين، وكان الناس على رأس المائتين بالبصرة على قراءة ابن عمرو, ويعقوب، وبالكوفة على قراءة حمزة وعاصم، وبالشام على قراءة ابن عامر، وبمكة على قراءة ابن كثير، وبالمدينة على قراءة نافع، وكان هؤلاء هم السبعة. فلما كان على رأس المائة الثالثة أثبت أبو بكر بن مجاهد١ اسم الكسائي، وحذف منهم اسم يعقوب.
قال السيوطي: "أول من صنف في القراءات أبو عبيد القاسم بن سلام، ثم أحمد بن جبير الكوفي، ثم إسماعيل بن إسحاق المالكي صاحب قالون، ثم
стр. 212
أبو جعفر بن جرير الطبري، ثم أبو بكر محمد بن أحمد بن عمر الدجوني، ثم أبو بكر بن مجاهد، ثم قام الناس في عصره وبعده بالتأليف في أنواعها جامعًا ومفردًا، وموجزًا ومسهبًا، وأئمة القراءات لا تُحصى، وقد صنف طبقاتهم حافظ الإسلام أبو عبد الله الذهبي، ثم حافظ القرَّاء أبو الخير بن الجزري"١.
وقال الإمام ابن الجزري في "النشر": "أول إمام معتبر جَمع القراءات في كتابٍ أبو عبيد القاسم بن سلام، وجعلهم فيما أحسب خمسة وعشرين قارئًَا، مع هؤلاء السبعة، وتوفي سنة "٢٢٤هـ" ثم قال: وكان في أثره أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد أول من اقتصر على قراءات هؤلاء السبعة فقط، وتوفي سنة "٣٢٤هـ" ثم قال: وإنما أطلنا في هذا الفصل لما بلغنا عن بعض من لا علم له أن القراءات الصحيحة هي التي عن هؤلاء السبعة، بل غلب على كثير من الجهال أن القراءات الصحيحة هي التي في الشاطبية والتيسير"٢.
والسبب في الاقتصار على السبعة مع أنه في أئمة القرَّاء مَن هو أجلُّ منهم قدرًا أو مثلهم إلى عدد أكثر من السبعة، هو أن الرواة عن الأئمة كانوا كثيرًا جدًّا, فلما تقاصرت الهمم اقتصروا مما يوافق خط المصحف على ما يسهل حفظه وتنضبط القراءة به، فنظروا إلى من اشتهر بالثقة والأمانة، وطول العمر في ملازمة القراءة والاتفاق على الأخذ عنه فأفردوا من كل مصر إمامًا واحدًا.
стр. 213
ولم يتركوا مع ذلك نقل ما كان عليه الأئمة غير هؤلاء من القراءات ولا القراءة بها، كقراءة يعقوب الحضرمي، وأبي جعفر المدني، وشيبة بن نصاع، وغيرهم.
وقد أسهم المؤلفون في القراءات في الاقتصار على عدد معين. لأنهم إذ يؤلفون مقتصرين على عدد مخصوص من أئمة القرَّاء يكون ذلك من دواعي شهرتهم وإن كان غيرهم أجلُّ منهم قدرًا، فيتوهم الناس بعد أن هؤلاء الذين اقتصر التأليف على قراءاتهم هم الأئمة المعتبرون في القراءات. وقد صنف ابن جبر المكي كتابًا في القراءات فاقتصر على خمسة، اختار من كل مصر إمامًا، وإنما اقتصر على ذلك لأن المصاحف التي أرسلها عثمان كانت خمسة إلى هذه الأمصار. ويقال: إنه وَجَّه سبعة، هذه الخمسة ومصحفًا إلى اليمن، ومصحفًا إلى البحرين. لكن لما لم يُسمع لهذين المصحفين خبر وأراد ابن مجاهد وغيره مراعاة عدد المصاحف استبدلوا من مصحف البحرين ومصحف اليمن قارئين كمل بهما العدد؛ ولذا قال العلماء: إن التمسك بقراءة سبعة من القرَّاء دون غيرهم ليس فيه أثر ولا سُنَّة. وإنما هو من جمع بعض المتأخرين فانتشر، فلو أن ابن مجاهد مثلًا كتب عن غير هؤلاء السبعة بالإضافة إليهم لاشتهروا. قال أبو بكر بن العربي: "ليست هذه السبعة متعينة للجواز حتى لا يجوز غيرها كقراءة أبي جعفر وشيبة والأعمش ونحوهم، فإن هؤلاء مثلهم أو فوقهم" وكذا قال غير واحد من أئمة القراء، وقال أبو حيان: "ليس في كتاب ابن مجاهد ومن تبعه من القراءات المشهورة إلا النزر اليسير، فهذا أبو عمرو بن العلاء اشتهر عنه سبعة عشر راويًا، ثم ساق أسماءهم، واقتصر في كتاب ابن مجاهد على اليزيدي, واشتهر عن اليزيدي عشرة أنفس. فكيف يقتصر على السوسي, والدوري، وليس لهما مزية على غيرهما، لأن الجميع مشتركون في الضبط والإتقان والاشتراك في الأخذ. قال: ولا أعرف لهذا سببًا إلا ما قضى من نقص العلم"١.
стр. 214
أنواع القراءات وحكمها وضوابطها:
ذكر بعض العلماء أن القراءات: متواترة، وآحاد، وشاذة، وجعلوا المتواتر السبع، والآحاد الثلاث المتممة لعشرها، ثم ما يكون من قراءات الصحابة، وما بقي فهو شاذ. وقيل: العشر متواترة. وقيل: المعتمد في ذلك الضوابط سواء أكانت القراءة من القراءات السبع، أو العشر، أوغيرها. قال أبو شامة في "المرشد الوجيز": "لا ينبغي أن يغتر بكل قراءة تُعْزَى إلى أحد السبعة ويُطلق عليها لفظ الصحة وأنها أُنْزَلت هكذا إلا إذا دخلت في ذلك الضابط، وحينئذ لا ينفرد بنقلها مُصنِّف عن غيره، ولا يختص ذلك بنقلها عنهم، بل إن نُقلت عن غيرهم من القرَّاء فذلك لا يخرجها عن الصحة -فإن الاعتماد على استجماع تلك الأوصاف لا على من تُنسب إليه، فإن القراءة المنسوبة إلى كل قارئ من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المُجْمَع عليه والشاذ، غير أن هؤلاء السبعة لشهرتهم وكثرة الصحيح المُجْمَع عليه في قراءتهم تركن النفس إلى ما نُقِل عنهم فوق ما يُنقل عن غيرهم"١.
والقياس عندهم في ضوابط القراءة الصحيحة ما يأتي:
١- موافقة القراءة للعربية بوجه من الوجوه: سواء أكان أفصح أم فصيحًا، لأن القراءة سُنَّة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها بالإسناد لا بالرأي.
٢ وأن توافق القراءة أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا: لأن الصحابة في كتابة المصاحف العثمانية اجتهدوا في الرسم على حسب ما عرفوا من لغات القراءة، فكتبوا "الصراط" مثلًا في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ٢, "بالصاد" المبدَّلة بالسين - وعدلوا عن "السين" التي هي الأصل، لتكون قراءة "السين" "السراط" وإن خالفت الرسم من
стр. 215
وجه، فقد أتت على الأصل اللغوي المعروف، فيعتدلان، وتكون قراءة الإشمام محتملة لذلك.
والمراد بالموافقة الاحتمالية ما يكون من نحو هذا، كقراءة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ١, فإن لفظة "مالك" كُتبت في جميع المصاحف بحذف الألف، فتقرأ "مَلِكِ" وهي توافق الرسم تحقيقًا، وتقرأ "مالك" وهي توافقه احتمالًا وهكذا. في غير ذلك من الأمثلة.
ومثال ما يوافق اختلاف القراءات الرسم تحقيقًا: ﴿تَعْلَمُونَ﴾ بالتاء والياء، و ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ بالياء والنون، ونحو ذلك، مما يدل تجرده عن النقط والشكل في حذفه وإثباته على فضل عظيم للصحابة ﵃ في علم الهجاء خاصة، وفهم ثاقب في تحقيق كل علم.
ولا يشترط في القراءة الصحيحة أن تكون موافقة لجميع المصاحف، ويكفي الموافقة لما ثبت في بعضها، وذلك كقراءة ابن عامر: "وبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ"٢, بإثبات الباء فيهما، فإن ذلك ثابت في المصحف الشامي.
٣- وأن تكون القراءة مع ذلك صحيحة الإسناد: لأن القراءة سُنَّة متبعة يُعتمد فيها على سلامة النقل وصحة الرواية، وكثيرًا ما ينكر أهل العربية قراءة من القراءات لخروجها عن القياس، أو لضعفها في اللغة، ولا يحفل أئمة القرَّاء بإنكارهم شيئًا.
تلك هي ضوابط القراءة الصحيحة، فإن اجتمعت الأركان الثلاثة:
١- موافقة العربية. ٢- ورسم المصحف.
٣- وصحة السند، فهي القراءة الصحيحة، ومتى اختل ركن منها أو أكثر أُطْلِقَ عليها أنها ضعيفة، أو شاذة، أو باطلة.