← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 11368

مباحث في علوم القرآن لمناع القطان

مناع القطان

Полный текст (528 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

كثرة القرَّاء والسبب في الاقتصار على السبعة: قراءات أولئك السبع هي المتفق عليها، وقد اختار العلماء من أئمة القراءة غيرهم ثلاثة صحت قراءتهم وتواترت، وهم: أبو جعفر يزيد بن القعقاع المدني، ويعقوب بن إسحاق الحضرمي، وخلف بن هشام، وهؤلاء وأولئك هم أصحاب القراءات العشر. وما عداها فشاذ، كقراءة: اليزيدي، والحسن, والأعمش، وابن جبير، وغيرهم. ولا تخلو إحدى القراءات العشر حتى السبع المشهورة من شواذ. فإن فيها من ذلك أشياء، واختيار القرَّاء السبع إنما هو للعلماء المتأخرين في المائة الثالثة، وإلا فقد كان الأئمة الموثوق بعلمهم كثيرين، وكان الناس على رأس المائتين بالبصرة على قراءة ابن عمرو, ويعقوب، وبالكوفة على قراءة حمزة وعاصم، وبالشام على قراءة ابن عامر، وبمكة على قراءة ابن كثير، وبالمدينة على قراءة نافع، وكان هؤلاء هم السبعة. فلما كان على رأس المائة الثالثة أثبت أبو بكر بن مجاهد١ اسم الكسائي، وحذف منهم اسم يعقوب. قال السيوطي: "أول من صنف في القراءات أبو عبيد القاسم بن سلام، ثم أحمد بن جبير الكوفي، ثم إسماعيل بن إسحاق المالكي صاحب قالون، ثم

стр. 212

أبو جعفر بن جرير الطبري، ثم أبو بكر محمد بن أحمد بن عمر الدجوني، ثم أبو بكر بن مجاهد، ثم قام الناس في عصره وبعده بالتأليف في أنواعها جامعًا ومفردًا، وموجزًا ومسهبًا، وأئمة القراءات لا تُحصى، وقد صنف طبقاتهم حافظ الإسلام أبو عبد الله الذهبي، ثم حافظ القرَّاء أبو الخير بن الجزري"١. وقال الإمام ابن الجزري في "النشر": "أول إمام معتبر جَمع القراءات في كتابٍ أبو عبيد القاسم بن سلام، وجعلهم فيما أحسب خمسة وعشرين قارئًَا، مع هؤلاء السبعة، وتوفي سنة "٢٢٤هـ" ثم قال: وكان في أثره أبو بكر أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد أول من اقتصر على قراءات هؤلاء السبعة فقط، وتوفي سنة "٣٢٤هـ" ثم قال: وإنما أطلنا في هذا الفصل لما بلغنا عن بعض من لا علم له أن القراءات الصحيحة هي التي عن هؤلاء السبعة، بل غلب على كثير من الجهال أن القراءات الصحيحة هي التي في الشاطبية والتيسير"٢. والسبب في الاقتصار على السبعة مع أنه في أئمة القرَّاء مَن هو أجلُّ منهم قدرًا أو مثلهم إلى عدد أكثر من السبعة، هو أن الرواة عن الأئمة كانوا كثيرًا جدًّا, فلما تقاصرت الهمم اقتصروا مما يوافق خط المصحف على ما يسهل حفظه وتنضبط القراءة به، فنظروا إلى من اشتهر بالثقة والأمانة، وطول العمر في ملازمة القراءة والاتفاق على الأخذ عنه فأفردوا من كل مصر إمامًا واحدًا.

стр. 213

ولم يتركوا مع ذلك نقل ما كان عليه الأئمة غير هؤلاء من القراءات ولا القراءة بها، كقراءة يعقوب الحضرمي، وأبي جعفر المدني، وشيبة بن نصاع، وغيرهم. وقد أسهم المؤلفون في القراءات في الاقتصار على عدد معين. لأنهم إذ يؤلفون مقتصرين على عدد مخصوص من أئمة القرَّاء يكون ذلك من دواعي شهرتهم وإن كان غيرهم أجلُّ منهم قدرًا، فيتوهم الناس بعد أن هؤلاء الذين اقتصر التأليف على قراءاتهم هم الأئمة المعتبرون في القراءات. وقد صنف ابن جبر المكي كتابًا في القراءات فاقتصر على خمسة، اختار من كل مصر إمامًا، وإنما اقتصر على ذلك لأن المصاحف التي أرسلها عثمان كانت خمسة إلى هذه الأمصار. ويقال: إنه وَجَّه سبعة، هذه الخمسة ومصحفًا إلى اليمن، ومصحفًا إلى البحرين. لكن لما لم يُسمع لهذين المصحفين خبر وأراد ابن مجاهد وغيره مراعاة عدد المصاحف استبدلوا من مصحف البحرين ومصحف اليمن قارئين كمل بهما العدد؛ ولذا قال العلماء: إن التمسك بقراءة سبعة من القرَّاء دون غيرهم ليس فيه أثر ولا سُنَّة. وإنما هو من جمع بعض المتأخرين فانتشر، فلو أن ابن مجاهد مثلًا كتب عن غير هؤلاء السبعة بالإضافة إليهم لاشتهروا. قال أبو بكر بن العربي: "ليست هذه السبعة متعينة للجواز حتى لا يجوز غيرها كقراءة أبي جعفر وشيبة والأعمش ونحوهم، فإن هؤلاء مثلهم أو فوقهم" وكذا قال غير واحد من أئمة القراء، وقال أبو حيان: "ليس في كتاب ابن مجاهد ومن تبعه من القراءات المشهورة إلا النزر اليسير، فهذا أبو عمرو بن العلاء اشتهر عنه سبعة عشر راويًا، ثم ساق أسماءهم، واقتصر في كتاب ابن مجاهد على اليزيدي, واشتهر عن اليزيدي عشرة أنفس. فكيف يقتصر على السوسي, والدوري، وليس لهما مزية على غيرهما، لأن الجميع مشتركون في الضبط والإتقان والاشتراك في الأخذ. قال: ولا أعرف لهذا سببًا إلا ما قضى من نقص العلم"١.

стр. 214

أنواع القراءات وحكمها وضوابطها: ذكر بعض العلماء أن القراءات: متواترة، وآحاد، وشاذة، وجعلوا المتواتر السبع، والآحاد الثلاث المتممة لعشرها، ثم ما يكون من قراءات الصحابة، وما بقي فهو شاذ. وقيل: العشر متواترة. وقيل: المعتمد في ذلك الضوابط سواء أكانت القراءة من القراءات السبع، أو العشر، أوغيرها. قال أبو شامة في "المرشد الوجيز": "لا ينبغي أن يغتر بكل قراءة تُعْزَى إلى أحد السبعة ويُطلق عليها لفظ الصحة وأنها أُنْزَلت هكذا إلا إذا دخلت في ذلك الضابط، وحينئذ لا ينفرد بنقلها مُصنِّف عن غيره، ولا يختص ذلك بنقلها عنهم، بل إن نُقلت عن غيرهم من القرَّاء فذلك لا يخرجها عن الصحة -فإن الاعتماد على استجماع تلك الأوصاف لا على من تُنسب إليه، فإن القراءة المنسوبة إلى كل قارئ من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المُجْمَع عليه والشاذ، غير أن هؤلاء السبعة لشهرتهم وكثرة الصحيح المُجْمَع عليه في قراءتهم تركن النفس إلى ما نُقِل عنهم فوق ما يُنقل عن غيرهم"١. والقياس عندهم في ضوابط القراءة الصحيحة ما يأتي: ١- موافقة القراءة للعربية بوجه من الوجوه: سواء أكان أفصح أم فصيحًا، لأن القراءة سُنَّة متبعة يلزم قبولها والمصير إليها بالإسناد لا بالرأي. ٢ وأن توافق القراءة أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا: لأن الصحابة في كتابة المصاحف العثمانية اجتهدوا في الرسم على حسب ما عرفوا من لغات القراءة، فكتبوا "الصراط" مثلًا في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ٢, "بالصاد" المبدَّلة بالسين - وعدلوا عن "السين" التي هي الأصل، لتكون قراءة "السين" "السراط" وإن خالفت الرسم من

стр. 215

وجه، فقد أتت على الأصل اللغوي المعروف، فيعتدلان، وتكون قراءة الإشمام محتملة لذلك. والمراد بالموافقة الاحتمالية ما يكون من نحو هذا، كقراءة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ١, فإن لفظة "مالك" كُتبت في جميع المصاحف بحذف الألف، فتقرأ "مَلِكِ" وهي توافق الرسم تحقيقًا، وتقرأ "مالك" وهي توافقه احتمالًا وهكذا. في غير ذلك من الأمثلة. ومثال ما يوافق اختلاف القراءات الرسم تحقيقًا: ﴿تَعْلَمُونَ﴾ بالتاء والياء، و ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ بالياء والنون، ونحو ذلك، مما يدل تجرده عن النقط والشكل في حذفه وإثباته على فضل عظيم للصحابة ﵃ في علم الهجاء خاصة، وفهم ثاقب في تحقيق كل علم. ولا يشترط في القراءة الصحيحة أن تكون موافقة لجميع المصاحف، ويكفي الموافقة لما ثبت في بعضها، وذلك كقراءة ابن عامر: "وبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ"٢, بإثبات الباء فيهما، فإن ذلك ثابت في المصحف الشامي. ٣- وأن تكون القراءة مع ذلك صحيحة الإسناد: لأن القراءة سُنَّة متبعة يُعتمد فيها على سلامة النقل وصحة الرواية، وكثيرًا ما ينكر أهل العربية قراءة من القراءات لخروجها عن القياس، أو لضعفها في اللغة، ولا يحفل أئمة القرَّاء بإنكارهم شيئًا. تلك هي ضوابط القراءة الصحيحة، فإن اجتمعت الأركان الثلاثة: ١- موافقة العربية. ٢- ورسم المصحف. ٣- وصحة السند، فهي القراءة الصحيحة، ومتى اختل ركن منها أو أكثر أُطْلِقَ عليها أنها ضعيفة، أو شاذة، أو باطلة.

стр. 216

ومن عجب أن يذهب بعض النحاة بعد ذلك إلى تخطئة القراءة الصحيحة التي تتوافر فيها تلك الضوابط لمجرد مخالفتها لقواعدهم النحوية التي يقيسون عليها صحة اللغة، فإنه ينبغي أن نجعل القراءة الصحيحة, حَكَمًا على القواعد اللغوية والنحوية. لا أن نجعل هذه القواعد حَكَمًا على القرآن. إذ القرآن هو المصدر الأول الأصيل لاقتباس قواعد اللغة، والقرآن يعتمد على صحة النقل والرواية فيما استند إليه القُرَّاء. على أي وجه من وجوه اللغة. قال ابن الجزري معلقًا على الشرط الأول من ضوابط القراءة الصحيحة: "فقولنا, في الضابط: "ولو بوجه" نريد به وجهًا من وجوه النحو، وسواء أكان أفصح أم فصيحًا، مُجْمَعًا عليه أم مختلفًا فيه اختلافًا لا يضر مثله، إذا كانت القراءة مما شاع وذاع وتلقاه الأئمة بالإسناد الصحيح، إذ هو الأصل الأعظم، والركن الأقوم، وكم من قراءة أنكرها بعض أهل النحو أو كثير منهم ولم يُعْتَبر إنكارهم، كإسكان "بارئكم" و"يأمركم" وخفض: "والأرحام" ونصب "ليجزي قومًا". والفصل بين المضافين في: "قتل أولادهم شركائهم" وغير ذلك١". وقال أبو عمرو الداني: "وأئمة القرَّاء لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر والأصح في النقل، وإذا ثبتت الرواية لم يردها قياس عربية ولا فشو لغة، لأن القراءة سُنَّة متبعة، يلزم قبولها والمصير إليها". وعن زيد بن ثابت قال: "القراءة سُنَّة متبعة"٢. قال البيهقي: "أراد أن اتباع من قبلنا في الحروف سُنَّة متبعة، لا يجوز مخالفة المصحف الذي هو إمام، ولا مخالفة القراءات التي هي مشهورة، وإن كان غير ذلك سائغًا في اللغة".

стр. 217

واستخلص بعض العلماء أنواع القراءات فجعلها ستة أنواع: الأول- المتواتر: وهو مانقله جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه, وهذا هو الغالب في القراءات. الثاني- المشهور: وهو ما صح سنده ولم يبلغ درجة المتواتر، ووافق العربية والرسم، واشتهر عند القرَّاء فلم يعدوه من الغلط، ولا من الشذوذ, وذكر العلماء في هذا النوع أنه يُقرأ به. الثالث- الآحاد: وهو ما صح سنده، وخالف الرسم، أو العربية، أو لم يشتهر الاشتهار المذكور. وهذا لا يُقرأ به، ومن أمثلته ما رُوِي عن أبي بكرة: "أن النبي ﷺ قرأ: "متكئين على رفارف خضر وعباقري حسان"١. وما رُوِي عن ابن عباس أنه قرأ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ ٢ - بفتح الفاء". الرابع- الشاذ: وهو ما لم يصح سنده. كقراءة "ملك يوم الدين"٣, بصيغة الماضي. ونصب "يوم". الخامس- الموضوع: وهو ما لا أصل له. السادس- المدرج: وهو ما زيد في القراءات على وجه التفسير, كقراءة ابن عباس: "ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم في مواسم الحج، فإذا أفضتم من عرفات"٤, فقوله: "في مواسم الحج" تفسير مدرج في الآية. والأنواع الأربعة الأخيرة لا يُقرأ بها.

стр. 218

والجمهور على أن القراءات السبع متواترة، وأن غير المتواتر المشهور لا تجوز القراءة به في الصلاة ولا في غيرها: قال "النووي" في "شرح المهذب": "لا تجوز القراءة في الصلاة ولا غيرها بالقراءة الشاذة، لأنها ليست قرآنًا، لأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر والقراءة الشاذة ليست متواترة، ومن قال غيره فغالط أو جاهل، فلو خالف وقرأ بالشاذ أنكر عليه قراءته في الصلاة وغيرها، وقد اتفق فقهاء بغداد على استتابة من قرأ بالشواذ، ونقل ابن عبد البر إجماع المسلمين على أنه لا يجوز القراءة بالشواذ، ولا يُصلَّى خلف مَن يقرأ بها".

стр. 219

فوائد الاختلاف في القراءات الصحيحة مدخل ... فوائد الاختلاف في القراءات الصحيحة: ولاختلاف القراءات الصحيحة فوائد منها: ١- الدلالة على صيانة كتاب الله وحفظه من التبديل والتحريف مع كونه على هذا الأوجه الكثيرة. ٢- التخفيف عن الأمة وتسهيل القراءة عليها. ٣- إعجاز القرآن في إيجازه، حيث تدل كل قراءة على حكم شرعي دون تكرر اللفظ كقراءة: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ ١, بالنصب والخفض في "وأرجلكم" ففي قراءة النصب بيان لحكم غسل الرجل، حيث يكون العطف على معمول فعل الغسل: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ وقراءة الجر بيان لحكم المسح على الخفين عند وجود ما يقتضيه، حيث يكون العطف على معمول فعل المسح ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ فنستفيد الحكمين من غير تطويل، وهذا من معاني الإعجاز في الإيجاز بالقرآن. ٤- بيان ما يُحتمل أن يكون مُجملًا في قراءة أخرى كقراءة: "يطهرن" في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ ٢, قُرِئ بالتشديد والتخفيف، فقراءة التشديد مبينة لمعنى قراءة التخفيف، عند الجمهور، فالحائض لا يحل وطؤها لزوجها بالطهر من الحيض، أي بانقطاع الدم، حتى تتطهر بالماء, وقراءة: "فامضوا إلى ذكر الله" فإنها تبيِّن أن المراد بقراءة "فاسعوا" الذهاب لا المشي السريع في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ٣, وقراءة "والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما"٤ بدلًا من "أيديهما"

стр. 220

فقد بينت ما يُقطع, وقراءة: "وله أخ أو أخت من أم فلكل واحد منهما السدس"١, فقد بيَّنت أن المراد الإخوة لأم، ولذا قال العلماء: "باختلاف القراءات يظهر الاختلاف في الأحكام". قال أبو عبيد في "فضائل القرآن": المقصد من القراءة الشاذة تفسير القراءة المشهورة وتبيين معانيها، كقراءة عائشة وحفصة: "والصلاة الوسطى صلاة العصر"٢، وقراءة ابن مسعود: "فاقطعوا أيمانهما"، وقراءة جابر: "فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم"٣ ... قال: "فهذه الحروف وما شاكلها قد صارت مفسِّرة للقرآن، وقد كان يُروى مثل هذا عن التابعين في التفسير فيُستحسن، فكيف إذا رُوِي عن كبار الصحابة، ثم صار في نفس القراءة، فهو أكثر من التفسير وأقوى، فأدنى ما يُستنبط من هذه الحروف معرفة صحة التأويل"٤. والقرَّاء السبعة المشهورون الذين ذكرهم أبو بكر بن مجاهد وخصَّهم بالذكر لما اشتهروا به عنده من الضبط والأمانة وطول العمر في ملازمة القراءة واتفاق الآراء على الأخذ عنهم هم: ١- أبو عمرو بن العلاء شيخ الرواة: وهو زيان بن العلاء بن عمار المازني البصري، وقيل اسمه يحيى، وقيل اسمه كنيته، وتوفي بالكوفة سنة أربع وخمسين ومائة "١٥٤هـ" وراوياه: الدوري، والسوسي، فأما الدوري: فهو أبو عمر حفص بن عمر بن عبد العزيز الدوري النحوي، والدور: موضع ببغداد، توفي سنة ست وأربعين ومائتين "٢٤٦هـ".

стр. 221

وأما السوسي: فهو أبو شعيب صالح بن زياد بن عبد الله السوسي، توفي سنة إحدى وستين ومائتين "٢٦١هـ". ٢- ابن كثير: هو عبد الله بن كثير المكي، وهو من التابعين، وتوفي بمكة سنة عشرين ومائة "١٢٠هـ" وراوياه: البزي، وقنبل، أما البزي: فهو أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي بزة المؤذن المكي، ويكنى أبا الحسن، وتوفي بمكة سنة خمسين ومائتين "٢٥٠هـ". وأما قنبل: فهو محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن خالد بن سعيد المكي المخزومي، ويكنى أبا عمرو، ويلقب قنبلًا، ويقال: هم أهل البيت بمكة، يعرفون بالقنابلة، وتوفي بمكة سنة إحدى وتسعين ومائتين "٢٩١هـ". ٣- نافع المدني: هو أبو رويم نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم الليثي، أصله من أصفهان، وتوفي بالمدينة سنة تسع وستين ومائة "١٦٩هـ" وراوياه: قالون: وورش، أما قالون: فهو عيسى بن منيا "بالمد والقصر" المدني معلم العربية، ويكنى أبا موسى، وقالون لقب له أيضًا، يُروى أن نافعًا لقَّبه به لجودة قراءته لأن "قالون" بلسان الروم "جيد". وتوفي بالمدينة سنة عشرين ومائتين "٢٢٠هـ". وأما ورش: فهو عثمان بن سعيد المصري، ويكنى أبا سعيد، وورش لقب له، لقب به فيما يقال لشدة بياضه، وتوفي بمصر سنة سبع وتسعين ومائة "١٩٧هـ". ٤- ابن عامر الشامي: هو عبد الله بن عامر اليحصبي قاضي دمشق في خلافة الوليد بن عبد الملك. ويكنى أبا عمران، وهو من التابعين، وتوفي بدمشق سنة ثمان عشرة ومائة "١١٨هـ" وراوياه: هشام، وابن ذكوان، فأما هشام: فهو هشام بن عمار بن نصير القاضي الدمشقي، ويكنى أبا الوليد، وتوفي بها سنة خمس وأربعين ومائتين "٢٤٥هـ".

стр. 222

وأما ابن ذكوان: فهو عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان القرشي الدمشقي، ويكنى أبا عمرو، ولد سنة ثلاث وسبعين ومائة "١٧٣هـ" وتوفي بدمشق سنة اثنتين وأربعين ومائتين "٢٤٢هـ". ٥- عاصم الكوفي: هو عاصم بن أبي النجود، ويقال له ابن بهدلة، أبو بكر، وهو من التابعين، وتوفي بالكوفة سنة ثمان وعشرين ومائة "١٢٨هـ" وراوياه: شعبة، وحفص، فأما شعبة، فهو أبو بكر شعبة بن عباس بن سالم الكوفي، وتوفي بالكوفة سنة ثلاث وتسعين ومائة "١٩٣هـ". وأما حفص: فهو حفص بن سليمان بن المغيرة البزاز الكوفي، ويكنى أبا عمرو، وكان ثقة، قال ابن معين: هو أقرأ من أبي بكر، وتوفي سنة ثمانين ومائة "١٨٠هـ". ٦- حمزة الكوفي: هو حمزة بن حبيب بن عمارة الزيات الفرضي التيمي، ويكنى أبا عمارة وتوفي بحلوان في خلافة أبي جعفر المنصور سنة ست وخمسين ومائة "١٥٦هـ" وراوياه: خلف، وخلاد، فأما خلف: فهو خلف بن هشام البزاز، ويكنى أبا محمد توفي ببغداد سنة تسع وعشرين ومائتين "٢٢٩هـ". وأما خلاد، فهو خلاد بن خالد، ويقال ابن خليد، الصيرفي الكوفي، ويكنى أبا عيسى، وتوفي بها سنة عشرين ومائتين "٢٢٠هـ". ٧- الكسائي الكوفي: هو علي بن حمزة إمام النحاة الكوفيين، ويكنى أبا الحسن، وقيل له "الكسائي" من أجل أنه أحرم في كساء, توفي بـ "رنبوية" قرية من قرى الري حين توجه إلى خراسان مع الرشيد سنة تسع وثمانين ومائة "١٨٩هـ" وراوياه:

стр. 223

أبو الحارث، وحفص الدوري: فأما أبو الحارث فهو الليث بن خالد البغدادي، توفي سنة أربعين ومائتين "٢٤٠هـ". وأما حفص الدوري: فهو الراوى عن أبي عمرو، وقد سبق ذكره. أما الثلاثة تكملة العشرة فهم: ٨- أبو جعفر المدني: هو يزيد بن القعقاع، وتوفي بالمدينة سنة ثمان وعشرين ومائة "١٢٨هـ" - وقيل: "١٣٢هـ", وراوياه: ابن وردان: وابن جماز: فأما ابن وردان: فهو أبو الحارث عيسى بن وردان المدني، وتوفي بالمدينة في حدود الستين ومائة "١٦٠هـ". وأما ابن جماز: فهو أبو الربيع سليمان بن مسلم بن جماز المدني، توفي بها بُعَيْد السبعين ومائة "١٧٠هـ". ٩- يعقوب البصري: هو أبو محمد يعقوب بن إسحاق بن زيد الحضرمي، وتوفي بالبصرة سنة خمس ومائتين "٢٠٥هـ" - وقيل "١٨٥هـ" - وراوياه: رويس، وروح، فأما رويس: فهو أبو عبد الله محمد بن المتوكل اللؤلؤي البصري، ورويس لقب له، وتوفي بالبصرة سنة ثمان وثلاثين ومائتين "٢٣٨هـ". وأما روح: فهو أبو الحسن روح بن عبد المؤمن البصري النحوي، وتوفي سنة أربع أو خمس وثلاثين ومائتين "٢٣٤هـ" - أو "٢٣٥هـ". ١٠- خلف: هو أبو محمد خلف بن هشام بن ثعلب البزار البغدادي وتوفي سنة تسع وعشرين ومائتين "٢٢٩هـ" - وقيل: لم يوقف على تاريخ وفاته - وراوياه: إسحاق، وإدريس، أما إسحاق: فهو أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن عثمان الوراق المروزي ثم البغدادي، توفي سنة ست وثمانين ومائتين "٢٨٦هـ".

стр. 224

وأما إدريس: فهو أبو الحسن إدريس بن عبد الكريم البغدادي الحداد، توفي يوم الأضحى سنة اثنتين وتسعين ومائتين "٢٩٢هـ". ويزيد بعضهم أربع قراءات على هاتيك العشر، وهن: ١- قراءة الحسن البصري، مولى الأنصار، أحد كبار التابعين المشهورين بالزهد، توفي سنة ١١٠ هجرية. ٢- وقراءة محمد بن عبد الرحمن المعروف بابن محيصن، توفي سنة ١٢٣ هجرية، وكان شيخًا لأبي عمرو. ٣- وقراءة يحيى بن المبارك اليزيدي النحوي، من بغداد، أخذ عن أبي عمرو وحمزة، وكان شيخًا للدوري والسوسي. توفي سنة ٢٠٢ هجرية. ٤- وقراءة أبي الفرج محمد بن أحمد الشنبوذي، توفي سنة ٣٨٨ هجرية.

стр. 225

الوقف والابتداء ١: لمعرفة الوقف والابتداء أهمية كبرى في كيفية أداء القرآن حفاظًا على سلامة معاني الآيات. وبُعدًا عن اللَّبس والوقوع في الخطأ. وهذا يحتاج إلى دراية بعلوم العربية، وعلم القراءات، وتفسير القرآن، حتى لا يفسد المعنى. ولهذا أمثلته: فيجب الوقف مثلًا على قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ ٢, ثم يبتدئ: ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ ٣, لئلا يتوهم أن قوله: "قيمًا" صفة لقوله "عوجًا" إذ العوج لا يكون قيمًا. وعلى ما آخره هاء سكت في مثل قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ, وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ ٤, وقوله: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ, هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ ٥, فإنك في غير القرآن تثبت هذه الهاء إذا وقفت، وتحذفها إذا وصلت، وهي مكتوبة في المصحف بـ "الهاء"، فلا يوصل، لأنه يلزم في حكم العربية إسقاط "الهاء" في الوصل. فإثباتها إذا وصلت مخالفة للعربية، وحذفها مخالفة للمصحف، وفي الوقف عليها اتباع للمصحف والعربية معًا. وجواز الوصل بـ "الهاء" إنما يكون على نية الوقف. ويجب الوقف مثلًا على قوله: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ ٦، ثم يبتدئ: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ ٦, كي يستقيم المعنى، لأنه إذا وصل أوهم هذا أن القول الذي يحزنه هو قولهم: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ وليس كذلك. ولا شك أن معرفة الوقف والابتداء لها فائدتها في فهم المعاني وتدبر

стр. 226

الأحكام، عن ابن عمر قال: "لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، ولقد رأينا اليوم رجالًا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته، ما يدري ما آمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده، وكل حرف منه ينادي: أنا رسول الله إليك لتعمل بي. وتتعظ بمواعظي"١.

стр. 227

أقسام الوقف: اختلف العلماء في أقسام الوقف: فقيل: ينقسم الوقف إلى ثمانية أضرب: تام، وشبيه به، وناقص، وشبيه به، وحسن، وشبيه به، وقبيح، وشبيه به. وقيل: ينقسم إلى ثلاثة: تام، وجائز، وقبيح. وقيل: ينقسم إلى قسمين: تام، وقبيح. والمشهور أنه ينقسم إلى أربعة أقسام: تام مختار، وكاف جائز، وحسن مفهوم، وقبيح متروك. ١- فالتام: هو الذي لا يتعلق بشيء مما بعده، وأكثر ما يوجد عند رءوس الآي، كقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١, ثم يبتدئ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ٢، وقد يوجد قبل انقضاء الفاصلة، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ ٣, حيث انتهى بهذا كلام بلقيس، ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ٤, وهو رأس الآية. ٢- والكافي الجائز: هو الذي يكون اللفظ فيه منقطعًا، ويكون المعنى متصلًا. ومن أمثلته: كل رأس آية بعدها لام كي: كقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ, لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ٥.

стр. 228

٣- والحسن: هو الذي يحسن الوقف عليه ولا يحسن الابتداء بما بعده لتعلقه به في اللفظ والمعنى كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ, الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ١. ٤- والقبيح: هو الذي لا يفهم منه المراد، كالوقوف على قوله تعالى ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا﴾ ٢, والابتداء بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ٣؛ لأن المعنى على الابتداء يكون كفرًا، ونظيره قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ ٤, فلا يقف على "قالوا" وهكذا..

стр. 229

التجويد وآداب التلاوة مدخل ... التجويد وآداب التلاوة: كان عبد الله بن مسعود ﵁ قارئًا ندي الصوت، يجيد تلاوة القرآن، وللتلاوة الجيدة أثرها لدى القارئ والمستمع في فهم معاني القرآن وإدراك أسرار إعجازه، في خشوع وضراعة، وقد قال ﷺ فيه: "من أحب أن يقرأ القرآن غضًّا كما أُنْزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد " يعني ابن مسعود، وذلك لما أعطيه من حسن الصوت وتجويد القرآن. وللعلماء قديمًا وحديثًا عناية بتلاوة القرآن حتى يكون النطق صحيحًا، ويُعرف هذا عندهم بتجويد القرآن، وأفرده جماعة بالتصنيف نظمًا ونثرًا، وعرَّفوا التجويد بأنه: "إعطاء الحروف حقوقها وترتيبها، ورد الحرف إلى مخرجه وأصله، وتلطيف النطق به على كمال هيئته من غير إسراف ولا تعسف ولا إفراط ولا تكلف". والتجويد وإن كان صناعة علمية لها قواعدها التي تعتمد على إخراج الحروف من مخارجها مع مراعاة صلة كل حرف بما قبله وما بعده في كيفية الأداء فإنه لا يُكتسب بالدراسة بقدر ما يُكتسب بالممارسة والمران ومحاكاة من يجيد القراءة، قال ابن الجزري: "ولا أعلم لبلوغ النهاية في التجويد مثل رياضة الألسن والتكرار على اللفظ المتلقى من فم المحسن، وقاعدته ترجع إلى كيفية الوقف والإمالة والإدغام وإحكام الهمز والترقيق والتفخيم ومخارج الحروف"١. وقد عدَّ العلماء القراءة بغير تجويد لحنًا، واللحن: خلل يطرأ على الألفاظ، ومنه الجلي والخفي، فالجلي: هو الذي يخل باللفظ إخلالًا ظاهرًا يشترك في معرفته علماء القراءة وغيرهم، وذلك كالخطأ الإعرابي أو الصرفي، والخفي: هو الذي يخل باللفظ إخلالًا يختص بمعرفته علماء القراءة وأئمة الأداء الذين تلقوه من أفواه العلماء وضبطوه من ألفاظ الأداء.

стр. 230

والمبالغة في التجويد إلى حد الإفراط والتكلف ليست أقل من اللحن، لأنها زيادة للحروف في غير موضعها، كأولئك الذين يقرءون القرآن اليوم بنغم شجي يتردد فيه الصوت تردد الوقع الموسيقي والعزف على آلات الطرب، وقد نبَّه العلماء على ما ابتدعه الناس من ذلك بما يسمى: بـ: الترعيد، أو الترقيص، أو التطريب، أو التحزين، أو الترديد، ونقل ذلك السيوطي في الإتقان، وعبَّر عنه الرافعي في "إعجاز القرآن" بقوله: "ومما ابتُدِع في القراءة والأداء هذا التلحين الذي بقي إلى اليوم يتناقله المفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم، ويقرءون به على ما يشبه الإيقاع، وهو الغناء! ... ومن أنواعه عندهم في أقسام النغم "الترعيد" وهو أن يرعد القارئ صوته، قالوا: كأنه يرعد من البرد أو الألم.. و"الترقيص" وهو أن يروم السكوت على الساكن ثم ينقر مع الحركة كأنه في عدْو أو هرولة، و"التطريب" وهو أن يترنم بالقرآن ويتنغم به فيمد في سير مواضع المد، ويزيد في المد إن أصاب موضعه، و"التحزين" وهو أن يأتي القراءة على وجه حزين يكاد يبكي مع خشوع وخضوع، ثم "الترديد" وهو رد الجماعة على القارئ في ختام قراءته بلحن وافد على وجه من تلك الوجوه. وإنما كانت القراءة تحقيقًا وهو إعطاء كل حرف حقه على مقتضى ما قرره العلماء مع ترتيل وتؤدة أو حدرًا وهو إدراج القراءة وسرعتها مع مراعاة شروط الأداء الصحيحة أو تدويرًا وهو التوسط بين التحقيق والحدر". وقراءة القرآن سُنَّة من سُنن الإسلام، والإكثار منها مستحب حتى يكون المسلم حي القلب مستنير الفؤاد بما يقرأ من كتاب الله، عن ابن عمر قال: قال رسول الله, ﷺ : "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه في آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار" ١.

стр. 231

والتلاوة مع إخلاص النية وحسن القصد عبادة يؤجر عليها المسلم، عن ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: "من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها" ١, وجاء في حديث أبي أمامة: "اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه" ٢. وكان السلف رضوان الله عليهم يحافظون على تلاوة القرآن, ومنهم من كان يختم في اليوم والليلة، ومنهم من كان يختم في أكثر، عن عبد الله بن عمرو قال: قال لي رسول الله, ﷺ : "اقرأ القرآن في شهر، قلت: إني أجد قوة، قال: اقرأه في عشر، قلت: إني أجد قوة، قال: اقرأه في سبع ولا تزد على ذلك" ٣. وحذَّر رسول الله ﷺ من نسيان القرآن، فقال: "تعاهدوا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتًا من الإبل في عقلها" ٤. والأمر في كثرة القراءة وختم القرآن يختلف باختلاف الأشخاص لاختلاف قدراتهم، وتفاوت المصالح العامة التي تُناط بهم. قال النووي في "الأذكار": "المختار أن ذلك مختلف باختلاف الأشخاص، فمن كان يظهر له بدقيق الفكر لطائف ومعارف فليقتصر على قدر يحصل له معه كمال فهم ما يقرأ، وكذلك من كان مشغولًا بنشر العلم أو فصل الحكومات أو غير ذلك من مهمات الدين والمصالح العامة، فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له، ولا فوات كماله، وإن لم يكن من هؤلاء المذكورين فليُكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حد الملل أو الهذرمة في القراءة".

стр. 232

آداب التلاوة: ويستحب لقارئ القرآن: ١- أن يكون على وضوء، لأن ذلك من أفضل الذكر. وإن كانت القراءة للمُحدِث جائزة. ٢- وأن يكون في مكان نظيف طاهر, مراعاة لجلال القراءة. ٣- وأن يقرأ بخشوع وسكينة ووقار. ٤- وأن يستاك قبل البدء في القراءة. ٥- وأن يتعوَّذ في بدايتها، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ ١، وأوجب الاستعاذة بعض العلماء. ٦- وأن يحافظ على البسملة في مطلع كل سورة سوى "براءة" لأنها آية على الرأي الراجح. ٧- وأن تكون قراءته ترتيلًا، يعطي الحروف حقها من المد والإدغام، قال تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ ٢، وعن أنس أنه سُئل عن قراءة رسول الله ﷺ فقال: "كانت مدًّا، ثم قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يمد الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم" ٣، وعن ابن مسعود: "أن رجلًا قال له: إني أقرأ المفصَّل في ركعة واحدة، فقال: أهذًّا كهذِّ الشعر؟ ٤، إن قومًا يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع" ٥ , وقال الزركشي في "البرهان": "كمال الترتيل تفخيم ألفاظه، والإبانة عن حروفه، وأن لا يُدغم حرف في حرف، وقيل: هذا أقله، وأكمله أن يقرأه على منازله، فإن قرأ تهديدًا لفظ به لفظ التهديد، أو تعظيمًا لفظ به على التعظيم".

стр. 233

٨- وأن يتدبر ما يقرأ، لأن هذا هو المقصود الأعظم، والمطلوب الأهم. وذلك بأن يُشغل قلبه بالتفكير في معنى ما يقرأ، ويتجاوب مع كل آية بمشاعره وعواطفه، دعاء واستغفارًا، ورحمة، وعذابًا. قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ ١، وعن حذيفة قال: "صليتُ مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة فقرأها، ثم النساء فقرأها، ثم آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوَّذ"٢. ٩- أن يتأثر بآيات القرآن وعدًا ووعيدًا، فيحزن ويبكي لآيات الوعيد فزعًا ورهبة وهولًا، قال تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ ٣، وفي حديث ابن مسعود قال: "قال لي رسول الله, ﷺ : "اقرأ عليَّ القرآن". قلت: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أُنزل؟ قال: "نعم.. إني أحب أن أسمعه من غيري"، فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ ٤, قال: "حسبك الآن. فالتفتُّ فإذا عيناه تذرفان" ٥, قال في شرح المهذب: وطريقه في تحصيل البكاء أن يتأمل ما يقرأ من التهديد والوعيد الشديد والمواثيق والعهود، ثم يفكر في تقصيره فيها فإن لم يحضره عند ذلك حزن وبكاء فليبك على فقد ذلك فإنه من المصائب. ورَوَى ابن ماجه عن أنس قال: قال رسول الله, ﷺ : "يخرج قوم في آخر الزمان -أو في هذه الأمة- يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم -أو حلوقهم- إذا رأيتموهم -أو إذا لقيتموهم- فاقتلوهم". ١٠- وأن يُحسِّن صوته بالقراءة، فإن القرآن زينة للصوت، والصوت الحسن أوقع في النفس، وفي الحديث: "زيِّنوا القرآن بأصواتكم" ٦.

стр. 234

١١- وأن يجهر بالقراءة حيث يكون الجهر أفضل. لما فيه من إيقاظ القلب، وتجديد النشاط، وانصراف السمع إلى القراءة، وتعدي نفعها إلى السامعين، واستجماع المشاعر للتفكير والنظر والتدبر. أما إذا خشي بذلك الرياء، أو كان فيه أذًى للناس كإيذاء المصلين فإن الإسرار يكون أفضل، قال, ﷺ : "ما أَذِن الله لشيء ما أَذِن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به" ١. ١٢- واختلفوا في القراءة في المصحف والقراءة على ظهر قلب، أيهما أفضل؟ على ثلاثة أقوال٢: أحدها: أن القراءة في المصحف أفضل، لأن النظر فيه عبادة، فتجتمع القراءة والنظر. وثانيها: أن القراءة على ظهر القلب أفضل، لأنها أدعى إلى حسن التدبر، وهو الذي اختاره العز بن عبد السلام وقال: "قيل: القراءة في المصحف أفضل، لأنه يجمع فعل الجارحتين: وهما اللسان والعين، والأجر على قدر المشقة، وهذا باطل، لأن المقصود من القراءة التدبر، لقوله تعالى: ﴿لِّيَدَّبَّرُواُ آيَاِتِه﴾ ٣, والعادة تشهد أن النظر في المصحف يخل بهذا المقصود فكان مرجوحًا". وثالثها: أن الأمر يختلف باختلاف الأحوال، فإن كان القارئ من حفظه يحصل له من التدبر والتفكر وجمع القلب أكثر مما يحصل له من المصحف, فالقراءة من الحفظ أفضل، وإن استويا فمن المصحف أفضل.

стр. 235

تعلُّم القرآن والأجرة عليه: تعليم القرآن فرض كفاية، وحفظه واجب على الأمة، حتى لا ينقطع عدد التواتر فيه حفظًا، ولا يتطرق إليه التبديل والتحريف، فإن قام بذلك قوم سقط عن الباقين، وإلا أثموا بأسرهم، وفي حديث عثمان: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" ١. وسبيل تعلمه حفظ آيات يتلوها آيات، وهذا هو المعروف اليوم في وسائل التربية الحديثة، أن يحفظ الدارس شيئًا قليلًا، ثم يتبعه بقليل آخر، ثم يضم هذا إلى ذاك، وهكذا. عن أبي العالية قال: "تعلَّموا القرآن خمس آيات خمس آيات، فإن النبي ﷺ كان يأخذه من جبريل ﵇ خمسًا خمسًا". وقد اختلف العلماء في جواز أخذ الأجر على تعليم القرآن، ورجح المحققون الجواز، لقوله, ﷺ : "إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله" ٢، وقوله: "زوجتكها بما معك من القرآن" ٣. وقسَّم بعض العلماء تعليم القرآن تقسيمًا جيدًا للحالات المختلفة، وبينوا حكم كل حالة منها: قال أبو الليث في كتاب "البستان"٤: "التعليم على ثلاثة أوجه: أحدها للحسبة ولا يأخذ به عوضًا، والثاني أن يعلِّم بالأجرة، والثالث أن يعلِّم بغير شرط فإذا أهدي إليه قبل.

стр. 236

فالأول: مأجور عليه، وهو عمل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. والثاني: مختَلَف فيه، فقيل لا يجوز، لقوله, ﷺ : "بلِّغوا عني ولو آية"، وقيل: يجوز، والأفضل للمعلِّم أن يشارط الأجرة للحفظ وتعليم الكتابة، فإن شارط لتعليم القرآن أرجو أنه لا بأس به، لأن المسلمين قد توارثوا ذلك واحتاجوا له. وأما الثالث: فيجوز في قولهم جميعًا، لأن النبي ﷺ كان معلِّمًا للخلق، وكان يقبل الهدية، ولحديث اللديغ لما رقوه بالفاتحة وجعلوا له جُعلًا، وقال النبي, ﷺ : "واضربوا لي معكم فيها بسهم" ١.

стр. 237

القواعد التي يحتاج إليها المفسر مدخل ... ١١- القواعد التي يحتاج إليها المفسر: لا بد في تناول أي علم من العلوم من معرفة أسسه العامة ومميزاته الخاصة حتى يكون الطالب له على بصيرة، وبقدر ما يتمكن الإنسان من آلة العلم بقدر ما يحرز من نصر فيه، حيث يلج فصوله من أبوابها وقد أعطي مفاتيحها، وإذا كان القرآن الكريم قد نزل بلسان عربي مبين: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ١، فإن القواعد التي يحتاج إليها المفسِّر في فهم القرآن ترتكز على قواعد العربية، وفهم أسسها، وتذوق أسلوبها، وإدراك أسرارها، ولذلك كله فصول متناثرة، ومباحث مستفيضة في فروع العربية وعلومها، إلا أننا نستطيع أن نجمع موجزًا لأهم ما يجب معرفته في الأمور الآتية:

стр. 238

١- الضمائر: للضمائر قواعدها اللغوية التي استنبطها علماء اللغة، من القرآن الكريم، ومن مصادر العربية الأصيلة، ومن الحديث النبوي، ومن كلام العرب الذين يُستشهد بكلامهم نظمًا ونثرًا، وقد ألَّف ابن الأنباري١ في بيان الضمائر الواقعة في القرآن مجلدين٢. وأصل وضع الضمير للاختصار، فهو يُغني عن ذكر ألفاظ كثيرة، ويحل محلها مع سلامة المعنى وعدم التكرار، فقد قام في قوله تعالى: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ٣, مقام عشرين كلمة لو أُتِيَ بها مُظهَرة، هي

стр. 239

المذكورة في صدر الآية: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ١. والأصل تقديم مفسر لضمير الغائب.. ويعلل النحاة هذا الأصل بأن ضمير المتكلم والمخاطب يفسرهما المشاهدة، وضمير الغائب عار عن هذا الوجه من التفسير، فكان الأصل تقديم معاده ليعلم المراد بالضمير قبل ذكره. ولذلك قالوا: يمتنع عود الضمير على متأخر لفظًا ورتبة، واستثنوا من هذه القاعدة مسائل يرجع فيها الضمير إلى ما استغني عن ذكره بما يدل عليه من قرائن في نفس اللفظ، أو أحوال أخرى تحف بمقام الخطاب٢، قال ابن مالك في "التسهيل": "الأصل تقديم مفسر ضمير الغائب، ولا يكون غير الأقرب إلا بدليل، وهو إما مصرح به بلفظه، أو مستغنى عنه بحضور مدلوله حسًّا أو علمًا، أو بذكر ما هو له جزء أو كل أو نظير أو مصاحب بوجه ما". وعلى هذا فالمرجع الذي يعود إليه ضمير الغيبة. يكون ملفوظًا به سابقًا عليه مطابقًا له -وهذا هو الكثير الغالب- كقوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ ٣, أو يكون ما سبق متضمنًا له، كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ٤.

стр. 240

فإن ضمير "هو" يعود على العدل الذي يتضمنه لفظ "اعدلوا" أي إن العدل أقرب للتقوى, أو دالًّا عليه بالتزام كقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ ١, فالضمير في "إليه" يعود على العافي الذي يستلزمه "عُفِيَ". وقد يكون المرجع متأخرًا لفظًا لا رتبة كقوله: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ ٢، أو لفظًا ورتبة كما في باب ضمير الشأن والقصة ونعم وبئس كقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ٣، وقوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ﴾ ٤, وقوله: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ ٥، وقوله: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ﴾ ٦، أو متأخرًا دالًّا عليه كقوله: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ ٧, فضمير الرفع مضمر يدل عليه "الحلقوم"، والتقدير: فلولا إذا بلغت الروح الحلقوم, أو مفهومًا من السياق كقوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ ٨, أي على الأرض، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ٩, أي القرآن، وقوله: ﴿عَبَسَ وتَوَلَّى﴾ ١٠, أي النبي ﷺ وقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افتْرَاهُ﴾ ١١, فالواو في "يقولون" للمشركين، وفاعل "افترى" للنبي ﷺ ومفعوله للقرآن. وربما عاد الضمير على اللفظ دون المعنى كقوله: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ ١٢, فالضمير في "عمره" المراد به عمر معمر آخر، قال الفراء: يريد آخر غير الأول، فكنى عنه بالضمير كأنه الأول، لأن لفظ الثاني لو ظهر كان كالأول، كأنه قال: ولا ينقص من عمر معمر، فالكناية في عمره ترجع إلى آخر غير الأول، ومثله قولك: عندي درهم ونصفه، أي نصف آخر"١٣.

стр. 241

وربما عاد الضمير على المعنى فقط كقوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ﴾ ١, فالضمير في "كانتا" لم يتقدم لفظ تثنية يعود عليه، لأن الكلالة تقع على الواحد والاثنين والجمع، فثنى الضمير الراجع إليها حملًا على المعنى، وقوله ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ ٢, فالضمير في "منه" يعود على معنى الصدقات، لأنه في معنى الصداق، أو ما أصدق كأنه قيل: وآتوا النساء، صداقهن، وما أصدقتموهن. وقد يؤتى بالضمير أولًا ثم يخبر عنه بما يفسره، كقوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ ٣. وقد يثنى الضمير ويعود على أحد المذكورين كقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ٤, وإنما يخرج من أحدهما. وهو الملح دون العذب، لأنه إذا خرج من أحدهما فقد خرج منهما. وبهذا قال الزجاج وغيره. وقد يعود على ملابس ما هو له كقوله: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ ٥, أي ضحى يومها لا ضحى العشية، لأن العشية لا ضحى لها. وقد يراعى في الضمير اللفظ أولًا، ثم يراعى المعنى ثانيًا، كقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ٦, أفرد الضمير في "يقول" باعتبار لفظ "من" ثم جمع في "وما هم" باعتبار معناه.

стр. 242

٢- التعريف والتنكير: للتنكير مقامات: منها: إرادة الوحدة كقوله: ﴿وََجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ ١, أي رجل واحد - أو إرادة النوع كقوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ ٢, أي نوع من الحياة، وهو طلب الزيادة في المستقبل، لأن الحرص لا يكون على الماضي ولا على الحاضر - أو هما معًا كقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ ٣, أي كل نوع من أنواع الدواب من أنواع الماء، وكل فرد من أفراد الدواب من فرد من أفراد النطف - أو التعظيم كقوله: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ٤, أي حرب عظيمة - أو التكثير كقوله: ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ ٥, أي أجرًا وافرًا - أو هما معًا كقوله: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ٦, أي رسل عظام ذوو عدد كثير - أو التحقير كقوله: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ ٧, أي من شيء هين حقير مهين - أو التقليل كقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ ٨, أي رضوان قليل منه أكبر من الجنات لأنه رأس كل سعادة. وأما التعريف فله مقامات تختلف باختلاف كل نوع من أنواع التعريف. ويكون بالإضمار لأن المقام مقام المتكلم، أو الخطاب، أو الغيبة وبالعلمية لإحضاره بعينه في ذهن السامع ابتداء باسم يخصه - أو لتعظيمه كقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ ٩، أو إهانته كقوله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ ١٠، وبالإشارة لبيان حاله في القرب كقوله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ ١١، أو لبيان حاله في العبد كقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١٢،

стр. 243

أو لقصد تحقيره بالقرب كقوله: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ ١، أو لقصد تعظيمه بالبعد كقوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ٢، أو التنبيه على أن المشار إليه المعقب بأوصاف جدير بما يرد بعده من أجلها كقوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ, الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ, وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ, أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٣، وبالموصول لكراهة ذكره باسمه سترًا عليه، أو غير ذلك كقوله: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ ٤، وقوله: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ ٥، أو لإرادة العموم كقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ ٦، أو الاختصار كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ ٧، إذ لو عدد أسماء القائلين لطال الكلام - وبالألف واللام للإشارة إلى معهود ذكرى، كقوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ ٨، أو معهود ذهني كقوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ ٩، أو معهود حضوري كقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ١٠، أو لاستغراق الإفراد كقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ١١, بدليل الاستثناء - أو لاستغراق خصائص الإفراد كقوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ ١٢، أي الكتاب الكامل في الهداية الجامع لجميع صفات الكتب المنزلة بخصائصها، أو لتعريف الماهية والحقيقة والجنس، كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ ١٣.

стр. 244

وإذا ذُكر الاسم مرتين فله أربع أحوال: لأنه إما أن يكونا معرفتين، أو نكرتين، أو الأول نكرة والثاني معرفة، أو بالعكس. ١- فإن كانا معرفتين فالثاني هو الأول غالبًا كقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ, صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ١. ٢- وإن كانا نكرتين فالثاني غير الأول غالبًا كقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ ٢, فإن المراد بالضعف الأول النطفة، وبالثاني الطفولية، وبالثالث الشيخوخة، وقد اجتمع القسمان في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا, إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ ٣, ولذلك رُوِي عن ابن عباس: "لن يغلب عُسر يُسرين" لأن العسر الثاني أعاده بـ "الـ"، فكان عين الأول، ولما كان اليُسر الثاني غير الأول لم يعده بـ "الـ". ٣- وإن كان الأول نكرة، والثاني معرفة، فالثاني هو الأول حملًا على العهد. كقوله: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا, فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ ٤. ٤- وإن كان الأول معرفة، والثاني نكرة، توقف المراد على القرائن، فتارة تقوم قرينة على التغاير. كقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ ٥, وتارة تقوم قرينة على الاتحاد، كقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ, قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ٦.

стр. 245

٣- الإفراد والجمع: بعض ألفاظ القرآن يكون إفراده لمعنى خاص، وجمعه لإشارة معينة، أو يؤثر جمعه على إفراده أو العكس. فمن ذلك أننا نرى بعض الألفاظ لم يأت في القرآن إلا مجموعًا، وعند الاحتياج إلى صيغة المفرد، يستعمل مرادفه كلفظة "اللُّب" فإنها لم ترد إلا مجموعة كقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ١, ولم يجئ في القرآن مفرده، بل جاء مكانه "القلب" كقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ ٢، ولفظة "الكوب" لم تأت مفردة وقد أتى الجمع: ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ ٣. وعكس هذا النوع ألفاظ لم تأت إلا مفردة في كل موضع من مواضع القرآن. ولما أريد جمعها جُمعت في صورة من الروعة ليس لها مثال، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ ٤, ولم يقل سبحانه: "وسبع أرضين" لما في ذلك من الخشونة واختلال النظم. ومن ذلك لفظة "السماء" ذكرت تارة بصيغة الجمع وتارة بصيغة الإفراد، لنكت مناسبة، فحيث أريد العدد، أُتِي بصيغة الجمع الدالة على سعة العظمة والكثرة، كقوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ٥، وحيث أريد الجهة أُتِي بصيغة الإفراد كقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ ٦. ومن ذلك "الريح" ذُكرت مجموعة ومفردة، فتُذكر مجموعة في سياق الرحمة وتُفرد في سياق العذاب، وذكر في حكمة ذلك أن رياح الرحمة مختلفة الصفات والمنافع، ويقابل بعضها الآخر أحيانًا. لينشأ ريح لطيفة تنفع الحيوان

стр. 246

والنبات. فكانت في الرحمة رياحًا. وأما في العذاب فإنها تأتي من وجه واحد، ولا معارض لها ولا دافع، وقد أخرج ابن أبي حاتم وغيره عن أُبَيِّ بن كعب قال: كل شيء في القرآن من الرياح فهو رحمة، وكل شيء من الريح فهو عذاب. ولهذا ورد في الحديث: "اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا" وما عرج عن ذلك فهو لنكتة أخرى١. ومن ذلك إفراد "النور" وجمع "الظلمات"، وإفراد "سبيل الحق" وجمع "سبل الباطل" لأن طريق الحق واحدة، وطرق الباطل متشعبة متعددة. ولهذا وحَّد "ولي المؤمنين" وجمع "أولياء الكافرين" لتعددهم كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ ٢, وقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ٣. ومن ذلك "المشرق والمغرب" بالإفراد والتثنية والجمع. فالإفراد باعتبار الجهة والإشارة إلى ناحيتي الشرق والغرب كقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ ٤, والتثنية باعتبار مطلعي ومغربى الشتاء والصيف كقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ ٥. والجمع باعتبار مطلع كل يوم ومغربه، أو مطلع كل فصل ومغربه كقوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ ٦.

стр. 247

٤- مقابلة الجمع بالجمع أو بالمفرد: مقابلة الجمع بالجمع تارة تقتضي مقابلة كل فرد من هذا، بكل فرد من هذا, كقوله: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ ١, أي استغشى كل منهم ثوبه. وقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ ٢, أي كل واحدة ترضع ولدها. وتارة يقتضي ثبوت الجميع لكل فرد من أفراد المحكوم عليه كقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ٣, أي اجلدوا كل واحد منهم ذلك العدد. وتارة يحتمل الأمرين فيحتاج إلى دليل يُعيِّن أحدهما. أما مقابلة الجمع بالمفرد. فالغالب ألا يقتضي تعميم المفرد وقد يقتضيه كما في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ٤, أي على كل واحد لكل يوم طعام مسكين.

стр. 248

٥- ما يُظَن أنه مترادف وليس من المترادف: من ذلك "الخوف والخشية" فالخشية أعلى من الخوف. وهي أشد منه لأنها مأخوذة من قولهم: شجرة خشية: أي يابسة، وهو فوات الكلية. والخوف من قولهم: ناقة خوفاء: أي بها داء. وهو نقص وليس بفوات. كما أن الخشية تكون من عظم المخشي وإن كان الخاشي قويًّا. فهي خوف يشوبه تعظيم. والخوف من ضعف الخائف، وإن كان المخوف أمرًا يسيرًا. ومادة الخشية: الخاء والشين والياء، في تصاريفها تدل على العظمة، فالشيخ: السيد الكبير، والخيش: الغليظ من اللباس، ولذا وردت الخشية غالبًا في حق الله تعالى، كقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ١، وقوله:

стр. 249

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ ١، وأما قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ٢, فقد جاء في وصف الملائكة بعد ذكر قوتهم وشدة خلقهم، فالتعبير عنهم بالخوف لبيان أنهم وإن كانوا غلاظًا شدادًا فهم بين يديه تعالى ضعفاء، ثم أردفه بالفوقية الدالة على العظمة، فجمع بين الأمرين اللذين تتضمنهما الخشية دون إخلال بقوة بأسهم، وهما خوفهم من ربهم مع تعظيمه سبحانه. ومن ذلك "الشُّح والبخل" فالشح أشد من البخل لأنه بخل مع حرص، وذلك فيما يكون عادة. ومن ذلك "السبيل والطريق" فالسبيل أغلب وقوعًا في الخير، أما الطريق فلا يكاد يُراد به الخير إلا مقترنًا بما يدل على ذلك من وصف أو إضافة كقوله: ﴿يَهْدَي إِلَى الْحَقِ وَإَلَى طَرِيْقٍ مُسْتَقِيْم﴾ ٣, قال الراغب في مفرداته: السبيل: الطريق الذي فيه سهولة فهو أخص. ومن ذلك "مد وأمد" قال الراغب: أكثر ما جاء الإمداد في المحبوب كقوله: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ﴾ ٤, والمد في المكروه كقوله: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ ٥.

стр. 250

٦- السؤال والجواب: الأصل في الجواب أن يكون مطابقًا للسؤال، وقد يعدل في الجواب عما يقتضيه السؤال تنبيهًا على أنه كان من حق السؤال أن يكون كذلك، وهو المسمى بأسلوب الحكيم، ويمثلون له بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ﴾ ١, فقد سألوا رسول الله ﷺ عن الهلال:
следующие страницы →