اتفقوا على نوبة واحدة، وربما أن الشركاء اتفقوا على نوبة مقيدة بيوم، لكن استعجل بعضهم أو جميعهم عن النوبة المقدرة وطلبوا جميعاً مني العمل في وقت واحد فشق ذلك علي فهل إذا كان يقيناً أنه إذا ترك إلى نوبته أنه لا ينقص ومع السقي فالظاهر أنه يزيد فهل يجبرونني إلا على السقي مثله في نوبته؟
(التاسعة والعشرون) ما كيفية قبض المتهب والممتلك لمال ولده في العقار فيهما؟
(الثلاثون) إذا وقف إنسان على جهة باسم مشترك وتعذر عليه الوصول إلى تمييز تلك الجهة عن الأخرى ولم يكن ثم قرينة دالة ولا غيرها، بل أبهم ذلك من أصله فهل هذا الوقف باطل كالوصية صرح أنه إذا أوصى لاسم مشترك وتعذر معرفته بصريح أو قرينة أن الوصية تبطل من أصلها، فيكون حكمه حكمها أم له حكم في هذه مفرد عنها؟
(الحادية الثلاثون) إذا كان ثم مسقاة وبها حمام كحمام ميتاح جعل ذلك لكافة المسلمين لرفع الحدث وزوال الخبث ونحوهما، وتلك البئر وما حولها فوقه غما لدفع الأذى عن الآتي إليها، ففي الصيف عن حر الشمس ونحوها في الشتاء عن المطر والبرد ونحوهما، وكان إذا قصده بالليل تضرر بظلمته وربما أنه يقع في الماء المستنقع من حيث لا يدري أو ينزع بالدلو عن البئر فيصيبه لسبب ذلك في غير مصبه المعد للمصب وغير ذلك من المصاب، فلما رأى بعض الناس هذه الضرورة الشاقة على المسلمين وقف وقفاً يصرف ريعه في سراج معلق في ذلك الموضع ليضيئه فيهتدي المتوجه لذلك المكان ويبصر كل موضع يحتاجه، فهل إذا كان الوقف على هذا المنوال هو صحيح مثاب فاعله أم باطل آثم فاعله؟ إذا كان بعض المتشبهين بالفقهاء وأظنه من جهالهم قال هذا وقف باطل فقيل له لم ذلك؟ فقال لعدم القربة حيث اعتبرت شرعاً. فقيل له وما ذلك؟ فقال أن القنديل إذا أضاء بالمكان رأى الناس عورات بعضهم بعضاً. فقال له معارضه هذا منك قول وقياس فابعد وليس لمثلك هذا فان من طلب الاستئثار عن النظر المحظور شمله الحياء إذا العورة في ضوء النهار أبين لمن قصد اتصال نظره إلى ما منع منه شرعاً، فليس هذا من قولك بعدم صحة الوقف وعدم ثواب فاعله في شيء، بل الواجب في مثل هذا أن يقال الثواب بحسب النية مطلقاً فكيف الحكم في هذا؟
(الثانية والثلاثون) إذا أتلف إنسان لأنسان ثمرة وهي طلع أو بلح أو نحوهما أو زرعاً وهو قطن فكيف حكم ضمان ذلك المتلف علي المتلف؟
(الثالثة والثلاثون) إذا قال مريض لورثته ان قال فلان له على أنا مائة فهو صادق، ثم مات القائل فادعاها فلان فهل هذا منه إقرار فتسلم إلى فلان أم لا؟
(الرابعة والثلاثون) إذا كان لي شريك في نحو نخل والنخل له نوبة معروفة مثل أن يسقى يوماً ثم يترك ثلاثة ثم يسقى، واصطلحت أنا وشريكي أن كل واحد منا يسقي شهراً مثلاً في نوبته لا قبلها ولا بعدها فبدأت وسقيت النخل فلما انقضت
стр. 107
وتوجهت نوبة النخل في مدة شريكي كلمته في سقيه فهو يقول أسقي غداً ومضت مدة النخل المضروبة لسقيه وتركه فيها، فهل إذا ثبت هذا ومضت نوبة النخل أي ثلاثة الأيام مثلاً فاستأجرت عليه من يسقي النخل ونويت الرجوع عليه بالأجرة يسوغ الشرع لي الرجوع عليه، وذلك مع حضوره وعدم امتناعه بالقول لا بالفعل؟
(الخامسة والثلاثون) إذا كان ثم حديقة لرجل سدسها مثلاً ولآخر سدسها وللثالث سدسها أو نصفها وقف على معين يستحقه عشرة أشخاص وباع واحد من أهل المطلق نصيبه فشفع شريكاه على المشتري فهل يقال في نصيب أهل الوقف وهو النصف تقسم الحديقة على عدد رءوس أهل الوقف كأهل الطلق أم يكون النصيب الموقوف كنصيب واحد ولو استحقه عدد لأنه ان كان كذلك صحت المسألة من ستة، وان كان بالعكس فمن ستين، وبينهما فرق ظاهر في وجوب الشفعة وعدمها.
(السادسة والثلاثون) إذا كنا نحو أربعة أخوة تحت يد أبيناً وجميعناً يستحق أخذاً من الزكاة، فهل إذا دفع أحدنا فطرته لأخيه، ثم دفعها الثاني إلى الثالث، ثم الثالث كذلك إلى الرابع وهو الدافع الأول هل يسوغ هذا أم لا؟
(السابعة والثلاثون) إذا كان بيني وبين إنسان حائط قائم على أصله لكن تآكل وجه أساسه الذي من جهتي بسباخ ونحوه، فهل أجبره على إصلاح أساسه أم لا؟
وهل إذا لم أجبره وكان فوق ذلك الجدار خشب لثالث وخشي أن انهدم بسبب تآكل أساسه أن يتلف عليه شيء فهل يجبر صاحب العلو صاحب الأسفل على إصلاح أساسه أم لا إجبار بعد الانهدام؟
(الثامنة والثلاثون) إذا وقف إنسان عقاراً ونحوه وشرط أن ريعه يجعل في مسجد معين سماطا في زمن معين نحو شهر رمضان على من حضر في ذلك المكان والزمان، وليس ثم استحقاق مقدر بل مطلق بحسب ما يرى الناظر فهل إذا حصل غلة من الوقف في يد الناظر وتيقن أنه يبقى من تلك الغلة بقية بعد مضي الزمن المقدر، فهل يسوغ للناظر أو يجبر على صرف البقية إلى مسجد آخر محتاج وهو في ناحية البلد في ذلك الزمن لأنه إذا أراد مده إلى العام المقبل اعترته الآفات من سوس ونقص وتلف وغير ذلك أم لا يسوغ له سوى الأرصاد أو البيع وارصاد الثمن؟
(التاسعة والثلاثون) إذا قالت امرأة خلني وأعطيك مائة فقال خلعتك فقالت لم أبذل لك العوض إلا على الطلاق فقط فهل يقبل قولها فلا يقع الخلع ولا يستحق عليها العوض المبذول أم لا يقبل قولها لأن مرادها الفراق بابانة وقد حصلت، فلا مزية ولا فائدة للفظ الطلاق بدلاً عن الخلع أم كيف الحكم في ذلك؟
(الأربعون) إذا ادعى إنسان على إنسان عيناً في يده وأنكر المدعي عليه فأقام المدعي بينته أن آل فلان عموماً أو فلاناً خصوصاً اغتصبها من المدعي وليس من هي في يده من الأول ولا المعين، لكن انما انتقلت إليه من أحدهم أو ممن انتقلت إليه منهم، فهل تكلف البينة أن تشهد أنها في ملكه إلى الان أم يكتفى بشهادتها في صفة خروجها عن يد المدعي ويكون للمدعي عليه حكم الغاصب نفسه ولو لم يكن غصب ولا علم أنها
стр. 108
غضبت، فهل تنزع من يده على هذا المنوال أم إذا أعدها ملكه أي المنكر تقبل لأنه لا يعلم لها غاصباً، وربما أنه لا يعلم من انتقلت إليه منه أم يكفي الحكم في ذلك؟ والحمد لله أولاً وأخيراً، وصلى الله على محمد وآله وصحبه باطناً وظاهراً.
فأجابه رحمه الله تعالى: الحمد لله المسئول الهدى والسداد.
(الأولى) نعم إذا تاب الولي أو الشاهدان في مجلس العقد صح ذلك وقبل منهما وصاروا كمستور قبل رد الظلامة.
(الثانية) تولية الأمثل فالأمثل في الأعمال المعتبرة فيها العدالة عند عدم العدل والإشهاد في العقود جائز، ولا يستقيم أمر الناس بدونه كالإشهاد في الأماكن التي يتعذر فيها العدل. صرح بذلك جماعة منهم شيخ الإسلام ابن تيمية والمذهب لا.
(الثالثة) إذا أخر قطع الخشب مع شرطه فنما وغلظ فالبيع صحيح ويشتركان في الزيادة ومع عدم شرط القطع البيع أيضاً صحيح، والكل للمشتري إلى وقت قطعه المعتبر عند أهله.
(الرابعة) إذا باع الوصي المال الموصى به أو الوارث لزم البائع الضمان لأنه لا يصح أن يبيع بمؤجل أن تلف المبيع الموصى به، ومع وجوده البيع فاسد لأن الوصي لا يجوز له بيعه بمؤجل كالوكيل.
(الخامسة) قول الراهن أنا مقبضك وقول المرتهن أنا قابض كل ذلك صحيح لازم لكونه لسان أهل العصر لا نزاع في ذلك وفي مسائل غير ذلك.
(السادسة) إذا كان غنياً ولم تكن سكناه ببيت اليتيم في مصلحة ظاهرة لليتيم، فمقامه هو وزوجته مقام الغاصب حذو القذة بالقذة.
(السابعة) الذي يظهر أن مسيل الوقف المضر الذي لا يرجى كونه نخلاً صالحة أنه هو الليف غير المضر حكمه حكم الأغصان اليابسة.
(الثامنة) التلفيق في التقليد في واقعة واحدة لا يجوز، فالتقليد في أكل الجزور وفي مس الذكر صلاة المقلد صحيحة لأن ذلك ليس بتلفيق إنما هو كالمقلد لأبي حنيفة وحده، لأن أكل لحم الإبل غير ناقض عند الثلاثة، وإنما التلفيق الباطل كالذي يقلد أبا حنيفة في مس الذكر والإمام أحمد في دم يسير لحقه بعد الوضوء ونحو ذلك، لأنه صلاة باطلة عند الإمامين أبي حنيفة بيسير الدم وأحمد بمس الذكر، وهذا ونحوه هو التلفيق.
(التاسعة) أما دية العمد فإذا رضي أولياء المقتول بشيء صح ويشترك فيه جميع الورثة كالميراث، إلا أن يرضى أحد منهم بالتفضيل لبعضهم أو يرضى القاتل بعد رضاء الكل بأن لا يزيد المخوف منه شيئاً من غير الذي تراضوا عليه، لأن العمد لا دية فيه والرضاء بالقليل والكثير سواء.
وأما دية الخطأ فثابتة كثبوت الدين على العاقلة.
стр. 109
(العاشر) الحاصل في العقار المبيع في أرضه ومسيله بحركة الرياح والسيول حكمه حكم الأحجار والأشجار الحادثة تدخل في البيع كالتراب تلزم المشتري الحادث ولو كان حدوثه في أيام من قبله من ملاك العقار، أما إن رفع التراب أو أزاله عن موضعه الذي هو فيه بفعل الله شخص فان من رفعه يلزمه ضمان نقص ما أحدث في ملك غيره وهذا بلا أشكال.
(الحادية عشرة) إذا ساقاه بعدد أدوار معلومة فبعد الجذاذ لا سقي إلا بتراضيهما ومع التمساح فليس للمالك إلا قدر حسابه بما قبل الجذاذ من الأدوار لأن الجزء المشروط إنما حصل له في مقابلة الأدوار المشروطة فاذا لم تكمل وجب رد ما قبلها من جزء العامل لكونه لم يستحقه بالسقي والشرط صحيح لقوله ﷺ : "المؤمنون على شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو حلل حراماً".
(الثانية عشرة) أما ولي اليتيم إذا أقر بمبطل لتصرفه في مال اليتيم كفسقه، فان كان في ذلك حظ لموليه لم يبطل العقد بمجرد جرحه لنفسه لأنه مهتم فلا بد من البينة، وان كان الخط لليتيم في ثبوت العقد وعدم الحط في بطلانه قبل لعدم التهمة، وأما الشاهد فمتى جرح نفسه قبل الحكم وبعده لا لكن لا يضمن.
(الثالثة عشرة) إذا غارس الناظر بأصل الاستحقاق أو غرس فيها وهي عليه وحده ثم حدث وارث فالظاهر ان الحادث لا يقلع البناء والغراس، وإنما يستحق تقدير أجرة الأرض من استحقاقه.
(الرابعة عشرة) إذا نضب ماء البئر فحصل المالك الماء من بئر بعيدة كان للمساقي تفاوت ما بين البئرين.
(الخامسة عشرة) متى استظهر الإنسان زكاة ماله بيقين برئت ذمته من الزكاة من غير كيل ولا وزن ولا وعد ولا ذرع لأن المطلوب هو براءة الذمة، وكذلك حتى في زكاة الفطر.
(السادسة عشرة) نعم المزبلة المضرة يجوز لرؤساء البلد أن يفعلوا بها كما يفعل الحاكم من بيع واجارة وصرف ذلك في المصالح، بل هو أحسن من بقائها مضرة.
(السابعة عشرة) الوصية تصح مدة معلومة ومجهولة فاذا أوصى له بجزء واحد ذلك بالرشد، فمن رشد لم يستحق ما قابله.
(الثامنة عشرة) لا يقع الطلاق إلا بما حكي عن صاحب الروضة وهو موفق الدين ابن قدامة رحمه الله تعالى.
(التاسعة عشرة) كل بستان معتبر ضرره بنفسه لا يضاف إليه البستان المضر.
(العشرون) تصح هبة الشيء واستثناء نفعه مدة معلومة، لكن غلة العقار ليست من هذا القبيل في شيء لكونها معدومة مجهولة حينئذ فتصح الهبة ويلغو استثناء الغلة إلا أن تكون الثمرة موجودة وقت الهبة تشققت أم ظهرت بلا تشقق.
стр. 110
(الحادية والعشرون) تصح الحوالة بكل لفظ متعارف عند أهل تلك اللغة.
(الثانية والعشرون) نعم نمنعه لأن كل الأبوال نجسة عند أبي حنيفة إلا بول الحمار، وعند الشافعي مطلقاً وعند أحمد ومالك كل ما أكل لحمه فبوله طاهر وما لا فلا، فبول الحمار نجس عند الأربعة.
(الثالثة والعشرون) إذا خرج عن يده لم يكن له إلا يمين الذي دفعه ما علمت أن هذا هو النقد الذي دفعت إليك.
(الرابعة والعشرون) إذا وجد المشتري في المبيع عيباً واختار الإمساك وأخذ الارش فاستعمل صح ذلك وليس عليه قبل استعماله أنه يريد الارش بل تكفي نيته، ومتى اختلفا كان القول قوله في نيته فيحلف بالله ما رضيت به بعد علمي بالعيب، وما استعمله الأبنية أخذ الارش.
(الخامسة والعشرون) إذا سقيت السكين ماء نجساً لم تطهر، والظاهر أن هذا هو سقيها، فإن كان للسقي كيفية غير هذا فما أدري.
(السادسة والعشرون) إذا ادعى الوارث على مورثه عيناً أو ديناً ولا بينة فنكل ولو في مرض الموت المخوف صح ذلك، ولو استغرق ماله كله بخلاف التبرع والوصية، لكن متى اتهم حلف أن ذلك ليس بحيلة.
(السابعة والعشرون) يباع الأثاث والاواني وما يصلح ويضاف إلى الأثمان ويشتري به لأنه مراد الواقف، ولا يستقيم الأمر بدونه، وأما العقار فيترك على حاله يقف ثلثه.
(الثامنة والعشرون) إذا كان الزرع يزيده السقي فلو لم ينقصه الترك أجبر الممتنع.
(التاسعة والعشرون) صفة قبضه صفة قبض المشتري سواء بسواء.
(الثلاثون) الذي يظهر لي من هذه المسألة عدم صحة الوقف إلحاقاً له بالمبهم.
(الحادية والثلاثون) وأما وقف المصباح المذكور عما ذكرتم في السؤال فقربة والقائل أنه غير قربة غير مصيب.
(الثانية والثلاثون) إذا أتلف الإنسان الثمرة مع التلقيح ونحوه أو تلف ولد الغرس ونحوها فكيفية ذلك أن يقال قيمة العقار مع ثمرته والغرس مع ولدها ألف مثلاً ومع عدم ذلك ثمانمائة فيكون قيمة ذلك مائتين وعلى هذا فقس.
(الثالثة والثلاثون) إذا قال: إن قال فلان فهو صادق فليس بإقرار.
(الرابعة والثلاثون) الله أعلم.
(الخامسة والثلاثون) إذا اتحد الواقف فكالشخص الواحد ولو تعدد المستحق، وإن كان الواقف متعدداً فلكل واحد حكم نفسه.
стр. 111
(السادسة والثلاثون) إذا كان ذلك التدافع بلا حيلة صح.
(السابعة والثلاثون) الذي يظهر لي أن الممتنع على إصلاح أس الحائط١.
(الثامنة والثلاثون) نعم يسوغ له إنفاق الغلة التي يتحقق أنها تفضل إلى المسجد المحتاج لا إشكال في ذلك.
(التاسعة والثلاثون) الذي يظهر صحة الخلع واستحقاق الزوج للعوض وبينونة الزوجة بما جرى بينهما أنه خلع صحيح مبين، ولا أثر لقولها في إبطال العوض بدعوى الطلاق ولا سيما مع أن هذه هي اللغة المتعارفة في هذا الزمان.
(الأربعون) متى ثبت أن العين التي في يد مدعيها ملكها الذي قبله بغصب وشهدت له بذلك بينة انتزعها من صاحب اليد بشهادة البينة من غير أن تكلف البينة الشاهدة بملكه حينئذ والله أعلم.
стр. 112
الرسالة الرابعة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وله ﵀ جواب عن المسائل الآتية
(الأولى) ما خيار المجلس وما صورته؟
(الجواب) خيار المجلس يثبت للمتبايعين ولكل منهما فسخه ما داما مجتمعين وهو قول أكثر أهل العلم كما في الصحيحين عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا تبايع الرجلان فلكل واحد منهما الخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعاً أو يخير أحدهما الآخر فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك أحدهعما البيع فقد وجب البيع" والمرجع في التفريق إلى عرف الناس وعادتهم.
(الثانية) إذا تبايعا وشرطا أن ليس بينهما خيار مجلس
(الجواب) يلزم البيع ويبطل الخيار لقول النبي ﷺ في حديث ابن عمر: "فإن خير أحدهما صاحبه فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع" يعني لزم.
قال في الشرح وهذا مذهب الشافعي وهو الصحيح إن شاء الله لحديث ابن عمر.
(الثالثة) إذا تواعد رجلان يبغي أن يكتب أحدهما على الآخر مائة جديدة وبعد ذلك جاءه بالدراهم يريد أن يكتب عليه فقال بدالي هل يلزم أم لا؟
(الجواب) لا بد من قبض رأس مال المسلم في مجلس العقد فإن تفرقا قبل قبضه لم يصح وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، ومالك يجوز أن يتأخر قبضه يومين أو ثلاثاً أو أكثر ما لم يكن ذلك شرطاً.
стр. 113
(الرابعة) إذا اشترى رجل من آخر مائة صاع وواعده أن يكيلها الصبح فلما أتاه قال بدالي وهو لم ينقد الدراهم هل يلزمه أم لا؟
(الجواب) يلزم البيع بمجرد العقد ولا يوافق على فسخ البيع إلا برضا المشتري ولكن لا يجوز بيعه قبل قبضه لقوله ﷺ "من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه" متفق عليه.
(الخامسة) الإجارة والمساقاة هل هما عقد لازم أم جائز؟ وما معنى اللازم والجائز؟
(الجواب) أما الإجارة فهي عقد لازم وهو قول جمهور العلماء لأنها بمعنى البيع والمساقاة فأكثر الفقهاء على أنها عقد لازم واختاره الشيخ تقي الدين، وعند شيخنا أنها عقد لازم من جهة المالك وعقد جائز من جهة العامل، وأما معنى اللازم والجائز فاللازم هو الذي لا يمكن أحد من العاقدين من فسخه إلا برضا الآخر، والجائز هو الذي يفسخه بغير رضا صاحبه.
(السادسة) إذا باع رجل بعيراً على آخر وقال البائع الثمن عشرة وقال المشتري بل تسعة
(الجواب) إذا اختلفا في قدر الثمن ولا بينة لأحدهما تحالفا فحلف البائع أولاً ما بعته بكذا وإنما بعته بكذا ثم يحلف المشتري ما اشتريته بكذا فإن تحالفا ولم يرض أحدهما بقول الآخر انفسخ البيع وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي ورواية عن مالك، وعن أحمد أن القول قول البائع أو يترادان البيع لما روي ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة فالقول ما قال البائع أو يترادان البيع" رواه سعيد وابن ماجه. قال الزركشي وهذه الرواية وإن كانت خفية مذهبا فهي ظاهرة دليلاً وذكر دليلها وما إليها.
(السابعة) إذا أكرى رجل بعيراً وقال صاحب البعير الأجرة عشرة وقال المكتري الأجرة ثمانية.
(الجواب) إذا اختلفا في قدر الأجرة فهو كما إذا اختلفا في قدر الثمن كما تقدم في المسألة التي قبلها نص أحمد على أنهما يتحالفا وهو مذهب الشافعي، قال في الشرح وهو الصحيح إن شاء الله.
(الثامنة) إذا اكترى رجل بيتاً وقال صاحب البيت أنا مكريك سنة، وقال المستأجر أنا مستكري سنتين.
(فالجواب) القول قول المالك مع يمينه، قال في الشرح لأنه منكر للزيادة فكان القول قوله كما لو قال بعتك هذا العبد بمائة، وقال بل هذا العبد بمائتين.
(التاسعة) إذا تبايعا نخلا وشرطا الخيار عشر سنين وأخذ المشتري العمارة
стр. 114
في عشرة هذه السنين ويوم فك البائع النخل هل العمائر ترد على البائع أو تكون على المشتري يأخذها مع الدراهم؟
(الجواب) ما حصل من غلات المبيع ونمائه في مدة الخيار فهو للمشتري أمضيا العقد أو فسخاه لقول النبي ﷺ : "الخراج بالضمان" قال الترمذي هذا حديث صحيح وهذا من ضمان المشتري فيجب أن يكون له بمقابلة ضمانه.
(العاشرة) إذا رهن رجل سلعة وضاعت وهو لم يفرط فيها هل يسقط الدين أو الدين ثابت ولو ضاعت الرهانة؟
(الجواب) إذا تلف الرهن في يد المرتهن فإن كان بتعديه أو تفريطه في حفظه ضمنه، قال في الشرح لا نعلم فيها خلافاً، فأما إن تلف من غير تعد منه ولا تفريط فلا ضمان عليه وهو من مال الراهن. يروي ذلك عن علي ﵁، وبه قال عطاء والزهري والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وابن المنذر، فإن تلف بغير تعد ولا تفريط لم يضمنه ولم يسقط شيئاً من الدين بل هو ثابت في ذمة الراهن ولم يوجد ما يسقطه.
(الحادي عشرة) إذا ضمن رجل على آخر وادعى المضمون عنه أني أعطيت الضمين.
(الجواب) لصاحب الحق أن يطالب من شاء من الضمين أو المضمون عنه، وبه قال الشافعي والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي وأبو عبيد لقوله ﵇: "الزعيم غارم" فإن أدى المضمون عنه برئت ذمة الضامن بغير خلاف، وإن أدى الضامن الدين ونوى الرجوع رجع على المضمون عنه لما أداه لصاحب الحق وهو مذهب مالك والشافعي.
(الثانية عشرة) إذا أحال رجل على آخر عشرة دراهم على مليء وقبله وبعد هذا أفلس المحال عليه هل ينحرف على صاحبه أم لا؟
(الجواب) إذا أحاله على مليء برئت ذمة المحيل ولم يعد الحق إليه سواء أمكن الاستيفاء أم لا؟ وبه قال الليث والشافعي وأبو عبيد وابن المنذر لأنه أحاله على مليء برضاه وقبل ولم يكن له على المحيل رجوع بشرط أن تكون الحوالة صحيحة بشروطها.
(الثالثة عشرة) ما معنى تعارض البينتين؟
(الجواب) معنى تعارض البينتين تساويهما من كل وجه، فإذا أقام المدعي بينة وأقام المدعي عليه بينة وتساويا فقد تعارضتا، فإذا تعارضت بينتاهما سقطتا وكانا كمن لا بينة لهما.
(الرابعة عشرة) ما معنى قولهم بينة الداخل والخارج؟
(الجواب) بينة الخارج بينة المدعي وبينة الداخل بينة المدعى عليه.
стр. 115
(الخامسة عشرة) ما الفرق بين قسمة التراضي والإجبار؟
(الجواب) قسمة الإجبار هي التي لا ضرر فيها على أحد من الشركاء ويمكن تعديل السهام من غير رد عوض، فإن كان فيها ضرر لم يجبر الممتنع لقول رسول الله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" فإن كان فيها رد عوض فهي بمعنى البيع فلا يجبر عليها الممتنع، فإن لم تكمل هذه الشروط فهي قسمة تراض لا يجبر الممتنع عليها بل برضاه.
(السادسة عشرة) إذا بنى رجل بيتاً وبنى فيه مدابغ وكنيفاً وبنى جاره بعده بيتاً وأقام التالي بينة: إن كنيفك ومدابغك تضر بي
(الجواب) إذا كانت المدابغ والكنيف سابقة على ملك جاره ولا حدثت دار جاره إلا بعد بناء الكنيف والمدابغ فلا تزال لأنها سابقة على مالك الجار والجار هو الذي أدخل الضرر على نفسه وفي إزالة ضرره ضرر بجاره فلا يزال بالضرر إذا كانت المدابغ ونحوها سابقة على ملك الجار وإن ضرت بالجار والله أعلم.
(السابعة عشرة) إذا بنى رجل مدابغ أو كنيفاً وأقام الأول البينة إن هذه التي حدثت تضر بي
(الجواب) يمنع الجار أن يحدث في ملكه ما يضر بجاره لقول النبي ﷺ "لا ضرر ولا ضرار" فإذا أراد أن يحدث في ملكه ما يضر بجاره فإنه يمنع منه للحديث وهذه المسألة عكس التي قبلها في الصورة والحكم.
(الثامنة عشرة) إذا مات رجل وجاء آخر إلى الوارث يدعي أن له ديناً على الميت وليس على المدعي شهود ما صفة يمين الوارث؟
(الجواب) إذا لم يكن مع المدعي بينة وأراد أن يستحلف الوارث فإنه يحلف على نفي العلم. قال في المغني والأيمان كلها على البت والقطع إلا على نفي فعل الغير فإنها على نفي العلم، فإذا حلف على مثال أن يدعي عليه أي على الغير دين أو غصب فإنه يحلف على نفي العلم لا غير.
(التاسعة عشرة) إذا ادعى رجل على آخر بدعوى وليس عند المدعي بينة ما صفة يمين المنكر؟
(الجواب) يحلف المنكر على البت والقطع لأن الأيمان كلها على البت إلا على نفي الغير فإنها على نفي العلم كما تقدم في المسألة قبلها.
(العشرون) إذا تداعى اثنان ولا بينة معهما وصارت اليمين على المنكر فإن حلف قضي له، وإن أبى أن يحلف فهل يقضى عليه بنكوله أم يردون اليمين على المدعي
(الجواب) ففيه قولان هما روايتان عن أحمد (احداهما) لا ترد بل إذا نكل من توجهت عليه اليمين قضي عليه بالنكول وهو قول أبي حنيفة (والرواية الأخرى) أن اليمين ترد على المدعي فيقول له رد اليمين على المدعي فإن ردها حلف المدعي انتهى.
стр. 116
١وقال في (الباب السبعون) من الكتاب المذكور وقد ذكرنا في أول الكتاب جملة مقالة أهل السنة والحديث التي اجتمعوا عليها كما حكاه الأشعري عنهم، ونحن نحكي مسائله المشهورة هذا مذهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المتمسكين بها المقتدى بهم فيها من أصحاب رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا وأدركت من أدركت من علماء الحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئاً من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مخالف مبتدع خارج عن الجماعة زائغ عن منهج أهل السنة وسبيل الحق. قال وهو مذهب أحمد وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد وعبد الله بن الزبير الحميدي وسعيد بن المسيب وغيرهما ممن جالسنا وأخذنا عنهم فكان من قولهم أن الإيمان قول وعمل ونية وتمسك بالسنة، والإيمان يزيد وينقص، ويستثنى في الإيمان غير أن لا يكون الاستثناء شكاً، إنما هي سنة ماضية عند العلماء.
وإذا سئل الرجل أمؤمن أنت؟ فإنه يقول أنا مؤمن إن شاء الله، أو مؤمن أرجو أو يقول آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله. ومن زعم أن الإيمان قول بلا عمل فهو مرجيء. ومن زعم أن الإيمان هو القول والأعمال شرائع فهو مرجيء ومن زعم أن الإيمان يزيد ولا ينقص فقد قال بقول المرجئة ومن لم يرى الاستثناء في الإيمان فهو مرجيء. ومن زعم أن إيمانه كأيمان جبرائيل والملائكة فهو مرجيء ومن زعم أن المعرفة تقع في القلب وإن لم يتكلم بها فهو مرجيء.
والقدر خيره وشره قليله وكثيره، وظاهره وباطنه، وحلوه ومره، ومحبوبه ومكروهه، وحسنه وسيئه، وأوله وآخره من الله قضاء قضاه على عباده وقدره عليهم لا يعدو واحد منهم مشيئة الله ولا يجاوزه قضاء، بل هم كلهم صائرون إلى ما خلقهم له واقعون فيما قدر عليهم وهو عدل منه جل ثناءه وعز شأنه، والزنا والسرقة وشرب الخمر وقتل النفس وأكل المال الحرام والشرك والمعاصي كلها بقضاء الله وقدر من الله من غير أن يكون لأحد من الخلق على الله حجة بل لله الحجة البالغة على خلقه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
وعلم الله ماض في خلقه بمشيئة منه قد علم من إبليس ومن غيره من لدن عصى الله ﵎ إلى أن تقوم الساعة المعصية -وخلقهم فكل يعمل لما خلق له وصائر إلى ما قضي عليه لا يعدو واحد منهم قدر الله ومشيئته والله الفعال لما يريد.
ومن زعم أن الله سبحانه شاء لعباده الذين عصوه الخير والطاعة، وأن العباد شاءوا لأنفسهم الشر والمعصية فعملوا على مشيئتهم فقد زعم أن مشيئة العباد أغلب من مشيئة الله تعالى وأي افتراء على الله أكبر من هذا.
стр. 117
ومن زعم أن الزنا ليس بقدره قيل له أرأيت هذه المرأة حملت من الزنا وجاءت بولد هل شاء الله أن يخلق هذا الولد وهل مضى في سابق علمه فإن قال لا فقد زعم أن مع الله خالقاً وهذا الشرك صراح.
ومن زعم أن السرقة وشرب الخمر وأكل المال الحرام ليس بقضاء الله ولا قدره فقد زعم أن الإنسان قادر على أن يأكل رزق غيره وهذا صريح قول المجوسية، بل أكل رزقه الذي قضى الله أن يأكله من الوجه الذي أكله.
ومن زعم أن قتل النفس ليس بقدر الله فقد زعم أن المقتول مات بغير أجله وأي كفر أوضح من هذا، بل ذلك بقضاء الله وذلك عدل منه في خلقه وتدبيره فيهم، وما جرى من سابق علمه فيهم، وهذا عدل الحق الذي يفعل ما يريد.
ولا نشهد على أحد من أهل القبلة أنه في النار لذنب عمله ولا لكبير أتاها إلا أن يكون في ذلك حديث كما جاء على ما روي ولا بنص الشهادة، ولا نشهد أنه في الجنة بصالح عمله ولا بخير أتاه إلا أن يكون في ذلك حديث كما جاء على ما روي ولا بنص الشهادة. والخلافة في قريش ما بقي من الناس اثنان ليس لأحد من الناس أن ينازعهم فيها ولا يخرج عليهم ولا نقر لغيرهم بها إلى قيام الساعة.
والجهاد ماض قائم مع الأئمة بروا أو فجروا ولا يبطله جور جائر ولا عدل عادل.
والجمعة والعيدان والحج مع السلطان وان لم يكونوا بررة عدولا أتقياء، ودفع الصدقات والخراج والأعشار والفيء والغنائم إليهم عدلوا فيها أو جاروا، والانقياد لمن ولاه الله أمركم، لا تنزع يدا من طاعة ولا نخرج عليه بسيف حتى يجعل الله لنا فرجاً مخرجاً، ولا نخرج على السلطان ونسمع ونطيع، ولا ننكث بيعة فمن فعل ذلك فهو مبدع مخالف مفارق للجماعة، وان أمرك السلطان بأمر هو لله معصية فليس لك أن تطيعه البتة وليس لك أن تخرج عليه ولا تمنئه حقه.
والامساك في الفتنة سنة ماضية واجب لزومها، فان ابتليت فقدم نفسك دون دينك ولا تمن على الفتنة بيد ولا لسان: ولكن أكفف يدك ولسانك وهواك والله المعين، والكف عن أهل القبلة ولا نكفر أحداً منهم ولا نخرجه من الإسلام بعمل إلا أن يكون في ذلك حديث كما جاء وكما روي فنصدقه ونقبله ونعلم أنه كما روي نحو ترك الصلاة وشرب الخمر وما أشبه ذلك، أو يبتدع بدعة ينسب صاحبها إلى الكفر والخروج عن الإسلام فاتبع ذلك ولا تجاوزه.
(والأعور الدجال) خارج لا شك في ذلك ولا اريتاب وهو أكذب الكاذبين. وعذاب القبر حق يسأل العبد عن دينه وعن ربه، وعن الجنة وعن النار. ومنكر ونكير حق وهما فتانا القبر نسأل الله الثبات.
وحوض محمد ﷺ حق ترده أمته وآنيته عدد نجوم السماء يشربون بها منه. والصراط حق يوضع على سواء جهنم ويمر الناس عليه والجنة من وراء ذلك.
стр. 118
(والميزان) حق توزن به الحسنات والسيآت كما شاء الله أن توزن.
(والصور) حق ينفخ فيه اسرافيل فتموت الخلق ثم ينفخ فيه أخرى فيقومون لرب العالمين للحساب، وفصل القضاء والثواب والعقاب والجنة والنار (واللوح المحفوظ) يستنسخ منه أعمال العباد كما سبق فيه من المقادير (والقضاء والقلم) حق كتب الله به مقادير كل شيء وأحصاه في الذكر.
والشفاعة يوم القيامة حق يشفع قوم في قوم فلا يصيرون إلى النار ويخرج قوم من النار بعدما دخلوا ولبثوا فيها ما شاء الله ثم يخرجهم من النار، وقوم يخلدون فيها أبدا وهم أهل الشرك والتكذيب والجحود والكفر بالله .
ويذبح الموت يوم القيامة بين الجنة والنار، وقد خلقت الجنة وما فيها وخلقت النار وما فيها خلقهما الله عزس وجل وخلق الخلق لهما لا تفنيان ولا يفنى ما فيها أبدا، فان احتج مبتدع أو زنديق بقول الله ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ وبنحو هذا من متشابه القرآن قل له كل شيء مما كتب الله عليه الفناء والهلاك والجنة والنار خلقهما الله للبقاء لا للفناء ولا للهلاك وهما من الآخرة لا من الدنيا.
(والحور العين) لا يمتن عند قيام الساعة ولا عند النفخة ولا أبدا لأن الله خلقهن للبقاء لا للفناء ولا يكتب عليهن الموت، فمن قال خلاف ذلك فهو مبتدع ضال عن سواء السبيل، وخلق سبع سموات بعضها فوق بعض، وسبع أرضين بعضها أسفل من بعض وبين الأرض العليا وسماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام والماء فوق السماء السابعة العليا.
وعرش الرحمن فوق الماء والله على العرش والكرسي موضع قدميه، وهو يعلم ما في السموات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى وما في قمر البحر ومنبت كل شعرة وشجرة وكل زرع وكل نبات ومسقط كل ورقة، وعدد كل كلمة، وعدد الرمل والحصا، والتراب ومثاقيل الحبال وأعمال العباد وآثارهم، وكلامهم وأنفاسهم، ويعلم كل شيء ولا يخفى عليه شيء من ذلك وهو على العرش فوق السماء السابعة، ودونه حجب من نار وحجب من نور وظلمة وما هو أعلم به.
فان احتج مبتدع بقول الله تعالى ﴿َنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ وبقوله ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ﴾ الآية ونحو هذا من متشابه القرآن فقل انما يعني بذلك العلم لأنه الله على العرش فوق السماء السابعة العليا يعلم ذلك كله وهو بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان الله عرش وللعرش حملة يحملونه والله على عرشه وليس له حد والله سميع لا يشك بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى ولا يسهو. قريب لا يغفل، يتكلم وينظر ويبسط ويضحك ويفرح ويحب ويكره ويبغض ويرضى ويسخط ويرحم ويعفو ويغفر ويعطي ويمنح وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
стр. 119
وقلوب العباد بين اصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء ويوعيها ما أراد، وخلق آدم بيده على صورته، والسموات والأرض يوم القيامة في كفه، ويضع قدمه في النار فتنزوي، ويخرج قوماً من النار بيده، وينظر إلى وجهه أهل الجنة يرونه فيكرمهم ويتجلى لهم، وتعرض عليه العباد يوم القيامة ويتولى حسابهم بنفسه ولا يلي ذلك غيره .
والقرآن كلام الله تكلم به ليس بمخلوق. فمن زعم أن القرآن مخلوق فهو جهمي كافر، ومن زعم أن القرآن كلام الله ووقف فلم يقل ليس بمخلوق فهو أخبث من القول الأول، ومن زعم أن ألفاظنا وتلاوتنا مخلوقة والقرآن كلام الله فهو جهمي.
وكلم الله موسى تكليما منه إليه وناوله التوراة من يده إلى يده ولم يزل الله متكلما، والرؤيا من الله، وهي حق، إذا رأى صاحبها في منامه ما ليس أضغاثاً فقصها على عالم وصدق ولم يحرف فيها تأولها العالم على أصل تأويلها الصحيح وتأويلها حينئذ حق، وكانت الرؤيا من الأنبياء وحيا، فأي جاهل أجهل ممن يطعن في الرؤيا ويزعم أنها ليست بشيء؟ وبلغني أن من قال هذا القول لا يرى الاغتسال من الاحتلام.
وقد روي عن النبي ﷺ : "ان رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده –وقال- إن الرؤيا من الله"، وذكر محاسن أصحاب رسول الله ﷺ كلهم والكف عن مساويهم التي شجرت بينهم، فمن سب أصحاب النبي ﷺ أو واحداً منهم أو تنقصه، أو طعن عليهم أو عرض بعيبهم أو عاب أحد منهم فهو مبتدع رافضي خبيث لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً بل حبهم سنة والدعاء لهم قربة، والإقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة.
وأفضل الأمة بعد النبي ﷺ أبو بكر وعمر وبعد عمر عثمان وعلي ووقف قوم على عثمان، وهم خلفاء راشدون مهديون، ثم أصحاب رسول الله ﷺ بعد هؤلاء الأربعة لا يجوز لأحد أن يذكر شيئاً من مساوئهم، ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا نقص فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ويستتيبه فإن تاب قبل منه، وإن لم يتب أعاد عليه العقوبة ويدخله الحبس حتى يتوب ويرجع.
ويعرف للعرب حقها وسابقتها وفضلها ويحبهم لحديث رسول الله ﷺ : "حب العرب من الإيمان وبغضهم نفاق" ولا يقول بقول الشعوبية وأراذل الموالي الذين لا يحبون العرب ولا يقرون لهم بفضل فإن قولهم بدعة. ومن حرم المكاسب والتجارات وطلب المال من وجهه فقد جهل وأخطأ، بل المكاسب من وجهها حلال قد أحلها الله ورسوله فالرجل ينبغي أن يسعى على نفسه وعياله من فضل ربه، فإن ترك ذلك على أن لا يرى ذلك الكسب حلالاً فقد خالف الكتاب والسنة.
(والدين) إنما هو كتاب الله وآثار وسنن وروايات صحاح من الثقات والأخبار الصحيحة القوية المعروفة ويصدق بعضها بعضاً حتى ينتهي ذلك
стр. 120
إلى رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ أجمعين والتابعين وتابع التابعين ومن بعدهم من الأئمة المعروفين المقتدى بهم المتمسكين بالسنة المتعلقين بالآثار لا يعرفون ببدعة ولا يطعنون بكذب ولا يرمون بخلاف إلى أن قال فهذه الأقاويل التي وصفت مذهب أهل السنة والجماعة والأثر والروايات وحملة العلم الذين أدركناهم عنهم الحديث وتعلمنا منهم السنن وكانوا أئمة معروفين ثقات أهل صدق وأمانة يقتدى بهم ويؤخذ عنهم لم يكونوا أصحاب بدع ولا خلاف ولا تخليط وهذا قول أئمتهم وعلمائهم الذين كانوا قبلهم فتمسكوا بذلك وتعلموه وعلموه.
(قلت) حرب هذا هو صاحب الإمام أحمد وإسحاق وله عنهم مسائل جليلة وأخذ عن سعيد بن منصور وعبد الله بن الزبير الحميدي وهذه الطبقة، وقد حكى هذه المذاهب عنهم واتفاقهم عليها.
ومن تأمل النقول عن هؤلاء وأضعاف أضعافهم والحديث وجده مطابقاً لما نقله حرب، ولو تتبعناه لكان بقدر هذا الكتاب مراراً.
وقد جمعنا منه في مسألة علو الرب تعالى على خلقه واستوائه على عرشه وحده سفراً متوسطاً فهذا مذهب المستحقين لهذه البشرى قولاً وعملاً واعتقاداً وبالله التوفيق. انتهى كلامه من كتاب حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ﵀ ورضي الله عنه.
стр. 121
الرسالة الخامسة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(من حمد بن ناصر إلى الأخ جمعان حفظه الله تعالى)
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته (وبعد) الخط وصل وصلك الله تعالى إلى رضوانه وهذا جواب المسائل واصلك إن شاء الله.
(الأولى) في من طلق زوجته في مرض موته وأبانها فالذي عليه العمل ترثه مادامت في العدة في قول جمهور العلماء، وكذا ترثه بعد العدة ما لم تتزوج كما ذهب إليه مالم والإمام أحمد بل مذهب مالك أنها ترثه ولو تزوجت والراجح الأول.
(المسألة الثانية) قولهم في المطلقة هل عليها أطول الأجلين من ثلاث حيض أو أربعة أشهر وعشر فصورة المسألة على ماصورت في السؤال وأما الخلاف فالمشهور عن أحمد المعمول به عند أصحابه أن المطلقة البائن في مرض الموت تعتد أطول الأجلين من عدة الوفاة أو ثلاثة قروء، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وقال الشافعي تبني على عدة الطلاق.
(المسألة الثالثة) المشهور جواز إجارة العين المستأجرة قال في المغني يجوز للمستأجر أن يأجر العين المستأجرة إذا قبضها. نص عليه أحمد وهو قول سعيد بن المسيب وابن سيرين ومجاهد وعكرمة والنخعي والشعبي والثوري والشافعي
стр. 122
وأصحاب الرأي، وأما إجارته قبل قبضه فلا يجوز من غير المؤجر في أحد الوجهين وهو قول أبي حنيفة والمشهور من قول الشافعي، ويجوز للمستأجر إجارة العين بمثل الأجرة والزيادة نص عليه أحمد وهو مذهب الشافعي وابن المنذر.
(المسألة الرابعة) وهي مسألة الحرز فالحرز ما جرت العادة بحفظ المال فيه ويختلف باختلاف الأموال، فحرز الغنم الحظيرة وحرزها في المرعى بالراعي ونظره إليها إذا كان يراها في الغالب وما نام عنه منها فقد خرج عن الحرز، والضابط ما ذكرناه وهو أن الحرز ما جرت العادة بحفظ المال فيه والأموال تختلف، وتفصيل المسألة مذكور في باب القطع في السرقة فراجعه.
(المسألة الخامسة) وهي السرقة من الثمر قبل إيوائه الحرز فهذا لا قطع فيه، ولو كان عليه حائط أو حافظ إذا كان في رءوس النخل لحديث رافع بن خديج "لا قطع في ثمر ولا كثر" وكذلك الماشية تسرق من المرعى إذا لم تكن محرزة لا قطع فيها وتضمن بمثل قيمتها، والثمر يضمن بمثل قيمته لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وروى الأثرم أن عمر غرم حاطب بن أبي بلتعة حين نحر غلمانه ناقة رجل من مزينة مثل قيمتها، وهذا مذهب أحمد، وأما الجمهور فقالوا لا يجب عليه إلا غرامة مثله. قال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً قال بوجوب غرامة مثليه. وحجة أهل القول الأول حديث عمرو بن شعيب قال أحمد: لا أعلم شيئاً يدفعه وأما المختلس والخائن وغيرهم فلا يغرم إلا مثله من غير زيادة على المثل أو القيمة، لأن الأصل وجوب غرامة المثل بمثليه، والمتقوم بقيمته خولف في هذين الموضعين للأثر، ويبقى ما عداهما على الأصل.
(المسألة السادسة) إذا جامع جاهلاً أو ناسياً في نهار رمضان هل حكم الجاهل حكم الناسي أم بينهما فرق؟ فالمشهور أن حكمهما واحد عند يوجب الكفارة، وبعض الفقهاء فرق بين أن يكون جاهلاً بالحكم أو جاهلاً بالوقت فأسقط الكفارة عن الجاهل بالوقت كما لو جامع أول يوم من رمضان يظن أنه من شعبان أو جامع يعتقد أن الفجر لم يطلع فبان أنه قد طلع، ومن أسقطها عن الجاهل بالوقت فالناسي مثله وأولى قال الشيخ تقي الدين: لا قضاء على من جامع جاهلاً بالوقت أو ناسياً ولا كفارة أيضاً.
(المسألة السابعة) وهي مسألة القذف فالقذف ينقسم إلى صريح وكناية كالطلاق، فالصريح ما لا يحتمل غيره نحو يا زان يا عاهر يا منيوك ونحو ذلك والكناية التعريض بالألفاظ المجملة المحتملة للقذف وغيره، فإن فسر الكناية بالزنا فهو قذف لأنه أقر على نفسه، وإن فسره بما يحتمله غير القذف قبل مع يمينه ويعزر تعزيراً يردعه وأمثاله عن ذلك، فمتى وجد منه اللفظ المحتمل للقذف وغيره ولم يفسره بما يوجب القذف فإنه يعزر لا حد عليه.
(المسألة الثامنة) هل للأب أن يأخذ من صداق ابنته أم لا؟ فالمشهور عن أحمد جواز ذلك وهو قول إسحاق، وقد روي عن مسروق أنه زوج ابنته واشترط لنفسه
стр. 123
عشرة آلاف فجعلها في الحج والمساكين ثم قال للزوج جهز امرأتك. وروي ذلك عن علي بن الحسين أيضاً استدلوا لذلك بما حكى الله عن شعيب ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ وبقوله ﷺ : "أنت ومالك لأبيك" وقوله: "إن أولادكم من كسبكم فكلوا من أموالهم" فإذا اشترط لنفسه شيئاً من الصداق كان قد أخذ من مال ابنته وله ذلك.
(المسألة التاسعة) إذا كان للإنسان طعام في ذمة رجل وليس هو سلماً وذلك بأن يكون قرضاً أو أجرة أرض أو عمارة نخل وأراد صاحبه أن يأخذ عنه جنساً أخر من الطعام فهذا لا بأس به إذا لم يتفرقا وبينهما شيء فإن اتفاقا على المعارضة وتفرقا قبل التقابض لم يثبت إلا للأول ومتى تقابضا جازت المعاوضة ويجوز ذلك في بيع الأعيان لقوله ﷺ : "فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم يداً بيد" كما ورد في السنة بمثل ذلك في قبض الدراهم عن الدنانير والدنانير عن الدراهم في حديث ابن عمر.
(العاشرة) العاصب للميت من كان أقرب من غيره بعد العاصب أو قرب، فمتى ثبتت النسبة بان هذا ابن عم الميت ولا يعرف أحد أقرب منه فهو العاصب وإن بعد عن الميت، فإن عرف أن هذا الميت من هذه القبيلة ولم يعرف له عاصب معين وأشكل الأمر دفع إلى أكبرهم سناً، فإن كان للميت وارث ذو فرض أخذ فرضه، وإن لم يوجد عاصب فالرد إلى ذوي الفرض أولى من دفعه في بيت المال، ويرد على ذوي الفرض على حسب ميراثهم إلا الزوج والزوجة فلا يرد عليهم.
(الحادية عشرة) إذا زنت المرأة البكر وجلدت فهل تغرب أم لا؟ فالمسألة فيها خلاف بين العلماء والمشهور أنها تغرب كما هو ظاهر الحديث أعني قوله ﷺ : "البكر بالكبر جلد مائة وتغريب عام".
стр. 124
الرسالة السادسة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(من حمد بن ناصر إلى الأخ جمعان بن ناصر)
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته (وبعد) وصل الخط وصلك الله إلى رضوانه وسر الخاطر، وإن سألت عن حال أخيك فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، نسأل الله أن يتم علينا نعمته في الدنيا والآخرة، وكل من تسأل عنه طيب، وسعود وآل الشيخ وعيالهم وعيالنا الجميع في عافية ونعمة، وما ذكرت من التحول إلى رنية فأرجو أن يكون سفراً مباركاً، نسأل الله أن ينزلنا وإياكم منزلاً مباركاً وهو خير المنزلين، ولا تنس الدعاء بما أوصى الله به نبيه ﷺ ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً﴾ وأما المسائل التي سألت عنها:
(الأولى) إذا استأجر إنسان من آخر ناضحاً يسقي عليه شجره أو زرعه،
стр. 125
وشط عليه إن ما الناضح أو عجف فالأجرة تامة، وإن لم يسق عليه إلا يوماً واحداً ورضي كل منهما بذلك هل يحكم بفسادها أم لا؟
فالذي يظهر لي صحة ذلك العقد إذا كانت الأجرة معلومة والمدة معلومة، وأما الشرط فهو فاسد فإن مات الناضح أو عجف لزم المستأجر قسط ما مضى من المدة وانفسخ فيما بقي إن لم يتراضيا على إتمام العمل على ناضح واحد.
وأما قولك: هل إجارة الإنسان نفسه أو دابته بجزء مشاع من الثمرة قبل ظهورها أو قبل بدو صلاحها صحيح أم لا؟ فاعلم أن الثمرة لا يصح بيعها قبل بدو صلاحها ولا تجعل أجرة للعمل، لأن جعلها أجرة بيع لها، وأما إن ساقاه على الثمرة بجزء منها فذلك صحيح قبل ظهورها وبعده.
وأما قولك: إذا فرق نائب الإمام جماعته النائبة وكان بعضهم غائباً وأخذ الأمير من رجل دراهم وجعلها سلماً في ثمر ذمة الغائب ما الحكم إذا ترافعا؟ فالذي يظهر لي أن هذا السلم لا يلزم الغائب، لأن الغائب معذور وطريق الحيلة أن يقترض عليه أو يقرضه الأمير بنفسه، فإّا قدم طالبه بما لزمه من النائبة.
وأما قياسكم على صاحب الدين إذا امتنع عن وفاء دينه وباع الحاكم لوفاء دينه فقياس غير صحيح، وذلك أن الحاكم له تسلط على بيع مال الممتنع من وفاء دينه إذ لا طرق للوفاء إلا بذلك، وأما هذا الغائب فلم يمتنع، بل لو كان الذي عليه الدين غائباً لم يكن للحاكم بيع ماله.
وأما قولك: من ينظر في جراح النساء فالذي ينظر في جراح النساء من يوثق به من أهل الخبرة والمعرفة.
وأما قولك: هل شهادة النساء في استهلال الجنين من جهة الإرث إذا كن اثنتين فأكثر مقبولة أم لا؟ فالمشهور أنه يقبل في ذلك قول امرأة واحدة إذا كانت عدلة مرضية لأن مالا يطلع عليه يقبل قولهن فيه، وقد نص الفقهاء على قبول المرأة وحدها في ذلك وفي المسألة خلاف.
وأما قولك: هل الغرة في الجنين واجبة على كل حال خلق أم لا؟
فالمشهور أن الغرة تجب إذا وضعت المرأة ما تنقضي بها عدتها وتصير به الأمة أم ولد وذلك إذا تبين فيه خلق الآدمي.
وأما قولك: إذا غاب من الإنسان يده أو رجله بجناية الغير وبقي العضو مع عيبه هل الدية تامة؟ فهذا فيه تفصيل وذلك أنه ينظر إلى العضو فإن ذهب نفعه بالكلية بحيث تعطل نفعه فديته تامة، وأما إذا كان في العضو نفع فليس فيه من الدية إلا بقدر الذاهب من النفع.
وأما قولك: هل المعتبر فيما تحمله العاقلة لا تحمل ما دون الثلث فما فوقه بالجاني أو المجني عليه. فاعلم أن المشهور أن العاقلة لا تحمل ما دون الثلث، ولا
стр. 126
تحمل ما فوق الثلث في الخطأ خاصة، وأما في العمد فتلزم الجاني في ماله حالة، وإذا حملت العاقلة ردا لم تحمل فالاعتبار في ذلك بحال المجني عليه إذا كان حراً مسلماً ولم يكن جنيناً، وأما دية الجنين فلا تحمله العاقلة لنقصه عن الثلث إلا إذا كان تبعاً لأمه وأنت سالم والسلام.
стр. 127
الرسالة السابعة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من حمد بن ناصر إلى الأخ جمعان حفظه الله تعالى
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد الخط وصل أوصلك الله إلى رضوانه وكذلك السؤال وصورته.
ما قول العلماء فيمن دفع دابة إلى آخر يسقي زرعاً بجزء من الثمرة سواء كان الدفع قبل وجود الزرع أو بعدما أخضر الزرع، وسواء كانت مدة السقي معلومة أو مجهولة مثل أن تهزل أو تعجف هل هذا جائز يشبه دفع الدابة إلى من يعمل عليها مغلها أم هذا ليس بصحيح لعدم معرفة الأجرة والجهل بالمدة إذا لم توقت.
فنقول هذه المسألة لم أقف عليها منصوصة في كلام العلماء ولكنهم نصوا على ما يؤخذ منه حكم هذه المسألة.
فمن ذلك أنهم ذكروا أن من شرط صحة الإجارة معرفة قدر الأجرة ومعرفة قدر المدة قال في المغني يشترط في عوض الإجارة كونه معلوماً لا نعلم في ذلك خلافاً انتهى.
ولكن هذه المسألة هل تلحق بمسائل الإجارة وتعطى أحكامها أم تلحق بمسائل الشركة وتعطى أحكامها مثل المساقاة والمزارعة والمضاربة وغير ذلك من مسائل المشاركات فإن قلنا أنها بمسائل الإجارة أشبه، فالإجارة لا تصح إلا بأجرة معلومة على مدة معلومة.
ولهذا اختلف العلماء في جواز إجارة الأرض ببعض ما يخرج منها كثلث أو ربع فمنعه أبو حنيفة والشافعي وغيرهما وعللوه بأن العوض مجهول فلا تصح الإجارة بعوض مجهول وأجازه الإمام أحمد فمن أصحابه من قال بل هو مزارعة بلفظ الإجارة.
قال في الإنصاف والصحيح من المذهب أن هذه إجارة وأن الإجارة تصح بجزء مشاع معلوم مما يخرج من الأرض المؤجرة وهو من مفردات المذهب انتهى.
وقال في المغني إجارة الأرض بجزء مشاع مما يخرج كنصف أو ثلث أو ربع المنصوص عن أحمد جوازه وهو قول أكثر الأصحاب، واختار أبو الخطاب أنها لا تصح وهو الصحيح إن شاء الله لما تقدم من الأحاديث في النهي من غير معارض لها، ولأنها إجارة بعوض مجهولاً فلم تصح كإجارتها بثلث ما يخرج من أرض أخرى، ولأنه لا نص في جوازها ولا يمكن قياسها على المنصوص، فإن النصوص إنما وردت بالنهي عن
стр. 128
إجارتها بذلك ولا نعلم في تجويزها نصاً، والمنصوص جواز إجارتها بذهب أو فضة أو شيء معلوم فأما نص أحمد فيتعين حمله على المزارعة بلفظ الإجارة انتهى.
وقال في المغني أيضاً: قال إسماعيل بن سعيد سألت أحمد عن الرجل يدفع البقرة إلى الرجل على أن يعلفها ويحفظها وما ولدت من ولد بينهما؟ قال أكره ذلك، وبه قال أيوب وخيثمة ولا أعلم فيه مخالفاً وذلك لأن العوض معدوم مجهول ولا يدري أيوجد أم لا والأصل عدمه انتهى.
وأما إن ألحقنا هذه المسألة المسئول عنها بمسائل الشركة وقلنا هي بمسائل الشركة أشبه جرى فيها من اختلاف العلماء ما جرى في نظائرها وأنا اذكر بعض ما ذكره العلماء في هذا الباب.
قال في المغني: وإن دفع دابته إلى آخر ليعمل عليها وما رزق الله بينهما نصفين أو ثلاثاً وكيفما شرطا صح نص عليه في رواية الاثرم ومحمد بن سعيد، ونقل عن الأوزاعي ما يدل علة هذا وكره ذلك الحسن والنخعي وقال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي لا يصح والربح كله لرب المال وللعامل أجرة مثله.
ولنا أنها عين تنمي بالعمل عليها فصح العقد عليها ببعض نمائها كالدراهم والدنانير وكالشجر في المساقاة وا لأرض في المزارعة.
وقد أشار الإمام أحمد إلى ما يدل على تشبيهه لمثل هذا بالمزارعة، فقال لا بأس باثوب يدفع بالثلث والربع لحديث جابر أن النبي ﷺ أعطى خيبر على الشطر وهذا يدل على أنه صار في مثل هذا إلى الجواز لشبهه بالمساقاة والمزارعة لا المضاربة ولا إلى الإجارة.
ونقل أبو داود عن أحمد فيمن يعطي فرسه على النصف من الغنيمة أرجو أن لا يكون به بأس، ونقل أحمد بن سعيد فيمن دفع عبده لرجل ليكتسب عليه ويكون له ثلث ذلك أو ربعه فجائز، والوجه فيه ما ذكرناه في مسألة الدابة، وإن دفع ثوبه إلى خياط ليفصله قميصاً وله نصف ربحه بعمله جاز. نص عليه في رواية حرب، وإن رفع غزلاً إلى رجل ينسجه ثوباً بثلث ثمنه أو ربعه جاز نص عليه، ولم يجز مالك وأبو حنيفة الشافعي شيئاً من ذلك.
وقال الاثرم: سمعت أبا عبد الله يقول لا بأس بالثوب يدفع بالثلث والربع، وسئل عن الرجل يعطي الثوب بالثلث ودرهم او درهمين قال أكرهه لأن هذا شيء لا يعرف، الثلث إذا لم يكن معه شيء نراه جائزاً لحديث جابر أن النبي ﷺ أعطى خيبر على الشطر، قيل لأبي عبد الله فإن كان النساج لا يرضى حتى يزاد على الثلث درهماً؟ قال فليجعل له ثلثا وعشرا ثلثا ونصف عشر وما أشبه انتهىملخصاً.
وقد نص أحمد على جواز دفع الثوب لمن يبيعه بثمن يقدره له ويقول ما زاد فهو لك، ولو دفع عبده أو دابته إلى من يعمل بهما بجزء من الأجرة أو ثوباً
стр. 129
يخيطه أو غزلاً بجزء من ربحه أو بجزء منه جاز نص عليه وهو المذهب جزم ناظم المفردات وهو منها.
وقال في الحاوي الصغير: ومن استأجر من يجذ نخله أو يحصد زرعه بجزء مشاع منه جاز نص عليه في رواية مهنا، وعنه لا يجوز وللعامل أجرة مثله.
ونقل مهنا في الحصاد هو أحب ألي من المقاطعة، وعنه له دفع دابته أو نخله لمن يقوم به بجزء من نمائه. اختاره الشيخ تقي الدين، والمذهب لا لحصول نمائه بغير عمله انتهى ملخصاً.
وقال في المغني: وإن اشترك ثلاثة من أحدهم الأرض ومن الآخر البذر ومن البقر والعمل على أن ما زرق الله بينهم فعملوا فهذا عقد فاسد نص عليه أحمد في رواية أبي داود ومهنا وأحمد بن القاسم، وبهذا قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي فعلى هذا يكون الزرع لصاحب البذر لأنه نماء ماله ولصاحبيه عليه أجرة مثليهما انتهى.
وقال في موضع آخر: فإن اشترك ثلاثة من أحدهم دابة ومن الآخر راوية، ومن الأخر العمل على أن ما رزق الله بينهم صح في قياس قول أحمد فإنه قد نص في الدابة يدفعها إلى آخر يعمل عليها على أن لهما الأجرة على الصحة وهذا مثله.
وهكذا لو اشترك أربع من أحدهم دكان ومن الآخر رحى، ومن آخر بغل ومن آخر العمل على أن يطحنوا وما رزق الله تعالى فهو بينهم صح وكان بينهم على ما شرطوه.
وقال القاضي: العقد الفاسد في المسألتين جميعاً وهو ظاهر قول الشافعي انتهى.
ومن تأمل ما نقلناه تبين له حكم مسألة السؤال والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 130
الرسالة الثامنة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من حمد بن ناصر إلى الأخ جمعان بن ناصر حفظه الله تعالى آمين
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد وصل الخط وصلك الله إلى رضوانه وكل من تسأل عنه طيبون آل الشيخ وسعود وإخوانه وأولاده الجميع فيما تحب ولله الحمد، وأن سألت عن حالي فالحمد لله الذي بنعمته تنم الصالحات وما ذكرت من جهة العذر عن الزيارة فعذرك واضح ولا عليك شرهة في الزيارة والحالة هذه، وما ذكرت من جهة المشاورة في التحول بأهلك جهة رنية فالذي أراه لك استخارة الله سبحانه، فإن وجدت نفسك مهتوية فتوكل على الله والوادي فيه ما يكفيك وهذا رجب تبغي تصدر قالته إن شاء الله ولا أكره لك نفع الناس وبث العلم الذي تفهم لا كان في أصل الدين ولا فروعه، واحرص على تعليم الناس ما أوجب الله عليهم وكثرة القراءة في نسخ الأصول خصوصاً مختصرات الشيخ ﵀ وكذلك السير وحط الباب على تعليم العامة أصل دين الإسلام ومعرفة أدلته ولا تكتف بالتعليم أنشدهم واجعل لهم وقتاً تسألهم عن أصل دينهم، ولا تغفل عن استحضار النية فإن الأعمال
стр. 131
بالنيات وإنما لكل امريء ما نوى، والله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً صواباً، فالصواب ما وافق شرع رسول الله ﷺ والخالص ما أريد به وجه الله تعالى.
قال تعالى ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ وأحذر القول على الله بلا علم فإن الله تعالى لما ذكر المحرمات العظام ختمها بقوله تعالى ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ فجعل القول منه بلا علم قريناً للشرك في الآية الكريمة، الله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها، ولكن العبد هو الذي يكلف نفسه ويحملها ما لا تطيق ويعرضها لسخط الله ومقته.
ومن أعظم التكلف أن يتكلم الإنسان بما لا يعلم، والواجب على الإنسان أن يتكلم في دين الله بما يعلم فإن لم يكن عنده علم فليقل الله ورسوله أعلم، ولا تستح من قول لا أدري فقد قيل إذا ترك العالم قول لا أدري أصيبت مقاتله.
فإذا وقع عليك قضية من القضايا فإن كان عندك علم فتكلم وإلا فإن أمكن فيها الإصلاح فأصلح فيها فإن الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً، فإن لم يمكن الصلح أولم يرض به الخصمان فأصرفهما عنك ولا تعاظم ذلك ولا تستح منه فإن الأمر عظيم ولا بد من يوم تعاد فيه الخصومات بين يدي رب العالمين، قال تعالى ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ .
وأما المسائل التي سألت عنها (فالأولى) شهادة المرأة الواحدة في الرضاع عند من يقول به هل تصدق ولو ادعت أم الطفل كذبها؟ فالأمر كذلك تصدق والقول قولها.
وأما قولك: هل تعتبر العدالة في المرضعة إذا ادعت الرضاع؟ فالأمر كذلك بل لا بد من العدالة في الشهادة في الرضاع وغيره، والمراد العدالة ظاهراًن وأما الرضاع فنصوا على العدالة في المرأة إذا ادعت ذلك قال ابن عباس: يقبل قولها إّا كانت مرضية وتستخلف فإذا حلفت فارق الزوج المرأة. وقال الشيخ تقي الدين: يقبل قول المرأة في الرضاع إذا كانت معروفة بالصدق لحديث عقبة المخرج في الصحيحين.
وأما قولك: إذا ماتت المرأة وشهد على إقرارها بالرضاع امرأة أو امرأتان فالظاهر أن ذلك لا يعمل به لأن الشهادة على الشهادة لها تسعة شروط (أحدها) أن تكون في غير حق الله (ومنها) أن يستدعي شاهد الأصل شاهد الفرع فيقول اشهد على شهادتي. وأيضاً فإن الشهادة على الرضاع لا تقبل إلا مفسرة لاحتمال أن يكون الشاهد يرى في الرضاع خلاف الصواب، فلا بد من تفسير الرضاع بخمس رضعات في الحولين.
(المسألة الثانية) إذا كان بين شريكين نخل أو زرع وأراد أحدهما تركه للآخر وعوضه كيلاً معلوماً أو جزءاً مشاعاً من الثمرة فهذا مساقاة لا مشاركة ولا بأس بها،
стр. 132
فإن كان بجزء مشاع فهو مساقاة وإن كان بكيل معلوم فهو إجارة وفيها خلاف والمفتى به عندنا جوازها.
(المسألة الثالثة) إذا كان شريكان في نخل أو زرع وبدا صلاح الثمرة واشترى أحدهما نصيب الآخر بكيل يشترطه من الثمرة بعينها والبائع عليه مؤونة الكد حتى يتم العمل، فهذه مسألة من حيث أن كلام الفقهاء فيها يخالف ظاهر السنة قال ابن عبد البر: الخرص في المساقاة لا يجوز عند جميع العلماء وعلله وجعل أخذ الثمرة بكيل معلوم من المزابنة المنهي عنها، ولكن ظاهر السنة جاوز هذا، فإنه قد ثبت أن رسول الله ﷺ كان يبعث عبد الله بن رواحة يخرص على أهل خيبر، فإذا خرصها خيرهم وقال: "إن شئتم فخذوها بخرصها وإن شئتم فهي لنا" وقد روي أنه خرص عليهم أربعين ألف وسق فأخذوا الثمن وضمنوا للمسلمين عشرين قال ابن القيم على فوائد قصة خيبر وفيها جواز قسمة الثمار خرصاً، وان القسمة ليست بيعاً. انتهى بمعناه.
وأما الأمر الذي لا يجوز وهو واقع كثيراً وينبغي التفطن له والتنبيه عليه إذا كان لرجل طعام في ذمة صاحب النخل قد أسلمه في ذمته وحضرت الثمرة وأخذ المسلم من المسلم إليه نخلاً بخرصه فهذا لا يجوز ولا يحل لمن أخذه أن يبيعه حتى يكتاله لقول رسول الله ﷺ : "من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يكتاله" حديث صحيح. ونص الفقهاء على أنه لا يجوز لمن قبض الطعام جزافا أن يبيعه حتى يكيله.
стр. 133
الرسالة التاسعة
...
(من حمد بن ناصر إلى الأخ جمعان بن ناصر)
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته (وبعد) وصل الخط أوصلك الله إلى رضوانه وتسأل فيه عن مسائل:
(الأولى) المطلقة البائن إذا مات زوجها الذي أبانها وهي في العدة فهذا إن كان زوجها أبانها في الصحة فإنها تبني على عدة الطلاق ولا تعتد للوفاة كما لو أبانها في المرض.
(الثانية) المتوفى عنها وهي حامل هل هي في إحداد ولو تعتد أربعة أشهر وعشراً؟ فالأمر بذلك هي في إحداد حتى تضع حملها.
(الثالثة) العبد المملوك إذا سرق من حرز من غير مال سيده هل يجب عليه القطع؟ فالأمر كذلك وأما سيده فلا يقطع بسرقة ماله.
(الرابعة) فيمن طلق امرأته قبل أن يدخل بها ثلاث تطليقات هل إذا بانت في الأولى هل تحل له بملاك جديد أم تحرم عليه؟ فلا تحل له إلا بعد الزواج الثاني بعد أن يجامعها ولا تحل للأول قبل جماع الزوج الثاني، وأما إن كان طلقها ثلاثاً واحدة بعد واحدة فإنها الطلاق تيبن بالأولى ولا يلحقها بقية الطلاق لأن غير المدخول بها لا عدة عليها ولا يلحقها الطلاق، فإذا بانت بالأولى حلت لزوجها بعقد ثان، وإن لم تتزوج غيره وتبقى معه على طلقتين.
стр. 134
(الخامسة) فيمن طلق زوجته تطليقتين بعد المسيس ثم تزوجت له زوجاً ثانياً وطلقها قبل أن يمسها هل ترجع إلى الأول؟ فالأمر كذلك ولا تأثير لهذا الزوج في حل العقد لأنها حلال لزوجها قبله، فإذا اعتدت خلت لزوجها الأول بعقد جديد، فإن لم يكن خلا فلا عدة عليها ويعقد عليها الثاني في الحال.
(السادسة) إذا وطيء الصبي الصبية هل يلزمهما غير التعزير؟ فلا يلزمهما حد بل يعزران تعزيراً بليغاً قال الشيخ تقي الدين: لا خلاف بين العلماء أن غير المكلف يعزر على الفاحشة تعزيراً بليغاً.
(السابعة) فيمن رمى صبية بالزنا أو صبياً فإن كان يمكن الوطء من مثله كبنت تسع وابن عشر فهذا يقام الحد على قذفهما، وإن لم يبلغا بخلاف الصغير الذي لا يجامع مثله والصغيرة التي لا يجامع مثلها فليس على قذفهما إلى التعزير وأما الصغير إذا قذف الكبير فليس عليه إلا التعزير.
(الثامنة) عبارة الشرح في تفسير الشرطين وكذلك عبارة الانصاف التي نقلت، فالذي عليه الفتوى أن الشرطين الصحيحين لا يؤثران في العقد كما هو اختيار الشيخ تقي الدين.
(التاسعة) الجراح المقدرات مثل الموضحة والمأمومة والجائفة إذا كانت في العبد فديتها في العبد نسبتها من ثمنه، فالموضحة من الحر ديتها نصف عشر الدية، ومن العبد نصف عشر قيمته، والجائفة في الحر فيها ثلث الدية، ومن العبد ثلث قيمته، وأما الجراحات التي لا مقدر فيها من الحر فديتها من العبد ما نقص قيمته بعد البرء.
(العاشرة) دية المملوك هل هي على النصف من الحر؟ فليس الأمر كذلك بل دية المملوك قيمته سواء كثرت أو قلت، وإذا قتل الحر العبد لم يقد به لقوله تعالى ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ .
(الحادية عشرة) الإقرار بالزنا هل يكفي فيه مرة أو أربع فالمسألة خلافيه بين أهل العلم، والأحوط أنه لا بد من الإقرار أربع مرات كما هو مذهب الإمام أحمد، ولابد أن يقيم على إقراره حتى يتم الحد، فإن رجع عن إقراره لم يقم عليه الحد، وكذا لو شرعوا في إقامة الحد عليه فرجع لحديث ماعز والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 135
الرسالة العاشرة
...
(من حمد بن ناصر إلى الأخ جمعان سلمه الله تعالى)
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته (وبعد) وصل الخط أوصلك الله إلى رضوانه، تسأل عمن اعتقل لسانه عن بغض الكلام دون بغض وهو مريض وقيل له: أوص لأخيك فلان بالنفقة وكرر عليه مراراً وسكت سكتة ثم قال فلان يسميه باسمه ويشير برأسه إشارة ولم يتكلم بالنفقة ما حكم هذه الوصية؟
(فالجواب) أن العلماء اختلفوا في وصية من اعتقل لسانه في الشرح لما ذكر صحة وصية الأخرس: فأما الناطق إذا اعتقل لسانه فعرضت عليه وصية فأشار
стр. 136
بها وفهمت إشارته فلا تصح وصيته إذا لم يكن مأيوساً من نطقه ذكره القاضي وابن عقيل وبه قال الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة ويحتمل أن تصح وهو قول الشافعي وابن المنذر وقال في الانصاف: لا تصح وصية من اعتقل لسانه وهو المذهب وعنه التوقف، ويحتمل أن تصح إذا اتصل بالموت وفهمت إشارته اختاره في الفائق.
(قلت) وهو الصواب قال الحارثي وهو الأولى واستدل له بحديث رض اليهودي رأس الجارية وإيمائها انتهى. وهذا الاختلاف فيما إذا اعتقل لسانه واتصل به الموت، وهذا المسئول عنه قد تكلم باسم الرجل فالظاهر من حاله يقدر على التلفظ بالوصية ولم يلفظ بها فلا يدخل تحت الصورة المختلف فيها، والأقرب عندي عدم الصحة والله أعلم.
(المسألة الثانية) إذا احتاج العامل إلى جعل حظيرة على زرعه تمنع الرياح عن مضرة الزرع ومنعه المالك معللاً بأن الحظيرة تجمع التراب، فالأقرب في مثل هذا أن العامل عن فعل ذلك لأن فيه منفعة مقصودة، ولكن يلزمه إزالة الحظيرة وقلع ما اجتمع فيها من التراب الذي ألقته الريح، فتحصل المصلحة للعامل من غير ضرر على المالك.
وأما مسألة الميراث فقد علمت الذي عليه العمل في أصل المسألة وأما هذه الصورة بعينها فلا أعلم الحكم فيها.
стр. 137
الرسالة الحادية عشرة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ومن جواب مسائل سئل عنها حمد بن ناصر بن معمر ﵀
قال بعد كلام سبق (وأما المسألة السابعة) وهي قولك: أنا نقول إن الإنسان إذا لم يحصل له الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه يهاجر.
فنقول في هذه المسألة كما قال العلماء رحمهم الله تعالى: تجب الهجرة على من عجز عن إظهار دينه بدار الحرب، فإن قدر على إظهار دينه فهجرته مستحبة لا واجبة وقال بعضهم بوجوبها لما في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "أنا بريء من مسلم بين ظهراني المشركين" إن لم تكن البلد بلد حرب ولم يظهر الكفر فيها لم نوجب الهجرة إذا لم يكن فيها إلا المعاصي وعلى هذا يحمل الحديث الوارد عن النبي ﷺ أنه قال: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده" الحديث. انتهى جواب الشيخ رحمه الله تعالى.
стр. 138
الرسالة الثانية عشرة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(من حمد بن ناصر إلى الأخ جمعان جعله الله من أهل العلم والإيمان)
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته (وبعد) الخط وصل أوصلك الله إلى رضوانه وكذلك المسائل التي تسأل عنها.
стр. 139
(الأولى) إذا سرقت الدابة ونحرت إلى آخر المسالة
(فالجواب) أن الدابة إن سرقت من حرز مثلها كالبعير المعقول الذي عنده حافظ أو لم يكن معقولاً، وكان الحافظ ناظراً إليه أو مستيقظاً بحيث يراه ونحو ذلك مما ذكره الفقهاء في معرفة حرز المواشي فهذه إذا سرقت من الحرز فعلى السارق القطع بشرطه، فإن لم تكن في حرز فلا قطع على السارق وعليه مثلاً قيمة مثلها، وهو مذهب الإمام أحمد. واحتج بأن عمر غرم حاطب بن أبي بلتعة حين انحر غلمانه ناقة رجل من مزينة مثلي قيمتها. وأما من سرق من الثمر المعلق فلا قطع عليه وعليه غرامة مثليه في مذهب الإمام احمد، وقال أكثر الفقهاء: لا تجب فيه اكثر من مثليه وبالغ أبو عمر بن عبد البر فقال: لا اعلم أحداً من الفقهاء قال بوجوب غرامة مثليهن والصحيح ما ذهب إليه الإمام احمد لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ سئل عن الثمر المعلق فقال "من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئاً بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع" حديث حسن. قال الإمام أحمد: لا أعلم شيئاً يدفعه. وأما ما عدا هذا أعني الثمرة والماشية فالمشهور من مذهب الإمام أحمد لا يغرم أكثر من القيمة إن كان متقوماً أو مثله إن كان مثلياً لأن الأصل وجوب غرامة المثل فقط بدليل المتلف والمغصوب والنهب والاختلاس وسائر ما تجب غرانته فخولف الأصل في هذين الموضعين للأثر ويبقى ما عداهما على الأصل.
واختار الشيخ تقي الدين ﵀ وجوب غرامة المثلين في كل سرقة لا قطع فيها.
(وأما قول السائل) وفقه الله: وإذا اختلفا في القيمة ولا بينة لهما من القول قوله؟ فالظاهر من كلامهم أن القول قول الغارم.
(وأما قوله) وإذا سرقها ثم باعها على من لا يعرف فما الحكم؟ فنقول فيها كما تقدم وهو غرامة المثلين على ما ذكرنا من تغريم عمر حاطباً، وعلى ما دل عليه حديث عمرو بن شعيب فإن فيه أن السائل قال: الشاة الحريسة يا نبي الله؟ قال: "ثمنها ومثله معه" ولا فرق بين بيع الشاة وبين ذبحها ونحر الناقة وبيعها.
(المسألة الثانية) إذا دبر الرجل جاريته كقوله أنت عتيق بعد موتي وإذا مت فأنت حرة هل بين هذه الألفاظ فرق؟
(فالجواب) أنه لا فرق بين هذه الألفاظ، بل متى علق صريح العتق بالموت فقال أنت حرة محررة أوعتيق بعد موتي صارت مدبرة بغير خلاف علمته.
(وأما قوله) وإذا دبرها وهي حامل أو حملت بعد التدبير فما الحكم في ولدها؟ فنقول أما إذا دبرها وهي حامل فإن ولدها يدخل معها في التدبير بغير خلاف علمناه لأنه بمنزلة عضو من أعضائها، وأما إذا حملت به بعد التدبير ففيه خلاف بين العلماء فذهب الجمهور إلى أنه يتبع أمه في التدبير ويكون حكمه حكمها في العتق بموت سيدها
стр. 140
وهو مروي عن ابن مسعود وابن عمر، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن والقاسم ومجاهد والشعبي والنخعي وعمر بن عبد العزيز والزهري ومالك والثوري وأصحاب الرأي.
وذكر القاضي أن حنبلاً نقل عن أحمد أن ولد المدبرة عبد إذا لم يشترط المولي؟ قال فظاهره أنه لا يتبعها ولا يعتق بموت سيدها. وهذا قول جابر بن زيد هو بمنزلة الحائط تصدقت به إذا مت، فإن ثمرته لك ما عشت وللشافعي قولان كالمذهبين.
(المسألة الثالثة) إذا تصرف الفضولي وأنكر صاحب المال فلم يجز التصرف فما الحكم في نماء المبيع؟
(فنقول) اختلف الفقهاء في تصرف الفضولي إذا أجازه المالك هل هو صحيح أم لا؟ والخلاف مشهور، وأما إذا لم يجز المالك فلم ينعقد بيع أصلاً ولا تدخل هذه المسألة في الخلاف بل الملك باق على ملك صاحبه ولا ينتقل بتصرف الفضولي ونماؤه لمالكه.
(وأما قوله) إذا قال الفضولي للمشتري أنا ضامن ما الحكم في الغرامة هل يلزمه غرامة النماء؟ فنقول إن كان المشتري جاهلاً أن هذا مال الغير أو كان عالماً لكن جهل الحكم وغره الفضولي فما لزم المشتري من الغرامة من هذا النماء الذي تلف تحت المعهود يكون على الضامن الغار.
(المسألة الرابعة) وهي قوله على القول بإثبات الشفعة بالشركت في البئر والطريق، وهل إذا باع إنسان عقاره وقد وقعت الحدود إلا أن الشركة باقية في البئر والطريق ومسيل الماء هل يأخذ الشفيع المبيع كله لأجل الشركة في هذه الأمور أم لا شفعة له إلا في البئر والطريق ومسيل الماء؟
(فنقول) على القول بإثبات الشفعة بالشركة في البئر والطرق يأخذ الشفيع المبيع كله بالشركة في البئر والطريق ولا يختص ذلك بالبئر نفسها ولا بالطريق وحده، وقد نص على ذلك أحمد في رواية أبي طالب فإنه سأله عن الشفعة لمن هي؟ فقال للجار إذا كان الطريق واحداً، فإذا صرفت الطرق وعرفت الحدود فلا شفعة، ويدل على ذلك ما رواه أهل السنن الأربعة من حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ " الجار أحق بشفعة جاره وإن كان غائباً إذا كان طريقهما واحد".
وفي حديث جابر المتفق عليه "الشفعة في كل مال يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" فمفهوم الحديث الأخير موافق لمنطوق الأول بإثبات الشفعة إذا لم تصرف الطرق. والشركة في البئر تقاس على الشركة في الطريق لأن الشفعة إنما شرعت لإزالة الضرر عن الشريك ومع بقاء الشركة في البئر والطريق يبقى الضرر بحاله وهذا اختيار الشيخ تقي الدين ﵀ وهو الذي عليه الفتوى.
стр. 141
وأما الشفعة فيما لا ينقل وليس بعقار كالشجر إذا بيع مفرداً ونحو ذلك فاختلف العلماء في ذلك فالمشهور في المذهب أنها لا تثبت فيه الشفعة وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي، وعن أحمد رواية أخرى أن الشفعة تثبت في البناء والغراس وأن بيع مفرداً لعموم قوله ﷺ : "الشفعة فيما لم يقسم" ولأن الشفعة تثبت لدفع الضرر فيما لا ينقسم أبلغ منه فيما ينقسم. وقد روى الترمذي من حديث عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "الشفيع شريك والشفعة في كل شيء" وقد روي مرسلاً ورواه الطحاوي من حديث جابر مرفوعاً ولفظه: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شيء.
وأما مسألة الضيافة على القول بوجوبها فالضيف على من نزل به، وأما الغائب ومن لم ينزل به الضيف فلا يجب عليه معونة المنزول به إلا أن يختار المعين.
وأما مسألة المريض الذي أبرأ غرماءه مما عليهم من الدين فلما بريء من المرض أراد الرجوع فيما زاد على الثلث فهذا لا رجوع فيه، بل يسقط الدين بمجرد إسقاطه، وإنما التفصيل فيما إذا برأ من الدين ومات في ذلك المرض.
وأما الذي أبرأ غريمه على شرط مجهول بأن شرط عليه ذلولاً تمشي في الجهاد دائماً، ومتى ماتت اشترى أخرى أو شرط عليه أضحية كل سنة على الدوام فهذا لا يصح والبراءة والحالة هذه لا تصح والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 142
الرسالة الثالثة عشر
...
من حمد بن ناصر إلى الأخ سعيد أسعده الله بطاعته وجعله من أهل ولايته.
سلام عليكم ورحمه الله وبركاته. وبعد الخط وصل وصلك الله إلى رضوانه وسر الخاطر حيث أفاد العلم بطيبكم وصحة حالكم أحال الله عنا وعنك جميع ما نكره.
وأما المسألة المسئول عنها هل الدين يمنع الزكاة في الأموال الباطنة أم لا؟ فالمسألة فيها ثلاث روايات عن أحمد ليس كما ذكر صاحب الشرح حيث ذكر أن الدين يمنع وجوب الزكاة رواية واحدة، والروايات الثلاث حكاها في الفروع والانصاف.
(الأولى) وهي المذهب الدين يمنع وجوب الزكاة.
(والثانية) أنه لا يمنع مطلقاً كما هو مذهب الشافعي.
(الثالثة) الفرق بين الحال وغيره فالحال يمنع وجوب الزكاة بخلاف المؤجل واختار هذه الرواية بعض الأصحاب وهي ظاهر حديث عثمان لأنه قال هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليقضه ثم ليزك ما بقي، وهذه الرواية هي التي عليها ظاهر الفتوى.
стр. 143
(المسألة الثانية) وهي أن الناس قبل الإسلام منهم من لا يورث المرأة ومنهم من يصالحها ويسلمون وبينهم عقار ونحوه من الإرث شيء باعه الرجال ولم يعطوا النساء منه شيئاً قبل الإسلام الخ، فالذي عليه الفتوى في هذه المسائل أعني عقود الجاهلية من نكاح وبياعات وعقود الربا والغصوب ومنع المواريث أهلها ونحو ذلك أن من أسلم على شيء من ذلك لم نتعرض له فلا نتعرض لكيفية عقد النكاح هل وقع بشروطه كالولي والشهود ونحو ذلك، وكذلك البياعات لا تنقض إذا اسلم المتعاقدان ولا ننظر كيف وقع العقد، وكذلك عقود الربا إذا أسلما ولم يتقابضا بل أدركهما الإسلام قبل التقابض فليس لصاحب الدين إلا رأس ماله لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ .
وأما المال المقبوض فلا يطالب به القابض إذا أسلم لقوله تعالى: ﴿َمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ وكذلك المواريث والغصوب فإذا استولى إنسان على حق غيره وتملكه في جاهليته ومنع ملكه بحيث أيس منه ثم أسلم وهو في يده لا ينازع فيه فهذا لا نتعرض له لظاهر قوله ﷺ : "الإسلام يجب ما قبله" ولأن الناس أسلموا في عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين ولم يبلغنا أنهم نظروا في أنكحة الجاهلية ولا في عقودهم ومعاملاتهم ولا في غصوبهم ومظالمهم التي تملكوها في حال كفرهم.
قال ابن جريج قلت لعطاء أبلغك أن رسول الله ﷺ أقر الجاهلية على ما كانوا عليه؟ قال لم يبلغنا إلا ذلك، وقال الإمام أحمد في رواية مهنا من أسلم على شيء فهو عليه.
وقال الشيخ تقي الدين ولو تزوج المرتد كافرة مرتدة كانت أو غيرها ثم أسلما فالذي ينبغي أن يقال هنا أن نقرهم على مناكحهم كالحربي إذا أنكح نكاحاً فاسداً ثم أسلما فإن المعنى واحد وهو جيد في القياس إذا قلنا أن المرتد لا يؤمر بقضاء ما تركه في الردة من العبادات، فأما إذا قلنا أنه يؤمر بقضاء ما تركه من العبادات ويضمن ويعاتب على ما فعله ففيه نظر، وما يدخل في هذا كل عقود المرتدين إذا أسلموا قبل التقابض أو بعده، وهذا باب واسع يدخل فيه جميع أحكام أهل الشرك في النكاح وتوابعه والأموال وتوابعها أو استولوا على مال مسلم أو تقاسموا ميراثاً ثم أسلموا بعد ذلك والدماء وتوابعها كذلك. انتهى كلام الشيخ ﵀.
وقال ﵀ في موضع آخر: ولو تقاسموا ميراثاً جهالاً فهذا شبيه بقسم ميراث المفقود إذا ظهر حياً لا يضمنون ما أتلفوا لأنهم معذورون، وأما الباقي فيفرق بين المسلم والكافر فإن الكافر لا يرد باقياً ولا يضمن تالفاً انتهى.
وأما قولك: وأيضاً ذكر الفقهاء أن المرتد لا يرث ولا يورث فكفار أهل زماننا هل هم مرتدون أم حكمهم حكم عبدة الأوثان لأنهم مشركون؟ (فنقول) أما من دخل منهم
стр. 144
في الإسلام ثم ارتد عنه فهؤلاء مرتدون وأمرهم عندك واضح، وأما من لم يدخل في دين الإسلام بل أدركته الدعوة الإسلامية وهو على كفره كعبدة الأوثان اليوم فهذا حكمه حكم الكافر الأصلي لأنا نقول أن الأصل الإسلام والكفر طاريء، بل نقول الذين نشأوا بين الكفار وأدركوا آباءهم على الشرك بالله هم كآبائهم كما دل عليه الحديث الصحيح "فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" فإذا كان دين آبائهم الشرك بالله فنشأ هؤلاء عليه واستمروا عليه فلانقول الأصل الإسلام والكفر طاريء، بل نقول هم كالكفار الأصليين ولا يلزم هنا على هذا تكفير من مات في الجاهلية قبل ظهور هذا الدين، فإنا لا نكفر الناس بالعموم كما أنا لا نكفر اليوم بالعموم، بل نقول من كان من أهل الجاهلية عاملاً بالإسلام تاركاً للشرك فهو مسلم وأما من كان يعبد الأوثان ومات على ذلك قبل ظهور هذا الدين فهو ظاهره الكفر وإن كان يحتمل أنه لم تقم عليه الحجة الرسالية لجهله وعدم من ينبهه لأنا نحكم على الظاهر، وأما الحكم على الباطن فذلك أمره إلى الله والله تعالى لم يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة كما قال تعالى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ وأما من مات منهم مجهول الحال فهذا لا نتعرض له ولا نحكم بكفره ولا بإسلامه وليس ذلك مما كلفنا به ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فمن كان منهم مسلماً أدخله الله الجنة، ومن كان منهم كافراً أدخله الله النار، ومن كان لم تبلغه الدعوة فأمره إلى الله، وقد علمت اختلاف العلماء في أهل الفترة ومن لم تبلغه الحجة الرسالية وأيضاً فإنه لا يمكن أن نحكم في كفار زماننا بما حكم به الفقهاء في المرتد بأنه لا يرث ولا يورث لأن من قال بأنه لايرث ولا يورث يجعل ماله فيئاً لبيت مال المسلمين وطرد هذاالقول أن يقال جميع أملاك الكفار اليوم بيت مال لأنهم ورثوها عن أهاليهم وأهاليهم مرتدون ولا يورثون وكذلك الورثة مرتدون لايرثون لأن المرتد لايرث ولايورث، وأما إذا حكمنا فيهم بحكم الكفار الأصليين لم يكن شيء من ذلك بل يتوارثون، فإذا أسلموا فمن أسلم على شيء فهو له ولا نتعرض له ولا نتعرض لما مضى منهم في جاهليتهم لا المواريث ولا غيرها، وقد روى أبو داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ "من أسلم على شيء فهو له" ونص أحمد على مثل ذلك كما تقدم عنه في رواية مهنا.
وأعلم بأن القول بأن المرتد لا يرث ولا يورث أحد الأقوال في المسألة وهو المشهور في المذهب وهو مذهب مالك الشافعي (والقول الثاني) أنه لورثته من المسلمين وهو رواية عن أحمد وهو مروي عن أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وهو قول جماعة من التابعين وهو الأوزعي وأهل العراق (والقول الثالث) أن ماله لأهل دينه الذي اختاره ان كان منهم من يرثه وإلا فهو فيء وهو رواية عن أحمد وهو مذهب داود بن علي والسلام.
(فائدة) قال في الإقناع وشرحه: وإذا ذبح السارق المسلم أو الكتابي المسروق مسمياً حل لربه ونحوه أكله ولم يكن ميتة كالمغصوب ويقطع السارق إن كان قيمة
стр. 145
المذبوح نصاباً وإلا فلا –إلى أن قال: - ومن سرق من ثمر أو شجر أو جمار نخل وهو الكثر بضم الكاف وفتح المثلثة قبل إدخاله الحرز كأخذه من رءوس النخل وشجر من بستان لم يقطع، وإن كان عليه حائط وحافظ، ويضمن عوضه مرتين لحديث رافع بن خديج أن النبي ﷺ قال: "لا قطع في ثمر ولا كثر" رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سئل النبي ﷺ عن الثمر المعلق فقال: "من أصاب بغيته من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة" ولأن الثمار في العادة تسبق اليد إليها فجاز أن تغلظ قيمتها على سارقها ردعاً له وزجراً بخلاف غيرها، وقوله ﷺ "غير متخذ خبنة" بالخاء المعجمة ثم باء موحدة ثم نون أي غير متخذاً في حجره، ومن سرق منه أي من الثمر نصاباً بعد أن يؤويه الحرز كجرين ونحوه أو سرق نصاباً من ثمر من شجره في دار محرزة قطع لقوله ﵇ في حديث عمرو بن شعيب السابق " ومن سرق منه شيء بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع" رواه أحمد والنسائي وأبو داود ولفظه له، وكذلك الماشية تسرق من المرعى من غير أن تكون محرزة تضمن بمثلي قيمتها ولا قطع كثمر وكثر، واحتج أحمد بأن عمر غرم حاطب بن أبي بلتعة حين نحر غلمانه ناقة مزينة مثلي قيمتها. رواه الاثرم، وما عداها أي الثمر والكثر والماشية يضمن بقيمته مرة واحدة إن كان متقوماً أو مثله إن كان مثلياً كان التضعيف فيها على خلاف القياس للنص فلا يتجاوزه محل النص وقال في كتاب الأطعمة: ومن مر بثمر على شجر أو مر بثمر ساقط تحته لا حائط عليه أي على الشجر ولا ناظر ولو كان المار غير مسافر ولا مضطر فله أن يأكل منه ولو لغير حاجة إلى أكله ولو أكله من غصونه من غير رميه ولا ضرر به ولا صعود شجره لما روى أبو سعيد أن النبي ﷺ قال: "إذا أتيت حائط بستان فناد: يا صاحب البستان. فان أجابك وإلا فكل من غيرأن تفسد " رواه أحمد وابن ماجه ورجاله ثقات.
قال في المبدع: وروى سعيد باسناده نحوه مرفوعاً، ومثله عن عبد الرحمن بن سمرة وأبو برزة وهو قول عمرو بن شعيب وابن عباس وعلم منه أنه لا يجوز رميه بشيء ولا صعود شجره لأنه يفسد، واستحب جماعة أن ننادي قبل الأكل ثلاثاً يا صاحب البستان فان أجابه وإلا أكل للخبر السابق، وكذلك ينادي للماشية إذا أراد أن يشرب من لبنها ولبن ماشية إذا مر بها كالثمر لما روى الحسن عن سمرة مرفوعاً قال: "إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان صاحبها فيها فليستأذنه فإن لم يجد أحداً فليحتلب وليشرب ولا يحتمل" رواه الترمذي وصححه، وحديث ابن عمر "لا يحتلبن أحدكم ماشيته إلا بإذنه" متفق عليه يحتمل حمله على ما إذا كان حائط أو حافظ جمعاً بين الخبرين، والأولى في الثمار وغيرها كالزرع ولبن الماشية لا يأكل منها إلا بإذن خروجاً من الخلاف انتهى كلام الإقناع وشرحه، وصلى الله عليه محمد وآله وصحبه وسلم.