← Фатава

Фатава · id 11380

مجموعة الرسائل والمسائل والفتاوى

حمد بن ناصر آل معمر

Полный текст (238 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وأما الشفعة فيما لا ينقل وليس بعقار كالشجر إذا بيع مفرداً ونحو ذلك فاختلف العلماء في ذلك فالمشهور في المذهب أنها لا تثبت فيه الشفعة وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي، وعن أحمد رواية أخرى أن الشفعة تثبت في البناء والغراس وأن بيع مفرداً لعموم قوله ﷺ : "الشفعة فيما لم يقسم" ولأن الشفعة تثبت لدفع الضرر فيما لا ينقسم أبلغ منه فيما ينقسم. وقد روى الترمذي من حديث عبد العزيز بن رفيع عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "الشفيع شريك والشفعة في كل شيء" وقد روي مرسلاً ورواه الطحاوي من حديث جابر مرفوعاً ولفظه: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شيء. وأما مسألة الضيافة على القول بوجوبها فالضيف على من نزل به، وأما الغائب ومن لم ينزل به الضيف فلا يجب عليه معونة المنزول به إلا أن يختار المعين. وأما مسألة المريض الذي أبرأ غرماءه مما عليهم من الدين فلما بريء من المرض أراد الرجوع فيما زاد على الثلث فهذا لا رجوع فيه، بل يسقط الدين بمجرد إسقاطه، وإنما التفصيل فيما إذا برأ من الدين ومات في ذلك المرض. وأما الذي أبرأ غريمه على شرط مجهول بأن شرط عليه ذلولاً تمشي في الجهاد دائماً، ومتى ماتت اشترى أخرى أو شرط عليه أضحية كل سنة على الدوام فهذا لا يصح والبراءة والحالة هذه لا تصح والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 142

الرسالة الثالثة عشر ... من حمد بن ناصر إلى الأخ سعيد أسعده الله بطاعته وجعله من أهل ولايته. سلام عليكم ورحمه الله وبركاته. وبعد الخط وصل وصلك الله إلى رضوانه وسر الخاطر حيث أفاد العلم بطيبكم وصحة حالكم أحال الله عنا وعنك جميع ما نكره. وأما المسألة المسئول عنها هل الدين يمنع الزكاة في الأموال الباطنة أم لا؟ فالمسألة فيها ثلاث روايات عن أحمد ليس كما ذكر صاحب الشرح حيث ذكر أن الدين يمنع وجوب الزكاة رواية واحدة، والروايات الثلاث حكاها في الفروع والانصاف. (الأولى) وهي المذهب الدين يمنع وجوب الزكاة. (والثانية) أنه لا يمنع مطلقاً كما هو مذهب الشافعي. (الثالثة) الفرق بين الحال وغيره فالحال يمنع وجوب الزكاة بخلاف المؤجل واختار هذه الرواية بعض الأصحاب وهي ظاهر حديث عثمان لأنه قال هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليقضه ثم ليزك ما بقي، وهذه الرواية هي التي عليها ظاهر الفتوى.

стр. 143

(المسألة الثانية) وهي أن الناس قبل الإسلام منهم من لا يورث المرأة ومنهم من يصالحها ويسلمون وبينهم عقار ونحوه من الإرث شيء باعه الرجال ولم يعطوا النساء منه شيئاً قبل الإسلام الخ، فالذي عليه الفتوى في هذه المسائل أعني عقود الجاهلية من نكاح وبياعات وعقود الربا والغصوب ومنع المواريث أهلها ونحو ذلك أن من أسلم على شيء من ذلك لم نتعرض له فلا نتعرض لكيفية عقد النكاح هل وقع بشروطه كالولي والشهود ونحو ذلك، وكذلك البياعات لا تنقض إذا اسلم المتعاقدان ولا ننظر كيف وقع العقد، وكذلك عقود الربا إذا أسلما ولم يتقابضا بل أدركهما الإسلام قبل التقابض فليس لصاحب الدين إلا رأس ماله لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ . وأما المال المقبوض فلا يطالب به القابض إذا أسلم لقوله تعالى: ﴿َمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ وكذلك المواريث والغصوب فإذا استولى إنسان على حق غيره وتملكه في جاهليته ومنع ملكه بحيث أيس منه ثم أسلم وهو في يده لا ينازع فيه فهذا لا نتعرض له لظاهر قوله ﷺ : "الإسلام يجب ما قبله" ولأن الناس أسلموا في عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين ولم يبلغنا أنهم نظروا في أنكحة الجاهلية ولا في عقودهم ومعاملاتهم ولا في غصوبهم ومظالمهم التي تملكوها في حال كفرهم. قال ابن جريج قلت لعطاء أبلغك أن رسول الله ﷺ أقر الجاهلية على ما كانوا عليه؟ قال لم يبلغنا إلا ذلك، وقال الإمام أحمد في رواية مهنا من أسلم على شيء فهو عليه. وقال الشيخ تقي الدين ولو تزوج المرتد كافرة مرتدة كانت أو غيرها ثم أسلما فالذي ينبغي أن يقال هنا أن نقرهم على مناكحهم كالحربي إذا أنكح نكاحاً فاسداً ثم أسلما فإن المعنى واحد وهو جيد في القياس إذا قلنا أن المرتد لا يؤمر بقضاء ما تركه في الردة من العبادات، فأما إذا قلنا أنه يؤمر بقضاء ما تركه من العبادات ويضمن ويعاتب على ما فعله ففيه نظر، وما يدخل في هذا كل عقود المرتدين إذا أسلموا قبل التقابض أو بعده، وهذا باب واسع يدخل فيه جميع أحكام أهل الشرك في النكاح وتوابعه والأموال وتوابعها أو استولوا على مال مسلم أو تقاسموا ميراثاً ثم أسلموا بعد ذلك والدماء وتوابعها كذلك. انتهى كلام الشيخ ﵀. وقال ﵀ في موضع آخر: ولو تقاسموا ميراثاً جهالاً فهذا شبيه بقسم ميراث المفقود إذا ظهر حياً لا يضمنون ما أتلفوا لأنهم معذورون، وأما الباقي فيفرق بين المسلم والكافر فإن الكافر لا يرد باقياً ولا يضمن تالفاً انتهى. وأما قولك: وأيضاً ذكر الفقهاء أن المرتد لا يرث ولا يورث فكفار أهل زماننا هل هم مرتدون أم حكمهم حكم عبدة الأوثان لأنهم مشركون؟ (فنقول) أما من دخل منهم

стр. 144

في الإسلام ثم ارتد عنه فهؤلاء مرتدون وأمرهم عندك واضح، وأما من لم يدخل في دين الإسلام بل أدركته الدعوة الإسلامية وهو على كفره كعبدة الأوثان اليوم فهذا حكمه حكم الكافر الأصلي لأنا نقول أن الأصل الإسلام والكفر طاريء، بل نقول الذين نشأوا بين الكفار وأدركوا آباءهم على الشرك بالله هم كآبائهم كما دل عليه الحديث الصحيح "فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" فإذا كان دين آبائهم الشرك بالله فنشأ هؤلاء عليه واستمروا عليه فلانقول الأصل الإسلام والكفر طاريء، بل نقول هم كالكفار الأصليين ولا يلزم هنا على هذا تكفير من مات في الجاهلية قبل ظهور هذا الدين، فإنا لا نكفر الناس بالعموم كما أنا لا نكفر اليوم بالعموم، بل نقول من كان من أهل الجاهلية عاملاً بالإسلام تاركاً للشرك فهو مسلم وأما من كان يعبد الأوثان ومات على ذلك قبل ظهور هذا الدين فهو ظاهره الكفر وإن كان يحتمل أنه لم تقم عليه الحجة الرسالية لجهله وعدم من ينبهه لأنا نحكم على الظاهر، وأما الحكم على الباطن فذلك أمره إلى الله والله تعالى لم يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة كما قال تعالى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ وأما من مات منهم مجهول الحال فهذا لا نتعرض له ولا نحكم بكفره ولا بإسلامه وليس ذلك مما كلفنا به ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فمن كان منهم مسلماً أدخله الله الجنة، ومن كان منهم كافراً أدخله الله النار، ومن كان لم تبلغه الدعوة فأمره إلى الله، وقد علمت اختلاف العلماء في أهل الفترة ومن لم تبلغه الحجة الرسالية وأيضاً فإنه لا يمكن أن نحكم في كفار زماننا بما حكم به الفقهاء في المرتد بأنه لا يرث ولا يورث لأن من قال بأنه لايرث ولا يورث يجعل ماله فيئاً لبيت مال المسلمين وطرد هذاالقول أن يقال جميع أملاك الكفار اليوم بيت مال لأنهم ورثوها عن أهاليهم وأهاليهم مرتدون ولا يورثون وكذلك الورثة مرتدون لايرثون لأن المرتد لايرث ولايورث، وأما إذا حكمنا فيهم بحكم الكفار الأصليين لم يكن شيء من ذلك بل يتوارثون، فإذا أسلموا فمن أسلم على شيء فهو له ولا نتعرض له ولا نتعرض لما مضى منهم في جاهليتهم لا المواريث ولا غيرها، وقد روى أبو داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ "من أسلم على شيء فهو له" ونص أحمد على مثل ذلك كما تقدم عنه في رواية مهنا. وأعلم بأن القول بأن المرتد لا يرث ولا يورث أحد الأقوال في المسألة وهو المشهور في المذهب وهو مذهب مالك الشافعي (والقول الثاني) أنه لورثته من المسلمين وهو رواية عن أحمد وهو مروي عن أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وهو قول جماعة من التابعين وهو الأوزعي وأهل العراق (والقول الثالث) أن ماله لأهل دينه الذي اختاره ان كان منهم من يرثه وإلا فهو فيء وهو رواية عن أحمد وهو مذهب داود بن علي والسلام. (فائدة) قال في الإقناع وشرحه: وإذا ذبح السارق المسلم أو الكتابي المسروق مسمياً حل لربه ونحوه أكله ولم يكن ميتة كالمغصوب ويقطع السارق إن كان قيمة

стр. 145

المذبوح نصاباً وإلا فلا –إلى أن قال: - ومن سرق من ثمر أو شجر أو جمار نخل وهو الكثر بضم الكاف وفتح المثلثة قبل إدخاله الحرز كأخذه من رءوس النخل وشجر من بستان لم يقطع، وإن كان عليه حائط وحافظ، ويضمن عوضه مرتين لحديث رافع بن خديج أن النبي ﷺ قال: "لا قطع في ثمر ولا كثر" رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سئل النبي ﷺ عن الثمر المعلق فقال: "من أصاب بغيته من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة" ولأن الثمار في العادة تسبق اليد إليها فجاز أن تغلظ قيمتها على سارقها ردعاً له وزجراً بخلاف غيرها، وقوله ﷺ "غير متخذ خبنة" بالخاء المعجمة ثم باء موحدة ثم نون أي غير متخذاً في حجره، ومن سرق منه أي من الثمر نصاباً بعد أن يؤويه الحرز كجرين ونحوه أو سرق نصاباً من ثمر من شجره في دار محرزة قطع لقوله ﵇ في حديث عمرو بن شعيب السابق " ومن سرق منه شيء بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع" رواه أحمد والنسائي وأبو داود ولفظه له، وكذلك الماشية تسرق من المرعى من غير أن تكون محرزة تضمن بمثلي قيمتها ولا قطع كثمر وكثر، واحتج أحمد بأن عمر غرم حاطب بن أبي بلتعة حين نحر غلمانه ناقة مزينة مثلي قيمتها. رواه الاثرم، وما عداها أي الثمر والكثر والماشية يضمن بقيمته مرة واحدة إن كان متقوماً أو مثله إن كان مثلياً كان التضعيف فيها على خلاف القياس للنص فلا يتجاوزه محل النص وقال في كتاب الأطعمة: ومن مر بثمر على شجر أو مر بثمر ساقط تحته لا حائط عليه أي على الشجر ولا ناظر ولو كان المار غير مسافر ولا مضطر فله أن يأكل منه ولو لغير حاجة إلى أكله ولو أكله من غصونه من غير رميه ولا ضرر به ولا صعود شجره لما روى أبو سعيد أن النبي ﷺ قال: "إذا أتيت حائط بستان فناد: يا صاحب البستان. فان أجابك وإلا فكل من غيرأن تفسد " رواه أحمد وابن ماجه ورجاله ثقات. قال في المبدع: وروى سعيد باسناده نحوه مرفوعاً، ومثله عن عبد الرحمن بن سمرة وأبو برزة وهو قول عمرو بن شعيب وابن عباس وعلم منه أنه لا يجوز رميه بشيء ولا صعود شجره لأنه يفسد، واستحب جماعة أن ننادي قبل الأكل ثلاثاً يا صاحب البستان فان أجابه وإلا أكل للخبر السابق، وكذلك ينادي للماشية إذا أراد أن يشرب من لبنها ولبن ماشية إذا مر بها كالثمر لما روى الحسن عن سمرة مرفوعاً قال: "إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان صاحبها فيها فليستأذنه فإن لم يجد أحداً فليحتلب وليشرب ولا يحتمل" رواه الترمذي وصححه، وحديث ابن عمر "لا يحتلبن أحدكم ماشيته إلا بإذنه" متفق عليه يحتمل حمله على ما إذا كان حائط أو حافظ جمعاً بين الخبرين، والأولى في الثمار وغيرها كالزرع ولبن الماشية لا يأكل منها إلا بإذن خروجاً من الخلاف انتهى كلام الإقناع وشرحه، وصلى الله عليه محمد وآله وصحبه وسلم.

стр. 146

كتاب مختصرات الردود رسالة من محمد أحمد الحفظي اليمني: منها أنه زعم إن إطلاق الكفر بدعاء غير الله غير مسلم به ... كتاب مختصر الردود قال الشيخ حمد بن ناصر بن معمر رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ند ولا معين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله رحمة للعالمين وحجة على الكافرين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً. أما بعد: فانه لما كان منتصف جمادي الثانية من سنة سبع عشرة بعد المائتين والألف ورد علينا رسالة من محمد بن أحمد الحفظي اليمني يسأل فيها عن مسائل أوردها عليه بعض المجادلين فطلب منا الجواب عليها. منها: أنه زعم أن إطلاق الكفر بدعاء غير الله غير مسلم لوجوه الوجه الأول: عدم النص الصريح على ذلك بخصوصه، الثاني: أن نظر فيه من حيثية الاعتقاد فهو كالطيرة وهي من الأصغر، الثالث: أنه قد ورد في حديث الضرير قوله يا محمد إني أتوجه بك الخ وفي الجامع الكبير وعزاه للطبراني فيمن انفلتت عليه دابته قال يا عباد الله احبسوا وهذا دعاء ونداء لغير الله. الجواب وبالله التوفيق والتأييد ومنه استمد العون والتسديد، اعلم أن دعاء غير الله وسؤاله نوعان: أحدهما سؤال الحي الحاضر ما يقدر عليه مثل سؤاله أن يدعوا له أو يعينه أو ينصره مما يقدر عليهن فهذا جائز كما كان الصحابة ﵃ يستشفعون بالنبي ﷺ في حياته فيشفع لهم ويسألونه الدعاء فيدعو لهم فالمخلوق يطلب منه من هذه الأمور ما يقدر عليه منها كما قال تعالى في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ وكما ورد في الصحيحين: إن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم ثم بنوح ثم بإبراهيم ثم بموسى ثم بعيسى ثم بنبينا محمد ﷺ ، وفي سنن أبي داود أن رجلاً قال للنبي ﷺ : إنا نستشفع بالله عليك ونستشفع بك على الله فقال: "شأن الله أعظم من ذلك إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه" فأقره على قوله نستشفع بك على الله، وأنكر قوله نستشفع بك بالله عليك" فالصحابة ﵃ كانوا يطلبون منه الدعاء ويستشفعون به في حياته ﷺ .

стр. 147

النوع الثاني: سؤال الميت والغائب وغيرهما ما لا يقدر عليه إلا الله مثل سؤال قضاء الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات فهذه من المحرمات المنكرة باتفاق أئمة المسلمين، لم يأمر الله به ولا رسوله ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين، وهذا مما يعلم بالدين بالإضرار أنه ليس من دين الإسلام فإنه لم يكن أحد منهم إذا نزلت به شدة أو عرضت له حاجة يقول لميت يا سيدي فلان اقض حاجتي أو اكشف شدتي أو أنا في حسبك أو أنا متشفع بك إلى ربي كما يقول بعض هؤلاء المشركين لمن يدعونهم من الموتى والغائبين. ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي ﷺ بعد موته ولا بغيره من الأنبياء عند قبورهم ولا إذا بعدوا عنها، فإن هذا من الشرك الأكبر الذي كفر الله به المشركين الذين كفرهم النبي ﷺ واستباح دماءهم وأموالهم لم يقولوا أن آلهتم شاركت الله في خلق العالم أو أنها تنزل المطر وتنبت النبات بل كانوا مقرين بذلك لله وحده كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ قال طائفة من السلف في تفسير هذه الآية: إذا سئلوا من خلق السموات والأرض قالوا الله وهم يعبدون غيره، ففسروا الإيمان في الآية بإقرارهم بتوحيد الربوبية وفسروا الإشراك بإشراكهم في توحيد الألوهية الذي هو توحيد العبادة. والعبادة اسم جامع لما يحب الله ويرضاه من الأقوال من ذلك الدعاء بما لا يقدر على جلبه أو دفعه إلا الله، فمن طلبه من غيره واستعان به فيه فقد عبده به والدعاء من أفضل العبادات وأجل الطاعات قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ وفي الترمذي عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "الدعاء مخ العبادة" وللترمذي والنسائي ابن ماجه من حديث النعمان بن بشير قال قال رسول الله ﷺ : "إن الدعاء هو العبادة" ثم قرأ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ الآية قال الترمذي حديث حسن صحيح، قال الشارح: معنى قوله ﷺ "الدعاء هو العبادة" أي خالصها أن الداعي إنما يدعو الله عند انقطاع أمله مما سواه وذلك حقيقة التوحيد والإخلاص انتهى. والدعاء في القرآن يتناول معنيين أحدهما: دعاء العبادة وهو دعاء الله لامتثال أمره في قوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الثاني دعاء المسألة وهو دعاؤه سبحانه في جلب المنفعة ودفع المضرة وبقطع النظر عن الامتثال فقد فسر قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ بالوجهين أحدهما: ما هو عام في الدعاء وغيره وهو العبادة وامتثال الأمر له سبحانه فيكون معنى قوله ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ أثابكم كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي يثيبهم على أحد التفسيرين. الثاني: ما هو خاص معناه سلوني أعطكم كما في الصحيحين عن النبي صلى الله

стр. 148

عليه وسلم أنه قال: "ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فاستجيب له من يسألني فأعطيه سؤاله من يستغفرني فاغفر له" فذكر أولاً لفظ الدعاء ثم السؤال ثم الاستغفار والمستغفر سائل كما أن السائل داع فعطف السؤال والاستغفار على الدعاء فهو من باب عطف الخاص على العام، وهذا المعنى الثاني أعني الخاص هو الأظهر لوجهين: أحدهما: ما في حديث النعمان بن بشير أن رسول الله ﷺ قال: "أن الدعاء هو العبادة" ثم قرأ الآية ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فاستدلاله ﵊ بالآية دليل على أن المراد منها سلوني. وخطاب الله عباده المكلفين بصيغة الأمر منصرف إلى الوجوب ما لم يقم دليل يصرفه إلى الاستحباب فيفيد قصر فعله على الله فلا يجعل لغيره لأنه عبادة، ولهذا أمر الله الخلق بسؤاله فقال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وفي الترمذي عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ "سلوا الله من فضله فإن الله يحب الملحين في الدعاء" فتبين بهذا أن الدعاء من أفضل العبادات وأجمل الطاعات. الوجه الثاني: أنه سبحانه قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ والسائل راغب راهب وكل راغب راهب فهو عابد سائل وكل سائل لله فهو عابد قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾ لا يتصور أن يخلو داع لله من دعء عبادة أو دعاء مسألة من الرغب والرهب والخوف والطمع له، فدعاء العبادة ودعاء المسألة كلاهما عبادة لله لا يجوز صرفها إلى غيره. فلا يجوز أن يطلب من مخلوق ميت أو غائب قضاء حاجة أو تفريج كربة ما لا يقدر عليه إلا الله لا يجوز أن يطلب إلا من الله. فمن دعا ميتاً أو غائباً فقال: يا سيدي فلان أغثني أو انصرني أو ارحمني أو اكشف عني شدتي ونحو ذلك فهو كافر مشرك يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء. فإن هذا هو شرك المشركين الذين قاتلهم النبي ﷺ فإنهم لم يكونوا يقولون تخلق وترزق وتدبر أمر من دعاها، بل كانوا يعلمون أن ذلك لله وحده كما حكاه عنه في غير موضع من كتابه. وإنما كنوا يفعلون عندها ما يفعله اخوانهم من المشركين اليوم من دعائها والاستغاثة بها والذبح لها والنذر لها يزعمون أنها وسائط بينهم وبين الله تقربهم إليه وتشفع لهم لديه كما حكاه عنهم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وقال تعالى ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ فقاتلهم رسول الله ﷺ ليكون الدعاء كله لله والذبح كله لله والاستغاثة كلها بالله وجميع العبادات كلها بالله. والله سبحانه قد بين في غير موضع من كتابه أن الدعاء عبادة فقال تعالى: حاكيا

стр. 149

عن خليله إبراهيم ﵇ ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً. فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ. وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ فأخبر سبحانه أنه لا أضل من هذا الداعي وأن المدعو لا يستجيب له وأن ذلك عبادة يكفر بها المعبود يوم القيامة كقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ . وقد سمى إله سبحانه الدعاء ديناً في غير موضع من كتابه وأمرنا أن نخلصه له وأخبر أن المشركين يخلصون له في الشدائد فقال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ فأخبر سبحانه أنهم عند الأضطرار يدعونه وحده لا شريك له مخلصين له في تلك الحالات لا يستغيثون بغيره فلما نجاهم من تلك الشدة إذا هم يشركون في دعائهم، ولهذا قال: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ أي أنه سبحانه لما نجاكم إلى البر أعرضتم أي نسيتم ما عرفتم من توحيده، وأعرضتم عن دعائه وحده لا شريك له وقال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وقال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ فالدعاء من أفضل العبادات، وأجل الطاعات، ولهذا أخبر أنه الدين فذكره معرفاً بالألف واللام وأخبر المشركين يخلصون له في الشدائد وأنهم في الرخاء يشركون معه غيره فيدعون من لا ينفعهم ولا يضرهم ولا يسمع دعاءهم فصاروا بذلك كافرين، ومن تأمل أدلة الكتاب والسنة علم أن شرك المشركين الذين كفرهم النبي ﷺ إنما هو في الدعاء والذبح والنذر والتوكل والالتجاء ونحو ذلك. فان جادل مجادل وزعم أنه ليس هذا قيل له: فأخبرنا عما كانوا يفعلون عند آلهتم، وما الذي يريدون؟ وما هذا الشرك الذي حكاه الله عنهم؟ فان قال: شركهم عبادة غير الله قيل له: وما معنى عبادتهم لغير الله؟ أتظن أنهم يعترفون أن تلك الأخشاب والأحجار تخلق وترزق وتدبر أمر من دعاها؟ فهذا يكذبه القرآن لأن الله أخبر عنهم أنهم مقرون بذلك لله وحده، فان قال: انهم يريدون منهم النفع والضر من دون الله فهذا يكذبه القرآن أيضاً، لأن الله أخبر عنهم أنهم لم يريدوا إلا التقرب بهم إلى الله وشفاعتهم عنده كما قال تعالى حاكيا عنهم: ﴿اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ الآية وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ﴾ الآية. وأخبر تعالى عن شركهم في غير آية من كتابه كقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ

стр. 150

زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ الآيتين أي لا يرفعونه بالكلية ولا يحولونه من حال إلى حال ثم قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ قال طائفة من السلف كان أقوام يدعون المسيح والعزير والملائكة فيبن الله لهم أن هؤلاء عبادي يرجون رحمتي ويخافون عذابي. وأخبر انهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين ولا تحويله وهذا هو الإغاثة، والمشركين يزعمون ان آلهتهم تشفع لهم بالسؤال لله، والطلب منه، فيقضي الله لهم تلك الحاجات. فأبطل الله هذه الشفاعة التي يظنها المشركون، وبين أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه فقال: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ الآية. ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ فمن جعل الانبياء والملائكة وسائط بين الله وبين خلقه كالحجاب الذين يكونون بين الملك ورعيته بحيث يزعم أنهم يرفعون الحوائج إلى الله فمن اعتقد هذا فهو كافر مشرك. إذا تقرر هذا فنقول: قول القائل إن إطلاق الكفر بدعاء غير الله غير مسلم لوجوه: الوجه الأول: عدم النص الصريح على ذلك النصوصه- كلام باطل بل النصوص صريحة في كفر من دعا غير الله وجعل الله ندا من خلقه يدعوه كما يدعو الله ويرجوه كما يرجو الله ويتوكل عليه في أموره قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ فمن أحب مخلوقاً كما يحب الله أو رجاه كما يرجو الله فقد جعله نداً لله، وصار من الخالدين في النار، وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "من مات وهو يدعو لله نداً دخل النار" وفي الصحيحين أنه ﷺ سئل أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله نداً وهو خلقك". والند المثل قال الله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى عن أهل النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ومعلوم أنهم ما سووهم به في الخلق والرزق والاحياء والأمانة، وإنما سووهم به في الدعاء والخوف والرجاء والمحبة والتعظيم والإجلال، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ فصرح بكفره وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فبين أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقال فيما حكاه عن المسيح: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ وقال تعالى: ﴿َالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ. إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ فدلت الآية الكريمة على أن أعظم شركهم إنما

стр. 151

هو دعاء غير الله فانه أخبر أنهم لا يملكون من قمطير، وهو القشر الذي يكون على ظهر النواة أي ليس لهم الامر شيء وان قل، ثم أخبر أنهم لا يسمعون دعاءهم وأنهم لو سمعوا ما استجابوا لهم، وهذا صريح في دعاء المسألة، ثم أخبر أن هذا شرك يكفرون به يوم القيمة فقال: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ كقوله: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ . والله سبحانه قد أرسل رسله وأنزل كتبه ليعبده وحده ويكون الدين كله له ونهى أن يشرك به أحد من خلقه وأخبر أن الرسالة عمت كل أمة وأن دين الرسل واحد هو الأمر بعبادته وحده لا شريك له وأن لا يشرك به أحد سواه كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ وأخبر أنه لا يغفر أن يشرك به، وأن من أشرك به فقد حبط عمله، وصار من الخالدين في النار. كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ .. فيقاتل لمن أنكر أن يكون دعاء الموتى والاستغاثة بهم في الشدائد شركاً أكبر أخبرنا عن هذا الشرك الذي عظمه الله وأخبر أنه لا يغفره؟ أتظن أن الله يحرمه هذا التحريم ولا يبينه لنا؟ ومعلوم أن الله سبحانه أنزل كتابه تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، وقد أخبر في كتابه أنه أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام ديناً فكيف يجوز أن يترك بيان الشرك الذي هو أعظم ذنب عصى الله به سبحانه فإذا أصغى الإنسان إلى كتاب الله وتدبره وجد فيه الهدى والشفاء ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ﴾ ﴿مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ . ويقال أيضاً قد أمرنا الله سبحانه بدعائه وسؤاله، واخبر أنه يجيب دعوة الداع إذا دعاه وأمرنا ان ندعوه خوفاً وطمعاً، فإذا سمع الإنسان قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وقوله ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ وأطاع الله ودعاه وأنزل به حاجته وسأله تضرعاً وخفية فمعلوم أن هذا عباده فيقال: فإن دعا في تلك الحاجة نبياً أو ملكاً أو عبداً صالحاً هل أشرك في هذه العبادة فلا بد أن يقر بذلك إلا أن يكابر ويعاند. وقال أيضاً: إذا قال الله ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ وأطعت الله ونحرت له هل هذا عبادة فلا بد أن يقول: نعم: فيقال له: فإذا ذبحت لمخلوق نبي أو ملك أو غيرهما هل أشركت في هذه العبادة؟ فلا بد أن يقول: نعم إلا أن يكابر ويعاند، وكذلك السجود عبادة فلو سجد لغير الله لكان شركاً ومعلوم أن الله ذكر في كتابه النهي عن دعاء غيره وتكاثرت نصوص القرآن على النهي ذلك أعظم مما ورد في النهي عن السجود لغير الله والذبح لغير الله فإذا كان من سجد لغير نبي أو ملك وعبد صالح لا يشك أحد في كفره، وكذلك لو ذبح له القربان لم يشك أحد في كفره لأنه أشرك

стр. 152

في عبادة الله غيره فيقال: السجود عبادة وذبح القربان عبادة والدعاء عبادة فما الفارق بين السجود والذبح والدعاء إذا الكل عبادة والدعاء عبادة؟ وما الدليل على أن السجود لغير الله والذبح لغير الله شرك أكبر والدعاء بما لا يقدر عليه إلا الله شرك أصغر. ويقال أيضاً: قد ذكر أهل العلم من أهل كل مذهب باب حكم المرتد وذكروا أنواعاً كثيرة كل نوع منها يكفر به الرجل ويحل دمه وماله ولم يرد في واحد منها ما ورد في الدعاء بل لا نعلم نوعاً من أنواع الكفر والردة ورد فيه من النصوص مثل ما ورد في دعاء غير إله بالنهي والتحذير من فعله والوعيد عليه ولا يشتبه هذا إلا على من لم يعرف حقيقة ما بعث الله به محمداً ﷺ من التوحيد ولم يعرف حقيقة شرك المشركين الذين كفرهم النبي ﷺ ، وأحل دماءهم وأموالهم وأمره الله أن يقاتلهم (حتى لا تكون فتنة) أي لا يكون شرك (ولا يكون الدين كله لله) فمن أصغى إلى كتاب الله علم علماً ضرورياً أن دعاء الأموات من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين، فكيف يسوغ لمن عرف التوحيد الذي بعثه الله به محمداً ﷺ أن يجعل ذلك من الشرك الأصغر، ويقول قد عدم النص الصريح على كفر فاعله، فان الأدلة القرآنية والنصوص النبوية قد دلت على ذلك دلالة ظاهرة ليست خفيه، ومن أعمى الله بصيرته فلا حيلة فيه ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وأيضاً فان كيثرا من المسائل التي ذكرها العلماء في مسائل الكفر والردة وانعقد عليها الإجماع لم يرد فيها نصوص صريحة بتسميتها كفراً وإنما يستنبطها العلماء من عموم النصوص كما إذا ذبح المسلم نسكاً متقرباً به إلى غير الله فان هذا كفر بالإجماع كما نص على ذلك النووي وغيره وكذلك لو سجد لغير الله. فاذا قيل هذا شرك لأن الذبح عبادة والسجود عبادة فلا يجوز لغير الله كما دل عل ذلك قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فهذا صريح في الأمر بهما وأنه لا يجوز صرفهما لغير الله؟ فينبغي أن يقال فاين الدليل المصرح بان هذا كفر بعينه؟ ولازم هذه المجادلة الإنكار على العلماء في كل مسألة من مسائل الكفر والردة التي لم يرد فيها نص بعينها، مع ان هذه المسألة المسئول عنها قد وجدت فيها النصوص الصريحة من كلام الله وكلام رسوله وأوردنا من ذلك ما فيه الهدى لمن هداه الله. وأما كلام العلماء فنشير إلى قليل من كثير ونذكر كلام من حكى الإجماع على ذلك قال في الإقناع وشرحه من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم كفر اجماعاً لأن هذا كفعل عابدي الأصنام قائلين ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ انتهى، وقال الشيخ تقي الدين ﵀: وقد سئل عن رجلين تناظرا فقال أحدهما: لا بد لنا من واسطة بيننا وبين الله فانا لا نقدر أن نصل إليه إلا بذلك فأجاب بقوله: ان أراد بذلك أنه لا بد من واسطة تبلغنا أمر الله فهذا حق، فان الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه وما أمر به وما نهى عنه إلا بالرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده وهذا

стр. 153

مما أجمع عليه أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى، فانهم يثبتون الوسائط بين الله وبين عباده وهم الرسل الذين بلغوا عن الله أوامره ونواهيه قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ﴾ ومن أنكر هذه الوسائط فهو كافر باجماع أهل الملل. وان أراد بالواسطة انه لابد من واسطة يتخذها العباد بينهم وبين الله في جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يكون واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم، يسألونه ذلك ويرجعون إليه، فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء يجتلبون بهم المنافع، ويدفعون بهم المضار، ولكن الشفاعة لمن يأذن الله له فيها قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِير. وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ . وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ قال طائفة من السلف: كان أقوام من الكفار يدعون عيس والعزير والملائكة والأنبياء. فيبن الله لهم أن الملائكة والأنبياء لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويلا. وأنهم يتقربون إليه ويرجون رحمته ويخافون عذابه وقال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فبين الله أن إتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً كفر، فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنوب، وهداية القلوب، وتفريج الكربات وسد الفاقات فهو كافر بإجماع المسلمين وقد قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَلا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ.. يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ الآية. ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ وقال: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ الآية وقال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ . فمن أثبت وسائط بين الله وبين خلقه كالحجاب الذين بين الملك ورعيته بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه. وأن الله تعالى إنما يهدي عباده ويرزقهم، وينصرهم بتوسطهم، بمعنى أن الخلق يسألونهم –وهم يسألون الله كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك حوائج الناس بقربهم منهم، والناس يسألونهم أدباً منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك لكونهم

стр. 154

أقرب إلى الملك من الطلب أقرب إلى الملك من الطلب، فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وهؤلاء مشبهون شبهوا الخالق بالمخلوق، وجعلوا الله أنداداً وفي القرآن من الرد على هؤلاء مالا تتسع له هذه الفتوى. فإن هذا دين المشركين عباد الأوثان كانوا يقولون إنها تماثيل الأنبياء والصالحين، وأنها وسائل يتقربون بها إلى الله تعالى وهو من الشرك الذي أنكره الله على النصارى حيث قال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ أي فليستجيبوا لي إذا دعوتهم بالأمر، والنهي ويؤمنوا بي أني أجيب دعاءهم لي بالمسألة، والتضرع وقال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (الشرح:٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ . وقد بين الله هذا التوحيد في كتابه وحسم مواد الاشراك به حيث لا يخاف أحد غير الله، ولا يرجو سواه، ولا يتوكل إلا عليه قال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقال: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ فبين أن الطاعة لله والرسول وأما الخشية والتقوى فلله وحده وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ فبين أن الاتياء لله والرسول وأما الحسب فهو لله وحده كما قالوا حسبنا الله ولم يقولوا حسبنا الله ورسوله ونظيره قوله تعالى ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ . وقد كان النبي ﷺ يحقق هذا التوحيد لأمته ويحسم عنهم مواد الشرك وهذا تحقيق قولنا لا إله إلا الله فان إلا له هو الذي تؤلهه القلوب بالمحبة والتعظيم والإجلال والإكرام والخوف حتى قال لهم: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد" وقال له رجل: ما شاء الله وشئت. قال: "أجعلتني لله نداً بل ما شاء الله وحده" وقال لابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله"وقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فانما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله"وقال: " لا تتخذوا قبري عيداً وصلوا علي حيث ما كنتم فان صلاتكم تبلغني" وقال في مرضه "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا" قالت عائشة ﵂: ولولا ذلك لابرز قبره ولكن خشى أن يتخذ مسجدا، وهذا باب واسع انتهى ما لخصته من كلام الشيخ في مسألة الوسائط. وقال ﵀ في موضع آخر: والله لم يجعل أحداً من الأنبياء والمؤمنين واسطة في شيء من الربوبية، والالهية مثل، ما ينفرد به من الخلق والرزق وأجابة الدعاء، والنصر على الأعداء وقضاء الحاجات، وتفريج الكربات، بل غاية ما يكون العبد سبباً مثل أن يدعو ويشفع والله تعالى قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ وقال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ .

стр. 155

فيبن سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً كفر، ولهذا كانوا في الشفاعة على ثلاثة أقسام: فالمشركون أثبتوا الشفاعة التي هي شرك كشفاعة المخلوق عند المخلوق، كما يشفع عند الملوك خواصهم لحاجة الملوك إلى ذلك، فيسألونهم بغير أذنهم، ويجيب الملوك سؤالهم لحاجتهم إليهم فالذين أثبتوا مثل هذه الشفاعة عند الله مشركون كفار، لأن الله تعالى لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه ولا يحتاج إلى أحد من خلقه بل من رحمته واحسانه اجابة دعاء الشافعين، ولهذا قال: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ وقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ (الزمر:٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ وقال عن صاحب يسن: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ﴾ وأما الخوارج والمعتزلة فأنهم أنكروا شفاعة نبيناً ﷺ في أهل الكبائر من أمته، وهؤلاء مبتدعة ضلال مخالفون للسنة المستفيضة عن النبي ﷺ ولإجماع خير القرون. القسم الثالث: أهل السنة والجماعة وهم سلف الأمة وأئمتها ومن تبعهم بإحسان أثبتوا ما أثبته الله في كتابه وسنة رسوله ونفوا ما نفاه فالشفاعة التي أثبتوها هي التي جاءت بها الأحاديث، وأما الشفاعة التي نفاها القرآن كما عليه المشركون والنصارى ومن ضاهاهم من الأمة فينفيها أهل العلم والإيمان. مثل أنهم يطلبون من الأنبياء والصالحين الغائبين قضاء حوائجهم، ويقولون انهم إذا أرادوا ذلك قضوها، ويقولون أنهم عند الله كخوص الملوك عند الملوك يشفعون بغير أذن الملوك، ولهم على الملوك ادلال يقضون حوائجهم فيجعلونهم لله بمنزلة شركاء الملك، والله سبحانه قد نزه نفسه عن ذلك انتهى. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: وأما الشرك نوعان: أصغر وأكبر. فالأكبر الذي يغفره الله إلا التوبة منه وهو أن يتخذ من دون الله نداً يحبه كما يحب الله وهو الشرك الذي يتضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين، ولهذا قالوا لآلهتهم في النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ مع اقرارهم بأن الله هو الخالق وحده خالق كل شيء ومليكه وان آلهتهم لا تخلق ولا ترزق ولا تحيي ولا تميت وانما كانت هذه التسوية في المحبة والتعظيم والعبادة كما هو حال أكثر شرك العالم يحبون معبوداتهم، ويعظمونها ويوالونها من دون الله. وكثير منهم بل أكثرهم يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله، ويستبشرون بذكرهم أعظم من استبشارهم إذا ذكر الله وحده، ويغضبون إذا انتقص معبودهم وآلهتهم من المشائخ أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحد رب العالمين، وإذا انتقصت حرمة من حرمات آلهتهم ومعبوديهم غضبوا غضب اليث إذا حرب، وإذا انتهكت حرمات الله لم يغضبوا لها، بل إذا قام المنتهك لها باطعامهم شيئاً رضوا عنه ولم تنكره قلوبهم، وقد شاهدنا هذا منهم نحن وغيرنا ونرى أحدهم قد اتخذ ذكر الهه ومعبودة من دون الله على لسانه أن قام وان قعد، وان عثر وان مرض، فذكر الهه ومعبودة من دون الله

стр. 156

هو الغالب على لسانه وهو لا ينكر ذلك.. ويزعم أنه باب حاجته إلى الله وشفيعه عنده، ووسيلته إليه، وهكذا كان عباد الأصنام سواء. وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم يتوارثه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم فأولئك كانت آلهتهم من الحجر وغيرهم اتخذوها من البشر قال تعالى حاكياً عن أسلاف هؤلاء المشركين: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ فهذا حال من اتخذا من دون الله ولياً يزعم أنه يقربه إلى الله، وما أعز من يتخلص من هذا؟ بل ما أعز من لا يعادي من أنكره؟ والذي قام في قلوب هؤلاء المشركين وسلفهم ان آلهتهم تشفع لهم عند الله، وهذا عين الشرك وقد أنكر الله عليهم في كتابه وأبطله، وأخبر أن الشفاعة كلها له وأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه لمن رضي قوله وعمله، وهم أهل التوحيد الذين لم يتخذوا من دون الله شفعاء ثم ساق كلاماً طوبلاً وقرره أحسن تقرير. فتأمل كلامه هذا حيث قرر أن الذي يفعله مشركو زمانه هو عين الشرك الذي فعله المشركون الأولون، ثم قال: وما أعز من يتخلص من هذا بل ما أعز من لا يعادي من أنكره؟ ففي هذا شاهد لصحة الحديث الوارد عن رسول الله ﷺ أنه قال: "بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بداً" وقوله فيما صح عنه ﷺ : "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه" قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى قال"فمن؟ " أخرجاه في الصحيحين. وقال الشيخ أبو العباس ابن تيمية ﵀ في رسالته التسعينية لما تكلم على حديث الخوارج، فإذا كان في زمن النبي ﷺ وخلفائه ممن انتسب إلى الإسلام من قد مرق منه مع عبادته العظيمة فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام في هذا الزمان قد يمرق أيضاً وذلك بأمور: منها الغلو الذي ذمه الله كالغلو في المشائخ كالشيخ عدي، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح فكل من غلا في نبي أو في رجل صالح، وجعل فيه نوعاً من الالهية مثل: أن يدعوه من دون الله بان يقول يا سيدي فلان أغثني وأنا في حسبك فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فان تاب وإلا قتل، فان الله أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده، ولا يجعل معه الها آخر والذين يجعلون مع الله آلهة أخرى مثل الملائكة والمسيح وعزير والصالحين. أو قبورهم لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق وترزق، وإنما كانوا يدعونهم يقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله فبعث الله الرسل تنهي أن يدعي أحد من دونه لادعاء عبادة ولا دعاء استغاثة انتهى. وقال أبو الوفاء ابن عقيل ﵀: لما صعبت التكاليف على الجهال والطعام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى أوضاع وضعوها لأنفسهم فسهلت عليهم، إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم قال: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور وإكرامها بما نهى عنه الشرع من ايقاد السرج، وتقبيلها، وتخليقها، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع فيها يا مولاي أفعل بي كذا وكذا وأخذ تربتها تبركاً، وافاضة الطيب على

стр. 157

القبور وشد الرحال إليها، وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى والويل عندهم لمن لم يقبل مشهد الكهف، ولم يتمسح بالآجر يوم الأربعاء، ولم يقل لحمالون على جنازته أبو بكر الصديق أو محمد أو علي أو لم يعقد على قبر أبيه أزجا بالجص والآجر، ولم يخرق ثيابه. ولم يرق ماء الورد على القبر انتهى كلامه. فتأمل رحمك الله ما ذكره هذا الإمام وما كشفه من الأمور التي يفعلها الخواص من الأنام فضلاً عن النساء، والغوغاء والعوام، مع كونه في سادس القرون والناس لما ذكره يفعلون وجهابذة العلماء والنقدة لذلك مشاهدون، وحظهم من النهي مرتبته الثانية فهم بها قائمون يتضح لك فساد ما زخرفه المبطلون وموه به المتعصبون والملحدون.

стр. 158

فصل: في قوله ان نظر فيه من حيثية القول فهو كالحلف بغير الله، وان نظر فيه من حيثية الإعتقاد فهو كالطيرة ... فصل قوله الثاني: ان نظر فيه من حيثية القول فهو كالحلف بغير الله، وقد ورد أنه شرك وكفر ثم أولوه بالأصغر، وان نظر فيه من حيثية الاعتقاد فهو كالطيرة وهي من الأصغر. فنقول هذا كلام باطل، وليس يخفى ما بينهما من الفرق فأي مشابهة بين من وحد الله وعبده ولم يشرك معه أحداً من خلقه وأنزل حاجته كلها بالله واستغاث له في تفريج كرباته وإغاثة لهفاته، لكنه حلف بغير الله يميناً مجردة لم يقصد بها تعظيمه على ربه ولم يسأله ولم يستغث به وبين من استغاث لغير الله، وسأله جلب الفوائد وكشف الشدائد، فإن هذا صرف مخ العبادة الذي هو لبها وخالصها لغير الله وأشرك مع الله غيره في أجل العبادات وأفضل القربات التي أمرنا الله بها في غير موضع من كتابه، وأخبر النبي ﷺ أنه هو العبادة كما تقدم في حديث النعمان بن بشير أن الدعاء هو العبادة، وفي حديث أنس "الدعاء مخ العبادة" وأخبر النبي ﷺ أن الله يحب الملحين فيه، وأن من لم يسأل الله يغضب عليه، ففي الترمذي عن ابن مسعود عن النبي ﷺ : "سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل" وفيه أيضاً "إن الله يحب الملحين في الدعاء" وفيه أيضاً "من لم يسأل الله يغضب عليه" وفي الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء". وما الحلف فلم يأمرنا الله به، بل أمرنا بحفظه فقال: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ قيل المعنى: لا تحلفوا وقيل: لا تحنثوا، ولا يرد على هذا ما روي عن النبي ﷺ أنه حلف في مواضع فاليمين تستحب إذا كان فيها مصلحة راجحة، وعلى هذا حمل العلماء ما روي في ذلك عن النبي ﷺ فهو يحلف لمصالح مطلوبة للأمة كزيادة إيمانهم وطمأنينة قلوبهم كما أمره الله بذلك في ثلاث مواضع من كتابه، وأما الحلف لغير مصلحة فليس مشروعاً بل يباح إذا كان صادقاً. وأما الدعاء فهو محبوب مشروع لله، بل سماه الله في كتابه الدين وأمر بإخلاصه

стр. 159

له، وسماه رسوله ﷺ العبادة ومخ العبادة فكيف يقال هو الحلف؟ فمن صرف الدعاء لغير الله فقد أشرك في الدين الذي أمر الله بإخلاصه وفي العباد ة التي أمر الله بها، وأيضاً فإن الداعي راغب راهب فالعبد يدعو ربه رغباً ورهباً، ويتوكل عليه في حصول مطلوبه ودفع مرهوبه، فإذا طلب فوائده وكشف شدائده من غير الله فقد أشرك مع الله في الرغبة والرهبة والرجاء والتوكل فإن هذا من لوازم الدعاء وهو من العبادة التي أمر الله بها كقوله تعالى: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ وقوله تعالى ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فمن استغاث بغيؤر الله فهو راغب في حصول مطلوبه راج له متوكل عليه وذلك هو حقيقة العبادة التي لا تصلح إلا لله، وهو معنى لا إله إلا الله، فإن الإله هو الذي تؤلهه القلوب محبة ورجاء وخوفاً وتوكلاً. ويقال أيضاً الذي يدعو غير الله في مهماته وكشف كرباته قد رد على الله وكذب بآياته فإن الله أخبر أنه لا يشفع إلا بإذنه وأن الشفاعة كلها لله، وهذا زعم أن الميت يشفع له، وأخبر الله أن الأولياء والصالحين لا يملكون كشف الضر ولا تحويله وأنهم لا ينفعون ولا يضرون ولا يسمعون الدعاء ولا يستجيبون، وهذا زعم أنهم باب حوائجه إلى الله وأنهم ينفعون ولا يضرون ولا يسمعون الدعاء ولا يستجيبون، فكذب على الله وكذب بآياته فكيف يقال: أن هذا كالحلف بغير الله؟ الذي قصاراه أن يكون شركاً اصغر يعاقب عليه كما يعاقب الزاني، وقاتل النفس وآكل الربا لأنه ارتكب محرماً غير مستحل له نظير ما يفعله الزاني وقاتل النفس، فأما ان فعله مستحلاً له أو يكون المخلوق في قلبه أعظم من الخالق كان ذلك كفراً. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء والتواضع للخلق والحلف بغير الله وما لي إلا الله وأنت وأنا متوكل على الله وعليك ولولا أنت لم يكن كذا وكذا وقد يكون هذا شركاً أكبر بحسب حال قائله ومقصده انتهى. ويقال أيضاً: من المعلوم بالإضرار من دين الإسلام أن الله تعالى بعث محمداً ﷺ يدعو إلى التوحيد وينهى عن الإشراك فكان أول آية أرسله الله بها ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ فأنذر عن الشرك، وهجر الأوثان وكبر الله، وعظمه بالتوحيد فاستجاب له من استجاب من المسلمين، وصبروا على الأذى من قومهم، وقاسوا الشدائد العظيمة فهاجروا وأخرجوا من ديارهم، وأذوا في الله وتميز الكافر من المسلم. ومات من المسلمين من استوجب الجنة ومات من الكفار من استوجب النار، هذا كله قبل النهي عن الحلف بغير الله، فالاستغاثة بأهل القبور واستنجادهم واستنصارهم لم يبح في شرائع الرسل كلهم بل بعث الله جميع رسله بالنهي عن ذلك والأمر بعبادته وحده لا شريك له. وأما الحلف فكان الصحابة يحلفون بآبائهم بالكعبة وغير ذلك، ولم ينهوا عن ذلك إلا بعد مدة طويلة فقال لهم النبي ﷺ : "إن الله تعالى ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم" وقال: "من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت". ومن لا يميز بين دعاء

стр. 160

الميت والحلف به لا يعرف الشرك الذي بعث الله به محمداً ﷺ ينهي عنه، ويقاتل أهله، وأي جامع بين الحلف والاستغاثة فالمستغيث طلب سائل والحلف لم يطلب ولم يسأل، فإن كان الجامع بينهما عند القائل باتحادهما إن كل منهما قول باللسان؟ فيقال له: والإنكار والدعوات وقول الزور وقذف المحصنات كل ذلك قول باللسان، ولو قال أحد: إنها ألفاظ متقاربة لعد من المجانين. وإن أراد هذا القائل اتحادهما في المعنى فهذا باطل كما تقدم بيانهن وأي مشابهة بين من جعل لله نداً من حلقه ويرجوه، ويستنصره ويستغيث به. وبين من لا يدعو إلا الله وحده لا شريك لهن واخلص له في عبادته؟ فالأول أشرك مع الله في قوله وفعله واعتقاده بخلاف الحالف بل لو اعتقد الحالف تعظيم المخلوق على الخالق لصار مشركاً شركاً أكبر كما تقدم. ومما يبين ذلك أيضاً أن الرسول ﷺ لما نهاهم عن الحلف بغير الله وحلف بعض الصحابة حدثاء العهد فقال في حلفه: واللات قال النبي ﷺ : "من حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله" ولما قال له بعض الصحابة حدثاء العهد بالكفر: اجعل لنا ذلت أنواط قال: "الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة لتركبن سنن من كان قبلكم" فانظر كيف نهي الحالف وأرشده إلى الكفارة بأن يقول لا إله إلا الله من غير تغليظ، والذين قالوا اجعل لنا أنواط غلظ عليهم التغليظ الشديد وحلف لهم إن طلبهم كطلبة بني إسرائيل وإن قولهم: اجعل لنا ذات أنواط كقول بني إسرائيل اجعل لنا إلهاً سواء فهما متفقان معنى، وإن اختلفا لفظاً، وهذا مما يبين لك من معنى لا إله إلا الله. فإذا كان اتخاذا الشجرة للعكوف حولها وتعليق الأسلحة بها للتبرك اتخاذا له مع الله مع أنهم لا يعبدونها ولا يسألونها فما الظن بالعكوف حول القبر، ودعائه في إنزال الفوائد، والاستغاثة به في كشف الشدائد، وأخذ تربته تبركاً وإسراج القبر وتخليقه، وأي شيهة للفتنة بشجرة إلى الفتنة بالقبر؟ لو كان أهل الشرك والبدع يعلمون. قال بعض أله العلم من أصحاب مالك: فانظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمونها ويرجون البرء والشفاء من قبلها ويضربون بها المسامير والخرق فهي ذات أنواط فاقطعوها انتهى. ومما يبين الفرق بين دعاء الأموات، والاستغاثة بهم. وبين الحلف بهم أن العلماء قسموا الشرك: إلى أكبر وأصغر جعلوا دعاء الأموات، والاستغاثة بهم فيما لا يقدر عليه إلا رب السموات والأرض هو عين شرك المشركين الذين كفرهم الله في كتابه، وجعلوا الحلف بغير الله شركاً أصغر فيذكرون الأول في باب حكم المرتد وأن من أشرك بالله فقد كفر ويستدلون بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ ويفسرون هذا الشرك بما ذكرناه ويذكرون الثاني في كتاب الإيمان فيفرقون بين هذا وهذا. ولم نعلم أن أحداً من العلماء الذين لهم لسان صدق في الأمة قال إن طلب الحوائج

стр. 161

من الموتى والاستغاثة بهم شرك أصغر، ولا قال أن ذلك كالخلف بغير الله. اللهم إلا أن يكون بعض المنتسبين إلى العلم من المتأخرين الضالين الذين قرروا الشرك، وحسنوه للناس نظماً ونثراً. وصار لهم نصيب من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ . وأما قوله: وإن نظر فيه من جهة الاعتقاد فهو كالطيرة. فهذا كلام باطل يظهر بطلانه مما تقدم فيقال: وأين الجامع بين شرك من جعل بينه وبين الله واسطة يدعوه ويسأله قضاء حاجاته وكشف كرباته. فيقول: هذا وسيلتي إلى الله وباب حاجتي إليه. وبين من عبد الله وحده لا شريك له ودعاه خوفاً وطمعاً، وأنزل به حاجاته كلها وتبرأ من عبادة كل معبود سواه؟ ولكن وقع في قلبه شيء من الطيرة فالأول: هو دين أبي جهل وأصحابه وهو دين أعداء الرسل من لدن نوح إلى يومنا هذا. وأما الطيرة فتقع على المؤمنين الموحدين كما في حديث ابن مسعود المرفوع "الطيرة شرك" وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل رواه أبو داود ورواه الترمذي وصححه وجعل آخره من قول ابن مسعود، وفي مراسيل أبي داود أن النبي ﷺ قال: " ليس عبد إلا سيدخل قلبه الطيرة فإذا أحس بذلك فليقل أنا عبد الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله لا يأت بالحسنات إلا الله ولا يذهب بالسيئات إلا الله أشهد أن الله على كل شيء قدير ثم يمضي لوجهه" وفي مسند الإمام أحمد عن ابن عمر عن النبي ﷺ : "من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك وكفارة ذلك أن يقول أحدهم: اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك" وفي صحيح ابن حبان عن أنس عن النبي ﷺ قال: "لا طيرة والطيرة على من تطير" ومعنى هذا من تطير تطيراً منهي عنه بأن يعتمد على ما يسمعه أو يراه من الأمور التي يتطير بها حتى تمنعه مما يريد من حاجته فإنه قد يصيبه ما يكرهه، وأما من توكل على الله ولم ينظر إلى الأسباب المخوفة وقال: ما أمر به من هذه الكلمات ومضى فإنه لا يضره ذلك، فإذا كان هذا حال الطيرة فأين الجامع بينها وبين الشرك الأكبر في الاعتقاد. فإذا أراد السائل أن التطير إذا زجر أو تطير بما يراه من علم النجوم وغيره، أو يسمعه من الكلام يعتقد في ذلك علم الغيب، وأن الطيرة تجتره عما هو صائر إليه في المستقبل، وأن الأفلاك تدبر أمر الخلائق فليس هذا من الشرك الأصغر بل هذا من الشرك الأكبر نظير شرك عباد الكواكب.

стр. 162

فصل: أن ورد في حديث الضرير قوله: يا محمد وفيمن انفلتت دابته قال: "يا عباد الله أحبسوا" وهذا دعاء ونداء لغير الله ... (فصل) وأما قول القائل: الثالث أنه قد ورد في حديث الضرير قوله: يا محمد وفي الجامع الكبير وعزاه للطبراني فيمن انفلتت عليه دابته قال: "يا عباد الله احبسوا" وهذا دعاء ونداء لغير الله. فنقول وبالله التوفيق: اعلم ان الله بعث محمداً صلى الله عليه

стр. 163

وسلم بالدعوة إلى التوحيد والنهي عن الإشراك، فحمى حمى التوحيد، وسد كل طريق يوصل إلى الشرك حتى في الألفاظ حتى أن رجلاً قال له: ما شاء الله وشئت قال: "اجعلتني لله نداً قل ما شاء الله وحده" فكيف يأمر بدعاء الميت أو الغائب؟ بل من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن داء الميت والغائب لم يأمر الله به ولا رسوله ولا فعله أحد من الصحابة، ولا التابعين ولا فعله أحد من أئمة المسلمين، ولا أحد من الصحابة استغاثوا بالنبي ﷺ بعد موتهن ولا قال أحد: أن الصحابة استغاثوا بالنبي ﷺ بعد موته، ولو كان هذا جائزاً أو مشروعاً لفعلوه ولو كان خيراً لسبقونا إليه، وقد كان عندهم من قبور أصحاب محمد ﷺ بالأمصار عدد كثير وهم متوافرون فما منهم من استغاث عند قبر صاحب ولا دعاه ولا استغاث به ولا استنصر به، ومعلوم ان مثل هذا مما توفر الهمم والدواعي على نقل ما هو دونه. وحينئذ فلا يخلو: أما أن يكون دعاء الموتى والغائبين، أو الدعاء عند قبورهم والتوسل بأصحابها أفضل أو لا يكون؟ فان كان أفضل فكيف خفى علماً وعملاً على الصحابة والتابعين وتابعيهم فتكون القرون الثلاثة الفاضلة جاهلة علماً وعملاً بهذا الفضل العظيم، ويظفر به الخلوف علماً وعملاً، وهذان الحديثان اللذان أوردهما السائل أما أن يكون الصحابة الذين رووهما وسمعوهما من النبي ﷺ جاهلين بمعناهما وعلمه هؤلاء المتأخرون، وأما أن يكون الصحابة علموها علماً، وزهدوا فيها عملاً مع حرصهم على الخير وطاعتهم لنبيهم ﷺ وكلاهما محال بل هم أعلم الناس بكلام رسول الله ﷺ وأطوع الناس لأوامره وأحرص الناس على كل خير، وهم نقلوا إلينا سنة نبيناً ﷺ فهل فهموا من هذه الأحاديث جواز دعاء الموتى والغائبين، والفضلاء فضلاً عن استحبابه والأمر به. ومعلوم أنهم عرضت لهم شدائد واضطرارات وفتن وقحط وسنون مجدبات أفلا جاؤا إلى قبر النبي ﷺ شاكين وله مخاطبين وبكشفها عنهم وتفريج كرباتهم داعين؟ والمضطر يتشبث بكل سبب يعلم ان له فيه نفعاً، لا سيما الدعاء، فلو كان ذلك وسيلة مشروعة وعملاً صالحاً لفعلوه، فهذه سنة رسول الله ﷺ في أهل القبور حتى توفاه الله. وهذه سنة خلفائه الراشدين وهذه طريقة جميع الصحابة والتابعين هل يمكن أحد أن يأتي عنهم بنقل صحيح أو حسن أو ضعيف أنهم كانوا إذا كانت لهم حاجة أو عرضت لهم شدة قصدوا القبور فدعوا عندها وتمسحوا بها فضلاً عن أن يسألوها حوائجهم؟ فمن كان عنده في هذا أثر أو حرف واحد في ذلك فليوقفنا عليه. نعم يمكنهم أن يأتوا عن الخلوف الذين يقولون ما لا يفعلون ويفعلون مالا يؤمرون بكثير من المختقات والحكايات المكذوبات، حتى لقد صنف في ذلك عدة مصنفات ليس فيها حديث صحيح عن رسول الله ﷺ وإنما فيها التمويهات، والحكايات والخنرعات والأحاديث المكذوبات كقولهم: إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور، وحديث لو أحسن أحدكم ظنه بحجر نفعه، ومنها حكايات لهم عن تلك القبور أن فلاناً

стр. 164

استغاث بالقبر الفلاني في شدة فخلص منها، وفلان دعاه أو دعا به في حاجة فقضيت، وفلاناً نزل به ضر فأتى صاحب ذلك القبر فكشف ضره ونحو ذلك مما هو مضاد لما بعث الله بمحمداً ﷺ من الدين. ومن له معرفة بما بعث الله به محمداً ﷺ يعلم أنه حمى جانب التوحيد وسد الذرائع الموصلة إلى الشرك فكيف يستدل بكلامه على نقيض ما أمر به فيستدل في حديث الأعمى بقوله يا محمد على أنه أمر بدعائه في حال غيبته فيدل على جواز الاستغاثة بالغائب وكذلك قوله: "يا عباد الله احبسوا" يدل على ذلك أيضاً هذا من أعظم المحال وأبطل الباطل، بل كلامه ﷺ يوافق الوحي عليه يصدقه ولا يكذبه فإنهما من مشكاة واحدة ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ ونحن نجيب عن هذين الحديثين بعون الله وتأكيده من وجوه. الوجه الأول: أن القرآن الكريم فيه آيات محكمات هن أم الكتاب وآخر متشابهات فيرد المتشابه إلى المحكم ولا يضرب كتاب الله بعضه ببعض، وكذلك السنة: فيها محكم ومتشابه فيرد متشابهها إلى المحكم ولا يضرب بعضها ببعض، فكلام النبي ﷺ لا يتناقض بل يصدق بعضه بعضاً، والسنة توافق القرآن ولا تناقضهن وهذا أصل عظيم يجب مراعاته من أهمله فقد وقع في أمر عظيم وهو لا يدري، من المعلوم أن أدلة القرآن الدالة على النهي عن دعاء غير الله متظاهرة مع وضوحها وبيانها كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ وقوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ وقوله: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الواضحات البينات. فمن أعرض عن هذا كله وتعامى عنه وأعرض عن الأحاديث الصحيحة الدالة على تحقيق التوحيد وأبطال الشرك وسد ذرائعه وتعلق بحديث ضعيف بل ذكر بعض العلماء أنه حديث منكر وهو قوله: "إذا انفلتت دابة أحدكم فلينادي عباد الله احبسوا" ومثل حديث الأعمى الذي فيه يامحمد وزعم أن رسول الله ﷺ أمره أن يسأله في حال غيبته لم يكن هذا إلا من زيغ في قلبه قد تناوله قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ وقوله: ﷺ فيما ثبت عنه في الصحيح من حديث عائشة ﵂ "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم". الوجه الثاني: أن يقول لمن استدل بالحديثين على دعاء غير الله أتظن أن الرسول ﷺ يأمر أمته بالشرك وقد نهى عنه وقد جرد التوحيد لله ونهى عن دعوة غير الله؟ وقال: "إذا سألت فسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله". فكيف يجتمع في قلبك أن الله بعثه يأمر بالتوحيد، ويحذر من الإشراك ثم يأمر أمته بعين ما حذرهم عنه فمن زعم أن قوله: "يا عباد الله احبسوا" يدل على جواز دعاء الغائب بالنص، وعلى دعاء الميت بالقياس على الغائب، وكذلك حديث الأعمى فمن زعم هذا

стр. 165

فقد حاد الله ورسوله، حيث زعم أن رسول الله ﷺ أمر أمته بالإشراك الذي بعثه الله ينهي عنه. الوجه الثالث: أن يقال وعلى تقدير أن هذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله شرك أصغر فيظن من في قلبه رائحة الإيمان أن الرسول ﷺ يأمر أمته بالشرك الأصغر الذي قد حرمه الله ورسوله، بل إذا علم الإنسان أن هذا الشرك أصغر ثم زعم أن الرسول ﷺ أمر أمته به كان كافراً وقد قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فحاشا جنابه ﷺ أن يأمر أمته بالشرك ولو كان أصغر. ومن استدل بهذين الحديثين على دعاء الموتى والغائبين فهو بين أمرين لا محيد له عنهما، أما أن يقول: هذا يدل على أن دعاءهم مستحب أو جائز ومن قال ذلك: فقد خالف إجماع المسلمين ومرق من الدين، فإنه لم يقل أحد من المسلمين أن دعاء الموتى جائز، أو مستحب، وأما أن يقول أن ذلك يدل على أن دعاء الموتى شرك أصغر لا أكبر ومن قال ذلك فقد تناقض في استدلاله حيث استدل بكلام النبي ﷺ الذي أمر به على ما نهى عنه، وكيف يسوغ لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يستدل بأمره على نهيه؟ ثم يقال: لهذا المستدل بقوله: " فليقل يا عباد الله احبسوا" أخبرنا عن هذا الأمر هل هو للوجوب، أو الاستجابة أو الإباحة؟ وهي أقل أحواله، وأما ما كان مكروه أو محرماً فلا يكون فيما أمر به النبي ﷺ فما وجه الاستدلال الوجه الرابع: أن هذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ فإنه من رواية معروف بن حسان وهو منكر الحديث قاله ابن عدي. الوجه الخامس: أن يقال إن صح الحديث فلا دليل على دعاء الميت الغائب، فإن الحديث ورد في أذكار السفر. ومعناه أن الإنسان إذا انفلتت دابته وعجز عنها فقد جعل الله عباداً من عباده الصالحين أي صالحي الجن أو الملائكة أو ممن لا يعلمه من جنده سواه ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ أما أخبر النبي ﷺ أن لله عباداً قد وكلهم لهذا الأمر، فإذا انفلتت الدابة ونادى صاحبها بما أمره به النبي ﷺ في هذا الحديث حبسوا عليه دابته، فإن هؤلاء عباد الله أحياء قد جعل الله لهم القدرة على ذلك، كما جعل الله لإنس فهو ينادي من يسمع ويعين بنفسه ويرى بعينه كما ينادي أصحابه الذين معه من الإنس، فأين هذا من الاستغاثة بأهل القبور. بل هذا من جنس ما يجوز طلبه من الأحياء قفان الإنسان يجوز له أن يسأل المخلوق من الأحياء ما يقدر عليه كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ وكما قال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ وكما يستغيث الناس يوم القيامة بآدم ثم بنوح، ثم بإبراهيم ثم بموسى، ثم بعيسى حتى يأتوا نبينا

стр. 166

محمداً ﷺ بل هذا من جنس استغاثته برفقته من الإنس، فإذا انفلتت دابته ونادى رفقته يا فلان ردوا الدابة لم يكن في هذا بأس، فهذا الذي ورد في الحديث من جنس هذا بل قد يكون قربة إذا قصد به امتثال أمر النبي ﷺ ، فأين هذا من استغاثة العبادة؟ بأن ينادي ميتاً، أو غائباً في قطر شاسع سواء كان نبياً أو عبداً صالحاً. الوجه السادس: ان الله تعالى قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ فبعد أن أكمله بفضله ورحمته فلا يحل له أن يخترع فيه ما ليس منه، ونقيس عليه ما لا يقاس عليه، بل الواجب اتباع ما ورد عن النبي ﷺ ، فنقول: كما أمر به فإذا نادى شخصاً معيناً باسمه فقد كذب على رسول الله ﷺ ونادى من لم يؤمر بندائه، وليس ذلك في كل حركة وسكون وقيام وقعود وإنما ذلك في أمر مخصوص. وأما حديث الأعمى فالجواب عنه من وجوه: الوجه الأول: أن الحديث إذا شذ عن قواعد الشرع لا يعمل به فانهم قالوا: أن حد الحديث الصحيح إذا رواه العدل الضابط عن مثله من غير شذوذ ولا علة، فهذا الحديث لا يجوز الاحتجاج به في هذا الباب، لمخالفته لقواعد الشرع وأصوله، بل من احتج به على دعاء الميت والغائب فقد خالف نصوص الكتاب والسنة مع أنه بحمد الله يواقف ذلك ولا يخالفه، فليس فيه دليل على ما ذكره السائل كما سننبه عليه أن شاء الله تعالى وكيف يستدل بما ليس فيه دلالة مطابقة ولا تضمن ولا التزام!. الوجه الثاني: أن يقال: هذا الحديث قد رواه النسائي في اليوم والليلة والبهيقي وابن شاهين في دلائلهما عندهم عن عثمان بن حنيف، ولم يذكروا فيه هذه اللفظة أعني قوله يا محمد ولفظ الحديث عندهم عن عثمان بن حنيف أن رجلاً أعمى أتى النبي ﷺ فقال له يا نبي الله قد أصبت في بصري فادع الله لي فقال له النبي ﷺ : "توضأ وصل ركعتين ثم قل: اللهم اني أتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة"أي أتشفع به إليك "في رد بصري اللهم شفع نبيي في" ففعل ذلك فرد الله عليه بصره" وقال له: "إذا كانت لك حاجة فبمثل ذلك فافعل" انتهى. فهذا الحديث بهذا اللفظ لا حجة للمبطل فيه، لأن غايته أنه توسل بالنبي ﷺ ، وساقه الترمذي بسياق قريب من هذا فقال: حدثنا محمود بن غيلان حدثنا عثمان بن عمر حدثنا شعبة عن أبي جعفر عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حنيف أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: "ادع الله أن يعافيني قال "أن شئت دعوت وان شئت صبرت فهو خير لك" قال: فادعه فأمره أن يتوضأ ويحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء "اللهم أني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة أني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضي اللهم فشفعه في " هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي جعفر وهو غير الخطاء انتهى.

стр. 167

هذا لفظه بحروفه وفي نسخة أخرى إني توجهت إلى ربي، وليست هذه اللفظة في سياق هؤلاء الأئمة أعني قوله: يا محمد التي غاية ما يتعلق به المبطلون. الوجه الثالث: أن يقال: على تقدير صحة هذه اللفظة فليس فيها ما يدل على دعاء النبي ﷺ بعد موته، ولو كان فيها ما يدل على ذلك لفعله الصحابة ﵃، فلما ثبت أن الصحابة لم يفعلوه، بل ولا أجازوه علمنا أنه ليس في ذلك دليلاً فبقي أن يقال ما معناه؟ فنقول ذكر العلماء في معناه قولين أحدهما انه توسل بالنبي ﷺ فيدل على جواز التوسل به ﷺ في حياته وبعد مما بعد مماته إلا أن التوسل ليس فيه دعاء له، ولا استغاثة به وإنما سأل الله بجاهه وهذا ذكره الفقيه أبو محمد بن عبد السلام، فإنه أفتى بأنه لا يجوز التوسل بغير النبي ﷺ قال: وأما التوسل به ﷺ فيجوز إن صح الحديث فيه يعني حديث الأعمى. قال الشيخ تقي الدين بن تيمية رحمه الله تعالى: أم التوسل إلى الله بغير نبينا ﷺ فلم نعلم أحداً من السلف فعله، ولا روى فيه أثراً ولا نعلم فيه، إلا ما أفتى ابن عبد السلام من المنع، وأما التوسل بالنبي ﷺ ففيه حديث في السنن وهو حديث الأعمى الذي أصيب بصره، فلأجل هذا الحديث استثنى الشيخ التوسل به، وللناس في معنى هذا الحديث قولان: أحدهما أن هذا التوسل هو الذي ذكره عمر ﵁ لما استقى بالعباس فذكر أنهم يتوسلون بالنبي ﷺ في الاستسقاء ثم توسلوا بعم العباس بعد موته، وتوسلهم به استسقاؤهم بحيث يدعو ويدعون معه فيكون هو وسيلتهم إلى الله تعالى، وهذا لم يفعله الصحابة بعد موته، ولا في مغيبه، والنبي ﷺ كان في مثل هذا شافعاً لهم داعياً، ولهذا قال: في حديث الأعمى اللهم فشفعه في فعلم أن النبي ﷺ شفع له فسأل الله أن يشفعه فيه. والثاني: أن التوسل بالنبي ﷺ يكون في حياته وبعد وفاته انتهى كلام الشيخ رحمه الله تعالى، فتبين بهذا أن معناه التوسل إلى الله بدعائه وشفاعته في حضوره أم التوسل بذاته أن يسأل الله بجاهه والتوسل غير الاستغاثة فإنه لم يقل أحد: أن من قال: اللهم إني أسألك بحق فلان أنه استغاث به بل إنما استغاث بمن دعاه بل العامة الذين يتوسلون في أدعيتهم بأمور كقول أحدهم: أتوسل إليك بحق الشيخ فلان أو بحرمته أو نحو ذلك مما يقولونه في أدعيتهم يعلمون أنهم لا يستغيثون بهذه الأمور، فإن المستغيث بالشيء طالب منه سائل له والمتوسل به لا يدعي، ولا يسأل ولا يطلب منه، وإنما يطلب به، وكل أحد يفرق بين المدعو والمدعو به، والاستغاثة هي طلب الغوث، وهو إزالة الشدة كالاستنصار طلب النصر، والاستعانة طلب العون، فكل أحد يفرق بين المسؤول والمسئول به. فالحديث على هذا المعنى الذي ذهب إليه ابن عبد السلام لا حجة فيه لمن جاوز الاستغاثة بالنبي ﷺ بعد وفاته، فإن هذا لم يفهمه أحد من العلماء من الحديث، ولم يذكروا في معناه إلا هذين القولين الذين ذكرناهما أحدهما: ما ذهب

стр. 168

إليه ابن عبد السلام، والثاني: ما ذهب إليه الأكثرون أن معناه التوسل إلى الله بدعائه وشفاعته بحضوره. كما في صحيح البخاري أن عمر رضي الله تعالى عنه استسقى بالعباس فقال: اللهم انا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقنا وانا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون، فبين عمر ﵁ أنهم كانوا يتوسلون به في حياته فيسقون. وتوسلهم به هو أنهم يسألونه أن يدعو الله لهم فيدعو معه، فيتوسلون بدعائه كما في الصحيحين عن أنس ﵁ أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبل رسول الله ﷺ قائماً ثم قال يا رسول الله: هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله أن يغيثنا فرفع رسول الله ﷺ يده ثم قال: "اللهم أغثنا" الحديث بطوله، ففي هذا أنه قال ادع الله أن يغيثنا فلما كثر الغيث قال ادع الله أن يمسكه عنا، فهذا هو التوسل الذي كانوا يفعلونه، فلما مات صلوات الله وسلامه عليه لم يتوسلوا به، ولم يستسقوا به، فلو كان ذلك مشروعاً لم يعدلوا إلى العباس، وكيف يتركون التوسل بنبيهم ﷺ ويعدلون إلى العباس؟ وكذلك معاوية ﵁ استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي وقال: اللهم إنا نستشفع إليك بخيارنا يا يزيد ارفع يدك إلى الله فرفع يده ودعا ودعوا فسقوا. وقال الشيخ الإمام أبو العباس تقي الدين بن تيمية: في رده على ابن البكري لما تكلم على حديث الأعمى قال: والأعمى كان قد طلب من النبي ﷺ أن يدعو له، كما كان الصحابة يطلبون منه في الاستسقاء، وقوله: أتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة أي بدعائه وشفاعته، ولهذا قال في تمام الحديث اللهم فشفعه في، فالذي في الحديث متفق على جوازه وليس هو مما نحن فيه انتهى، وقال رحمه الله تعالى: في موضع آخر لفظ التوجه والتوسل يرد به: أن يتوجه به ويتوسل إلى اله بدعائهم وشفاعتهم فهذا هو الذي جاء في ألفاظ السلف من الصحابة ﵃ كقول عمر: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقنا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون فهذا أخبار من عمر ﵁ عما كانوا يفعلونه وتوسلوا بالعباس كمكا كانوا يتوسلون بالنبي ﷺ وكذلك معاوية ﵁ لما استسقى بأهل الشام توسل بيزيد. ومن هذا الباب ما في البخاري عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي ﷺ يستسقي فما ينزل حتى يجيش الميزاب. وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل ومن هذا الباب حديث الأعمى فإنه أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني قال "إن شئت دعوته وإن شئت صبرت فهو خير لك" قال: ادع الله فأمره أن يتوضأ فيحسن الوضوء ويدعو بهذا الدعاء "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك

стр. 169

بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضي اللهم فشفعه في" فأمره أن يطلب من الله أن يشفع فيه النبي ﷺ ، وإنما يكون طالباً لتشفيعه فيه إذا شفع فيه فدعا الله، وكذلك في أو الحديث أنه طلب من النبي ﷺ أن يدعو له فدل الحديث على أن النبي ﷺ شفع له ودعا له، وأن النبي ﷺ أمره هو أن يدعو الله وأن يسأله قبول شفاعة النبي ﷺ فهذا نظير توسلهم به في الاستسقاء حيث طلبوا منه أن يدعو الله لهم ودعوا هم الله تعالى أيضاً. وقوله: يا محمد إني توجهت بك إلى ربي خطاب لحاضر قلوبه كما نقول في صلاتنا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وكما يستحضر الإنسان من يحبه، أو يبغضه ويخاطبه وهذا كثير، فهذا كله يبين أن معنى التوسل والتوجه به وبالعباس وغيرهما في كلامهم هو التوسل، والتوجه بدعائه وبدعاء العباس ودعاء من توسل به وهذا مشروع بالاتفاق لا ريب فيه انتهى كلام أبي العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى، وفي ما ذكرنا كفاية لمن نور الله عليه قلبه ومن أعمى الله قلبه لم نزده كثرة النقول إلا حيرة وضلالاً ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ .

стр. 170

فصل: في قول القائل إما التوسل فإن آدم توسل بالنبي ﷺ ... (فصل) وأما قول القائل: وأما التوسل فقد أخرج الحاكم في مستدركه وصححه أن آدم توسل بالنبي ﷺ وورد اللهم بحق نبيك والأنبياء قبلي ولا أدري من خرجه، فأم التوسل بالنبي ﷺ خاصة فقد رأيت لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب قدس الله سره، ونور رمسه نقلاً في جواز ذلك عن ابن عبد السلام، فبقي الكلام في النداء وفي غيره من الأنبياء، وفي معاني الأحاديث الأخرى وما حكمها، وما الحجة المقابلة لما يقولون المخصص لما يعممون، وأم التوسل بغير الأنبياء فيوردون أن عمر توسل بالعباس في الاستسقاء فسقوا وطفق الخ لا أدري من قالها فما تقولون في معناها، وقد رأيت لبعض المحققين أن التوسل بالأولياء غير التوسل إليهم فالأول: جائز والثاني: شرك: وفي عدة الحصن الحصين للحرزي والتوسل إلى الله بأنبيائه ورسله والصالحين إلى آخره. فالجواب أن يقال العبادات مبناها على الأمر والإتباع لا على الهوى: والابتداع، والتوسل الذي جاءت به السنة، وتواتر في الأحاديث هو التوسل، والتوجه إى الله بالأسماء والصفات، وبالأعمال الصالحة كالأدعية الواردة في السنة كقوله: "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم" وفي الحديث الآخر: "اللهم إني أسألك بأني أشهد أن لا إله إلا الله أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد" وكقوله في الحديث الآخر: "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك" وكما حكى الله سبحانه عن عباده

стр. 171

المؤمنين انهم توسلوا إليه بصالح أعمالكم فقال حاكياً عنهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ وكما ثبت في الصحيحين من قصة الثلاثة الذين أووا إلى الغار فانطبقت عليهم الصخرة، فتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم، وكالتوسل بدعاء الأنبياء والصالحين، وشفاعتهم في حياتهم، كما ذكرنا من توسل الصحابة بالنبي ﷺ في الاستسقاء، وتوسلهم بالعباس وبيزيد بن الاسود، وتوسل الأعمى بدعاء النبي ﷺ وشفاعته له: فهذا مما لا نزاع فيه، بل هو من الأمور المشروعة وهو من الوسيلة التي أمر الله بها في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ . وأما التوسل بالذات: فيقال: ما الدليل على جواز سؤال الله بذوات المخلوقين ومن قال هذا من الصحابة والتابعين، فالذي فعله الصحابة ﵃ هو التوسل إلى الله بالأسماء والصفات، والتوحيد، والتوسل بما أمر الله به من الإيمان بالرسول ومحبته وطاعته ونحو ذلك، وكذلك توسلوا بدعاء النبي ﷺ وشفاعته في حياته وتوسلوا بدعاء العباس وبيزيد. وأما التوسل بالذات بعد الممات فلا دليل عليه ولا قاله أحد من السلف: بل المنقول عنهم يناقض ذلك، وقد نص غير واحد من العلماء على أن هذا لا يجوز ونقل عن بعضهم جوازه وهذه المسألة وغيرها من المسائل إذا وقع فيها النزاع بين العلماء فالواجب رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ومعلوم ان هذا لم يكن منقولاً عن النبي ﷺ ولا مشهوراً بين السلف، وأكثر النهي عنه لا ريب أن الأنبياء والصالحين لهم الجاه عند الله لكن الذين لهم عند الله من الجاه والمنازل والدرجات أمر يعود نفعه إليهم، ونحن ننقفع من ذلك باتباعنا لهم ومحبتنا فاذا توسلنا إلى الله بايماننا بنبيه ﷺ ومحبته وطاعته واتباع سنته كان هذا من أعظم الوسائل. وأما التوسل بنفس ذاته مع عدم التوسل بالإيمان به وطاعته، فلا يكون وسيلة فالمتوسل بالمخلوق إذا لم يتوسل بما مر من التوسل به من الدعاء للمتوسل وبمحبته واتباعه فبأي شيء يتوسل به الإنسان إذا توسل إلى غيره بوسيلة، فأما أن يطلب من الوسيلة الشفاعة له عند ذلك مثل أن يقول لأبي الرجل أو صديقه أومن يكرم عليه: اشفع لنا عند فلان وهذا جائز وأما أن يقسم عليه فلا يجوز الاقسام بمخلوق كما أنه لا يجوز أن يقسم على الله بالمخلوقين، فالتوسل إلى الله بذات خلقه بدعة مكروهة لم يفعلها السلف من الصحابة ولا التابعين لهم باحسان. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: في كتاب اغاثة اللهفان في مكائد الشيطان، وهذه الأمور المبتدعة عند القبور أنواع أبعدها عن الشرع أن يسأل الميت حاجته كما يفعله كثير من هؤلاء من جنس عباد الأصنام، ولهذا قد يتمثل لهم الشيطان في صورة الميت كما يتمثل لعباد الأصنام، وكذلك السجود للقبر وتقبيله والتمسح به.

стр. 172

النوع الثاني: أن يسأل الله به وهذا يفعله كثير من المتأخرين وهو بدعة إجماعا. النوع الثالث: أن يظن أن الدعاء عنده مستجاب أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد فيقصد القبر لذلك فهذا أيضاً من المنكرات إجماعاً، وما علمت فيه نزاعاً بين أئمة الدين، وان كان كثير من المتأخرين يفعله، وبالجملة فأهل الأرض مفتونون بعبادة الأصنام، ولم يتخلص منه إلا الحنفاء اتباع ملة ابراهيم وعبادتها في الأرض من قبل نوح وهياكلها، ووقوفها وسدنتها وحجابها، والكتب المصنفة في عبادتها طبق الأرض، قال إمام الحنفاء ﵊: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ وكفى في معرفة انهم أكثر أهل الأرض ما صح عن النبي ﷺ "ان بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون وقد قال تعالى: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً﴾ وقال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ولو لم تكن الفتنة بعبادة الأصنام عظيمة لما أقدم عبادهم على بذل نفوسهم، وأموالهم وأبنائهم دونها، وهم يشاهدون مصارع اخوانهم، وما حل بهم ولا يزيدهم ذلك إلا حبالهم وتعظيماً، ويوصي بعضهم بعضاً بالصبر عليها انتهى كلامه رحمة الله عليه، والمقصود: أنه حكى الإجماع على أن التوسل إلى الله بصاحب القبر بدعة إجماعاً. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في رده على ابن البكري وما زلت أبحث وأكشف ما أمكنني من كلام السلف، والأئمة والعلماء، هل جوز أحد منهم التوسل بالصالحين في الدعاء أو فعل ذلك أحد منهم فما صلى الله عليه وسلمم وقعت على فتيا للفقيه أبي محمد ابن عبد السلام أفتى بأنه لا يجوز التوسل بغير النبي ﷺ ، وأما بالنبي ﷺ فجوز التوسل به أنه صح الحديث في ذلك، وذكر القدروي في شرح الكرخي عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه لا يجوز أن يسأل الله إلا بنبينا انتهى كلامه. وذكر ابن القيم رحمه الله تعالى عن أبي الحسين القدوري نحو ذلك فقال رحمه الله تعالى: قال القدروي قال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به وأكره أن يقول بمعقد العز من عرشك، أو يقول بحق خلقك وقال أبو يوسف: بمعقد العز من عرشك هو الله فلا أكره ذلك وأكره بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت والمشعر الحرام قال القدروي المسألة بخلقه لا تجوز لأنه لا حق لمخلوق على الخالق فلا تجوز يعني وفاقاً، وقال البلدجي في شرح المختارة، ويكره أن يدعو الله إلا به فلا يقول: أسألك بفلان أو بملائكتك، أو أنبيائك أو نحو ذلك، لأنه لا حق لمخلوق على الخالق انتهى. وقال أبو العباس تقي الدين أحمد بن تيمية قدس الله نفسه ونور رمسه: في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم لفظ التوسل بالشخص والتوجه به، والتوسل به، فيه اجمال واشتراك غلط يسببه من لم يفهم مقصود الصحابة يراد به التسبب به لكونه داعياً وشافعاً مثلاً، أو يكون الداعي مجيباً له مطيعاً لأمره مقتديا به فيكون التسبب

стр. 173

أما بمحبته السائل واتباعه له، وأما بدعاء الوسيلة وشفاعته، ويراد به الاقسام والتوسل بذاته فهذا هو الذي كرهوه ونهو عنه، وكذلك لفظ السؤال بشيء قد يراد به المعنى الأول وهو التسبب به لكونه سبباً في حصول المطلوب، وقد يراد به الاقسام. ومن الأول حديث الثلاثة الذين أووا إلى غار وهو حديث مشهور في الصحيحين وغيرهما فإن الصخرة انطبقت عليهم فقالوا: ليدعو كل رجل منكم بأفضل عمله فدعوا الله بصالح أعمالهم، لأن الأعمال الصالحة هي أعظم ما يتوسل به العبد إلى الله، ويتوجه به إليه ويسأل به، وهؤلاء دعوه بعبادته، وفعل ما أمروا به من العمل الصالح وسؤاله التضرع. ومن هذا ما يذكر عن فضيل بن عياض أنه أصابه عسر البول فقال: بحبي إياك إلا فرجت عني ففرج عنه، وكذلك دعاء المرأة المهاجرة التي أحيا الله ابنها قالت: اللهم إني آمنت بك وبرسولك وهاجرت في سبيلك وسألت الله أن يحيي ولدها وأمثال ذلك، وهذا كما قال المؤمنون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ الآيات فسؤال الله والتوسل إليه، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.) وأما قوله في حديث أبي سعيد: "أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا" فهذا الحديث رواه عطية العوفي وفيه ضعف، لكن بتقدير ثبوته هو من هذا الباب فإن حق السائلين عليه أن يجيبهم، وحق المطيعين له أن يثبتهم، فالسؤال له والطاعة سبب لحصول إجابته، وإثباته فهو التوسل به والتوجه به والتسبب به، ولو قدر أنه قسم لكان قسماً بما هو من صفاته فإن إجابته وإثابته من أفعاله وأقواله فصار هذا كقوله في الحديث الصحيح: "أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" والاستعاذة لا تصح بمخلوق كما نص عليه الإمام أحمد وغيره من الأئمة. فاستعاذ ﷺ بعفوه، ومعافاته من عقوبته مع أنه لا يستعاذ بمخلوق كسؤال الله بإجابته وإثابته، وإن كان يسأل بمخلوق ومن قال من العلماء لا يسأل إلا به لا ينافي السؤال بصفاته كما أن الحلف لا يشرع إلا بالله. ومن حلف بغير الله فقد أشرك ومع هذا فالحلف بعزة الله ولعمر اله ونحو ذلك مما قد ثبت عن النبي ﷺ الحلف به لم يدخل في الحلف بغير الله. وأما قول بعض الناس: أسألك بالله وبالرحم وقراءة من قرأ: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ .. فهو من باب التسبب بها، فإن الرحم توجب الصلة، وتقتضي أن يصل الإنسان قرابته فسؤال السائل بالرحم لغيره يتوسل إليه بما يوجب صلته من القرابة التي بينهما، ليس هو من باب الاقسام، ولا من باب التوسل بما لا يقتضي المطلوب، بل هو توسل بما يقتضي المطلوب كالتوسل بدعاء الأنبياء وبطاعتهم.

стр. 174

ومن هذا الباب ما يروى أن عبد الله بن جعفر قال: كنت إذا سألت علياً شيئاً فلم بعطنيه قلت له: بحق جعفر إلا ما أعطيتنيه أو كما قال، فإن بعض الناس ظن أن هذا من باب الاقسام عليه بجعفر أو من قولهم: أسألك بحق أنبيائك ونحو ذلك، وليس كذلك، بل جعفر هو أخو علي، وعبد الله ابنه وله عليه حق الصلة فصلة عبد الله صلة لأبيه جعفر، كما في الحديث "إن من أبر البر أن يصل الرجل ود أبيه بعد أن يولي" ولو كان هذا من هذا الباب الذي ظنوه لكان سؤاله لعلي بحق النبي ﷺ وإبراهيم ونحوهما أولى من سؤاله بحق جعفر، ولكان علي إلى تعظيم رسول الله ﷺ ومحبته وجابته السائل أسرع منه إلى إجابة السائل بغيره انتهى ملخصاً. وأما قول القائل: فقد أخرج الحاكم في المستدرك وصححه أن آدم توسل بالنبي ﷺ . فهو من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال أحمد بن حنبل: ضعيف وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء وضعفه ابن المديني جداً، وقال أبو داود: أولا د زيد بن أسلم كلهم ضعيف وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول: ذكر رجل لمالك حديثاً فقال: من حدثك فذكر إسناداً له منقطعاً فقال: اذهب إلى عبد الرحمن بن زيد يحدثك عن أبيه عن نوح ﵇، وقال أبو زرعة ضعيف، وقال أبو حاتم ليس بقوي في الحديث كان في نفسه صالحاً، وفي الحديث واهياً، وقال ابن حبان: كتن يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك في روايته من رفع المراسيل، وإسناد المتروك فاستحق الترك، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث ضعيفاً جداً، وقال ابن خزيمة: ليس هو ممن يحتج أهل العلم بحديثه. وقال الحاكم وأبو نعيم: روى عن أبيه أحاديث موضوعة، وقال ابن الجوزي: أجمعوا على ضعفه فهذا الحديث الذي استدل به تفرد به عبد الرحمن بن زيد وهو كما تسمع. وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية قدس اله روحه ونور ضريحه: في رده على ابن البكري وأما قول القائل: قد توسل به الأنبياء آدم وإدريس ونوح وأيوب كما هو مذكور في كتب التفسير وغيرها فيقال: مثل هذه القصص لا يجوز الاحتجاج بها بإجماع المسلمين فإن الناس لهم في شرع من قبلنا قولان: أحدهما: أنه ليس بحجة، الثاني أنه حجة ما لم يأت شرعنا بخلافه بشرط أن يثبت ذلك بنقل معلوم كأخبار النبي ﷺ ، فأما الاعتماد على نقل أهل الكتاب، أو نقل من نقل عنهم فهذا لا يجوز باتفاق المسلمين، لأن في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم". وهذه القصص التي فيها ذكر توسل الأنبياء بذاته ليست في شيء من كتب الحديث المعتمدة، ولا لها إسناد معروف عن أحد من الصحابة، وإنما تذكر مرسلة كما تذكر الاسرائيليات التي تروى عمن لا يعرف، وقد بسطنا الكلام في غير هذا الموضع على ما نقل في ذلك عن النبي ﷺ ، وتكلمنا عليه وبينا بطلانه، ولو نقل

стр. 175

ذلك عن كعب ووهب ومالك بن دينار ونحوه ممن ينقل عن أهل الكتاب لم يجز أن يحتج به، لأن الواحد من هؤلاء، وإن كان ثقة فغاية ما عنده أن ينقل من كتاب من كتب أهل الكتاب، أو يسمعه من بعضهم فإنه بينه وبين الأنبياء دهر طويل، والمرسل عن المجهول من أهل الكتاب الذي لا يعرف علمه وصدقه لا يقبل باتفاق المسلمين، ومراسيل أهل زماننا عن نبينا ﷺ لا تقبل عند العلماء مع كون ديننا محفوظاً محروساً فكيف بما يرسل عن آدم وإدريس ونوح وأيوب عليهم ﷺ والقرآن قد أخبرنا بأدعية الأنبياء وتوباتهم واستغفارهم وليس فيها شيء من هذا، وقد نقل أبو نعيم في الحلية أن داود ﵇ قال: يا رب أسألك بحق آبائي عليك... إبراهيم وإسحاق ويعقوب فقال: يا داود وأي حق لآبائك علي، فإن كانت الاسرائيليات حجة فهذا يدل على أنه لا يسأل بحق الأنبياء وإن لم تكن حجة لم يجز الاحتجاج بتلك الاسرائيليات انتهى كلامه، فبين رحمه الله تعالى أنه لم يصح في ذلك شيء عن النبي ﷺ وأن جميع ما روي في ذلك باطل لا أصل له. وأما قوله: وأما التوسل بالنبي ﷺ خاصة فقد رأيت لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب نقلاً في جواز ذلك عن ابن عبد السلام. فنقول قد تقدم أن التوسل المشروع هو التوسل إلى الله بالأسماء والصفات، والتوحيد، وكذلك التوسل بمحبة النبي ﷺ ، والإيمان به وطاعته، وكذلك التوسل بدعائه وشفاعته وكل هذا مشروع بلا ريب، وأما التوسل بنفس الذات فقد قدمنا أن كثيراً من العلماء نهوا عن ذلك وجعلوه من البدع المكروهة المحدثة، وبعضهم رخص في ذلك وهو قول: ضعيف مرود، وعز الدين بن عبد السلام أنكر التوسل إلى الله بغير النبي ﷺ وأم التوسل بالنبي ﷺ فعلق القول بجوازه على صحة حديث الأعمى لأنه فهم من الحديث أن الأعمى توسل بذات النبي ﷺ . وأم الجمهور فقد حملوا حديث الأعمى على انه توسل بدعاء النبي ﷺ كما كان الصحابة يتوسلون به في الاستسقاء كما في حديث أنس الذي رواه البخاري في صحيحه وقد تقدم وشيخنا ﵀ نقل كلام العز بن عبد السلام، ليبين أن مسألة التوسل بغير النبي ﷺ بدعة مكروهة، وأما التوسل بالنبي ﷺ فأجاوزه بعض العلماء كالعز بن عبد السلام، والسائل فهم من نقل الشيخ أنه اختاره، وليس الأمر كذلك، بل الذي اختاره رحمه الله تعالى هو الذي ذهب إليه الجمهور أن ذلك بدعة محدثة لم يفعلها الصحابة، ولا التابعون، فإنه لم بنقل عن أحدهم أنه توسل بالنبي ﷺ بعد موته كما قدمناه. وأما قوله: وأما التوسل بغير الأنبياء فيوردون أن عمر توسل بالعباس في الاستسقاء. وقد نقلنا بيانه بما فيه الكفاية وبينا أن التوسل بدعاء الصالحين في الاستسقاء وغيره مشروع كما فعله الصحابة لما توسلوا بالعباس ويزيد بن الأسود، وليس كلامنا

стр. 176

في هذا وإنما الكلام في التوسل بنفس الذات وأما قولهم: في حديث العباس فطفق الناس يتمسحون به فلم نقف لها على أصل ولا رأيناها في شيء من الكتب وعلى تقدير ثبوتها فليس فيها حجة على التوسل بالأموات.

стр. 177

فصل: في قوله إن سلمنا هذا القول وظهر دليله فالجاهل معذور لأنه لم يدر ما الشرك والكفر ومن مات قبل البيان فليس بكافر ... (فصل) وأما قوله إن سلمنا هذا القول وظهر دليله فالجهل معذور لأنه لم يدر ما الشرك والكفر، ومن مات قبل البيان فليس بكافر، وحكمه حكم المسلمين في الدنيا والآخرةن لأن قصة ذات أنواط وبني إسرائيل حين جاوزوا البحر تدل على ذلك إلى آخره. فالجواب أن يقال: أن الله تعالى: ﴿لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ . وقد أجمع العلماء على أنه من بلغه دعوة الرسول ﷺ أن حجة الله قائمة عليه، ومعلوم بالإضرار من الدين أن الله بعث محمداً ﷺ وأنزل عليه الكتاب ليعبد وحده لا يشرك معه غيره، فلا يدعى إلا هو ولا يذبح إلا له، ولا ينذر إلا له، ولا يتوكل إلا عليه ولا يخاف خوف السر إلا منه، والقرآن مملوء من هذا قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ وقال: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ وقال: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ وقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقال: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ وقال: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ وقال: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقال: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ والآيات الواردة في هذا المعنى كثيرة. والله تعالى لا يعذب خلقه إلا بعد الاعذار فأرسل رسله وأنزل كتبه لئلا ويقولوا: ﴿لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ . وكل من بلغه القرآن فليس بمعذور، فإن الأصول الكبار التي هي أصل دين الإسلام قد بينها الله تعالى في كتابه، وأوضحها وأقام حجته، على عباده، وليس المراد بقيام الحجة أن يفهمها الإنسان فهماً جلياً كما يفهمها من هداه الله ووفقه، وانقاد لأمره، فإن الكفار قد قامت عليهم الحجة من الله تعالى مع إخباره بأنه جعل على قلوبهم أكنة أن يفقهوا كلامه: فقال: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ﴾ وقال: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ .. والآيات في هذا المعنى كثيرة يخبر سبحانه أنهم لم يفهموا القرآن ولم يفقهوه وأنه عاقبهم بالأكنة على قلوبهم والوقر في آذانهم

стр. 178

وأنه ختم على قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم، فلم يعذرهم مع هذا كله بل حكم بكفرهم وأمر بقتالهم، وقاتلهم رسول الله ﷺ وحكم بكفرهم، فهذا يبين لك أن بلوغ الحجة نوع وفهمها نوع آخر. وقد سئل شيخنا رحمه الله تعالى عن هذا الآية فأجاب السائل بقوله: من العجب العجاب كيف تشكون في هذا وقد وضحته لكم مراراً، فإن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام والذي نشأ ببادية بعيدة أو يكون في مسألة خفية مثل الصرف والعطف فلا يكفر حتى يعرف، وأما أصول الدين التي أوضحها الله وأحمها في كتابه فإن حجة الله في القرآن فمن بلغه فقد بلغته الحجة وبلوغها نوع وفهمهم إياها نوع آخر، وكفرهم الله ببلوغها إياهم مع كونهم لم يفهموها. وإن أشكل عليكم ذلك فانظروا قوله ﷺ في الخوارج: "أينما لقيتوهم فاقتلوهم" مع كونهم في عصر الصحابة ويحقر معهم الإنسان عمل الصحابة، ومع إجماع الناس أن الذي أخرجهم من الدين هو التشديد والغلو والاجتهاد وهم يظنون أنهم مطيعون لله وقد بلغتهم الحجة ولكن لم يفهموها، وكذلك قتل علي ﵁ الذين اعتقدوا فيه وتحريقهم بالنار مع كونهم تلاميذ الصحابة، ومع عبادتهم وصلاحهم وهم أيضاً يظنون أنهم على حقن وكذلك إجماع السلف على تكفير أناس من غلاة القدرية وغيرهم مع كثرة علمهم، وشدة عبادتهم، وكونهم يظنون أنهم يحسنون صنعاً، ولم يتوقف أحد من السلف في تكفيرهم لأجل أنهم لم يفهموا فإن هؤلاء كلهم لم يفهموا انتهى كلامه. إذا تقرر هذا فنقول: إن هؤلاء الذين ماتوا قبل ظهور هذه الدعوة الإسلامية، وظاهر حالهم الشرك لا نتعرض لهم، ولا نحكم بكفرهم ولا بإسلامهم، بل نقول: من بلغته هذه الدعوة، المحمدية وانقاد لها، ووحد الله وعبده وحده لا شريك له، والتزم شائع الإسلام وعمل بما أمره الله به وتجنب ما نهاه عنه فهذا من المسلمين الموعودين بالجنة في كل زمان وفي كل مكان، وأما من كانت حاله حال أهل الجاهلية لا يعرف التوحيد الذي بعث الله ورسوله يدعو إليه، ولا الشرك الذي بعث الله ورسوله ينهى عنه ويقاتل عليه، فهذا لا يقال أنه مسلم لجهله، بل من كان ظاهر عمله الشرك بالله فظاهره الكفر فلا يستغفر له ولا يتصدق عنه ونكل حاله إلى الله الذي يبلو السرائر ويعلم ما تخفي الصدور. ولا نقول: فلان مات كافراً لأنا لا نفرق بين المعين وغيره فلا نحكم على معين بكفر لأنا لا نعلم حقيقة حاله وباطن أمره بل نكل ذلك إلى الله، ولا نسب الأموات بل نقول أفضوا إلى ما قدموا، وليس هذا من الدين الذي أمرنا الله به بل الذي أمرنا به أن نعبد الله وحده ولا نشرك به، ونقاتل من أبى عن ذلك بعدما ندعوه إلى ما دعا إليه

стр. 179

رسول الله ﷺ فإذا أصر وعاند كفرناه وقاتلناه، فينبغي للطالب أن يفهم الفرق بين المعين وغيره، فنكفر من دان بغير الإسلام جملة ولا نحكم على معين بالنار ونلعن الظالمين جملة ولا نخص معيناً بلعنة كما قد ورد في الأحاديث من لعن السارق وشار بالخمر، فنلعن من لعنه الله ورسول الله ﷺ جملة ولا نخص شخصاً بلعنه، بين ذلك أن رسول الله ﷺ لعن شارب الخمر جملة، ولما جلد رجلاً قد شرب قال رجل من القوم: اللهم العنه ما أكثر ما يؤتي به النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : "لا تلعنوه فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله".

стр. 180

فصل: قوله أن كثير من العلماء فعلوا هذه الأمور أو فعلت بحضرتهم ولم تنكر ... (فصل) وأما قوله ومنها أن كثيراً من العلماء الكبار فعلوا هذه الأمور وفعلت بحضرتهم، ولم تنكر، ومن ذلك تتابعهم على بناء القباب على القبور واتخاذها أعياداً في الغالب فلكل شيخ يوم معروف في شهر معلوم يؤتى إليه من النواحي، وقد يحضرهم بعض العلماء فلا ينكر. فالجواب من وجوه: الوجه الأول: أن يقال: قد افترض الله على الخلق طاعة رسول الله ﷺ أو أخبر أن من أطاعه فقد أطاع الله فقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ . فإذا اختلف الناس في شيء من أمور الدين هل هو واجب أو محرم، أو جائز وجب رد ما وقع فيه الاختلاف إلى الله والرسول، ويجب على المؤمن إذا دعى إلى ذلك أن يقول سمعاً وطاعة قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ ..فنحن نحاكم من نازعنا في هذه المسألة وغيرها من المسائل إلى الله والرسول، لا إلى أقوال الرجال وآرائهم. فنقول لمن أجاز بناء القباب على القبور بالجص والآجر وأسرجها وفرشها بالرخام وعلق عليها قناديل الفضة وبيض النعام وكساها كما يكس بيت الله الحرام هل أمر رسول الله ﷺ بهذا وحث عليه أم نهى عنه وأمر بازالة ما وضع من ذلك صلى الله عليه وسلمما أمرنا به ائتمرنا وما نهانا عنه انتهينا، وسنته هي الحاكمة بيننا وبين خصومنا في محل النزاع، فنقول قد ثبت في صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي قال قال لي علي بن أبي طالب ﵁ الا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا أدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سويته، وفي صحيحه أيضاً عن ثمامة بن شفى الهمداني قال كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم فتوفي صاحب لنا فأمر فضالة بن عبيد بقبره فسوى ثم قال سمعت رسول الله صلى
следующие страницы →