حرف الفاء:
الفاء المفردة ١: ترد على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون عاطفة فتفيد الترتيب والتعقيب والسببية، والترتيب نوعان؛ معنوي، كقام زيد فعمرو، وذكري، وهو عطف مفصل على مجمل، نحو: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ﴾ الآية٢.
стр. 72
والتعقيب في كل شيء بحسبه، كما يقال: تزوج فولد له، إذا لم يكن بينهما إلا مدة الحمل، وقيل تأتي بمعنى ثم وبمعنى الواو.
والسببية تكون غالبا في العاطفة جملة أو صفة، فالأول نحو: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ ١.
والثاني: نحو: ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ، فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ ٢، وقد تأتي في هذين الموضعين لمجرد الترتيب، كقوله: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ﴾ ٣ وقوله: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً، فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً﴾ ٤.
الوجه الثاني -من أوجه الفاء:- أن تكون رابطة للجواب في الشرط وشبهه، وذلك حيث لا يصلح أن يكون شرطا، وقد تحذف للضرورة وقد يأتي بدلها إذا الفجائية.
стр. 73
الوجه الثالث: أن تكون زائدة في الخبر، إما مطلقا مثل: أخوك فوجد. وإما بشرط أن يكون أمرا أو نهيا، كقوله:
٣٨- وقائلة خولان فانكح فتاتهم ... وأكرومة الحيين خلو كما هيا١
وقولك: زيد فلا تضربه، وأما قوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ ٢ فقيل زائدة وفيه بعد، وقيل جواب لـ أما مقدرة وفيه إجحاف، وقيل عاطفة على محذوف والتقدير: تنبه فاعبد الله، وأما الفاء في قولك: خرجت فإذا الأسد، فقيل زائدة لازمة، وقيل عاطفة، وقيل: للسببيه كفاء الجواب، ومثلها قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ٣ إذ لا يصح عطف الإنشاء على الخبر.
стр. 74
تنبيه: قيل الفاء تكون للاستئناف كقوله تعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ ١، والتحقيق أنها للعطف.
"في" ٢ حرف جر، وله عشرة معان:
الأول: الظرفية، زمانا أو مكانا، حقيقة أو مجازا، ومن المكانية؛ أدخلت الخاتم في أصبعي لكنه على القلب.
الثاني: المصاحبة، نحو: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ ٣.
الثالث: التعليل، نحو: ﴿الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ ٤.
الرابع: الاستعلاء: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ ٥.
الخامس: مرادفة الباء.
السادس: مرادفة إلى، ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ ٦.
стр. 75
السابع: مرادفة من.
الثامن: المقايسة، وهي الداخلة بين مفضول سابق وفاضل لاحق نحو: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ ١.
التاسع: التعويض.
العاشر: التوكيد، وأجازه بعضهم في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾ ٢.
стр. 76
حرف القاف:
"قد" ١: على قسمين؛ حرفية واسمية. والاسمية إما اسم بمعنى: حسب، وإما فعل، إما اسم فعل، فالتي بمعنى حسب تستعمل مبنية وهو الأكثر، مثل: قد زيد درهم. ومعربة وهو قليل، مثل: قد زيد درهم. والتي بمعنى اسم الفعل تكون بمعنى يكفي كقولك: قدزيدا درهم.
стр. 77
والحرفية تختص بالفعل الخبري المثبت المتصرف المجرد من جازم وناصب وحرف تنفيس، وهي معه كالجزء فلا يفصل بينهما اللهم إلا بالقسم، كقوله:
٣٩ - أخالد قد والله أوطأت عشوة ... وما قائل المعروف فينا يعنف١
وقد يحذف الفعل بعدها لدليل كقوله:
٤٠ - أزف الترحل غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا وكأن قد٢
стр. 78
وللحرفية خمسة معان:
الأول: التوقع، مثل: قد يقدم الغائب، ولا تدخل على ماض متوقع.
الثاني: تقريب الماضي من الحال، فإذا قلت: قام زيد، احتمل أن يكون قيامه قريبا أو بعيدا، فإذا قلت: قد قام زيد، اختص بالقريب، ولذلك إذا أجيب القسم بماض متصرف مثبت، فإن كان قريبا من الحال جيء باللام وقد وإن كان بعيدا جيء باللام وحدها، وإذا كان الماضي حالا وجب دخولها عليه، مثل: ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ ١.
المعنى الثالث: التقليل، مثل: قد يجود البخيل، وقيل هنا للتحقيق، والقلة مفهومة من حال البخيل.
стр. 79
الرابع: التكثير.
الخامس: التحقيق.
"قط" ١: على ثلاثة أوجه:
الأول: أن تكون ظرف زمان لاستغراق ما مضى، فتفتح قافها وتضم الطاء مشددة، وقد تخفف مع ضمها أو إسكانها وتختص بالنفي مثل: ما فعلته قط.
الثاني: أن تكون بمعنى حسب فتفتح القاف وتسكن الطاء مبنية، تقول: قط زيد درهم.
قلت: وفي الحاشية٢ عن حواشي التسهيل "أنها لم تسمع إلا مقرونة بالفاء وهي زائدة لازمة عندي، وكذا أقول في قولهم: فحسب إن الفاء زائدة، وفي المطول: كثيرا ما تصدر بالفاء تزيينا للفظ" ا. هـ.
الثالث: أن تكون اسم فعل بمعنى: يكفي.
стр. 80
حرف الكاف:
الكاف المفردة ١: تأتي جارة وغير جارة، والجارة إما اسم وإما حرف، فللحرفية خمسة معان:
الأول: التشبيه.
الثاني: والتعليل، نحو: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ ٢.
الثالث: الاستعلاء، وجعل منه: كن كما أنت، أي عليه، وفيه أعاريب أخرى.
الرابع: المبادرة، مثل: صل كما يدخل الوقت، وهو غريب جدا.
الخامس: التوكيد، وهي الزائدة، كقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٣، وقيل الزائد مثل، وقيل لا
стр. 81
زيادة فيهما وإن مثل بمعنى ذات أو بمعنى صفة وقيل الكاف اسم مؤكد بمثل.
والاسمية الجارة ترادف مثل قيل تختص بالضرورة كقوله:
٤١ - بيض ثلاث كنعاج جم ... يضحكن عن كالبرد المنهم١
وقيل: لا، فيجوز في زيد كالأسد، أن تكون الكاف اسما بمعنى مثل.
والكاف غير الجارة نوعان، ضمير منصوب أو مجرور، ﴿ما ودعك ربك﴾ ٢، وحرف للدلالة على الخطاب وهي اللاحقة لاسم الإشارة كـ "ذلك" وللضمير المنفصل المنصوب كـ "إياك" ولبعض أسماء الأفعال كـ "رويدك" ولـ "أرأيت" كـ ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ ٣.
стр. 82
"كي" ١: على ثلاثة أوجه:
الأول: أن تكون اسما مختصرا من كيف كقوله:
٤٢- كي تجنحون إلى سلم وما ثئرت ... قتلاكم ولظى الهيجاء تضطرم٢
فحذفت الفاء كما حذفت في قول بعضهم: "سو أفعل"، أي سوف أفعل.
الثاني: أن تكون مرادفة للام التعليل وهي الداخلة على ما الاستفهامية في قولهم في السؤال عن العلة: كيمة، بمعنى لمه.
الثالث: أن تكون مرادفة لـ "أن" المصدرية، كقوله: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا﴾ ٣، فإن لم تتقدمها اللام جاز أن تكون مصدرية وجارة والناصب أن ولا يجمع بينهما إلا في الضرورة كقوله:
стр. 83
٤٣ - فقالت: أكل الناس أصبحت مانحا ... لسانك كيما أن تغر وتخدعا١
كم ٢: على وجهين؛ استفهامية وخبرية، ويفترقان في خمسة أمور:
الأول: أن الخبرية تحتمل الصدق والكذب، بخلاف الاستفهامية.
الثاني: أن المتكلم في الخبرية لا يستدعي من المخاطب جوابا بخلاف الاستفهامية.
الثالث: أن الاسم المبدل من الخبرية لا يقترن بالهمزة فتقول: كم عبيد لي خمسون بل ستون، بخلاف الاستفهامية، فتقول: كم مالك أعشرون أم ثلاثون.
الرابع: أن تمييز الخبرية يكون مفردا أو مجموعا، وتمييز الاستفهامية لا يكون إلا مفردا.
стр. 84
الخامس: أن تمييز الخبرية واجب الخفض، وتمييز الاستفهامية منصوب إلا أن تكون مجرورة بحرف فيجوز النصب وهو الكثير، والجر بمن مضمرة وجوبا، مثل: بكم درهم اشتريت هذا الكتاب؟.
"كأي" ١: في كأين لغات أشار إليها ابن مالك في الكافية٢:
وفي كأين قيل: كائن وكئن ... وهكذا كأين كئين فاستبن
وهي: اسم مركب من كاف التشبيه وأي المنونة، ولذا يجوز الوقوف عليها بالنون، وتكون خبرية للتكثير وهو الغالب مثل: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ ٣، واستفهامية ويكون مميزها مجرورا بمن غالبا، وأوجبه بعضهم، ومن غير المجرور بمن قوله:
стр. 85
٤٤ - اطرد اليأس بالرجا فكأي ... آلما حم يسره بعد عسر١
ولا يدخل عليها حرف جر وأجاز بعضهم: بكأي تبيع هذا الثوب؟، ولا يكون خبرها مفردا.
"كذا": ٢ ترد على ثلاثة أوجه:
الأول: أن تكون اسم إشارة مجرورا بالكاف، وقد تدخل عليها ها التنبيه، كقوله: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ ٣.
الثاني: أن تكون كلمة واحدة مركبة، مكنيا بها عن غير عدد، كما في الحديث: "أتذكر يوم كذا وكذا فعلت فيه كذا وكذا" ٤.
стр. 86
الثالث: أن تكون كلمة واحدة مركبة، مكنيا بها عن عدد، وتمييزها منصوب دائما، فلا يجوز جره بمن ولا بالإضافة، خلافا للكوفيين حيث أجازوا الجر بالإضافة في غير تكرار١، ولا تستعمل غالبا إلا معطوفا عليها.
"كلا" ٢: حرف ردع وزجر، لا معنى لها سوى ذلك عند سيبويه وأكثر البصريين٣، فيجيزون الوقوف عليها دائما والابتداء بما بعدها.
وزاد غيرهم معنى ثالثا واختلف فيه، فقيل معنى حقا وقيل معنى ألا الاستفتاحية وقيل معنى نعم، وعلى هذه الزيادة يصح الوقوف عليها وقبلها، وإذا صلحت للردع وغيره جاز الوقوف عليها وقبلها، والأرجح حملها على الردع لأنه الغالب.
"كأن" ٤: حرف عند الأكثر، وعليه إشكالان يمكن الخلاص منها بالقول بأنها بسيطة، ولها معان:
стр. 87
أحدها: التشبيه، وهو الغالب، وقيده بعضهم١بما إذا كان خبرها اسما جامدا، مثل: كأن زيدا أسد، وإلا فهي للظن، مثل: كأن زيدا عندك، أو قائم أو يقوم.
الثاني: التحقيق، ذكره الكوفيون٢والزجاجي، قلت: ومنه حديث الثلاثة: "كأني أعرفك" ٣.
الثالث: التقريب، قاله الكوفيون٤، نحو: كأنك بالفرج آت، واختلف في إعرابه، فقيل الكاف حرف خطاب والباء حرف جر زائد، والفرج اسم كأن، وقيل الكاف اسمها والجار والمجرور خبرها، وما بعده جملة حالية متممة لمعنى الكلام، بدليل قولهم: كأنك بالشمس وقد طلعت.
стр. 88
"كل" ١: اسم موضوع لاستغراق أفراد المنكر نحو: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ٢، والمعرف المجموع نحو: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ ٣، وأجزاء المفرد المعرف؛ كل زيد حسن.
ولها باعتبار ما قبلها ثلاثة أوجه:
الأول: أن تكون نعتا فتدل على كمال المنعوت، وحينئذ يجب إضافتها إلى اسم ظاهر يماثله لفظا ومعنى، مثل: أكلنا شاة كل شاة. إن الفخر كل الفخر لمن قدر على كبح جماح نفسه.
الثاني: أن تكون توكيدا لمعرفة، قال الكوفيون: أو نكرة محدودة٤ فتفيد العموم، وحينئذ تجب إضافتها إلى ضمير يطابق المؤكد، مثل: ﴿فَسَجَدَ
стр. 89
الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ ١، وربما يخلفه الظاهر كقوله:
٤٥ - كم قد ذكرتك لو أجزى بذكركم ... يا أشبه الناس كل الناس بالقمر٢
فيفرق بينها وبين سابقتها حينئذ بأن هذه لعموم الأفراد وتلك لكمال المنعوت. وأجاز الزمخشري قطع المؤكدة عن الإضافة محتجا بقراءة بعضهم: ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ ٣، والأجود أن كلا هنا بدل من اسم إن وجاز إبداله من ضمير الحاضر لأنه مفيد للإحاطة.
الثالث: أن تكون مباشرة للعوامل لا تابعة، وحينئذ يجوز إضافتها إلى الظاهر وقطعها،
стр. 90
نحو: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ١، ﴿وَكُلّاً ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ ٢.
ولها باعتبار ما بعدها ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تضاف إلى الظاهر فيعمل فيها جميع العوامل، مثل: أكرمت كل بني تميم.
الثاني: أن تضاف إلى ضمير محذوف فكالتي قبلها.
الثالث: أن تضاف إلى ضمير ملفوظ به فلا يعمل فيها غالبا إلا الابتداء، نحو: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ ٣، ومن غير الغالب قوله:
٤٦ - يميد إذا مادت عليه دلاؤهم ... فيصدر عنه كلها وهو ناهل٤.
стр. 91
واعلم أن لفظ كل حكمه الإفراد والتذكير ومعناها بحسب ما تضاف إليه، فإن أضيفت إلى نكرة روعي معناها إما مذكر، مثل: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ ١، وإما مؤنث مثل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ٢، وإما مجموع مذكر مثل: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ٣، وإما مجموع مؤنث مثل:
٤٧ - وكل مصيبات الزمان وجدتها ... سوى فرقة الأحباب هينة الخطب٤
هذا ما نص عليه ابن مالك في حكم المضافة إلى النكرة، ورده أبو حيان٥، قال المصنف: والذي يظهر لي أن المضافة إلى المفرد أن أريد نسبة الحكم
стр. 92
إلى كل فرد وجب الإفراد، مثل: كل رجل يشبعه رغيف، وإن أريد نسبتة إلى المجموع وجب الجمع، كقول عنترة١.
٤٨ - جادت عليه كل عين ثرة ... فتركن كل حديقة كالدرهم٢
لأن المراد أن كل عين جادت عليه فتركت جميع الأعين كل حديقة ... الخ
وإن أضيفت إلى معرفة جاز مراعاة لفظها ومراعاة معناها، نحو: كلهم قائم أو كلهم قائمون، كذا قالوا، والصواب أن الضمير لا يعود إليها من خبرها إلا مفردا مذكرا على لفظها نحو: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً﴾ ٣.
стр. 93
وإن قطعت عن الإضافة لفظا فقال أبو حيان: تجوز مراعاة اللفظ مثل: ﴿كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ ١، ومراعاة المعنى مثل: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ٢.
"كيف" ٣: اسم تستعمل على وجهين:
أحدهما: أن تكون شرطية فتقتضي فعلين متفقين لفظا ومعنى غير مجزومين، مثل: كيف تصنع أصنع، وقيل يجزمان مطلقا وهو رأي الكوفيين٤، وقيل: إن اقترنت بها ما.
الثاني: أن تكون استفهامية وتقع خبرا قبل مالا يستغنى عنها معه، مثل: كيف أنت؟ وحالا قبل ما يستغنى مثل: كيف جاء زيد، ومفعولا مطلقا، مثل: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ ٥.
стр. 94
حرف اللام:
اللام المفردة ١: ثلاثة أقسام؛ جارة وجازمة ومهملة، فالجارة مفتوحة مع الضمير إلا ياء المتكلم فمكسورة، ومكسورة مع الظاهر إلا مع المستغاث المباشر للياء فمفتوحة مثل: يا لله.
وللجارة معان منها:
١- الاستحقاق، وهي الواقعة بين معنى وذات، مثل: الحمد لله.
٢- الاختصاص، مثل: الحصير للمسجد.
٣- الملك، مثل: لله ما في السماوات.
٤- التعليل، مثل: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ ٢، ومثل اللام الثانية في: يا لزيد لعمرو، والتقدير: أدعوك لعمرو.
٥- بمعنى إلى، مثل: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً﴾ ٣.
٦- بمعنى على، مثل: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ ٤.
стр. 95
٧- بمعنى في، مثل: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ١.
٨- بمعنى من، مثل: سمعت له صراخا.
٩- التعجب، وتستعمل في النداء، مثل: يا للماء، إذا تعجبوا من كثرته.
١٠- التوكيد، وهي اللام الزائدة، ومنها المقحمة المعترضة بين المتضايفين، مثل قولهم: "يا بؤس للحرب". وهل انجرار ما بعدها بها أو بالمضاف؟ قولان أرجحهما الأول، ومنها لام المستغاث، وقال جماعة غير زائدة ثم اختلفوا فقال الأكثرون متعلقة بفعل النداء المحذوف، وقال ابن جني بحرف النداء لما فيه من معنى الفعل٢.
وإذا قيل: يا لزيد بفتح اللام فهو مستغاث، وبكسرها مستغاث له والمستغاث محذوف، وإذا قيل: يا لك احتمل الوجهين.
١١- التبيين، وذكر لها أقساما وأمثلة.
стр. 96
والجازمة هي اللام الموضوعة للطلب، وهي مكسورة، وسليم تفتحها، وإسكانها بعد الفاء والواو أكثر، مثل: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ ١، وقد تسكن بعد ثم، مثل: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ ٢، ودخولها على فعل المتكلم قليل، مثل قوله ﷺ : "قوموا فلأصل لكم" ٣ وقوله تعالى: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ ٤، وأقل منه دخولها في فعل الفاعل المخاطب كقراءة: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ ٥، وقد تحذف في الشعر ويبقى الجزم كقوله:
٤٩ - محمد تفد نفسك كل نفس ... إذا ما خفت من شيء تبالا٦
стр. 97
وأجاز الكسائي حذفها في النثر بشرط تقدم قل، مثل: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ١.
والمهملة:
١- لام الابتداء، وتدخل على المبتدأ، مثل: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ ٢، وعلى معمول إن اسمها أو خبرها أو معموله، واختلف في دخولها على الخبر المتقدم، مثل: لقائم زيد فمقتضى كلام جماعة من النحويين الجواز، وكذلك اختلف في اللام الداخلة على الفعل، ونص جماعة على المنع وأن اللام الداخلة على الفعل لام القسم.
تنبيه ٣: إذا قلت: إن زيدا ليقومن، فاللام
стр. 98
للقسم، فلو قلت: علمت أن زيدا ليقومن، وجب فتح همزة إن.
٢- الزائدة، كالداخلة على خبر المبتدأ، كقوله:
٥٠ - أم الحليس لعجوز شهربه ... ترضى من اللحم بعظم الرقبه١
٣- لام الجواب، إما لـ "لو" أو لـ "لولا" أو للقسم، مثل: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ٢، ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ ٣، ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ ٤.
٤- اللام الموطئة وتسمى: المؤذنة، وهي الداخلة على أداة شرط للإيذان بأن الجواب بعدها مبني على قسم مقدر لا على الشرط، سميت موطئة لأنها
стр. 99
وطأت الجواب للقسم أي مهدته له، مثل: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ ١، وأكثر ما تدخل على إن، وقد تدخل على غيرها، كقوله:
٥١ - لمتى صلحت ليقضين لك صالح ... ولتجزين إذا جزيت جميلا٢
٥- لام "أل" كالرجل.
٦- اللام اللاحقة لأسماء الإشارة للدلالة على البعد.
"لا" ٣: على ثلاثة أوجه:
الأول: النافية وهي أقسام:
١- العاملة عمل إن، وهي النافية للجنس على سبيل التنصيص، ومنه: ﴿لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ ٤ عند
стр. 100
الفراء، والمعنى عنده لابد من كذا أو لا محالة في كذا١، وقال قطرب: لا رد لما قبلها، أي ليس الأمر كما وصفوا، ثم ابتدأ فقال: جرم وهو فعل ماض بمعنى وجب وما بعده فاعل.
٢- العاملة عمل ليس.
٣- العاطفة.
٤- الجوابية.
٥- ما سوى هذه الأقسام، ومنها المعترضة بين الجر والمجرور، نحو: جئت بلا زاد، وعن الكوفيين؛ هي اسم دخل عليه حرف الجر وما بعدها محفوض بالإضافة٢، وبعضهم يسميها زائدة، وإن كان لا يصح إسقاطها من حيث المعنى ويكون المراد بالزيادة وقوعها بين شيئين متطالبين.
الوجه الثاني: "لا" الطلبية التي يطلب بها الترك، وتختص بالمضارع، مثل: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ٣.
стр. 101
الوجه الثالث: الزائدة للتقوية والتوكيد، مثل: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ ١، ومنه: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ ٢ على أحد القولين، ثم مثل بقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ ٣ وذكر أوجها كثيرة في إعرابه، كما ذكر أوجها في إعراب قوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ٤، وقوله: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ ٥، وقوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً﴾ ٦.
لات ٧: الجمهور على أنها كلمتان؛ لا والتاء لتأنيث اللفظ وأنها تعمل عمل ليس، ولا تعمل إلا في الحين وما رادفة.
لو ٨: على خمسة أوجه:
стр. 102
الأول: الامتناعية، مثل: لو جئتني أكرمتك، وتفيد الشرطية، وتقييدها بالماضي، والامتناع أي امتناع الشرط والجواب عند الجمهور، وهو باطل بمواضع كثيرة، أو امتناع الشرط خاصة مع عدم الدلالة على امتناع الجواب أو ثبوته، ولكن إن كان مساويا للشرط في العموم لزم انتفاؤه، مثل: لو كانت الشمس طالعة كان النهار موجودا، وإن كان أعم لم يلزم انتفاؤه، وإما ينتفي منه ما كان مساويا للشرط، مثل: لو كانت الشمس طالعة كان الضوء موجودا، وأجود ما يقال فيها: أنها حرف يقتضي في الماضي امتناع ما يليه واستلزامه لتاليه.
الثاني: أن تكون حرف شرط في المستقبل كـ "إن"، إلا أنها لا تجزم، مثل: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ ١.
والفرق بين هذه وبين الامتناعية أن الشرط في هذه مستقبل محتمل الوقوع لم يقصد فرضه الآن أو فيما مضى وعكسها الامتناعية.
стр. 103
الثالث: المصدرية بمنزلة أن إلا أنها لا تنصب، وأكثر وقوع هذه بعد: ود أو يود، مثل: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ ١.
الرابع: التي للتمني بمعنى ليت مثل: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ﴾ ٢.
الخامس: أن تكون للعرض، مثل: لو تنزل عندنا فتصيب خيرا.
وذكر لها معنى سادس؛ وهو التقليل، مثل: "التمس ولو خاتما من حديد" ٣.
وجواب لو إما مضارع منفي بلم، أو ماض مثبت أو منفي بما والغالب على المثبت دخول اللام عليه، مثل: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ ٤، ومن غير
стр. 104
الغالب؛ ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ ١، والغالب على المنفي خلوه من اللام، مثل: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ ٢، ومن غير الغالب قوله:
٥٢ - ولو نعطى الخيار لما افترقنا ... ولكن لا خيار مع الليالي٣
وقد يكون جوابها جملة اسمية مقرونة باللام أو الفاء، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ﴾ ٤، وقول الشاعر:
٥٣ - لو كان قتل يا سلام فراحة ... لكن فررت مخافة أن أوسرا٥
стр. 105
لولا ١: على أربعة أوجه:
أحدها: أن تدخل على جملتين؛ اسمية ففعلية لربط امتناع الثانية بوجود الأولى، نحو: لولا زيد لأكرمتك، ثم إن كان الخبر كونا مطلقا وجب حذفه وكونا مقيدا وجب ذكره إن لم يعلم، وإلا جاز الوجهان، هذا قول ابن مالك٢وجماعة.
وإذا ولي لولا ضمير فحقه أن يكون ضمير رفع، نحو: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ ٣، وسمع قليلا: "لولاي ولولاك ولولاه" قال سيبويه٤ والجمهور: هي جارة للضمير مختصة به ولا تتعلق بشيء، وموضع المجرور بها رفع بالابتداء، فإذا عطف عليها اسم ظاهر تعين رفعه، مثل: لولاي وزيد، لأنها لا تخفض الظاهر.
الثاني: أن تكون للتحضيض والعرض، وتختص
стр. 106
بالمضارع أو ما في تأويله، مثل: ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ ١، ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِي﴾ ٢.
الثالث: أن تكون للتوبيخ والتنديم، وتختص بالماضي، مثل: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ ٣، وقد يفصل بينها وبينه بـ "إذ" أو إذا أو جملة معترضة، مثل: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ ٤، ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ . إلى قوله: ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ ٥.
الرابع: الاستفهام، مثل: ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾ ٦ قاله الهروي، والظاهر أنه للعرض، وذكر الهروي أنها تأتي نافية بمعنى ما، مثل: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ ٧ أي فما كانت، والظاهر أن المعنى على التوبيخ.
стр. 107
لوما ١: بمنزلة لولا.
لم ٢: حرف جزم لنفي المضارع، وقد يرفع بعدها، قيل ضرورة وقيل لغة، وزعم بعضهم أن بعض العرب قد ينصب بها، وقد يليها اسم معمول لفعل محذوف يفسره ما بعده، كقوله:
٥٤ - ظننت فقيرا ذا غنى ثم نلته ... فلم ذا رجاء ألقه غير واهب٣
لما ٤: على ثلاثة أوجه:
الأول: مختصة بالمضارع فتجزمه وتنفيه وتقلبه ماضيا، وتفارق لم في خمسة أمور:
الأول: أنها لاتقترن بأداة شرط.
стр. 108
الثاني: أن منفيها مستمر النفي إلى الحال.
الثالث: أن منفيها قريب إلى الحال.
الرابع: أن منفيها متوقع ثبوته.
الخامس: أن منفيها جائز الحذف لدليل، بخلاف "لم"، فأما قوله:
٥٥ - احفظ وديعتك التي استودعتها ... يوم الأعازب إن وصلت وإن لم١
فضرورة.
الثاني: مختصة بالماضي فتقتضي جملتين وجدت ثانيتهما عند وجود الأولى، ويقال فيها حرف وجود لوجود، مثل: لما جاءني أكرمته، وجوابها إما فعل ماض أو جملة اسمية مقرونة بـ "إذا" الفجائية أو بالفاء أو فعلا مضارعا مثل: ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ ٢،
стр. 109
﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ١، ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ ٢، ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا﴾ ٣.
الثالث: أن تكون حرف استثناء، فتدخل على الجمل الاسمية، نحو: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ ٤، وعلى الفعل الماضي لفظا لا معنى، مثل: أنشدك الله لما فعلت، أي ما أنشدك إلا فعلك.
لن ٥: حرف نفي ونصب واستقبال، وتأتي للدعاء كقوله:
٥٦ - لن تزالوا كذلكم ثم لازالت ... لكم خالدا خلود الجبال٦
стр. 110
وتلقي القسم بها وبلم نادر جدا، كقوله:
٥٧ - والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا١
وزعم بعضهم أنها قد تجزم، كقوله:
٥٨ - لن يخب الآن من رجائك من ... حرك من دون بابك الحلقة٢
ليت ٣: حرف تمن يتعلق بالمستحيل غالبا، وتنصب الاسم وترفع الخبر، وقد تنصبهما، كقوله:
٥٩ - ياليت أيام الصبا رواجعا٤