← Сира

Сира · id 11394

مرويات غزوة الحديبية جمع وتخريج ودراسة

حافظ بن محمد حكمي

Полный текст (348 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب، ح. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا أبو جعفر١ البغدادي قال: حدثنا محمد بن عمرو بن خالد قال: حدثنا أبي قال: حدثنا ابن لهيعة قال: حدثنا أبو الأسود عن عروة قالوا: "وأقبل رسول الله ﷺ من الحديبية راجعاً قال رجال من أصحاب رسول الله ﷺ : "ما هذا بفتح، لقد صددنا عن البيت وصد هدينا، وعكف رسول الله ﷺ بالحديبية، ورد رسول الله ﷺ رجلين من المسلمين خرجا، فبلغ رسول الله ﷺ قول رجال من أصحابه إن هذا ليس بفتح، فقال رسول الله ﷺ : "بئس الكلام، هذا أعظم الفتح، لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم ويسألونكم القضية، ويرغبون إليكم في الأمان، وقد رأوا منكم ما كرهوا وقد أظفركم الله عليهم وردكم سالمين غانمين، مأجورين، فهذا أعظم الفتوح أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم؟ "أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم، وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا"؟ قال المسلمون: "صدق الله ورسوله هو أعظم الفتوح، والله يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه، ولأنت أعلم بالله وبالأمور منا، وأنزل الله سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ إلى قوله: ﴿صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ ٢. هذا الحديث مرسل، لكنه يرتفع إلى درجه الحسن لغيره لتعدد طرقه واختلاف مخرجه، لا سيما ولبعضه شاهد من الأحاديث السابقة.

стр. 282

المبحث الثاني: نتائج غزوة الحديبية: لقد تمخضت هذه الغزوة عن نتائج عظيمة لم تتوافر في غزوة قبلها أو بعدها فيما أعلم، وأهمها ما يلي: أولاً: ترتبت على الصلح آثار إيجابية ضخمة منها ما يلي: أ - اعترفت قريش في هذه المعاهدة بكيان المسلمين، فالمعاهدة دائماً لا تكون إلا بين ندين، وكان لهذا الاعتراف أثره في نفوس القبائل المتأثرة بموقف قريش الجحودي، حيث كانوا يرون أنها الإمام والقدوة.

стр. 283

ب - دخلت المهابة في قلوب المشركين والمنافقين وتيقن الكثير منهم بغلبة الإسلام، وقد تجلت بعض مظاهر ذلك في مبادرة كثير من صناديد قريش إلى الإسلام، مثل خالد بن الوليد وعمرو بن العاص١، كما تجلت في مسارعة الأعراب المجاورين للمدينة إلى الاعتذار عن تخلفهم بعد أن خابت ظنونهم إذ كانوا يتوقعون أنها القاضية على المسلمين، كما أخبر الله بذلك عنهم٢. جـ - أعطت الهدنة فرصة لنشر الإسلام، وتعريف الناس به، مما أدى إلى دخول كثير من القبائل فيه. يقول الزهري: "فما فتح في الإسلام فتح قبله، كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب، وأمن الناس بعضهم بعضاً، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئاً إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك"٣ اهـ. وعقب عليه ابن هشام٤ بقوله: "والدليل على قول الزهري: أن رسول الله ﷺ خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة في قول جابر بن عبد الله، ثم خرج في عام الفتح بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف"٥ اهـ. د - أمن المسلمون جانب قريش فحولوا ثقلهم على اليهود ومن كان يناوئهم من القبائل الأخرى٦. ثانياً: كسب المسلمون الذين شهدوا هذه الغزوة بسببها فوائد كثيرة - أخروية ودنيوية - وأهمها ما يلي:

стр. 284

أ - فازوا برضى الله عنهم. قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ... ﴾ الآية١. ب - أخبرهم النبي ﷺ : "أن الله قد غفر لهم". ففي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵄ "فقال رسول الله ﷺ : "كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر" ٢. جـ - شهد لهم النبي ﷺ أنهم خير أهل الأرض. ففي صحيح البخاري من حديث جابر قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم الحديبية: "أنتم خير أهل الأرض ... " ٣. د - بشرهم النبي ﷺ : بالنجاة من النار. ففي صحيح مسلم من حديث أم مبشر أنها سمعت النبي ﷺ يقول عند حفصة: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها ... " ٤. هـ - قسمت عليهم غنائم خيبر، ففي حديث مجمع بن جارية الأنصاري: "فقسمت خيبر على أهل الحديبية، فقسمها النبي ﷺ على ثمانية عشر سهماًَ، وكان الجيش ألفاً وخمسمائة فيهم ثلاثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهماً" ٥. ثالثاً: شرعت في هذه الغزوة كثير من الأحكام والرخص التي كان لها أثر كبير في حياة المسلمين ومن أهمها ما يلي: أ - شرعت فيها صلاة الخوف على الصحيح٦.

стр. 285

ب - شرعت فيها الفدية لمن ارتكب شيئاً من محظورات الإحرام١. جـ - شرع فيها الصلح مدة معلومة عند حاجة المسلمين إليه٢. د - شرع فيها التحلل للمحصر، وأنه لا يلزمه القضاء. هـ - شرعت فيها رخصة الصلاة في الرحال في حال المطر٣. و شرع فيها قضاء الصلاة الفائتة بالنوم أو النسيان عند ذكرها٤. ز - نزل في هذه الغزوة تحريم نكاح الكفار من المسلمات، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ ٥. قال ابن كثير: "هذه الآية هي التي حرمت المسلمات على المشركين، وقد كان جائزاً في ابتداء الإسلام أن يتزوج المشرك المؤمنة ... " ٦. ح - نزل فيها أيضاً الأمر بفسخ نكاح المشركات وعدم الاستمرار عليه، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلاَتُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ... ﴾ ٧ الآية. وقد اشتملت مرويات هذه الغزوة على أحكام كثيرة غير هذه وسوف يأتي ذكر بعضها مع شيء من التفصيل في الباب الأخير إن شاء الله.

стр. 286

الباب الرابع: أحكام وفوائد من فقه مرويات الغزوة توطئة ... توطئة حفلت مرويات غزوة الحديبية بكثير من الأحكام والفوائد الفقهية وهي غنية كذلك بالدروس والعبر التي تنير للمسلم الطريق وتجنبه كثيراً من المزالق إذا وفقه الله للتنبه لها. ولذلك استرعت هذه الغزوة انتباه كثير من العلماء وحظيت بجل اهتمامهم، فقد وقف ابن القيم١ ﵀ عندها طويلاً، واستخرج منها كثيراً من الأحكام والفوائد، وسبقه إلى شيء من ذلك مجد الدين بن تيمية٢ وتبعهما الشيخ محمد بن عبد الوهاب٣ فاستنبط منها ما يربو على مائة مسألة، وقد وقف عندها علماء آخرون غير هؤلاء فاستقوا منها كثيراً من الأحكام والفوائد. وأردت في هذا الباب أن أعرج على تلك الأحكام والفوائد إتماماً للفائدة أولاً، وثانياً لإبراز أهمية هذه الغزوة، لكن رأيت أن الحال كما قال الشاعر: تكاثرت الظباء على خراش ... فما يدرى خراش ما يصيد لكن ما لا يدرك كله لا يترك كله، لذلك قررت الاقتصار على بعض الأحكام المتعلقة بالجهاد وبعض قضايا العقيدة الواردة في الغزوة. لأن أحكام الجهاد ذات صلة وثيقة بالغزوة. وأما قضايا العقيدة الواردة في هذه الغزوة فهي مهمة كذلك في نظري لأن منها ما هو معارض لنصوص صحيحة ربما تستوقف القارئ، فأردت أن أذكر توجيه العلماء لها، ومنها ما هو خاص بمثل الموطن الذي وقعت فيه، أو بالنبي ﷺ ، فأردت التنبيه على ذلك حتى لا يتوسع في القياس عليها. ثم رأيت أن أختم هذا الباب بالدروس والعبر المستفادة من بعض المواقف التي اشتملت عليها الغزوة لأن الاعتبار بالأحداث والاستفادة من القصص مطلوب شرعاً.

стр. 287

وقد يجد القارئ أن تلك الدروس والعبر قد علقت بذهنه أثناء مروره بتلك المواقف لكن ربما غفل عن بعضها، فيجد فيما سجلت تذكيراً له بذلك، وما رأى أنه يستحق الإضافة في هذا الفصل أو في غيره من فصول الرسالة، فأرجو ألا يتوانى في التنبيه عليه، مشكوراً مأجوراً، والله المستعان.

стр. 288

الفصل الأول من أحكام الجهاد الواردة في الغزوة المبحث الأول: مشروعية الشورى: الشورى ميزة عظمى لهذه الأمة، وقد ذكرها الله في معرض المدح للمؤمنين، وقرنها بالطاعة والصلاة والزكاة. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ ١. وأمر بها نبيه ﷺ في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ ٢ الآية. وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه استشار أصحابه رضوان الله عليهم في أكثر من موطن: ١ - استشارهم في غزوة بدر مرتين: المرة الأولى: استشارهم في العير٣. والثانية: في المنزل، ونزل على رأي الحباب بن المنذر٤. ٢ - في غزوة أحد استشارهم في البقاء بالمدينة أو يخرج إلى العدو، فخرج بمشورة أكثر الصحابة٥.

стр. 289

٣ - في غزوة الأحزاب، استشارهم مرتين: الأولى: في الخندق حيث أمر بحفره بمشورة سلمان الفارسي١. والثانية: في مصالحة غطفان، بثلث ثمار المدينة، استشار في ذلك سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ونزل على رأيهما في عدم إعطائهم شيئاً٢. ٤ - في غزوة الحديبية - هذه - استشار مرتين: الأولى: استشار الصحابة في الإغارة على ذراري المشركين أو تركهم، ونزل على رأي أبي بكر ﵁ في تركهم٣. والثانية: استشار أم سلمة ﵂ في أمر الناس حين لم يبادروا بالنحر والحلق، وقد أمرهم بذلك، فأشارت عليه بأن يبدأ ذلك بنفسه ففعل صلى الله عليه وسلم٤. ٥ - في غزوة بني المصطلق: استشار علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد ﵃ في فراق عائشة رضي الله عنها٥. وقد جعل عمر بن الخطاب ﵁ الخلافة من بعده شورى في الستة الباقية من العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم٦. وبهذا تتضح لنا أهمية الشورى ومكانتها في الإسلام حيث جعلها الله من صفات المؤمنين، وأمر بها نبيه ﷺ ، وعمل بها النبي ﷺ في مواطن كثيرة، وعمل بها الخلفاء الراشدون ﵃. فمن بعدهم أولى بالمشورة وأحوج إليها منهم. وقد نوه ابن عطية بشأن الشورى، ثم حكى الإجماع على وجوب عزل من لا يستشير أهل الدين.

стр. 290

قال: والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه١. وقال ابن تيمية٢: "لا غنى لولي الأمر عن المشاورة، فإن الله قد أمر بها نبيه ﷺ فقال: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ الآية". ومحل الشورى: هو أمور الحرب، والنوازل، وسائر الأمور التي لم يرد فيها دليل صريح من الشرع٣. ومن فوائد الشورى: ١ - تأليف قلوب الأتباع واستطابة نفوسهم. ٢ - استخراج وجه الرأي منهم٤. ٣ - التعرف على مصلحة يختص بعلمها بعضهم دون بعض٥.

стр. 291

المبحث الثاني: حكم الاستعانة بالمشرك: جاء في حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن النبي ﷺ بعث بسر بن سفيان الخزاعي عيناً إلى مكة١. وقد استدل بعض العلماء بقصة بسر هذه على جواز الاستعانة بالمشركين في الجهاد. قال ابن القيم: "إن الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة عند الحاجة، لأن عينه الخزاعي كان كافراً إذ ذاك، وفيه من المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدو وأخذه أخبارهم"٢ اهـ.

стр. 292

هكذا قال ابن القيم، وقد سبقه إلى ذلك مجد الدين ابن تيمية١، وتبعهما بعض المتأخرين٢. والظاهر أن ليس في قصة الخزاعي هذه دلالة على جواز الاستعانة بالمشرك في الجهاد؛ لأنه لم يرد في هذا الحديث ولا في غيره ما يدل على أنه كان كافراً إذ ذاك. بل ورد عن بعض العلماء ما يدل على أنه أسلم قبل الحديبية. قال ابن عبد البر: "بسر بن سفيان بن عويمر الخزاعي، أسلم سنة ست من الهجرة، وبعثه النبي ﷺ عيناً إلى قريش إلى مكة، وشهد الحديبية، وهو المذكور في حديث الحديبية من رواية الزهري عن عروة عن المسور ومروان قوله: حتى إذا كان بغدير الأشطاط لقيه عينه الخزاعي، فأخبره خبر قريش وجموعهم، قالوا: هو بسر بن سفيان هذا"٣ اهـ وقد نقل ابن حجر كلام ابن عبد البر وسكت عليه٤. وقال الزرقاني: "واختار بسر بن سفيان بن عمرو هذا، لقرب عهده بالإسلام؛ لأنه أسلم في شوال فلا يظنه من رآه عيناً فلا يؤذيه"٥ اهـ. فقد رأينا من كلام ابن عبد البر والزرقاني أنهما يريان أن بسر بن سفيان أسلم قبل الحديبية. وعلى فرض أنه لم يثبت ما ورد في إسلامه فلا تصلح قصته دليلاً على جواز الاستعانة بالمشرك، لوجود الاحتمال، لا سيما وهي معارضة بأحاديث صحيحة. فالحاصل: أن قصة بسر بن سفيان الخزاعي لا دلالة فيها على جواز الاستعانة بالمشرك مطلقاً ولم يثبت في ذلك شيء عن النبي ﷺ كما ذكر بعض العلماء، وإنما وردت بذلك أحاديث كلها ضعيفة، وهي: ١ - حديث ابن عباس ﵄: قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنا

стр. 293

الربيع بن سليمان قال: قال الشافعي: قال أبو يوسف أنبأ الحسن بن عمارة عن الحكم بن مقسم عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "استعان رسول الله ﷺ بيهود بني قينقاع، فرضخ١ لهم ولم يسهم لهم"٢. قال البيهقي: "تفرد به الحسن بن عمار وهو متروك، ولم يبلغنا في هذا حديث صحيح"٣. ٢ - حديث الزهري: قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنبأ أبو الوليد الفقيه ثنا الحسن بن سفينا ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا حفص عن ابن جريج عن الزهري أن رسول الله ﷺ غزا بناس من اليهود فأسهم لهم٤. وهذا الحديث قد أرسله الزهري، والمرسل من قسم الضعيف، لا سيما مرسلات الزهري. ٣ - حديث فطير الحارثي: قال البيهقي: وقد روى الواقدي عن ابن أبي سيرة عن فطير الحارثي قال: "خرج رسول الله ﷺ بعشرة من اليهود من يهود المدينة إلى خيبر فأسهم لهم كسهمان المسلمين"٥. قال البيهقي: "هذا منقطع وإسناده ضعيف"٦. فهذه الأحاديث التي دلت على جواز الاستعانة بالمشرك، وهي ضعيفة لا تقوم بها حجة ولا يثبت بها حكم. وقد ثبت عن رسول الله ﷺ خلاف ذلك من حديث عائشة ﵂. قال مسلم: حدثني زهير بن حرب، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن مالك ح. وحدثنيه أبو طاهر (واللفظ له) ، حدثني عبد الله بن وهب عن مالك ابن أنس

стр. 294

عن الفضيل بن أبي عبد الله عن عبد الله بن دينار الأسلمي عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: "خرج رسول الله ﷺ قبل بدر فلما كان بحرة الوبرة١، أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحاب رسول الله ﷺ حين رأوه، فلما أدركه قال لرسول الله ﷺ جئت لأتبعك وأصيب معك، قال له رسول الله ﷺ : "تؤمن بالله ورسوله"؟ قال: لا، قال "فارجع فلن أستعين بمشرك". قالت: ثم مضى، حتى إذا كنا بالشجرة٢ أدركه الرجل، فقال له كما قال أول مرة، فقال له النبي ﷺ كما قال أول مرة، قال: "فارجع فلن أستعين بمشرك"، قال: "ثم رجع فأدركه بالبيداء، فقال له كما قال أول مرة: "تؤمن بالله ورسوله؟ " قال: نعم، فقال له رسول الله ﷺ : "فانطلق"٣. وفيه من حديث أبي حميد الساعدي ﵁: قال البيهقي: أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ ثنا أحمد بن محمد العنبري ثنا عثمان بن سعيد الدارمي ثنا يوسف بن عيسى المروزي ثنا الفضل بن موسى السيناني، عن محمد بن عمرو عن سعيد بن المنذر عن أبي حميد الساعدي ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ حتى إذا خلف ثنية الوداع إذا كتيبة قال من هؤلاء؟ قالوا: بني قينقاع - وهم رهط عبد الله بن سلام - قال: وأسلموا؟ قالوا: لا، قال: بل هم على دينهم، قال: "قل لهم فليرجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين" ٤. وأشار البيهقي٥ إلى أن سند هذا الحديث صحيح. وفيه من حديث خبيب بن عبد الرحمن: قال الإمام أحمد: ثنا يزيد بن هارون قال: أنا المستلم بن سعيد الثقفي عن عباد ثنا خبيب بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده قال: "أتيت رسول الله ﷺ وهو يريد

стр. 295

غزواً أنا ورجل من قومي ولم نسلم فقلنا: إنا نستحي أن يشهد قومنا مشهداً لا نشهده معهم، قال: أو أسلمتا؟ قلنا: لا، قال: "فلا نستعين بالمشركين على المشركين"، فأسلمنا وشهدنا معه ... " الحديث١. وسند هذا الحديث حسن. وقد ذهب إلى جواز الاستعانة بالمشركين جماعة من العلماء، وهو مروي عن أبي حنفية والشافعي وأحمد٢؛ للأحاديث السابقة في جواز الاستعانة بهم٣. وقد استدلوا أيضاً بقصة شهود صفوان بن أمية لغزوة حنين، وهو مشرك، وبشهود قزمان غزوة أحد وهو مشرك، وبشهود ابن أُبَيْ لبعض الغزوات٤. وقد اشترطوا لجواز ذلك شروطاً هي: ١ - أن يكون في المسلمين قلة وتدعوا الحاجة إلى ذلك. ٢ - أن يكونوا ممن يوثق بهم فلا تخشى ثائرتهم٥. ٣ - أن يكون مع الإمام جماعة يستقل بهم في إمضاء الأحكام٦. وذهب جماعة إلى عدم جواز الاستعانة بالمشركين، وممن قال بذلك ابن المنذر، والجوزجاني، وهو مروي عن الشافعي٧. واستدل أصحاب هذا القول: بحديث عائشة ﵂ وحديث أبي حميد الساعدي وحديث خبيب بن عبد الرحمن السابقة. وقالوا: إن الأحاديث الدالة على الجواز كلها ضعيفة، لا تقوى على المعارضة. وقد رجح الشوكاني هذا القول حيث قال: "والحاصل أن الظاهر من الأدلة عدم جواز الاستعانة بمن كان مشركاً مطلقاً لما في قوله ﷺ : "إنا لا نستعين بالمشركين"

стр. 296

من العموم، وكذلك في قوله: "لن أستعين بمشرك"١. وأجاب عن قصة قزمان بأنه لم يثبت أن النبي ﷺ أذن له بذلك في ابتداء الأمر. قال: وأما استعانته بابن أُبَي فليس ذلك إلا لإظهاره الإسلام٢. قلت: وقصة صفوان بن أمية ليس فيها دليل أيضاً على ذلك؛ لأنه لم يثبت أن النبي ﷺ طلب منه الخروج، وإنما الثابت في ذلك استعارة رسول الله ﷺ للأدراع منه فحسب٣.

стр. 297

المبحث الثالث: مقدار المدة التي تجوز مهادنة الكفار عليها: جاء في حديث المسور ومروان من طريق ابن إسحاق "أن النبي ﷺ صالح قريشاً على وضع الحرب عشر سنين"١. وقد أخذ جماعة بظاهر هذا الحديث. قال الشافعي٢: "لا تتجاوز المهادنة عشر سنين، وعند الضرورة يجدد العقد بعد انتهاء العشر". وحكى ابن قدامة٣ عن القاضي أن ظاهر كلام أحمد يقتضيه. وحكاه ابن حجر عن الجمهور ورجحه٤. وقالوا: إن قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ ، عام وقد خص منه الحديث هذه المدة، ففيما زاد يبقى على مقتضى العموم٥.

стр. 298

وذهب قوم إلى جواز الهدنة أكثر من عشر سنين على ما يراه الإمام من المصلحة وهو قول أبي حنيفة١. وحكى ابن قدامة عن أبي الخطاب أنه ظاهر كلام أحمد٢. وقالوا: "إن العام مخصوص بالعشر بمعنى موجود فيما زاد عليها، وهو أن المصلحة قد تكون في الصلح أكثر منها في الحرب"٣. وقيل: لا تتجاوز الهدنة أربع سنين٤. ولعل هؤلاء تمسكوا بحديث ابن عمر أن مدة الصلح كانت أربع سنين، وهو ضعيف٥. وقيل: لا تتجاوز ثلاث سنين٦. وهؤلاء نظروا إلى أن المدة التي استمر فيها الصلح مع قريش. والتحقيق: أن القول الأول هو الراجح لظاهر الحديث، وإن وجدت مصلحة في الزيادة على العشر جدد العقد، كما قال الشافعي، والله أعلم. وقال بعض المتأخرين:٧ يجوز عقد الصلح مؤبد غير مؤقت بمدة معينة. واستدل بقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ ٨. وهذا القول مبني على أن الأصل في علاقة المسلمين بالكفار هي السلم لا الحرب٩، وأن الجهاد إنما شرع لمجرد الدفاع عن المسلمين فحسب١٠. وهذا القول مردود لما يلي:

стр. 299

١ - أن صاحب هذا القول قد خرق الاتفاق بعد أن حكاه بنفسه حيث قال: "اتفق الفقهاء على أن عقد الصلح مع العدو لا بد من أن يكون مقدوراً بمدة معينة، فلا تصح المهادنة مطلقة إلى الأبد من غير تقدير بمدة"١. ٢ - الآية التي استدل بها منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ... ﴾ ٢ الآية. فقد نقل ذلك ابن جرير٣ عن عكرمة والحسن وقتادة وابن زيد. وحكاه ابن كثير٤ عن ابن عباس. وحكاه القرطبي٥ عن مجاهد، ثم قال: وهو أصح شيء في معنى الآية. ٣ - الأصل الذي انبنى عليه هذا القول: مردود بآية براءة السابقة، وبواقع سيرة الرسول ﷺ ، وخلفائه الراشدين من أعدائهم. ٤ - أما فكرة أن الجهاد إنما شرع للدفاع عن المسلمين، فهي فكرة دخيلة، وقد تصدى لها سيد قطب٦ ﵀ ففندها، وبين أن سبب نشوئها هو الانهزام أمام هجمات المستشرقين، وعدم الفهم لمرحلية٧ الدعوة.

стр. 300

المبحث الرابع: هل تجوز مصالحة الكفار على رد من جاء من قبلهم مسلماً: كان من جملة الشروط التي وقع عليها صلح الحديبية أن يرد النبي ﷺ إلى قريش من جاءه من قبلها، وألا ترد قريش من جاءها من المسلمين١. وقد وقع خلاف بين العلماء في جواز هذا الشرط: فعند أبي حنيفة أنه غير جائز، لأن ما فعله النبي ﷺ في الحديبية منسوخ عنده

стр. 301

بحديث سرية خالد بن الوليد حين وجهه النبي ﷺ إلى خثعم وفيهم ناس مسلمون فاعتصموا بالسجود فقتلهم خالد فوداهم النبي ﷺ نصف الدية، وقال: "أنا بريء من مسلم بين مشركين"١. وذهب الحنابلة٢ وهو ظاهر كلام الشافعي٣ إلى جواز هذا الشرط لقصة الحديبية. وقال أصحاب الشافعي: لا يصح شرط رد المسلم إلا أن يكون له عشيرة تحميه وتمنعه٤. وحكى السهيلي عن العراقيين أنهم قالوا: "ما فعله النبي ﷺ بالحديبية يختص بالنبي ﷺ وبمكة، لأن النبي ﷺ ما رد المسلمين إلى قريش إلا لقوله: "لا تدعوني قريش إلى خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أجبتهم إليها"، قالوا: وفي رد المسلم إلى مكة عمارة البيت وزيادة خير له في الصلاة بالمسجد الحرام، والطواف بالبيت، فكان هذا من تعظيم حرمات الله تعالى"٥. والتحقيق: جواز الصلح على رد الرجال، لأنه قد ثبت من فعل النبي ﷺ ولم يرد ما ينسخه أو يخصصه، والحديث الذي استدل به من قال بالنسخ لم يكن في محل النزاع، إنما هو في خصوص من أقام بين الكفار عن طواعية واختيار، أما الذي يرده الإمام فهو مكره على الرجوع إليهم. وما ذكره أصحاب الشافعي من اشتراط الأهل والعشيرة لا دليل عليه، فرسول الله ﷺ حين رد أبا جندل لم يقل له إن أباك سيمنعك بل قال له: "إن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً" وقال نحو ذلك لأبي بصير. وكذلك دعوى تخصيص ما وقع في صلح الحديبية بمكة وبالنبي ﷺ لا دليل عليها وما ذكر من مسوغات لا تكفي للتخصيص. والله أعلم.

стр. 302

المبحث الخامس: إذا رد الإمام إلى المعاهدين من جاء من قبلهم فأحدث جناية فيهم، فهل عليه أو على الإمام ضمان ؟ جاء في حديث المسور ومروان أن أبا بصير حين دفعه رسول الله ﷺ إلى رسولي قريش، قتل واحداً منهما، ولم يضمن النبي ﷺ ذلك، ولا ضمنه أبو بصير١. ولذلك قال ابن القيم: "إن المعاهدين إذا تسلموه وتمكنوا منه، فقتل أحداً منهم، لم يضمنه بدية، ولا قود، ولم يضمنه الإمام بل يكون حكمه في ذلك حكم قتله لهم في ديارهم، حيث لا حكم للإمام عليهم، فإن أبا بصير قتل أحد الرجلين المعاهدين بذي الحليفة، وهي من حكم المدينة، ولكن كان قد تسلموه وفصل عن يد الإمام وحكمه"٢ اهـ. قلت: هذه المسألة فيها قضيتان: الأولى: ضمان الجاني. الثانية: ضمان الإمام. فبالنسبة للجاني يرى ابن القيم أنه لا ضمان عليه، ولم يذكر تعليلاً لذلك. وأما السهيلي: فيرى ارتفاع الحرج عنه فقط، ويعلل ذلك بأمرين هما: ١ - أن النبي ﷺ لم يثرب على أبي بصير بل مدحه حيث قال: "ويل أمه محش حرب". ٢ - أنه دافع عن نفسه ودينه: قال: "ومن قتل دون دينه فهو شهيد" اهـ. أما الضمان فإنه يلزمه عند السهيلي كما هو مفهوم كلامه حيث قال: "وإنما لم يطالبه رسول الله ﷺ بدية، لأن أولياء المقتول لم يطالبوه إما لأنهم قد أسلموا، وإما لأن الله شغلهم عن ذلك حتى انتكث العهد وجاء الفتح"٣. قلت: بل طالب أولياء المشرك الذي قتله أبو بصير بدية صاحبهم. قال ابن إسحاق: "فلما بلغ سهيل بن عمرو قتل أبي بصير صاحبهم العامري

стр. 303

أسند ظهره إلى الكعبة" ثم قال: "والله لا أؤخر ظهري عن الكعبة حتى يودى هذا الرجل"، فقال أبو سفيان بن حرب: "والله إن هذا لهو السفه، والله لا يودى (ثلاثاً) " ١. ونقله ابن حجر عن ابن إسحاق وفيه: فقال أبو سفيان: ليس على محمد مطالبة بذلك؛ لأنه وفّى بما عليه وأسلمه لرسولكم، ولم يقتله بأمره ولا على آل أبي بصير شيء أيضاً، لأنه ليس على دينهم٢ ا. هـ فالتحقيق أنه لا ضمان على القاتل في هذه الحالة بدية، ولا قود، لأنهم أهل حرب بالنسبة له لا أهل عهد وذمة. قال ابن حجر: ولا يعد ما وقع من أبي بصير غدراً لأنه لم يكن في جملة من دخل في المعاقدة التي بين النبي ﷺ وبين قريش، لأنه إذ ذاك كان محبوساً بمكة٣ ا. هـ والقضية الثانية من المسألة: هل على الإمام ضمان في مثل ما فعل أبو بصير؟ ذكر ابن القيم أنه لا ضمان عليه وعلل ذلك: بأنه سلمه لهم ولم يعد تحت يده وحكمه. وظاهر كلام السهيلي أيضاً أنه لا ضمان على الإمام٤.

стр. 304

المبحث السادس: إذا عاهد الإمام قوماً فخرجت عليهم طائفة من المسلمين غير متحيزة إلى الإمام، فهل على الإمام دفعها عنهم؟ جاء في حديث المسور ومروان أن أبا بصير وأبا جندل في جماعة من المسلمين قد خرجوا إلى سيف البحر، على طريق عير قريش، فكانت لا تمر بهم عير إلا قتلوا أصحابها، وأخذوها ولم يمنعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم١.

стр. 305

ولذلك قال ابن القيم: "إن المعاهدين إذا عاهدوا الإمام فخرجت منهم طائفة فحاربتهم وغنمت أموالهم ولم يتحيزوا إلى الإمام لم يجب على الإمام دفعهم عنهم، ومنعهم منهم، سواء دخلوا في عقد الإمام وعهده ودينه، أو لم يدخلوا، والعهد الذي كان بين النبي ﷺ وبين المشركين لم يكن عهداً بين أبي بصير وأصحابه وبينهم، وعلى هذا فإذا كان بين بعض ملوك المسلمين وبعض أهل الذمة من النصارى وغيرهم عهد، جاز لملك آخر من ملوك المسلمين أن يغزوهم ويغنم أموالهم، إذا لم يكن بينه وبينهم عهد، كما أفتى به شيخ الإسلام في نصارى ملطية مستدلاً بقصة أبي بصير مع المشركين"١ اهـ.

стр. 306

الفصل الثاني: أحكام تتعلق بالعقيدة المبحث الأول: حكم القيام على رأس الكبير وهو جالس ... المبحث الأول: حكم القيام على رأس الكبير وهو جالس: جاء في حديث المسور ومروان: أن المغيرة بن شعبة كان قائماً على رأس رسول الله ﷺ ومعه السيف١. قال ابن القيم: "في قيام المغيرة بن شعبة على رأس النبي ﷺ بالسيف ولم يكن من عادته أن يقام على رأسه وهو قاعد، سنة يُقتدى بها عند قدوم رسل العدو من إظهار العز والفخر وتعظيم الإمام وطاعته ووقايته بالنفوس، وهذه هي العادة الجارية عند قدوم رسل المؤمنين على الكافرين، وقدوم رسل الكافرين على المؤمنين، وليس هذا من النوع الذي ذمه النبي ﷺ بقوله: "من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار". كما أن الفخر والخيلاء في الحرب ليسا من هذا النوع المذموم في غيره٢ اهـ. قلت: نعم الحديث الذي أورده ابن القيم لا يعني هذا النوع من القيام، إنما ينهى عن القيام للشخص، أما النوع الذي فعله المغيرة فهو القيام على الشخص، وقد ورد فيه نهي بخصوصه، كما في حديث جابر الآتي. وقد أوضح الفرق بينهم ابن القيم نفسه في تهذيب السنن حين تعقب المنذري: فقد ذكر أبو داود في باب (قيام الرجل للرجل) حديث معاوية "من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار"٣، وحديث أبي أمامة: "خرج علينا رسول

стр. 307

الله ﷺ متوكئاً على عصا فقمنا إليه فقال: " لا تقوموا كما تقوم الأعاجم، يعظم بعضهم بعضاً"١. وذكر المنذري عقب هذين الحديثين حديث جابر عند مسلم، وفيه: "أنهم لما صلوا خلفه قعوداً قال: فلما سلم، قال: "إن كدتم آنفاً أن تفعلوا فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا"٢. والمنذري أورد هذا الحديث عقب الحديثين السابقين لتقويتهما، وكأنه يرى أن مدلولهما واحد، فتعقبه ابن القيم بقوله: "وحمل أحاديث النهي عن القيام على مثل هذه الصورة ممتنع، فإن سياقهم يدل على خلافه، وأنه ﷺ كان ينهى عن القيام به إذا خرج عليهم، ولأن العرب لم يكونوا يعرفون هذا النوع، وإنما هو من فعل فارس والروم، ولأن هذا لا يقال له قيام للرجل، وإنما هو قيام عليه ففرق بين القيام للشخص المنهي عنه، والقيام عليه المشبه لفعل فارس والروم، والقيام إليه عند قدومه وهو سنة العرب وأحاديث الجواز تدل عليه فقط"٣ اهـ. فمن خلال كلام ابن القيم هذا يظهر لنا الفرق بين القيام للشخص الذي ورد فيه حديث معاوية، والقيام على الشخص الذي فعله المغيرة، وقد ورد بخصوصه حديث جابر السابق، وقد علق عليه النووي بقوله: "وفيه النهي عن قيام الغلمان والتباع على رأس متبوعهم الجالس لغير حاجة"٤. وقد ساق ابن حجر كلام ابن القيم في التفريق بين أنواع القيام ثم عقب عليه بقوله: "وقد ورد في خصوص القيام على رأس الكبير الجالس ما أخرجه الطبراني في الأوسط عن أنس قال: "إنما هلك من كان قبلكم بأنهم عظموا ملوكهم بأن قاموا وهم قعود"٥. فالحاصل: أن نوع القيام الذي فعله المغيرة بن شعبة ﵁ منهي عنه، والمرخص فيه منه ما كان في مثل تلك الحالة التي فعلها فيها المغيرة، وهي حال قدوم رسل العدو، ليروا مدى طاعة المسلمين لإمامهم وحمايتهم له، وأحسب ابن ١ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب الأدب: ٥٢٣٠.

стр. 308

القيم ﵀ لا يريد أكثر من هذا المعنى، لأنه قاسه على إظهار الخيلاء والفخر في الحرب، ومعلوم النهي عنهما في غير هذا الموطن، والله أعلم.

стр. 309

المبحث الثاني: تعريف الفأل وبيان استحبابه وأنه مغاير للطيرة: قال ابن القيم: "استحباب التفاؤل وأنه ليس من الطيرة المكروهة لقوله لما جاء سهيل "سهل أمركم" ١. قلت: قد وردت أحاديث تبين معنى الفأل: ففي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا طيرة وخيرها٢ الفأل"، قالوا: "وما الفأل يا رسول الله؟ " قال: "الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم"٣. وفيه من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ : "لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل الصالح الكلمة الحسنة"٤. وفي سنن أبي داود من حديث عروة بن عامر قال: ذكرت الطيرة عند النبي ﷺ فقال: "أحسنها الفأل ولا ترد مسلماً فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك" ٥. فهذه الأحاديث تؤيد ما ذكره ابن القيم من استحباب التفاؤل، وأنه ليس من الطير المذمومة، والفرق بينهما: "أن الفأل من طريق حسن الظن بالله، والطيرة لا تكون إلا في السوء؛ فلذلك كرهت"٦.

стр. 310

المبحث الثالث: بيلن كفر من اعنقد أن للكوكب تأثيرا في ايجاد المطر ... المبحث الثالث: بيان كفر من اعتقد أن للكوكب تأثيراً في إيجاد المطر: جاء في حديث زيد بن خالد: "وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب"١. وقد حمل العلماء الكفر المذكور في الحديث على أحد نوعيه الاعتقادي أو كفر النعمة بحسب حال القائل. فمن قال مطرنا بنوء كذا معتقداً أن للكوكب فاعلية وتأثيراً في إيجاد المطر، فهو كافر كفراً مخرجاً من الملة. قال الشافعي: "من قال مطرنا بنوء كذا وكذا على ما كان أهل الجاهلية يعنون من إضافة المطر إلى أنه بنوء كذا، فذلك كفر كما قال رسول الله ﷺ ، لأن النوء وقت، والوقت مخلوق لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئاً، ومن قال مطرنا بنوء كذا على معنى مطرنا في وقت كذا فلا يكون كفراً وغيره من الكلام أحب إلي منه"٢ اهـ. فالشافعي يقصد هنا الكفر الاعتقادي. أما من قال: مطرنا بنوء كذا، ويقصد أن النوء علامة للمطر فقط وأن المدبر هو الله، فهذا لا يكفر كفراً مخرجاً من الملة، كما قال الشافعي. لكن قال ابن حجر: "يجوز إطلاق الكفر عليه، وإرادة كفر النعمة لأنه لم يقع في شيء من طرق الحديث بين الكفر والشرك واسطة، فيحمل الكفر فيه على المعنيين لتناول الأمرين، والله أعلم"٣. وكذلك قال ابن مفلح في الفروع: "إنه كفر نعمة لكن قال يحرم إطلاق هذا اللفظ٤ أي "مطرنا بنوء كذا"، ووافقه على تحريم ذلك صاحب الإنصاف٥ وكذلك قال بتحريم إطلاقه صاحب تيسير العزيز الحميد٦، وصاحب فتح المجيد٧، لكن قالا: إنه من الشرك الأصغر.

стр. 311

قلت: ويلحق بهذا الحكم كل من نسب شيئاً من التأثير في الكون لغير الله بحسب حاله على التفصيل السابق

стр. 312

المبحث الرابع: هل يجوز التبرك بفضلات الصالحين وآثارهم ؟ جاء في حديث المسور ومروان: "فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده ... وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه"١. قال ابن حجر عند هذه القصة: "جواز التبرك بفضلات الصالحين الطاهرة"٢. قلت: قد تطرق الشاطبي لهذه القضية وذكر كلاما ًجيداً بين فيه إجماع الصحابة على ترك هذا الأمر: ووجه ذلك: فقد ذكر الشاطبي ما في حديث المسور ومروان هذا، وأحاديث أخرى تماثله ثم قال: فالظاهر في مثل هذا النوع أن يكون مشروعاً في حق من ثبت ولايته واتباعه لسنة رسول الله ﷺ وأن يتبرك بفضل وضوءه ويتدلك بنخامته ويستشفى بآثاره كلها، ويرجى نحو مما كان في آثار المتبوع الأصل٣ ﷺ إلا أنه قد عارضنا في ذلك أصل مقطوع به في متنه مشكل في تنزيله، وهو أن الصحابة ﵃ بعد موته ﵇ لم يقع من أحد منهم شيء من ذلك بالنسبة إلى من خلفه إذ لم يترك النبي ﷺ بعد موته في الأمة أفضل من أبي بكر الصديق ﵁ فهو كان خليفته ولم يفعل به شيء من ذلك، ولا عمر ﵁ وهو كان أفضل الأمة بعده ثم كذلك عثمان ثم علي، ثم سائر الصحابة الذين لا أحد أفضل منهم في الأمة، ثم لم يثبت لواحد منهم من طريق صحيح معروف أن متبركاً تبرك به على أحد تلك الوجوه أو نحوها، بل اقتصروا على الاقتداء بالأفعال والأقوال والسير التي اتبعوا فيه النبي ﷺ ، فهو إذاً إجماع منهم على ترك تلك الأشياء. وبقي النظر في وجه ترك ما تركوا منه، ويحتمل وجهين: أحدهما: أن يعتقدوا فيه الاختصاص وأن مرتبة النبوة يسع فيها ذلك كله

стр. 313

للقطع بوجود ما التمسوا من البركة والخير، لأنه ﵇ كان نوراً كله في ظاهره وباطنه، فمن التمس منه نوراً وجده على أي وجه التمسه بخلاف غيره من الأمة - وإن حصل له من نور الاقتداء به والاهتداء بهديه ما شاء الله - لا يبلغ مبلغه على حال توازيه في مرتبته ولا تقاربه، فصار هذا النوع مختصاً به كاختصاصه بنكاح ما زاد على الأربع، وإحلال بضع الواهبة نفسها له، وعدم وجوب القسم على الزوجات وشبه ذلك، فعلى هذا المأخذ: لا يصح لمن بعده الاقتداء به في التبرك على أحد تلك الوجوه ونحوها، ومن اقتدى به كان اقتداؤه بدعة، كما كان الاقتداء في الزيادة على الأربع نسوة بدعة. الثاني: أن لا يعتقدوا الاختصاص ولكنهم تركوا ذلك من باب سد الذرائع خوفاً من أن يجعل ذلك سنة - كما تقدم ذكره في اتباع الآثار - ١ والنهي عن ذلك، أو لأن العامة لا تقتصر في ذلك على حد بل تتجاوز فيه الحدود، وتبالغ بجهلها في التماس البركة، حتى يداخلها للمتبرك به تعظيم يخرج به عن الحد، فربما اعتقد في المتبرك به ما ليس فيه، وهذا التبرك هو أصل العبادة، ولأجله قطع عمر ﵁ الشجرة التي بويع تحتها رسول الله ﷺ بل هو كان أصل عبادة الأوثان في الأمم الخالية - حسبما ذكر أهل السير - فخاف عمر أن يتمادى الحال في الصلاة إلى تلك الشجرة، حتى تعبد من دون الله، فكذلك يتفق عند التوغل في التعظيم ... إلى أن قال: وقد يظهر بأول وهلة أن هذا الوجه الثاني أرجح لما ثبت في الأصول العلمية أن كل قربة أعطيها النبي ﷺ فإن لأمته أنموذجاً منها ما لم يدل دليل على الاختصاص. إلا أن الوجه الأول أيضاً راجح من جهة أخرى، وهو إطباقهم على الترك إذ لو كان اعتقادهم التشريع لعمل به بعضهم بعده أو عملوا به ولو في بعض الأحوال، إما وقوفاً مع أصل المشروعية، وإما بناء على اعتقاد انتفاء العلة الموجبة للامتناع. وقد أخرج ابن وهب في جامعه من حديث يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: حدثني رجل٢ من الأنصار أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ أو تنخم ابتدر من حوله من المسلمين وضوءه ونخامته فشربوه ومسحوا به جلودهم، فلما رآهم يصنعون

стр. 314

ذلك سألهم "لم تفعلون هذا؟ "قالوا: نلتمس الطهور والبركة بذلك. فقال رسول الله ﷺ : " من كان منكم يحب أن يحبه الله ورسوله فليصدق الحديث وليؤد الأمانة، ولا يؤذ جاره"، فإن صح١ هذا الحديث فهو مشعر بأن الأولى تركه وأن يتحرى ما هو آكد٢ ا. هـ وبهذا يتبين أن ما فعله الصحابة رضوان الله عليهم مع النبي ﷺ من التبرك لا يقاس عليه غيره فيه لما خصه الله به من أمور لا توجد في أحد غيره ﷺ ، ولأنه لو كان جائزاً مع غيره لسارع الصحابة رضوان الله عليهم - وهم أحرص الناس على الخير - إلى فعله مع أفضل الأمة بعد رسول الله ﷺ ، ومن شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة، لكنه لم يحصل شيء من ذلك، بل أفاد حديث عبد الرحمن بن أبي قراد هذا: أن الأولى تركه حتى مع النبي ﷺ والانصراف إلى ما هو أولى وأنفع، ولعل سكوت النبي ﷺ عن ذلك يوم الحديبية ليرى عروة بن مسعود رسول قريش مدى تعلق الصحابة رضوان الله عليهم بالنبي ﷺ وحبهم له لا سيما وقد قال للنبي ﷺ : "إني لأرى أشواباً من الناس خليقاً أن يفروا ويدعوك"٣.

стр. 315

المبحث الخامس: هل كتب النبي ﷺ يوم الحديبية حقيقة ؟: جاء في حديث البراء ﵁ عند البخاري: "فأخذ النبي ﷺ الكتاب - وليس يحسن يكتب - فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله"١. فأخذ أبو الوليد الباجي بظاهر هذه الرواية، وقال: "إن رسول الله ﷺ كتب حقيقة"٢، وقد أنكر عليه ذلك علماء عصره ورموه بالزندقة. قال ابن حجر تعليقاً على الرواية السابقة: وقد تمسك بظاهر هذه الرواية أبو الوليد الباجي فادعى أن رسول الله ﷺ كتب بيده بعد أن لم يكن يحسن يكتب، فشنع

стр. 316

عليه علماء الأندلس في زمانه، ورموه بالزندقة، وأن الذي قاله يخالف القرآن حتى قال قائلهم: برئت ممن شرى دنيا بآخرة ... وقال: إن رسول الله قد كتبا١ بل حكى القاضي عياض: "أن الفقيه أبا بكر الصائغ قد كفره بإجازة الكتب على رسول الله ﷺ "النبي الأمي" وأنه تكذيب بالقرآن٢. وقد بلغ خبر أبي الوليد إلى أمير وطنه، وجرت بحضرته مناظرة بين أبي الوليد وبعض العلماء الذين أنكروا عليه قوله، فذكر ابن حجر: أن الباجي تغلب عليهم بما لديه من المعرفة حيث ادعى أن كتابة النبي ﷺ في ذلك الوقت لا تنافي القرآن بل تؤخذ من مفهومه لأنه قيد النفي بما قبل ورود القرآن فقال: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ... ﴾ وبعد أن تحققت أميته وتقررت معجزته وأمن من الارتياب في ذلك، فلا مانع من أن يعرف الكتابة بعد ذلك من غير تعليم فتكون معجزة أخرى٣ ا. هـ وقد كتب الأمير في المسألة إلى أفريقية وصقلية برغبة الباجي في ذلك، فجاءته الأجوبة من هناك، كان في بعضها تصويب لرأيه، وفي بعضها رد عليه. وممن صوب رأيه: ابن الخزاز. وكان ممن رد عليه الزاهد أبو محمد بن مفوز ألف في ذلك جزءاً٤. وقد وافق الباجي في قوله جماعة منهم: أبو ذر أحمد بن عبد الله الهروي، والسمناني، وأبو الفتح النيسابوري٥. وقد استدل هؤلاء لما ذهبوا إليه بما يلي: ١ - ما أخرجه ابن أبي شيبة وعمر بن شبة من طريق مجاهد عن عون بن عبد الله قال: "ما مات رسول الله ﷺ حتى كتب وقرأ".

стр. 317

وقال مجاهد: "فذكرت ذلك للشعبي فقال: صدق سمعت من يذكر ذلك"١. وذكر السيوطي أن سند هذا الحديث ضعيف، وحكى عنه الطبراني أنه قال: هذا حديث منكر٢. ٢ - واستدلوا بما ورد من طريق يونس بن ميسرة عن أبي كبشة السلولي عن ابن الحنظلية أن النبي ﷺ أمر معاوية أن يكتب للأقرع وعيينة، فقال عيينة: أتراني أذهب بصحيفة المتلمس فأخذ رسول الله ﷺ الصحيفة فنظر فيها، فقال: "قد كتب لك بما أمر لك". قال يونس: "فنرى أن رسول الله ﷺ كتب بعدما أنزل عليه"٣. وحكى القرطبي عن ابن عطية: "أنه ذكر هذا الحديث والذي قبله ثم قال: هذا كله ضعيف وقول الباجي منه"٤. ٣ - واستدلوا أيضاً بما روي عن النبي ﷺ أنه قال لكاتبه: "ضع القلم على أذنك فإنه أذكر لك" ٥. ٤ - وربما روي أنه ﷺ قال لمعاوية: "ألق الدواة وحرف القلم وأقم الباء وفرق السين ولا تعور الميم" ٦. وقد ذكر ابن حجر هذين الحديثين مع الحديثين السابقين ثم قال: وأجاب الجمهور بضعف هذه الأحاديث٧. وبهذا نرى أن الأدلة التي استند إليها القائلون بأن رسول الله ﷺ قد كتب واهية كلها، لا يعتمد عليها، لا سيما في مثل هذا الأمر الخطير. أما حديث البراء في قصة الحديبية، فذكر ابن حجر: أن الجمهور أجابوا عنه: بأن القصة واحدة والكاتب فيها علي، وقد صرح في حديث المسور بأن علياً هو الذي كتب، فيحمل على أن النكتة في قوله: "فأخذ الكتاب - وليس يحسن يكتب" لبيان قوله: "أرني إياها"، أنه ما احتاج

стр. 318

أن يريه موضع الكلمة التي امتنع علي عن محوها إلا لكونه كان لا يحسن الكتابة، وعلى أن قوله بعد ذلك "فكتب" فيه حذف تقديره فمحاها فأعادها لعلي فكتب، وهو كثير كقوله: كتب إلى قيصر وكتب إلى كسرى. وذكر ابن حجر جواباً ثانياً فقال: "وعلى تقدير حمله على ظاهره فلا يلزم من كتابة اسمه الشريف في ذلك اليوم وهو لا يحسن الكتابة أن يصير عالماً بالكتابة عن كونه أمياً، فإن كثيراً ممن لا يحسن الكتابة يعرف تصوير بعض الكلمات ويحسن وضعها بيده، وخصوصاً الأسماء، ولا يخرج بذلك عن كونه أمياً ككثير من الملوك"١. وحكى عن السمناني وابن الجوزي جواباً آخر وهو: "أن تكون جرت يده بالكتابة حينئذ، وهو لا يحسنها فخرج المكتوب على وفق المراد فيكون معجزة أخرى في ذلك الوقت خاصة، ولا يخرج بذلك عن كونه أمياً"٢. وقد مال ابن خلدون إلى هذا حيث قال: "ولا يقع في ذهنك من أمر هذه الكتابة ريب، فإنها قد ثبتت في الصحيح وما يعترض في الوهم من أن كتابته قادحة في المعجزة، فهو باطل؛ لأن هذه الكتابة إذا وقعت من غير معرفة بأوضاع الحروف وقوانين الخط وأشكالها، بقيت الأمية على ما كانت عليه، وكانت هذه الكتابة خاصة من إحدى المعجزات"٣. وقد تعقب السهيلي هذا الجواب فقال: "وقد ظن بعض الناس أنه كتب بيده"، وفي البخاري: "أنه كتب بيده وهو لا يحسن يكتب" فتوهم أن الله قد أطلق يده بالكتابة في تلك الساعة خاصة، قال: وهي آية. فيقال له: كانت تكون آية لولا أنها مناقضة لآية أخرى وهو كونه أمياً لا يكتب وبكونه أمياً في أمة أمية، قامت الحجة وأفحم الجاحد وانحسمت الشبهة، فكيف يطلق الله يده لتكون آية؟ وإنما الآية ألا يكتب والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضاً، وإنما معنى كتب: أي: أمر أن يكتب٤ اهـ. وقد تعقب ابن حجر كلام السهيلي فقال: "وفي دعوى أن كتابة اسمه الشريف فقط على هذه الصورة تستلزم مناقضة المعجزة، وتثبت كونه غير أمي نظر كبير"٥ اهـ. قلت: ما قاله السهيلي وجيه لا نظر فيه، وكان يمكن أن يقال إن كتابة اسمه الشريف

стр. 319

على تلك الصورة لا تنافي الأمية إلا أن الله قد نفى عنه الكتابة بيده، بخصوصها وأخبر أن ذلك لو حصل لأدى إلى ريب في قلوب المبطلين، فقال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ١، ولو قلنا إنه كتب حقيقة لحصل ذلك الارتياب في قلوب المبطلين بل قد حصل شيء من ذلك فعلاً وجعل بعض المتربصين هذه الرواية ذريعة للوصول إلى أهدافهم المشبوهة٢. فالراجح هو ما أجاب به الجمهور من أن المراد من قوله "كتب" أي أمر علياً بالكتابة، والله أعلم.

стр. 320

الفصل الثالث: الدروس والعبر المستفادة من بعض مواقف الغزوة المبحث الأول: أتهام العقل أمام النصوص الصريحة ... المبحث الأول: اتهام العقل أمام النصوص الصريحة: جاء في حديث المسور ومروان وغيره في قصة الحديبية أن عمر بن الخطاب وبعض الصحابة ﵃ كرهوا الصلح مع قريش١ لما رأوا في شروطها من الظلم والإجحاف في حقهم، لكنهم ندموا بعد ذلك على صنيعهم ورأوا أنهم قد وقعوا في حرج، إذ كيف يكرهون شيئاًَ رضيه رسول الله ﷺ ، وظلت تلك الحادثة درساً لهم فيما استقبلوا من حياتهم، وكانوا يحذرون غيرهم من الوقوع فيما وقعوا فيه من الاعتماد على الرأي: فكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "أيها الناس اتهموا الرأي على الدين فلقد رأيتني أرد أمر رسول الله ﷺ برأي اجتهاداً فوالله ما آلو عن الحق وذلك يوم أبي جندل" ٢. وكان سهل بن حنيف ﵁ يقول: "اتهموا رأيكم رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله ﷺ لرددته"٣. ولقد ظل عمر بن الخطاب ﵁ برهة من الزمن - متخوفاً أن ينزل الله به عقاباً للذي صنع يوم الحديبية: فكان ﵁ يتحدث عن قصته تلك ويقول: "فما زلت أصوم وأتصدق
следующие страницы →