← Сира

Сира · id 11395

مرويات غزوة الخندق

إبراهيم بن محمد المدخلي

Полный текст (402 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الباب الثالث: موقف المسلمين من تحركات الأحزاب الفصل الأول: مشاورة الرسول ﷺ لأصحابه حول خطة الدفع "حفر الخندق ". ... الفصل الأول: مشاورة الرسول ﷺ لأصحابه حول حفر الخندق إن الشورى من الأمور التي أمر الله بها نبيه ﷺ وذلك لما يلي: (أ) لتأليف قلوب أصحابه. (ب) وليقتدي به من بعده. (جـ) وليستخرج منهم الرأي فيما لم ينزل فيه وحي من أمر الحرب والأمور الجزئية وغير ذلك١. وغالباً ما يفعل ذلك في الحروب تطييباً لقلوبهم وأخذاً بما يتضح أنه الأولى من آرائهم وتجاربهم. وتنشيطاً لهم فيما يفعلونه٢. لذلك قال تعالى مخالطباً رسوله ﷺ وممتناً عليه وعلى المؤمنين: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ ٣.

стр. 107

حدث ذلك أولاً في بدر كما هو معروف وشاورهم في أحد١. هل يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو. وشاورهم يوم الخندق أولاً: بالنسبة لخطة الدفاع وهي ما نحن بصدده. ثم شاورهم في مصالحة الأحزاب بثلث تمر المدينة عامئذ فأبى ذلك عليه رؤساء الأنصار وذلك بدليل الحديث الذي رواه البزار٢ حيث قال: "حدثنا عقبة بن سنان٣ ثنا عثمان الغطفاني٤ ثنا محمد بن عمرو٥

стр. 108

عن أبي سلمة١ عن أبي هريرة٢ قال: "جاء الحارث الغطفاني٣ إلى رسول الله ﷺ " فقال: "يا محمد ناصفنا تمر المدينة٤ وإلا ملأناها عليك٥ خيلاً ورجالاً" فقال: "حتى استأمر٦ السعود سعد بن عبادة٧ وسعد بن معاذ

стр. 109

يعني يشاورهما فقالا: "لا والله ما أعطينا الدنية١ من أنفسنا في الجاهلية فكيف وقد جاء الله بالإسلام فرجع إليه الحارث فأخبره" فقال: "غدرت يا محمد" قال: فقال حسان:" يا حار من يغدر بذمة جاره ... منكم فإن محمداً لا يغدرُ إن تغدوا فالغدر من عاداتكم ... واللؤم ينبت في أصول السخبرِ وأمانة النهدي حيث لقيتها ... مثل الزجاجة كسرها لا يجبرُ٢

стр. 110

قال: فقال الحارث: "كف عنا يامحمد لسان حسان فلو مزج به ماء البحر لمزجه". قال البزار: "لا نعلم رواه عن محمد بن عمرو هكذا إلا عثمان ولم نسمعه إلا من عقبة"١. والحديث بهذا السند يعتبر حسناً لذاته وقد ذكره ابن الأثير عند ترجمة سعد بن مسعود٢ الأنصاري وكذا ذكره الحافظ٣. أما الهيثمي٤ فقد قال: "رواه البزار والطبراني ولفظه: عن أبي هريرة

стр. 111

قال: "جاء الحارث الغطفاني إلى رسول الله ﷺ فقال: "يا محمد شاطرنا تمر المدينة" فقال: "حتى استأمر السعد فبعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وسعد بن الربيع١ وسعد بن خيثمة٢ بن مسعود٣ فقال: "إني قد علمت أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وأن الحارث قد سألكم أن تشاطروه تمر المدينة فإن أردتم أن تدفعوه عامكم هذا" فقالوا: "يارسول الله أوحي من السماء؟ فالتسليم لأمر الله أو عن رأيك أو هواك؟

стр. 112

فرأينا نتبع هواك ورأيك فإن كنت إنما تريد الإبقاء علينا. فوالله لقد رأيتنا وإياهم على سواء ما ينالون منا تمرة إلا شراء أو قرى فقال رسول الله ﷺ : "هو ذا تسمعون ما" يقولون. قالوا غدرت يا محمد". فقال حسان١ بن ثابت ﵁: يا حار من يغدر بذمة جاره ... منكم فإن محمداً لا يغدرُ وأمانة المري٢ حين لقيتها ... كسر الزجاجة صدعها لا يجبرُ إن تغدروا فالغدر من عاداتكم ... واللؤم ينبت في أصول السخبرِ ثم قال الهيثمي: "رواه البزار والطبراني ورجالهما فيهم محمد بن عمرو حديثه حسن وبقية رجاله ثقات"٣.

стр. 113

وقد أشار إلى ذلك ابن حزم١ ألا أنه ذكر السعدين فقط٢ كما ذكره ابن كثير عن ابن إسحاق مطولاً وأنه ﷺ بعث إلى السعدين بعد أن حصلت المراوضة٣ ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح وأخيراً تناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب ثم قال ليجهدوا علينا٤. أما ما جاء في الحديث السابق الذي ذكره الهيثمي وذكر فيه السعود٥ وساق خمسة منهم، فقد رجعت إلى تراجمهم فوجدت أن هناك تناقضا ظاهراً حيث تدل الرواية التي ذكرها الهثيمي أنهم كانوا جميعاً ضمن الصحابة الذين حضروا الغزوة أما الحقيقة فهي تدل على أن سعد

стр. 114

بن الربيع مثلاً قد استشهد في غزوة أحد وقد ساق ابن الأثير حديثاً يدل على ذلك١ وقد تقدمت ترجمته. أما سعد بن خيثمة فقد استشهد ببدر ذكر ذلك ابن إسحاق٢ وغيره. أما سعد بن مسعود فقد ذكر الحافظ أن له ذكراً في حديث الطبراني٣ المذكور ثم ساق الحديث إلى أن قال ... قال ابن الأثير في ذكر سعد بن خيثمة نظر لأنه استشهد ببدر. والخندق كانت بعدها بثلاث سنين، ثم قال لا يلزم من الغلط في سعد بن خيثمة الغلط في سعد بن مسعود فإن ثبت الخبر فهو من كبار الأنصار بحيث كان يستشار في ذلك الوقت٤. وهكذا تمت هذه المشاروة مع السعدين كما جاء ذلك في حديث البزار الذي يعتبر أقوى حديث في الباب على ضوء إسناده٥.

стр. 115

ولم تتم تلك الصفقة التي كان يحلم بها الحارث بن عوف وعيينة بن حصن كما في بعض الروايات. أما المشاورة الثانية الني حصلت في هذه الغزوة فقد حصلت عندما سمع النبي ﷺ ما أجمع عليه كفار قريش ومن تابعهم على المسير إلى المدينة فاستشار الصحابة ﵃ وتمخضت تلك المشاورة عن رأي سديد أدلى به سلمان١ ﵁ حيث أشار بحفر الخندق لكي يحول بين العدو وبين المدينة٢. ولم يرد في ذلك حديث صحيح غير أن الطبري قال: "حدثت عن محمد بن عمر٣ قال كان الذي أشار على رسول الله ﷺ بالخندق سلمان، وكان أول مشهد شهده سلمان مع رسول الله ﷺ

стр. 116

وهو يومئذ حر"١، وقال يا رسول الله: "إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا"٢. والواقدي وصفه أهل الحديث بأنه متروك الحديث مع سعة علمه. وبذلك قال ابن هشام٣ ونقله عنه ابن كثير٤ وبه قال ابن الأثير٥. وقد نقل الحافظ في الفتح حيث قال: وكان الذي أشار بذلك سلمان فيما ذكر أصحاب المغازي منهم أبو معشر٦ قال: "قال سلمان للنبي ﷺ : إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا"٧. لقد كان الخندق ذا أهمية عظمى ذلك لأن المسلمين عندما بحثوا خطة الدفاع عن المدينة كانوا يفكرون في

стр. 117

إيجاد وسيلة فعالة يتحاشون بها الالتحام الشامل المباشر مع جيوش الأحزاب المتفوقة عدداً وعدة في معركة فاصلة ليتسنى لهم تجميدها وشل حركتها على النحو الواسع الذي تريد تلك القوة الباغية. ولقد كان لتنفيذ هذا المشروع الدفاعي أكبر الأثر في تجميد نشاط جيوش الأحزاب وشل حركتها ثم فشل الغزو في النهاية١. ولقد حفر الخندق في المنطقة الشمالية الغربية من المدينة لأن هذا المكان هو أصلح موقع يجب أن يعسكر فيه من يريد الدفاع عن المدينة لأنه الناحية الوحيدة المكشوفة التي لابد لأي غاز يريد المدينة من أن يتجه إليها ذلك لأن الجهات الأخرى محاطة بأشجار النخيل والزروع الكثيفة والأبنية المتشابكة والحواجز الطبيعية الصعبة كالجبال وغيرها والتي لا تسمح لقوات الأحزاب الكبيرة أن تقوم بإجراء أي قتال على نطاق واسع كما تريد٢. وعندما قرر الرسول ﷺ حفر الخندق - بعد المشاورة - أمر بنقل النساء والذراري إلى الآطم٣ الحصينة حتى لا يصيبهم مكروه.

стр. 118

لأنه كان يتخوف عليهم من اليهود - بني قريظة - حيث كانت منازلهم مما يلي العوالي١ وكانوا قد مالؤوا الأحزاب ووافقوهم على نقض العهد الذي ابرموه مع النبي ﷺ . فقد روى الطبراني حيث قال: "حدثنا محمد بن عبد الله القرمطي٢ البغدادي ثنا عثمان بن يعقوب العثماني٣ ثنا محمد بن طلحة٤ التميمي عن محمد بن سهل بن أبي حثمة٥ عن هرير٦ بن عبد الرحمن بن رافع٧ بن خديج٨ عن أبيه عن

стр. 119

جده قال: "لما كان يوم الخندق لم يكن حصن أحصن من حصن بني حارثة فجعل النبي ﷺ النساء والصبيان والذراري فيه" فقال: "إن ألمَّ بكن١ أحد فالمعن بالسيف" فجاءهن رجل من بني ثعلبة بن سعد يقال له نجدان - أحد بني جحاش٢على فرس حتى كان في أصل الحصن ثم جعل يقول للنساء انزلن إلى خير لكن فحركن السيف فأبصره أصحاب النبي ﷺ فابتدر الحصن قوم فيهم رجل من بني حارثة يقال له ظهير بن رافع٣ فقال: "يا نجدان ابرز فبرز إليه فحمل عليه فرسه فقتله وأخذ رأسه فذهب به إلى النبي ﷺ ". هذا الحديث قال فيه الهيثمي بعد إيراده. رواه الطبراني وقال: "ورجاله ثقات٤. وقد رواه ابن جرير في تاريخه بسنده من طريق ابن إسحاق"٥.

стр. 120

وقال الهيثمي بعد إيراد هذا الحديث: "عن الزبير بن العوام أن رسول الله ﷺ خرج إلى الخندق فجعل نساءه وعمته صفية في أطم يقال له فارع..." الحديث إلا أنه قال بعد سياقه لهذا الحديث ... رواه البزار وأبو يعلي باختصار وإسناد هما ضعيف. ومع ذلك فالمتن فيه اضطراب حيث إن آخره يخالف أوله فقد ذكر أن رسول الله ﷺ أولاً خرج إلى الخندق ثم قال بعد ذلك: ثم خرج إلى أحد. ويظهر من ذلك أنه حصل التباس من خروجه إلى أحد خروجه إلى الخندق ثم قال الهيثمي١ مؤكداً ذلك: وقد تقدم الحديث من رواية صفية في وقعة أحد. وهو عند البزار٢ أن ذلك كان في أحد والمشهور أن هذه القصة كانت في الخندق. أما كونه ﷺ جعلهم في أطم يقال له فارع فهو صحيح بدليل ما جاء في صحيح مسلم٣ عن عبد الله بن الزبير وفيه أنه كان هو وعمر بن أبي سلمة في أطم حسان يوم الخندق مع النسوة... الخ كذلك روى

стр. 121

هذا الحديث أحمد١ في مسند الزبير ثم أورد الهثيمي بعد ذلك حديثاً آخر بهذا المعنى ولفظه عن عروة: أن النبي ﷺ أخذ نساءه يوم الأحزاب أطما من آطام المدينة وكان حسان بن ثابت رجلاً جباناً فأدخله مع النساء فأغلق الباب فجاء يهودي فقعد على باب الأطم فقالت صفيه بنت عبد المطلب: إنزل يا حسان إلى هذا العلج٢ فاقتله فقال ما كنت لأجعل نفسي خطراً لهذا العلج فائتزرت بكساء وأخذت فهرا٣ فنزلت إليه فقطعت رأسه... الخ الحديث. قال الهيثمي: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح ولكنه مرسل"٤. قال السمهودي: "وروى الإمام أحمد بإسناد قوي عن عبد الله بن الزبير قال: "كانت صفية في حصن حسان بن ثابت يوم الخندق أي وهو المسمى بفارع

стр. 122

فذكر الحديث في قتلها اليهودي وقولها لحسان انزل فاسلبه" فقال: "مالي بسلبه حاجة"١. وهذا الحديث وهو رفع النساء والذراري في الآطام رواه ابن جرير في تاريخه٢ وقد روى الطبراني هذه القصة عن صفية في غزوة أحد كما تقدم. إلا أن الهيثمي قال: "رواه الطبراني في الكبير والأوسط من طريق أم عروة بنت جعفر بن الزبير عن أبيها ولم أعرفهما وبقية رجاله ثقات"٣. ثم عقب السمهودي قائلاً: "والمذكور في كتب السير أن هذه القصة كانت في الخندق وأن بعضهم كان بحصن بني حارثة وبعضهم بفارع وأن صفية ﵂ لما فرغت من قتل اليهودي رجعت إلى الحصن فقالت لحسان: "انزل

стр. 123

فاسلبه١ فإني لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل" قال: "مالي بسلبه حاجة يابنت عبد المطلب"٢ أ. هـ. كلام السمهودي. وهذه القصة صحيحة لتظافر الأدلة التي يقوي بعضها بعضاً يؤيدها أن اليهود إنما غدروا في غزوة الخندق ولم يكن لهم ذكر في أحد. أما بالنسبة لهذه التهمة التي وجهت ضد حسان بن ثابت وهي الجبن فقد دفعها بعض العلماء لذلك قال السهيلي: "مجمل هذا الحديث عند الناس أن حساناً كان جباناً شديد الجبن وقد دفع بعض العلماء هذا وانكره وقال: لو صح هذا. لهجي به حسان فإنه كان يهاجي الشعراء وكانوا يردون عليه فما عيره أحد بجبن. وإن صح فلعل حسان كان معتلاً في ذلك اليوم بعلة منعته من شهود القتال وهذا أولى ما تأول". ثم قال: "وممن أنكر أن يكون هذا صحيحاً أبو عمر ابن عبد البر ﵀ في كتابه الدرر٣ وهذا هو الحق والله أعلم فإن شعر حسان كان أشد

стр. 124

على الأعداء من وقع النبل، وذلك واضح من المهاجاة التي وقعت بينه وبين شعراء قريش كابن الزبعرى وغيره، حتى أن الرسول ﷺ كان ينصب له منبراً في المسجد١ يقوم عليه قائماً يفاخر عن رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح عن رسول الله ﷺ " وكان يقول للنبي ﷺ لأسلنك كما تسل الشعرة من العجين٢ ولو كان هذا حقاً لهجاه به اعداؤه.

стр. 125

الفصل الثاني: تواضعه ﷺ ومباشرته الحفر بنفسه كان صلوات الله عليه وسلامه المثل الأعلى في التواضع، وذلك لحسن أخلاقه التي مدحه الله به، وهذا حاله ﷺ في السلم والحرب على السواء. وتواضعه ﵊ في هذا الموضع قليل من كثير. أما بالنسبة لما كان منه في هذه الغزوة فقد روى البخاري في ذلك حديثاً عن جابر بن عبد الله ﵁ وهذا نصه: قال البخاري ﵀: حدثنا خلاد بن يحى١ حدثنا عبد الواحد٢ بن أيمن٣ عن أبيه قال: "أتيت جابراً ﵁ فقال إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة فجاءوا النبي ﷺ فقالوا هذه كدية عرضت في الخندق" فقال: "أنا نازل ثم قام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً فأخذ

стр. 126

النبي ﷺ المعول١ فضرب فعاد كثيباً٢ أهيل أو أهيم"٣ فقلت يا رسول الله: "ائذن لي إلى البيت، فقلت لامرأتي رأيت بالنبي ﷺ شيئاً ما كان في ذلك صبر فعندك شيء؟ قالت عندي شعير وعناق٤. فذبحتُ العناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة٥ ثم جئت النبي ﷺ والعجين قد انكسر والبرمة بين الأثافي٦ قد كادت تنضج

стр. 127

فقلت: طعيم١ لي فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان قال: كم هو فذكرت له: "فقال كثير طيب". قال: قل لها: "لا تنزع البرمة ولا الخبر من التنور٢ حتى آتي". فقال: قوموا فقام المهاجرون والأنصار. فلما دخل على امرأته قال: ويحك جاء النبي ﷺ بالمهاجرين والأنصار ومن معهم قالت: هل سألك قلت: نعم. فقال: "ادخلوا ولا تضاغطوا" ٣ فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويخمر٤ البرمة والتنور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع فلم يزل يكسر الخبز ويغرف٥ حتى شبعوا وبقي بقية. قال: "كلي هذا واهدي فإن الناس أصابتهم مجاعة" ٦.

стр. 128

كما رواه أيضاً أحمد١ والنسائي٢ والبيهقي٣. أما البيهقي فقد أخرج هذا الحديث من رواية الإسماعيلي عن طريق المحاربي عن عبد الواحد بن أيمن عن أبيه قال: قلت لجابر: "حدثني بحديث عن رسول الله ﷺ أرويه عنك فقال جابر: "كنا مع رسول الله ﷺ يوم الخندق نحفر فيه فلبثنا ثلاثة أيام لا نطعم شيئاً ولا نقدر عليه فعرضت في الخندق كدية فجئت إلى رسول الله ﷺ فقلت هذه كدية٤ قد عرضت في الخندق فرششنا عليها الماء فقام رسول الله ﷺ وبطنه معصوب بحجر فأخذ المعول أو المسحاة ثم سمى ثلاثاً ثم ضرب فعادت كثياً أهيل"٥ الحديث. قال الحافظ: "وقد وقع عند أحمد والنسائي في هذه القصة زيادة بإسناد حسن من حديث البراء بن عازب" قال: "لما كان حين أمرنا رسول الله ﷺ بحفر

стр. 129

الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ فيها المعاول فاشتكينا ذلك إلى النبي ﷺ فجاء فأخذ المعول ثم قال: "بسم الله فضرب ضربة فكسر ثلثها وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة ثم ضرب الثانية فقطع الثلث الآخر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، والله إن لأبصر قصر المدائن أبيض. ثم ضرب الثالثة وقال: بسم الله فقطع بقية الحجر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذه الساعة". قال الحافظ: "وقد أخرج الطبراني من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص نحوه"١. وهناك أحاديث صحيحة تبين بوضوح مباشرته ﷺ الحفر ونقل التراب مع صحابته ﵃ من ذلك ما روي البخاري ونصه: قال البخاري٢ ﵀: حدثنا مسلم بن إبراهيم٣ حدثنا شعبة٤ عن أبي إسحاق٥ عن

стр. 130

البراء١ ﵁ قال: "كان النبي ﷺ ينقل التراب يوم الخندق حتى أغمر بطنه أو إغبر بطنه٢. يقول: والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علين

стр. 131

الفتح١. وهذا الحديث يدل بجلاء على مشاركته ﷺ لهم وعلى تواضعه وقد جاء عند أحمد٢ عن أم سلمة٣ ﵂ قالت: "ما نسيت قوله يوم الخندق وهو يعاطيهم اللبن وقد أغبر شعر صدره وهو يقول: "اللهم إن الخير خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة". الحديث. كما جاء في الرواية الثانية للبراء عند البخاري حيث قال: حدثني أحمد بن عثمان٤ حدثنا شريح بن مسلمة٥ قال حدثني

стр. 132

إبراهيم بن يوسف١ قال حدثني أبي٢ عن أبي إسحاق قال سمعت البراء يحدث قال: "لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله ﷺ رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني التراب جلدة بطنه وكان كثير الشعر٣ فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة وهو ينقل من التراب يقول: والله لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علين

стр. 133

الكريم يصدق ذلك قول عائشة ﵂ عندما سئلت عن خلقه فقالت: كان خلقه القرآن١. وسيرته ﷺ مليئة بأمثال ذلك. لذلك قال ابن هشام: "فلما سمع بهم رسول الله ﷺ ، وما أجمعوا عليه من الأمر ضرب الخندق على المدينة فعمل فيه رسول الله ﷺ ترغيباً للمسلمين في الأجر وعمل معه المسلمون فيه فدأب فيه ودأبوا وأبطأ عن رسول الله ﷺ ، وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين وجعلوا يورون بالضعيف من العمل ويتسللون إلى أهلهم بغير علم من رسول الله ﷺ ولا إذن. أما المسلمون فكانوا لا يستأذنون إلا عند الضرورة فإذا قضوا حاجاتهم رجعوا إلى ما كانوا فيه من عمل رغبة في الخير واحتساباً له وقد أنزل الله في ذلك قرآنا يتلى فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَك... الآية﴾ ٢.

стр. 134

حيث نزلت هذه الآية فيمن كان من المسلمين من أهل الحسبة والرغبة في الخير والطاعة لله ولرسوله ﷺ ١. ثم قال تعالى يعني المنافقين الذين كانوا يتسللون ويذهبون بغير إذن من النبي ﷺ ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ "٢. وهذه الآيات عامة ساقها ابن هشام وغيره للاستدلال بها على الفريقين. وعامة في الاستئذان سواء في الحرب أو في السلم وهي في الحقيقة نزلت كما قال ابن كثير٣ في الذين يستأذنون في الخروج من الجمعة وغيرها.

стр. 135

الفصل الثالث: الكدية وتغلب المسلمين عليها والمعجزات التي وقعت في أثناء ذلك إن المصاعب والمشاكل تعترض حتى الأعمال السهلة، وفي أوقات السلم فكيف بعمل شاق ومجهود ضخم وكيف بعمل يكمن فيه درءُ الخطر القادم والمحدق بالمسلمين وبالمدينة التي تؤويهم إلا أن نصر الله لعباده يتجلى عندما ينصروه ﴿... وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ١. إنه عندما علم المسلمون بتكتل الأحزاب وتهيؤهم للخروج لغزو المدينة بقوة كبيرة عندها فكر المسلمون في خطة الدفاع وهي (الخندق) وكانت ناجحة للغاية. وكانوا يعملون فيه بجد حتى ينتهوا منه قبل وصول العدو، وفعلاً شمروا عن ساعد الجد وبدأو بداية المدافع المستميت ولكن اعترضتهم مشاكل منها - الكدية -. تلك التي جعلتهم يذهبون للرسول ﷺ ويخبرونه بأمرها - وذلك لأنها استعصت عليهم - ويجيء ﷺ ويضربها فتعود رملاً سائلاً وقد ورد ذلك عند البخاري حيث قال: حدثنا خلاد بن يحى حدثنا عبد الواحد بن أيمن عن أبيه قال: "أتيت جابراً ﵁

стр. 136

فقال: "إنا يوم الخندق نحفر - فعرضت كدية شديدة١ - فجاءوا النبي ﷺ " فقالوا: "هذه كدية عرضت في الخندق" فقال: "أنا نازل ثم قام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً. فأخذ النبي ﷺ المعول فضرب فعاد كثيباً أهيل أو أهيم". الحديث٢. الحديث رواه أيضاً أحمد٣ بزيادة رشوها بالماء - والنسائي٤ بلفظ مرادف- عرضت لهم صخرة - والبيهقي٥. وأخرجه البيهقي٦ بسنده عن أيمن المخزومي وفيه قال أيمن المخزومي: سمعت جابر بن عبد الله يقول: "كنا يوم الخندق نحفر فعرضت كذانة٧، وهي الجبل"، الحديث.

стр. 137

وأخرجه كذلك مطولاً من طريق كثير بن عبد الله١ عن أبيه٢ عن جده٣ وفي أوله "خط رسول الله ﷺ الخندق لكل عشرة أناس عشرة أذرع فمرت بنا صخرة بيضاء كسرت معاويلنا فأردنا أن نعدل عنها فقلنا حتى نشاور رسول الله ﷺ فأرسلنا إليه سلمان"٤. الحديث. وهذا الحديث مداره على كثير هذا وهو ضعيف عند الجمهور كما قال الهيثمي وحسن الترمذي حديثه. وقد أخرج الطبري هذا الحديث بسنده فقال: حدثنا ابن بشار٥ قال ثنا محمد بن خالد بن عثمة٦ قال ثنا كثير

стр. 138

بن عبد الله بن عمرو عوف المزني قال ثني أبي عن أبيه قال: "خط رسول الله ﷺ الخندق عام ذكرت الأحزاب وفيه فحفرنا تحت دوبار١ حتى بلغنا الصرى٢ أخرج الله من بطن الخندق صخرة بيضاء مروة٣ فكسرت حديدنا وشقت علينا فقلنا يا سلمان أرق إلى رسول الله ﷺ فأخبره خبر هذه الصخرة فإما أن نعدل عنها فإن المعدل قريب وإما أن يأمرنا فيها بأمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه"٤ الحديث. قال الحافظ٥: "ووقع عند أحمد والنسائي في هذه القصة زيادة بإسناد حسن فعند النسائي٦ قال في الضربات الثلاث ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ " ٧.

стр. 139

وهذا إسناد أحمد حيث قال ابنه عبد الله: حدثني أبي ثنا محمد بن جعفر١ ثنا عوف عن ميمون أبي عبد الله٢ عن البراء بن عازب قال: "أمرنا رسول الله ﷺ بحفر الخندق" قال: "وعرض لنا صخرة في مكان من الخندق لا تأخذ فيها المعاول" قال: "فشكوها إلى رسول الله ﷺ فجاء رسول الله ﷺ " قال عوف وأحسبه قال: "وضع ثوبه ثم هبط إلى الصخرة. فأخذ المعول فقال: بسم الله فضرب ضربة فكسر الحجر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله أني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا ثم قال: بسم الله فضرب أخرى فكسر ثلث الحجر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله أني لأبصر المدائن وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا. ثم قال بسم الله وضرب ضربة أخرى فقطع بقية الحجر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله أني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا"٣. الحديث

стр. 140

أما ابن إسحاق فقد قال: "وكان في حفر الخندق أحاديث بلغتني فيها من الله تعالى عبرة في تصديق رسول الله ﷺ وتحقيق نبوته. عاين١ ذلك المسلمون فكان مما بلغني أن جابر بن عبد الله كان يحدث: أنه إشتد عليهم في بعض الخندق كدية فشكوها إلى رسول الله ﷺ فدعا بإناء من ماء فتفل٢ فيه ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به ثم نضح٣ ذلك الماء على تلك الكدية. "فيقول من حضرها فوالذي بعثه بالحق نبياً لانهالت٤حتى عادت كالكثيب لا يرد فأساً ولا مسحاة"٥. قال ابن كثير: "هكذا ذكره ابن إسحاق منقطعاً عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه٦ وعند أحمد فأخذ المعول أو المسحاة٧ بالشك وعند الواقدي فأخذ الكرزين٨. وقد تتابعت المعجزات التي أجراها الله سبحانه لنبيه ﷺ في

стр. 141

أثناء حفر الخندق من ذلك: تكثير طعام جابر ﵁"، لذلك روى البخاري ﵀ حيث قال: حدثني عمرو بن علي١ حدثنا أبوعاصم أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان٢ أخبرنا سعيد بن مينا ٣. قال: "سمعت جابر بن عبد الله ﵄ قال: "لما حفر الخندق رأيت بالنبي ﷺ خمصاً٤ شديداً فانكفأت٥ إلى امرأتي٦ فقلت لها هل عندك شيء؟ فإني رأيت برسول الله ﷺ خمصاً شديداً.

стр. 142

فأخرجتْ إلي جراباً١ فيه صاع من شعير ولنا بهيمة داجن٢ فذبحتها وطحنتِ الشعير ففرغتْ إلى فراغي وقطعتها في برمتها ثم وليت إلى رسول الله ﷺ فقالت: "لا تفضحني برسول الله ﷺ وبمن معه". فجئته فساررته فقلت: "يارسول الله ذبحنا بهيمة لنا وطحنا صاعاً من شعير كان عندنا فتعال أنت ونفر معك". فصاح النبي ﷺ فقال: "يا أهل الخندق إن جابراً قد صنع سؤراً٣ فحي هلا بكم فقال ﷺ لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجئ فجئتُ وجاء رسول الله ﷺ يقدم الناس حتى جئتُ امرأتي فقالت بك وبك٤ فقلتُ قد فعلتُ الذي قلتِ فأخرجت له عجيناً فبصق فيه وبارك

стр. 143

ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك ثم قال أدعُ خابزة فلتخبز معي١. واقدحي٢من برمتكم ولا تنزلوها وهم ألف فاقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه. وانحرفوا وإن برمتنا لتغط كما هي وإن عجيننا ليخبزكما هو". الحديث٣. الحديث رواه أيضا مسلم٤ عن سعيد بن مينا بنفس اللفظ والحاكم٥. وعند البخاري من طريق أيمن المخزومي المتقدم وفي آخره (قال كلى هذا وأهدي فإن الناس أصابتهم مجاعة) ٦. وقد أورده ابن تيمية٧ ضمن المعجزات٨.

стр. 144

وفي رواية يونس "كلي وأهدي فلم نزل نأكل ونهدي يومنا أجمع". وفي رواية أبي الزبير عن جابر "فأكلنا نحن وأهدينا لجيراننا فلما خرج رسول الله ﷺ ذهب ذلك"١. قال السيوطي٢: "وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي٣ في الدلائل عن جابر هذا الحديث". ورواه أحمد عن سعيد بن مينا وفيه قال: "فبرك وسمى ثم أكل وتواردها الناس كلما فرغ قوم قاموا وجاء ناس حتى صدروا أهل الخندق عنها"٤. أ. هـ. عدد من أكل من مائدة جابر ﵁: الرواية التي في الصحيحين أنهم ألف (وهم ألف) ٥. وفي رواية أبي نعيم في المستخرج: "فأخبرني أنهم كانوا تسعمائة أو ثمانمائة".

стр. 145

وفي رواية عبد الواحد بن أيمن عند الإسماعيلي (كانوا ثمانمائة أو ثلاثمائة) . وفي رواية أبي الزبير (كانوا ثلاثمائة) . قال الحافظ١: "والحكم للزائد لمزيد علمه لأن القصة متحدة". وفي سياق الحديث عن المعجزات قال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن مينا أنه حُدث أن ابنة لبشير بن سعد أخت النعمان بن بشير قالت دعتني أمي عمرة بنت رواحة فأعطتني حفنة٢ من تمر في ثوبي ثم قالت: "أي بنية اذهبي إلى أبيك وخالك عبد الله بن رواحة بغدائهما" قالت: "فأخذتها فانطلقت بها فمررت برسول الله ﷺ وأنا ألتمس أبي وخالي" فقال ﷺ تعالى: "يابنية ما هذا معك؟ " قالت فقلت: "يارسول الله هذا تمر بعثتني به أمي إلى أبي بشير بن سعد وخالي عبد الله بن رواحة يتغديانه" قال: "هاتيه" قالت: "فصببته في كفّي رسول الله ﷺ فما ملأتهما". ثم أمر بثوب فبسط له ثم دحا٣ بالتمر عليه، فتبدد فوق الثوب، ثم قال لإنسان عنده اصرخ في أهل الخندق أن هلمّ إلى الغداء، فاجتمع أهل
следующие страницы →