← Сира

Сира · id 11395

مرويات غزوة الخندق

إبراهيم بن محمد المدخلي

Полный текст (402 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

يَشْتَرُونَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١. قال ابن كثير: "هذا توبيخ من الله وتهديد لأهل الكتاب الذين أخذ الله عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد ﷺ ، وأن ينوهوا بذكره في الناس فيكونوا على أهبة من أمره فإذا أرسله الله تابعوه، فكتموا ذلك وتعوضوا - بتشديد الواو التي بعد العين - عما وعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدون٢ الطفيف والخط الدنيوي السخيف فبئست الصفقة صفقتهم وبئست البيعة بيعتهم"٣. وقال الطبري عند تفسير هذه الآية: "واذكر أيضا من هؤلاء اليهود وغيرهم من أهل الكتاب منهم يامحمد إذ أخذ الله ميثاقهم ليبين للناس أمرك الذي أخذ ميثاقهم على بيانه للناس في كتابهم الذي في أيديهم وهو التوراة والإنجيل وأنك لله رسول مرسل بالحق ولا يكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم. يقول: فتركوا أمر الله وضيعوه

стр. 72

ونقضوا ميثاقه الذي أخذ عليهم بذلك فكتموا أمرك وكذبوا بك واشتروا به ثمناً قليلاً". يقول: "وابتاعوا بكتابهم ما أخذ عليهم الميثاق أن لا يكتموه من أمر نبوتك عوضاً منه خسيساً قليلاً من عوض الدنيا ثم ذم جل ثناؤه شراءهم ما اشتروا به من ذلك فقال: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ "١. ثم أورد الطبري ﵀ حديثاً يؤيد ما سبق. حيث قال: حدثنا بشر٢ قال حدثنا يزيد٣ قال حدثنا سعيد٤ عن قتادة٥ ذكر لنا أن أعداء الله اليهود يهود خيبر٦ أتوا نبي الله ﷺ فزعموا أنهم راضون

стр. 73

بالذي جاء به وأنهم متابعوه وهم متمسكون بضلالتهم وأرادوا أن يحمدهم نبي الله ﷺ بما لم يفعلوا فأنزل الله قوله: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١ الآية. والحديث بهذا السند إلى قتادة حسن ولم يسم قتادة من ذكر له ذلك. ومن الجدير بالإشارة أن اليهود يحقدون أشد الحقد على النبي ﷺ قبل أن يعرفوه حتى أنهم عندما ما سمعوا أوصافه قال بعضهم لبعض: اقتلوه ويشهد لذلك ما رواه ابن سعد من سند منقطع من أعلاه حيث قال: أخبرنا عمرو بن عاصم٢ الكلابي أخبرنا همام٣ بن يحي عن إسحاق٤ بن عبد الله أن أم٥ النبي ﷺ لما دفعته إلى

стр. 74

السعدية١ التي أرضعته قالت لها احفظي ابني وأخبرتها بما رأت فمر بها اليهود فقالت إلا تحدثوني عن ابني هذا؟ فإني حملته كذا ووضعته كذا ورأيت كذا وصفت أمه قالت فقال بعضهم لبعض: "اقتلوه فقالوا: أيتيم هو؟ فقالت: لا هذا أبوه وأنا أمه فقالوا: لو كان يتيماً لقتلناه"٢ أ. هـ وليس ذلك بمستبعد عن قوم وصفهم الله في كتابه بأنهم يقتلون أنبياءهم. مما سبق من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة يتضح بعض الأدلة التي جاءت مبينة لما يعرف به اليهود على مدى الأزمان من حقد دفين وعداوة ظاهرة للأمة الإسلامية ونبيها المصطفى ﷺ . ذلك الحقد الذي أعمى قلوبهم وأحرقها وشتت شملهم في الدنيا حيث نفاهم ﷺ من المدينة وذلك بقوة الله التي تسانده حيث أخبر تعالى

стр. 75

عن ذلك فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ١. ويجدر بنا ونحن بصدد الحديث عن حقدهم ودسائسهم أن نبين طوائف اليهود الذين تمركزوا في المدينة منذ زمن طويل وهذه الطوائف هي: بنو قينقاع وبنو النضير، وبنو قريظة وكل طائفة من هذه الطوائف كان لها موقف مع النبي المصطفى ﷺ ، وكانت كلها مواقف تنضح بالحقد والكراهية. وكان من موقف بني قينقاع كما قال الحافظ٢ ما روى ابن إسحاق بإسناد حسن عن ابن عباس قال: لما أصاب رسول الله ﷺ قريشاً يوم بدر جمع يهود بني قينقاع في سوقهم فقال: يايهود أسلموا قبل أن يصيبكم ما أصاب قريشاً يوم بدر.

стр. 76

فقالوا: إنهم كانوا لا يعرفون القتال ولو قاتلناك لتعلمن أنا نحن الناس١. فأنزل الله : ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ... إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ الآيتان٢. وهكذا يظهر أن أول من نقض العهد من اليهود هم بنو قينقاع٣. قال ابن هشام: "وذكر عبد الله بن جعفر بن المسور٤ بن مخرمة عن أبي عون٥ قال كان من أمر بني فينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلب٦ لها فباعته بسوق بني قنيقاع وجلست إلى صائغ بها فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها فلما قامت

стр. 77

انكشفت سوءتها فضحكوا بها فصاحت فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله وكان يهودياً وشدت اليهود على المسلم فقتلوه. فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود فغضب المسلمون فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع"١ وأثر ابن هشام فيه انقطاع من أسفله ومن أعلاه. قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: "فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على حكمه" وكان ذلك في شوال بعد وقعة بدر وأراد قتلهم فاستوهبهم منه كبير المنافقين٢. وكانوا حلفاءه فوهبهم له وأخرجهم من المدينة إلى أذرعات٣. قال ابن حزم: "وهم قوم عبد الله بن سلام٤ - مخفف - وكانوا في طرف المدينة٥ وكانوا سبعمائة مقاتل"٦.

стр. 78

ثم نقض العهد بعد ذلك بنو النضير وكان رئيسهم حيي بن أخطب والمشهور في كتب السيرة أن الرسول ﷺ نهض بنفسه إلى بني النضير مستعيناً بهم في دية القتيلين الذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري١ الذي نجا من حادثة بئر معونة. فلما كلمهم ﷺ قالوا: "نعم فقعد رسول ﷺ مع أبي بكر وعمر وعلي ونفر من أصحابه إلى جدار من جدرهم" فاجتمع بنو النضير وقالوا: "من رجل يصعد على ظهر البيت فيلقي صخرة على محمد فيقتله فيريحنا منه. فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب فأوحى الله تعالى بذلك إلى رسول الله ﷺ فقام ولم يشعر بذلك أحد من أصحابه ممن كانوا معه فلما استلبثه أصحابه ﵃ قاموا فرجعوا إلى المدينة واتوا رسول الله ﷺ فأخبرهم بما أوحى الله تعالى إليه بما أرادته اليهود وأمر أصحابه بالتهيؤ لحربهم"٢.

стр. 79

لكن ابن حجر أورد غير هذا حيث قال: وروى ابن مردويه١ قصة بني النضير بإسناد صحيح إلى معمر٢ عن الزهري أخبرني عبد الله٣ بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال: "كتب كفار قريش إلى عبد الله بن أبي وغيره ممن يعبد الأوثان قبل بدر يهددونهم بإيوائهم النبي ﷺ وأصحابه إلى أن قال: فلما كانت غزوة بدر كتبت كفار قريش بعدها إلى اليهود إنكم أهل الحلقة والحصون يتهددونهم٤ فأجمع بنو النضير على الغدر فأرسلوا إلى النبي ﷺ أخرج إلينا في ثلاثة من أصحابك٥ ويلقاك ثلاثة من علمائنا فإن آمنوا بك اتبعناك

стр. 80

ففعل فاشتمل اليهود الثلاثة على الخناجر فأرسلت امرأة من بني النضير إلى أخ لها من الأنصار مسلم تخبره بأمر بني النضير فأخبر أخوها النبي ﷺ قبل أن يصل إليهم قال ابن حجر: فهذا أقوى مما ذكر ابن إسحاق من أن سبب غزوة بني النضير طلبه ﷺ أن يعينوه في دية الرجلين لكن وافق ابن إسحاق جل أهل المغازي فالله أعلم"١. أما بنو قريظة فكان سبب محاصرتهم وقتلهم ما وقع منهم من نقض عهد النبي ﷺ ومما لأتهم٢ لقريش وغطفان ومطاوعتهم لعدو الله وعدو رسوله حيي بن أخطب حتى أنه لم يزل بسيدهم كعب بن أسد يفتله في الذروة والغارب٣ حتى نقض عهده وأخلف وعده٤. وكان مصير هذه الطائفة أن نزلت على حكم الصحابي الجليل سعد بن معاذ وكانوا حلفاءه ومواليه فحكم فيهم أن يقتل رجالهم ويسبى نساؤهم وذراريهم وتقسم أموالهم٥ فقال ﷺ : "قضيت بحكم الله"٦.

стр. 81

أما يهود خيبر فقد نقضوا العهد وخرج إليهم ﷺ في بقية المحرم سنة سبع وحاصرهم حتى فتحها وغنم ما فيها١. بعد أن رأينا طباع اليهود وأن ديدنهم الحقد والعداوة للإسلام والمسلمين مهما كلفهم ذلك وأنهم لا زالوا ولن يزالوا يكيدون للمسلمين ويقتلونهم متى سنحت الفرصة لهم فهم مهما اضطهدوا فعندما يفيقون يكون أول عمل لهم هو ضد المسلمين فقط. ولا أدل على ذلك أن يهود أسبانيا عندما طردهم فرديناد ملك أسبانيا أنقذ السلطان بيازيد الثاني يهود أسبانيا من إبادة محققة وقدمت لهم الحكومة العثمانية جميع الحقوق وأصبحوا في حالة مرضية للغاية فما عليهم إلا أن يدفعوا الجزية ويعيشوا في أمن واطمئنان. على الرغم من كل ما قدمته الحكومة العثمانية وولاتها فقد توجه اليهودي دافيد روبيني عام ٥٠٥هـ إلى البابا كليمنت السابع وعرض عليه مشروع محالفة عسكرية مسيحية يهودية ضد المسلمين تقضي بما يلي: (١) إنهاء العداء القائم بين المسيحيين واليهود على حساب المسلمين.

стр. 82

(٢) تعاون جيوش أوروبا مع جموع الشعب اليهودي الذين يقيمون داخل الدولة العثمانية للانقضاض عليها من الداخل وغزوها من الخارج واحتلال أرضيها. (٣) تتولى الدولة المسيحية تزويد اليهود الذين يقيمون داخل الدولة الإسلامية بالأسلحة التي تساعدهم في الانقضاض على المسلمين١. هذه هي أخلاق اليهود من قديم الزمان ولازالت هي أخلاقهم حتى يرث الله الأرض ومن عليها. وأخيراً: قال الأستاذ محمد عزة دروزة: "ولليهود في العهد المدني شأن كبير متعدد النواحي لأنهم أول من اصطدم مع النبي ﷺ ولقد شغلوا في القرآن المدني حيزاً واسعاً منذ بدء تنزيله" ثم قال: "ولعل من الدلائل على أنهم أول من اصطدم مع النبي ما جاء في الآيات الأولى من البقرة التي هي أول السور المدنية في ترتيب النزول فقد جاء في أولها: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ " ٢.

стр. 83

فقد قال جمهور المفسرين: "إن شياطينهم هم اليهود ويدل هذا بوضوح على أن اليهود هم الذين أغروا المنافقين بالنفاق وشجعوهم في مواقف الخداع"١.

стр. 84

المبحث الثاني: الوفد اليهودي المحرض لما نفدت حيل اليهود وأصبح مكرهم مكشوفاً وعجزهم واضحاً لجأوا إلى كفار قريش -ليدللوا بذلك على جبنهم وذلهم- لجأوا محرضين كفار قريش ليشنوا حرباً عامة على المسلمين في المدينة ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ١. وقد أعطوا العهود والمواثيق لكفار قريش أنهم سيكونون معهم محاولين بذلك تغطية الذلة والجبن الذي هو من أخلاقهم دائماً وأبداً. تكون الوفد من بني النضير ومن بني وائل، وحيكت المؤامرة في خيبر وانطلق بعدها الوفد يضم: سلام بن أبي الحقيق النضري - أبا رافع - وحيي بن أخطب النضري وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق النضري. ومن بني وائل هوذة بن قيس الوائلي، وأبو عامر الوائلي، ووحوح بن عامر الوائلي كل هؤلاء توجهوا إلى مكة يرأسهم حيي بن أخطب الذي أعمى قلبه الحقد والحسد، وكان أهل مكة ينتظرون بفارغ الصبر من يشد من عزمهم ويساعدهم على حرب محمد ﷺ وأصحابه ﵃.

стр. 85

سار الوفد حتى وصل مكة فسألهم أهلها: من أهدى أنحن أم محمد؟ وبينوا لهم صفة الطرفين قريش، ومحمد ﷺ ، وكانت صفة محمد التي عيب بها هي: أنه كان يعيب آلهتهم وينفرهم من عبادتها، ويدعوهم إلى عبادة الواحد القهار. فكان رد أولئك اليهود في صالح الكفار ولكن كان الفشل حليفهم حيث رد عليهم القرآن وذلك بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ ١. ثم ما لبثوا أن فاتحوهم في الموضوع الذي جاءوا من أجله فسر كفار قريش بذلك أكثر وأكثر ونشطوا له فاجتمعوا لذلك واتعدوا له. ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ ، وقد قيل إنهم أعطوهم تمر خيبر سنة كاملة مقابل ذلك وأخبروهم أنهم سيكونون معهم ضده. وأن قريشاً قد تابعوهم على ذلك فاجتمعوا فيه وأجابوهم. وقد تقدم ذكر ذلك في حديث ابن إسحاق٢ المتقدم. أما ابن سعد فقال: مشيراً إلى جم غفير من العلماء الذين نقل عنهم الواقدي قالوا: "لما

стр. 86

أجلى رسول ﷺ ، بني النضير ساروا إلى خيبر فخرج نفر من أشرافهم ووجوههم إلى مكة فألبوا قريشاً ودعوهم إلى الخروج إلى رسول الله ﷺ ، وعاهدوهم وجامعوهم على قتاله ووعدوهم لذلك موعداً. ثم خرجوا من عندهم فأتوا غطفان وسليماً ففارقوهم على مثل ذلك"١. أما الحافظ فقد نقل ذلك من مغازي موسى بن عقبة وقال: "خرج حيي بن أخطب بعد قتل٢ بني النضير إلى مكة يحرض قريشاً على حرب رسول الله ﷺ ، وخرج كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق يسعى في غطفان ويحضهم على قتال رسول الله ﷺ على أنهم نصف تمر خيبر فأجابه عيينة بن حصن الفزاري إلى ذلك"٣ ... الخ. أما ابن جرير٤ فقد ساق القصة بسنده إلى ابن إسحاق وفيها بين مدللاً بذلك على ذهاب أولئك اليهود إلى كفار قريش وإلى غطفان وتحريضهم على حرب النبي ﷺ وأصحابه ﵃. وقد أورد الخبر نفسه في تفسير سورة النساء عند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ

стр. 87

كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ ١. عن ابن عباس رضي الله عنهما٢. وقد أورده ابن هشام٣ عن يزيد بن رومان. وكلها آثار مقطوعة لكنها تتقوي بما جاء في ذلك من شواهد والقرآن يؤيد ذلك بوضوح. إضافة إلى ذلك فقد ذكر القرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ ٤. قال: يعني غزوة الأحزاب، وبني قريظة وكان سببها:- أن نفراً من اليهود منهم. كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وسلام بن أبي الحقيق، وسلام بن مشكم٥، وحيي بن أخطب النضريون، وهوذة بن قيس، وأبو عامر من بني وائل، وكلهم يهود٦ هم الذين حزبوا الأحزاب وألبوا وجمعوا

стр. 88

وخرجوا في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل فأتوا مكة فدعوا إلى حرب رسول الله ﷺ وواعدوهم من أنفسهم بعون من انتدب إلى ذلك فأجابهم أهل مكة إلى ذلك ثم خرج اليهود المذكورون إلى غطفان فدعوهم إلى مثل ذلك فأجابوهم١. أما صاحب السيرة الحلبية فقال:" وسببها لما وقع إجلاء بني النضير من أماكنهم سار منهم جمع من كبرائهم منهم: سيدهم حيي بن أخطب أبو صفية أم المؤمنين ﵂، وعظيمهم سلام بن مشكم ورئيسهم كنانة بن أبي الحقيق، وهوذة بن قيس، وأبو عامر الفاسق إلى أن قدموا مكة على قريش يدعونهم ويحرضونهم على حرب رسول الله ﷺ ". وقالوا: "إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله أي ونكون معكم على عداوته فقال أبو سفيان: مرحباً وأهلاً وأحب الناس إلينا من أعاننا على عداوة محمد"٢.

стр. 89

وهكذا نرى أن أصحاب السير قد أطبقوا على ذكر هذا السبب وعلى ذكر هذا الوفد إلا أن بعضهم يذكر اسماً لم يذكره الآخر وبعضهم قد يذكر الكنية ولا يذكر الاسم، وقد يحصل في ذلك لبس، وتفادياً لذلك اللبس جئت بأقوال أهل السير والمغازي ليتبين الأمر ويتضح المراد ويبدو من استعراض كلام الحلبي أنه ذكر رئيس زعماء الوفد وفرق بين زعيمهم وسيدهم وعظيمهم وفي دلائل النبوة للبيهقي طرف من هذا١. مما سبق يظهر بوضوح أن هذا الوفد قد تكون في خيبر فعلاً وكان اليهود هم المتزعمين لذلك الموقف المخزي، وهو موقف لا يستغرب منهم فتاريخهم مليء بالكيد والدسائس لغيرهم عموماً ولأهل الإسلام خصوصاً. إلا أن الغريب٢ وجود بني وائل في هذا الوفد، ولعل سبب تمالؤهم مع اليهود يرجع إلى أن اليهود لما جاءوا إلى خيبر، وكان بنو وائل يسكنونها قبلهم وجاء اليهود ومعهم الأموال وأخذوا في تنميتها وسيطروا بواسطة تلك الأموال على أولئك الضعفاء فأغروهم بذلك وأخرجوهم معهم ولعلهم ضغطوا عليهم بذلك.

стр. 90

المبحث الثالث: القبائل التي أغراها اليهود على قتال المسلمين إن القبائل التي قام اليهود بزيارتها وإغرائها على قتال المسلمين كانت من أشهر قبائل العرب وأقواها يتمثل ذلك في قريش وغطفان. أما غير هاتين القبيلتين فكان تابعاً لهما. لذلك قال ابن إسحاق: ولما فرغ رسول الله ﷺ من الخندق أقبلت قريش١ حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة بين الجرف والغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم٢ ومن تبعهم من

стр. 91

بني كنانة١، وأهل تهامة٢، وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمي إلى جانب أحد٣.. الخ. وقد أورد الطبري خبراً من طريق ابن إسحاق باللفظ نفسه ٤ إلا أنه مرسل ثم أورد خبراً آخر وفيه قال: حدثني محمد بن عمرو٥ قال حدثنا أبو عاصم٦ قال حدثنا عيسى٧

стр. 92

وحدثني الحارث١ قال حدثنا الحسن٢ قال حدثنا ورقاء٣ جميعاً٤ عن ابن أبي نجيح٥ عن مجاهد٦ في قوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال عيينة بن بدر في أهل نجد ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ قال أبو سفيان قال وواجهتهم قريظة٧

стр. 93

أما السيوطي فقال: "المراد بالأحزاب القبائل التي أغراها زعماء اليهود الذين خرجوا يؤلبونهم١ على القتال وهم: قريش وغطفان٢ وبنو سليم٣ وبنو أسد٤ وفزارة٥ وأشجع"٦

стр. 94

وبنو مرة١ حتى كان عدة من وافى الخندق من المشركين نحواً من عشرة آلاف٢. وفي الدر المنثور قال: "أخرج الفريابي٣، وابن أبي شيبة٤، وابن المنذر٥، وابن أبي حاتم٦ عن مجاهد به".

стр. 95

ثم قال وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة١ به وهو أتم من غيره. مما تقدم يظهر بوضوح: "أن القبائل التي شاركت قريشاً وغطفاناً - وهما القبيلتان العظيمتان المتزعمتان لهذه الحرب- الأحابيش٢ وكنانة وأهل تهامة وهذه شاركت قريشاً بحكم جوارها لها فنهضوا لنصرتها. وشارك مع غطفان بعض القبائل النجدية والتي هي في الحقيقة متفرعة عنها وتعتبر روافد لها.

стр. 96

إضافة إلى بني قريظة الناقضين العهد حيث أحاطت هذه الفرق بالمسلمين من كل جهة. وضاق المسلمون بهذا الحصار ذرعاً ووصفه الله بأبلغ وصف في قاله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ "١.

стр. 97

الفصل الثاني: دور المنافقين في هذه الغزوة ... الفصل الثاني بيان دور المنافقين في هذه الغزوة هذا الفصل هو تفسير لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ ١. والنفاق هو بالكسر فعل المنافق٢. وهو: إظهار الخير وإسرار الشر وهو أنواع: (أ) اعتقادي: وهو الذي يخلّد صاحبه في النار. (ب) عملي: وهو من أكبر الذنوب وهذا كما قال ابن جريج: المنافق يخالف قوله فعله وسره علانيته ومدخله مخرجه ومشهده مغيبه٣. هذا هو المنافق وهذا دوره دائماً وأبداً. ذلك لأن قلبه مريض ونفسه خبيثة ولأنه يدخل في الأمور على قاعدة غير صلبه ثم يتعجل الأمور فيخيب ظنه ويغضب ربه.

стр. 98

وسرعان ما يتهاوى كيانه فيصبح يضمر الشر لكل ما هو خبر ويظهر خلافه حتى يأمن مكر الناس وهو لا يعلم أن الله عالم به وبما يحيكه وما يضمره ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ ١، ﴿...وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ٢. هؤلاء هم المنافقون المتسترون بالإسلام. إلا أن الله كشفهم في بعض غزوات الرسول ﷺ كما في أحد وبني المصطلق والخندق وغيرها. حيث كان ينزل القرآن أولاً بأول فيفضحهم. وفي هذه الغزوة - الخندق - بالذات ظهر منهم النفاق حيث أظهر كثير منهم العداء مما زاد في تفاقم الأمر وخطورته. حكى لنا القرآن ذلك الخطر وتلك الشدة فقال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ ٣. أما بالنسبة لما فعلوه هذه المرة فقد روى الطبراني حيث قال:

стр. 99

حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل١ حدثني سعيد بن محمد الجرمي٢ حدثنا أبو تميلة٣ حدثنا نعيم بن سعيد العبدي٤ أن عكرمة حدث عن ابن عباس قال: "احتفر رسول الله ﷺ الخندق وأصحابه قد شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ قال: هل دللتم على رجل يطعمنا أكلة؟ قال رجل: نعم. قال إمالا٥ فتقدم فدلنا عليه. فانطلقوا إلى رجل فإذا هو في الخندق يعالج نصيبه منه فأرسلت

стр. 100

امرأته أن جيء فإن رسول الله ﷺ قد أتانا فجاء الرجل يسعى فقال بأبي وأمي وله معزة١. ومعها جديها فوثب إليها فقال النبي ﷺ : الجدي٢ من روائنا فذبح الجدي وعمدت امرأته إلى طحينة لها فعجنتها وخبزت وأدركت٣ وثردت فقربتها إلى رسول الله ﷺ وأصحابه فوضع النبي ﷺ أصبعه فيها فقال "بسم الله اللهم بارك فيها إطعموا". فأكلوا منها حتى صدروا٤ ولم يأكلوا إلا ثلثها وبقي ثلثاها فسرح أولئك العشرة الذين كانوا معه أن اذهبوا وسرحوا إلينا بعدتكم٥ وجاء أولئك العشرة٦ مكانهم فأكلوا منها حتى شبعوا ثم قام ودعا لربة البيت وسمت٧ عليها وعلى أهل بيتها ثم مشوا إلى الخندق.

стр. 101

فقال: "اذهبوا بنا إلى سلمان وإذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها" فقال النبي ﷺ لأصحابه: "دعوني فأكون أول من ضربها فقال: بسم الله فضربها فوقعت فلقة ثلثها فقال: الله أكبر قصور الروم ورب الكعبة ثم ضرب أخرى فوقعت فلقة قال: الله أكبر قصور فارس ورب الكعبة. فقال عندها المنافقون نحن بخندق وهو يعدنا قصور فارس والروم"١. قال الهيثمي٢: "ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أحمد ونعيم العنبري٣ وهما ثقتان". إلا أن ابن جرير قد أورد أثراً شاهداً عن الحسن البصري لهذا الحديث قال فيه: "حدثنا بشر حدثنا هوذه٤ بن خليفة قال حدثنا عوف٥ عن

стр. 102

الحسن١ في قوله تعالى: ﴿... وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ ٢. قال ظنونا مختلفة ظن المنافقون أن محمداً وأصحابه يستأصلون٣ وأيقن المؤمنون أن ما وعدهم الله حق وأنه سيظهره على الدين كله ولو كره المشركون٤. وأورد ابن كثير٥ هذا الخبر عن الحسن باللفظ نفسه. وهذا الأثر ينتهي إلى الحسن البصري فهو مقطوع". كذلك أورد ابن جرير أثراً آخر بسند آخر قال فيه: "حدثني يونس٦ قال أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد٧ قال: قال

стр. 103

"رجل يوم الأحزاب لرجل من صحابة النبي ﷺ يافلان أرأيت إذ يقول رسول الله ﷺ : إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله فأين هذا من هذا؟ وأحدنا لا يستطيع أن يخرج ليبول من الخوف" ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ . فقال: كذبت لأخبرن رسول الله ﷺ خبرك" قال: "فأتى رسول الله ﷺ فأخبره فدعاه فقال: ما قلت؟ " قال: "كذب علي يارسول الله ما قلت شيئاً ما خرج من فمي قط. قال الله ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ حتى بلغ ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ ١. قال: "فهذا قول الله ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ "٢. والأثر فيه انقطاع في أعلى الإسناد. وأخرج البيهقي في الدلائل عن ابن فليح٣ قال: "فلما أشتد البلاء على النبي ﷺ وأصحابه نافق ناس كثير وتكلموا بكلام قبيح. فلما رأى رسول الله ﷺ ما فيه الناس من البلاء والكرب جعل يبشرهم ويقول والذي نفسي بيده ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة وأني لارجو أن

стр. 104

أطوف البيت العتيق آمنا وان يدفع الله إلي مفاتيح الكعبة وليهلكن الله كسرى وقيصر ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله ". وقال رجل ممن معه لأصحابه: "ألا تعجبون من محمد يعدنا أن نطوف بالبيت العتيق وأن نقسم كنوز فارس والروم ونحن ها هنا لا يأمن أحدنا أن يذهب للغائط والله ما يعدنا إلا غروراً"١. أما السيوطي فقد قال: "وأخرج ابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم٢ والبيهقي في الدلائل من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده وساق الحديث بطوله"٣. إلا أن مداره على كثير بن عبد الله وهو ضعيف. وأخيراً قال ابن إسحاق في قوله تعالى: ﴿... وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ ٤. ظن المؤمنون كل ظن ونجم

стр. 105

النفاق حتى قال معتب بن قشير١ أخو بني عمرو بن عوف: "كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يقدر على أن يذهب إلى الغائط"٢. وهكذا نرى من خلال هذه الآثار أن للمنافقين دوراً خطيراً في هذه الغزوة بالذات ذلك لأنهم لا يظهرون إلا في أوقات الأزمات. أما عندما ينتصر المسلمون فلا يسمع لهم صوت. والقرآن الكريم فضحهم في أكثر من موطن ولكنا أردنا إيراد الآثار التي تبين أمرهم خاصة في هذه الغزوة الفاصلة٣.

стр. 106

الباب الثالث: موقف المسلمين من تحركات الأحزاب الفصل الأول: مشاورة الرسول ﷺ لأصحابه حول خطة الدفع "حفر الخندق ". ... الفصل الأول: مشاورة الرسول ﷺ لأصحابه حول حفر الخندق إن الشورى من الأمور التي أمر الله بها نبيه ﷺ وذلك لما يلي: (أ) لتأليف قلوب أصحابه. (ب) وليقتدي به من بعده. (جـ) وليستخرج منهم الرأي فيما لم ينزل فيه وحي من أمر الحرب والأمور الجزئية وغير ذلك١. وغالباً ما يفعل ذلك في الحروب تطييباً لقلوبهم وأخذاً بما يتضح أنه الأولى من آرائهم وتجاربهم. وتنشيطاً لهم فيما يفعلونه٢. لذلك قال تعالى مخالطباً رسوله ﷺ وممتناً عليه وعلى المؤمنين: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ ٣.

стр. 107

حدث ذلك أولاً في بدر كما هو معروف وشاورهم في أحد١. هل يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو. وشاورهم يوم الخندق أولاً: بالنسبة لخطة الدفاع وهي ما نحن بصدده. ثم شاورهم في مصالحة الأحزاب بثلث تمر المدينة عامئذ فأبى ذلك عليه رؤساء الأنصار وذلك بدليل الحديث الذي رواه البزار٢ حيث قال: "حدثنا عقبة بن سنان٣ ثنا عثمان الغطفاني٤ ثنا محمد بن عمرو٥

стр. 108

عن أبي سلمة١ عن أبي هريرة٢ قال: "جاء الحارث الغطفاني٣ إلى رسول الله ﷺ " فقال: "يا محمد ناصفنا تمر المدينة٤ وإلا ملأناها عليك٥ خيلاً ورجالاً" فقال: "حتى استأمر٦ السعود سعد بن عبادة٧ وسعد بن معاذ

стр. 109

يعني يشاورهما فقالا: "لا والله ما أعطينا الدنية١ من أنفسنا في الجاهلية فكيف وقد جاء الله بالإسلام فرجع إليه الحارث فأخبره" فقال: "غدرت يا محمد" قال: فقال حسان:" يا حار من يغدر بذمة جاره ... منكم فإن محمداً لا يغدرُ إن تغدوا فالغدر من عاداتكم ... واللؤم ينبت في أصول السخبرِ وأمانة النهدي حيث لقيتها ... مثل الزجاجة كسرها لا يجبرُ٢

стр. 110

قال: فقال الحارث: "كف عنا يامحمد لسان حسان فلو مزج به ماء البحر لمزجه". قال البزار: "لا نعلم رواه عن محمد بن عمرو هكذا إلا عثمان ولم نسمعه إلا من عقبة"١. والحديث بهذا السند يعتبر حسناً لذاته وقد ذكره ابن الأثير عند ترجمة سعد بن مسعود٢ الأنصاري وكذا ذكره الحافظ٣. أما الهيثمي٤ فقد قال: "رواه البزار والطبراني ولفظه: عن أبي هريرة
следующие страницы →