أثناء حفر الخندق من ذلك: تكثير طعام جابر ﵁"، لذلك روى البخاري ﵀ حيث قال: حدثني عمرو بن علي١ حدثنا أبوعاصم أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان٢ أخبرنا سعيد بن مينا ٣. قال: "سمعت جابر بن عبد الله ﵄ قال: "لما حفر الخندق رأيت بالنبي ﷺ خمصاً٤ شديداً فانكفأت٥ إلى امرأتي٦ فقلت لها هل عندك شيء؟ فإني رأيت برسول الله ﷺ خمصاً شديداً.
стр. 142
فأخرجتْ إلي جراباً١ فيه صاع من شعير ولنا بهيمة داجن٢ فذبحتها وطحنتِ الشعير ففرغتْ إلى فراغي وقطعتها في برمتها ثم وليت إلى رسول الله ﷺ فقالت: "لا تفضحني برسول الله ﷺ وبمن معه". فجئته فساررته فقلت: "يارسول الله ذبحنا بهيمة لنا وطحنا صاعاً من شعير كان عندنا فتعال أنت ونفر معك".
فصاح النبي ﷺ فقال: "يا أهل الخندق إن جابراً قد صنع سؤراً٣ فحي هلا بكم فقال ﷺ لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجئ فجئتُ وجاء رسول الله ﷺ يقدم الناس حتى جئتُ امرأتي فقالت بك وبك٤ فقلتُ قد فعلتُ الذي قلتِ فأخرجت له عجيناً فبصق فيه وبارك
стр. 143
ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك ثم قال أدعُ خابزة فلتخبز معي١. واقدحي٢من برمتكم ولا تنزلوها وهم ألف فاقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه. وانحرفوا وإن برمتنا لتغط كما هي وإن عجيننا ليخبزكما هو". الحديث٣.
الحديث رواه أيضا مسلم٤ عن سعيد بن مينا بنفس اللفظ والحاكم٥.
وعند البخاري من طريق أيمن المخزومي المتقدم وفي آخره (قال كلى هذا وأهدي فإن الناس أصابتهم مجاعة) ٦.
وقد أورده ابن تيمية٧ ضمن المعجزات٨.
стр. 144
وفي رواية يونس "كلي وأهدي فلم نزل نأكل ونهدي يومنا أجمع".
وفي رواية أبي الزبير عن جابر "فأكلنا نحن وأهدينا لجيراننا فلما خرج رسول الله ﷺ ذهب ذلك"١.
قال السيوطي٢: "وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي٣ في الدلائل عن جابر هذا الحديث".
ورواه أحمد عن سعيد بن مينا وفيه قال: "فبرك وسمى ثم أكل وتواردها الناس كلما فرغ قوم قاموا وجاء ناس حتى صدروا أهل الخندق عنها"٤. أ. هـ.
عدد من أكل من مائدة جابر ﵁:
الرواية التي في الصحيحين أنهم ألف (وهم ألف) ٥.
وفي رواية أبي نعيم في المستخرج: "فأخبرني أنهم كانوا تسعمائة أو ثمانمائة".
стр. 145
وفي رواية عبد الواحد بن أيمن عند الإسماعيلي (كانوا ثمانمائة أو ثلاثمائة) .
وفي رواية أبي الزبير (كانوا ثلاثمائة) . قال الحافظ١: "والحكم للزائد لمزيد علمه لأن القصة متحدة".
وفي سياق الحديث عن المعجزات قال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن مينا أنه حُدث أن ابنة لبشير بن سعد أخت النعمان بن بشير قالت دعتني أمي عمرة بنت رواحة فأعطتني حفنة٢ من تمر في ثوبي ثم قالت: "أي بنية اذهبي إلى أبيك وخالك عبد الله بن رواحة بغدائهما" قالت: "فأخذتها فانطلقت بها فمررت برسول الله ﷺ وأنا ألتمس أبي وخالي" فقال ﷺ تعالى: "يابنية ما هذا معك؟ " قالت فقلت: "يارسول الله هذا تمر بعثتني به أمي إلى أبي بشير بن سعد وخالي عبد الله بن رواحة يتغديانه" قال: "هاتيه" قالت: "فصببته في كفّي رسول الله ﷺ فما ملأتهما". ثم أمر بثوب فبسط له ثم دحا٣ بالتمر عليه، فتبدد فوق الثوب، ثم قال لإنسان عنده اصرخ في أهل الخندق أن هلمّ إلى الغداء، فاجتمع أهل
стр. 146
الخندق عليه، فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه وإنه ليسقط من أطراف الثوب١.أ. هـ.
قال ابن كثير٢: "هكذا رواه ابن إسحاق وفيه انقطاع".
لقد تنوعت المعجزات له ﷺ فبعضها حدث في أثناء حفر الخندق وكانت عاجلة وبعضها حدث كما قال ﷺ بعد أعوام طويلة من وفاته ﷺ ولا زلنا نرى الكثير مما قال ونشاهد أعلام نبوته تباعاً لذلك روى الإمام مسلم حديثاً في ذلك وفيه قال: حدثنا ابن المثنى وابن بشار واللفظ لابن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي مسلمة٣ قال: سمعت أبا نضرة٤ يحدث عن أبي سعيد الخدري٥ قال: "أخبرني من هو خير مني أن رسول الله ﷺ قال
стр. 147
لعمار١ حين جعل يحفر الخندق وجعل يمسح رأسه يقول: بؤس ابن سميه تقتلك فئة باغية" ٢ كما رواه الترمذي٣ والطيالسي٤.
ولقد تحقق ما قاله ﷺ حيث قتل عمار في صفين مع علي ﵁ ولما قتله أصحاب معاوية ﵁ قال عمرو بن العاص: والله لوددت أني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة٥.
стр. 148
الفصل الرابع: مكان الخندق وسرعة إنجاز المسلمين لحفره
...
الفصل الرابع: مكان الخندق وسرعة إنجازهم لحفره
لقد بدأ المسلمون في حفر الخندق في وقت عصيب - ذلك لأنهم يبادرون قدم العدو. وقد وكل ﷺ لكل أناس جزءاً من المكان المتفق على حفره وفي ذلك تنشيط لهم ودافع على المسابقة في إكمال ما يلزم كل طائفة علماً بأنه ﷺ قد وضع يده معهم ليدفعهم ويرغبهم أكثر في ذلك فقد روى الطبراني:
عن عمرو بن عوف المزني أن رسول ﷺ خط الخندق من أحمر السبختين١ طرف بني حارثة عام حزّب الأحزاب٢ حتى بلغ المذابح٣
стр. 149
فقطع لكل - عشرة أربعين ذراعاً واحتج١ المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي وكان رجلاً قوياً فقال المهاجرين: "سلمان منا وقالت الأنصار منا" فقال رسول ﷺ : "سلمان منا أهل البيت". الحديث٢.
قال الهيثمي٣: "رواه الطبراني وفيه كثير بن عبد الله المزني وقد ضعفه الجمهور وحسن الترمذي حديثه. وقد كذبه الشافعي. وتركه أحمد". وفي الميزان عن ابن حبان - له عن جده نسخة موضوعة - وقال الشافعي وأبو داود: "هو ركن من أركان الكذب"٤.
وقد أورده ابن جرير الطبري٥ مطولاً ومداره على كثير هذا.
وعلى ذلك فهو ضعيف لضعف كثير إلا أنه يتقوى بما سيأتي من المتابعات والشواهد، مما يدل على أن له أصلاً.
وقد حصل اختلاف بين روايات هذا الحديث مع أن مدارها على واحد. فقد نقل الحافظ حيث قال:
стр. 150
وأخرجه البيهقي مطولاً من طريق كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده وساق الحديث إلى أن قال:
وخط رسول الله ﷺ الخندق لكل عشرة أناس عشرة أذرع -وفيه- فمرت بنا صخرة بيضاء كسرت معاويلنا فأردنا أن نعدل عنها فقلنا: حتى نشاور رسول الله ﷺ فأرسلنا إليه سلمان - وفيه- فضرب ضربة صدع الصخرة وبرق منها برقة وكبر المسلمون - وفيه - رأيناك تكبر فكبرنا بتكبيرك فقال: إن البرقة الأولى اضاءت لها قصور الشام فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليهم - وفي آخره- ففرح المسلمون واستبشروا١.
وهذه الرواية سبق في الفتح أنها للطبراني وفيها أن كل أربعين ذراع لعشرة من الناس٢ كذلك أورد ابن كثير هذه الرواية بلفظ "بين كل عشرة أربعين ذراعاً"٣.
وفي الدلائل للبيهقي: فلما وكل رسول الله ﷺ بكل جانب من الخندق قال المهاجرون يا سلمان احفر معنا. الحديث٤. وليس فيه تحديد الناس والأذرع.
стр. 151
ورواه ابن جرير: عن ابن بشار عن محمد بن خالد بن عثمة عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده فذكره - وفيه- أن رسول الله ﷺ خط الخندق بين كل عشرة أربعين ذراعاً. قال واحتق١ المهاجرون والأنصار في سلمان فقال رسول الله ﷺ : "سلمان منا أهل البيت" قال عمرو بن عوف فكنت أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن وستة من الأنصار في أربعين ذراعاً. الحديث٢.
ولقد حفروا ﵃ بجد ونشاط وكانت المسافة طويلة وشاقة حيث كان الحفر من طرف بني حارثة - وبنو حارثة- في طرف الحرة الشرقية - إلى المذاد- من طرف بني سلمة بعد جبل بني عبيد من بني سلمة٣.
وكان هذا مع ما كان بهم من الجوع وبدائية الأدوات التي كانوا يستخدمونها إلا أن اعتمادهم على الله ثم على قوة إيمانهم به وبرسوله
стр. 152
وبمشروعية الدفاع عن الإسلام وعن النفس كل ذلك جعلهم ينجزون ما بدأوا فيه بسرعة فائقة إذا قيس بأعمال الآلات الحديثة اليوم.
أما بالنسبة لتحديد المكان المحفور على ضوء الأدلة فقد قال صاحب المواهب١ اللدنية: روى الطبراني بسند لا بأس به عن عمرو بن عوف المزني أنه ﷺ خط الخندق من أحمر الشيخين... وهما أطمان طرف بني حارثة حتى بلغ المذاد٢.
ولقد عمل ﷺ بيده الشريفة مع المسلمين ليقوي نشاطهم وتزداد رغبتهم كما أنه ﷺ كان يبادلهم الأهازيج. لأن الشعر والتمثل به مما يزيد في النشاط. وبذلك جرت عادتهم في الحرب وأكثر ما يستعملون في ذلك الرجز٣ لذلك روى البخاري ﵀ حيث قال:
стр. 153
حدثنا عبد الله بن محمد١ حدثنا معاوية بن عمرو٢ حدثنا أبو إسحاق٣ عن حميد٤ سمعت أنساً ﵁ يقول: "خرج رسول الله ﷺ إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال:
اللهم إن العيش عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة.
فقالوا مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمداً ... على الجهاد ما بقينا أبداً٥
ورواه مسلم من طريق محمد بن حاتم السمين بنفس اللفظ إلا أن فيه تقديماً وتأخيراً٦. قال الحافظ قوله: "فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك" أي أنهم عملوا فيه بأنفسهم لاحتياجهم إلى ذلك لا لمجرد الرغبة في الأجر٧
стр. 154
أقول: "إنه قد يفهم من كلام الحافظ أن الحاجة وحدها هي التي دفعتهم للعمل ولكنه واضح أن الرغبة في الأجر هي السمة الغالبة في ذلك وأن الحاجة مضافة إلى ذلك خصوصاً أولئك الذين مدحهم الله في أكثر من آية بأنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ١ الآية.
أما قوله ﷺ : "اللهم إن العيش عيش الآخرة" فقد بين الحافظ سبب هذا القول وهو لما رأى ما بهم من النصب والجوع قال ذلك.
قال: "وعند الحارث بن أبي أسامة من مرسل طاوس زيادة في هذا الرجز:
والعن عضلاً والقارة ... هم كلفونا ننقل الحجارة
ثم قال: "والشطر الأول غير موزون ولعله" كان: "والعن الهي عضلاً والقارة".
وفي الطريق الثانية لأنس أنه قال ذلك جواباً لقولهم: "نحن الذين بايعوا محمداً" قال: "ولا أثر للتقديم والتأخير فيه لأنه يحمل على أنه كان يقول" إذا قالوا ويقولون إذا قال.
стр. 155
قال: "وفيه أن إنشاد الشعر سبب للتنشيط في العمل وبذلك جرت عادتهم في الحرب وأكثر ما يستعملون في ذلك الرجز".
وقال في قوله: "على الجهاد ما بقينا أبداً" في رواية عبد العزيز على الإسلام بدل - الجهاد - والأول اثبت١. وهذا الحديث ورد في عدة مواضع في صحيح البخاري٢.
أقول: "إن المسلم عليه أن يتأسى برسوله ﷺ فحينما يرى البذخ الذي فيه بعض الناس والفقر الذي فيه آخرون - يقول - اللهم إن العيش عيش الآخرة. لأنها كلمة ترتفع بالنفس عن الدنيا الفانية وإغراءاتها المذلة".
وقد جاء عند البخاري من طريق ثانية عن أنس وفيها قال البخاري ﵀: حدثنا أبو معمر٣ حدثنا عبد الوارث٤ عن
стр. 156
عبد العزيز١ عن أنس رضي الله عنه٢ قال: "جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة وينقلون التراب على متونهم٣ وهم يقولون:
نحن الذين بايعوا محمداً ... على الإسلام ما بقينا أبداً
قال: "يقول النبي ﷺ وهو يجيبهم:
اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة ... فبارك في الأنصار والمهاجرة.
قال: "يؤتون بملئ كفِّى من الشعير فيصنع لهم بإهالة٤ سنخة٥ توضع بين يدي القوم والقوم جياع وهي بشعة٦ في الحلق ولها ريح منتن"٧... الحديث.
стр. 157
هكذا كان ﷺ وأصحابه في صراع دائم مع الدنيا وإغراءاتها ولم تجد إليهم سبيلاً بل كانوا على يقين تام بأن الآخرة أحسن وأولى ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى﴾ ١. وكانوا يعملون هذه الأعمال المجيدة الشاقة دفاعاً عن هذا الدين الحنيف وهم في حالة صعبة حيث الجوع والبرد القارس ومع ذلك كانت عزائمهم صلبة تكسر الصخور.
ومن أيقن مثلهم بخراب الدنيا وذهابها عمل لعمارة الآخرة ونسي الآلام كلها وتخطى كل العقبات.
وقد روى البخاري حديثاً آخر بمعنى مقارب لما سبق قال فيه:
حدثنا قتيبة٢ حدثنا عبد العزيز٣ عن أبي حازم٤ عن
стр. 158
سهل بن سعد١ ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في الخندق وهم يحفرون ونحن ننقل التراب٢ على أكتادنا٣ فقال رسول الله ﷺ "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للمهاجرين والأنصار" الحديث٤.
كما رواه مسلم٥ والترمذي٦ والطبراني٧:
أما الأماكن الواردة في الخندق فقد اختلف فيها كثيراً وقد يذكر البعض ما لا يذكره الآخر كما أنه يحدث في بعض الأحيان تصحيف لبعضها وخاصة المتشابهة في الحروف وسأذكر ما وجدته في كتب المؤرخين وبعد ذلك نستطيع المقارنة والحكم.
стр. 159
قال الفيروز أبادي١: "فحفر ﷺ طولاً من أعلى وادي بطحان٢ غربي الوادي مع الحرة إلى غربي المصلى يوم العيد ثم إلى مسجد الفتح ثم إلى الجبلين الصغيرين غربي الوادي وجعل المسلمون ظهورهم إلى جبل سلع وضرب قبته على موضع مسجد الفتح اليوم٣ والخندق بينهم وبين المشركين". أ. هـ.
وقد مر في الحديث الذي رواه كثير بن عبد الله المزني وفيه أن رسول الله ﷺ خط الخندق من أحمر (السبختين) وقد ظهر في الكلمة
стр. 160
بين قوسين تصحيف وأنها أجم الشيخين كما في الطبري١ والبيهقي٢ وعلى ذلك (فاجم الشيخين) الأجم: بضمتين: الحصن٣ والشيخان تثنية شيخ وهو موضع بالمدينة كان فيه معسكر رسول الله ﷺ ليلة خرج لقتال المشركين بأحد. وقيل: هما اطمان سميا به لأن شيخاً وشيخة كانا يتحدثان هناك٤.
وقال العياشي: "جاء فيما ساقه السمهودي عن الطبراني ما سماهما فيه باجم الشيخين والبيهقي في دلائل النبوة سماهما - الاجم السمر٥ - وكل هذا ينطبق على الشيخين الاطمين المذكورين"٦.
ومن هنا بدأ مكان حفر الخندق وقد ورد في حديث - كثير - المتقدم خط الخندق من أحمر السبختين طرف بني حارثة وعليه فقد ذكر السمهودي - ضمن المساجد- مسجد بني حارثة وقد ذكر العياشي٧ أن هذا المسجد يقع في طريق المستراح من الغرب أ. هـ.
стр. 161
أقول: "والمستراح موضع معروف اليوم على يسار الذاهب إلى شهداء أحد ويبعد عن المسجد النبوي بحوالي ثلاثة كيلو مترات. وهذا يعني أن مكان الخندق بشكل عام كما يذكره المؤرخون من حرة واقم إلى حرة الوبرة وهما تسميان اليوم (بالشرقية والغربية) ".
لذلك قال العياشي١: "من هنا بدأ خط الخندق - وذلك حينما ذكر الاجم السمر- أو الشيخين - طرف بني حارثة التي عند القلعة التي تتوسط طريق الشهداء حتى تنتهي إلى المذاد من طرف بني سلمة أ. هـ. أما (المذاد) فقد حصل فيها اختلاف أيضا فقد ورد عند الهيثمي٢ (المداحج) بالدال المهملة وعند الطبري٣ وياقوت٤ أنها المذاد وقال ياقوت: هو بالفتح وأخره دال مهملة وهو اسم المكان من ذاده يذوده إذا طرده" قال ابن الأعرابي: "المذاد والمزاد بالزاي المعجمة - المرتفع موضع بالمدينة حيث حفر النبي ﷺ الخندق. وقيل: هو واد بين سلع وخندق المدينة. قال كعب بن مالك:
стр. 162
من سره ضرب يرعبل بعضه ... بعضاً كمعمعة الإباء المحرق
فليات مأسدة تسل سيوفها ... بين المذاد وبين جزع الخندق أ. هـ. ١
وعليه فالمذاد ورد ذكره في هذا البيت كما ترى مما يدل على شهرته عندهم أما المداحج فلم أقف لها على ذكر في المصادر التي رجعت إليها ولعل فيها تصحيفاً.
وهناك موضعان ورد ذكرهما في الخندق وهما - الندى، الصرى٢- ولم أجد لهما ذكراً في معالم المدينة إلا أن هناك ذكراً لما يشابه الصرى حيث قال ياقوت: صرار، بكسر أوله وآخره مثل ثانيه وهي الأماكن المرتفعة التي لا يعلوها الماء يقال لها صرار، وصرار: اسم جبل وقيل موضع على ثلاثة أميال من المدينة على طريق العراق قاله الخطابي. أهـ٣.
أما بالنسبة للندى، ومع إني لم أجد لها ذكراً في المواقع إلا أني وجدت في دلائل النبوة للبيهقي ما قد يوضح هذا الالتباس، وإن لم
стр. 163
يوضحه فهو لا يخلو من فائدة، وعليه فقد روى اليبهقي من طريق كثير ابن عبد الله المزني حديثاً، وفيه قال عمرو بن عوف: فكنت أنا وسلمان وحذيفة بن اليمان والنعمان بن مقرن وستة من الأنصار في أربعين ذراعاً فحفرنا حتى بلغنا الثّديّ١ أخرج الله من بطن الخندق صخرة بيضاء مدّورة٢. الحديث.
وعلى ذلك فهذه الكلمة - الثدى- محتملة لما يأتي:
١- أنهم حفروا إلى ما يبلغ الثدى وفي هذا دلالة على عمق الخندق.
٢- ويحتمل أنها الثرى -بالثاء المعجمة والراء المهملة- ويكون فيها تصحيف.
والثرى بمعنى الندى٣، وتكون الندى لا تصحيف فيها. وهذا يدل على أنه ليس هناك مكان معروف يسمى الندى، وإنما الندى هو الجود وهو المطر والبلل٤، ويطلق على قطرات الماء التي تصبح على أوراق الأشجار. ولذلك قال الطبري والصرى هو الماء٥.
стр. 164
عقب ذلك قال السفاريني١:
وكان الخندق بسطة ونحوها وكان سلع الجبل خلف ظهورهم، والخندق من المذاد٢ إلى ذباب٣ إلى راتج٤.
وكان قد عمل فيه ﷺ ، وأصحابه ﵃ مستعجلين. ثم قال في الهامش تعليقاً على هذه الأماكن:
المزاد: هو أطم لبني حرام غربي مساجد الفتح، وذباب: كغراب اسم جبل بالمدينة، وراتج: اسم أطم أيضاً. أهـ٥.
قال ابن سعد: "ولما أمر رسول الله ﷺ بحفر الخندق، وكل بكل جانب منه قوماً
стр. 165
وكان المهاجرون من ناحية راتج إلى ذباب وكانت الأنصار من ذباب إلى جبل بني عبيد وكان سائر المدينة مشبكاً بالبنيان، فهي كالحصن وخندقت بنو عبد الأشهل عليها مما يلي راتج إلى خلفها حتى جاء الخندق من وراء المسجد، وخندقت بنو دينار من عند جربا إلى موضع دار ابن أبي الجنوب اليوم"١.
ويستنتج من هذا وذاك أن أقصى نقطة من الشرق بالنسبة للخندق هي راتج، وآخر نقطة من الغرب جبل بني عبيد، وفيما بينهما جرى الحفر.
أما المدة التي استغرقوها في أثناء الحفر ففيها أقوال:
١- قول ابن سعد "وفرغوا من حفره في ستة أيام، ورفع المسلمون النساء والصبيان في الآطام"٢.
٢ - وقول القسطلاني: "وقد وقع عند موسى بن عقبة أنهم أقاموا في عمل الخندق قريباً من
стр. 166
عشرين ليلة، وعند الواقدي أربعاً وعشرين ليلة. وعند النووي في الروضة خمسة عشر يوماً. وعند ابن القيم في الهدي النبوي شهراً". أهـ١.
٣ - وقول السمهودي: "وما تقدم من فراغ الخندق في ستة أيام هو المعروف لكن قال الحافظ ابن حجر إن في مغازي ابن عقبة: أنهم أقاموا في عمله قريباً من عشرين ليلة ثم ساق الكلام كما ساقه القسطلاني ثم عقب قائلاً: "والذي في الهدي - وأقام المشركون شهراً- أي يحاصرون. وكذا ما قاله في الروضة إنما هو في الحصار وكذا ابن عقبة إنما ذكر ذلك في الحصار" ثم قال: "لكن نقل ابن سيد الناس عن ابن سعد أن المدة في عمل الخندق ستة أيام ثم قال وغيره يقول بضع عشرة ليلة، وقيل أربعاً وعشرين"٢.
قال القسطلاني: "ولست بواثق من هذا التعقيب فإن الحافظ نقل أولاً عن ابن عقبة أن مدة الحصار عشرون يوماً ثم بعد قليل ذكر هذا الخلاف في مدة الحفر وتوهيم مثله لا ينبغي"٣.
стр. 167
٤- قول المقريزي: "إنهم فرغوا من حفره في ستة أيام"١.
٥- قول ابن الجوزي: "إن مدة الحصار كانت بضع عشرة ليلة، وقيل أربعاً وعشرين ليلة ثم قال: وفرغوا من حفره في ستة أيام"٢.
ومن المعاصرين:
٦- محمد محمد أبو شهبة: "أثبت أنهم أتموا حفر الخندق في خلال ستة أيام"٣.
٧- أما عماد الدين خليل فقال: "وكان لتقسيم العمل وإسهام الرسول ﷺ فيه إلى جانب أصحابه، والإيمان العميق الذي كان يدفع المسلمين إلى بذل كل طاقاتهم لإنجاز الخطة الدفاعية وشعورهم بعظم الخطر المحدق إن هوجمت المدينة قبل أن ينجز حفر الخندق. فضلاً عن تأميل الرسول ﷺ جنده بالنصر القريب في الأرض والأجر العريض في السماء.
стр. 168
وكان لهذه الأمور جميعاً الأثر الحاسم في تمكين المسلمين من حفر الخندق الذي يمتد "اثنا عشر ألف ذراع"١. في ستة أيام قبل أن يدهمهم الأعداء.
стр. 169
الباب الرابع: وصول الأحزاب إلى مشارف المدينة
الفصل الأول: بيان عدد الجيش
المبحث الأول: عدد جيش المشركين، وبيان قواده
...
المبحث الأول: عدد جيش المشركين، وبيان قواده
بعد أن اجتمع الوفد اليهودي بقيادة زعيمهم الحاقد حيي بن أخطب بقواد قريش وزعمائها، وبعد أن رجعوا فرحين بما جاء به ذلك الوفد المشؤوم الذي كشف الله أمره، ولعنه حيث قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً﴾ ١ الآية.
بعد ذلك كله اجتمع زعماء قريش في دار الندوة٢ للمشاورة وخرجوا بقرار نهائي هو الموافقة على ما أراده اليهود منهم وقد صادف
стр. 170
هوى في نفوسهم ألا وهو استئصال الإسلام والقضاء على حامليه كما كانوا يعتقدون ذلك؛ لأن نظرتهم كانت تغتر بالعدد الكبير الذي حشدوه إلى أرض المعركة، ونسوا أن النصر من عند الله، وأنه هو الذي نصر المؤمنين مع قلتهم في بدرٍ وغيرها. تجاهلوا ذلك كله وكان يراودهم أمل متعلق بالكثرة الكاثرة التي ذهب اليهود من أجلها إلى غطفان وبقية القبائل المعادية للإسلام في ذلك الوقت.
ولكنهم كما قال الله تعالى: ﴿... وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ١.
وهم مع ذلك لا يعلمون أن الله قال: ﴿...كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ...﴾ ٢ الآية.
قال ابن إسحاق: "ولما فرغ رسول الله ﷺ من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع
стр. 171
الأسيال من رومة١ بين الجرف وزغابة٢ في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة، وأهل تهامة وأقبلت غطفان، ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمي٣ إلى جانب أحد"٤، أهـ.
стр. 172
أما ابن سعد فقد قال في سياق حديثه عن الخندق: أخبرنا أبو الوليد الطيالسي١ أخبرنا أبو عوانة٢ عن أبي بشر٣ عن سعيد بن جبير قال كان يوم الخندق بالمدينة قال فجاء أبو سفيان بن حرب ومن معه من قريش ومن تبعه من كنانة ... وعيينة بن حصن ومن تبعه من غطفان. وطليحة ومن تبعه من بني أسد وأبو الأعور السلمي ومن تبعه من بني سليم٤
والأثر موقوف على سعيد بن جبير: "ورجال السند ثقات".
وقد ذكر ابن سعد أن زعماء قريش دخلوا دار الندوة وعقدوا اللواء
стр. 173
فيها وحمله عثمان١ بن طلحة بن أبي طلحة، وذلك بعد أن ساق سنده الطويل، وفيه قال: قالوا٢: "لما أجلى رسول الله ﷺ بني النضير ساروا إلى خيبر فخرج نفر من أشرافهم ووجوههم إلى مكة فألبوا قريشاً ودعوهم إلى الخروج إلى رسول الله ﷺ ، وعاهدوهم على قتاله ووعدوهم لذلك موعداً ثم خرجوا من عندهم حتى أتوا غطفان وسليماً ففارقوهم على مثل ما اتفقوا عليه مع قريش". قال ابن سعد: "عندئذ تجهزت قريش وجمعوا أحابيشهم ومن تبعهم من العرب فكانوا أربعة آلاف وعقدوا اللواء في دار الندوة، وحمله عثمان بن طلحة ابن أبي طلحة، وقادوا معهم ثلاثمائة فرس وكان معم ألف وخمسمائة بعير قال: "وخرجوا يقودهم أبو سفيان بن حرب بن أمية"٣، ووافقهم بنو سليم
стр. 174
بمر الظهران وهم سبعمائة يقودهم سفيان بن عبد شمس" أهـ. كلام ابن سعد١.
وقد ذكر ذلك ابن إسحاق٢، إلا أنه لم يذكر عدد جيش قريش ولكنه ذكر العدد الإجمالي لجيش الأحزاب وتابعه على ذلك ابن كثير٣.
أما الطبري فقد ساق حديثاً من طريق ابن إسحاق قال: "ثنى يزيد بن رومان في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا...﴾ ٤ الآية. والجنود قريش وغطفان وبنو قريظة ... الخ"٥.
ثم ساق حديثاً آخر طويلاً من طريق ابن إسحاق عن يزيد بن رومان عن عروة وعن محمد بن كعب القرظي وعن عاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم٦ وفيه:
стр. 175
"فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري في بني مرة ومسعود بن رخيلة١ الأشجعي فيمن تابعه من قومه من أشجع. فلما سمع بهم النبي ﷺ ، وبما اجتمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة فلما فرغ رسول الله ﷺ من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة بين الجرف والغابة٢، في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تابعهم من بني كنانة وأهل تهامة وأقبلت غطفان ومن تابعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمي إلى جانب أحد"٣.
стр. 176
قال ابن القيم: "خرجت قريش وقائدهم أبو سفيان في أربعة آلاف ووافاهم بنو سليم بمر الظهران وخرجت بنو أسد وفزارة وأشجع وبنو مرة وجاءت غطفان وقائدهم عيينة بن حصن وكان من وافى الخندق من الكفار عشرة آلاف"١.
أما الطبري فقد قال: "فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري على بني فزارة والحارث بن عوف المري على بني مرة ومسعود بن رخيلة بن نويرة بن طريف بن سحمة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان فيمن تابعه من أشجع ... الخ"٢. وقد تابعه في هذا ابن حزم٣، وابن الأثير ٤، والقرطبي٥.
стр. 177
عقب ذلك قال السيوطي: "وأخرج ابن إسحاق وابن مردويه عن ابن عباس قال أنزل الله في شأن الخندق وذكر نعمه عليهم وكفايته إياهم عدوهم بعد سوء الظن ومقالة من تكلم من أهل النفاق ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ ١ الآية. وكانت الجنود التي أتت المسلمين أسداً وغطفان وسليماً ... الخ"٢.
كما ذكر ابن الجوزي٣: "أن عدد قريش كان أربعة آلاف رجل قادوا معهم ثلاثمائة فرس ومائة وخمسين بعيراً، وبنو سليم كانوا سبعمائة، وفزارة كانوا ألف رجل، وأشجع كانوا أربعمائة رجل، وبنو مرة كانوا أربعمائة"٤ ... وبه قال المقريزي٥. أخيراً قال الحافظ ابن حجر، ذكر موسى بن عقبة في المغازي قال:
стр. 178
"خرج حيي بن أخطب بعد قتل بني النضير١ إلى مكة يحرض٢ قريشاً على حرب رسول الله ﷺ ، وخرج كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق يسعى في غطفان، ويحضهم على قتال رسول الله ﷺ على أن لهم نصف تمر خيبر فأجابه عيينة بن حصن الفزاري إلى ذلك وكتبوا إلى حلفائهم من بني أسد فأقبل إليهم طليحة بن خويلد فيمن أطاعه، وخرج أبو سفيان بن حرب بقريش فنزلوا بمر الظهران فجاء من أجابهم من بني سليم مدداً لهم فصاروا في جمع عظيم فهم الذين سماهم الله - الأحزاب - وذكر ابن إسحاق بأسانيده أن عدتهم عشرة آلاف٣.
نبذة عن القواد الخمسة المشاركين في هذه الغزوة ومتى كان إسلامهم:
стр. 179
١- أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية:
أسلم يوم الفتح وشارك مع الرسول ﷺ في غزوة حنين والطائف بعد أن شارك في قتاله ﷺ كثيراً. وقد ولد قبل الفيل بعشر سنين، وقد أعطاه الرسول ﷺ من غنائم حنين مائة بعير وأربعين أوقية كما أعطى المؤلفة قلوبهم، وأعطى ابنيه يزيد ومعاوية فقال له أبو سفيان: "والله إنك لكريم فداك أبي وأمي، والله لقد حاربتك فلنعم المحارب كنت، ولقد سالمتك فنعم المسالم أنت جزاك الله خيراً"، تولى على نجران في عهد رسول الله ﷺ ثم رجع إلى مكة بعد موت النبي ﷺ وسكنها مدة ثم عاد إلى المدينة فمات بها سنة إحدى وثلاثين، وقيل اثنتين وثلاثين، وقيل أربع وثلاثين، وقيل كان عمره ثمان وثمانين، وقيل ثلاثاً وتسعين سنة١.
٢- أما عيينة بن حصن، كنيته أبو مالك
فكان من الجفاة الغلاظ وكان اسمه حذيفة، وسمي عيينة لشتر كان بعينه، أسلم ثم ارتد، وآمن بطليحة حين تنبأ، وأخذه خالد بن الوليد أسيراً فأتي به أبا بكر ﵁، فمن عليه وروي أنه دخل المدينة مجموعة يداه إلى عنقه جعل الغلمان يطعنونه بأيديهم في بطنه وخاصرته،
стр. 180
ويقولون أي عدو الله ارتددت عن الإسلام فيقول، والله ما كنت آمنت قط١، ولم يزل مظهراً الإسلام على جفوته حتى مات وهو عم الحر بن قيس، وكان الحر رجلاً صالحاً من أهل القرآن، وكان عيينة أيضاً من المؤلفة قلوبهم، وهو الذي قال فيه ﷺ الأحمق المطاع لأنه كان في الجاهلية من الجرارين٢ يقود عشرة آلاف قناة٣.
٣- الحارث بن عوف المري:
وقد أسلم، ولم يذكر متى كان ذلك، وإنما قالوا٤ قدم على رسول الله ﷺ ، فأسلم وبعث معه رجلاً من الأنصار إلى قومه ليسلموا فقتلوا الأنصاري، ولم يستطع الحارث أن يمنع عنه وهو صاحب الحمالة في