قال ابن القيم: "خرجت قريش وقائدهم أبو سفيان في أربعة آلاف ووافاهم بنو سليم بمر الظهران وخرجت بنو أسد وفزارة وأشجع وبنو مرة وجاءت غطفان وقائدهم عيينة بن حصن وكان من وافى الخندق من الكفار عشرة آلاف"١.
أما الطبري فقد قال: "فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري على بني فزارة والحارث بن عوف المري على بني مرة ومسعود بن رخيلة بن نويرة بن طريف بن سحمة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان فيمن تابعه من أشجع ... الخ"٢. وقد تابعه في هذا ابن حزم٣، وابن الأثير ٤، والقرطبي٥.
стр. 177
عقب ذلك قال السيوطي: "وأخرج ابن إسحاق وابن مردويه عن ابن عباس قال أنزل الله في شأن الخندق وذكر نعمه عليهم وكفايته إياهم عدوهم بعد سوء الظن ومقالة من تكلم من أهل النفاق ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ ١ الآية. وكانت الجنود التي أتت المسلمين أسداً وغطفان وسليماً ... الخ"٢.
كما ذكر ابن الجوزي٣: "أن عدد قريش كان أربعة آلاف رجل قادوا معهم ثلاثمائة فرس ومائة وخمسين بعيراً، وبنو سليم كانوا سبعمائة، وفزارة كانوا ألف رجل، وأشجع كانوا أربعمائة رجل، وبنو مرة كانوا أربعمائة"٤ ... وبه قال المقريزي٥. أخيراً قال الحافظ ابن حجر، ذكر موسى بن عقبة في المغازي قال:
стр. 178
"خرج حيي بن أخطب بعد قتل بني النضير١ إلى مكة يحرض٢ قريشاً على حرب رسول الله ﷺ ، وخرج كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق يسعى في غطفان، ويحضهم على قتال رسول الله ﷺ على أن لهم نصف تمر خيبر فأجابه عيينة بن حصن الفزاري إلى ذلك وكتبوا إلى حلفائهم من بني أسد فأقبل إليهم طليحة بن خويلد فيمن أطاعه، وخرج أبو سفيان بن حرب بقريش فنزلوا بمر الظهران فجاء من أجابهم من بني سليم مدداً لهم فصاروا في جمع عظيم فهم الذين سماهم الله - الأحزاب - وذكر ابن إسحاق بأسانيده أن عدتهم عشرة آلاف٣.
نبذة عن القواد الخمسة المشاركين في هذه الغزوة ومتى كان إسلامهم:
стр. 179
١- أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية:
أسلم يوم الفتح وشارك مع الرسول ﷺ في غزوة حنين والطائف بعد أن شارك في قتاله ﷺ كثيراً. وقد ولد قبل الفيل بعشر سنين، وقد أعطاه الرسول ﷺ من غنائم حنين مائة بعير وأربعين أوقية كما أعطى المؤلفة قلوبهم، وأعطى ابنيه يزيد ومعاوية فقال له أبو سفيان: "والله إنك لكريم فداك أبي وأمي، والله لقد حاربتك فلنعم المحارب كنت، ولقد سالمتك فنعم المسالم أنت جزاك الله خيراً"، تولى على نجران في عهد رسول الله ﷺ ثم رجع إلى مكة بعد موت النبي ﷺ وسكنها مدة ثم عاد إلى المدينة فمات بها سنة إحدى وثلاثين، وقيل اثنتين وثلاثين، وقيل أربع وثلاثين، وقيل كان عمره ثمان وثمانين، وقيل ثلاثاً وتسعين سنة١.
٢- أما عيينة بن حصن، كنيته أبو مالك
فكان من الجفاة الغلاظ وكان اسمه حذيفة، وسمي عيينة لشتر كان بعينه، أسلم ثم ارتد، وآمن بطليحة حين تنبأ، وأخذه خالد بن الوليد أسيراً فأتي به أبا بكر ﵁، فمن عليه وروي أنه دخل المدينة مجموعة يداه إلى عنقه جعل الغلمان يطعنونه بأيديهم في بطنه وخاصرته،
стр. 180
ويقولون أي عدو الله ارتددت عن الإسلام فيقول، والله ما كنت آمنت قط١، ولم يزل مظهراً الإسلام على جفوته حتى مات وهو عم الحر بن قيس، وكان الحر رجلاً صالحاً من أهل القرآن، وكان عيينة أيضاً من المؤلفة قلوبهم، وهو الذي قال فيه ﷺ الأحمق المطاع لأنه كان في الجاهلية من الجرارين٢ يقود عشرة آلاف قناة٣.
٣- الحارث بن عوف المري:
وقد أسلم، ولم يذكر متى كان ذلك، وإنما قالوا٤ قدم على رسول الله ﷺ ، فأسلم وبعث معه رجلاً من الأنصار إلى قومه ليسلموا فقتلوا الأنصاري، ولم يستطع الحارث أن يمنع عنه وهو صاحب الحمالة في
стр. 181
حرب داحس والغبراء١، وأحد رؤوس الأحزاب يوم الخندق، وقد استعمله النبي ﷺ على قومه بني مرة. انتهى.
قال ابن سعد: "وقد روى الزهري أن الحارث رجع ببني مرة فلم يشهد الخندق منهم أحد قال والأول أثبت أي أنهم - شهدوا الخندق مع الحارث بن عوف"٢-. وعلى كلٍ فقد كان الحارث أحسن قواد الكفار، وأرجحهم عقلاً، وأقلهم حقداً على رسول الله ﷺ ، وأسلم وحسن إسلامه، وعد من الصحابة الكرام.
٤- أبو الأعور السلمي:
هو سفيان بن عمرو، وهو مشهور بكنيته، ولا يعلم متى أسلم كذا قال الحلبي٣: "ولكنه شارك في القتال مع معاوية ﵁ ضد علي ﵁ يوم صفين٤. وأنه كان على مقدمة جيش معاوية ذلك اليوم" أ: هـ.
стр. 182
٥- مسعود بن رخيلة:
هو مسعود بن رخلية بن نويرة بن طريف بن سحمة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع الأشجعي كان قائد أشجع يوم الأحزاب مع المشركين، أسلم فحسن إسلامه، ذكر ذلك أبو جعفر الطبري١.
٦- طليحة الأسدي:
طليحة هذا كان أحد القواد لجيش الأحزاب حيث كان على رأس قومه بني أسد الذين جاءوا مساعدين لغطفان كما قيل.
وعلى كلٍ فقد تنبأ طليحة بعد وفاة النبي ﷺ ، وأرسل إليه أبو بكر ﵁ خالداً ﵁، وقد انضم إلى طليحة كثير من القبائل منهم عيينة بن حصن في سبعمائة من قومه بني فزارة ثم انهزم الناس عن طليحة فلما جاء المسلمون ركب على فرس قد أعدها له وأركب زوجته النوار على بعير له ثم انهزم بها إلى الشام وتفرق جمعه٢.
وقد قال ابن كثير: "إن طليحة ارتد في عهد النبي ﷺ ، وقد عاد إلى الإسلام، وحسن إسلامه وشهد القتال مع خالد في بقية أيامه.
стр. 183
وقد سأل خالد ﵁ بعض أصحاب طليحة ممن أسلموا عن الوحي الذي أخبرهم به فقال: إنه كان يقول: الحمام واليمام والصرد والصوام قد صمن قبلكم بأعوام ليبلغن ملكنا العراق والشام، إلى غير ذلك من الخرافات"١...
وأسلم طليحة إسلاماً صحيحاً، وله في قتال الفرس في القادسية بلاءٌ حسنٌ، وقد أوصى عمر ﵁ النعمان بن مقرن أن يستعين في حربه بطليحة وعمرو بن معدي كرب، وأن يستشيرهما في الحرب ولا يوليهما من الأمر شيئاً٢.
والخلاصة أن عدد جيش الكفار كان عشرة آلاف، وهو العدد الإجمالي الذي ذكره ابن إسحاق وغير واحد.
стр. 184
المبحث الثاني: عدد جيش المسلمين
جيش المسلمين هو ذلك الجيش الذي ضحى بالغالي والنفيس في سبيل الله في سبيل الدفاع عن هذا الدين الحنيف دين الله الذي قال فيه سبحانه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١. هذا الجيش رغم قلة عدده وعدته فقد كان كثيراً قوياً بإيمانه وبعقيدته. وقد حصل في تقدير هذا الجيش خلاف على النحو التالي:
١- قال ابن إسحاق: "وخرج رسول الله ﷺ ، والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين" أ. هـ٢. وتابعه في ذلك ابن سعد٣ والطبري٤ والبيهقي٥ وابن عبد البر٦ وابن الأثير٧ وابن سيد الناس٨ وابن كثير٩ وذكره الديار بكري١٠
стр. 185
كما ذكره صاحب المواهب اللدنية١.
٢- قال ابن حزم: "وقد قيل تسعمائة فقط قال: وهو الصحيح الذي لا شك فيه"٢.
٣- قال الديار بكري٣: "بعد أن ذكر أن عدد جيش المسلمين ثلاثة آلاف قال وقيل: كان المسلمون ألفاً. هكذا بصيغة التمريض"٤.
قلت: "ولعل القائل بذلك ذهب إلى ما ورد في حديث جابر حيث قال: في سياق الحديث الذي فيه القصة التي أضاف٥ فيها جابر النبي ﷺ على عناق وصاع من شعير ... وجاء الرسول ﷺ بأهل الخندق كلهم إلى أن قال ... وهم ألف"٦. ولا يجزم بهذا أن عدد المسلمين كانوا ألفاً على ضوء هذا، وإنما هذا العدد هو الذي كان موجوداً مع رسول الله ﷺ في ذلك الوقت في مأدبة جابر - ولعل ... أكثرهم كان قد استأذن منه
стр. 186
صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا يتناوبون في الحفر كما هو معلوم. أما ابن القيم فقد قال: "إنهم كانوا ثلاثة آلاف ثم عقب قائلاً: وقال ابن إسحاق: "خرج في سبعمائة قال: وهذا غلط من خروجه يوم أحد"١.
وقال القسطلاني وكانوا ثلاثة آلاف ثم قال: "قال الشافعي ووهم من قال كانوا سبعمائة"٢.
أما بالنسبة للرأي الثاني: فلم يشر أحد إليه وهو الذي ارتضاه ابن حزم ورفض ما عداه٣ وإذا فلعل الأولى الرأي القائل بأنهم كانوا ثلاثة آلاف لكثرة القائلين بذلك والله أعلم.
قال ابن سعد: "ولما تم حفر الخندق رفع المسلمون النساء والصبيان في الآطام وخرج رسول الله ﷺ يوم الاثنين لثمان ليال مضين٤ من ذي القعدة وكان يحمل لواء المهاجرين زيد بن حارثة وكان يحمل لواء الأنصار سعد بن عبادة
стр. 187
وكان رسول الله ﷺ يبعث سلمة بن أسلم١ في مائتي رجل وزيد بن حارثة في ثلاثمائة رجل يحرسون المدينة ويظهرون التكبير وذلك أنه كان يخاف على الذراري من بني قريظة.
وكان عباد بن بشر٢ على حرس قبته ﷺ مع غيره من الأنصار يحرسونه كل ليلة٣. قال ابن القيم: "وهو الذي كان على حرسه وقد حرسه الزبير بن العوام أيضاً يوم الخندق" قال ابن سيد الناس٤: وقال ابن سعد في باب حراس النبي ﷺ : "حرسه يوم بدر حين نام في العريش سعد بن معاذ ويوم أحد محمد بن مسلمة ويوم الخندق الزبير بن العوام"٥.
стр. 188
وعندما استقر ﷺ في معسكره المختار حسب الخطة العسكرية الناجحة نظم جنود المسلمين ووزعهم فبعضهم للحراسة على الخندق ومنافذه وبعضهم على قبته لأنها كانت مستهدفة من الأعداء.
وكان ﷺ يختلف بنفسه إلى ثلمة١ في الخندق يحرسها وكان الوقت شتاء شديد البرودة وقد روى البزار في ذلك حديثاً وفيه قال: حدثنا عبد الله بن شبيب٢ ثنا إبراهيم بن المنذر٣ ثنا إسماعيل بن داود٤ ثنا مالك ابن أنس عن يحيى بن سعيد٥ عن عمرة٦ عن
стр. 189
عائشة قالت: "كنت مع رسول الله ﷺ وهو بالخندق فكان رسول الله ﷺ يتعاهد ثغرة من الجبل يخاف منها فيأتي فيضطجع في حجري ثم يقوم فيتسمع فسمع حسن إنسان عليه الحديد فانسل"١ في الجبل فقال رسول الله ﷺ : "من هذا؟ ". فقال: "أنا سعد جئتك لتأمرني بأمرك" فأمره النبي ﷺ أن يثبت في تلك الثغرة".
قالت عائشة: "فنام رسول الله في حجري حتى سمعت غطيطه٢ فقالت عائشة لا أنساها لسعد"٣.
قال الهيثمي قلت: "في الصحيح طرف منه ثم قال: رواه البزار عن شيخه عبد الله بن شبيب وهو ضعيف"٤.
أما البزار فقال: "لا نعلم رواه إلا عائشة بهذا الإسناد".
وقد روى البخاري ما يقويه ولكن بغير تصريح بذكر الخندق٥
стр. 190
كما أورده الترمذي في مناقب سعد بن أبي وقاص١ بيد أنه لم يذكر أن ذلك كان في الخندق. لذلك قال ابن العربي.
وكانت عائشة مع النبي ﷺ يوم الخندق وذكرت أن رسول الله ﷺ كان يتعاهد ثغرة من الجبل يحافظ عليها ثم يزلفه٢ البرد ذلك اليوم فيأتي فيضطجع في حجري ثم يقوم فسمعت حس رجل عليه حديد وقد أسند في الجبل فقال رسول الله ﷺ : "من هذا؟ " ثم ساق الحديث بمثل ما جاء عن البزار إلا أنه صرح بأنه سعد بن أبي وقاص٣.
وقد جاءت الرواية التي عند البخاري والتي عند الترمذي في المناقب مفسرة لما كان مبهماً عند البزار وهو سعد لأن السعود في صحابة رسول الله ﷺ كثير فتبين بالروايتين أنه سعد بن أبي وقاص ﵁.
وحديث البزار وإن كان ضعيفاً إلا أن ما جاء عند البخاري والترمذي يقويه والحديث يدل بوضوح على: الشدة التي عاناها الرسول ﷺ ، وأصحابه في هذه الغزوة وأن الخطر الذي أحدق بهم كان كبيراً حتى أنه ﷺ كان يتعاهد تلك الثغرة بنفسه
стр. 191
يخاف على المسلمين منها وأن القائد عليه ما على جنوده من حراسة ومرابطة؛ بل إن القائد هو المثل الأعلى لجنوده والرسول ﷺ كان خير قائد.
قال المقريزي: "قالت أم سلمة ﵂: شهدت معه مشاهد فيها قتال وخوف المريسيع وخيبر وكنا بالحديبية وفي الفتح وحنين لم يكن من ذلك أتعب لرسول الله ﷺ ولا أخوف عندنا من الخندق، وذلك أن المسلمين كانوا في مثل الحرجة١، وأن قريظة لا نأمنها على الذراري فالمدينة تحرس حتى الصباح نسمع تكبير المسلمين فيها حتى يصبحوا خوفاً. حتى ردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيراً.
قال وكان رسول الله ﷺ يختلف إلى ثلمة في الخندق يحرسها فإذا آذاه البرد دخل قبته فأدفأته عائشة ﵂ في حضنها٢ فإذا دفئ خرج إلى تلك الثلمة يحرسها ويقول ما أخشى على الناس إلا منها.
стр. 192
الفصل الثاني: تواطؤ اليهود مع المشركين وعزمهم على ضرب المسلمين من الخلف
لقد اشتد البلاء على المسلمين في هذه الغزوة بالذات؛ لأن قريشاً جاءت بحلفائها كما جاءت غطفان بكل قوادها وحلفائها مستهدفين استئصال الإسلام والمسلمين وفي أثناء الاستعداد لهذه الجموع الزاحفة جاء عدو الله حيي بن أخطب وهو أحد الأعضاء الذين حزبوا الأحزاب جاء إلى كعب بن أسد رئيس القبيلة الباقية من اليهود وهي قبيلة بني قريظة وجادله على نقض العهد وفتله في الذروة والغارب حتى وافق على ذلك بشروط تقبلها عدو الله حيي بن أخطب.
وبنو قريظة كما هو معروف كانوا يسكنون في العوالي أي في الجنوب الشرقي من المدينة على وادي مهزور١ إذن فهم يعتبرون خلف المسلمين ويكونون أخطر على هذه الحال لأن الضربة من الوراء تؤثر أكثر حيث أن المسلمين يستعدون ومستحفزون لأعدائهم الذين أمامهم ولكن الله نصر المسلمين وخذل أعداءه وأعداءهم وقد وصف الله سبحانه
стр. 193
وتعالى ذلك البلاء وتلك الشدة التي أتت على المسلمين لم يأت عليهم مثلها حيث قال سبحانه:
﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ ١.
وقال تعالى مبيناً مظاهرة٢ وموافقة اليهود (بني قريظة) للأحزاب: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ٣ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ ٤.
أما الجهد ومشقة العيش اللتان كان يعانيهما المسلمون وخاصة في هذه الغزوة فقد بينتها الأحاديث الصحيحة وغيرها.
وسأورد ما يبين ذلك باختصار فمن ذلك ما رواه البخاري عن أبي
стр. 194
معمر المقعد عن عبد الوارث ١عن عبد العزيز٢ عن أنس ﵁ وفيه قال: يؤتون بملئ كفي من الشعير فيصنع لهم باهالة سنخة توضع بين يدي القوم والقوم جياع وهي بشعة في الحلق ولها ريح منتن ... الخ٣.
كما روى أيضاً ﵀ حديثاً آخر قال: حدثنا خلاد بن يحيى حدثنا عبد الواحد بن أيمن عن أبيه٤ قال أتيت جابراً ﵁ فقال: "إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة إلى أن قال: ثم قام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً" ... الحديث ٥.
وقد ورد هذا الحديث من وجه آخر عن سعيد بن مينا قال سمعت جابراً ﵁ قال: "لما حفر الخندق رأيت بالنبي ﷺ خمصاً شديداً ... الخ" الحديث٦.
وكان ﷺ وأصحابه يعتمدون في أكلهم وشربهم على التمر والماء (الأسودين) يتضح ذلك باستعراض سنته ﷺ وسيرته في مأكله ومشربه.
стр. 195
فقد روى ابن أبي شيبة عن عروة مرسلاً١ عن النبي ﷺ أنه صاف المشركين يوم الخندق وكان يوماً شديداً لم يلق المسلمون مثله قط قال ورسوله الله ﷺ جالس وأبو بكر معه جالس وذلك زمان طلع النخل وكانوا يفرحون به فرحاً شديداً لأن عيشهم فيه فرفع أبو بكر رأسه فبصر بطلعة وكانت أول طلعة رؤيت فقال هكذا بيده طلعة يارسول الله من الفرح فنظر رسول الله ﷺ وقال: "اللهم لا تنزع منا صالح ما أعطيتنا أو صالحاً أعطيتنا" ٢ والأثر ضعيف حيث رواه عروة مرسلاً.
أما الآثار الدالة على نقض بني قريظة العهد فهي كثيرة حسبي أن أورد بعضها مشيراً إلى الباقي:
قال البخاري ﵀: حدثنا أحمد بن محمد٣ أنبأنا عبد الله٤ أخبرنا هشام بن عروة٥
стр. 196
عن أبيه عن عبد الله بن الزبير١ قال: "كنت يوم الأحزاب جعلت أنا وعمر ابن أبي سلمة في النساء فنظرت فإذا أنا بالزبير على فرسه يختلف إلى بني قريظة مرتين أو ثلاثاً فلما رجعت قلت: "يا أبت رأيتك تختلف" قال أو هل رأيتني يابني قلت نعم قال كان رسول الله ﷺ قال: "من يأت بني قريظة فيأتيني بخبرهم فانطلقت فلما رجعت جمع لي رسول الله ﷺ أبويه فقال فداك أبي وأمي٢.
وقال أيضاً: حدثنا أبو نعيم٣ حدثنا سفيان٤ عن محمد بن المنكدر٥ عن جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "من يأتيني بخبر القوم " قال الزبير: "أنا" فقال
стр. 197
النبي ﷺ : "إن لكل نبي حوارياً وحواراي الزبير" ١.
وقال ﵀: حدثنا صدقة٢ أخبرنا ابن عيينة٣ حدثنا بن المنكدر أنه سمع جابر بن عبد الله ﵁ قال ندب٤ رسول الله ﷺ الناس قال: "صدقة أظنه يوم الخندق فانتدب الزبير ثم ندب الناس فانتدب الزبير فقال النبي ﷺ : "أن لكل نبي حوارياً وحواري الزبير بن العوام" ٥.
قال الحميدي وقال سفيان زاد هشام بن عروة وابن عمتي٦. كما أخرجه مسلم٧، وأحمد٨، والترمذي٩، وابن ماجه١٠
стр. 198
وقد أورده البخاري كما سبق من عدة طرق منها طريق أبي العباس مردويه والفضل بن دكين وصدقة ومحمد بن كثير والحميدي وقد رواه الحميدي عن ابن عيينة بالجزم (يوم الخندق) ولم يشك كما ظن صدقة ومن طريق علي بن عبد الله١ قال قلت لسفيان: فإن الثوري يقول: "يوم بني قريظة" فقال كذا حفظته منه كما أنك جالس (يوم الخندق) قال "سفيان هو يوم واحد وتبسم سفيان"٢.
وقال البيهقي٣ ﵀: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن حاتم٤ الدرابردي بمرو قال حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي٥، حدثنا أبو
стр. 199
حذيفة١ حدثنا عكرمة بن عمار٢ عن محمد بن عبيد٣ أبي قدامة الحنفي عن عبد العزيز٤ ابن أخي حذيفة قال ذكر حذيفة مشاهدهم مع رسول الله ﷺ فقال جلساؤه: "أما والله لو كنا شهدنا ذلك لفعلنا وفعلنا" فقال حذيفة: "لا تمنوا ذلك فلقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعوداً".
وأبو سفيان ومن معه فوقنا وقريظة اليهود أسفل منا نخافهم على ذرارينا وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة ولا أشد ريحاً في أصوات ريحها أمثال الصواعق وهي ظلمة ما يرى أحدنا اصبعه ... الخ الحديث٥.
وقد أشار ابن كثير إلى هذه الرواية فقال:
стр. 200
"وقد أخرجه الحاكم والبيهقي في الدلائل من حديث عكرمة بن عمار عن محمد بن عبد الله الدؤلي عن عبد العزيز بن أخي حذيفة به"١...
وقال السيوطي: "أخرج الحاكم وصححه وابن مردويه وابن عساكر وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل من طرق عن حذيفة بنفس اللفظ"٢. كما أورده الطبري عن ابن حميد عن فتى من أهل الكوفة ولم يذكر فيه بني قريظة٣. ولكنه ﵀ أورد حديثاً آخر قال فيه: حدثنا ابن حميد قال ثنا سلمة قال ثنى محمد ابن إسحاق عن يزيد بن رومان وعن الزهري وعن عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وعن محمد بن كعب القرظي وعن غيرهم من علمائنا٤ وفيه:
стр. 201
"وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسعد القرظي صاحب عقد بني قريظة١، وعهدهم وكان قد وادع رسول الله ﷺ على قومه عاقده على ذلك وعاهده فلما سمع كعب بحيي بن أخطب أغلق دونه باب حصنه فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له فناداه حيي ويحك٢ يا كعب افتح لي قال ويحك يا حيي إنك امرؤ مشؤم وإني قد عاهدت محمداً فلست بناقض ما بيني وبينه ولم أر منه إلا وفاءً وصدقاً"، قال: "ويحك افتح أكلمك". قال: "ما أنا بفاعل قال والله إن أغلقت دوني إلا عن جشيشتك٣ أن آكل معك منها فاحفظ٤ الرجل ففتح له".
فقال: "ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر ببحر طام٥ جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمي إلى جانب أحد. قد عاهدوني
стр. 202
وعاقدوني على أن لا يبرحوا١ حتى نستأصل محمداً ومن معه قال فقال له كعب جئتني والله بذل الدهر وبجهام٢ قد هراق ماؤه فهو يرعد ويبرق ليس فيه شيء ويحك يا حيي فدعني وما أنا عليه فإني لم أر من محمد إلا صدقاً ووفاءاً فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب٣ حتى سمع له على أن أعطاه عهداً (من الله) وميثاقاً لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمداً أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك فنقض كعب بن أسد عهده وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله ﷺ "٤.
وقد أرسل النبي ﷺ عيونه متحرياً عن نقض اليهود للعهد الذي أبرموه معه ﷺ قال ابن إسحاق:
فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ الخبر وإلى المسلمين بعث رسول الله ﷺ سعد بن معاذ بن النعمان وهو يومئذ سيد الأوس وسعد بن عبادة بن دليم أحد بني ساعدة بن كعب بن الخزرج وهو يومئذ سيد الخزرج ومعهما عبد الله بن رواحة أخو بني الحارث بن الخزرج وخوات بن جبير
стр. 203
أخو بني عمرو بن عوف فقال انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقاً فالحنوا لي لحناً١ أعرفه ولا تفتوا في أعضاد الناس وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس. قال فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم (فيما) ٢ نالوا من رسول الله ﷺ وقالوا من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد، فشاتمهم سعد ابن معاذ٣ وشاتموه، وكان رجلاً فيه حدة فقال له سعد بن عبادة دع عنك مشاتمتهم فما بيننا وبينهم أربى٤ من المشاتمة ثم أقبل سعد وسعد ومن معهما إلى رسول الله ﷺ فسلموا عليه ثم قالوا عضل والقارة أي كغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع خبيب وأصحابه فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين" ٥.
стр. 204
وقد أورد ابن كثير هذه القصة وفيها زيادة حسنة فقال بعد أن ذكر محاورة حيي بن أخطب لكعب:
وقد تكلم عمرو بن سعد القرظي١ فأحسن فيما ذكره موسى بن عقبة.
ذكرهم ميثاق رسول الله ﷺ وعهده ومعاقدتهم إياه على نصره وقال: "إذا لم تنصروه فاتركوه وعدوّه" ثم قال٢: قال ابن إسحاق: "فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب حتى سمع له - يعني في نقض عهد رسول الله ﷺ وفي محاربته مع الأحزاب ثم ساق الحديث... إلى أن قال: قال موسى بن عقبة وأمر كعب بن أسد وبنو قريظة حيياً أن يأخذ لهم من قريش وغطفان رهائن تكون عندهم لئلا ينالهم ضيم إن هم رجعوا ولم يناجزوا محمداً. قالوا وتكون الرهائن تسعين رجلاً٣ من أشرافهم فنازلهم٤ حيي
стр. 205
على ذلك فعند ذلك نقضوا العهد ومزقوا الصحيفة التي كان فيها العقد إلا بني سعنة١ أسد وأسيد وثعلبة فإنهم خرجوا إلى رسول الله ﷺ ".
قال ابن إسحاق: "فلما انتهى الخبر إلى رسول الله ﷺ وإلى المسلمين بعث سعد بن معاذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة سيد الخزرج ومعهما عبد الله بن رواحة وخوات بن جبير"٢. قال: "انطلقوا حتى تأتوا هؤلاء القوم فتنظروا أحق ما بلغنا عنهم فإن كان حقاً فالحنوا لى لحناً أعرفه ولا تفتوا في أعضاد المسلمين وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس" ٣. قال٤: "فخرجوا حتى أتوهم" قال موسى ابن عقبة: "فدخلوا معهم حصنهم فدعوهم إلى الموادعة وتجديد الحلف فقالوا الآن وقد كسر جناحنا وأخرجهم يريدون - بني نضير - ونالوا من رسول الله ﷺ فجعل سعد بن عبادة يشاتهم فأغضبوه فقال له سعد بن معاذ: "والله ما جئنا لهذا ولما بيننا أكبر من المشاتمة".
стр. 206
ثم ناداهم سعد بن معاذ فقال: "إنكم قد علمتم الذي يبننا وبينكم يا بني قريظة وأنا خائف عليكم مثل يوم بني النضير أو أمرَّ منه فقالوا - لعنهم الله - أكلت ايرأبيك فقال غير هذا من القول كان أجمل بكم وأحسن".
وقال ابن إسحاق١: "نالوا من رسول الله ﷺ وقالوا من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه وكارجلاً فيه حدةٌ "٢ وقد تقدم كلام ابن إسحاق.
تنبيه:
ذكر ابن إسحاق٣ أن الذي كان فيه حدة من السعدين ﵄ هو سعد بن معاذ. أما الطبري٤ فقد بين في كتابه أنه ابن عبادة وتبعه البيهقي٥ ونقل ابن سيد الناس عن ابن عائذ أنه سعد بن عبادة٦.
стр. 207
أما ابن كثير فقد اكتفى بالنقل عن ابن إسحاق وموسى بن عقبة ولم يرجح١.
أما صاحب السيرة الحلبية فقال: "فشتمهم سعد بن معاذ وهم - حلفاؤه - أي وقيل سعد بن عبادة أي وكان فيه حدة فشاتموه قال ولا مانع من وجود الأمرين" أ. هـ. ٢ وقد تابع في ذلك ابن خلدون بدليل أنهم أحلافه ومواليه٣.
أقول وهذا الذي ذكره صاحب السيرة الحلبية هو أوجه حيث أنه ذكر أنه شتمهم لأنهم حلفاؤه وإذا كانت هناك حدة فلم تذكر في ترجمتهما وإنما قد يكون المشهور بالحدة هو ابن عبادة ﵁؛ لأنه ذكر أنه كانت فيه غيرة شديدة - وهي مذكورة في كتب التاريخ والسنة- وقد يغضب ويغار عندما يسمع سب الرسول ﷺ فيشاتمهم ومن هنا قد تأتي الحدة المذكورة والأرجح أنه سعد بن معاذ ﵁ للتعليل الذي ذكره ابن خلدون وتبعه الحلبي.
стр. 208
وقال ابن كثير١: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ ٢.
قال: "قد تقدم أن بني قريظة لما قدم جنود الأحزاب ونزلوا على المدينة. نقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله ﷺ من العهد وكان ذلك بسفارة حيي بن أخطب النضري لعنه الله دخل حصنهم ولم يزل بسيدهم كعب بن أسد حتى نقض العهد".
وعند قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ . قال: "يعني بني قريظة من اليهود من بعض أسباط بني إسرائيل كان قد نزل آباؤهم الحجاز قديماً طمعاً في إتباع النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عن هم في التوراة الإنجيل. ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ٣.
стр. 209
وعند قوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ قال: "هو الخوف لأنهم كانوا مالؤا المشركين على حرب رسول الله ﷺ وليس من يعلم كمن لا يعلم واخافوا المسلمين وراموا قتلهم ليعزواهم - في الدنيا - ويسودوا فيها- فانعكس عليهم الحال وانقلب إليهم القتال وانشمر المشركون ففازوا بصفقة المغبون فكما راموا العز ذلوا وأرادوا استئصال المسلمين فاستؤصلوا ... الخ".
ثم قال في ختام ذلك: "وأضيف إلى ذلك شقاوة الآخرة فصارت الجملة أن هذه هي الصفقة الخاسرة. ولهذا قال تعالى: ﴿فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً﴾ الآية١. فالذين قتلوا هم المقاتلة والأسراء هم الأصاغر والنساء"٢. أ. هـ.
وأخيراً أود أن أشير إلى أنه قد مر بنا في الأحاديث الصحيحة أن الذي ذهب لكشف خبر بني قريظة هو الزبير بن العوام.
كما أنه مر أن الذي قام بنفس المهمة السعدان وابن رواحة وخوات بن جبير ﵃ وإزاء هذا الأشكال قال الحافظ٣:
стр. 210
"قد استشكل ذكر الزبير في هذه القصة فقال شيخنا ابن الملقن١ اعلم أنه وقع هنا أن الزبير هو الذي ذهب لكشف خبر بني قريظة والمشهور كما قاله شيخنا أبو الفتح اليعمري"٢. أن الذي توجه ليأتي بخبر القوم حذيفة كما روينا من طريق ابن إسحاق وغيره. قلت٣. وهذا الحصر مردود فإن القصة التي ذهب لكشفها غير القصة التي ذهب حذيفة لكشفها.
فقصة الزبير كانت لكشف خبر بني قريظة هل نقضوا العهد بينهم وبين المسلمين ووافقوا قريشاً على محاربة المسلمين.
وقصة حذيفة كانت لما أشتد الحصار على المسلمين بالخندق وتمالأت عليهم الطوائف، ثم وقع بين الأحزاب الاختلاف والقصة في ذلك مشهورة٤. وستأتي إن شاء الله.
стр. 211
وهذا الخلاف الذي ساقه الحافظ قد أغفل ما ذكره أصحاب المغازي والسير وقد ذكروا أن الوفد الذي تم إرساله هو السعدان ومن معهما.
ويمكن الجمع بين هذه الأقوال:
بأن الزبير بن العوام ﵁ ذهب للاستكشاف العام والملاحظة، وهل عند بني قريظة استعداد ظاهر يدل على نقضهم العهد أو لا؟، وقد عاد يقول بأنهم يصلحون حصونهم ويدربون طرقهم وقد جمعوا ماشيتهم. أما السعدان ومن معهما فكان استكشافهم خاصاً حيث دار الحوار بينهم وبين اليهود وظهر للعيان نقضهم للعهد وخبثهم.
وقد ذكر المقريزي١: "أن الرسول ﷺ بعث خوات بن جبير لينظر غرة لنبي قريظة فكمن لهم فحمله رجل منهم وقد أخذه النوم فأمكنه الله من الرجل وقتله ولحق بالنبي ﷺ فأخبره.
وفيه غرابة. ووجه الغرابة - أن اليهود وبعد نقضهم العهد ووضوح خبثهم والوقت ليس هزل بل هو وقت خوف وشدة على الجانبين وكلاهما يتمنى أن يقتل من الجانب الآخر من ظفر به فكيف
стр. 212
يتسنى فعل هذا وكيف يقدم على حمل عدوه ويأمنه وهو أعلى منه والله أعلم. أما قصة حذيفة فهي واضحة لورودها في الصحيح وهي أنها كانت في اللحظات الأخيرة من الشدة والبلاء.
وبعدها نصر الله دينه ورسوله وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده حيث عاد ﵁ يبشر الرسول ﷺ بانصراف الأحزاب وأنه رأي أبا سفيان قد ركب بعيره وهو معقول"١.
стр. 213
الفصل الثالث: تخذيل المنافقين للصف الإسلامي
...
الفصل الثالث: في تخذيل المنافقين للصف الإسلامي
موقف المنافقين وخذلانهم للمسلمين في الأوقات الحرجة أوقات الضيق والمواقف الصعبة بينها الله أولاً بأول ونحن عندما نستعرض القرآن الكريم نجد وفي أول سورة منه وهي البقرة١ بين لنا الله مبدأهم وأنهم إنما يخادعون الله بأعمالهم وما شعروا أنهم لا يخدعون إلا أنفسهم بين الله سبحانه هذا الموقف بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ ٢، وبين أن في قلوبهم مرضاً وزادهم الله مرضاً فتأصل فيهم المرض وذلك بعد أن وضح لهم الطريق على لسان محمد ﷺ قال ابن كثير٣: "وإنما نزلت صفات المنافقين في السور المدنية لأن مكة لم يكن فيها نفاق بل كان خلافه، بين الناس من كان يظهر الكفر وهو في الباطن مؤمن فلما هاجر رسول الله
стр. 214
صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وكان بها الأنصار من الأوس والخزرج، وكانوا في جاهليتهم يعبدون الأصنام على طريقة مشركي العرب، قال فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة وأسلم من أسلم من الأنصار ولم يكن إذ ذاك نفاق أيضاً؛ لأنه لم يكن للمسلمين شوكة تخاف، أقول: إن الحسد كان من مقومات نفاقهم - فلما كانت وقعة بدر العظمى وأظهر الله كلمته وأعز دينه قال عبد الله بن أبي بن سلول وكان رأساً في المدينة وهو من الخزرج وكان سيد الطائفتين في الجاهلية وكانوا قد عزموا على أن يملكوه عليهم فجاءهم الخير وأسلموا واشتغلوا عنه فبقي في نفسه من الإسلام وأهله فلما كانت وقعة بدر قال: هذا أمر قد توجه فأظهر الدخول في الإسلام ودخل معه طوائف ممن هم على طريقته ونحلته وآخرون من أهل الكتاب فمن ثم وجد النفاق في أهل المدينة ومن حولها من الأعراب" أ. هـ.
قال١: "وقد نبه الله سبحانه على صفات المنافقين لئلا يغتر بظاهر أمرهم المؤمنون فيقع بذلك فساد عريض ولذلك قال سبحانه لنبيه موضحاً له ما ينطوون عليه من الكذب. ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ٢.
стр. 215
وقال ابن القيم: "وقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين وكشف أسرارهم في القرآن وجلى لعباده أمورهم ليكونوا منها، ومن أهلها على حذر وذكر طوائف العالم الثلاث في أول سورة البقرة المؤمنين والكفار والمنافقين فذكر في المؤمنين أربع آيات، وفي الكفار آيتين، وفي المنافقين ثلاث عشر آية لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم، وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله فإن بلية الإسلام بهم شديدة جداً لأنهم منسوبون إليه وإلى نصرته وموالاته وهم أعداؤه في الحقيقة يخرجون عداوته في كل قالب يظن الجاهل أنه علم وإصلاح، وهو غاية الجهل والإفساد ثم استطرد قائلاً فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه، وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخربوه وكم من علم له قد طمسوه" ... الخ١.
واستمر هذا الوضع الخطير حتى جاءت غزوة أحد وخرج رسول الله ﷺ لملاقاة أعدائه حتى إذا كانوا بين المدينة وأحد انخذل عنه عبد الله ابن أبي بن سلول بثلث الناس، وقال أطاعهم وعصاني٢ ما ندري علام