وهذا الخلاف الذي ساقه الحافظ قد أغفل ما ذكره أصحاب المغازي والسير وقد ذكروا أن الوفد الذي تم إرساله هو السعدان ومن معهما.
ويمكن الجمع بين هذه الأقوال:
بأن الزبير بن العوام ﵁ ذهب للاستكشاف العام والملاحظة، وهل عند بني قريظة استعداد ظاهر يدل على نقضهم العهد أو لا؟، وقد عاد يقول بأنهم يصلحون حصونهم ويدربون طرقهم وقد جمعوا ماشيتهم. أما السعدان ومن معهما فكان استكشافهم خاصاً حيث دار الحوار بينهم وبين اليهود وظهر للعيان نقضهم للعهد وخبثهم.
وقد ذكر المقريزي١: "أن الرسول ﷺ بعث خوات بن جبير لينظر غرة لنبي قريظة فكمن لهم فحمله رجل منهم وقد أخذه النوم فأمكنه الله من الرجل وقتله ولحق بالنبي ﷺ فأخبره.
وفيه غرابة. ووجه الغرابة - أن اليهود وبعد نقضهم العهد ووضوح خبثهم والوقت ليس هزل بل هو وقت خوف وشدة على الجانبين وكلاهما يتمنى أن يقتل من الجانب الآخر من ظفر به فكيف
стр. 212
يتسنى فعل هذا وكيف يقدم على حمل عدوه ويأمنه وهو أعلى منه والله أعلم. أما قصة حذيفة فهي واضحة لورودها في الصحيح وهي أنها كانت في اللحظات الأخيرة من الشدة والبلاء.
وبعدها نصر الله دينه ورسوله وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده حيث عاد ﵁ يبشر الرسول ﷺ بانصراف الأحزاب وأنه رأي أبا سفيان قد ركب بعيره وهو معقول"١.
стр. 213
الفصل الثالث: تخذيل المنافقين للصف الإسلامي
...
الفصل الثالث: في تخذيل المنافقين للصف الإسلامي
موقف المنافقين وخذلانهم للمسلمين في الأوقات الحرجة أوقات الضيق والمواقف الصعبة بينها الله أولاً بأول ونحن عندما نستعرض القرآن الكريم نجد وفي أول سورة منه وهي البقرة١ بين لنا الله مبدأهم وأنهم إنما يخادعون الله بأعمالهم وما شعروا أنهم لا يخدعون إلا أنفسهم بين الله سبحانه هذا الموقف بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ ٢، وبين أن في قلوبهم مرضاً وزادهم الله مرضاً فتأصل فيهم المرض وذلك بعد أن وضح لهم الطريق على لسان محمد ﷺ قال ابن كثير٣: "وإنما نزلت صفات المنافقين في السور المدنية لأن مكة لم يكن فيها نفاق بل كان خلافه، بين الناس من كان يظهر الكفر وهو في الباطن مؤمن فلما هاجر رسول الله
стр. 214
صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وكان بها الأنصار من الأوس والخزرج، وكانوا في جاهليتهم يعبدون الأصنام على طريقة مشركي العرب، قال فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة وأسلم من أسلم من الأنصار ولم يكن إذ ذاك نفاق أيضاً؛ لأنه لم يكن للمسلمين شوكة تخاف، أقول: إن الحسد كان من مقومات نفاقهم - فلما كانت وقعة بدر العظمى وأظهر الله كلمته وأعز دينه قال عبد الله بن أبي بن سلول وكان رأساً في المدينة وهو من الخزرج وكان سيد الطائفتين في الجاهلية وكانوا قد عزموا على أن يملكوه عليهم فجاءهم الخير وأسلموا واشتغلوا عنه فبقي في نفسه من الإسلام وأهله فلما كانت وقعة بدر قال: هذا أمر قد توجه فأظهر الدخول في الإسلام ودخل معه طوائف ممن هم على طريقته ونحلته وآخرون من أهل الكتاب فمن ثم وجد النفاق في أهل المدينة ومن حولها من الأعراب" أ. هـ.
قال١: "وقد نبه الله سبحانه على صفات المنافقين لئلا يغتر بظاهر أمرهم المؤمنون فيقع بذلك فساد عريض ولذلك قال سبحانه لنبيه موضحاً له ما ينطوون عليه من الكذب. ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ٢.
стр. 215
وقال ابن القيم: "وقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين وكشف أسرارهم في القرآن وجلى لعباده أمورهم ليكونوا منها، ومن أهلها على حذر وذكر طوائف العالم الثلاث في أول سورة البقرة المؤمنين والكفار والمنافقين فذكر في المؤمنين أربع آيات، وفي الكفار آيتين، وفي المنافقين ثلاث عشر آية لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم، وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله فإن بلية الإسلام بهم شديدة جداً لأنهم منسوبون إليه وإلى نصرته وموالاته وهم أعداؤه في الحقيقة يخرجون عداوته في كل قالب يظن الجاهل أنه علم وإصلاح، وهو غاية الجهل والإفساد ثم استطرد قائلاً فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه، وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخربوه وكم من علم له قد طمسوه" ... الخ١.
واستمر هذا الوضع الخطير حتى جاءت غزوة أحد وخرج رسول الله ﷺ لملاقاة أعدائه حتى إذا كانوا بين المدينة وأحد انخذل عنه عبد الله ابن أبي بن سلول بثلث الناس، وقال أطاعهم وعصاني٢ ما ندري علام
стр. 216
نقتل أنفسنا ها هنا أيها الناس فرجع بمن إتبعه من قومه من أهل النفاق، والريب هكذا قال ابن إسحاق١ واستمر وضعهم هذا حتى جاءت هذه الغزوة - غزوة الخندق- فأنزل الله فيهم سورة الأحزاب كما قال شيخ المفسرين وابن كثير وصاحب٢ الفتوحات الإلهية٣ أنها نزلت في المنافقين وإيذائهم رسول الله ﷺ أما الآيات من سورة الأحزاب فقد ذكر سبحانه المنافقين في تسع آيات منها حيث قال تعالى بعد أن ذكر وامتن على عباده المؤمنين بنعمته عليهم وصرف عدوهم، وبين مجئ الأحزاب والحالة الشديدة التي عاناها المسلمون والبلاء الذي امتحنهم الله به فثبت المؤمنون وانكشف أعداء الله المنافقون فقال تعالى:
١- ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ ٤.
وسأورد ملخصاً بتفسير الآيات من تفسير ابن كثير حيث قال في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ . يقول تعالى مخبراً عن ذلك الحال حين نزلت الأحزاب حول المدينة والمسلمون محصورون في غاية الجهد والضيق ورسول الله ﷺ بين أظهرهم أنهم ابتلوا واختبروا وزلزلوا زلزالاً شديداً فحينئذ ظهر النفاق وتكلم الذين في قلوبهم مرض بما في أنفسهم ثم قال بعد إيراد الآية الأولى - ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ ...﴾ : أما المنافق فنجم نفاقه، والذي في قلبه شبهة أو حسكة لضعف حاله فتنفس بما يجده من الوسواس في نفسه لضعف إيمانه، وشدة ما هو فيه من ضيق الحال، وقوم آخرون قالوا كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾ يعني المدينة كما جاء في الصحيح١: "أريت في المنام دار هجرتكم أرض بين حرتين فذهب وهلى٢ أنها هجر فإذا هي يثرب".
قوله: ﴿لا مُقَامَ لَكُمْ﴾ ٣. أي ها هنا يعنون عند النبي ﷺ في مقام المرابطة. أما ابن الجوزي٤ فقد قال: "إن المنافقين قالوا ذلك لكثرة العدو"
стр. 219
قال: وهذا قول الجمهور قال: "وحكى الماوردي قولين آخرين أحدهما: لا مقام لكم على دين محمد فارجعوا إلى دين مشركي العرب قاله الحسن١، والثاني لا مقام لكم على القتال فارجعوا إلى طلب الأمان قاله الكلبي". أ. هـ٢.
وقوله ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ قال العوفي عن ابن عباس ﵄: "هم بنو حارثة قالوا بيوتنا نخاف عليها السراق" قال ابن كثير: "وكذا قال غير واحد، قال وذكر ابن إسحاق أن القائل لذلك هو أوس بن قيظي يعني اعتذروا في الرجوع إلى منازلهم بأنها عورة أي ليس دونها ما يحجبها من العدو فهم يخشون عليها منهم ثم كذبهم الله فقال ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ أي ليست كما يزعمون ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً﴾ أي هرباً من الزحف"٣.
стр. 220
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيراً ...﴾ الآيات.
قال ابن كثير: "يخبر تعالى عن هؤلاء الذين ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ... الآية﴾ أنهم لو دخل عليهم الأعداء من كل جانب من جوانب المدينة وقطر من أقطارها ثم سئلوا الفتنة وهي الدخول في الكفر لكفروا سريعاً. وهم لا يحافظون على الإيمان ولا يستمسكون به مع أدنى خوف وفزع ... وهذا ذم لهم في غاية الذم".
ثم قال تعالى يذكرهم بما كانوا عاهدوا الله من قبل هذا الخوف أن لا يولوا الأدبار ولا يفرون من الزحف: ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً﴾ أي وأن الله تعالى سيسألهم عن ذلك العهد لابد من ذلك. ثم قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلاً أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ...﴾ الآيات١.
стр. 221
وقال: "يخبر تعالى عن احاطة علمه بالمعوقين لغيرهم عن شهود الحرب والقائلين لإخوانهم أي أصحابهم وعشرائهم وخلطائهم ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ أي إلى ما نحن فيه من الإقامة في الظلال والثمار وهم مع ذلك ﴿وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ ويستمر يبين لنبيه صفات هؤلاء المنافقين وأنهم من جبنهم وخوفهم ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلاً﴾ وذلك لضعف يقينهم والله العالم بهم"١.
الآثار الواردة في ذلك:
قال الطبري ﵀: حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة قوله: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ ٢ قال: "قال ذلك أناس من المنافقين قد كان محمد يعدنا فتح فارس والروم وقد حصرنا ههنا ما يستطيع أحدنا أن يبرز لحاجته ما وعدنا ورسوله إلا غرورا٣. والأثر على ضوء هذا السند يعتبر حسناً".
стр. 222
وقال ﵀: حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد١ قال: "قال رجل يوم الأحزاب لرجل من صحابة النبي ﷺ يا فلان أرأيت إذ يقول رسول الله ﷺ : "إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله" فأين هذا من هذا وأحدنا لا يستطيع أن يخرج يبول من الخوف ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ فقال له كذبت لأخبرن رسول الله خبرك قال: فأتى رسول الله ﷺ فأخبره فدعاه فقال: ما قلت؟ فقال: كذب عليّ يا رسول الله ما قلت شيئاً ما خرج هذا من فمي قط قال الله ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ﴾ حتى بلغ ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ قال فهذا قول الله ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ﴾ " ٢. والأثر ضعيف لضعف ابن زيد لكنه يتقوى بانضمام غيره إليه.
وقال: حدثنا ابن بشار٣ قال ثنا محمد بن خالد بن عثمة قال ثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني قال ثنى أبي عن أبيه قال: "خط رسول الله ﷺ الخندق ... وساق الحديث إلى أن قال:
стр. 223
"فحفرنا تحت دوبار حتى بلغنا الصرى أخرج الله من بطن الخندق صخرة بيضاء مروة فكسرت حديدنا وشقت علينا فقلنا يا سلمان ارق إلى رسول الله ﷺ فأخبره خبر هذه الصخرة فإما أن نعدل عنها فإن المعدل١ قريب وإما أن يأمرنا فيها بأمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه فرقى سلمان حتى أتى رسول الله ﷺ وهو ضارب عليه قبة تركية٢ فقال يا رسول الله بأبينا أنت وأمنا خرجت صخرة بيضاء من بطن الخندق مروة٣ فكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ما يجئ منها قليل ولا كثير فمرنا بأمرك فإنا لا نحب أن نجاوز خطك".
فهبط رسول الله ﷺ مع سلمان في الخندق ورقينا نحن التسعة على شفة الخندق فأخذ رسول الله ﷺ المعول من سلمان فضرب الصخرة ضربة صدعها وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها٤ يعني لابتي المدينة حتى لكأن مصباحاً في جوف بيت مظلم فكبر رسول الله ﷺ تكبير فتح وكبر المسلمون.
стр. 224
وضربها رسول الله ﷺ الثانية فصدعها وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحاً في جوف مظلم فكبر رسول الله ﷺ تكبير فتح وكبر المسلمون، ثم ضربها الثالثة فكسرها وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحاً في جوف مظلم فكبر رسول الله ﷺ تكبير فتح. ثم أخذ بيد سلمان فرقى. فقال سلمان بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد رأيت شيئاً ما رأيته قط فالتفت رسول الله ﷺ فقال: "هل رأيتم ما يقول سلمان؟ قالوا نعم يا رسول الله بأبينا أنت وأمنا"١.
قد رأيناك تضرب فيخرج برق كالموج فرأيناك تكبر فنكبر ولا نرى شيئاً غير ذلك قال: "صدقتم ضربت ضربتي الأولى فبرق الذي رأيتم أضاء لي منه قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب فأخبرني جبرائيل ﵇ أن أمتي ظاهرة عليها. ثم ضربت ضربتي الثانية فبرق الذي رأيتم أضاء لي منها قصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهر عليها.
стр. 225
ثم ضربت ضربتي الثالثة وبرق منها الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبرائيل ﵇ أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا يبلغهم النصر وأبشروا يبلغهم النصر وأبشروا يبلغهم النصر " فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله موعود صدق بأن وعدنا الله النصر بعد الحصر. فطبقت الأحزاب فقال المسلمون: ﴿ ... هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ...﴾ . الآية١.
وقال المنافقون: "ألا تعجبون يحدثكم ويمنيكم ويعدكم الباطل يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق من الفرق٢. ولا تستطيعون أن تبرزوا"٣.
وأنزل القرآن ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ ٤٥.وهكذا انتهى هذا الحديث الطويل مع أني اختصرت أوله؛ بل حذفته ومداره على كثير المزني وهو ضعيف كما تقدم إلا أن الحديث يتقوى بالشواهد والمتابعات.
стр. 226
وقد جاء بمعناه عند النسائي١ إلا إن عنده في الضربة الثالثة قال
"فرفعت لي مدائن الحبشة" وأخرجه أبو نعيم٢. كما أخرجه البيهقي٣ بلفظ مقارب له وقد ذكره ابن كثير٤ وقال في آخره: حديث غريب.
وقد ذكر ابن كثير عن الطبراني حديثاً يقوي الحديث السابق وهو مطابق له في المعنى مخالف له في اللفظ من طريق عبد الله بن يزيد٥ وفيه قال: "فلما أتاها أخذ المعول فضرب به ضربة وكبر فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط" فقال: "فتحت فارس، ثم ضرب أخرى فكبر فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط" فقال: "فتحت الروم، ثم ضرب أخرى فكبر فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط فقال: جاء الله بحمير أعوانا وأنصاراً" الحديث٦.
стр. 227
قال ابن كثير: "حديث غريب من هذا الوجه وقال: عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي - أحد رجال السند- فيه ضعف- إلا أنه لم يرد فيه ذكر للمنافقين. ثم أورد حديثاً آخر عند الطبراني وهو عن عكرمة عن ابن عباس وفيه قال: "اذهبوا بنا إلى سلمان وإذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها فقال رسول الله ﷺ : "دعوني فأكون أول من ضربها وقال بسم الله فضربها فوقعت فلقة ثلثها فقال: الله أكبر قصور الشام ورب الكعبة، ثم ضرب أخرى فوقعت فلقة فقال الله أكبر قصور فارس ورب الكعبة. فقال عندها المنافقون نحن نخندق على أنفسنا وهو يعدنا قصور فارس والروم" ١.
وقد سكت ابن كثير عن هذا الحديث أما الهيثمي٢ فقال: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أحمد ونعيم العنبري وهما ثقتان".
وهذه الأحاديث متقاربة المعنى ويشد بعضها بعضا.
стр. 228
قال الطبري: حدثنا ابن حميد قال ثنا سلمة عن ابن إسحاق قال ثنى يزيد بن رومان في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾ ١ الآية إلى قوله تعالى ... فرارا﴾ .
يقول أوس بن قيظي: "ومن كان على ذلك من رأيه من قومه٢. والسند إلى يزيد بن رومان فيه ضعف لضعف ابن حميد".
قال ابن إسحاق: "وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث يا رسول الله: إن بيوتنا عورة من العدو وذلك في ملأ من قومه"أ: هـ٣.
وقال السيوطي: "وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن عروة بن الزبير ومحمد بن كعب القرظي قالا قال متعب بن قشير كان محمداً يرى أن يأكل من كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يأمن أن يذهب إلى الغائط.
стр. 229
وقال أوس بن قيظي في ملأ من قومه بني حارثة: "إن بيوتنا عورة وهي خارجة من المدينة آئذن لنا فنرجع إلى نسائنا وأبنائنا وذرارينا" فأنزل الله على رسوله حين فرغ منهم ما كانوا فيه من البلاء يذكر نعمته عليهم وكفايته إياهم بعد سوء الظن منهم ومقالة من قال من أهل النفاق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا...﴾ الخ الآية١. ثم قال الطبري معقباً على ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيّ﴾ الآية قال: "يقول تعالى ذكره: ويستأذن بعضهم رسول الله ﷺ في الإذن بالانصراف عنه إلى منزله ولكنه يريد الفرار والهرب من عسكر رسول الله ﷺ "٢.
قال الطبري ﵀: حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ أي لو دخل عليهم من نواحي المدينة ثم سئلوا الفتنة أي الشرك ﴿لَآتَوْهَا﴾ ٣ يقول: لأعطوها ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيراً﴾
стр. 230
يقول: "إلا أعطوها طيبة بها أنفسهم"١...
وعند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً﴾ الآية٢.
وقال ﵀: حدثنا ابن حميد قال ثنا سلمة عن ابن إسحاق قال ثني يزيد بن رومان في قوله: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾ الآية وهم بنو حارثة وهم الذين هموا أن يفشلوا يوم أحد مع بني سلمة حين هما بالفشل يوم أحد ثم عاهدوا الله لا يعودون لمثلها فذكر الله لهم الذي أعطوه من أنفسهم٣. مشيراً بذلك إلى قوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٤.
وقال السيوطي أيضا: "أخرج ابن أبي حاتم عن السدي٥ ﵁ في قوله:
стр. 231
﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ قال: "إلى المدينة عن قتال أبي سفيان ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ قال: "جاءه رجلان من الأنصار من بني حارثة أحدهما يدعى أبا عرابة بن أوس والآخر يدعى أوس بن قيظي فقالا يارسول الله: "أن بيوتتنا عورة يعنون أنها ذليلة الحيطان وهي في أقصي المدينة ونحن نخاف السرق فائذن لنا فقال الله ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً﴾ " الآية١.
وقال الطبري ﵀: حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة في قوله: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾ الآية. قال: "كان ناس غابوا عن وقعة بدر ورأوا ما أعطى الله أصحاب بدر من الكرامة والفضيلة" فقالوا: "لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن فساق الله ذلك إليهم حتى كان في ناحية المدينة"٢.
هذا الأثر سنده حسن إلى قتادة حيث إن بشر العقدي صدوق ويزيد وسعيد ثقتان. وهكذا بين الله لنبيه بأن هؤلاء الذين
стр. 232
يستأذنون بأنه لن ينفعهم الفرار وذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ .الآيات١.
وقال بالنسبة للمعوقين: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ ٢.
أما الآثار فقد قال الطبري ﵀: حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة في قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ : "قال هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس ولو كانوا لحماً لا لتهمهم أبو سفيان وأصحابه دعوا هذا الرجل فإنه هالك. وقوله: ﴿وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ أي لا يشهدون القتال يغيبون عنه" ... الخ٣. وسند هذا الأثر مثل سابقه.
وقال ﵀: حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله:
стр. 233
﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ الخ الآية قال: "هذا يوم الأحزاب انصرف رجل من عند رسول الله ﷺ فوجد أخاه بين يديه شواء ورغيف ونبيذ فقال له أنت ههنا في الشواء والرغيف والنبيذ ورسول الله ﷺ بين الرماح والسيوف؟ فقال: "هلم إلى هذا فقد بلغ بك وبصاحبك والذي يحلف به لا يستقبلها١ محمد أبداً فقال كذبت والذي يحلف به" قال: "وكان أخاه من أبيه وأمه أما والله لأخبرن النبي ﷺ أمرك".
قال وذهب إلى رسول الله ﷺ ليخبره قال فوجده قد نزل جبرائيل ﵇ يخبره ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ﴾ ". الخ٢.
سند هذا الأثر ضعيف لضعف ابن زيد وكون يونس - صدوق يخطئ أما ابن وهب فهو ثقة وقد ذكره السيوطي عن أبن أبي حاتم ينفس اللفظ٣.
стр. 234
الباب الخامس: وصف ما دار في غزوة الأحزاب من مناوشات
الفصل الأول: اقتحام المشركين للخندق وتصدي المسلمين لهم
المبحث الأول: الحصار الذي لحق بالمسلمين
...
المبحث الأول: الحصار الذي لحق بالمسلمين
بعد أن تم حفر الخندق ووصلت الأحزاب ونقض بنو قريظة العهد المبرم مع رسول الله ﷺ ونجم النفاق وقال المؤمنون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ ١.
ولكنهم لقتلهم وكثرة العدو وأحاطته بهم من كل مكان ثقل الأمر عليهم وأشتد البلاء حيث بين الله ذلك الموقف بقوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ الآيات٢.
стр. 235
وقبل أن يتوجه ﷺ إلى المعسكر وكما هي عادته ﷺ كلما أراد أن يغزو ويحارب يجعل أميراً على المدينة يقوم بشؤونها حتى يعود ﵊. وكان في هذه الغزوة قد أمّر ﵊ المهاجر الصابر الأعمى: عبد الله ابن أم مكتوم١ ﵁ ثم توجه إلى معسكره وبدأ المرابطة وحاصر أعداءُ الله المسلمين وقتاً ليس بالقصير وعرف المسلمون مَنْ يتربص بهم وراء هذا الحصار فقرروا مواصلة المرابطة في مكانهم ينضحون بالنبل كل مقترب ويتحملون لأواء هذه الحراسة التي تنتظم السهل والجبل وتتسع ثغورها يوماً بعد يوم. لذلك قال ابن إسحاق:
فأقام رسول الله ﷺ والمسلمون وعدوهم محاصروهم ولم يكن بينهم قتال. إلا إن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود بن أبي قيس أخو بني عامر بن لؤي.
قال ابن هشام: "ويقال: عمرو بن عبد بن أبي قيس":
قال ابن إسحاق: "وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهب واسم أبي وهب - جعدة - المخزوميان وضرار بن الخطاب الشاعر بن مرداس أخو بني محارب بن فهر تلبسوا للقتال ثم خرجوا على خيلهم. حتى مروا
стр. 236
بمنازل بني كنانة فقالوا تهيأوا يابني كنانة للحرب فستعلمون من الفرسان اليوم ثم اقبلوا تعنق بهم خيلهم حتى وقفوا على الخندق فلما رأوه قالوا والله أن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها". أ. هـ. ١
وبدأ الحصار واشتدت وطأته وكره فوارس من قريش أن يقفوا حول المدينة على هذا النحو فإن فرض الحصار وترقب نتائجه ليس من شيمهم وكانوا يحاولون شتى المحاولات لتحطيم هذا الحصار وهم في كل ذلك يفشلون أمام صمود المسلمين.
أما الحصار فقد اختلف فيه على أقوال:
(١) قال ابن كثير٢ قال ابن إسحاق: "فأقام رسول الله ﷺ مرابطاً وأقام المشركون يحاصرونه بضعاً وعشرين ليلة قريباً من شهر ولم يكن بينهم حرب إلا الرميا٣ بالنبل. وبه قال ابن جرير الطبري٤ وابن الأثير٥ وابن سيد الناس"٦.
стр. 237
(٢) أما ابن سعد فقد ساق في ذلك حديثاً ليبين بأن الحصار دام أربعاً وعشرين ليلة - إلا أن ظاهره الإرسال وهو من رواية ابن المسيب عن النبي ﷺ ١ وقد قال قبل ذلك أي ابن سعد وحُصر النبي ﷺ وأصحابه بضع عشرة ليلة٢.
والذي ذكره ابن سعد على ضوء الحديث المسند وهو أربع وعشرون ليلة هو مقارب للقائلين بأن الحصار كان شهراً. وهو قول للواقدي٣. لكن قوله بأن المدة كانت بضع عشرة ليلة مغاير للقول الأول.
(٣) قال الحافظ٤: "وذكر موسى بن عقبة أن مدة الحصار كانت عشرين يوماً".
(٤) قال ابن القيم٥: "إن الحصار دام شهراً ولم يكن بينهم قتال لأجل ما حال الله به من الخندق بينهم وبين المسلمين".
(٥) قال القسطلاني٦: "وفي الروضة للنووي خمسة عشر يوماً - وهذا يقوي قول ابن سعد المتقدم بأن الحصار دام بضع عشرة ليلة".
стр. 238
والصحيح هو ما جزم به ابن القيم بدليل الآثار الآتية. وكذلك وجد في إشعارهم ما يدل على ذلك.
أما الآثار فهي:
قال الطبري ﵀: حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة١ في قولـ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا﴾ الآية قال٢ يعني الملائكة قال نزلت هذه الآية يوم الأحزاب وقد حصر رسول الله ﷺ شهراً ... الخ"٣. من حديث طويل. والأثر بهذا السند حسن لذاته إلى قتادة.
وقال ابن سعد ﵀: أخبرنا عارم بن الفضل٤ أخبرنا حماد بن زيد٥ عن يحيى بن سعيد
стр. 239
قال: قال سعيد بن المسيب١: "حاصر النبي ﷺ المشركون في الخندق أربعاً وعشرين ليلة ..." الحديث٢.
والأثر رجاله ثقات إلا أنه مرسل.
أما الاشعار الدالة على ذلك فقد جاء في السيرة النبوية ما يلي:
قال ضرار بن الخطاب بن مرداس٣ وكان أحد الفرسان الذين
حاولوا اقتحام الخندق وكان أيضاً أحد الشعراء المشهورين ولا يخفى ما للشعر من تأثير على النفوس في الحروب وغيرها.
стр. 240
قال يوم الخندق شعراً جاء فيه:
فأحجرناهم شهراً كريتا١ ... وكنا فوقهم كالقاهرينا٢
ومن ذلك أيضاً ما جاء في شعر ابن الزبعرى٣ من قصيدة طويلة:
شهراً وعشرا قاهرين محمداً ... وصحابه في الحرب خير صحاب٤
فقد ذكر عشراً زيادة على الشهر ولعله ضرورة شعرية حتى يستقيم الوزن وإلا فالثابت شهراً.
стр. 241
المبحث الثاني: المبارزة
قال ابن إسحاق: "في سياق حديثه عن المناوشات التي حصلت بين الفريقين ثم تيمموا١ مكاناً ضيقاً٢ فضربوا خيلهم فاقتحمت٣ منه فجالت بهم في السبخة٤ بين الخندق وسلع.
وخرج علي بن أبي طالب ﵁ في نفر من المسلمين حتى أخذوا عليهم الثغرة٥ التي أقحموا منها خيلهم وأقبلت الفرسان تعنق٦ نحوهم٧ وهنا أحس الفريقان بالخطر وكانت هي الشرارة الأولى
стр. 242
التي ألهبت حماس الفريقين فالمسلمون كان حماسهم يكمن في فرحهم بنجاح الخطة التي اتخذوها وهي -الخندق-.
والمشركون كان حماسهم لقتل بعض زعمائهم كما سيأتي وكانوا يحاولون جاهدين الانتقام وكانوا هم أشد خطراً لأنهم هم المعتدون. كما أن المسلمين أصبحوا يطوقونهم في تلك الحالة - وهم داخل معسكر المسلمين- أمامهم في الثغرة وخلفهم في المعسكر.
مقتل عمرو بن عبدود:
قال ابن إسحاق: "وكان عمرو بن عبدود قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد يوم أحد فلما كان يوم الخندق خرج معلماً١ ليرى مكانه فلما وقف هو وخيله قال من يبارز؟ فبرز له علي بن أبي طالب فقال له ياعمرو: "إنك كنت عاهدت الله ألا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه قال له: أجل". قال له علي: "فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام" قال "لا حاجة لي بذلك". قال "فإني أدعوك إلى النزال" فقال له: "لم يأبن أخي؟ فوالله ما أحب أن أقتلك". قال له علي: "لكني والله
стр. 243
أحب أن أقتلك" فحمي١ عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره٢ وضرب وجهه ثم أقبل على علي فتنازلا وتجاولا فقتله علي ﵁ وخرجت خيلهم منهزمةً حتى اقتحمت من الخندق هاربة.
قال ابن إسحاق: "وقال علي رضوان الله عليه في ذلك:
نصر الحجارة من سفاهة رأيه ... ونصرت رب محمد بصوابي
فصددت حين تركته متجدلاً ... كالجذع بين دكادك وروابي
وعففت عن أثوابه ولو أنني ... كنت المقطر بزّني أثوابي٣
لا تحسبن الله خاذل دينه ... ونبيه يا معشر الأحزاب٤
قال ابن هشام: "وأكثر أهل الشعر يشك فيها لعلي بن أبي طالب"٥.
الآثار الدالة على ذلك:
قال الحاكم ﵀: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا أحمد بن عبد الجبار٦ حدثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق٧ قال: "كان عمرو بن عبدود
стр. 244
فارس قريش وكان قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة، ولم يشهد أُحُداً فلما كان يوم الخندق خرج معلماً ليرى مشهده فلما وقف هو وخيله قال له علي ياعمرو قد كنت تعاهد الله لقريش أن لا يدعوك رجل إلى خلتين إلا قبلت منه أحداهما فقال عمرو أجل. فقال علي ﵁ فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله ﷺ ، والإسلام فقال لا حاجة لي في ذلك قال فإني أدعوك إلى البراز فقال يابن أخي لم؟ فوالله ما أحب أن أقتلك. فقال علي لكني والله أحب أن أقتلك فحمي عمرو فاقتحم عن فرسه فعقره ثم أقبل فجاء إلى علي وقال من يبارز؟ فقام علي وهو مقنع في الحديد فقال أنا له يا نبي الله فقال إنه عمرو بن عبدود١ اجلس. فنادى عمرو ألا رجل فأذن له رسول الله ﷺ فمشى إليه علي ﵁ وهو يقول:
لا تعجلن فقد أتاك ... مجيب صوتك غير عاجز
ذو نبهة وبصيرة ... والصدق منجا كل فايز
إني لأرجو أن أقيم ... عليك نائحة الجنائز
من ضربة نجلاء ... يبقى ذكرها عند الهزاهز٢
стр. 245
فقال له عمرو: من أنت؟ قال أنا علي قال ابن من؟ ابن عبد مناف؟ فقال أنا علي بن أبي طالب فقال عندك يا ابن أخي مِنْ أعمامك من هو أسن منك١؟ فانصرف فإني أكره أن أهريق دمك فقال علي لكني والله ما أكره أن أهريق دمك فغضب فسل سيفه كأنه شعلة نار ثم أقبل نحو علي مغضباً واستقبله علي بدرقته٢ فضربه عمرو في الدرقة فقدها٣. وأثبت فيها السيف وأصاب رأسه فشجه وضربه علي ﵁ على حبل العائق فسقط وثار العجاج٤ فسمع رسول الله ﷺ التكبير فعرف أن علياً قتله وقال ﵁ شعراً كان في آخره:
عبد الحجارة من سفاهة عقله٥ ... وعبدت رب محمد بصواب
ثم أقبل علي ﵁ نحو رسول الله ووجهه يتهلل فقال عمر بن الخطاب ﵁ هلا استلبت درعه فليس للعرب درعاً خيراً منها.
стр. 246
فقال: "ضربته فأتقاني بسؤته واستحييت ابن عمي أن استلبه١. وخرجت خيله منهزمة حتى اقتحمت من الخندق". أ: هـ٢.
وقد أورد البيهقي من طريق ابن إسحاق في موضع آخر من السيرة حيث قال: "وخرج عمرو بن عبد ود وهو مقنع بالحديد فنادى من يبارز؟ فقال علي ﵁ أنا لها يانبي الله فقال إنه عمرو اجلس، ونادى عمرو ألا رجل وهو يؤنبهم"٣ ويقول أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها أفلا تبرزون إليّ رجلاً فقام علي فقال أنا يا رسول الله فقال اجلس ثم نادى الثالثة فقال:
ولقد بححت من النداء ... بجمعكم هل من مبارز؟
ووقفت إذ جبن المشجع ... موقف القرن٤ المناجز
زاد ابن كثير٥:
ولذاك أني لم أزل ... متسرعاً قبل الهزاهز
إن الشجاعة في الفتى ... والجود من خير الغرائز
стр. 247
قال فقام علي ﵁ فقال يا رسول الله: "أنا فقال إنه عمرو فقال وإن كان عمراً فأذن له رسول الله ﷺ فمشى إليه حتى أتاه وهو يقول:
لا تعجلن فقد أتاك ... مجيب صوتك غير عاجز
ذو١ نية وبص
стр. 248
وضربه على حبل عاتقه فسقط وثار العجاج وسمع رسول الله ﷺ التكبير فعرفنا أن علياً قد قتله فثم يقول علي
أعليّ تقتحم الفوارس هكذا ... عني وعنهم أخروا أصحابي
اليوم تمنعني الفرار حفيظتي ... ومصمم في الراس ليس بنابي
إلى أن قال
عبد الحجارة من سفاهة رأيه ... وعبدت رب محمد بصوابي
قال ثم أقبل علي نحو رسول الله ﷺ ووجهه يتهلل١.
قال ابن هشام وألقى عكرمة رمحه يومئذ وهو منهزم عن عمرو فقال في ذلك حسان:
فرّ وألقى لنا رمح
стр. 249
وقال: "اللهم أعنه عليه" ١.
وقال الزرقاني نقلاً عن الحاكم قال٢: سمعت الأصم قال سمعت العطاردي قال سمعت يحى بن آدم٣ يقول ما شبهت قتل علي عمراً إلا بقوله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوت﴾ ٤ الآية. والحديث يعتبر من الشواهد المقوية. وحديث قتل علي لعمرو ذكره غير واحد منهم: ابن سعد٥ كما أخرجه الطبري عن الزهري٦ مرسلاً وذكره ابن الأثير٧. وعزاه ابن سيد الناس لابن إسحاق٨، وقد ذَكَره علي المتقي الهندّي، وذكر بأن المحاملي أورده في أماليه وفيه زيادةٌ هذا نصها:
стр. 250
عن ابن عباس قال: "سَمِعْتُ عمر يقول جاء عمرو بن عبد ود فجعل يجول بفرسه حتى جاوز الخندق إلى أن قال: ... ﷺ : "اخرج يا علي" فقال له عمرو من أنت يا ابن أخي؟ قال أنا علي فقال إن أباك كان نديماً لي لا أحب قتالك ... إلى أن قال عمرو إني نذرت أن أقتل حمزة فسبقني إليه وحشي ثم إني نذرت أن أقتل محمداً قال علي: "فانزل فنزل فاختلفا في الضربة فضربه علي فقتله"١.
وقد قيل إن الرسول ﷺ لما أذن لعلي في مبارزة عمرو دعا الله وقال اللهم أعنه عليه بعد أن عممه وأعطاه سيفه ذا الفقار وكل ذلك بدون إسناد وذكروا أيضاً أن علياً قال: قال رسول الله ﷺ يوم الخندق اللهم أنك أخذت عبيدة بن الحارث يوم بدر، وحمزة بن عبد المطلب يوم أحد، وهذا علي فلا تدعني فرداً وأنت خير الوارثين" أ: هـ. هكذا ذكره في كنز العمال٢وعزاه إلى الديلمي.
مقتل نوفل المخزومي:
قال ابن سعد: "ثم أًجْمع رؤساؤهم أن يغدوا يوماً فغدوا جميعاً ومعهم رؤساء سائر الأحزاب وطَلَبوا مضيقاً من الخندق يقحمون منه خيلهم إلى