← Сира

Сира · id 11395

مرويات غزوة الخندق

إبراهيم بن محمد المدخلي

Полный текст (402 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

كعب بن مالك، ومحمد بن كعب١ القرظي٢، والزهري، وعاصم٣ بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر٤، وغيرهم من علمائنا، وبعضهم يحدث مالا يحدث بعض قالوا: "أنه كان من حديث الخندق٥ أن نفراً من اليهود منهم سلام بن أبي

стр. 37

الحقيق النضري١، وحيي بن أخطب النضري٢، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق٣، وهوذة بن قيس الوائلي٤، وأبو عمار٥ الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله ﷺ ". خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ ، وقالوا: "إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله" فقالت لهم قريش: "يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الأول، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن

стр. 38

ومحمد أفديننا خير أم دينه؟ " قالوا بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه. فهم الذين أنزل الله فيهم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ ١. قال ابن إسحاق: "فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله ﷺ ، فاجتمعوا لذلك واتعدوا له. ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاؤا غطفان٢ فدعوهم إلى حرب النبي ﷺ ، وأنهم يكونون معهم عليه، وأن قريشاً قد تابعوهم على

стр. 39

ذلك، واجتمعوا معهم فيه١. وقد أورد الطبري٢ هذا الأثر في تفسيره عن محمد بن حميد عن سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق بهذا الإسناد". كما أورده ابن كثير٣ عن ابن إسحاق أيضاً. وكذا ذكره جميع أصحاب المغازي والسير والتفاسير٤. وقد نقل الحافظ٥ هذا القول من مغازي موسى بن عقبة مما يؤيد ويقوي حديث الباب. وبالنظر إلى سند هذا الأثر: نجد أن رجاله كلهم ثقات، وأن الذي قال فيه ابن إسحاق (ومن لا أتهم) في قوله (عن عروة ومن لا أتهم) . لا يؤثر عدم تسميته لأنه مع عروة وعروة ثقة.

стр. 40

وهذا الإسناد ينتهي إلى هؤلاء التابعين وحكايتهم لشيء حصل في زمن رسول الله ﷺ فيه حذف للواسطة الذي شاهد ذلك وهو الصحابي ويحتمل أن يكون سقط قبل الصحابي تابعي فهو يعتبر منقطعاً١. ويظهر أن للقصة أصلاً، ولذلك أوردها المفسرون عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ ٢. فقد قال ابن كثير ﵀: "وقال ابن إسحاق حدثني محمد بن أبي عدي٣، عن داود٤، عن

стр. 41

عكرمة١ أو عن سعيد٢ بن جبير عن ابن عباس٣، قال: "كان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان، وبني قريظة حيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق، وأبو رافع، والربيع بن أبي الحقيق، وأبو عامر، ووحوح بن عامر، وهوذة بن قيس. فأما وحوح وأبو عامر وهوذة فمن بني وائل٤، وكان سائرهم من بني النضير٥، فلما قدموا على قريش قالوا: هؤلاء أحبار يهود، وأهل العلم بالكتاب الأول فاسألوهم أدينكم خير أم دين محمد؟ فسألوهم فقالوا دينكم خير من دينه، وأنتم أهدى منه، وممن اتبعه فأنزل الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ...﴾ "٦.

стр. 42

والحديث بهذا السند يعتبر حسنا لذاته والشك في قوله عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير لا يضر فكلاهما ثقتان. ومن طريق ابن إسحاق أخرجه كذلك الطبري١. قال عبد الرزاق٢ عن الزهري في حديثه عن ابن المسيب مطولاً فيه: "وكان حيي بن أخطب استجاش المشركين على رسول الله ﷺ ... الخ الحديث"٣. ودرجة حديث عبد الرزاق: إسناده ضعيف لأن عبد الرزاق أخرجه عن ابن المسيب مرسلاً وبين عبد الرزاق والزهري راوٍ لم يذكر، ويحتمل أن يكون الذي بينهما (معمراً) ، لأن عبد الرزاق غالباً ما يأخذ عن معمر عن الزهري، علماً بأن مراسيل ابن المسيب أصح المراسيل، قد اتفق النقاد من المحدثين على ذلك.

стр. 43

والذي يظهر أن القصة مشهورة وممن ذكرها: ابن سعد، وابن القيم، وابن حجر قال ابن سعد: "مشيراً إلى جم غفير من العلماء الذي نقل عنهم شيخه الواقدي، قالوا: لما أجلى رسول الله ﷺ بني النضير ساروا إلى خيبر فخرج نفر من أشرافهم ووجوههم إلى مكة، فألبوا قريشاً، ودعوهم إلى الخروج إلى رسول الله ﷺ وعاهدوهم وجامعوهم على قتاله ووعدوهم لذلك موعداً ثم خرجوا من عندهم فأتوا غطفان وسُليماً ففارقوهم على مثل ذلك"١. وما ذكره ابن سعد يعتبر ضعيفاً لأنه من طريق الواقدي٢ وهو متروك. قال ابن القيم ﵀: "وكان سبب غزوة الخندق أن اليهود لما رأوا انتصار المشركين على المسلمين يوم أُحد وعلموا بميعاد أبي سفيان لغزو المسلمين فخرج لذلك ثم رجع للعام المقبل فقد خرج أشراف اليهود إلى قريش بمكة يحرضونهم على

стр. 44

غزو رسول الله ﷺ وحربه١. وكان القرشيون قد جربوها واكتووا بنارها فصاروا يتهيبونها ويزهدون فيها. فزينها الوفد اليهودي وهون أمرها وقالوا: إنا سنكون معكم حتى نستأصله". أما الحافظ فقال: "وذكر موسى بن عقبة٢ في المغازي قال خرج حيي بن أخطب بعد قتل٣ بني النضير إلى مكة يحرض قريشاً على حرب رسول الله ﷺ ، وخرج كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق يسعى في غطفان، ويحثهم على قتال رسول الله ﷺ على أن لهم نصف ثمر خيبر فأجابه عيينة بن حصن الفزاري إلى ذلك وكتبوا إلى حلفائهم من بني أسد فأقبل إليهم طليحة بن خويلد بمن أطاعه، وخرج أبو سفيان بن حرب بقريش فنزلوا بمر الظهران فجاءهم من أجابهم من بني سليم مدداً لهم فصاروا في جمع عظيم فهم الذين سماهم الله - تعالى - الأحزاب"٤.

стр. 45

وما ذكره الحافظ نقلاً عن موسى بن عقبة لا نستطيع الجزم بضعفه أو صحته لعدم اطلاعنا على مغازي موسى بن عقبة. ويتبين مما أوردناه من الآثار السابقة أن يهود بني النضير الذين أجلوا إلى خبير كانوا هم السبب المباشر في وقوع هذه الغزوة وقد ثبت ذلك بطرق تكون بمجموعها صالحة للاحتجاج بها. وهكذا نرى اتفاق علماء المغازي والسير، وغيرهم من المفسرين على أن سبب هذه الغزوة المباشر هو حقد اليهود، وأملهم في القضاء على الإسلام والمسلمين ليشفوا الغيظ الذي أحرق قلوبهم نتيجة طردهم (من حوالي المدينة١) رغم أن إجلاءهم كان نتيجة نقضهم للعهود وتلاعبهم بالمواثيق. لذلك قال أبو الحسن الندوي: وتمت الاتفاقية العسكرية والتي كان قريش وغطفان واليهود من أهم أعضائها واتفقوا على شروط من أهمها: ١- أن تشارك غطفان في جيش الاتحاد بأكبر عدد ممكن. ٢- أن يدفع اليهود لقبائل غطفان كل تمر خيبر لسنة كاملة.

стр. 46

وأسندت قيادة الجيش لأبي سفيان بن حرب١. وقد شذ صاحب العقد الثمين٢ فقال: وكان المشركون عشرة آلاف عليهم الحارث بن عوف النضري٣.

стр. 47

الفصل الثاني: تاريخ الغزوة أما بالنسبة لتحديد زمن هذه الغزوة فقد اختلف العلماء في ذلك وانحصرت أقوالهم فيها فيما بين السنة الرابعة والخامسة للهجرة النبوية الشريفة، وقد شذ اليعقوبي١ فقال: إنها كانت في السنة السادسة بعد مقدم رسول الله ﷺ بخمسة وخمسين شهراً٢. وهذا التحديد يبدو أنه خطأ بدليل التفصيل بعده بالأشهر ولأن الخمسة والخمسين شهراً تأتي أقل من خمس سنوات فلينظر. وسأذكر فيما يلي رأي كل فريق مع أدلته وترجيح ما يظهر بالدليل بعد المناقشة والتحليل حسب الإمكان: أ- القائلون بأنها كانت سنة أربع:

стр. 48

الزهري ثم تابعه موسى بن عقبة صاحب المغازي قال ابن كثير١: "وقد روى موسى بن عقبة عن الزهري أنه قال: ثم كانت وقعة الأحزاب في شوال سنة أربع، وكذلك قال الإمام مالك بن أنس فيما رواه أحمد بن حنبل عن موسى٢ بن داود عنه"٣. وقد ذكر البخاري رأي موسى بن عقبة في صحيحه فقال: "قال موسى بن عقبة: كانت في شوال سنة أربع" هكذا رواه تعليقاً وبه قال٤ أثبت ذلك الحافظ حيث قال: "ومال المصنف إلى قول موسى بن عقبة٥

стр. 49

وقد تابع هؤلاء في ذلك ابن قتيبة١ والفسوي٢ وابن حزم٣ والنووي٤ وابن خلدون"٥.

стр. 50

كما قال به النسفي١. أمّا خليفة٢ بن خياط فلم توجد الغزوة في تاريخه٣ ويبدو أنها سقطت منه٤. وذكر ابن العربي٥ أن ابن وهب٦ وابن القاسم٧ قالا بذلك٨ ولذلك قال ابن حزم:

стр. 51

"والثابت أنها في الرابعة بلا شك مستدلاً بحديث ابن عمر الآتي. ثم عقب قائلاً فصح أنه لم يكن بينهما - أي بين أحد والخندق - إلا سنة واحدة فقط"١. والقائلون بأنها كانت سنة أربع جميعهم يستدلون بحديث ابن عمر وهذا سياقه. قال البخاري ﵀: "حدثنا يعقوب بن إبراهيم٢ حدثنا يحيى بن سعيد٣ عن عبيد الله٤ قال أخبرني نافع٥ عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ عرضه يوم

стр. 52

أحد وهو ابن أربع عشرة فلم يجزه وعرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه"١. الحديث رواه أيضا مسلم٢ وأبو داود٣ والترمذي٤ والنسائي٥ وابن ماجه٦ وأحمد٧ وأبو عوانه٨ والبيهقي٩. هذا الحديث مخرج في الصحيحين كما هو مبين وفي غيرهما من كتب السنة وقد أورده القائلون بأن هذه الغزوة كانت سنة أربع دليلاً لهم.

стр. 53

والزهري من القائلين بهذا القول وقد مر أن موسى بن عقبة روى عنه أنه قال: ثم كانت وقعة الأحزاب في شوال سنة أربع١. ومع ذلك فقد صرح في موضع آخر بأن الخندق بعد أحد بسنتين٢ وأحد كانت في السنة الثالثة٣ وهو قول الجمهور. ب - القائلون بأن هذه الغزوة كانت في شوال سنة خمس: أما الذين قالوا بأنها كانت سنة خمس فهم كثيرون وهم الجمهور كما قال ابن كثير٤. ويتقدمهم أمام أهل المغازي ابن إسحاق وعروة ابن الزبير وقتادة٥ والبيهقي٦ وغير واحد من العلماء سلفاً وخلفاً٧.

стр. 54

وممن قال به أيضا الواقدي وكاتبه ابن سعد١ لكنهما قالا: "إنها كانت في ذي القعدة وتابعهما في ذلك المقريزي"٢. حيث قال: "وكان من خبرها أن رسول ﷺ عسكر يوم الثلاثاء لثمان مضت من ذي القعدة سنة خمس"٣. أما ابن هشام٤ فقد قال: "بأنها كانت في شوال وفي سنة خمس متابعاً في ذلك ابن إسحاق"٥.

стр. 55

وقال به أيضاً البلاذري١ والطبري٢ والمسعودي٣ وابن عبد البر٤ والخطيب٥.

стр. 56

وممن قال بهذا القول أيضا السهيلي١ وابن الأثير٢ والنويري٣ حيث حكاه عن ابن إسحاق وممن قال به من المشاهير ابن كثير٤ والسمهودي٥.

стр. 57

وممن قال به من المعاصرين محمد محمد أبو شهبه١، وعماد الدين خليل٢، ومصطفى السباعي٣. وهكذا يتبين أن الكثرة الكاثرة هم القائلون بأنها كانت سنة خمس. قال الذهبي٤: "وهو المقطوع به"، وقال ابن القيم٥: "وهو الأصح"، وقال الحافظ٦: "وهو المعتمد حكى ذلك كله القسطلاني٧. وقد أجابوا عن

стр. 58

حديث عرض ابن عمر المتقدم مؤلين له وقالوا: "يحتمل أنه عرض في أحد في أول الرابعة عشرة، ويوم الأحزاب في أواخر الخامسة عشرة، وهذا هو جواب البيهقي"١. وعقب ابن كثير٢ على قول ابن حزم المتقدم، والثابت أنها في الرابعة بلا شك بقوله: "هذا الحديث مخرج في الصحيحين، وليس يدل على ما ادعاه ابن حزم، لأن مناط إجازة الحرب كان عنده ﷺ خمس عشرة سنة، فكان لا يجيز من لم يبلغها، ومن بلغها أجازه. فلما كان ابن عمر يوم أحد ممن لم يبلغها لم يجزه. ولما كان قد بلغها يوم الخندق أجازه. وليس ينفي هذا أن يكون قد زاد عليها بسنة أو سنتين أو ثلاث أو أكثر من ذلك فكأنه قال: وعرضت عليه يوم الخندق، وأنا بالغ أو من أبناء الحرب.

стр. 59

وقال البيهقي: "ولا اختلاف بينهم في الحقيقة لأن مرادهم أن ذلك بعد مضي أربع سنين وقبل استكمال خمس"١. وقد أورد ابن حجر هذا الجواب عن البيهقي ومفاده:"بأن قول ابن عمر "عرضت يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة" أي دخلت فيها، وأن قوله عرضت يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة، أي تجاوزتها فألغى الكسر في الأولى، وجبره في الثانية، وهو شائع مسموع في كلامهم. وبه يرتفع الإشكال المذكور، وهو أولى من الترجيح"٢. وقد روى الطبراني٣ بسنده عن ابن إسحاق أثراً يعتبر شاهداً لأصحاب هذا الرأي حيث قال:

стр. 60

حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي١ ثنا محمد بن محمد بن عبد الله ابن نمير٢ ثنا يونس بن بكير٣ عن محمد بن إسحاق قال: "لما كانت٤ ١ محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي الحافظ مطّين بفتح المثناة التحتية. قال صاحب المغني هو لقب أبي جعفر محمد بن عبد الله قال وبكسرها (المثناة) لقب عبد الله بن محمد. قال الحافظ: "هو محدث الكوفة، وقد وثقه الناس". قال الذهبي سئل عنه الدارقطني فقال: "ثقة جبل". قال: "وبكل حال فمطين ثقة مطلقاً. ولد ٢٠٢هـ، وتوفي عام ٢٩٧هـ". انظر: لسان الميزان ٥/٢٣٣- ٢٣٤، تذكرة الحفاظ ٢/٦٦٢، المغني في أسماء الرجال ٧٢. ٢ محمد بن عبد الله بن نمير الهمذاني بسكون الميم الكوفي أبو عبد الرحمن، ثقة حافظ، فاضل من العاشرة. مات سنة أربع وثلاثين أي ٢٣٤هـ. وروى له (ع) . التقريب ٣٠٦. ٣ يونس بن بكير بن واصل الشيباني أبو بكر الحمال الكوفي، صدوق يخطئ من التاسعة. مات سنة ١٩٩. روى له (خت م ت ق) . قال الذهبي هو حسن الحديث. التقريب ٣٩٠، ميزان الاعتدال ٤/٤٧٨.

стр. 61

الخندق في شوال سنة خمس وفيها مات سعد بن معاذ ﵁. وهذا الأثر يعتبر على ضوء هذا السند حسناً إلى ابن إسحاق منقطعاً بعده والله أعلم. وكذا أورد هذا الأثر البيهقي حيث قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ١ حدثنا أبو العباس٢ محمد بن يعقوب حدثنا أحمد بن عبد الجبار٣ العطاردي حدثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق به ٤.

стр. 62

كما أورده الهيثمي١ عن ابن إسحاق، وقال رواه الطبراني ورجاله ثقات. وقال الحافظ: "ويؤيد قول ابن إسحاق أن أبا سفيان قال للمسلمين لما رجع من أحد: موعدكم العام المقبل ببدر فخرج النبي ﷺ من السنة المقبلة إلى بدر فتأخر مجيء أبي سفيان تلك السنة للجدب الذي كان حينئذ، وقال لقومه إنما يصلح الغزو في سنة الخصب فرجعوا بعد أن وصلوا عسفان أو دونها". ذكر ذلك ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي. وعقب٢ على ذلك بقوله: "وقد بين البيهقي سبب هذا الاختلاف، وهو أن جماعة من السلف كانوا يعدون التاريخ من المحرم الذي وقع بعد الهجرة ويلقون الأشهر التي قبل ذلك إلى ربيع الأول، وعلى ذلك جرى يعقوب بن سفيان في تاريخه فذكر أن غزوة بدر الكبرى كانت في السنة الأولى، وأن غزوة أحد كانت في السنة الثانية، وأن الخندق كانت في الرابعة، وهذا عمل صحيح على ذلك البناء، ثم قال: ولكنه بناء واهٍ مخالف

стр. 63

لما عليه الجمهور من جعل التاريخ من المحرم سنة الهجرة، وعلى ذلك تكون بدر في الثانية، وأحد في الثالثة، والخندق في الخامسة وهو المعتمد"١. أما ابن العربي فقد قال: "إن الخندق بعد مضي أربع سنين وعشرة أشهر وخمسة أيام من الهجرة"٢، وهذا موافق لأصحاب الرأي القائل بأنها كانت في الخامسة، وموافق لابن سعد حيث قال بأنها كانت في الخامسة، وفي شهر ذي القعدة، وذلك بناءً على التاريخ من بداية المحرم. وأخيراً نعرج على كلام البيهقي لنراه يقول: قلت: "لا اختلاف بينهم في الحقيقة، وذلك لأن رسول الله ﷺ قاتل يوم بدر لسنة ونصف من مقدمه المدينة في شهر رمضان ثم قاتل يوم أحد من السنة القابلة لسنتين ونصف من مقدمه المدينة في شوال، ثم قاتل يوم الخندق بعد أحد بسنتين على رأس أربع سنين ونصف من مقدمه المدينة

стр. 64

فمن قال سنة أربع أراد أربع سنين، وقبل بلوغ الخمس، ومن قال سنة خمس أراد بعد الدخول في السنة الخامسة، وقبل انقضائها"١ والله أعلم. هذا نص كلام البيهقي وهو توجيه حسن أخذ به كثير من العلماء لفك الإشكال، أما ابن سيد الناس٢ فقد نقل كلا القولين، ولم يرجح أحدهما على الآخر٣. الخلاصة: استعرضنا أدلة الفريقين، وتبين من ذلك أن الحق مع القائلين بوقوع هذه الغزوة في سنة خمس لما يأتي: ١- احتمال حديث ابن عمر لتأويلهم. ٢- اطباق أهل المغازي والسير والمؤرخين والعلماء من بعدهم على هذا الرأي.

стр. 65

٣- ما ذكر من مواعدة قريش لرسول الله ﷺ بعد أحد -بدر الموعد- يجعل ذلك واضحاً ومواعدة قريش لملاقاته ﷺ ساقها ابن حجر كاملة١، وقد بين ﵀ في المقدمة٢ أن ما يورده في كتابه منتزعاً من أمهات المسانيد، والجوامع والمستخرجات، والأجزاء، والفوائد بشرط الصحة أو الحسن.

стр. 66

الباب الثاني: الدوافع والأسباب التي دعت إلى تكتل الأحزاب الفصل الأول: دور اليهود في هذه الغزوة المبحث الأول: الحقد اليهودي على البشرية منذ القدم ... المبحث الأول: الحقد اليهودي على البشرية منذ القدم. إن الحقد الذي تمكن في قلوب اليهود على البشرية عامة وعلى المؤمنين خاصة قديم يرافق هذا الحقد عناد وصلف وكبرياء. وذلك لأنهم يعتقدون أنهم أهل السيادة في الأرض حيث قالوا إنهم أبناء الله وأحباؤه وذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ ١ الآية. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: "قالوا: أي: نحن منتسبون إلى أنبيائه وهم بنوه وله بهم عناية وهو يحبنا. ونقلوا عن كتابهم ما يوافق هدفهم وحرفوه٢. ونجد أكبر شاهد على حقدهم وكراهيتهم للمؤمنين قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ " ٣ الآية.

стр. 67

أما كراهتهم للعرب خاصة فهو واضح بالقرآن والسنة ذلك أن القرآن حكى لنا أنهم يستبيحون أكل أموال العرب وليس عليهم سبيل في ذلك بدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ ١ الآية. قال ابن كثير ﵀ عند تفسير هذه الآية أي: "إنما حملهم على جحود الحق أنهم يقولون ليس علينا في ديننا حرج في أكل أموال الأميين وهم العرب فإن الله قد أحلها لنا. أقول: ولكن الله كفانا شرهم والمجادلة معهم عند ادعائهم هذا وذلك بتمام الآية السابقة حيث قال ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُون َ﴾ " ٢. قال ابن كثير: "أي: وقد اختلقوا هذه المقالة وائتفكوها بهذه الضلالة. فإن الله قد حرم عليهم أكل الأموال إلا بحقها وإنما هم قوم بهت٣. ومع هذا فإننا إذا أردنا أن نتعرض لحقدهم وغرورهم الذي وضحه القرآن لطال بنا البحث ولكن أردنا التنويه بخبثهم ودسهم وعدم انصياعهم مع أنه واضح للعيان".

стр. 68

فهذه أم المؤمنين صفية١ بنت حيي بن أخطب تقول عن أبيها وعمها عندما جاء الرسول ﷺ إلى المدينة يحمل النور معه. وكان أهل الكتاب يعرفون علامات مبعثه وصفاته ولكن العمى عمى القلب فهذا حيي بن أخطب وهو القطب الدوار والخصم الألد الذي حرك أعداء هذا الدين لهذه الغزوة وأثار كوامن٢ قريش وألبهم ضد المسلمين وضد حامل هذه الرسالة الصافية صلوات الله وسلام عليه. تحدث أم المؤمنين فتقول فيما رواه ابن إسحاق: قال حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال حُدثت عن صفية بنت حيي بن أخطب أنها قالت: " كنت أحب ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذاني دونه".

стр. 69

قالت: "فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة ونزل قباء١ في بني عمرو بن عوف قالت غدا٢ عليه أبي حيي بن أخطب٣ وعمي أبو ياسر٤ مغلسين٥

стр. 70

قالت فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس". قالت: "فأتيا كالين١ كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى. قالت: فهششت٢ إليهما كما كنت أصنع فوالله ما ألتفت إلي واحد منهما مع ما بهما من الغم. قالت: وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي حيي بن أخطب أهو هو قال: نعم والله قال: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم قال: فما في نفسك منه؟ قال عداوته والله ما بقيت"٣. والحديث بهذا الإسناد - منقطع - لأن عبد الله بن أبي بكر بن حزم روى عن مجهول - الواسطة بينه وبين صفية -. والحديث وإن كان منقطعاً فالآيات والواقع الملموس من هذه الطائفة تؤيده وقد دل كتاب الله على معنى هذا الحديث في أكثر من آية منها علي سبيل المثال قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا

стр. 71

يَشْتَرُونَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١. قال ابن كثير: "هذا توبيخ من الله وتهديد لأهل الكتاب الذين أخذ الله عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد ﷺ ، وأن ينوهوا بذكره في الناس فيكونوا على أهبة من أمره فإذا أرسله الله تابعوه، فكتموا ذلك وتعوضوا - بتشديد الواو التي بعد العين - عما وعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدون٢ الطفيف والخط الدنيوي السخيف فبئست الصفقة صفقتهم وبئست البيعة بيعتهم"٣. وقال الطبري عند تفسير هذه الآية: "واذكر أيضا من هؤلاء اليهود وغيرهم من أهل الكتاب منهم يامحمد إذ أخذ الله ميثاقهم ليبين للناس أمرك الذي أخذ ميثاقهم على بيانه للناس في كتابهم الذي في أيديهم وهو التوراة والإنجيل وأنك لله رسول مرسل بالحق ولا يكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم. يقول: فتركوا أمر الله وضيعوه

стр. 72

ونقضوا ميثاقه الذي أخذ عليهم بذلك فكتموا أمرك وكذبوا بك واشتروا به ثمناً قليلاً". يقول: "وابتاعوا بكتابهم ما أخذ عليهم الميثاق أن لا يكتموه من أمر نبوتك عوضاً منه خسيساً قليلاً من عوض الدنيا ثم ذم جل ثناؤه شراءهم ما اشتروا به من ذلك فقال: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ "١. ثم أورد الطبري ﵀ حديثاً يؤيد ما سبق. حيث قال: حدثنا بشر٢ قال حدثنا يزيد٣ قال حدثنا سعيد٤ عن قتادة٥ ذكر لنا أن أعداء الله اليهود يهود خيبر٦ أتوا نبي الله ﷺ فزعموا أنهم راضون

стр. 73

بالذي جاء به وأنهم متابعوه وهم متمسكون بضلالتهم وأرادوا أن يحمدهم نبي الله ﷺ بما لم يفعلوا فأنزل الله قوله: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١ الآية. والحديث بهذا السند إلى قتادة حسن ولم يسم قتادة من ذكر له ذلك. ومن الجدير بالإشارة أن اليهود يحقدون أشد الحقد على النبي ﷺ قبل أن يعرفوه حتى أنهم عندما ما سمعوا أوصافه قال بعضهم لبعض: اقتلوه ويشهد لذلك ما رواه ابن سعد من سند منقطع من أعلاه حيث قال: أخبرنا عمرو بن عاصم٢ الكلابي أخبرنا همام٣ بن يحي عن إسحاق٤ بن عبد الله أن أم٥ النبي ﷺ لما دفعته إلى

стр. 74

السعدية١ التي أرضعته قالت لها احفظي ابني وأخبرتها بما رأت فمر بها اليهود فقالت إلا تحدثوني عن ابني هذا؟ فإني حملته كذا ووضعته كذا ورأيت كذا وصفت أمه قالت فقال بعضهم لبعض: "اقتلوه فقالوا: أيتيم هو؟ فقالت: لا هذا أبوه وأنا أمه فقالوا: لو كان يتيماً لقتلناه"٢ أ. هـ وليس ذلك بمستبعد عن قوم وصفهم الله في كتابه بأنهم يقتلون أنبياءهم. مما سبق من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة يتضح بعض الأدلة التي جاءت مبينة لما يعرف به اليهود على مدى الأزمان من حقد دفين وعداوة ظاهرة للأمة الإسلامية ونبيها المصطفى ﷺ . ذلك الحقد الذي أعمى قلوبهم وأحرقها وشتت شملهم في الدنيا حيث نفاهم ﷺ من المدينة وذلك بقوة الله التي تسانده حيث أخبر تعالى

стр. 75

عن ذلك فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ١. ويجدر بنا ونحن بصدد الحديث عن حقدهم ودسائسهم أن نبين طوائف اليهود الذين تمركزوا في المدينة منذ زمن طويل وهذه الطوائف هي: بنو قينقاع وبنو النضير، وبنو قريظة وكل طائفة من هذه الطوائف كان لها موقف مع النبي المصطفى ﷺ ، وكانت كلها مواقف تنضح بالحقد والكراهية. وكان من موقف بني قينقاع كما قال الحافظ٢ ما روى ابن إسحاق بإسناد حسن عن ابن عباس قال: لما أصاب رسول الله ﷺ قريشاً يوم بدر جمع يهود بني قينقاع في سوقهم فقال: يايهود أسلموا قبل أن يصيبكم ما أصاب قريشاً يوم بدر.
следующие страницы →