سرورًا ببكائك، واغتباطًا بدموعك؛ لأن الدموع التي تنحدر على خديك في مثل هذا الموقف إنما هي سطور من نور تسجل لك في تلك الصحيفة البيضاء أنك إنسان.
إن السماء تبكي بدموع الغمام، ويخفق قلبها بلمعان البرق وتصرخ بهدير الرعد، وإن الأرض تئن بحفيف الريح وتضج بأمواج البحر، وما بكاء السماء وأنين الأرض إلا رحمة بالإنسان، ونحن أبناء الطبيعة فلنجارها في بكائها وحنينها.
إن اليد التي تصون الدموع أفضل من اليد التي تريق الدماء.
والتي تشرح الصدور أشرف من التي تبقر البطون، فالمحسن أفضل من القائد، وأشرف من المجاهد، وكم بين من يحيي الميت ومن يميت الحي.
إن الرحمة كلمة صغيرة، ولكن بين لفظها ومعناها من الفرق مثل ما بين الشمس في منظرها والشمس في حقيقتها.
إذا وَجد الحكيم بين جوانح الإنسان ضالته من القلب الرحيم، وجد المجتمع ضالته من السعادة والهناء.
لو تراحم الناس لما كان بينهم جائع ولا عار ولا مغبون ولا مهضوم، ولأقفرت الجفون من المدامع، واطمأنت الجنوب في
стр. 107
المضاجع، ولمحت الرحمة الشقاء من المجتمع كما يمحو لسان الصبح مداد الظلام.
لم يخلق الله الإنسان ليقتر عليه رزقه، ولم يقذف به في هذا المجتمع ليموت فيه جوعًا، بل أرادت حكمته أن يخلقه ويخلق له فوق بساط الأرض، وتحت ظلال السماء ما يكفيه مؤونته، ويسد حاجته، ولكن سلبه الرحمة فبغى بعضه على بعض وغدر القوي بالضعيف، واحتجن دونه رزقه فتغير نظام القسمة العادلة وتشوه وجهها الجميل، ولو كان للرحمة سبيل إلى القلوب لما كان للشقاء إليها سبيل.
الفرد هو المجتمع، وإنما يتعدد بتعدد الصور، أتدري متى يكون الإنسان إنسانًا؟ متى عرف هذه الحقيقة حق المعرفة، وأشعرها نفسَه فخفَق قلبه لخفقان القلوب، وسكن لسكونها، فإذا انقطع ذلك السلك الكهربائي بينه وبينها انفرد عنها، واستوحش من نفسه، وإذا كان الأنس مأخذ الإنسان المجتمع، فالوحشة مأخذ الوحش المنقطع.
وجِماع القول أنه لا يمكن أن تجتمع رحمة الرحماء وشقوة الأشقياء في مكان واحد إلا إذا أمكن أن يجتمع في بقعة واحدة الملك الرحيم، والشيطان الرجيم.
стр. 108
إن الناس من تكون عنده المعونة الصالحة للبر والإحسان فلا يفعل، فإذا مشى مشى متدفعًا مندلثًا١ لا يلوي على شيء مما حوله من المناظر المؤثرة المحزنة، وإذا وقع نظره على بائس لا يكون نصيبه منه إلا الإغراب في الضحك سخرية به، وببذاذة ثوبه ودمامة خلقه، وإن من الناس من إذا عاشر الناس عاشرهم ليعرف كيف يحتلب دِرَّتهم٢ ويمتص دماءهم، ولا يعاملهم إلا كما يعامل شويهاته وبقراته، لا يقربها ولا يُطعمها ولا يَسقيها إلا لما يترقب من الريح في الإتجار بألبانها وأصوافها، ولو استطاع أن يهدم بيتًا؛ ليربح حجر لفعل، وإن من الناس من لا حديث له إلا الدينار، وأين مستقره وكيف الطريق إليه، وما السبيل إلى حبسه والوقوف في وجهه والحيطة لفراره، يبيت ليله حزينًا كئيبًا لأن خزانته ينقصها درهم كان يتخيل في يقظته أو يرى في منامه أنه سيأتيه فلم يُقيَّض له، وإن من الناس من يؤذي الناس لا يجلب بذلك لنفسه منفعة أو يدفع عنها مضرة بل لأنه شرير يدفعه طبعه إلى ما لا يعرف وجهه أو لِيضرّيَ٣
стр. 109
نفسه بالأذى مخافة أن ينساه عند الحاجة إليه، حتى لو لم يبق في العالم شخص غيره لكانت نفسه مدبَّ عقاربه وغرض سهامه، وإن من الناس من إذا كشف لك عن أنيابه رأيت الدم الأحمر يترقرق فيها أو عن أظافره رأيت تحتها مخالب حادة لا تسترها إلا الصورة البشرية أو عن قلبه رأيت حجرًا صلدًا من أحجار الغرانيت لا يَبِضّ١ بقطرة من الرحمة، ولا تَخْلُص إليه نسمة من العظة.
فيا أيها الإنسان احذر الحذر كله من أن تكون واحدًا من هؤلاء، فإنهم سباع مفترسة وذئاب ضارية، بل أعظك ألا تدنو من أحدهم أو تعترض طريقه، فربما بدا له أن يأكلك فأكلك غير حافل بك ولا آسف عليك.
أيها الإنسان: ارحم الأرملة التي مات عنها زوجها، ولم يترك لها غير صبية صغار، ودموع غزار، إرحمها قبل أن ينال اليأس منها ويعبث الهم بقلبها فتفضل الموت على الحياة.
إرحم المرأة الساقطة لا تزين لها خلالها، ولا تشتر منها عرضها علها تعجز عن أن تجد مساومًا يساومها فيه، فتعود به إلى كسر بيتها.
стр. 110
ارحم الزوجة أم ولدك وقعيدة بيتك، ومرآة نفسك وخادمة فراشك؛ لأنها ضعيفة ولأن الله قد وكل أمرها إليك، وما كان لك أن تكذب ثقته بك، واعتماده عليك.
ارحم ولدك وأحسن القيام على جسمه ونفسه، فإنك إلا تفعل قتلته أو أشقيته فكنت أظلم الظالمين.
ارحم الجاهل لا تتحين فرصة عجزه عن الانتصاف لنفسه فتجمع عليه بين الجهل والظلم، ولا تتخذ عقله متجرًا تربح فيه ليكون من الخاسرين.
ارحم الحيوان؛ لأنه يحس كما تحس، ويتألم كما تتألم، ويبكي بغير دموع، ويتوجع ولا يكاد يبين، ارحمه وكذب من يقول إن الإنسان طبع على ضرائب لؤم أقلها أنه يقبل يد ضاربه، ويضرب من لا يمد إليه يدًا.
ارحم الطيور لا تحبسها في الأقفاص ودعها في فضائها تهيم حيث تشاء، وتقع حيث يطيب لها التغريد والتنقير، إن الله وهبها فضاء لا نهاية له فلا تغتصبها حقها، فتضعها في محبس لا يسع مد جناحها، أطلق سبيلها، وأطلق سمعك وبصرك وراءها؛ لتسمع تغريدها فوق الأشجار وفي الغابات وعلى شواطئ الأنهار وترى
стр. 111
منظرها وهي طائرة في جو السماء، فيخيل إليك أنها أجمل من منظر الفلك الدائر والكوكب السَّيَّار.
أيها السعداء أحسنوا إلى البائسين والفقراء، وامسحوا دموع الأشقياء، وارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.
стр. 112
رسالة الغفران ١:
غفوت إغفاءة طويلة لا علم لي بمداها ولا بما وقع لي فيها، ثم صحوت فرأيت نفسي في صحراء مدَّ البصر مكتظة٢ بأنواع من الخلق لا أحصيهم عددًا، فعلمت أني بعثت وأنه يوم القيامة فساورني٣ من الهم ما ساورني حيث ذكرت أن مقداره ألف سنة من سنى القيامة، وقلت من لي بالصبر على موقف يهلك فيه صاحبه ظمأ وجوعًا، ويحترق تحت أشعة شمس ليس بينه وبينها إلا قيد ظفر، فتماسكت بضعة أشهر ثم لم أجد بعد ذلك إلى الصبر سبيلًا، فزينت لي نفسي الكاذبة أن أذهب إلى رضوان خازن الجنة، وكنت أحمل شهادة التوبة في يدي لأسترحمه، وألتمس منه الإذن بالدخول قبل انفضاض المحشر فما زلت أرقيه بقصائد المدح المسوَّمة٤ باسمه كما كنت أرقى بأمثالها أمثالَه من عظماء
стр. 113
العاجلة وساداتها فما أبه١ لي ولا فهم كلمة مما أقول، فانصرفت عنه إلى خازن آخر اسمه زُفَرُ فكان شأني معه شأني مع صاحبه إلا أنه كان أرق منه قلبًا وألين جانبًا، فأشار علي بالذهاب إلى النبي الذي أتبعه وأفهمني أن الأمر موكول إليه فعدت وبين جنبيَّ من الحسرة والوجد ما الله عالم به، فبينا أنا أتخلل الصفوف، وأزاحم الوقوف، إذ وقع بصري على حلقة من الناس تحيط بشيخ هرم أنعمت النظر فيه، فإذا هو الشيخ أبو علي الفارسي النحوي، وإذا بالمحتفلين به جماعة من شعراء العرب كلهم يخاصمه، وكلهم يَنْقِمُ عليه، هذا يقول له رويت بيتي على غير وجهه، وذاك يقول أعربته على غير ما أردت وذهبت، فدفعني الفضول كما دفعهم إلى النزول في ميدانهم فما فرغنا من الرفع والنصب والزيادة والحذف حتى أدركت شؤم ما فعلت وعلمت أن شهادة التوبة قد سقطت مني في ذلك المعترك، فقلت قبح الله الشعر والإعراب، واللغة والآداب، إنهما شؤم الآخرة والأولى.
وقفت أحير من ضب في حمارَّةِ٢ قيظ لا أدري ما آخذ وما أدع حتى رميت بطرفي، فإذا بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب
стр. 114
في لفيف من العِترة الطاهرة النبوية فدلفت١ إليه وأبثثتْه٢ أمري وأمر الشهادة المفقودة، فقال: لا عليك ألك شاهد بالتوبة، فقلت نعم، فنودي بشهودي فشهدوا بتوبتي، فقال تريثْ٣ قليلًا حتى تمر فاطمة بنت محمد فنسألها في أمرك، فهي تمت إلى أبيها بما لا تمت به٤ وكانت ممن قسم لهم دخول الجنة قبل فصل القضاء إلا إنها كانت تخرج كل حين للتسليم على أبيها، ثم تعود إلى مستقرها، فإنا لكذلك وإذا بمناد ينادي أن غضوا أبصاركم يا أهل الموقف حتى تعبر فاطمة بنت محمد ﷺ فهرعت إليها فرأيتها راكبة مع إخواتها وجواريها على أفراس من نور، وتقدم من وعدني بسؤالها في أمري، فأنجز وعده، فقالت لأخيها إبراهيم دونك الرجل، فقال: تعلق بركابي فتعلقت فطارت الأفراس في الهواء تقطع الأجيال وتتخطى رءوس القرون حتى وافينا النبي ﷺ واقفًا للشهادة القضاء فقصت عليه فاطمة ما علمت من أمري، فراجع الديوان الأعظم فوجد اسمي في التائبين فشفع لي فعدت في ركب فاطمة فرحًا مستبشرًا، وما كنت أقدر أن بين يدي
стр. 115
عقبة الصراط فلما وافيته وجدتني لا أستمسك عليه لرقته، فأمرت فاطمة جارية من جواريها أن تعبر معي فأمسكن بيدي فمشيت أترنح ذات اليمين وذات الشمال، وخفت السقوط فقلت لها احمليني زقفونة، فقالت وما زقفونة، فقلت أما سمعت قول الجحجلول من أهل كفر طاب
صلَحت حالتي إلى الخلف حتى ... صرتُ أمشي إلى الورى زَقَفُونَه
فقالت ما سمعت بزقفونة، ولا الجحجلول، ولا كفر طاب، فقلت ألقي يدي فوق كتفيك، وأجعل بطني إلى ظهرك فحملتني، وجازت بي الصراط كالبرق الخاطف حتى صرتُ إلى باب الجنة، فرمت الدخول فوقف رضوان في وجهي وقال أين جوازك١ فَبعِلتُ٢ بالأمر ثم رأيت في دهليز الجنة شجرةَ صَفصاف فعالجته على أن يعطيني ورقة أعود بها إلى الموقف لا ستكتب عليها الجوازَ فأبى، فقلت وقد ملك الهم عليَّ رشدي وصوابي أما والله لو أنك حارس على أبواب الكرماء، أو خازن لخزائن الملوك والأمراء، لما وصل شاعر إلى درهم ولا سائل إلى سُحتوت٣
стр. 116
وَلهلك الفقراء همًّا وحزنا، فسمع إبراهيم ﵇ حواري١ فجذبني جذبة حصلني بها في الجنة، وصاحبي ينظر إليَّ شزرا، فدخلت فرأيت ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر رأيت أنهارًا من الماء العذب أصفى من أديم السماء، وأصقل من مرآة الحسناء، تنصب فيها جداول من الكوثر إذا جرع الشارب منها جرعة جرع ماء الحياة، وأمن أن يذوق كأس المنون مرة أخرى، ورأيت جداول تفيض بالراح فيضًا قد زُيِّنت حواقيها بأباريق من العسجد، وكؤوس من الزبرجد، فما نهلت منها نهلة حتى قلت لو كُشِف لأهل العاجلة عما في هذه الخمرة من اللذة التي لا يشوبها كدر، والنشوة التي لا يعقبها خُمار٢ ما باعوا قطرة منها بكل ما تشتمل عليه بابلُ وقُطربل٣ من البواطي٤ والدنان، ولو نظر الأقيشر الأسدي بعين الغيب إلى عسجد هذه الأباريق، وزبرجد تلك الكؤوس لخجل من نفسه أن يقول:
أفنى تِلادي وما جمعت من نشب ... قرعُ القوازيز٥ أفواهَ الأباريق
стр. 117
وفي تلك الأنهار آنية ترفرف فوق سطحها على صور الطيور كالكراكي والطواويس والبط والعندليب ينحدر من مناقيرها شراب، أرق من السراب، وتسبح فيها أسماك من الذهب والياقوت
يعُمن فيها بأوساط مجنَّحةٍ١ ... كالطير تنشر في جوِّ خوافيها
ورأيت أنهارًا من لبن وأنهارًا من عسل لا يدرك الوهم كهنه إلا إذا أدرك ما يمتص نحل الجنة من زهورها وأنوارها.
رأيت جميع تلك الأنهار مكبّرة ثم تمثلت في نظري مصغّرة، فإذا هي سطور، من النور، وأحرف بيضاء، في صحيفة خضراء، قرأتها فرأيتها "مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات".
ظللت أمشي فيما أكاد أخطو خطوة حتى أرى منظرًا عجيبًا يُنسي السابق، ويشوق إلى اللاحق، فوددت لو طويت لي الأرض طيًّا، فأتعجل النظر إلى ما غاب من الجنة وبدائعها، فما أخذ هذا الخاطر مكانه من نفسي حتى رأيت بين يدي فرسًا من الجوهر المتخير مسرجا ملجمًا فعلمت أني قد سعدت وأنها
стр. 118
الأمنية التي كنت أتمناها فعلوت ظهره، وغمزته غمزة خرج بها خروج الودْق١ من السحاب، والسيف من القراب٢، وعلى ما جَهَدتُه لم يشك إِليَّ ما شكاه جواد عنترة إليه في قوله:
فأزورَّ من وقع القنا بلَبانه ... وشكا إلي بعبر وتحمحم
أو ما شكاه جواد عمر بن أبي ربيعة إليه في قوله:
تشكي الكميت الجري لما جهدته ... وبين لو يستطيع أن يتكلما
ذكرت أني وأنا في الدار الفانية كنت أسمع بذكر الذاهبين الأولين من الأدباء والشعراء والرواة، فآسف على أن لم أكن في زمنهم أراهم وأحضر مجالسهم، فقلت ليت شعري ما فعل الله بهم في هذه الدار، وهل سعدوا أو شقوا، وهل يقيَّض لي من رؤيتهم في دار البقاء، ما لم يقيض في دار الفناء.
ثم رميت بطرفي فإذا فارس يحضر فرسه٣ في الهواء إحضارًا حتى تقاربنا فتماست الركب، واختلفت الأعناق، فقال: انتسب، فقلت فلان ومن أنت يرحمك الله، وقد فعل، فقال عدي بن زيد العابدي فدهشت، وقلت عدي بن زيد في الجنة بعد الزيغ والضلال، فقال أنا عيسوي، وأنت محمدي، وليس لصاحبك على
стр. 119
أحد حجة إلا بعد ظهوره وبلوغ دعوته، فقلت لا نكران، ولكن كيف لم يَقعد بك فِسْقك وشرابك وأين استهتارك في قولك:
بكرَ العاذلون في وضحِ الصب ... ح يقولون لي أما تستفيق
ودعوا بالصبوح فجرًا فجاءت ... قيْنة في يمينها أبريق
قال غفر الله لنا ما غفر لكم، قلت هل لك علم بجماعة الشعراء والرواة فقد تمنيت على الله أن أراهم، فكنت عنوان الكتاب وفاتحة الإجابة، فقال: اصحبني فطارت بنا الخيلُ، فقلت له هل آمن ألا يقذف بي هذا السابح على صخرة من الزمرد أو هضبة من الياقوت، فيكسر لي عضدًا أو ساقًا أو جمجُمة، فتبسم وقال أين يُذْهَبُ بك نحن في دار الخلود والبقاء.
مررنا بروضة من رياض الجنة يخترقها غدير خمري على شاطئه جمع كثير على سُرر متقابلين، أو على الأرائك متكئين، فهوَى صاحبي بفرسه فهويت هويَّة، وقلنا سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، فرحبوا بنا، وهشوا للقائنا وانتسبنا فتعارفنا، ثم أخذوا فيما كانوا فيه فإذا الأصمعي ينشد مروياته وأبو عبيدة يسرد وقائع الحروب ومقاتل الفرسان، وإذا سيبويه والكسائي متصافيان بعد أن وقع بينهما في مجلس البرامكة ما وقع وأحمد
стр. 120
ابن يحيى لا يضمر لمحمد بن زيد من الموجدة ما كان يضمر، وأخذت تهب من ناحية النهر نفحة عطرية ذكرتني بقول الأعشى ميمون: "مثل ريح المسك ذاك ريحها" وعلى ذكر الأعشى ذكرت مصرعه وشقاءه، وقلت في نفس لولا أن قريشًا صدته عن الإسلام لكان اليوم بيننا في مجلسنا هذا، فسمعت هاتفا من ورائي أنا بينكم وفي مجلسكم، فالتفت فإذا الأعشى ميمون فلم أدر أي مدخليه١ أعجب، أمن مدخله إلى الجنة أم من مدخله إلى نفسي، وعلمه بما هجس في صدري، فعلمت أن أهل الجنة ملهمون، ثم سألته كيف غفر لك، فقال سحبتني الزبانية إلى سقر، فرأيت في عرصات القيامة رجلا يتلألأ وجهه تلألؤ القمر، والناس يهتفون به من كل جانب الشفاعة يا محمد، فأخذت إخذهم، وهتفت هتافهم فأمر أن أدنو منه فدنوت، فسألني ما حرمتك فقلت أنا القائل:
ألا أيهذا السائلي أين يممت ... فإن لها في أهل يثرب موعدا
فآليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا من وجًى حتى تلاقى محمدا
متى ما تناخي عند باب ابن هاشم ... تراحي وتلقى من فواضله ندا
نبي يرى ما لا ترون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا
стр. 121
فقال ما سمعتها منك قبل اليوم، قلت خدعني عنك الناس بعد ما شددت راحلتي إليك، وكنت رجلا أحب الشراب وخفتك عليه أن تفرَّق بيني وبينه، فشفع لي فدخلت الجنة على ألا أذوق فيها الخمر فقنعت بالرضاب، عن الشراب، وبماء الثغر المنضود، عن ماء العنقود، ورأيت بجانبه شابًا ريق الشباب فسألت عنه، فقيل لي زهير بن أبي سلمة فما كدت أصدق أنه القائل:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبا لك يسأم
فقلت: له بم غفر الله لك؟ فقال: كنت في جاهليتي أترقب مبعث محمد، وأتمنى البقاء حتى أراه فحال بيني وبينه الموت، فأوصيت به ابني كعبا وبجيرا، وكنت أومن بالحساب فما نفعني شيء ما نفعني قولي:
فلا تكتمن الله ما في نفوسكم ... ليخفى ومهما يكتم الله يعلم
يؤخر فيوضع في كتاب ويدخر ... ليوم الحساب أو يقدم فينقم
وإلى جانب زهير عبيد الأبرص، فسألته عن مصير أمره
стр. 122
فقال كتبت لي النار فما زال الناس يهتفون بقولي:
من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب
والعذاب يخفف عني شيئا فشيئا حتى خرجت ببركة هذا البيت من الجحيم، إلى النعيم.
ذهبنا في الحديث كل مذهب، وذهب بعضنا إلى ارتشاف الخمر، من النهر، في آنية الدر، فانتشينا جميعا فما أفقنا إلا على حفيف رف١ من إوز الجنة نزل بنا ثم انتفض عن كواعب أتراب، يغنين بالمزاهر والآلات الثقيل والخفيف والهزج، فما أتين على الألحان الثمانية حتى دارت بنا الأرض الفضاء، وحتى ملكنا من الطرب ما يستخف الحلوم، ويطير بالهموم، وقلنا لو علم جبلة بن الأيهم بما نحن فيه لقرع السن على أن باع دينه بسرور محدود، وأنس معدود، ودف وعود، ذكرت جبلة فذكرت لذكره النار وقوله تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ فتمنيت أن أطلع فأرى المعذبين كما رأيت المنعمين، فألهمت الإذن فأشرت لصاحبي فقام وقمت، وركبنا فرسينا فطارتا بنا حتى انتهينا إلى سور الجنة، فرأينا عنده من الداخل كوخا يسكنه شيخ زري الهيئة، فأشرفنا عليه فقال:
стр. 123
لا تعجبوا لشأني أنا الحطيئة، ووالله لولا أني صدقت مرة واحدة في حياتي في قولي:
أرى لي وجها شوه الله خلقه ... فقبح من وجه وقبح حامله
لما دخلت الجنة، ولما أدركت كوخا ولا جحرا، فتركناه واطلعنا فما رآنا أهل النار حتى ضجوا بصوت واحد أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله، فرأينا ملوكا وأكاسرة يتضاغون١ في السلاسل والأغلال، ويقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ فيهتف بهم هاتف: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ .
ورأيت بجانبي امرأة تبينتها فإذا هي الخنساء تطلع مثلنا، فترى رجل كالجبل الأشم على رأسه شعلة من النار، فتمتعض وتقول يا صخر هذا تأويل قولي فيك من قبل:
وان صخرًا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
ورأيت هناك كثيرًا من أمثال امرئ القيس وعنترة وعمرو بن كلثوم، وطرفة بن العبد، ورأيت بشار بن برد تفتح عيناه بكلاليب من نار، وكلما اشتد به الألم رفس إبليس برجله، وقال له: ما كنت لأدخل النار لولا قوي فيك.
стр. 124
عبرة الدهر:
بنى فلان في روضة من رياض بساتينه الزاهرة قصرًا فخمًا يتلألأ في تلك البقعة الخضراء، تلألؤ الكوكب المنير في البقعة الزرقاء، ويطاول بشرفاته الشماء، أفلاك السماء، كأنه نسر محلق في الفضاء، أو قرط معلق في أذن الجوزاء، وكأن شرفاته آذان تفضي إليها النجوم بالأسرار، وطاقاته أبراج تنتقل فيها الشموس والأقمار.
شاده مرمرا وجلله كلسا١ ... فللطير في ذراه وكور
ولم يدع ريشه لمصور ولا ليقة٢ لرسام إلا أجراها في سقوفه وجدرانه، وطاقاته وأركانه، حتى ليخيل إلى السالك بين أبهائه٣ وحجراته، ومحاربيه وعرصاته٤، أنه ينتقل من روضة تزهر بالورود الحمراء، والأنوار البيضاء، إلى بادية تسنح
стр. 125
فيها الذئاب الغبراء، والنمور الرقطاء، ومن ملعب تصيد فيه الظباء الأسود إلى غاب تصيد فيه الأسود الظباء، وأنشأ في كبرى ساحاته، وأوسع باحاته، صهريجا من المرمر مستديران يضم بين حاشيته فوَّارة ينفر منها الماء صعدًا كأنه سيف مجرَّد، أو سهم مسدد، فيخيل إلى الرائي أن الأرض تثأر لنفسها من السماء، وتتقاضاها ما أراقت منها من الدماء، تلك تقاتلها بالرجوم والشهب، وهذه تحاربها بالسهام والقضب، وغرس حول دائرة الصهريج دوائر من شجرات، مؤتلفات ومختلفات، وأغصان، صنوان وغير صنوان، إذا رنحتها نسائم الأسحار، رقصت فوق بساط الأزهار، وتحت ظلال الأثمار، فغنت على رقصها الأطيار، غناء الأغاريد لا غناء الأوتار، وادخر فيه لنعيمه وبلهنيته١ ما شاء الله أن يدخر من نضائد٢ ومقاعد، ووسائد ومساند، وفرش وعرش، وكلل٣ وحجل٤، وتماثيل وتهاويل٥، وصحاف من ذهب، كاللهب، وأكواب من بلور، كالنور، وأقفاص للحمائم والنسور، ومقاصير للسباع والنمور،
стр. 126
وعربات وسيارات، وجياد صافنات، ووصائف وولائد، تحيط بالمجالس والموائد، إحاطة القلائد، بأعناق الخرائد، وخدم حسان، تنتقل في الغرف والقيعان، تنقل الولدان، في غرف الجنان.
في ليلة من ليالي الشتاء حالكة الجلباب، غدافية١ الإهاب، أفاق صاحب القصر من غشيته فتحرك في سريره وفتح عينيه فلم ير أمامه غير خادمه "بلال" وهو خصي أسود من ذوي الأسنان رباه صغيرا وكفله كبيرا, وكان يجمع بين فضيلتي الذكاء والوفاء فأشار إليه إشارة الواله المتلهف أن يأتيه بجرعة ماء فجاءه بها فتساند على نفسه حتى شرب, وكأن الماء قد حل عقدة لسانه فسأله: في أي ساعة من ساعات الليل نحن يا بلال؟ فأجابه: نحن في الهزيع الأخير يا سيدي، فقال: ألم تعد سيدتك إلى الآن، قال: لا، فامتعض امتعاضا شديدا وزفر زفرة كادت تخترق حجاب قلبه, ثم أنشأ يتكلم كأنما يحدث نفسه ويقول: إنها تعلم أني مريض وأني في حاجة إلى من يسهر بجانبي ويتعهد أمري ويرفه٢ عني بعض ما أعالجه, وليس بين سكان القصر من هو أولى بي وأقوم علي منها، أين وفاؤها الذي كانت تزعمه وتقسم لي بكل محرجة من
стр. 127
الإيمان عليه، أين حبها الذي كانت تهتف به في صباحها ومسائها وبكورها وأصائلها، أين النعيم الذي كنت أقلبها في أعطافه والعيش الرغد الذي كنت أرشفها كئوسه، أأن علمت أني أصبحت بين حياة لا أرجوها وموت لا أجد السبيل إليه برمت١ بي واستثقلت ظلي واستبطأت أجلي واستطالت ضجعتي فهي تفر من وجهي كل ليلة إلى حيث تجد لذات العيش ومواطن السرور، آه من العيش ما أطوله، وآه من الموت ما أثقله.
وما زال يحدث نفسه بمثل هذه الأحاديث حتى هاج ساكنه, واضطربت أعصابه فعاودته الحمى وغلى رأسه بنارها غليان القدر بمائها, فسقط على فراشه ساعة تجرع فيها من كأس الموت جرعا مريرة بيد أنه لشقائه لم يأت على الجرعة الأخيرة منها.
أفاق من غشيته مرة ثانية فلم ير بجانبه تلك التي تسيل نفسه حسرات عليها فسأل الخادم ألا تعلم أين ذهبت سيدتك يا بلال؟، قال: خير لك ألا تنتظرها يا مولاي وألا تلومها في بعدها عنك, فإن لها عند بعض الناس دينا فهي تخرج كل ليلة لتتقاضاه، قال: ما عرفت قبل اليوم أن بينها وبين أحد من الناس شيئا من
стр. 128
وذلك، ومتى كان يتقاضى الدائن دينه في مثل هذه الساعة من الليل، وهل أعياها أن تجد من يقوم لها بذلك فهي تتولاه بنفسها، وهلا فرغت من أمر دينها بعد اختلافها إليه سنة كاملة، قال: إن بينها وبين غريمها صكا مكتوبا أن يؤدي ما عليه من الدين أقساطا في كل ليلة قسط على أن تتناوله بيدها وأن تكون مواعيد الوفاء أخريات الليال، قال: ما سمعت في حياتي بأغرب من هذا الدين ولا أعجب من هذا الصك, ومن هو غريمها؟ قال: أنت سيدي، فنظر إليه نظرة الحائر المشدوه١ وقال: إني أكاد أجن لغرابة ما أسمع, وأحسب أنك هاذ فيما تقول أو هازئ، فدنا منه الخادم وقال: والله يا سيدي ما هزأت في حياتي ولا هذيت، ألا تذكر تلك الليالي الطوال التي كنت تقضيها خارج المنزل بين شهوة تطلبها، وكأس تشربها، وملاعب تجرر فيها أذيالك، ومراقص تهتك فيها أموالك، تاركا زوجتك في هذه الغرفة على هذا السرير تشكو الوحشة، وتبكي الوحدة، وتتقلب على أحر من الجمر شوقا إليك، وحزنا عليك، فلا تعود إليها إلا إذا شاب غراب الليل، وطار نسر الصباح، إنك سلبتها تلك الليالي السالفة فأصبحت غريمها فيها فهي تستردها منك اليوم ليلة ليلة حتى تأتي
стр. 129
عليها، ذلك هو دينها وهذا عو غريمها، ألا تذكر أنك كنت في لياليك هذه ربما تحبس الزوجة عن زوجها وتملكها عليه وهو واقف موقفك هذا في حسرتك هذه يبكي ما تبكي, ويندب ما تندب، ذلك الزوج هو الذي يتقاضاك اليوم حقه ويأبى ألا أن يأخذ عينا بعين ونقدا بنقد، فهو يفجعك في زوجتك كما كنت تفجعه في زوجته, ويقض١ مضجعك كما كنت تقض مضجعه، وأنا أعيذك بعدلك وإنصافك أن تكون من لواة الدين أو تكون من الظالمين.
قال: حسبك يا بلال فقد بلغت مني وإن لي في حاضري ما يشغلني عن ماضي فادع لي ولدي، قال: لم يعد يا سيدي من الوجه التي بعثته فيه حتى الآن، قال: لا أذكر أني بعثته في وجه ما, وأين ذهب؟ قال: ذهب إلى الحانة التي يختلف إليها, ولن يرجع منها حتى يرتوي ولن يرتوي حتى يعجز عن الرجوع، إنني طالما وقفت بين يديك يا مولاي ضارعا إليك أن تحول بينه وبين خلطاء السوء وعشراء الشر حتى لا يفسدوه عليك فكنت تعرض عني إعراض من يرى أن تدليل الولد وترفيهه٢ وإرخاء العنان له عنوان من عناوين العظمة ومظهر
стр. 130
من مظاهر الأبهة والجلال، كنت أسألك أن تعلمه العلم وأن تهديه إلى طريق المدرسة ليضل عن طريق الحانة, فكنت ترى أن الذي يحتاج إلى العلم من يرتزق به, وأن ولدك عن ذلك من الأغنياء، فلا تشك من عمل يديك، ولا تبك من جناية نفسك عليك، فأنت الذي أرسلته إلى الحانة وأنت الذي أبقيته فيها إلى مثل هذه الساعة, وأنت الذي أبعدته عن فراشك أحوج ما كنت إليه.
وما وصل الخادم من حديثه إلى هذا الحد حتى نصل الليل من خضابه واشتعل المبيض في مسوده وإذا صوت الناعورة يرن في بستان القصر رنين الثكلى فقدت واحدها، فقال السيد: هات يدك يا بلال وخذ بيدي إلى جوار النافذة لأروح عن نفسي بعض ما ألم بها أو أودع إلى جانبها نسمات الحياة، ثم اعتمد على يده حتى وصل إلى النافذة فجلس على كرسي مستطيل وألقى على البستان نظرة طويلة فرأى البستاني وزوجه جالسين إلى الناعورة وقد برقت بوارق السعادة من خلال أثوابهما البالية بريق الكواكب المنيرة من خلال السحب المتقطعة، رآهما متحابين متعاطفين لا يتعاتبان ولا يتشاحان١ ولا يشكوان ولا يندبان حظا،
стр. 131
رآهما قويين نشيطين يجري دمهما في عروقهما صافيا رائقا وكأن كلا منهما يحاول أن يخرج من إهابه١ مرحا ونشاطا، رآهما راضيين بما قسم الله لهما من خشونة الملبس وجشوبة٢ المطعم فلا يتشهيان ولا يتمنيان ولا ينظران إلى ذلك القصر الشامخ المطل عليهما نظرات الهم والحسرة، سمعهما يتحدثان فأصغى إليهما فإذا البستاني يقول لزوجه: والله لو وهب لي هذا القصر برياضه وبساتينه، وآنيته وخرثيه٣، على أن تكون لي تلك الزوجة الخائنة الغادرة لفضلت العيش فوق صخرة في منقطع العمران، على البقاء في مثل هذا المكان، أقاسي تلك الهموم والأحزان، فقالت: لا أحسب أن سيدنا ينجو من خطر هذا المرض فقد مر به على حاله تلك عام كامل وهو يزداد كل يوم ضعفا ونحولا، قال: قد علمت أن الطبيب قد نفض يده من الرجاء فيه, وأضمر اليأس منه ولا عجب في ذلك فإنه ما زال يسرف على نفسه ويذهب بها المذاهب كلها حتى قتلها، قالت: ما أشقاه أكانت نفسه عدوة إليه فجنى عليها هذا الشقاء، وذلك البلاء، قال: ما كان عدوا لنفسه ولا كانت نفسه عدوة إليه ولكنه كان جاهلا
стр. 132
مغرورا غره شبابه وماله وعزه وجاهه فظن أنه قد أخذ على الدهر عهدا بالسلامة والبقاء فانطلق في سبيله لا يلوي على شيء مما وراءه حتى سقط في الحفرة التي احتفرها لنفسه، قالت: أتعلم ماذا يكون حال هذا القصر من بعده، قال: لا أعلم إلا أنه سيكون لولده، قالت: ولكني أعلم أنه سيكون لفلان، قال: إن فلانا ليس وريث السيد بل صديقه، قالت: إنه ليس بصديق السيد بل صديق السيدة، فهو خاطب زوجته قبل وفاته، وزوجها بعد مماته.
فما سمع السيد هذه الكلمات حتى اضطرب اضطرابا شديدا وسقط عن كرسيه وهو يقول: أشهد أني من الأشقياء, وما زال في غشيته تلك حتى صحا صحوة الموت وفتح عينيه فرأى بين يديه هذا المنظر المحزن المؤلم.
رأى ولده لاهيا بمحادثة فتاة من فتيات القصر، ورأى زوجته تضاحك تربا من أترابها وتغمزها بطرفها أن قد حان حينه ودنا أجله، ورأى صديقه أو ولي عهده يأمر في القصر وينهى ويتصرف تصرف السيد المطاع، ورأى نفسه يعالج سكرات الموت ويعد عدته للانتقال من القصر إلى القبر، وهنا سمع كأن هاتفا يهتف به من السماء ويقول: أيها الرجل، لو وفيت لزوجك
стр. 133
أفسدك قومك:
أيها المجرم الفاتك الذي يسلب الخزائن نفائسها، والأجسام أرواحها، لست أحمل عليك من العتب فوق ما يحتمله ذنبك, ولا أنظر إليك بالعين التي نظر بها إليك القاضي الذي قسا في حكمه عليك؛ لأني أعتقد أن لك شركاء في جريمتك فلا بد لي من أن أنصفك وإن كنت لا أستطيع أن أنفعك.
شريكك في الجريمة أبوك؛ لأنه لم يتعهدك بالتربية في صغرك ولم يحل بينك وبين مخالطة المجرمين, بل كثيرا ما كان يبخبخ١ لك إذا رآك هجمت على تربك وضربته, ويصفق لك إذا رأى أنك تمكنت من اختلاس درهم من جيب أخيك أو اختطاف لقمة من يده، فهو الذي غرس الجريمة في نفسك وتعهدها بالسقيا حتى أينعت ونمت وأثمرت لك هذا الحبل الذي أنت معلق به اليوم، وها هو ذا الآن يذرف عليك العبرات، ويصعد الزفرات،
стр. 134
ولو عرف أنها جريمته وأنها غرس يمينه لضحك مسرورا بغفلة الشرائع عنه, وسجد لله شكرا على أن لم يكن حبلك في عنقه وجامعتك١ في يده.
شريكك في الجريمة هذا المجتمع الإنساني الفاسد الذي أغراك بها، ومهد لك السبيل إليها، فقد كان يسميك شجاعا إذا قتلت، وذكيا فطنا إذا سرقت، وعالما إذا احتلت، وعاقلا إذا خدعت، وكان يهابك هيبته للفاتحين، ويجلك إجلاله للفاضلين، وكثيرا ما كنت تحب أن ترى وجهك في مرآته فتراه وجها أبيض ناصعا فتتمنى لو دام لك هذا الجمال، ولو أنه كان يؤثر نصحك ويصدقك الحديث عن نفسك لمثل لك جريمتك في نظرك بصورتها الشوهاء، وهنالك ربما وددت بجدع الأنف لو طواك بطن الأرض عنها، وحالت المنية بينك وبينها.
شريكك في الجريمة حكومتك؛ لأنها كانت تعلم أن الجريمة هي الحلقة الأخيرة من سلسلة كثيرة الحلقات وكانت تراك تمسك بها حلقة حلقة وتعلم ما سينتهي إليه أمرك فلا تضرب على يدك
стр. 135
ولا تعترض دون سبيلك، ولو أنها فعلت لما اجترمت، ولا وصلت إلى ما إليه وصلت.
كانت حكومتك تستطيع أن تعلمك وتهذب نفسك, وأن تقفل بين يديك أبواب الحانات, وأن تحول بينك وبين مخالطة الأشرار بإبعادهم عنك وتشريدهم في مجاهل الأرض ومخارمها, وأن تعديك١ على قتيلك قبل أن يبلغ حقدك عليه مبلغه من نفسك وأن تحسن تأديبك في الصغيرة، قبل أن تصل إلى الكبيرة، ولكنها أغفلت أمرك فنامت عنك نوما طويلا حتى إذا فعلت فعلتك استيقظت على صوت صراخ المقتول وشمرت عن ساعدها لتمثل منظرا من مناظر الشجاعة الكاذبة، فاستصرخت جندها واستنصرت أسلحتها وأعدت جذعها وجلادها, وكان ما فعلت أنها أعدمتك حياتها.
هؤلاء شركاؤك في الجريمة, وأقسم لو كنت قاضيا لأعطيتك من العقوبة على قدر سهمك في الجريمة, وجعلت تلك الجذوع قسمة بينك وبين شركائك, ولكنني لا أستطيع أن أنفعك، فيا أيها القتيل المظلوم رحمة الله عليك.
стр. 136
الصدق والكذب:
يا صاحب النظرات:
سمعت بالصدق وما وعد الله به الصادقين من حسن المثوية وجزيل الأجر، وسمعت بالكذب وما أعد الله للكاذبين من سوء العذاب، وأليم العقاب، وقرأت ما كتبه حكماء الأمم من عهد آدم إلى اليوم, وإجماعهم أن الصدق فضيلة الفضائل والأصل الذي تتفرع عنه جميع الأخلاق الشريفة والصفات الكريمة, وأنه ما تمسك به متمسك إلا كان النجاح في أعماله ألصق به من ظله، وأعلق به من نفسه، سمعت هذا وقرأت هذا فلم يبق في نفسي ريب في أن ما أنا مرزوء به في حظي من الشقاء وعيشي من الضنك وحياتي من الهموم والأكدار إنما جره إلى شؤم الكذب, وأن ما كنت أتخيله قبل اليوم من أن هناك مواقف يكون فيها الكذب أنفع من الصدق وأسلم عاقبة إنما هو ضرب من ضروب الوهم الباطل ونزغة من نزغات الشيطان،
стр. 137
فعاهدت الله ونفسي ألا أكذب ما حييت, وأعددت لذلك القسم العظيم عدته من شجاعة في النفس وقوة في العزيمة بعد ما وجهت وجهي لله تعالى, وسألته أن يمدني بمعونته ونصره.
وهاأنذا ذاكر لك مواقف الصدق التي وقفتها بعد ذلك العهد, وما رأيته من آثارها ونتائجها.
الموقف الأول: جلست في حانوتي فما وقف بي مساوم إلا صدقته القول في الثمن الذي اشتريت به السلعة والربح الذي أريده لنفسي فيها, والذي لا أستطيع أن أعد نفسي رابحا إذا تجاوزت عن بعضه, فيأبى الا الحطيطة١ فآباها عليه فينصرف عني استثقالا للثمن واستعظاما لمقداره, وما هو إلا الربح الذي اعتدت أن آخذه منه في مثل تلك الصفقة, إلا أنني كنت أكذب عليه في أصل الثمن فيصغره في نظره الربح الذي أربحه منه فلما صدقته عنه أعظمه وانصرف عني إلى سواي، ولم أزل على هذه الحال حتى أظلني الليل ولم يفتح الله علي بقوت يومي، وما هي إلا أيام قلائل حتى عرفت في السوق بالطمع والمغالاة, فأصبحت لا يطرق باب حانوتي طارق.
стр. 138
الموقف الثاني: جلست في مجلس يتصدره شيخ من تجار العقول الضعيفة المعروفين بمشايخ الطرق, وقد حف به جماعة من عبدته وسدنة١ هيكله, فسمعته يشرح لهم معنى التوكل شرحا غريبا يذهب فيه إلى أنه القعود عن العمل وإلقاء حبل هذا الوجود على غاربه, والإعراض عن كل سعي يؤدي إلى أي غاية، ويعتمد في هذيانه هذا على آيات يؤولها كما يشاء وأحاديث لا يستند في صحتها على مستند سوى أنه سمعها من شيخه أو قرأها في كتابه، وأكثر ما كان يدور على لسانه حديث: $"لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا"٢, فقلت له وقد أخذ الغيظ من نفسي مأخذه: يا شيخ أردت أن تحتج لنفسك فاحتججت عليها، أتعمد إلى حديث يستدل به رواته على وجوب السعي والعمل، فتستدل به على البطالة والكسل، ألم تر أن الله ما ضمن للطير الرواح بطانا إلا بعد أن أمرها بالغدو وهي التي ترويها القطرة، وتشبعها الحبة، فكيف لا يأمر الإنسان بالسعي وهو من لا تفنى مطالبه، ولا تنتهي رغباته،
стр. 139
أيها القوم، إنكم تقولون بألسنتكم ما ليس في قلوبكم، إنكم عجزتم عن العمل، وأخلدتم إلى الكسل، وأردتم أن تقيموا لأنفسكم عذرا يدفع عنكم هاتين الوصمتين فسميتم ما أنتم فيه توكلا, وما هو إلا العجز الفاضح، والإسفاف الدنيء، وهنا زفر الشيخ زفرة الغيظ ونادى في قومه أن أخرجوا هذا الزنديق الملحد من مجلسي, فتألبوا علي تألبهم على قصعة الثريد وأوسعوني لطما وصفعا, ثم رموا بي خارج الباب فما بلغت منزلي حتى هلكت أو كدت، فما مررت بعد ذلك بطائفة من العامة إلا رموني بالنظر الشزر وعاذوا بالله من رؤيتي كما يعوذون به من الشيطان الرجيم.
الموقف الثالث: لا أكتمك يا سيدي أني كنت أبغض زوجتي بغضا يتصدع له القلب, غير أني كنت أصانعها وأتودد إليها, وأمنحها من لساني ما ليس له أثر في قلبي خداعا لها, وإبقاء على ما تحتويه يدي من صبابة مال كانت لها، فرأيت أن ذلك أكذب الكذب وأقبحه فآليت على نفسي ألا أسدل بعد اليوم أمام عينها حجابا يحول بينها وبين سريرتي، فانقطع عن سمعها ذلك السلسبيل العذب، من كلمات الحب، فاستوحشت مني
стр. 140
وأظلم ما بيني وبينها فما هي ألا عشية أو ضحاها حتى انحل ذلك الوثاق، وختمت سورة الفراق، بآية الطلاق.
الموقف الرابع: حضرت مجتمعا يضم بين حاشيتيه جماعة من الفضوليين, الذين تضيق بهم مذاهب القول فيلجئون إلى الحديث عن الناس والمفاضلة بينهم, ويحاولون أن ينبشوا دفائن صدورهم ويتغلغلوا بين أطواء١ سرائرهم ويغالون في ذلك مغالاة الكيمائي في تحليله وتركيبه, فرأيتهم يتناولون بألسنتهم رجلا عظيما من أصحاب الأراء السياسية لا أعتقد أن بين السالكين مسلكه والآخذين إخذه من أخلص لأمته إخلاصه, أو وقف في المواقف المشهودة موقفه, أو لاقى في ذلك السبيل من صدمات الدهر وضربات الأيام ما لاقاه، سمعتهم يسمونه خائنا فوالله لأن تقع السماء على الأرض أحب إلي من أن يتهم البريء أو يجازي المحسن سوءا على إحسانه، سمعت ما لم أملك نفسي معه فقلت: يا قوم أتطالعون من كتاب الحرية مائة صفحة ونيفا٢ ثم لا تزالون عبيد الأوهام, أسرى الخيالات سراعا إلى كل داع، سعاة مع كل ساع، تنظرون بغير روية وتحكمون بغير علم، إنكم
стр. 141
بعملكم هذا تزهدون المحسن في إحسانه, وتلقون الرعب في قلب كل عامل يعمل لأجلكم, وتثبطون همة كل من يحدث نفسه بخدمتكم وخدمة بلادكم, أليس مما يلقي في النفس اليأس من نجاحكم وصلاح حالكم أن نراكم طعمة كل آكل، ولعبة كل عابث، يستهويكم الكاذب بالكلمات التي تستهوي بها المرضعات أطفالهن, ثم يدعوكم إلى مناوأة الصادق فتمنحون الأول ودكم وإخلاصكم، والثاني بغضكم وموجدتكم، خاطبتهم بهذه الكلمات أريد بها خيرا لهم فأرادوا شرا بي فما خلصت من بينهم إلا وأنا ألمس رأسي بيدي لأعلم أين مكانها من عنقي.
الموقف الخامس: قابلني في الطريق شاعر يحمل في يده طومارا١ كبيرا وكنت ذاهبا إلى موعد لا بد لي من الوفاء به فعرض علي أن يسمعني قصيدة من طريف شعره وأنا أعلم الناس بطريفه وتليده, فاستعفيته بعد أن كاشفته بأمري فأبى, فانتحيت به تاحية من الطريق فأنشأ يترنم بالقصيدة بيتا بيتا وأنا أشعر كأنما يجرعني السم قطرة قطرة حتى تمنيت أن لو ضربني بها ضربة واحدة يكون فيها انقضاء أجلي؛ ليريحني من هذا العذاب
стр. 142
المتقطع والتمثيل الفظيع، وكلما أتى على بيت منها أقبل علي بوجهه, وأطال النظر في وجهي وحدق في عيني؛ ليعلم كيف كان وقع شعره من نفسي, فإذا رأى تقطيب وجهي ظنه تقطيب الشارب لارتشاف الكأس فيستمر في شأنه حتى أنشذ نحو خمسين بيتا، ثم وقف وقال: هذا هو الباب الأول من أبواب القصيدة، فقلت: وكم عدد أبوابها يرحمك الله؟ قال: عشرة ليس فيها أصغر من أولها، قلت: أتأذن لي أن أقول لك يا سيدي أن شعرك قبيح وأقبح منه طوله, وأقبح من هذا وذاك صوتك الأجش الخشن, وأقبح من الثلاثة اعتقادك أني من سخافة الرأي وفساد الذوق بحيث يعجبني مثل هذا الشعر البارد, عجبا يسهل علي فوات الغرض الذي أريده والذي ما خرجت من منزلي إلا من أجله، فتلقاني بضربة يجمع يده١ في صدري فتلقيته بمثلها, وما زالت أكفنا تأخذ مأخذها من خدودنا وأقفائنا حتى كلت فجردت عصاي وضربته في رأسه ضربة ما أردت بها يعلم الله إلا أن أصيب مركز الشعر من مخه فأفسده عليه، فسقط مغشيا عليه وسقطت القصيدة من يده فأسرعت إليها ومزقتها وأرحت
стр. 143
نفسي منها وأرحت الناس من مثل مصيبتي فيها، وكان الشرطي قد وصل إلينا فاحتملنا جميعا إلى المخفر, ثم إلى السجن حيث أكتب إليك كتابي هذا.
فيا صاحب النظرات أفتني في أمري وأنر ظلمة نفسي فقد أشكل علي الأمر وأصبحت أسوأ الناس بالصدق ظنا بعدما رأيت أني ما وقفت موقفه في حياتي إلا خمس مرات, فكانت نتيجة ذلك إفلاسي وخراب بيتي واتهامي بالخيانة مرة والزندقة أخرى، ذلك إلى ما أقاسيه اليوم في هذا السجن من أنواع الآلام، وصنوف الأسقام.
أيها السجين:
كتبت إلي مسح الله ما بك وألهمك صواب الرأي في حاليك, تشكو من جناية الصدق عليك ما وقف بك موقف الشك في أمره, وكاد يزلق بك إلى الاعتقاد أنه رذيلة الرذائل، لا فضيلة الفضائل، وما كان لك أن تجعل لليأس هذا السبيل إلى نفسك وأن يبلغ بك الجزع من نكبات العيش وضربات الأيام مبلغا يذهب برشدك، ويطير بلبك، فما أنت أول صادق في الأرض ولا أول من لقي في سبيل الصدق شرا وكابد ضرا
стр. 144
إنك لو فهمت معنى الفضيلة حق الفهم وصبرت على مرارتها حق الصبر لذقت من حلاوتها ما تقطع دونه أعناق الرجال.
ليست الفضيلة وسيلة من وسائل العيش أو كسب المال, وإنما هي حالة من حالات النفس تسمو بها إلى أرقى درجات الإنسانية وتبلغ بها غاية الكمال.
إن الذي يطلب الفضيلة ليستكثر بها ماله أو يرفه بها عيشه يحتقرها ويزدريها؛ لأنه لا يفرق بينها وبين سلعة التاجر وآلة الصانع.
ليس من صواب الرأي أن يجعل الإنسان حالة عيشه ميزانا يزن به أخلاقه فإن اتسع عيشه اطمأن إليها, وإن ضاق أساء الظن بها, فكم رأينا بين الفاضلين أشقياء، وبين الأرذلين كثيرا من ذوي النعمة والثراء.
لا يستطيع الرجل الفاضل أن يبلغ غايته من عيشه إلا إذا استطاع أن ينزل من نفوس الناس منازل الحب والإكرام، ولن يستطيع ذلك إلا إذا عاش بين قوم يعرفون الفضيلة ويعظمون شأنها، ولن يكونوا كذلك إلا إذا كانوا فضلاء أو أشباه فضلاء، والسواد الأعظم الذي يمسك بيده أسباب العيش ويملك ينابيعه سواد أبله ساذج يبغض الصادق؛ لأنه
стр. 145
يصادره في ميوله وأهوائه وينقم منه جهله وغباوته، ويحب الكاذب؛ لأنه لا يزال يزين له أمره حتى يحبب إليه نفسه، فلا بد للصادق من صدر يسع هموم العيش وقلب يحتمل بغض القلوب ليبلغ غايته من إصلاح النفوس وتهذيبها كما يبذل المجاهد حياته ودمه ليبلغ غايته من الفوز والانتصار.
الصدق جنة حفت بالمكاره, فإن كان للصادق في جنة الصدق أرب فليحمل في سبيلها ما حمله الأنبياء والمرسلون والحكماء والقائمون بإصلاح المجتمع الإنساني ودعاة المطالب الدينية والسياسية.
كما أن الجود يفقر والإقدام قتال, وكما أن لكل فضيلة من الفضائل آفة من الآفات, ترفع درجتها وتبعد منازلها إلا على الصابرين المخلصين، كذلك للصدق آفة من مصادمة الكاذبين وهم الأكثرون، للصادقين وهم الأقلون.
أتريد أيها الرجل أن تسمى صادقا وأن تنال أشرف لقب يستطيع أن يناله بشر, وأن
يوافيك المجد طائعا مذعنا دون أن تبذل في سبيله شيئا من مالك أو راحتك.
إنك إن أردت ذلك أو قدرته في نفسك تظلم الفضيلة