← Адаб

Адаб · id 11400

النظرات

المنفلوطي

Полный текст (1 016 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

بعملكم هذا تزهدون المحسن في إحسانه, وتلقون الرعب في قلب كل عامل يعمل لأجلكم, وتثبطون همة كل من يحدث نفسه بخدمتكم وخدمة بلادكم, أليس مما يلقي في النفس اليأس من نجاحكم وصلاح حالكم أن نراكم طعمة كل آكل، ولعبة كل عابث، يستهويكم الكاذب بالكلمات التي تستهوي بها المرضعات أطفالهن, ثم يدعوكم إلى مناوأة الصادق فتمنحون الأول ودكم وإخلاصكم، والثاني بغضكم وموجدتكم، خاطبتهم بهذه الكلمات أريد بها خيرا لهم فأرادوا شرا بي فما خلصت من بينهم إلا وأنا ألمس رأسي بيدي لأعلم أين مكانها من عنقي. الموقف الخامس: قابلني في الطريق شاعر يحمل في يده طومارا١ كبيرا وكنت ذاهبا إلى موعد لا بد لي من الوفاء به فعرض علي أن يسمعني قصيدة من طريف شعره وأنا أعلم الناس بطريفه وتليده, فاستعفيته بعد أن كاشفته بأمري فأبى, فانتحيت به تاحية من الطريق فأنشأ يترنم بالقصيدة بيتا بيتا وأنا أشعر كأنما يجرعني السم قطرة قطرة حتى تمنيت أن لو ضربني بها ضربة واحدة يكون فيها انقضاء أجلي؛ ليريحني من هذا العذاب

стр. 142

المتقطع والتمثيل الفظيع، وكلما أتى على بيت منها أقبل علي بوجهه, وأطال النظر في وجهي وحدق في عيني؛ ليعلم كيف كان وقع شعره من نفسي, فإذا رأى تقطيب وجهي ظنه تقطيب الشارب لارتشاف الكأس فيستمر في شأنه حتى أنشذ نحو خمسين بيتا، ثم وقف وقال: هذا هو الباب الأول من أبواب القصيدة، فقلت: وكم عدد أبوابها يرحمك الله؟ قال: عشرة ليس فيها أصغر من أولها، قلت: أتأذن لي أن أقول لك يا سيدي أن شعرك قبيح وأقبح منه طوله, وأقبح من هذا وذاك صوتك الأجش الخشن, وأقبح من الثلاثة اعتقادك أني من سخافة الرأي وفساد الذوق بحيث يعجبني مثل هذا الشعر البارد, عجبا يسهل علي فوات الغرض الذي أريده والذي ما خرجت من منزلي إلا من أجله، فتلقاني بضربة يجمع يده١ في صدري فتلقيته بمثلها, وما زالت أكفنا تأخذ مأخذها من خدودنا وأقفائنا حتى كلت فجردت عصاي وضربته في رأسه ضربة ما أردت بها يعلم الله إلا أن أصيب مركز الشعر من مخه فأفسده عليه، فسقط مغشيا عليه وسقطت القصيدة من يده فأسرعت إليها ومزقتها وأرحت

стр. 143

نفسي منها وأرحت الناس من مثل مصيبتي فيها، وكان الشرطي قد وصل إلينا فاحتملنا جميعا إلى المخفر, ثم إلى السجن حيث أكتب إليك كتابي هذا. فيا صاحب النظرات أفتني في أمري وأنر ظلمة نفسي فقد أشكل علي الأمر وأصبحت أسوأ الناس بالصدق ظنا بعدما رأيت أني ما وقفت موقفه في حياتي إلا خمس مرات, فكانت نتيجة ذلك إفلاسي وخراب بيتي واتهامي بالخيانة مرة والزندقة أخرى، ذلك إلى ما أقاسيه اليوم في هذا السجن من أنواع الآلام، وصنوف الأسقام. أيها السجين: كتبت إلي مسح الله ما بك وألهمك صواب الرأي في حاليك, تشكو من جناية الصدق عليك ما وقف بك موقف الشك في أمره, وكاد يزلق بك إلى الاعتقاد أنه رذيلة الرذائل، لا فضيلة الفضائل، وما كان لك أن تجعل لليأس هذا السبيل إلى نفسك وأن يبلغ بك الجزع من نكبات العيش وضربات الأيام مبلغا يذهب برشدك، ويطير بلبك، فما أنت أول صادق في الأرض ولا أول من لقي في سبيل الصدق شرا وكابد ضرا

стр. 144

إنك لو فهمت معنى الفضيلة حق الفهم وصبرت على مرارتها حق الصبر لذقت من حلاوتها ما تقطع دونه أعناق الرجال. ليست الفضيلة وسيلة من وسائل العيش أو كسب المال, وإنما هي حالة من حالات النفس تسمو بها إلى أرقى درجات الإنسانية وتبلغ بها غاية الكمال. إن الذي يطلب الفضيلة ليستكثر بها ماله أو يرفه بها عيشه يحتقرها ويزدريها؛ لأنه لا يفرق بينها وبين سلعة التاجر وآلة الصانع. ليس من صواب الرأي أن يجعل الإنسان حالة عيشه ميزانا يزن به أخلاقه فإن اتسع عيشه اطمأن إليها, وإن ضاق أساء الظن بها, فكم رأينا بين الفاضلين أشقياء، وبين الأرذلين كثيرا من ذوي النعمة والثراء. لا يستطيع الرجل الفاضل أن يبلغ غايته من عيشه إلا إذا استطاع أن ينزل من نفوس الناس منازل الحب والإكرام، ولن يستطيع ذلك إلا إذا عاش بين قوم يعرفون الفضيلة ويعظمون شأنها، ولن يكونوا كذلك إلا إذا كانوا فضلاء أو أشباه فضلاء، والسواد الأعظم الذي يمسك بيده أسباب العيش ويملك ينابيعه سواد أبله ساذج يبغض الصادق؛ لأنه

стр. 145

يصادره في ميوله وأهوائه وينقم منه جهله وغباوته، ويحب الكاذب؛ لأنه لا يزال يزين له أمره حتى يحبب إليه نفسه، فلا بد للصادق من صدر يسع هموم العيش وقلب يحتمل بغض القلوب ليبلغ غايته من إصلاح النفوس وتهذيبها كما يبذل المجاهد حياته ودمه ليبلغ غايته من الفوز والانتصار. الصدق جنة حفت بالمكاره, فإن كان للصادق في جنة الصدق أرب فليحمل في سبيلها ما حمله الأنبياء والمرسلون والحكماء والقائمون بإصلاح المجتمع الإنساني ودعاة المطالب الدينية والسياسية. كما أن الجود يفقر والإقدام قتال, وكما أن لكل فضيلة من الفضائل آفة من الآفات, ترفع درجتها وتبعد منازلها إلا على الصابرين المخلصين، كذلك للصدق آفة من مصادمة الكاذبين وهم الأكثرون، للصادقين وهم الأقلون. أتريد أيها الرجل أن تسمى صادقا وأن تنال أشرف لقب يستطيع أن يناله بشر, وأن يوافيك المجد طائعا مذعنا دون أن تبذل في سبيله شيئا من مالك أو راحتك. إنك إن أردت ذلك أو قدرته في نفسك تظلم الفضيلة

стр. 146

ظلما بينا وترخص قيمتها وتلق بها في مدارج الطرق وتحت مواطئ النعال. أيحزنك انصراف الأغبياء عن حانوتك, أو اتهامك بالزندقة والإلحاد أو المروق والخيانة, وترى أن ذلك كثير في سبيل بلوغك منزلة الصدق وإحرازك فضيلته، وأنت تعلم أن الفاضلين قد بذلوا من قبلك أكثر مما بذلت، في سبيل إحراز ما أحرزت، فما ندموا ولا حزنوا. أيها السجين الشريف, هنيئا لك السجن الذي تكابده، وهنيئا لك البغض الذي تحتمله، وهنيئا لك العيش الذي تعالج همومه، فوالله لأنت أرفع في نظري من كثير من أولئك الذين يعدهم الناس سعداء، ويسمونهم عظماء. لا تظلم الصدق ولا تكن سيئ الظن به, وكن أحرص الناس على ولائه ومودته، وإياك أن يخدعك عنه خادع، واصبر قليلا يثمر لك غرسه، ويمتد عليك ظله، وهنالك تجد في نفسك من اللذة والغبطة ما لو بذل فيه ذوو التيجان تيجانهم، وأرباب الكنوز كنوزهم، لما استطاعوا إليه سبيلا.

стр. 147

النظامون: ما لهؤلاء النظامين لا يهدءون ساعة واحدة عن صدع رءوسنا, وجرح قلوبنا بهذه الصواعق التي يمطرونها علينا كل يوم من سماء الصحف حتى صرنا كلما فتحنا صحيفة, ورأينا في وسطها جدولا أبيض مستطيلا تخيلناه حية رقطاء, ففزعنا وألقينا الصحيفة كما ألقاها الشاعر المتلمس لينجو بنفسه ويسلم بحياته. من لي بالقلم العريض الذي يكتب به كتاب الصحف عناوين مقالاتهم في معرض التهويل والتجسيم فأكتب به إلى هؤلاء المساكين هذه الكلمة الآتية: أيها القوم، إن علماء الضاد الذين عرفوا الشعر بأنه: الكلام الموزون المقفى لم يكونوا شعراء ولا أدباء ولا يعرفون من الشعر أكثر من إعرابه وبنائه أو اشتقاقه وتصريفه, وإنما جروا في ذلك التعريف مجرى علماء العروض الذين لا مناص لهم من أن يقفوا في تعريف الشعر عند هذا القدر ما دام لا يتعلق لهم غرض منه بغير أوزانه وقوافيه، وعلله وزحافاته.

стр. 148

لا تظنوا أن الشعر كما تظنون, وإلا لاستطاع كل قارئ بل كل إنسان أن يكون شاعرا؛ لأنه لا يوجد في الناس من يعجزه تصور النغمة الموسيقية والتوقيع عليها من أخصر طريق. أيها القوم، ما الشعر إلا روح يودعها الله فطرة الإنسان من مبدأ نشأته ولا تزال كامنة فيه كمون النار في الزند, حتى إذا شدا١ فاضت على أسلات أقلامه٢ كما تفيض الكهرباء على أسلاكها، فمن أحس منكم بهذه الروح في نفسه فليعلم أنه شاعر أو لا فليكف نفسه مئونة التخطيط والتسطير, وليصرفها إلى معاناة ما يلائم طبعه ويناسب فطرته من أعمال الحياة، فوالله للمحراث في يد الفلاح والقدوم في يد النجار, والمسبر في يد الحداد أشرف وأنفع من القلم في يد النظام. فإن غم عليكم الأمر وأعجزكم أن تعلموا مكان الروح الشعري من نفوسكم فأعرضوا أنفسكم على من يرشدكم إليكم, ويدلكم عليكم حتى تكونوا على بينة من أمركم.

стр. 149

الحرية: استيقظت في فجر هذا اليوم على صوت هرة تموء١ بجانب فراشي وتتمسح بي, وتلح في ذلك إلحاحا غريبا, فرابني أمرها وأهمني همها, وقلت: لعلها جائعة فنهضت وأحضرت لها طعاما فعافته وانصرفت عنه, فقلت: لعلها ظمآنة فأرشدتها إلى الماء فلم تحفل به, وأنشأت تنظر إلي نظرات تنطق بما تشتمل عليه نفسها من الآلام والأحزان, فأثر في نفسي منظرها تأثيرا شديدا حتى تمنيت أن لو كنت سليمان، أفهم لغة الحيوان؛ لأعرف حاجتها وأفرج كربتها، وكان باب الغرفة مقفلا فرأيت أنها تطيل النظر إليه وتتلصق بي كلما رأتني أتجه إليه, فأدركت غرضها وعرفت أنها تريد أن أفتح لها الباب، فأسرعت بفتحه فما وقع نظرها على الفضاء، ورأت وجه السماء، حتى استحالت حالتها من حزن وهم إلى غبطة وسرور وانطلقت تعدو في سبيلها، فعدت إلى فراشي

стр. 150

وأسلمت رأسي إلى يدي وأنشأت أفكر في أمر هذه الهرة وأعجبت لشأنها وأقول: ليت شعري هل تفهم الهرة معنى الحرية, فهي تحزن لفقدانها وتفرح بلقياها، أجل؛ إنها تفهم معنى الحرية حق الفهم، وما كان حزنها وبكاؤها وإمساكها عن الطعام والشراب إلا من أجلها، وما كان تضرعها ورجاؤها وتمسحها وإلحاحها إلا سعيا وراء بلوغها. وهنا ذكرت أن كثيرا من أسرى الاستبداد من بني الإنسان لا يشعرون بما تشعر به الهرة المحبوسة في الغرفة, والوحش المعتقل في القفص والطير المقصص الجناح من ألم الأسر وشقائه، بل ربما كان بينهم من لا يفكر في وجه الخلاص, أو يلتمس السبيل إلى النجاة مما هو فيه، بل ربما كان بينهم من يتمنى البقاء في هذا السجن ويأنس به ويتلذذ بالآمه وأسقامه. من أصعب المسائل التي يحار العقل البشري في حلها أن يكون الحيوان الأعجم أوسع ميدانا في الحرية من الحيوان الناطق، فهل كان نطقه شؤما عليه وعلى سعادته، وهل يجمل به أن يتمنى الخرس والبله ليكون سعيدا بحريته كما كان سعيدا بها قبل أن يصبح ذكيا ناطقا. يحلق الطير في الجو, ويسبح السمك في البحر, ويهيم الوحش

стр. 151

في الأودية والجبال, ويعيش الإنسان رهين المحبسين: محبس نفسه ومحبس حكومته من المهد إلى اللحد. صنع الإنسان القوي للإنسان الضعيف سلاسل وأغلالا وسماها تارة ناموسا وأخرى قانونا؛ ليظلمه باسم العدل ويسلب منه جوهرة حريته باسم الناموس والنظام. صنع له هذه الآلة المخيفة, وتركه قلقا حذرا مروع القلب مرتعد الفرائض, يقيم من نفسه على نفسه حراسا تراقب حركات يديه وخطوات رجيله وفلتات لسانه وخطرات وهمه وخياله؛ لينجو من عقاب المستبد ويتخلص من تعذيبه، فويل له ما أكثر جهله، وويح له ما أشد حمقه، وهل يوجد في الدنيا عذاب أكبر من العذاب الذي يعالجه, أو سجن أضيق من السجن الذي هو فيه. ليست جناية المستبد على أسيره أنه سلبه حريته بل جنايته الكبرى عليه أنه أفسد عليه وجدانه فأصبح لا يحزن لفقد تلك الحرية ولا يذرف دمعة واحدة عليها. لو عرف الإنسان قيمة حريته المسلوبة منه وأدرك حقيقة ما يحيط بجسمه وعقله من السلاسل والقيود لانتحر كما ينتحر البلبل إذا حبسه الصياد في القفص، وكان ذلك خيرا له من حياة لا يرى فيها شعاعا من أشعة الحرية ولا تخلص إليه نسمة من نسماتها.

стр. 152

كان في مبدأ خلقه يمشي عريانا أو يلبس لباسا واسعا يشبه أن يكون ظلة تقيه لفحة الرمضاء، أو هبة النكباء، فوضعوه في القماط كما يضعون الطفل, وكفنوه كما يكفنون الموتى, وقالوا له هكذا نظام الأزياء. كان يأكل ويشرب كل ما تشتهيه نفسه, وما يلتئم مع طبيعته, فحالوا بينه وبين ذلك, وملئوا قلبه خوفا من المرض أو الموت وأبوا أن يأكل أو يشرب إلا كما يريد الطبيب, وأن يتكلم أو يكتب إلا كما يريد الرئيس الديني أو الحاكم السياسي, وأن يقوم أو يقعد أو يمشي أو يقف أو يتحرك أو يسكن إلا كما تقضي به قوانين العادات والتقاليد. لا سبيل إلى السعادة في الحياة إلا إذا عاش الإنسان فيها حرا مطلقا, لا يسيطر على جسمه وعقله ونفسه ووجدانه وفكره مسيطر إلا أدب النفس. الحرية شمس يجب أن تشرق في كل نفس، فمن عاش محروما منها عاش في ظلمة حالكة يتصل أولها بظلمة الرحم، وآخرها بظلمة القبر. الحرية هي الحياة ولولاها لكانت حياة الإنسان أشبه شيء بحياة اللعب المتحركة في أيدي الأطفال بحركة صناعية.

стр. 153

ليست الحرية في تاريخ الإنسان حادثا جديدا، أو طارئا غريبا، وإنما هي فطرته التي فطر عليها مذ كان وحشا يتسلق الصخور، ويتعلق بأغصان الأشجار. إن الإنسان الذي يمد يده لطلب الحرية ليس بمتسول ولا مستجد, وإنما هو يطلب حقا من حقوقه التي سلبته إياها المطامع البشرية، فإن ظفر بها فلا منة لمخلوق عليه ولا يد لأحد عنده.

стр. 154

عبرة الهجرة: إن في أخلاق النبي ﷺ وسجاياه التي لا تشتمل على مثلها نفس بشرية ما يغنيه عن كل خارقة تأتيه من الأرض أو السماء، أو الماء أو الهواء. إن ما كان يبهر العرب من معجزات علمه وحلمه، وصبره واحتماله، وتواضعه وإيثاره، وصدقه وإخلاصه، أكثر مما كان يبهرهم من معجزات تسبيح الحصى وانشقاق القمر، ومشى الشجر، ولين الحجر؛ ذلك لأنه ما كان يريبهم في الأولى ما كان يريبهم في الأخرى من الشبه بينها وبين عرافة العرافين وكهانة الكهنة وسحرة السحرة، فلولا صفاته النفسية وغرائزة وكمالاته ما نهضت له الخوارق بكل ما يريد، ولا تركت المعجزات في نفوس العرب ذلك الأثر المعروف، ذلك هو معنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ . كان النبي ﷺ شجاع القلب فلم يهب أن يدعو إلى التوحيد قوما مشركين يعلم أنهم غلاظ جفاة شرسون

стр. 155

متحمسون يغضبون لدينهم غضبهم لأعراضهم ويحبون آلهتهم كما يحبون أبناءهم. كان على ثقة من نجاح دعوته فكان يقول لقريش أشد ما كانوا هزءا وسخرية: "يا معشر قريش والله لا يأتي عليكم غير قليل حتى تعرفوا ما تنكرون، وتحبوا ما أنتم له كارهون". كان حليما سمح الأخلاق, فلم يزعجه أن كان قومه يؤذونه ويزدرونه ويشعثون١ منه ويضعون التراب على رأسه ويلقون على ظهره أمعاء الشاة وسلى٢ الجزور وهو في صلاته بل كان يقول: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لايعلمون". كان واسع الأمل كبير الهمة صلب النفس لبث في قومه ثلاث عشرة سنة يدعو إلى الله, فلا يلبي دعوته إلا الرجل بعد الرجل فلم يبلغ الملل من نفسه ولم يخلص اليأس إلى قلبه فكان يقول: "والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته". وما زال هذا شأنه حتى علم أن مكة لن تكون مبعث الدعوة ولا مطلع تلك الشمس المشرقة فهاجر إلى المدينة فانتقل الإسلام

стр. 156

بانتقاله من السكون إلى الحركة ومن طور الخفاء إلى طور الظهور. لذلك كانت الهجرة مبدأ تاريخ الإسلام؛ لأنها أكبر مظهر من مظاهره وكانت عيدا يحتفل به المسلمون في كل عام؛ لأنها أجمل ذكرى للثبات على الحق والجهاد في سبيل الله. لقد لقى ﷺ في هجرته عناء كبيرا وشدة عظيمة, فإن قومه كانوا يكرهون مهاجرته لا ضنا به بل مخافة أن يجد في دار هجرته الأعوان والأنصار ما لم يجد بينهم, كأنما كانوا يشعرون بأنه طالب حق وأن طالب الحق لا بد أن يجد بين المحقين أعوانا وأنصارا، فوضعوا عليه العيون والجواسيس فخرج من بينهم ليلة الهجرة متنكرا بعد ما ترك في فراشه ابن عمه علي ابن أبي طالب ﵁ عبثا بهم وتضليلا لهم عن اللحاق به, ومشى هو وصاحبه أبو بكر ﵁ يتسلقان الصخور ويتسربان في الأغوار والكهوف ويلوذان بأكناف الشعاب والهضاب حتى انقطع عنهم الطلب, وتم لهما ما أرادا بفضل الصبر والثبات على الحق. إن حياة النبي ﷺ أعظم مثال يجب أن يحتذيه المسلمون للوصول إلى التخلق بأشرف الأخلاق والتحلي بأكرم الخصال وأحسن مدرسة يجب أن يتعلموا فيها كيف

стр. 157

يكون الصدق في القول والإخلاص في العمل والثبات على الرأي وسيلة إلى النجاح, وكيف يكون الجهاد في سبيل الحق سببا في علوه على الباطل. لا حاجة لنا بتاريخ حياة فلاسفة اليونان، وحكماء الرومان، وعلماء الإفرنج، فلدينا في تاريخنا حياة شريفة مملوءة بالجد والعمل والصبر والثبات والحب والرحمة والحكمة والسياسة والشرف الحقيقي والإنسانية الكاملة وهي حياة نبينا ﷺ وحسبنا بها وكفى.

стр. 158

الإنصاف: إذا كان لك صديق تحبه وتواليه ثم هجمت من أخلاقه على ما لم يحل في نظرك, ولم يتفق مع ما علمت من حاله، وما أطرد عندك من أعماله، أو كان لك عدو تذم طباعه، وتنقم منه شئونه، ثم برقت لك من جانب أخلاقه بارقة خير فتحدثت بما قام في نفسك من مؤاخذة صديقك على الهفوة التي ذممتها، وحمد عدوك على الخلة التي حمدتها، عدك الناس متلونا أو مخادعا أو ذا وجهين تمدح اليوم من تذم بالأمس وتذم في ساعة من تمدح في أخرى, وقالوا: إنك تظهر ما لا تضمر وتخفي غير الذي تبدي، ولو أنصفوك لأعجبوا بك وبصدقك، ولأكبروا سلامة قلبك من هوى النفس وضلالها، ولسموا ما بدا لهم منك اعتدالا لا نفاقا، وإنصافا لا خداعا؛ لأنك لم تغل في حب صديقك غلو من يعميه الهوى عن رؤية عيوبه ولم تتمسك من صداقته بالسبب الضعيف فعنيت بتعهد أخلاقه، وتفقد خلاله، لإصلاح ما فسد من الأولى، واعوج من الأخرى.

стр. 159

إن صديقك الذي يبسم لك في حالي رضاك وغضبك، وحلمك وجهلك، وصوابك وسقطك، ليس ممن يغتبط بمودته، أو يوثق بصداقته؛ لأنه لا يصلح أن يكون مرآتك التي تتراءى فيها فتكشف لك عن نفسك وتصدقك عن زينك وشينك، وحلوك ومرك، وهو إما جاهل متهور في ميوله وأهوائه فلا يرى غير ما تريد أن ترى نفسه لا ما يجب أن تراه، وإما منافق مخادع قد علم أن هواك في الصمت عن عيوبك وتجرير الذيول عليها فجاراك فيما تريد، ليبلغ منك ما يريد. فها أنت ترى أن الناس يعكسون القضايا ويقلبون الحقائق فيسمون الصادق كاذبا، والكاذب صادقا، ولكن الناس لا يعلمون.

стр. 160

المدنية الغربية: سأودع في هذه النظرة الخيال والشعر وداع من يعلم أن الأمر أعظم شأنا وأجل خطرا من أن يعبث فيه العابث بأمثال هذه الطرائف, التي هي بالهزل أشبه منها بالجد والتي إنما يلهو بها الكاتب في مواطن فراغه ولعبه، لا في مواطن جده وعمله. إن في أيدينا معشر الكتاب من نفوس هذه الأمة وديعة يجب علينا تعهدها, والاحتفاظ بها والحدب عليها حتى نؤديها إلى أخلافنا من بعدنا كما أداها إلينا أسلافنا من قبلنا سالمة غير مأروضة١ ولا متأكلة، فإن فعلنا فذاك، أو لا فرحمة الله على الصدق والوفاء، وسلام على الكتاب الأمناء. الأمة المصرية أمة مسلمة شرقية, فيجب أن يبقى لها دينها وشرقيتها ما جرى نيلها في أرضها، وذهبت إهرامها في سمائها، حتى تبدل الأرض غير الأرض والسموات. إن خطوة واحدة يخطوها المصري إلى الغرب تدني إليه

стр. 161

أجله وتدنيه من مهوى سحيق يقبر فيه قبرا لا حياة له من بعده إلى يوم يبعثون. لا يستطيع المصري وهو ذلك الضعيف المستسلم أن يكون من المدنية الغربية إن داناها إلا كالغربال من دقيق الخبز يمسك خشاره، ويفلت لبابه، أو الراووق١ من الخمر يحتفظ بعقاره، ويستهين برحيقه، فخير له أن يتجنبها وأن يفر منها فرار السليم من الأجرب. يريد المصري أن يقلد الغربي في نشاطه وخفته فلا ينشط إلا في غدوته وروحته، وقعدته وقومته، فإذا جد الجد وأراد نفسه على أن يعمل عملا من الأعمال المحتاجة إلى قليل من الصبر والجلد دب الملل إلى نفسه دبيب الصهباء في الأعضاء، والكرى بين أهداب الجفون. يريد أن يقلده في رفاهيته، ونعمته فلا يفهم منهما إلا أن الأولى التأنث في الحركات، والثانية الاختلاف إلى الحانات. يريد أن يقلده في الوطنية فلا يأخذ منها إلا نعيقها ونعيبها وضجيجها وصفيرها، فإذا قيل له هذه المقدمات فأين النتائج أسلم رجليه إلى الرياح الأربع واستن في فراره استنان المهر

стр. 162

الأرن١، فإذا سمع صفير الصافر مات وجلا، وإذا رأى غير شيء ظنه رجلا. يريد أن يقلده في السياحة فلا يزال يترقب فصل الصيف ترقب الأرض الميتة فصل الربيع, حتى إذا حان حينه طار إلى مدن أوربا طيران حمام الزاجل لا يبصر شيئا مما حوله، ولا يلوي على شيء مما وراءه، حتى يقع على مجامع اللهو ومكامن الفجور وملاعب القمار، وهناك يبذل من عقله وماله ما يعود من بعده فقير الرأس والجيب، لا يملك من الأول ما يقوده إلى طريق السفينة التي تحمله في أوبته، ولا من الثاني أكثر من الجعالة التي يجتعلها منه صاحب الجريدة ليكتب له بين حوادث صحيفته، حادثة عودته، موشاة بجمل الإجلال والاحترام، مطرزة بوشائع الإكرام والإعظام. يريد أن يقلده في العلم فلا يعرف منه إلا كلمات يرددها بين شدقيه ترديدا لا يلجأ فيه إلى ركن من العلم وثيق، ولا يعتصم به من جهل شائن. يريد أن يقلده في الإحسان والبر فيترك جيرانه وجاراته يطوون حنايا الضلوع على أمعاء تلتهب فيها نار الجوع التهابا حتى

стр. 163

إذا سمع دعوة إلى اكتتاب في فاجعة نزلت في القطب الشمالي أو كارثة ألمت بسد يأجوج ومأجوج سجل اسمه في فاتحة الكتاب، ورصد هبته في مستهل جريدة الحساب. يريد أن يقلده في تعليم المرأة وتربيتها فيقنعه من علمها مقالة تكتبها في جريدة أو خطبة تخطبها في محفل ومن تربيتها التفنن في الأزياء والمقدرة على سحر النفوس واستلاب الألباب. هذا شأنه في الفضائل الغربية يأخذها صورة مشوهة وقضية معكوسة لا يعرف لها مغزى ولا ينتحي بها مقصدا ولا يذهب فيها إلى مذهب، فيكون مثله في ذلك كمثل جهلة المتدينين الذين يقلدون السلف الصالح في تطهير الثياب وقلوبهم ملأى بالأقذار والأكدار، ويجارونهم في آداء صور العبادات وإن كانوا لا ينتهون عن فحشاء ولا عن منكر، أو كمثل الذي يتشبهون بعمر في ترقيع الثياب وإن كانوا أحرص على الدنيا من صيارفة الإسرائيليين. أما شأنه في رذائلها فإنه أقدر الناس على أخذها كما هي فينتحر كما ينتحر الغربي ويلحد كما يلحد ويستهتر في الفسوق استهتاره، ويترسم في الفجور آثاره. إن في المصريين عيوبا جمة في أخلاقهم وطباعهم ومذاهبهم

стр. 164

وعاداتهم فإن كان لا بد لنا من الدعوة إلى إصلاحها فلندع إلى ذلك باسم المدنية الشرقية، لا باسم المدنية الغربية. إن دعوناهم إلى الحضارة فلنضرب لهم مثلا بحضارة بغداد وقرطبة وثيبة وفينيقيا لا بباريس ورومة وسويسرة ونيويورك، وإن دعوناهم إلى مكرمة فلنتل عليهم آيات الكتب المنزلة وأقوال أنبياء الشرق وحكمائه لا آيات رُسو وباكون ونيوتن وسبنسر، وإن دعوناهم إلى حرب ففي تاريخ خالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص وموسى بن نصير وصلاح الدين ما يغنينا عن تاريخ نابليون وولنجتون وواشنطون ونلسن وبلوخر، وفي وقائع القادسية وعمورية وأفريقية والحروب الصليبية ما يغنينا عن وقائع واترلو وترافلغار وأوسترليتز والسبعين. إن عارا على التاريخ المصري أن يعرف المسلم الشرقي في مصر من تاريخ بونابرت ما لا يعرف من تاريخ عمرو بن العاص، ويحفظ من تاريخ الجمهورية الفرنسية، ما لا يحفظ من تاريخ الرسالة المحمدية، ومن مبادئ ديكارت وأبحاث درون ما لا يحفظ من حكم الغزالي وأبحاث ابن رشد، ويروى من الشعر لشكسبير وهوجو ما لا يروى للمتنبي والمعري. لا مانع من أن يعرب لنا المعربون المفيد النافع من مؤلفات

стр. 165

علماء الغرب والجيد الممتع من أدب كتابهم وشعرائهم على أن ننظر إليه نظر الباحث المنتقد لا الضعيف المستسلم، فلا نأخذ كل قضية علمية قضية مسلمة ولا نطرب لكل معنى أدبي طربا متدفعا، ولا مانع من أن ينقل إلينا الناقلون شيئا من عادات الغربيين ومصطلحاتهم في مدنيتهم على أن ننظر إليه نظر من يريد التبسط في العلم بشئون العالم والتوسع في التجربة والاختبار لا على أن نتقلدها وننتحلها ونتخذها قاعدتنا في استحسان ما نستحسن من شئوننا، واستهجان ما نستهجن من عاداتنا. وبعد فليعلم كتاب هذه الأمة وقادتها أنه ليس في عادات الغربيين وأخلاقهم الشخصية الخاصة بهم ما نحسدهم عليه كثيرا، فلا يخدعوا أمتهم عن نفسها ولا يفسدوا عليها دينها وشرقيتها ولا يزينوا لها هذه المدنية الغربية تزيينا يرزؤها في استقلالها النفسي، بعد ما رزأتها السياسة في استقلالها الشخصي.

стр. 166

يوم الحساب: ساهرت الكوكب ليلة أمس حتى ملني ومللته, وضاق كل منا بصاحبه ذرعا وقد وقف الهم بيني وبين الكرى أجذبه فيدفعه، وأدنيه فيبعده، حتى أسلس قياده، وسكن جماحه. لم تخالط جفني سنة الكرى حتى خيل إلي أني قد انتقلت من العالم الأول إلى العالم الثاني ورأيت كأني بعثت بعد الموت وكأن أبناء آدم مجتمعون في صعيد واحد يحاسبون على أعمالهم, فألهمت أنه موقف الحشر وأنه يوم الحساب. أنشأت أمشي مشية الحائر الذاهل لا أعرف لي مذهبا ولا مضطربا ولا أجد من يأخذ بيدي ويدلني على نفسي في هذا الموقف الذي ينشد فيه كل ذي نفس نفسه فلا يجد إليها سبيلا، فطفقت أتصفح وجوه الواقفين، وأقلب النظر في الغادين والرائحين، علني أجد صديقا أستأنس به في وحدتي، وأستعين بمرافقته على وحشتي، فلا أرى إلا خلقا غريبا، ومنظرا عجيبا، ووجوها ما رأيت لها في حياتي شبيها ولا ضريبا، ولولا أني أعلم

стр. 167

أن الحساب خاص بالإنسان، لظننت أن الله يحاسب في هذا الموقف جميع أنواع الحيوان. هنالك وقد بلغ اليأس والهم مبلغهما من نفسي رأيت على البعد وجها يبتسم لي ويدنو مني رويدا رويدا, فأرقلت نحوه حتى بلغته فإذا صديقي "فلان" وإذا وجهه يتلألأ تلألؤ الكوكب في علياء السماء، فسألته ما فعل الله به؟ فقال: حاسبني حسابا يسيرا ثم غفر لي، وها أنذا ذاهب إلى ما أعد الله لعباده الصالحين في جنته من النعيم المقيم، فعجبت لشأنه وقلت في نفسي لقد هان أمر الحساب على كل عاص بعد ما هان على هذا الذي كنت أعرفه في أولاه لا يتقي مأثما، ولا يهاب منكرا، ولا يخرج من حان إلا إلى حان، ولا يودع مجمعا من مجامع الفسق إلا على موعد من اللقاء، فنظر إلي نظرة العاتب اللائم وابتسم ابتسامة علمت منها أن الرجل قد ألم بما أضمرته في نفسي فذكرت أن قد كشف الغطاء في هذه الدار, وأن قد رفع الحجاب بين الناس فلا سر ولا جهر، ولا بطن ولا ظهر، ولا فرق بين حركات اللسان، وخطرات الجنان، نظر إلي تلك النظرة وقال: لا تعجب لأمر في هذه الدار فكل ما فيها عجيب، واعلم أن الله حاسبني على كل ما كنت أجترح من الإثم في الدار الأولى، إلا أنه وجد

стр. 168

لي في جريدة حسناتي حسنة ذهبت بجميع السيئات، ذلك أنه كان لي جار من ذوي النعمة والثراء والصلاح والخير والمروءة والبر نكبه دهره نكبة ذهبت بماله فأهمني أمره وأزعجني أن أراه في مستقبل الأيام بائسا معدما يريق ماء وجهه على أعتاب الذين كان يسدي إليهم نعمته، وعلمت أني إن عرضت عليه شيئا من مالي أخجلته وصغرت نفسه في عينه فاحتلت على أن أدخل في بيته خادما كانت في بيتي وجعلت لها جعلا على أن تدس في كيس دراهمه كل ليلة خمسة دنانير من حيث لا يشعر بمأتاها، ولا يقف على سرها، وما زال هذا شأني وشأنه لا يعلم من أين يأتيه رزقه ولا يشعر أحد من الناس باستحالة حاله، وذهاب ماله، حتى فرق الموت بيني وبينه، فما نفعني عمل من أعمالي ما نفعني هذا العمل، وما كان الإحسان وحده سبب سعادتي بل كان سببها أنه أصاب الموضع وخلص من شائبة الرياء، فهنأته بنعمة الله عليه وشكوت إليه وحشتي من الوحدة وخوفي من المحاسبة، فقال: أما الوحشة فإني لن أفارقك حتى يأتي دورك، وأما الخوف فلا حيلة لي ولا لأحد من الناس في نقض ما أبرم الله في شأنك، فقلت: أنت من السعداء فهل تستطيع أن تشفع لي أو تطلب لي شفاعة من ولي من الأولياء، أو نبي من الأنبياء، قال: لا تطلب

стр. 169

المحال، ولا تصدق كل ما يقال، فقد كنا مخدوعين في الدار الأولى بتلك الآمال الكاذبة التي كان يبيعها منا تجار الدين بثمن غال, ولا يتقون الله في غشنا وخداعنا، وما الشفاعة إلا مظهر من مظاهر الإكرام والتبجيل به الله بعض عباده المقربين، فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يأذن بالشفاعة لأحد إلا إذا كان بين أعمال المشفوع له, أو في أعماق سريرته ما يقتضي إثاره بالمغفرة على غيره من العصاة والمذنبين، والله أجل من العبث وأرفع من المحاباه. وما وصل من حديثه إلى هذا الحد حتى رأينا كوكبة من ملائكة العذاب تحيط برجل يساق إلى النار, ورأينا في يد كل واحد منهم مقرعة من الحديد يقرع بها رأسه وهو يصرخ ويقول: "أهلكتني يا أبا حنيفة" فسألت صاحبي ما ذنب الرجل، فقال: إنه كان في حياته يتخذ في أعماله ما يسمونه "الحيل الشرعية" فكان يهب ماله لأحد أولاده على نية استرداده قبل أن يحول عليه الحول ليتخلص من فريضة الزكاة، ويطلق زوجته ثلاثا ثم يأتي بمحلل يحللها له فيعود إلى معاشرتها، وكان يرابي باسم الرهن فإذا جاءه من يريد أن يقترض منه مالا أبى أن يقرضه إلا إذا وضع في يده رهنا فإذا وضع يده على ضيعته ألزمه أن يستأجرها

стр. 170

منه بمال كثير يراعي فيه النسبة التي يراعيها المرابون بين الربح وأصل المال، وكان إذا حلف لا يدخل بيتا دخله من نافذته، أو لا يأكل رغيفا أكله إلا لقمة منه، فذنبه أنه كان يعمد إلى الأحكام الشرعية فينتزع منها حكمها وأسرارها ثم يرفعها إلى الله قشورا جوفاء ليخدعه بها ويغشه فيها كما يفعل مع الأطفال والبله مستندا على تقليد أبي حنيفة أو غيره من كبار الأئمة, وأبو حنيفة أرفع قدرا وأهدى بصيرة من أن يتخذ الله هزأ أو سخرية وأن يكون ممن يهدمون الدين باسم الدين. وما انقطع عنا صوت هذا الشقي حتى رأينا شقيا آخر ذا لحية طويلة كثة قد أحاط به ملكان وشدا عنقه بسبحة طويلة ذات حبات كبيرة, وقد أخذ كل منهما بطرف منها وهو يهمهم بكلمات مبهمة فيقرعه أحدهما على رأسه ويقول له: "أمكر وأنت في الحديد" فدنوت منه وأنعمت النظر في وجهه فعرفته, فتراجعت ذعرا وخوفا وقلت: أيكون هذا من أشقياء الآخرة وقد كان بالأمس من أقطاب الأولى، فقال لي صاحبي: إن هذا الذي كنت تحسبه في أولاه من الأقطاب كان أكبر تاجر من تجار الدين، وما هذه اللحية والسبحة والهمهمة والدمدمة إلا حبائل كان ينصبها لاصطياد عقول الناس وأموالهم ولكن الناس لا يعلمون

стр. 171

وما زال المنصرفون من موقف القضاء يمرون بنا هذا إلى جنته وذاك إلى ناره وأنا أسأل عن شأن كل منهم واحدا فواحدا فأرى سعيدا من كنت أحسبه شقيا، وشقيا من كنت أحسبه سعيدا، فسجلت أن الله يحاسب الناس على قلوبهم، لا على جوارحهم، ويسألهم عن نياتهم، لا عن أفعالهم، وأن لا سعادة إلا الصدق، ولا شقاء إلا الكذب، وعلمت أن الله لا يغفر من السيئات إلا ما كان هفوة من الهفوات يلم بها صاحبها إلماما ثم يندم عليها، ورأيت أن أكبر ما يعاقب الله عليه جناية المرء على أخيه بسفك دمه أو هتك عرضه أو سلب ماله، وأن أضعف الوسائل إلى الله ذلك الركوع والسجود، والقيام والقعود، فلو أن امرأ قضى حياته بين ليل قائم، ونهار صائم، ثم ظلم طفلا صغيرا في لقمة يختطفها من يده لاستحالت حسناته إلى سيئات، وما أغني عنه نسكه من الله شيئا. وبينا أنا أحدث نفسي بهذا الحديث وأقلب النظر في وجوه تلك المواعظ والعبر إذا قال لي صاحبي: أتعرف هذين، وأشار إلى رجلين واقفين ناحية يتناجيان، أحدهما شيخ جليل أبيض اللحية، وثانيهما كهل نحيف قد اختلط مبيضه بمسوده، فما هي إلا النظرة الأولى حتى عرفت الرجلين العظيمين، رجل الإسلام "محمد عبده"

стр. 172

ورجل المرأة "قاسم أمين"، فقلت لصاحبي: هل لك في أن ندنو منهما ونسترق نجواهما من حيث لا يشعران، ففعلنا فسمعنا الأول يقول للثاني: ليتك يا قاسم أخذت برأيي وأحللت نصحي لك محلا من نفسك، فقد كنت أنهاك أن تفاجئ المرأة المصرية برأيك في الحجاب قبل أن تأخذ له عدته من الأدب والدين فجنى كتابك عليها ما جناه من هتك حرمتها وفسادها وتبذلها وإراقة تلك البقية الصالحة التي كانت في وجهها من ماء الحياء، فقال له صاحبه: إني أشرت عليها أن تتعلم قبل أن تسفر وأن لا ترفع برقعها قبل أن تنسج لها برقعا من الأدب والحياء، قال له: ولكن قد فاتك ما كنت تنبأت لك به من أنها جاهلة لا تفهم هذا التفصيل, وضعيفة لا تعبأ بهذا الاستثناء، فكنت كمن يعطي الجاهل سيفا ليقتل به غيره فيقتل نفسه، فقال له: أتأذن لي يا مولاي أن أقول لك إنك قد وقعت في مثل ما وقعت فيه من الخطأ, وأنك نصحتني بما لم لم تنتصح به، أنا أردت أن أنصح المرأة فأفسدتها كما تقول, وأنت أردت أن تحيي الإسلام فقتلته، إنك فاجأت جهلة المسلمين بما لا يفهمون من الآراء الدينية الصحيحة والأغراض الشريفة فأرادوا غير ما أردت وفهموا غير ما فهمت، فأصبحوا ملحدين، بعد أن كانوا مخرفين،

стр. 173

وأنت تعلم أن دينا خرافيا خير من لا دين، أولت لهم بعض آيات الكتاب فاتخذوا التأويل قاعدة حتى أولوا الملك والشيطان والجنة والنار، وبينت لهم حكم العبادات وأسرارها، وسفهت لهم رأيهم في الأخذ بقشورها دون لبابها، فتركوها جملة واحدة، وقلت لهم: إن الولي إله باطل، والله إله حق، فأنكروا الألوهية حقها وباطلها، فتهلل وجه الشيخ وقال له: ما زلت يا قاسم في أخراك، مثل في دنياك، لا تضطرب في حجة، ولا تنام عن ثأر، يا قاسم لا تحمل هما، ولا تخش شرا، وثق أن الله سيحاسبنا على نياتنا وسرائرنا، ويعفو عن هفواتنا وسقطاتنا، إنا ما أردنا إلا الخير لأمتنا، وما قدرنا لها في مستقبلها إلا ما تحتمله عقولنا، فإن كذبت فراستنا أو أخطأ تقديرنا فذلك؛ لأن المستقبل بيد الله. وما وصلا من حديثهما إلى هذا الحد حتى تركا مكانهما وذهبا لشأنهما، فقلت لصاحبي: هل لك أن تريني الميزان والصراط والجنة والنار فإني ما زلت في شوق إلى رؤية تلك الأشياء, ورؤية مواقعها منذ رأيتها في "خريطة الآخرة" التي رسمها الشعراني في بعض كتبه؟ قال: أما الميزان فتقدير الأعمال والموازنة بين الحسنات

стр. 174

والسيئات، وأما الصراط فهو سبيل الإنسان إلى سعادته أو شقائه، وأما الجنة والنار فلا علم لي حتى الساعة بهما. وبينا أنا كذلك إذ سمعت صوتا صارخا ما قرع سمعي في حياتي مثله يناديني باسمي فعلمت أن قد جاء دوري فأدركني من الهول والرعب ما أيقظني من نومي، فاستيقظت فلم أر حسابا ولا عقابا، ولا موقفا ولا محشرا، فعلمت أنها خيالات وأوهام، أو أضغاث أحلام، وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين.

стр. 175

الشعرة البيضاء: مررت صباح اليوم أمام المرآة فلمحت في رأسي شعرة بيضاء، تلمع في تلك اللمة السوداء، لمعان شرارة البرق في الليلة الظلماء. رأيت الشعرة البيضاء في فودي١ فارتعت لمرآها كأنما خيل إلي أنها سيف جرده القضاء على رأسي، أو علم أبيض يحمله رسول جاء من عالم الغيب ينذرني باقتراب الأجل، أو يأس قاتل عرض دون الأمل، أو جذوة نار علقت بأهداب حياتي علوقها بالحطب الجزل, ولا بد مهما ترفقت في مشيتها واتأدت في مسيرها من أن تبلغ مداها، أو خيط من خيوط الكفن الذي تنسجه يد الدهر وتعده لباسا لجثتي عندما تجردها من لباسها يد الغاسل. أيتها الشعرة البيضاء: ما رأيت بياضا أشبه بالسواد من

стр. 176

بياضك، ولا نورا أقرب إلى الظلمة من نورك, لقد أبغضت من أجلك كل بياض حتى بياض القمر، وكل نور حتى نور البصر، وأحببت فيك كل سواد حتى سواد الغربان، وكل ظلام حتى ظلام الوجدان. أيتها الشعرة البيضاء: ليت شعري من أي نافذة خلصت إلى رأسي، وفي أي مسلك من مسالك الدهر مشيت إلى فودي. كيف طاب لك المقام في هذه الأرض الموحشة التي لا تجدين فيها أنيسا يسامرك، ولا جليسا يساهرك، وكيف لم يرع قلبك لمنظر هذا الليل الفاحم، ولم يعش بصرك في هذا الظلام القاتم. أيتها الشعرة البيضاء: لقد عييت بأمرك، وبعلت١ بحملك، وأصبحت لا أعرف وجه الحيلة في البعد عنك، والفرار من وجهك. لا ينفعني معك أن أنزعك من مكانك؛ لأنك لا تلبثين أن تعودي إليه، ولا ينقذني منك أن أخضبك بالسواد؛ لأنك لا تلبثين أن تنصلي٢؛ ولأني لا أحب أن أجمع على نفسي بين

стр. 177

مصيبتين، مصيبة الشيب، ومصيبة الكذب. أيتها الشعرة البيضاء: يخيل إلي وأنا أنظر إليك أنك من ذوات الحيلة والدهاء والكيد والخبث، وأنك تهمسين في آذان أخواتك السود اللواتي بجانبك تحاولين إغراءهن بالتشبه بك والتردي بردائك، وكأني بك وقد أشعلت في هذه البيئة الهادئة المطمئنة حربا شعواء، وفتنة عمياء، يختلط فيها الرامح بالنابل١ والدارع بالحاسر٢، ويهلك فيها القاعد والقائم، والمظلوم والظالم. إن كان هذا مصيرك فسيكون شأنك شأن ذلك السائح الأبيض الذي ينزل بأمة الزنج مستكشفا فيصبح مستعمرا، ويدخل أرضها سلما، ويفارقها حربا، فأسأل الله لرأسي العافية منك، ولأمة الزنج السلامة من صاحبك، فكلاكما مشئوم الطلعة في مقامه وارتحاله، وكوكب النحس في وقوفه وتسياره. أيتها الشعرة البيضاء: ما أنت، وما وفودك إلي، وما مكانك مني، وما مقامك عندي، إن كنت ضيفا فأين استئذان الضيف وتلطفه، وتجمله وتودده، وإن كنت نذيرا فأنا أعلم

стр. 178

من الموت وشأنه ما لا أحتاج معه إلى نذير، فلم يبق إلا أن تكوني أوقح الخلائق وجها، وأصلبها خدا، وأنك قد نزلت من السماحة والفضول منزلة لا أرى لك فيها شبيها إلا تلك الحية التي تلج كل جحر من أجحار الهوام والحشرات تعده جحرها، وتحسبه بيتها. أيبلغ بك الشأن وأنت التي يضربون الأمثال بدقتها وخفائها ويبعثون وراءها الملاقط والمقاريض فلا يكادون يعرفون السبيل إلى مدارجها ومكامنها أن تملئي من الرعب قلبا لا يروعه السيف المجرد، ولا السهم المسدد. لا لا، ما ذعرت ولا ارتعت، وما حزنت ولا بكيت، وإنما هي خطرة من خطرات الأمل الكاذب، ولمحة من لمحات البرق الخالب. أيتها الشعرة البيضاء: هل لك أن تتجاوزي عما أسأت به إليك في إطالة عتبك، واستثقال ظلك، فلقد رجعت إلى نفسي فعلمت أنك أكرم الخلائق عندي، وأعظمها في عيني، هنيئا لك رأسي مصيفا ومرتبعا، وهنيئا لك فودي مرادا ومسرحا، فأنت رسول الموت الذي ما زلت أطلبه مذ عرفته، فلا أجد له سبيلا، ولا أعرف له رسولا

стр. 179

ما الذي يحمله في صدره لك من الحقد والموجدة رجل لم ينعم بشبابه، فيحزن على ذهابه، ولم يذق حلاوة الحياة، فيجزع لمرارة الممات، ولم يستنشق نسمات السعادة غصنا رطبا، فيأسى عليها عودا يابسا. ما الذي ينقمه منك من الشئون رجل يعلم أنك وحي الأمل الذي يبشره بقرب النجاة من حياة ليس فيها من السعادة والهناء إلا لحظات قليلة, يكدرها ما يحيط بها من الهموم والأحزان كما تكدر أنفاس الحزن الحارة صفحة المرآة. أليس كل ما أعده عليك من الذنوب أنك طليعة الموت, والموت هو الذي يخلصني من منظر هذا العالم المملوء بالشرور والآثام، الحافل بالآلام والأسقام، الذي لا أغمض عيني فيه إلا لأفتحها على صديق يغدر بصديقه، وأخ يخون أخاه، وعشير يحدد أنيابه ليمضغ عشيره، وغني يضن على الفقير بفتات مائدته، وفقير يقترح على الدهر حتى بلغه الموت فلا يظفر بأمنيته، وملك لا يفرق بين رعيته وماشيته، ومملوك لا يميز بين ملك الملك وربوبيته، وقلوب تضطرم حقدا على غير طائل، ونفوس تتفانى قتلا على لون حائل، وظل زائل، وغرض باطل، وعقول تتهالك وجدا على نار تحرقها، وأنياب تمزقها، وعيون حائرة، في رءوس

стр. 180

طائرة، تنظر ولا ترى شيئا مما حولها، وتلمع ولا تكاد تبصر ما تحتها، إن كان هذا هو ذنبك عندي فاستكثري من ذنوبك فإني لك من الغافرين. أيتها الشعرة البيضاء: مرحبا بك اليوم ومرحبا بأخواتك غدا، ومرحبا بهذا القضاء الواقف وراءك أو الكامن في أطوائك، ومرحبا بتلك الغرفة التي أخلو فيها بربي وآنس فيها بنفسي، من حيث لا أسمع حتى دوي المدافع، ولا أرى حتى غبار الوقائع. أهلا بوافدة للشيب واحدة ... وإن تراءت بشكل غير مودود
следующие страницы →