← Адаб

Адаб · id 11400

النظرات

المنفلوطي

Полный текст (1 016 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

بياضك، ولا نورا أقرب إلى الظلمة من نورك, لقد أبغضت من أجلك كل بياض حتى بياض القمر، وكل نور حتى نور البصر، وأحببت فيك كل سواد حتى سواد الغربان، وكل ظلام حتى ظلام الوجدان. أيتها الشعرة البيضاء: ليت شعري من أي نافذة خلصت إلى رأسي، وفي أي مسلك من مسالك الدهر مشيت إلى فودي. كيف طاب لك المقام في هذه الأرض الموحشة التي لا تجدين فيها أنيسا يسامرك، ولا جليسا يساهرك، وكيف لم يرع قلبك لمنظر هذا الليل الفاحم، ولم يعش بصرك في هذا الظلام القاتم. أيتها الشعرة البيضاء: لقد عييت بأمرك، وبعلت١ بحملك، وأصبحت لا أعرف وجه الحيلة في البعد عنك، والفرار من وجهك. لا ينفعني معك أن أنزعك من مكانك؛ لأنك لا تلبثين أن تعودي إليه، ولا ينقذني منك أن أخضبك بالسواد؛ لأنك لا تلبثين أن تنصلي٢؛ ولأني لا أحب أن أجمع على نفسي بين

стр. 177

مصيبتين، مصيبة الشيب، ومصيبة الكذب. أيتها الشعرة البيضاء: يخيل إلي وأنا أنظر إليك أنك من ذوات الحيلة والدهاء والكيد والخبث، وأنك تهمسين في آذان أخواتك السود اللواتي بجانبك تحاولين إغراءهن بالتشبه بك والتردي بردائك، وكأني بك وقد أشعلت في هذه البيئة الهادئة المطمئنة حربا شعواء، وفتنة عمياء، يختلط فيها الرامح بالنابل١ والدارع بالحاسر٢، ويهلك فيها القاعد والقائم، والمظلوم والظالم. إن كان هذا مصيرك فسيكون شأنك شأن ذلك السائح الأبيض الذي ينزل بأمة الزنج مستكشفا فيصبح مستعمرا، ويدخل أرضها سلما، ويفارقها حربا، فأسأل الله لرأسي العافية منك، ولأمة الزنج السلامة من صاحبك، فكلاكما مشئوم الطلعة في مقامه وارتحاله، وكوكب النحس في وقوفه وتسياره. أيتها الشعرة البيضاء: ما أنت، وما وفودك إلي، وما مكانك مني، وما مقامك عندي، إن كنت ضيفا فأين استئذان الضيف وتلطفه، وتجمله وتودده، وإن كنت نذيرا فأنا أعلم

стр. 178

من الموت وشأنه ما لا أحتاج معه إلى نذير، فلم يبق إلا أن تكوني أوقح الخلائق وجها، وأصلبها خدا، وأنك قد نزلت من السماحة والفضول منزلة لا أرى لك فيها شبيها إلا تلك الحية التي تلج كل جحر من أجحار الهوام والحشرات تعده جحرها، وتحسبه بيتها. أيبلغ بك الشأن وأنت التي يضربون الأمثال بدقتها وخفائها ويبعثون وراءها الملاقط والمقاريض فلا يكادون يعرفون السبيل إلى مدارجها ومكامنها أن تملئي من الرعب قلبا لا يروعه السيف المجرد، ولا السهم المسدد. لا لا، ما ذعرت ولا ارتعت، وما حزنت ولا بكيت، وإنما هي خطرة من خطرات الأمل الكاذب، ولمحة من لمحات البرق الخالب. أيتها الشعرة البيضاء: هل لك أن تتجاوزي عما أسأت به إليك في إطالة عتبك، واستثقال ظلك، فلقد رجعت إلى نفسي فعلمت أنك أكرم الخلائق عندي، وأعظمها في عيني، هنيئا لك رأسي مصيفا ومرتبعا، وهنيئا لك فودي مرادا ومسرحا، فأنت رسول الموت الذي ما زلت أطلبه مذ عرفته، فلا أجد له سبيلا، ولا أعرف له رسولا

стр. 179

ما الذي يحمله في صدره لك من الحقد والموجدة رجل لم ينعم بشبابه، فيحزن على ذهابه، ولم يذق حلاوة الحياة، فيجزع لمرارة الممات، ولم يستنشق نسمات السعادة غصنا رطبا، فيأسى عليها عودا يابسا. ما الذي ينقمه منك من الشئون رجل يعلم أنك وحي الأمل الذي يبشره بقرب النجاة من حياة ليس فيها من السعادة والهناء إلا لحظات قليلة, يكدرها ما يحيط بها من الهموم والأحزان كما تكدر أنفاس الحزن الحارة صفحة المرآة. أليس كل ما أعده عليك من الذنوب أنك طليعة الموت, والموت هو الذي يخلصني من منظر هذا العالم المملوء بالشرور والآثام، الحافل بالآلام والأسقام، الذي لا أغمض عيني فيه إلا لأفتحها على صديق يغدر بصديقه، وأخ يخون أخاه، وعشير يحدد أنيابه ليمضغ عشيره، وغني يضن على الفقير بفتات مائدته، وفقير يقترح على الدهر حتى بلغه الموت فلا يظفر بأمنيته، وملك لا يفرق بين رعيته وماشيته، ومملوك لا يميز بين ملك الملك وربوبيته، وقلوب تضطرم حقدا على غير طائل، ونفوس تتفانى قتلا على لون حائل، وظل زائل، وغرض باطل، وعقول تتهالك وجدا على نار تحرقها، وأنياب تمزقها، وعيون حائرة، في رءوس

стр. 180

طائرة، تنظر ولا ترى شيئا مما حولها، وتلمع ولا تكاد تبصر ما تحتها، إن كان هذا هو ذنبك عندي فاستكثري من ذنوبك فإني لك من الغافرين. أيتها الشعرة البيضاء: مرحبا بك اليوم ومرحبا بأخواتك غدا، ومرحبا بهذا القضاء الواقف وراءك أو الكامن في أطوائك، ومرحبا بتلك الغرفة التي أخلو فيها بربي وآنس فيها بنفسي، من حيث لا أسمع حتى دوي المدافع، ولا أرى حتى غبار الوقائع. أهلا بوافدة للشيب واحدة ... وإن تراءت بشكل غير مودود

стр. 181

الصياد: حدث أحد الأصدقاء قال: بينا أنا في منزلي صبيحة يوم إذ دخل علي رجل صياد يحمل في شبكة فوق عاتقه سمكة كبيرة, فعرضها علي فلم أساومه فيها بل نقدته الثمن الذي أراده فأخذه شاكرا متهللا وقال: هذه هي المرة الأولى التي أخذت فيها الثمن الذي اقترحته، أحسن الله إليك كما أحسنت إلي وجعلك سعيدا في نفسك، كما جعلك سعيدا في مالك، فسررت بهذه الدعوة كثيرا وطمعت أن تفتح لها أبواب السماء، وعجبت أن يهتدي شيخ عامي إلى معرفة حقيقة لا يعرفها إلا القليل من الخاصة، وهي أن للسعادة النفسية شأنا غير شأن السعادة المالية، فقلت له: يا شيخ وهل توجد سعادة غير سعادة المال؟، فابتسم ابتسامة هادئة مؤثرة وقال: لو كانت السعادة سعادة المال لكنت أنا أشقى الناس؛ لأنني أفقر الناس، قلت: وهل تعد نفسك سعيدا؟ قال: نعم؛ لأنني قانع برزقي مغتبط بعيشي لا أحزن على فائت من العيش

стр. 182

ولا تذهب نفسي حسرة وراء مطمع من المطامع فمن أي باب يخلص الشقاء إلى قلبي، قلت: أيها الرجل أين يذهب بك وما أرى إلا أنك شيخ قد اختلس عقله، وكيف تعد نفسك سعيدا وأنت حاف غير منتعل وعار إلا قليلا من الأسمال البالية والأطمار السحيقة، قال: إن كانت السعادة لذة النفس وراحتها، وكان الشقاء ألمها وعناءها، فأنا سعيد؛ لأني لا أجد في رثاثة ملبسي ولا في خشونة عيشي ما يولد لي ألما، أو يسبب لي هما، وإن كانت السعادة عندكم أمرا وراء ذلك، فأنا لا أفهمها إلا كذلك، قلت: ألا يحزنك النظر إلى الأغنياء في أثاثهم ورياشهم، وقصورهم ومراكبهم، وخدمهم وخولهم، ومطعمهم ومشربهم، ألا يحزنك هذا الفرق العظيم بين حالتك وحالتهم، قال: إنما يصغر جميع هذه المناظر في نظري ويهونها عندي أني لا أجد أن أصحابها قد نالوا من السعادة بوجدانها، أكثر مما نلته بفقدانها. هذه المطاعم التي تذكرها إن كان الغرض منها الامتلاء فأنا لا أذكر أني بت ليلة في حياتي جائعا، وإن كان الغرض منها قضاء شهوة النفس فأنا لا آكل إلا إذا جعت فأجد كل ما يدخل جوفي لذة لا أحسب أن في شهوات الطعام لذة تفضلها، أما القصور فإن لدي كوخا صغيرا لا أشعر بأنه يضيق بي وبزوجتي

стр. 183

وولدي فأقرع السن على أن لم يكن قصرا كبيرا، وإن كان لا بد من إمتاع النظر بالمناظر الجميلة فحسبي أن أحمل شبكتي فوق كتفي كل مطلع فجر وأذهب بها إلى شاطئ النهر فأرى منظر السماء والماء، والأشعة البيضاء، والمروج الخضراء، فما هي إلا لفته الجيد حتى يطلع من ناحية الشرق قرص الشمس كأنه ترس من ذهب، أو قطعة من لهب، فلا يبعد عن خط الأفق ميلا أو ميلين حتى ينثر فوق سطح النهر حليه المتكسر، أو دره المتحدر، فإذا تجلى هذا المنظر في عيني يتخلله سكون الطبيعة وهدوؤها ملك على شعوري ووجداني فاستغرقت فيه استغراق النائم في الأحلام اللذيذة حتى لا أحب أن أعود إلى نفسي إلى يوم النشور، ولا أزال هكذا غارقا في لذتي حتى أشعر بجذبة قوية في يدي فأنتبه فإذا السمك في الشبكة يضطرب، وما اضطرابه؛ إلا لأنه فارق الفضاء الذي كان يهيم فيه مطلق السراح وبات في المحبس الذي لا يجد فيه مراحا ولا مسرحا، فلا أجد له شبيها في حالتيه إلا الفقراء والأغنياء، يمشي الفقير كما يشتهي ويتنقل حيث يريد كأنما هو الطائر الذي لا يقع إلا حيث يطيب له التغريد والتنقير، ولولا أن تتخطاه العيون وتنبو عنه النواظر ما كار في كل فضاء، ولا تنقل حيث يشاء، أما الغني فلا يتحرك

стр. 184

ولا يسكن إلا وعليه من الأحداق نطاق، ومن الأرصاد أغلال وأطواق، ولا يخرج من منزله إلا إذا وقف أمام المرآة ساعة يؤلف فيها من حقيقته وخياله ناظر ومنظورا ثم يطيل التفكير هل يقع المنظور من الناظر موقعا حسنا، حتى إذا استوثق من نفسه بذلك خرج إلى الناس يمشي بينهم مشية يحرص فيها على الشكل الذي استقر رأيه عليه فلا يطلق لجسمه الحرية في الحركة والالتفات حتى لا يخرج بذلك من حكمها ولا لفكره الحرية في النظر والاعتبار بمشاهد الكون ومناظره مخافة أن يغفل عن إشارات السلام، ومظاهر الإكرام. فإذا أخذت من السمك كفاف يومي عدت به وبعته في الأسواق أو على أبواب المنازل، فإذا أدبر النهار وعدت إلى منزلي فيعتنقني ولدي وتبش زوجتي في وجهي، فإذا قضيت بالسعي حق عيالي وبالصلاة حق ربي نمت في فراشي نومة هادئة مطمئنة لا أحتاج معها إلى ديباج وحرير، أو مهد وثير، فهل استطيع أن أعد نفسي شقيا وأنا أروح الناس بالا، وإن كنت أقلهم مالا. لا فرق بيني وبين الغني إلا أن الناس لا ينهضون إجلالا لي إذا رأوني، ولا يمدون أعناقهم نحوي إذا مررت بهم، وأهون

стр. 185

به من فرق لا قيمة له عندي ولا أثر له في نفسي، وما يعنيني من أمرهم إن قاموا أو قعدوا، أو طاروا في الهواء، أو غاصوا في أعماق الماء، ما دمت لا علاقة بيني وبينهم، وما دمت لا أنظر إليهم إلا بالعين التي ينظر بها الإنسان إلى الصور المتحركة. لا علاقة بيني وبين أحد في هذا العالم إلا تلك العلاقة التي بيني وبين ربي، فأنا أعبده حتى عبادته وأخلص في توحيدة فلا أعتقد ربوبية أحد سواه، ولا أكتمك يا سيدي أني لا أستطيع الجمع بين توحيد الله والاعتراف بالعظمة لأحد من الناس، ولقد أخذ هذا اليقين مكانه من قلبي حتى لو طلع علي الملك المتوج في مواكبه وكواكبه، وبطانته وجنده، لما خفق له قلبي خفقة الرهبة والخشية، ولا شغل من نفسي مكانا أكثر مما يشغله ملك التمثيل. ولقد كان هذا اليقين أكبر سبب في عزائي وراحة نفسي من الهموم والأحزان، فما نزلت بي ضائقة ولا هبت علي عاصفة من عواصف هذا الكون إلا انتزعني من بين مخالبها وهونها علي حتى لا أكاد أشعر بوقعها، وكيف أتألم لمصاب أعلم أنه مقدور لا مفر منه وأنني مأجور عليه على قدر احتمالي إياه وسكوني إليه.

стр. 186

آمنت بالقضاء والقدر خيره وشره، وباليوم الآخر ثوابه وعقابه، فصغرت الدنيا في عيني وصغر شأنها عندي حتى ما أفرح بخيرها، ولا أحزن لشرها، ولا أعول على شأن من شئونها حتى شأن الحياة فيها، وأقسم ما خرجت مرة إلى شاطئ النهر حاملا شبكتي فوق عاتقي إلا وقع الشك في نفسي هل أعود إلى منزلي حاملا أم محمولا. ما العالم إلا بحر زاخر، وما الناس إلا أسماكه المائجة فيه، وما ريب المنون إلا صياد يحمل شبكته كل يوم ويلقيها في ذلك البحر فتمسك ما تمسك، وتترك ما تترك، وما ينجو من شبكته اليوم لا ينجو منها غدا، فكيف أغتبط بما لا أملك، أو أعتمد علي غير معتمد، إذا أنا أضل الناس عقلا وأضعفهم إيمانا. قال المحدث: فأكبرت الرجل في نفسي كل الإكبار وأعجبت بصفاء ذهنه وذكاء قلبه وحسدته على قناعته واقتناعه بسعادة نفسه وقلت له: يا شيخ إن الناس جميعا يبكون على السعادة ويفتشون عنها فلا يجدونها فاستقر رأيهم على أن الشقاء لازم من لوازم الحياة لا ينفك عنها، فكيف تعد العالم سعيدا وما هو إلا في شقاء، قال: لا يا سيدي، إن الإنسان سعيد بفطرته وإنما هو الذي يجلب بنفسه الشقاء إلى نفسه، يشتد طمعه في المال فيتعذر

стр. 187

عليه مطمعه فيطول بكاؤه وعناؤه، ويعتقد أن بلوغ الآمال في هذه الحياة حق من حقوقه فإذا أخطأ سهمه والتوى عليه غرضه أنَّ وشكى شكاة المظلوم من الظالم، ويبالغ في حسن ظنه بالأيام فإذا غدرت به في محبوب لديه من مال أو ولد فاجأه من ذلك ما لم يكن يقدر وقوعه, فناله من الهم والألم ما لم يكن ليناله لو خبر الدهر وقتل الأيام علما وتجربة وعرف أن جميع ما في يد الإنسان عارية مستردة، ووديعة موقوتة، وأن هذا الامتلاك الذي يزعمه الناس لأنفسهم خدعة من خدع النفوس الضعيفة ووهم من أوهامها. إن أكثر ما يصيب الناس من الشقوة من طريق الأخلاق الباطنة، لا من طريق الوقائع الظاهرة، فالحاسد يتألم كلما وقع نظره على محسود، والحقود يتألم كلما تذكر أنه عاجز عن الانتقام من عدوه، والطماع يتألم كلما خاب أمله في مطمع، والشارب يتألم كلما أفاق من سكره، والزاني يتألم كلما فاوضته في الإثم سريرته، والظالم يتألم كلما سمع ابتهال المظلوم بالدعاء عليه أو حاق به ظلمه، وكذلك شأن الكاذب والنمام والمغتاب وكل من تشتمل نفسه على رذيلة من الرذائل

стр. 188

من أراد أن يطلب السعادة فليطلبها بين جوانب النفس الفاضلة، وإلا فهو أشقى العالمين وإن ملك ذخائر الأرض وخزائن السماء. قال الصديق: فما وصل الصياد من حديثه إلى هذا الحد حتى نهض قائما وتناول عصاه وقال: أستودعك الله يا سيدي وأدعو لك الدعوة التي أحببتها لنفسك وأحببتها لك، وهي أن يجعلك الله سعيدا في نفسك، كما جعلك سعيدا في مالك، والسلام عليك ورحمة الله.

стр. 189

الانتحار: في كل موسم من مواسم الامتحان المدرسي نسمع بكثير من حوادث الانتحار بين المتخلفين من التلاميذ والراسبين، ولو ربي التلميذ تربية دينية لما هان عليه أن يخسر سعادته الأخروية خسرانا مبينا أسفا على أن لم ينل كل حظه من السعادة الدنيوية, ولو ربي تربية أدبية لما احتقر حياته الثمينة وازدراها ولو وجهه عنها؛ لأنها لم تقدم إليه في لفافة الشهادة المدرسية، ولو أن أستاذه ملأ قلبه بنور الإيمان ولقنه فيما يلقنه من قواعد الدين وأحكامه أن جناية المرء على نفسه أكبر إثما عند الله وأعظم جرما من جنايته على غيره لما خاطر بدينه في آخر ساعة من ساعات حياته، وهي الساعة التي ينيب فيها العاصي إلى ربه ويستغفر فيها المذنب من ذنبه، ولو أنه لقنه فيما يلقنه من دروس الأخلاق والآداب أن العلم صفة من صفات الكمال لا سلعة من سلع التجارة يجب أن يحفل به صاحبه من حيث ذاته لا من

стр. 190

حيث كونه وسيلة من وسائل العيش لما جرى على تلك القاعدة الفاسدة "الشهادة بلا علم خير من العلم بلا شهادة"، ولو أنه رباه على الاستقلال الذاتي وعلمه أن الشرف في هذه الحياة على قدر ما يبذل الإنسان من الجهد في خدمة الأمة أو المجتمع سواء أكان في قصر الملك أم في دار الوزارة، وفي حانوت التجارة، أم في معمل الصناعة، لما أكبر مناصب الحكومة هذا الإكبار ولا احتفل بها احتفال من لا يرى للحياة معنى بدونها، ولو أنه نفث في روعه روح الشجاعة النفسية وعوده الصبر والجلد في مواقف الشدة والبلاء لما جزع هذا الجزع الفاضح ولا جن هذا الجنون الذي خيل إليه أن عذاب النزع أهون من عذاب الهم. الوالد والأستاذ والمجتمع في مصر عون على الناشئ المتعلم وآفة على عقله وأخلاقه وآدابه. أما الوالد فإنه يقول له وهو ذاهب به إلى المدرسة: ستكون غدا يا بني حاكما كهذا الحاكم ووزيرا كهذا الوزير، وكلما أراد أن يحثه على الاجتهاد في طلب العلم ويخوفه عاقبة الخيبة في الامتحان صور له المستقبل المجرد من الوظيفة أقبح تصوير وأشنعه، وربما أشار عليه بالانتحار من طرف خفي فيقول له: إذا لم تنجح في الامتحان فموتك أفضل من حياتك، وأما الأستاذ فإنه يضرب

стр. 191

له من نفسه مثلا على وجوب احترام المنصب وإجلاله وإنزاله المنزلة الأولى بين أعمال المجتمع الإنساني إذ يراه بعينه يتجرع مرارة الذل ويعاني من كبرياء رؤسائه وقسوة المسيطرين عليه عناء شديدا ويحتمل من ذلك ما لا يحتمله الرجل الشريف حرصا على منصبه وإرعاء عليه، فكأنما يتلقى عنه درسا عمليا موضوعه "إن من يخاطر بمنصبه يخاطر بحياته؛ لأن المنصب كل شيء في هذه الحياة" أما المجتمع فإنه يحترم الموظف الصغير، أكثر مما يحترم العالم الكبير، ويطير إلى تهنئته بإقبال المنصب عليه وتعزيته عن إدباره عنه, كأن الكوكب لا يدور إلا في دائرة المناصب نحوسا وسعودا، فإذا رأى الناشئ ذلك أكبر الوظيفة أيما إكبار ولج به الحرص عليها، واللصوق بها، وكان سروره وحزنه على قدر قربها منه أو بعدها عنه، فإذا وفق إليها لطم بأنفه قبة السماء، وداس بنعله رأس الجوزاء، وإن يئس منها قتل نفسه وهو يتمثل بقول ذلك الشاعر الأحمق: فإما الثريا وإما الثرى أيها الناشئ: لقد جهل أبوك وغشك أستاذك وخدعك هذا المجتمع الفاسد فكن أحسن حالا منهم, واعلم أن شرف العلم أكبر من شرف المنصب وأن المنصب ما كان شريفا؛ إلا لأنه حسنة من حسنات العلم وأثر من آثاره، فإن فاتك حظك منه

стр. 192

فلا تحفل به فهو أحقر من أن تشتد في أثره أو تبذل حياتك حزنا عليه، ولا تحسد أرباب المناصب على مناصبهم فإنما هم يخدعونك بزخرف من القول وظاهر من النعمة وبهرج من الابتسام، ووراء ذلك لو علمت قلب يقطر دماء وفؤاد يضطرم لوعة وأسى. خذ لنفسك حظها من العلم والأدب، ولا تحفل بعد ذلك بشيء، فقد ربحت كل شيء.

стр. 193

الجمال: الجمال هو التناسب بين أجزاء الهيئات المركبة سواء أكان ذلك في الماديات أم في المعقولات، وفي الحقائق أم الخيالات. ما كان الوجه الجميل جميلا إلا للتناسب بين أجزائه، وما كان الصوت الجميل جميلا إلا لتناسب بين نغماته، ولولا التناسب بين حبات العقد ما افتتنت به الحسناء، ولولا التناسق في أزهار الروض ما هامت به الشعراء. ليس للتناسب قاعدة مطردة يستطيع الكاتب أن يبينها، فالتناسب في المرئيات، غيره في المسموعات، وفي الرسوم غيره في الخطوط، وفي الشئون العلمية، غيره في القصائد الشعرية، على أنه لا حاجة إلى بيانه ما دامت الأذواق السليمة تدرك بفطرتها ما يلائمها فترتاح إليه وما لا يلائمها فتنفر منه. إن كثيرا من الناس يستحسنون الأنف الصغير في الوجه الكبير، والرأس الكبير في الجسم الصغير، ولا يفرقون بين البرص في الجسم الأسود، والخال في الخد الأبيض، ويطربون

стр. 194

لنقيق الضفادع كما يطربون لخرير الماء، ويفضلون أنغام النواعير على أنغام العيدان، ويعجبون بشعر ابن الفارض وابن معتوق والبرعي أكثر مما يعجبون بشعر أبي الطيب وأبي تمام والبحتري، ويضحكون لما يبكي ويبكون مما يضحك، ويرضون بما يغضب ويغضبون مما يرضي. أولئك هم أصحاب الأذواق المريضة، وأولئك هم الذي تصدر عنهم أفعالهم وأقوالهم مشوهة غير متناسبة ولا متلائمة؛ لأنهم لم يدركوا سر الجمال فيصدر عنهم، ولم تألفه نفوسهم فيصير غريزة من غرائزهم. إن رأيت شاعرا يبتدئ قصائد التهنئة بالبكاء على الأطلال، ويودع القصائد الرثائية، النكات الهزلية، ويتغزل بممدوحه، كما يتغزل بمعشوقه، أو متكلما يقتضب الأحاديث اقتضابا ويهزل في موضع الجد ويحد في موضع الهزل، أو صحفيا يضع العنوان الضخم للخبر التافه، ويكتب مقدمة في السماء لموضوع في الأرض، أو حاكما يضع الندى في موضع السيف والسيف في موضع الندى، أو ماشيا يتلوى في طريقه من رصيف إلى رصيف كأنما يرسم خطا متعرجا، أو لابسا في الشتاء غلالة الصيف وفي الصيف فروة الشتاء، فاعلم أن ذوقه مريض وأنه في حاجة إلى معالجة

стр. 195

ذوقه، كحاجة المجنون إلى علاج عقله، والمريض إلى علاجه جسمه. كما أنه ليس كل مجنون يرجى شفاؤه، ولا كل مريض يرجى إبلاله، كذلك ليس كل من فسد ذوقه يرجى صلاحه، فإن رأيت من تؤمل في صلاحه خيرا وتجد في نفسه استعدادا لتقويم ذوقه فعلاجه أن تحفه بأنواع الجمال وتدأب على تنبيهه على متناسباته ومؤتلفاته، وإن استطعت أن تعلمه فنا من الفنون الجميلة كالشعر والتصوير والموسيقى فأفعل فإنها المقومات للأذواق، والغارسات في النفوس ملكات الجمال.

стр. 196

الكذب: كذب اللسان من فضول كذب القلب، فلا تأمن الكاذب على ود، ولا تثق منه بعهد، واهرب من وجهه الهرب كله، وأخوف ما أخاف عليك من خلطائك وسجرائك الرجل الكاذب. عرف الحكماء الكذب بأنه مخالفة الكلام للواقع ولعلهم جاروا في هذا التعريف الحقيقة العرفية ولو شاءوا لأضافوا إلى كذب الأقوال كذب الأفعال. لا فرق بين كذب الأقوال وكذب الأفعال في تضليل العقول والعبث بالأهواء وخذلان الحق واستعلاء الباطل عليه، ولا فرق بين أن يكذب الرجل فيقول إني ثقة أمين لا أخون ولا أغدر فأقرضني مالا أؤده إليك ثم لا يؤديه بعد ذلك، وأن يأتيك بسبحة يهمهم بها فتنطق سبحته بما سكت عنه لسانه من دعوى الأمانة والوفاء فيخدعك في الثانية كما خدعك في الأولى، لا بل يستطيع كاذب الأفعال أن يخدعك ألف مرة قبل أن يخدعك كاذب الأقوال مرة واحدة؛ لأنه لا يكتفي بقول الزور

стр. 197

بلسانه حتى يقيم على قضيته بينة كاذبة من أحواله وأطواره. ليس الكذب شيئا يستهان به فهو أس الشرور ورذيلة الرذائل فكأنه أصل والرذائل فروع له، بل هو الرذائل نفسها وإنما يأتي في أشكال مختلفة ويتمثل في صور متنوعة. المنافق كاذب؛ لأن لسانه ينطق بغير ما في قلبه، والمتكبر كاذب؛ لأنه يدعي لنفسه منزله غير منزلته، والفاسق كاذب؛ لأنه كذب في دعوى الإيمان ونقض ما عاهد الله عليه، والنمام كاذب؛ لأنه لم يتق الله في فتنته، فيتحرى الصدق في نميمته، والمتملق كاذب؛ لأن ظاهره ينفعك وباطنه يلذعك. لقد هان على الناس أمر الكذب حتى إنك لتجد الرجل الصادق فتعرض على الناس أمره وتظرفهم بحديثه كأنك تعرض عجائب المخلوقات، وتتحدث بخوارق العادات. فويل للرجل الصادق من حياة نكدة لا يجد فيها حقيقة مستقيمة، وويل له من صديق يخون العهد، ورفيق يكذب الود، ومستشار غير أمين، وجاهل يفشي السر، وعالم يحرف الكلم عن مواضعه، وشيخ يدعي الولاية كذبا، وتاجر يغش في سلعته، ويحنث في أيمانه، وصحفي يتجر بعقول الأحرار كما يتجر النخاس بالعبيد والإماء، ويكذب على نفسه وعلى الله وعلى الناس في كل صباح ومساء،

стр. 198

غرفة الأحزان: كان لي صديق أحبه لفضله وأدبه، أكثر مما أحبه لصلاحه ودينه، فكان يروقني منظره ويؤنسني محضره، ولا أبالي بعد ذلك بشيء من نسكه وعبادته، أو فسقه واستهتاره؛ لأني ما فكرت قط أن أتلقى عنه علوم الشريعة أو دروس الأخلاق فقد علمت من ذلك ما حسبي به وكفى. قضيت في صحبته عهدا طويلا ما أنكر من أمره ولا ينكر من أمري شيئا حتى سافرت من القاهرة سفرا طويلا فتراسلنا حينا, ثم انقطعت عني كتبه فرابني من أمره ما رابني, ثم عدت فجعلت أكبر همي أن أراه فطلبته في جميع المواطن التي كنت أعرفه فيها فلم أجده، فذهبت إلى منزله فحدثني جيرانه أنه هجره من عهد بعيد وأنهم لا يعرفون أين مذهبه، فوقفت بين اليأس والرجاء برهة من الزمان، ثم شعرت كأن أولهما يغالب ثانيهما حتى غلبه، فعلمت أن قد فقدت الرجل وأني لن أجد بعد اليوم إليه سبيلا

стр. 199

هنالك ذرفت من الوجد دموعا لا يذرفها إلا من قل نصيبه من الأصدقاء، وأقفر ربعه من الأوفياء، وأصبح غرضا من أغراض الأيام لا تخطئه سهامها، ولا تغبه آلامها١. بينما أنا عائد إلى منزلي في ليلة من ليالي السرار٢ إذ دفعني الجهل بالطريق في هذا الظلام المدلهم إلى زقاق موحش مهجور يتخيل الناظر إليه في مثل تلك الساعة التي مررت فيها أنه مسكن الجان، أو مأوى الغيلان، فشعرت كأن بحرا أسود يتدفق بين جبلين شامخين، وكأن أمواجه تقبل بي وتدبر، وتقوم وتقعد، فما توسطت لجته حتى سمعت في منزل من تلك المنازل المهجورة أنة تردد في جوف الليل, فأصغيت إليها فتلتها أختها ثم أخواتها فأثر في نفسي مسمعها تأثيرا شديدا وقلت يا للعجب، كم يكتم هذا الليل في صدره من أسرار البائسين، وخفايا المحزونين، وكنت قد عاهدت الله قبل اليوم ألا أرى محزونا حتى أقف أمامه وقفة المساعد إن استطعت، أو الباكي إذا عجزت، فتلمست الطريق إلى ذلك المنزل حتى بلغته فطرقت الباب طرقا خفيفا فلم يفتح لي فطرقته أخرى طرقا شديدا ففتحت لي فتاة صغيرة لم تكد تسلخ العاشرة من عمرها فتأملتها على ضوء المصباح الضئيل

стр. 200

الذي كان في يدها فإذا هي في ثيابها الممزقة، كالبدر وراء الغيوم المتقطعة، وقلت لها: هل عندكم مريض، فزفرت زفرة كاد ينقطع لها نياط قلبها, وقالت: أدرك أبي أيها الرجل فهو يعالج سكرات الموت. ثم مشت أمامي فتبعتها حتى وصلت إلى غرفة ذات باب قصير مسنم فدخلتها فخيل إلي أني قد انتقلت من عالم الأحياء إلى عالم الأموات، وأن الغرفة قبر والمريض ميت، فدنوت منه حتى صرت بجانبه فإذا قفص من العظم يتردد فيه النفس تردد الهواء في البرج الخشبي، فوضعت يدي على جبينه ففتح عينيه وأطال النظر في وجهي, ثم فتح شفتيه قليلا قليلا وقال بصوت خافت: "أحمد الله فقد وجدت صديقي" فشعرت كأن قلبي يتمشى في صدري جزعا وقلقا وعلمت أني قد عثرت بضالتي التي كنت أنشدها وكنت أتمنى ألا أعثر بها وهي في طريق الفناء، وعلى باب القضاء، وألا يجدد لي مرآها حزنا كان في قلبي كمينا، وبين أضالعي دفينا، فسألته ما باله وما هذه الحالة التي صار إليها، وكأن أنسه بي أمد مصباح حياته الضئيل بقليل من النور فأشار إلي أنه يحب النهوض, فمددت يدي إليه فاعتمد عليها حتى استوى جالسا وأنشأ يقص علي هذه القصة: منذ عشر سنين كنت أسكن أنا ووالدتي بيتا يسكن بجانبه

стр. 201

جار لنا من أرباب الثراء والنعمة، وكان قصره يضم بين جناحيه فتاة ما ضمت القصور أجنحتها على مثلها حسنا وبهاء، ورونقا وجمالا، فألم بنفسي من الوجد بها ما لم أستطع معه صبرا، فما زلت بها أعالجها فتمتنع وأستنزلها فتتعذر وأتأتى إلى قلبها بكل الوسائل فلا أصل إليه حتى عثرت بمنفذ الوعد بالزواج فانحدرت منه إليها، فسكن جماحها، وأسلس قيادها، فسلبتها قلبها وشرفها في يوم واحد، وما هي إلا أيام قلائل حتى عرفت أن جنينا يضطرب في أحشائها فأسقط في يدي وطفقت أرتئي بين أن أفي لها بوعدها، أو أقطع حبل ودها، فآثرت أخراهما على أولاهما وهجرت ذلك المنزل إلى المنزل الذي كنت تزورني فيه أيها الصديق، ولم أعد أعلم بعد ذلك من أمرها شيئا. مرت على تلك الحادثة أعوام طوال وفي ذات يوم جاءني منها مع البريد هذا الكتاب ومد يده تحت وسادته وأخرج كتابا باليا مصفرا فقرأت فيه ما يأتي: لو كان بي أن أكتب إليك لأجدد عهدا دارسا أو ودا قديما ما كتبت سطرا، ولا خططت حرفا؛ لأني لا أعتقد أن عهدا مثل عهدك الغادر، وودا مثل ودك الكاذب، يستحق أن أحفل به فأذكره، أو آسف عليه فأطلب تجديده,

стр. 202

إنك عرفت حين تركتني أن بين جنبي نارا تضطرم، وجنينا يضطرب، تلك للأسف على الماضي، وذاك للخوف من المستقبل، فلم تبل بذلك وفررت مني حتى لا تحمل نفسك مئونة النظر إلى شقاء أنت صاحبه، ولا تكلف يدك مسح دموع أنت مرسلها، فهل أستطيع بعد ذلك أن أتصور أنك رجل شريف، لا بل لا أستطيع أن أتصور أنك إنسان؛ لأنك تركت خلة من الخلال المتفرقة في نفوس العجماوات والوحوش الضارية إلا جمعتها في نفسك وظهرت بها جميعها في مظهر واحد. كذبت علي في دعواك أنك تحبني وما كنت تحب إلا نفسك، وكل ما في الأمر أنك رأيتني السبيل إلى إرضاء نفسك فمررت بي في طريقك إليها، ولولا ذلك ما طرقت لي بابا، ولا رأيت لي وجها. خنتني إذ عاهدتني على الزواج فأخلفت وعدك ذهابا بنفسك أن تتزوج امرأة مجرمة ساقطة، وما هذه الجريمة ولا تلك السقطة إلا صورة نفسك، وصنعة يدك، ولولاك ما كنت مجرمة ولا ساقطة، فقد دفعتك جهدي حتى عييت بأمرك فسقط بين يديك سقوط الطفل الصغير، بين يدي الجبار الكبير, سرقت عفتي، فأصبحت ذليلة النفس حزينة القلب أستثقل

стр. 203

الحياة وأستبطئ الأجل، وأي لذة في العيش لامرأة لا تستطيع أن تكون زوجة لرجل ولا أما لولد, بل لا تستطيع أن تعيش في مجتمع من هذه المجتمعات البشرية إلا وهي خافضة رأسها، مسبلة جفنها، واضعة خدها على كفها، ترتعد أوصالها، وتذوب أحشاؤها، خوفا من عبث العابثين، وتهكم المتهكمين. سلبتني راحتي؛ لأني أصبحت مضطرة بعد تلك الحادثة إلى الفرار من ذلك القصر الذي كنت متمتعة فيه بعشرة أبي وأمي, تاركة ورائي تلك النعمة الواسعة وذلك العيش الرغد إلى منزل حقير في حي مهجور لا يعرفه أحد ولا يطرق بابه طارق لأقضي فيه الصبابة الباقية من أيام حياتي. قتلت أمي وأبي فقد علمت أنهما ماتا وما أحسب موتهما إلا حزنا لفقدي، ويأسا من لقائي. قتلتني؛ لأن ذلك العيش المر الذي شربته من كأسك، وذلك الهم الطويل الذي عالجته بسببك، قد بلغا مبلغهما من جسمي ونفسي فأصبحت في فراش الموت كالذبالة المحترقة، وأحسب أن الله قد صنع لي وأجاب دعائي وأراد أن ينقلني من دار الموت والشقاء، إلى دار الحياة والهناء. فأنت كاذب خادع، ولص قاتل، ولا أحسب أن الله تاركك

стр. 204

بدون أن يأخذ لي بحقي منك. ما كتبت إليك هذا الكتاب لأجدد بك عهدا، أو لأخطب إليك ودا، فقد عرفت مكانك من نفسي، على أنني أصبحت على باب القبر وفي موقف وداع هذه الحياة خيرها وشرها، سعادتها وشقائها، وإنما كتبت إليك؛ لأن لك عندي وديعة وهي فتاتك، فإن كان الذي ذهب بالرحمة من قلبك أبقى لك منها رحمة الأبوة فأقبل إليها وخذها إليك حتى لا يدركها من الشقاء ما أدرك أمها من قبلها. فما أتممت قراءة الكتاب حتى نظرت إليه فرأيت مدامعه تتحدر من مقلتيه فسألته ماذا تم بعد ذلك؟ قال: إني ما قرأت هذا الكتاب حتى أحسست برعدة تتمشى في أضالعي وخيل لي أن صدري يحاول أن ينشق عن قلبي حزنا وجزعا, فأسرعت إلى منزلها وهو هذا المنزل الذي تراني فيه الآن فرأيتها في هذه الغرفة على هذا السرير جثة هامدة لا حراك بها، ورأيت فتاتها إلى جانبها تبكي بكاء مرا فصعقت لهول ما رأيت وتمثلت لي جرائمي في غشيتي كأنما هي وحوش ضارية، وأساود ملتفة، هذا ينشب أظافره وذاك يحدد أنيابه، فما أفقت حتى عاهدت الله ألا أبرح هذه

стр. 205

الغرفة التي سميتها "غرفة الأحزان" حتى أعيش فيها عيشتها ثم أموت موتها. وها أنذا أموت اليوم راضيا مسرورا فقد حدثني قلبي أن الله قد غفر لي سيئاتي بما قاسيت من العناء، وكابدت من الشقاء. وما وصل من حديثه إلى هذا الحد حتى انعقد لسانه واصفر وجهه وسقط على فراشه فأسلم الروح وهو يقول: ابنتي يا صديقي. فلبثت بجانبه ساعة قضيت فيها ما يجب على الصديق لصديقه, ثم كتبت إلى أصدقائه ومعارفه فحضروا تشييع جنازته وما رئي مثل اليوم أكثر باكية وباكيا. ولما حثونا الترب فوق ضريحه ... جزعنا ولكن أي ساعة مجزع ويعلم الله أني لأكتب قصته ولا أملك نفسي من البكاء والنشيج ولا أنسى ما حييت نداءه لي وهو يودع نسمات الحياة وقوله: "ابنتي يا صديقي". فيا أقوياء القلوب من الرجال، رفقا بضعفاء النفوس من النساء، إنكم لا تعلمون حيت تخدعونهن عن شرفهن وعفتهن أي قلب تفجعون، وأي دم تسفكون.

стр. 206

الشرف: لو فهم الناس معنى الشرف لأصبحوا كلهم شرفاء. ما من عامل يعمل في هذه الحياة إلا وهو يطلب في عمله الشرف الذي يتصوره أو يصوره له الناس، إلا أنه تارة يخطئ مكانه وتارة يصيب. يقتل القاتل وفي اعتقاده أن الشرف في أن ينتقم لنفسه أو عرضه بإراقة هذه الكمية من الدم، ولا يبالي أن يسميه القانون بعد ذلك مجرما؛ لأن البيئة التي يعيش فيها لا توافق على هذه التسمية وهي في نظره أعدل من القانون حكما، وأصدق قولا. يفسق الفاسق وفي اعتقاده أنه قد نفض عن نفسه بعمله هذا غبار الخمول والبله الذي يظلل الأعفاء والمستقيمين، وأنه استطاع أن يعمل عملا لا يقدم عليه إلا كل ذي حذق وبراعة وشجاعة وإقدام. يسرق السارق ويزور المزور ويخون الخائن وفي اعتقاد كل منهم أن الشرق كل الشرف في المال وإن كان السبيل إليه دنيئا وسافلا،

стр. 207

وأن للذهب رنينا تخفت بجانب صوته أصوات المعترضين والناقدين شيئا فشيئا ثم تنقطع حتى لا يسمع بجانبه صوت سواه هكذا يتصور الأدنياء أنهم شرفاء، وهكذا يطلبون الشرف ويخطئون مكانه، وما أفسد عليهم تصورهم إلا الذين أحاطوا بهم من سجرائهم وخلطائهم وذوي جامعتهم، أولئك الذين يحتقرون الموتور حتى يغسل الدم بالدم فيعظمونه، وينعون على الرجل المستقيم العفيف بلاهته وخموله حتى يفجر ويستهتر فيبخبخون له ويقرظونه، ويكرمون صاحب الذهب, ولو أن كل دينار من دنانيره محجم من الدم، وأولئك الذين يسمون الفقير سافلا، وطيب القلب مغفلا، وطاهر السريرة بليدا، والحليم عاجزا. لا تعجب إن سمعت أن جماعة الأغنياء الجهلاء تنعكس في أدمغتهم صور الحقائق حتى تلبس في نظرهم ثوبا غير ثوبها، وتتراءى في لون غير لونها، فإن بين الخاصة الذين نعتد بعقولهم ونمتدح أفهامهم ومداركهم من لا يفرق بين الرذيلة والفضيلة، حتى إنه ليكاد يفخر بالأولى ويستحيي من الأخرى. لولا فساد التصور ما افتخر قائد الجيش بأنه قتل مائة ألف من النفوس البشرية في حرب لا يدافع فيها عن فضيلة, ولا يؤيد بها حقا من الحقوق الشرعية، ولولا فساد التصور ما وضع المؤرخون

стр. 208

اسم ذلك السفاح بجانب أسماء العلماء والحكماء والأطباء خَدمة الإنسانية وحملة عرشها وأصحاب الأيادي البيضاء عليها في سطر واحد من صحيفة واحدة، ولولا فساد التصور ما جلس القاضي المرتشي فوق كرسي القضاء يفتل شاربيه، ويصعر خديه، وينظر نظرات الاحتقار والازدراء إلى المتهم الواقف بين يديه موقف الضراعة والذل، ولا ذنب له إلا أنه جاع وضاقت به مذاهب العيش فسرق درهما، ولا توهم وهو اللص الكبير، أنه أشرف من هذا اللص الصغير، ولو باتا عند قدريهما لوقفا معا في موقف واحد أمام قاض عادل يحكم بإدانة الأول؛ لأنه سرق مختارا ليرفه عيشه، وبراءة الثاني؛ لأنه سرق مضطرا لينقذ حياته من براثن الموت. فمن شاء أن يهذب أخلاق الناس ويقوم اعوجاجها فليهذب تصوراتهم، وليقوم أفهامهم، يوافه ما يريد من التهذيب والتقويم. ليس من الرأي أن يشير المعلم على المتعلم أن يجعل هذا المجتمع الإنساني ميزانا يزن به أعماله، أو مرآة يرى فيها حسناته وسيئاته، فالمجتمع الإنساني مصاب بالسقم في فهمه، والاضطراب في تصوره، فلا عبرة بحكمه، ولا ثقة بوزنه وتقديره. ليس من الرأي أن يرشد المعلم إلى أن يطلب في

стр. 209

حياته الشرف الاعتباري، فليس كل ما يعتبره الناس شرفا هو في الحقيقة كذلك. ألا تراهم يعدون أشرف الشرف أن يتناول الرجل من الملك قطعة من الفضة أو الذهب يحلي بها صدره، وربما كانوا يعلمون أنه ابتاعها بماله كما تبتاع المرأة من الصائغ حليتها. لا شرف إلا الشرف الحقيقي وهو الذي يناله الانسان ببذل حياته أو ماله أو راحته في خدمة المجتمع البشري جميعه أو خدمة نوع من أنواعه. فالعالم شريف؛ لأنه يجلو صدأ العقل الإنساني ويصقل مرآته، والمجاهد في سبيل الدفاع عن وطنه شريف؛ لأنه يحمي مواطنيه غائلة الأعداء، ويقيهم عادية الفناء، والمحسن الذي يضع الإحسان في موضعه شريف؛ لأنه يأخذ بأيدي الضعفاء، ويحيي أنفس البؤساء، والحاكم العادل شريف؛ لأنه رسول العناية الإلهية إلى المظلومين يمنعهم أن يبغي عليهم الظالمون، وصاحب الأخلاق الكريمة شريف؛ لأنه يؤثر بكرم أخلاقه وجمال صفاته في عشرائه وخلطائه، ويلقي عليهم بالقدوة الصالحة أفضل درس في الأخلاق والآداب، والصانع والزارع والتاجر أشراف متى كانوا أمناء مستقيمين؛ لأنهم هم الذيني يحملون على عواتقهم هذا

стр. 210

المجتمع البشري وهم الذين يحتملون ما يحتملون من المئونة والمشتقة في سبيله حذرا عليه من التهافت والسقوط. فإن رأيت في نفسك أيها القارئ أنك واحد من هؤلاء علم أنك شريف وإلا فاسلك طريقهم جهدك، فإن لم تبلغ غايته فأخذ القليل خير من ترك الكثير، فإن لم يكن هذا ولا ذاك فلتبك على عقلك البواكي.

стр. 211

الحب والزواج: قرأت في بعض المجلات قصة قصها أحد الكتاب, وموضوعها أن كاتبها غاب عن بيروت بضعة أعوام ثم عاد إليها بعد ذلك فزار صديقا له من أسرياء الرجال ووجوههم ومن ذوي الأخلاق الكريمة والأنفس العالية فوجده حزينا كئيبا على غير ما يعهد من حاله قبل ذلك، فاستفهم منه عن دخيلة أمره فعرف أنه كان متزوجا من فتاة يحبها ويجلها ويفديها بنفسه وماله فلم تحفظ صنيعه ولم ترع عهده وأنها فرت منه إلى عشيق لها رقيق الحال وضيع النسب، فاجتهد الكاتب أن يلقى تلك الفتاة ليعرف منها سر فرارها من بيت زوجها فلقيها في منزل عشيقها فاعتذرت إليه عن فعلتها بأنها لا تحب زوجها؛ لأنه في الأربعين من عمره وهي لم تبلغ العشرين، وقالت إنها جرت في ذلك على حكم الشرائع الطبيعية وإن خالفت الشرائع الدينية؛ لأن الأولى عادلة والثانية ظالمة، وقالت: إن ما يسميه الناس بالزنا والخيانة هو في الحقيقة طهارة وأمانة؛ لأن أساسه الحب، وكل

стр. 212

ما كان أساسه الحب فهو طاهر شريف، وإن كان في أعين الناس عيبا وعارا، وقالت: ما الخيانة ولا الجريمة ولا الغش ولا الخداع إلا أن تعاشر المرأة زوجا تكرهه معاشرتها من تحبه فيفترشها الأول كما يفترشها الثاني؛ لأنها لا تكون في حكم العقل ولا في نظر العدل زوجا له ما دامت لا تحبه ولا تألف عشرته، وقالت: لو أدرك الناس أسرار الديانات وأغراضها لعرفوا أنها متفقة في هذه المسألة مع الشرائع الطبيعية, وأنها ربما تعد المرأة في بيت زوجها زانية، وفي بيت عشيقها طارهة، إذا كانت تكره الأول وتحب الثاني. هذا ملخص القصة على طولها وأحسبها قصة موضوعة على نحو ما يضع الكتاب القصص الخيالية لنشر رأي من الآراء أو تأييد مذهب من المذاهب؛ لأن الكاتب أعذر١ تلك الفتاة فيما فعلت, واقتنع بصحة أقوالها وصحة مذهبها وأعداها على زوجها٢ وحكم لها عليه. وسواء أكانت القصة حقيقية أم خيالية فالحق أقول: إن الكاتب أخطأ في وضعها, وما كنت أحسب إلا أن مذهب

стр. 213

الإباحية١ قد مضى وانقضى بانقضاء العصور المظلمة حتى قرأت هذه القصة منشورة باللغة العربية بين الأمة العربية فنالني من الهم والحزن ما الله عالم به. قرأنا ما كتب الكاتبون في سبيل المرأة الساقطة, وهي التي هفت في حياتها هفوة دفعها إليها دافع خداع أو سائق حاجة ثم ثاب إليها رشدها وهداها فقلنا لا بأس بغيرتهم على ذنب جسمته العادة وألبسته ثوبا أوسع من ثوبه، ولا بأس برحمتهم فتاة مذنبة تحاول الرجوع إلى ربها، والتوبة من ذنبها، ويأبى المجتمع البشري إلا أن يسددونها أبواب السماء المفتحة للقاتلين والمجرمين. فأما وقد وصل الحد إلى تزيين الزنا للزانية وتهوين إثمه عليها وإغراء العفيفة الصالحة بالتمرد على زوجها والخروج من طاعته كلما دعاها إلى ذلك داع من الهوى فهذا ما لا يطاق احتماله، ولا يستطاع قبوله. إن فتاة الرواية لم تهف في جريمتها فقط كما يهفو غيرها من النساء؛ لأنها مقيمة في منزل عشيقها من زمن بعيد, وقد عقدت عزمها على البقاء فيه ما دامت روحها باقية في جسدها، ولم يسقها إلى ذلك سائق شهوة بشرية إن صح أن تكون الشهوة البشرية

стр. 214

عذرا يدفع مثلها إلى مثل ما صنعت؛ لأنها فرت من فراش زوجها، لا من وحشة خلوتها، ولا سائق جوع؛ لأنها كانت أرق النساء عيشا، وأروحهن بالا، بل كانت على حالة من الرفاهية والنعمة والتقلب في أعطاف العيش البارد لم تر مثلها من قبل ولا من بعد، إذن فهي امرأة مجرمة لا يمنحها العدل من الرحمة ما منح المرأة الساقطة. إن كانت هذه الفتاة عفيفة طاهرة كما يزعم الكاتب فقد أخطأ علماء اللغة جميعا في وضع كلمة الفساد في معاجمهم؛ لأنها لا مسمى لها في هذا العالم عالم العفة والطهارة والخير والصلاح، ولا يمكن أن يكون المراد منها فتاة المواخير؛ لأنها لم تترك وراءها زوجا معذبا ناقما منكوبا ولم تكن راضية تمام الرضى عن نفسها, ولا مغتبطة بعيشها فتبلغ في حالها مبلغ "ورده الهاني". كل الأزواج ذلك الرجل إلا قليلا، فإذا جاز لكل زوجة أن تفر من زوجها إلى عشيقها كلما وقع في نفسها الضجر من معاشرة الأول, وبرقت لها بارقة الأنس من بين ثنايا الثاني فويل لجميع الرجال من جميع النساء، وعلى النظام البيتي والرابطة الزوجية بعد اليوم ألف سلام. أيها الكاتب: ليس في استطاعتي ولا في استطاعتك ولا

стр. 215

في استطاعة أحد من الناس أن يقف دورة الفلك ويصد كر الغداة ومر العشى حتى لا يبلغ الأربعين من عمره فتراه زوجته غير أهل لمعاشرتها إذا علمت أن في الناس من هو أصغر منه سنا وأكثر رشاقة وأنضر شبابا. إن الضجر والسآمة من الشيء المتكرر المتردد طبيعة من طبائع النوع الإنساني فهو لا يصبر على ثوب واحد أو طعام واحد أو عشير واحد، وقد علم الله ذلك منه, وعلم أن نظام الأسرة لا يتم إلا إذا بني على رجل وامرأة تدوم عشرتهما، ويطول ائتلافهما، فوضع قاعدة الزواج الثابت ليهدم بها قاعدة الحب المضطرب، وأمر الزوجين أن يعتبرا هذا الرباط رباطا مقدسا حتى يحول بينهما وبين رجوعهما إلى طبيعتهما, وذهابهما في أمر الزوجية مذهبهما في المطاعم والمشارب من حيث الميل لكل جديد، والشغف بكل غريب. هذا هو سر الزواج وهذه حكمته، فمن أراد أن يجعل الحب قاعدة العشرة بدلا من الزواج فقد خالف إرادة الله وحاول أن يهدم ما بناه ليهدم بهدمه السعادة البيتية. أي امرأة متزوجة بأجمل الرجال لا تحدث نفسها بالرغبة في استبداله بأجمل منه، وأي رجل متزوح بأجمل النساء
следующие страницы →