← Адаб

Адаб · id 11400

النظرات

المنفلوطي

Полный текст (1 016 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الحب والزواج: قرأت في بعض المجلات قصة قصها أحد الكتاب, وموضوعها أن كاتبها غاب عن بيروت بضعة أعوام ثم عاد إليها بعد ذلك فزار صديقا له من أسرياء الرجال ووجوههم ومن ذوي الأخلاق الكريمة والأنفس العالية فوجده حزينا كئيبا على غير ما يعهد من حاله قبل ذلك، فاستفهم منه عن دخيلة أمره فعرف أنه كان متزوجا من فتاة يحبها ويجلها ويفديها بنفسه وماله فلم تحفظ صنيعه ولم ترع عهده وأنها فرت منه إلى عشيق لها رقيق الحال وضيع النسب، فاجتهد الكاتب أن يلقى تلك الفتاة ليعرف منها سر فرارها من بيت زوجها فلقيها في منزل عشيقها فاعتذرت إليه عن فعلتها بأنها لا تحب زوجها؛ لأنه في الأربعين من عمره وهي لم تبلغ العشرين، وقالت إنها جرت في ذلك على حكم الشرائع الطبيعية وإن خالفت الشرائع الدينية؛ لأن الأولى عادلة والثانية ظالمة، وقالت: إن ما يسميه الناس بالزنا والخيانة هو في الحقيقة طهارة وأمانة؛ لأن أساسه الحب، وكل

стр. 212

ما كان أساسه الحب فهو طاهر شريف، وإن كان في أعين الناس عيبا وعارا، وقالت: ما الخيانة ولا الجريمة ولا الغش ولا الخداع إلا أن تعاشر المرأة زوجا تكرهه معاشرتها من تحبه فيفترشها الأول كما يفترشها الثاني؛ لأنها لا تكون في حكم العقل ولا في نظر العدل زوجا له ما دامت لا تحبه ولا تألف عشرته، وقالت: لو أدرك الناس أسرار الديانات وأغراضها لعرفوا أنها متفقة في هذه المسألة مع الشرائع الطبيعية, وأنها ربما تعد المرأة في بيت زوجها زانية، وفي بيت عشيقها طارهة، إذا كانت تكره الأول وتحب الثاني. هذا ملخص القصة على طولها وأحسبها قصة موضوعة على نحو ما يضع الكتاب القصص الخيالية لنشر رأي من الآراء أو تأييد مذهب من المذاهب؛ لأن الكاتب أعذر١ تلك الفتاة فيما فعلت, واقتنع بصحة أقوالها وصحة مذهبها وأعداها على زوجها٢ وحكم لها عليه. وسواء أكانت القصة حقيقية أم خيالية فالحق أقول: إن الكاتب أخطأ في وضعها, وما كنت أحسب إلا أن مذهب

стр. 213

الإباحية١ قد مضى وانقضى بانقضاء العصور المظلمة حتى قرأت هذه القصة منشورة باللغة العربية بين الأمة العربية فنالني من الهم والحزن ما الله عالم به. قرأنا ما كتب الكاتبون في سبيل المرأة الساقطة, وهي التي هفت في حياتها هفوة دفعها إليها دافع خداع أو سائق حاجة ثم ثاب إليها رشدها وهداها فقلنا لا بأس بغيرتهم على ذنب جسمته العادة وألبسته ثوبا أوسع من ثوبه، ولا بأس برحمتهم فتاة مذنبة تحاول الرجوع إلى ربها، والتوبة من ذنبها، ويأبى المجتمع البشري إلا أن يسددونها أبواب السماء المفتحة للقاتلين والمجرمين. فأما وقد وصل الحد إلى تزيين الزنا للزانية وتهوين إثمه عليها وإغراء العفيفة الصالحة بالتمرد على زوجها والخروج من طاعته كلما دعاها إلى ذلك داع من الهوى فهذا ما لا يطاق احتماله، ولا يستطاع قبوله. إن فتاة الرواية لم تهف في جريمتها فقط كما يهفو غيرها من النساء؛ لأنها مقيمة في منزل عشيقها من زمن بعيد, وقد عقدت عزمها على البقاء فيه ما دامت روحها باقية في جسدها، ولم يسقها إلى ذلك سائق شهوة بشرية إن صح أن تكون الشهوة البشرية

стр. 214

عذرا يدفع مثلها إلى مثل ما صنعت؛ لأنها فرت من فراش زوجها، لا من وحشة خلوتها، ولا سائق جوع؛ لأنها كانت أرق النساء عيشا، وأروحهن بالا، بل كانت على حالة من الرفاهية والنعمة والتقلب في أعطاف العيش البارد لم تر مثلها من قبل ولا من بعد، إذن فهي امرأة مجرمة لا يمنحها العدل من الرحمة ما منح المرأة الساقطة. إن كانت هذه الفتاة عفيفة طاهرة كما يزعم الكاتب فقد أخطأ علماء اللغة جميعا في وضع كلمة الفساد في معاجمهم؛ لأنها لا مسمى لها في هذا العالم عالم العفة والطهارة والخير والصلاح، ولا يمكن أن يكون المراد منها فتاة المواخير؛ لأنها لم تترك وراءها زوجا معذبا ناقما منكوبا ولم تكن راضية تمام الرضى عن نفسها, ولا مغتبطة بعيشها فتبلغ في حالها مبلغ "ورده الهاني". كل الأزواج ذلك الرجل إلا قليلا، فإذا جاز لكل زوجة أن تفر من زوجها إلى عشيقها كلما وقع في نفسها الضجر من معاشرة الأول, وبرقت لها بارقة الأنس من بين ثنايا الثاني فويل لجميع الرجال من جميع النساء، وعلى النظام البيتي والرابطة الزوجية بعد اليوم ألف سلام. أيها الكاتب: ليس في استطاعتي ولا في استطاعتك ولا

стр. 215

في استطاعة أحد من الناس أن يقف دورة الفلك ويصد كر الغداة ومر العشى حتى لا يبلغ الأربعين من عمره فتراه زوجته غير أهل لمعاشرتها إذا علمت أن في الناس من هو أصغر منه سنا وأكثر رشاقة وأنضر شبابا. إن الضجر والسآمة من الشيء المتكرر المتردد طبيعة من طبائع النوع الإنساني فهو لا يصبر على ثوب واحد أو طعام واحد أو عشير واحد، وقد علم الله ذلك منه, وعلم أن نظام الأسرة لا يتم إلا إذا بني على رجل وامرأة تدوم عشرتهما، ويطول ائتلافهما، فوضع قاعدة الزواج الثابت ليهدم بها قاعدة الحب المضطرب، وأمر الزوجين أن يعتبرا هذا الرباط رباطا مقدسا حتى يحول بينهما وبين رجوعهما إلى طبيعتهما, وذهابهما في أمر الزوجية مذهبهما في المطاعم والمشارب من حيث الميل لكل جديد، والشغف بكل غريب. هذا هو سر الزواج وهذه حكمته، فمن أراد أن يجعل الحب قاعدة العشرة بدلا من الزواج فقد خالف إرادة الله وحاول أن يهدم ما بناه ليهدم بهدمه السعادة البيتية. أي امرأة متزوجة بأجمل الرجال لا تحدث نفسها بالرغبة في استبداله بأجمل منه، وأي رجل متزوح بأجمل النساء

стр. 216

لا يتمنى أن يكون في منزله أجمل منها, لولا هذا الرباط المقدس رباط الزوجية، فهو الذي يعالج أمثال هذه الأماني وتلك الهواجس, وهو الذي يعيد إلى النفوس النزاعة سكونها وقرارها. لا بأس أن يتثبت الرجل قبل عقد الزواج من وجود الصفة المحبوبة لدية في المرأة التي يختارها لنفسه، ولا بأس أن تصنع المرأة صنيعه، ولكن لا على معنى أن يكون الحب الشهوي هو قاعدة الزواج يحيا بحياته، ويموت بموته، فالقلوب متقلبة والأهواء نزاعة، بل بمعنى أن يكون كل منهما لصاحبه صديقا، أكثر منه عشيقا، فالصداقة ينمو بالمودة غرسها، ويمتد ظلها، أما الحب فظل يتنقل، وحال تتحول.

стр. 217

الاسلام والمسيحية: ما عجبت لشيء في حياتي عجبي لهؤلاء الناس الذين يعجبون كثيرا مما كتبه اللورد كرومر عن الإسلام, كأنما كانوا يتوقعون من رجل يدين بدين غير دين الإسلام ويضن به فوق ضنه بنفسه وماله أن يعتقد الوحدانية، ويصدق الرسالة المحمدية، ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة, ويحج البيت ما استطاع إليه سبيلا. إن اللورد كرومر يعتقد كما يعتقد كل مسيحي متمسك بيسوعيته أن الإسلام دين موضوع ابتدعه رجل عربي بدوي أمي ما قرأ في حياته صحيفة، ولا دخل مدرسة، ولا سمع حكمة اليونان، ولا رأى مدنية الرومان، ولا تلقى شيئا من علوم الشرائع والعمران. هذا مبلغ معتقده فيه فكيف يرى نفسه بين يديه أصغر من أن يناقشه ويناظره ويخطئه فيما وضعه للناس من الشرائع والأحكام، وكيف يسمح لنفسه أن ينظر إليه بالعين التي ينظر بها المسلم إليه من حيث كونه نبيا مرسلا موحى إليه من عند الله

стр. 218

تعالى بكتاب كريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أما ما نقرؤه أحيانا لبعض علماء الغرب المسيحيين من وصف الدين الإسلامي بصفات جميلة أو مدح آرائه وأحكامه فهي مكتبوة بأقلام أقوام مؤرخين أدوا للتاريخ حق الأمانة والصدق فلم يعبث التعصب الديني بكتاباتهم، ولا تمشت الروح المسيحية في أقلامهم، ولا ريب في أن اللورد كرومر ليس واحد منهم، فإن من قرأ كتابه "مصر الحديثة" تخيل أنه يسمع صوت راهب في صومعته قد لبس قلنسوته ومسوحه وعلق صليبه في زناره. فهل يحق بعد ذلك لأحد من المسلمين أن يندهش أو يذهب به العجب كل مذهب إذا رأى في كتاب اللورد كرومر ما يراه كل يوم في كتب المبشرين الإنجيليين وجرائدهم ومجلاتهم من الطعن على الإسلام وعقائده وشرائعه. بلغ التعصب الديني بجماعة المبشرين أن حكموا بوجود اللحن في القرآن بعد اعترافهم بأنه كتاب عربي, نطق به على حسب معتقدهم رجل هو في نظرهم أفصح العرب، وليست مسألة الإعراب واللحن مسألة عقلية يكون للبحث العقلي فيه مجال، وإنما الإعراب ما نطق به العرب واللحن ما لم ينطقوا به، فلو أنهم اصطلحوا على نصب الفاعل ورفع المفعول مثلا لكان رفع الأول

стр. 219

ونصب الثاني لحنا، ولكن جهلة المبشرين لم يدركوا شيئا من هذه المسلمات, واستدلوا على وجود اللحن في القرآن بقواعد النحو التي ما دونها علماؤه إلا بعد أن نظروا في كلام العرب وتتبعوا تراكيبه وأساليبه، وأكبر ما اعتمدوا عليه في ذلك هو القرآن المجيد، فالقرآن حجة على النحاة وليست النحاة حجة على القرآن، فإذا وجد في بعض تراكيب القرآن أو غيره من الكلام العربي ما يخالف قواعد النحاة حكمنا بأنهم مقصرون في التتبع والاستقراء، على أنهم ما قصروا في شيء من ذلك, وما تركوا كثيرا ولا قليلا ولا نادرا ولا شاذا إلا دونوه في كتبهم، فما في القرآن لحن، ولا النحاة مقصرون، ولكن المبشرين جاهلون، فإذا كان التعصب الديني الأعمى أنطق ألسنتهم بمثل هذه الخرافة المضحكة فليس بغريب أن نسمع من هذا الرجل المتشبه بهم هذا الطعن على الإسلام في نظاماته وأحكامه. إنا لا ننازع اللورد كرومر ولا أمثاله من الطاعنين على الإسلام في معتقدهم, ولكن نحب منهم ألا ينازعوننا في معتقدنا وأن يعطونا من الحرية في ذلك ما أعطوه لأنفسهم. يقول اللورد كرومر: إن الدين الإسلامي دين جامد لا يتسع صدره للمدنية الإنسانية, ولا يصلح للنظام الاجتماعي. ويقول: إن

стр. 220

ما لا يصلح له الدين الإسلامي يصلح له الدين المسيحي ويستدل على الإسلام بالمسلمين، وعلى المسيحية بالمسيحيين. في أي عصر أيها الفيلسوف التاريخي كانت الديانة المسيحية مبعث العلم والعرفان، ومطلع أشعة المدنية والعمران، أفي العصر الذي كانت تدور فيه رحى الحروب الدموية بين الأرثوذكس والكاثوليك تارة وبين الكاثوليك والبروتستانت تارة أخرى بصورة وحشية فظيعة اسود لها لباس الإنسانية, وبكت الأرض منها والسماء، أم في العصر الذي كانت إرادة المسيحي فيه صورة من إرادة الكاهن الجاهل فلا يعلم إلا ما يعلمه إياه، ولا يفهم إلا ما يلقيه إليه، فما كان يترك له الحرية حتى في الحكم على نفسه بكفر أو إيمان، وبهيمية أو إنسانية، فيكاد يتخيل في نفسه أن له ذنبا متحركا وخيشوما طويلا وأنه يمشي على أربع إذا قال له الكاهن: أنت كلب أو قال له: إنك لست بإنسان، أم في العصر الذي كان يعتقد فيه المسيحي أن دخول الجمل في سم الخياط أقرب من دخول الغني في ملكوت السموات، أم في العصر الذي كان يحرم فيه الكاهن الأعظم على المسيحي أن ينظر في كتاب غير الكتاب المقدس وأن يتلقى علما في مدرسة غير مدرسة الكنيسة، أم في العصر الذي ظهرت فيه النجمة ذات

стр. 221

الذنب فذغر لرؤيتها المسيحيون ورفعوا إلى البابا عرائض الشكوى فطردها من الجو فولت الأدبار، أم في العصر الذي أهدى فيه الرشيد العباسي الساعة الدقاقة إلى الملك شارلمان فلما رآها الشعب المسيحي وسمع صوتها فر من وجهها ظنا منه أنها تشتمل على الجن والشياطين، أم في العصر الذي ألفت فيه محكمة التفتيش لمحاكمة المتهمين بمزاولة العلوم فحكمت في وقت قصير على ثلاثمائة وأربعين ألفا بالقتل حرقا أو صلبا، أم في العصر الذي أحرق فيه الشعب المسيحي فتاة حسناء بعد ما جرد لحمها عن عظمها؛ لأنها كانت تشتغل بعلوم الرياضة والحكمة. هذا الذي نعلمه أيها الفيلسوف التاريخي من تاريخ العلم والعرفان والمدنية والعمران في العصور المسيحية، ولا نعلم أكانت تلك المسيحية التي كان هذا شأنها وهذا مبلغ سعة صدرها صحيحة في نظرك أم باطلة، وإنما نريد أن نستدل بالمسيحيين على المسيحية وإن لم نقف على حقيقتها، كما فعلت أنت في استدلالك بالمسلمين على الإسلام وإن لم تعرف حقيقته وجوهره، على أن استدلالنا صحيح واستدلالك باطل، فإن المدنية الحديثة ما دخلت أوربا إلا بعد أن زحزحت المسيحية منها لتحل محلها كالماء الذي لا يدخل الكأس إلا بعد أن يطرد منه الهواء؛ لأنه لا يتسع لهما، ولا يجمع

стр. 222

بينهما، فإن كان قد بقي أثر من آثار المسيحية اليوم في أكواخ بعض العامة في أوروبا فما بقي إلا بعد أن عفت عنه المدنية ورضيت بالإبقاء عليه، لا باعتبار أنه دين مقدس يجب إجلاله وإعظامه، بل باعتبار أنه زاجر من الزواجر النفسية التي تستعين الحكومات بها وبقوتها على كسر شرة النفوس الجاهلة، فلا علاقة بين المسيحية والتمدين الغربي من حيث يستدل به عليها أو باعتبار أنه أثر من آثارها، ونتيجة من نتائجها، ولو كان بينه وبينها علاقة ما افترقت عنه نحو تسعة عشر قرنا كانت فيها أوربا وراء ما يتصوره العقل من الهمجية والوحشية والجهل، فما نفعتها مسيحيتها، ولا أغنى عنه "كهنوتها" ولا "إكليروسها". أما المدنية الإسلامية فإنها طلعت مع الإسلام في سماء واحدة من مطلع واحد في وقت واحد، ثم سارت إلى جانبه كتفا لكتف ما ينكر من أمرها ولا تنكر من أمره شيئا، فالمتعبد في مسجده، والفقيه في درسه، والمعرب في مكتبته، والرياضي في مدرسته، والكيمائي في معمله، والقاضي في محكمته، والخطيب في محفله، والفلكي أمام إسطرلابه، والكاتب بين محابره وأوراقه، إخوة متصافون؛ وأصدقاء متحابون، لا يختصمون

стр. 223

ولا يقتتلون، ولا يكفر بعضهم بعضا، ولا يبغي أحد منهم على أحد. أيها الفيلسوف التاريخي: إن كان لا بد من الاستدلال بالأثر على المؤثر فالمدنية الغربية اليوم أثر من آثار الإسلام بالأمس, والانحطاط الإسلامي اليوم ضربة من ضربات المسيحية الأولى، وإليك البيان: جاء الإسلام يحمل للنوع البشري جميع ما يحتاج إليه في معاده ومعاشه، ودنياه وآخرته، وما يفيده منفردا، وما ينفعه مجتمعا. هذب عقيدته بعدما أفسدها الشرك بالله والإسفاف إلى عبادة التماثيل والأوثان وإحناء الرءوس بين أيدي رؤساء الأديان, وأرشده إلى الإيمان بربوبية إله واحد لا يشرك به شيئا، ثم أرشده إلى تسريح عقله ونظره في ملكوت السموات والأرض ليقف على حقائق الكون وطبائعه، وليزداد إيمانا بوجود الإله وقدرته وكمال تدبيره، وليكون اقتناعه بذلك اقتناعا نفسيا قلبيا فلا يكون آلة صماء، في يد الأهواء، تفعل به ما تشاء، ثم أرشده إلى مواقف تذكره بربه، وتنبهه من غفلته، وتطرد الشرور والخواطر السيئة عن نفسه كلما ابتغت إليها سبيلا وهي مواقف العبادات، ثم أطلق له الحرية في القول والعمل ولم يمنعه إلا من الشرك بالله والإضرار

стр. 224

بالناس، وعرفه قيمة نفسه بعد ما كان يجهلها, وعلمه أن الإنسانية لا فرق بين فقيرها وغنيها، ووضيعها ورفيعها، وضعيفها وقويها، وأن الملك والسوقة والشريف الهاشمي، والعبد الزنجي، أمام الله والحق سواء، وأن الأمر والنهي والتحليل والتحريم والنفع والضر والثواب والعقاب والرحمة والغفران بيد الله وحده لا ينازعه فيها منازع، ولا يملكها عليه أحد من الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين، ثم نظر في أخلاقه فأرشده إلى محاسنها، وحال بينه وبين رذائلها، حتى علمه آداب الأكل والشرب والنوم والمشي والجلوس والكلام والسلام، ثم دخل معه منزله فعلمه كيف يبر الابن أباه، ويرحم الوالد ولده، ويعطف الأخ على أخيه، ويكرم الزوج زوجته، وتطيع الزوجة زوجها، وكيف يكون التراحم والتواصل بين الأقرباء وذوي الرحم، ثم نظر في شئونه الاجتماعية ففرض عليه الزكاة التي لو جمعت ووضعت في مصارفها لما كان في الدنيا بائس ولا فقير، وندبه إلى الصدقة ومساعدة الأقوياء للضعفاء، وعطف الأغنياء على الفقراء، ثم شرع له شرائع للمعاملة الدنيوية ووضع له قوانين البيع والشراء والرهن والهبة والقرض والتجارة والإجارة والمزارعة والوقف والوصية والميراث ليعرف كل إنسان فلا يغبن أحد أحدا،

стр. 225

ثم قرر له عقوبات دنيوية تمنعه أن يبغي بعضه على بعض بشتم أو سب أو قتل أو سرقة أو انتهاك حرمة أو مجاهرة بمعصية أو شروع في فتنة أو خروج على أمير أو سلطان، ثم نظر في شئونه السياسة فقرر الخلافة وشروطها، والقضاء وصفاته، والإمارة وحدودها، وقرر كيف يعامل المسلمون مخالفيهم في الدين البعيدين عنهم، والنازحين إليهم، وذكر مواطن القتال معهم، ومواضع المسالمة لهم. وجملة القول إن الدين الإسلامي ما غادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ولا ترك الانسان يمشي في ميدان هذه الحياة خطوة من مهده إلى لحده إلا مد يده إليه وأنار له مواقع أقدامه وأرشده إلى سواء السبيل. طلعت هذه الشمس المشرقة في سماء بلاد العرب فملأت الكون نورا وإشراقا واختلف الناس في شأنها ما بين معترف بها ومنكر وجودها، ولكنهم كانوا جميعا سواء في الانتفاع بنورها، والاستنارة بضيائها، على تفاوت في تلك الاستنارة، وتنوع في ذلك الانتفاع. طلعت هذه الشمس المشرقة فتمشت أشعتها البيضاء إلى أوروبا من طريق أسبانيا وجنوب إيطاليا وفرنسا فأبصرها عدد

стр. 226

قليل من أذكياء الغربيين فانتبهوا من رقدتهم، واستيقظوا من سباتهم، ورأوا من جمال المذاهب الإسلامية وشرائع الكون ونظاماته وقواعد الحرية والمساواة ما لفت نظرهم إلى المقابلة بين المجتمع الغربي الخامل الضعيف والمجتمع الشرقي اليقظ النابه، فقالوا أيمكن أن يعيش الإنسان على ظهر هذه المسكونة حرا لا يستعبده ملك ولا يسترقه كاهن، أيمكن أن يبيت الإنسان ليلة واحدة في حياته هادئا في مضجعه مطمئنا في رقدته لا يروعه دولاب العذاب ولا سيف الجلاد، أيمكن أن تملك النفس حريتها في النظر إلى نظام العالم وطبائعه ودراسة العلوم الكونية ومزاولتها، أيمكن أن يطلع فجر المدنية الاسلامية على هذا المجتمع الغربي فيمحو ظلمته التي طال عهدنا بها حتى عشيت أبصارنا فما يكاد يرى بعضنا بعضا. كانت هذه الخواطر المترددة في عقول أولئك الأذكياء هي الخطوة الأولى التي مشتها أوروبا في طريق المدنية والعمران بفضل الإسلام وشرائعه التي عرفها هؤلاء الأفراد من مخالطة المسلمين في أوروبا, ومطالعة كتبهم ومناظرة حضارتهم ومدنيتهم، ثم أخذوا يعلمونها الناس سرا ويبثونها في نفوس تلاميذهم شيئا فشيئا ويلقون في سبيل نشرها عناء شديدا، واستمر هذا النزاع بين

стр. 227

العلم والجهل قرونا عديدة حتى انتهى أمره بالثورة الفرنسية, فكانت هي القضاء الأخير على الوحشية السالفة، والهمجية القديمة. أيها الفيلسوف التاريخي: إنك لا بد تعلم ذلك حق العلم؛ لأنه أقل ما يجب على المؤرخ أن يعلمه كما تعلم أن المدنية الإسلامية إذا وسعت غيرها فأحر بها أن تسع نفسها، ولكن التعصب الديني قد بلغ من نفسك مبلغه فما كفاك أن أنكرت فضل صاحب الفضل عليك حتى أنكرت عليه فضله على نفسه. لا حاجة بي إلى أن أشرح لك المدنية الإسلامية أو أسرد لك أسماء علمائها وحكمائها ومؤلفاتهم في الطبيعة والكيمياء والفلك والنبات والحيوان والمعادن والطب والحكمة والأخلاق والعمران, أو أعدد لك مدارسها ومجامعها ومراصدها في الشرق والغرب أو أصف لك مدنها الزاهرة، وأمصارها الزاخرة، وسعادتها وهناءها، وعزتها وسطوتها، فأنت تعرف ذلك كله إن كنت مؤرخا كما تقول. غير أني لا أنكر عليك ما لحق بالمسلمين في هذه القرون الأخيرة من الضعف والفتور، وما أصاب جامعتهم من الوهن

стр. 228

والانحلال، ولكن ليس السبب في ذلك الإسلام كما تتوهم بل المسيحية التي سرت عدواها إليهم على أيدي قوم من المسيحيين, أو أشباه المسيحيين لبسوا لباس الإسلام وتزيوا بزيه ودخلوا بلاده وتمكنوا من نفوس ملوكه الضعفاء، وأمرائه الجهلاء، فأمدوهم بشيء من السطوة والقوة تمكنوا به من نشر مذاهبهم السقيمة وعقائدهم الخرافية بين المسلمين حتى أفسدوا عليهم مذاهبهم وعقائدهم وأوقعوا الفتنة فيهم وحالوا بينهم وبين الاستمداد من روح الإسلام وقوته فكان من أمرهم بعد ذلك ما كان. كل ما نراه اليوم بين المسلمين من الخلط في عقيدة القضاء والقدر وعقيدة التوكل وتشييد الأضرحة وتجصيص القبور وتزيينها والترامي على أعتابها والاهتمام بصور العبادات وأشكالها دون حكمها وأسرارها, وإسناد النفع والضرر إلى رؤساء الدين وأمثال ذلك أثر من آثار المسيحية الأولى وليس من الإسلام في شيء. أيها الفيلسوف التاريخي: لا تقل إننا متعصبون تعصبا دينيا فإنك قد أسأت إلينا وإلى ديننا فلم نر بدا من الذب عنا وعنه بما نعلم أنه حق وصواب، على أنه لا عار علينا فيما تقول،

стр. 229

وهل التعصب الديني إلا اتحاد المسلمين يدا واحدة على الذود عن أنفسهم، والدفاع عن جامعتهم، وإعلاء شأن دينهم ونصرته حتى يكون الدين كله لله. إن كان رفضا حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي

стр. 230

أهناء أم عزاء: فارق مصر على أثر الدستور العثماني كثير من فضلاء السوريين بعدما عمروا هذه البلاد بفضائلهم ومآثرهم وصيروها جنة زاخرة بالعلوم والآداب ولقنوا المصريين تلك الدروس العالية في الصحافة والتأليف والترجمة، وبعدما ما كانوا فينا سفراء خير بين المدنية الغربية والمدنية الشرقية، يأخذون من كمال الأولى ليتمموا ما نقص من الأخرى، وبعدما علّموا المصري كيف ينشط في العمل, وكيف يجد ويجتهد في سبيل العيش, وكيف يثبت ويتجلد في معركة الحياة. قضوا بيننا تلك البرهة من الزمان يحسنون إلينا فنسيء إليهم, ويعطفون علينا فنسميهم تارة دخلاء، وأخرى ثقلاء، كإنما كنا نحسب أنهم قوم من شذاذ الآفاق أو نفايات الأمم جاءوا إلينا يصادروننا في أرزاقنا، ويتطفلون على موائدنا، ولو أنصفناهم لعرفناهم وعرفنا أن أكثرهم من بيوتات المجد والشرف, وإنما ضاقت بهم حكومة الاستبداد ذرعا وكذلك شأن كل حكومة

стр. 231

مستبدة مع أحرار النفوس وأباة الضيم فأحرجت صدورهم، وضيقت عليهم مذاهبهم، ففروا من الظلم تاركين وراءهم شرفا ينعيهم، ومجدا يبكي عليهم، ونزلوا بيننا ضيوفا كراما، وأساتذة كبارا، فما أحسنا ضيافتهم ولا شكرنا لهم نعمتهم. وبعد فقد مضى ذلك الزمن بخيره أو شره وأصبحنا اليوم كلما ذكرناهم خفقت أفئدتنا مخافة أن يلحق باقيهم بماضيهم فلا نعلم أنشكر للدستور أن فرج عنهم كربتهم، وأمنهم على أنفسهم، وردهم إلى أوطانهم، أم ننتقم منه أن كان سببا في حرماننا منهم بعد أنسنا بهم، واغتباطنا بحسن عشرتهم، وجميل مودتهم، ولا ندري هل نحن بين يدي هذا النظام العثماني الجديد في هناء أم في عزاء. فيأيها القوم المودعون، والكرام الكاتبون. اذكرونا مثل ذكرانا لكم ... رب ذكرى قربت من نزحا واذكروا صبا إذا غنى بكم ... شرب الدمع وعاف القدحا

стр. 232

الزوجتان: حدث أحد الأصدقاء قال: سأقص عليك قصة لسيت من خيالات الشعراء ولا أكاذيب القصاصين. أويت إلى مضجعي في ليلة من ليالي الشتاء حالكة الجلباب, غدافية الإهاب، فما استقبلت أول طليعة من طلائع النوم حتى قرع باب غرفتي فتسمعت فإذا الخادم تقول: إن امرأة سيئة الحال بذة الثياب في زي المتسولات تلح في طلب مقابلتك وتقول إن لها عندك شأنا، فقلت في نفسي لا شأن لي مع امرأة, وربما كانت ذات حاجة وكانت حاجتها إلي أكثر من حاجتي إلى النوم، على أن النوم لا يفوتني، فليل الشتاء أطول من يوم القضاء، فارتديت ردائي ونزلت فإذا فتاة في ملاءة بالية وبرقع خلق ينم بجمالها كما ينم السحاب المتقطع بضوء الشمس، وإذا هي ترعد وتضطرب وتقول بصوت شجي: أما في الناس أخو همة ومروءة يعين على الدهر الغادر ويطفئ هذه الجذوة التي تأجج بين أضعالي بقطرة واحدة من الرحمة، فقلت: من أنت

стр. 233

يرحمك الله؟ قالت: أنا فلانة زوج فلان، فدهشت وغصصت بريقي حتى ما أجد بلة أحرك بها لساني لهول ما سمعت، وسوء ما رأيت، وقلت يا للعجب، زوجة فلان على عظمه وعظمها، وجلاله وجلالها، تخرج في مثل هذه الساعة في مثل هذه الملابس، فسألتها ما شأنك يا سيدتي ومم تبكين؟ قالت: لا تحدث نفسك بريبة ولا تذهب بك الظنون مذاهبها, فوالله ما جئت إليك تحت حجاب الليل إلا وأنت أوثق الناس عندي، وأرفعهم في عيني، ولولا شدة أقلقت مضجعي وفرقت ما بين جفني والكرى ما خضت سواد الليل في مثل هذه الساعة, ولا حملت في سبيلي إليك ما حملت، قلت: عهدي بسيدتي رخية البال ناعمة العيش سعيدة الحظ بزوج عذب الأخلاق كريم السجايا لا يؤثر هوى نفسه على هواك ولا يعدل بك أحدا، قالت: إنك تقص علي حديث الأمس وقد مضى به الفلك الدائر، والكوكب السيار، فاسمع مني حديث اليوم. إنك لا بد تعلم تاريخ زواجي منه منذ ثلاثة أعوام, وأن أبي لم يبتغ به بدلا على كثرة الخاطبين إليه من علية القوم وجلتهم, وأنا لا ألومه على ذلك رحمة الله عليه فما أراد بي شرا ولا اعتمد أن يسيء الاختيار لي, ولكنه كان رجلا أبيض السريرة طاهر

стр. 234

القلب فخدعه الخادعون عني، ومن ذا الذي لا يخدع بشاب متعلم مهذب من ذوي المناصب الكبيرة والرتب العالية، وكيفما كان الأمر فقد تم عقد الزواج بيننا فاعتبطت به واعتبط بي برهة من الزمان حسبتها دائمة لا انقطاع لها حتى يفرق بيننا الموت، وكنت امرأة أجمع في نفسي جميع ما يمت به النساء إلى الرجال فما خنته ولا ضقت ذرعا بأمره ولا قطبت في وجهه مرة ولا أتلفت له مالا ولا نقضت له عهدا, فجازاني سوءا بالإحسان، وكفر بنعمة الله بعد الإيمان، وخان ودي، ونقض عهدي، لا لذنب أتيته، أو وصمة يصمني بها، وكل ما في الأمر أنه رجل ملول، ولا تغضب يا سيدي إن قلت لك إن قلب الرجل متقلب متلون يسرع إلى البغض كما يسرع إلى الحب، وإن هذه المرأة التي تحتقرونها وتزدرونها وتضربون الأمثال بخفة عقلها وضعف قلبها أوثق منه عقدا، وأمتن ودا، وأوفى عهدا، ولو وفى الزوج لزوجته وفاءها له ما استطاع أن يفرق بين قلبيهما إلا ريب المنون، قلت: أنا لا أغضب لشي إلا للإنسانية أن ينقض عهدها، ويخفر ذمامها، ثم ماذا تم بعد ذلك، قالت: مات أبي كما تعلم وخلف لي مالا أمكنت منه زوجي فأتلفه بين الخمر والقمر، فكنت أغضي على هفواته رحمة به وشفقة عليه واستبقاء لوده,

стр. 235

حتى إذا صفرت يدي وأقفر ربعي أحسست منه مللا كان يدعوه إلى سوء عشرتي وتعذيب جسمي ونفسي، وكان كثيرا ما يتهكم بي ويقول: إني لا أحب المرأة الجاهلة التي لا تفهمني ولا أفهمها، وآونة كان يعرض بي قائلا: إن الرجل السعيد هو الذي يرزق زوجة متعلمة تقرأ له الجرائد والمجلات، وتفاوضه في المسائل الاجتماعية والسياسية، بل يتجاوز التعريض إلى التصريح فيقول كلما دخل علي متأففا متذمرا: ليت لي زوجة كفلانة فإنها تحسن الرقص والغناء والتوقيع على "البيان" فكنت أشك في سلامة عقلة, وأقول في نفسي كيف يفضل الزوجة المتبذلة المستهترة على الحبيبة المحتشمة، ووالله ما تمنيت مرة أن أكون على الصفة التي يحبها ويرضها مع ما كنت أبذل في رضاه من ذات اليد وذات النفس، وبعد فما زال الملل يدب في نفسه دبيب الصهباء، في الأعضاء، حتى تحول إلى بغضاء شديدة، فما كان يلحظني إلا شزرا ولا يدخل المنزل إلا لتناول غرض أو قضاء حاجة، فكنت أحتمل كل هذا بقلب صبور، وجنان وقور، ثم عرض له بعد ذلك أن نقل إلى منصب أرقى من منصبه في بلد آخر على ما تعلم فسافر وحده وتركني في المنزل وحيدة لا مؤنس لي غير طفلتي فلبثت أترقب كتابا منه يدعوني فيه إلى اللحاق به فما أرسل كتابا

стр. 236

ولا رسولا ولا نفقة، فاستكتبت إليه الكتاب بعد الكتاب فما أسلس قياده، ولا طاوع عناده، فسافرت إليه مخاطرة بنفسي غير مبالية بغضبه لأعلم غاية شأنه وشأني معه، فما نزلت من القطار حتى قيض الله لي من وقفني على حقيقة أمره وأعلمني أنه تزوج من فتاة متعلمة تقرأ له الجرائد والروايات وتفاوضه في المسائل الاجتماعية والسياسية وتحسن الرقص والغناء والتوقيع على "البيان"، فداخلني من الهم ما الله به عليم، وجزعت ولكن أي ساعة مجزع، ولا أظن إلا أن العدل الإلهي سيحاسبه على كل قطرة من قطرات الدموع التي أرقتها في هذا السبيل حسابا غير يسير. وكأنه شعر بمكاني فجاء إلي يتهددني ويتوعدني فتوسلت إليه ببكاء طفلته التي كنت أحملها بين يدي وذكرته بالعهود والمواثيق التي تعاقدنا عليها, وذهبت إلى استعطافه كل مذهب فكنت كأنني أخاطب ركودا صماء١، أو أستنزل أبودا عصماء٢، ثم طردني وأمر من حملني إلى المحطة فعدت من حيث أتيت

стр. 237

فما وصلت إلى المنزل حتى خلعت ملابسي ولبست هذه الثياب, وجئتك متنكرة في ذمام الليل؛ لأني وحيدة في هذا العالم لا قريب لي ولا حميم؛ ولأني أعلم كرمك وهمتك وما بينك وبين ذلك الرجل من الود والاتصال عسى أن ترى لي رأيا في التفريق بيني وبينه علني أجد في فضاء الحرية منفذا كسم الخياط أرتشف منه ما أتبلغ به أنا وطفلتي حتى يبلغ الكتاب أجله. فأحزنني من أمر تلك الفتاة البائسة ما أحزنني ووعدتها بالنظر في أمرها بعد أن خفضت كثيرا من أحزانها ولواعجها، فعادت إلى منزلها وعدت إلى مضجعي أفكر في هذه الحادثة الغريبة وقد اكتنفني همان: هم تلك البائسة التي لم أر في تاريخ شقاء النساء قلبا أشقى من قلبها، ولا نجما أنحس من نجمها، وهم ذلك الصديق الذي ربحته سنين طوالا وخسرته في ساعة واحدة, فقد كنت أغبط نفسي عليه فأصبحت أعزيها عنه، وكنت أحسبه إنسانا فإذا هو ذئب عملس١ تسترة الصورة البشرية وتواريه البشاشة والابتسام. هذا ما قصه علي ذلك الصديق الكريم: ثم لم أعد أعلم بعد ذلك ما تم من أمره مع تلك الفتاة المسكينة ولا ما تم من أمرها

стр. 238

مع زوجها حتى جاءني منه أمس ذلك الكتاب بعد مرور عام على تلك القصة الغريبة، وهذا نصه: سيدي. يهمني كثيرا أن أرى بين كتب التهنئة التي ترد إلي كتابا منك لأسر بمشاركتك إياي في سروري وهنائي. إنك لا بد تذكر تلك القصة التي كنت قصصتها عليك منذ عام في شأن تلك الفتاة البائسة التي خانها زوجها "فلان" وغدر بها وهجرها إلى أخرى غيرها بعدما جردها مما كانت تملك يدها وما كان من أمر مجيئها عندي وبث شكواها إلي، وربما كنت لا تعلم بما تم من أمرها بعد ذلك, فاعلم أنها دفعت زوجها إلى موقف القضاء فضاق بأمرها ذرعا فطلقها وكنت أفكر في ذلك التاريخ في الزواج كما تعلم من زوج صالحة أجد السعادة في العيش بجانبها وما كنت لأجد زوجة أشرف نفسا ولا أكرم جوهرا ولا أذكى قلبا منها، فتزوجتها فأمتعت نفسي بخير النساء، وأنقذت الإنسانية المعذبة من شقوتها وبلائها، وأبشرك أن الله قد انتقم لهذه الفتاة المظلومة من ذلك الرجل الظالم انتقاما شديدا، فقد حدثني من يعلم دخيلة أمره أنه يعاني اليوم من زوجه الجديدة الموت الأحمر، والشقاء الأكبر، وأنها

стр. 239

امرأة قد أخذت التربية الحديثة من نفسها مأخذا عظيما فحولتها إلى فتاة غربية في جميع شئونها وأطوارها، والرجل شرقي بفطرته، أما غربيته فهي متكلفة متعملة يدور بها لسانه ولا أثر لها في نفسه، فهو لا يزال رجلا غيورا شريفا، ولا يزال يقاسي اليوم من تلك المرأة الخرقاء، أضعاف ما كانت تقاسيه منه أشرف النساء، والسلام.

стр. 240

في سبيل الإحسان: الإحسان شيء جميل وأجمل منه أن يحل محله، ويصيب موضعه. الإحسان في مصر كثير، ووصوله إلى مستحقه وصاحب الحاجة إليه قليل، فلو أضاف المحسن إلى إحسانه إصابة الموضع فيه لما سمع سامع في ظلمة الليل شكاة بائس ولا أنة محزون. ليس الإحسان هو العطاء كما يظن عامة الناس، فالعطاء قد يكون نفاقا ورياء، وقد يكون أحبولة ينصبها المعطي لاصطياد النفوس وامتلاك الأعناق، وقد يكون رأس مال يتجر فيه صاحبه ليبذل قليلا ويربح كثيرا. إنما الإحسان عاطفة كريمة من عواطف النفس تتألم لمناظر البؤس ومصارع الشقاء، فلو أن جميع ما يبذله الناس من المال ويسمونه إحسانا صادر عن تلك العاطفة الشريفة لما تجاوز محله ولا فارق موضعه.

стр. 241

فوضى الإحسان: الإحسان في مصر فوضى لا نظام له، يناله من لا يستحقه ويحرم منه مستحقه، فلا بؤسا يرفع، ولا فقرا يدفع، فمثله كمثل السحاب الذي يقول فيه أبو العلاء: ولو أن السحاب همى بعقل ... لما أروى مع النخل القتادا١ الإحسان في مصر أن يدخل صاحب المال ضريحا من أضرحة المقبورين فيضع في صندوق النذور قبضة من الفضة أو الذهب ربما يتناولها من هو أرغد منه عيشا وأنعم بالا، أو يهدي ما يسميه نذرا من نعم وشاء إلى دفين في قبره قد شغله عن أكل اللحوم والتفكه بها ذلك الدود الذي يأكل لحمه، والسوس الذي ينخر عظمه، وما أهدى شاته ولا بقرته لو يعلم إلا إلى "ديوان الأوقاف" وكان خيرا له أن يهديها إلى جاره الفقير الذي يبيت ليله طاويا يتشهى ظلفا٢ يمسك رمقه، أو عرقوبا يطفئ لوعته. وأعظم ما يتقرب به محسننا إلى الله ويحسب أنه بلغ من البر والمعروف غايتيهما أن ينفق بضعة آلاف من الدنانير في بناء مسجد للصلاة في بلد مملوء بالمساجد، حافل بالمعابد، وفي البلد كثير من البائسين وذوي الحاجات، ينشدون مواطن

стр. 242

الصلات، لا أماكن الصلوات، أو يبني بنية ضخمة فخمة مرفوعة القباب، فسيحة الرحاب، مموهة الجوانب والأركان، مذهبة السقوف والجدران، يسميها سبيلا، ولا يهولنك هذا الاسم الضخم فكل ما في الأمر أن السبيل مكان يشتمل على حوض من الماء ربما لا يكون بينه وبين ماء النهر إلا بضع خطوات، على أن الماء كالهواء، ملء الأرض والسماء، أو يقف الرقاع الواسعة من الأرض لتنفق غلتها على أقوام من ذوي البطالة والجهالة نظير انقطاعهم لتلاوة الآيات، وترديد الصلوات، وقراءة الأحزاب والأوراد، وهو يحسب أنه أحسن إليهم، ولو عرف موضع الإحسان لأحسن إليهم بقطع هذا الإحسان عنهم علهم يتعلمون صناعة أو مهنة يرتزقون منها رزقا شريفا، فإن كان يظن أنه يعمل في ذلك عملا يقربه إلى الله فليعلم أن الله تعالى أجل من أن يعبأ بعبادة قوم يتخذون عبادته سلما إلى طعام يطعمونه، أو درهم يتناولونه، أو يفتح أبواب منزله لهؤلاء المحتالين المتلصصين الذين يسمونهم مشايخ الطرق، ولو أنصفوهم لسموهم قطاع الطرق، ولا فرق بين الفريقين إلا أن هؤلاء يتسلحون بالبنادق والعصي، وأولئك يتسلحون بالسبح والمساويك، ثم يسقطون على المنازل سقوط الجراد على المزارع

стр. 243

فلا يتركون صادحا ولا باغما، ولا خفا ولا حافرا، ولا شيئا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها إلا أتوا عليه. أسوأ الإحسان: لم أر مالا أضيع ولا عملا أخيب ولا إحسانا أسوأ من الإحسان إلى هؤلاء المتسولين الذين يطوفون الأرض ويقلبونها ظهرا على عقب ويجثمون في مفارق الطرق وزوايا الدروب وعلى أبواب الأضرحة والمزارات يصمون الأسماع بصريخهم، ويقذون النواظر بمناظرهم المستبشعة، ويزاحمون بمناكبهم الفارس والراجل والجالس والقائم، فلو أن نجما هوى إلى الأرض لهووا على أثره, أو طائرا طار إلى الجو لكانوا قوادمه وخوافيه. وإن شئت أن تعرف المتسول معرفة حقيقية لتعرف هل يستحق عطفك وحنانك عليه, وهل ما تسديه إليه من المعروف تسديه إلى صاحب حاجة, فاعلم أنه في الأعم الأغلب من أحواله رجل لا زوجة له ولا ولد ينفق عليهما ولا مسكن عنده يحتاج إلى مؤن ومرافق ولا شهوة له في مطعم أو مشرب أو ملبس حتى لو علم أن الانقطاع عن ذلك الخسيس من الطعام والقذر من الشراب لا يقعده عن السعي في سبيله لانقطع عنه، وهو لو

стр. 244

شاء أن يتزوج أو يتخذ له مأوى يأوي إليه لفعل, ولوجد في حرفته متسعا لذلك، ولكنه الحرص قد أفسد قلبه وأمات نفسه، فهو يتوسل بأنواع الحيل وصنوف الكيد ليجمع مالا لا فائدة له من جمعه ولا نية له في إصلاح شأن نفسه به إذا اجتمع عنده منه ما يقوم له بذلك, بل ليدفنه في باطن الأرض حتى يدفن معه, أو لينظمه في سلك مرقعته حتى يرثه الغاسل من بعده. ولقد يبلغ به الحرص الدنيء والشره السافل أن يحمل في سبيل المال ما لا يستطيع مجاهد أن يحمل مثله في سبيل الله فيتعمد قطع يده أو ساقه أو إتلاف عينيه أو إحداهما ليستعطف القلوب عليه، وكثيرا ما يحسد صاحبه إذا رآه أفظع منه شكلا أو أكثر تشويها كما يحكي أن شحاذا مقطوع الساق قد وضع مكانها أخرى من الخشب تقابل مع آخر كفيف البصر فتنافسا في مصيبتيهما أيتهما أقذى للأعين وأوقع في النفس وأجلب للرحمة، فقال الأول للثاني: لقد وهبك الله نعمة العمى ومنحك بسلب ناظريك أفضل حبالة لاصطياد القلوب، واستفراغ الجيوب، فقال له صاحبه: وأين يبلغ العمى من هذه الرجل الضخمة الثقيلة التي تجلب في كل عام وزنها ذهبا. إن أكبر جريمة يجرمها الإنسان إلى الإنسانية أن يساعد

стр. 245

هؤلاء المتسولين بماله على الاستمرار في هذه الخطة الدنيئة فيغري كل من شعر في نفسه بالميل إلى البطالة وإيثار الراحة بالسعي على آثارهم، والاحتراف بحرفتهم، فكأنه قطع من جسم الإنسانية عضوا كاملا، لو لم يقطعه لكان عضوا عاملا، وكأنه هدم بعمله هذا جميع تلك المساعي الشريفة التي بذلها الأنبياء والحكماء قرونا عديدة لإصلاح المجتمع الإنساني وتهذيب أخلاقه وتخليصه من آفات الجمود والخمول، فهل رأيت معروفا أقبح من هذا المعروف وإحسانا أسوأ من هذا الإحسان. تنظيم الاحسان: ليست كمية المال التي ينفقها المحسنون في سبيل الإحسان مما يستهان به فلو قال قائل إنها تبلغ في مصر وحدها كل عام مليونا من الذهب لما أخطأ التقدير. سألت رجلا من وجوه الريف المعروفين بالبر والإحسان عن كمية ما ينفقه كل عام في هذا السبيل فأطلعني على جريدة حسابه فرأيتها هكذا. جنية ١٠ ولائم لمشايخ الطرق. ٦٠ ليالي في مولد البيومي والعفيفي.

стр. 246

٧٢ مرتبات قراءة القرآن والدلائل والصلوات في مسجده ومنزله. ٣٠ هبات كبيرة للطائفين في البلاد الذين يستجدون باسم المجد القديم والشرف الداثر. ١٨ صدقات للمتسولين على تقدير خمسة قروش يوميا تقريبا. ١٠ توضع في صناديق الأضرحة. ٤٠ ثمن خبز ولحم وملابس تفرق في المواسم الدينية. ٢٤٠ المجموع فهذه أربعون ومائتا جنية ينفقها في سبيل الإحسان رجل واحد من متوسطي الثروة في عام واحد، وفي مصر مئات مثله وعشرات يزيدون عليه وآلاف يقلون عنه، فلا غرابة في أن يقدر هذا النوع من الإحسان بمليون جنية ينفقه منفقوه على غير شيء سوى إغراء الكسلان بكسله، وحمل العامل على ترك عمله، وفي اعتقادي لو أن هذا المقدار حل من الإحسان محله، وأصاب منه موضعه، وأنفق في سبيل الخيرات النافعة ووجوه البر الحقيقية لارتقى بالأمة المصرية إلى ذروة الكمال، ولكان له الأثر الجليل في وصولها إلى ما تتطلع إليه من هناء العيش وسعادة الحياة. لذلك أقترح في تنظيم الإحسان اقتراحا نافعا, وأدعو الكاتبين

стр. 247

الذين لا غرض لهم من وراء الكتابات السياسية ولا غاية لهم من الاشتغال بإثارة الخواطر وتهييجها وإغراء بعض الناس ببعض أن يساعدوني بأقلامهم على تحقيق ما أتمناه في هذا المقترح المفيد. أقترح أن يقوم جماعة من سراة الأمة ووجوهها وأصحاب الرأي والبصيرة فيها بتأليف مجتمع في القاهرة يسمى "مجتمع الإحسان" ويكون له في كل مدينة من مدائن الريف فرع تابع له. أما أعماله التي أحب أن يقوم بها بالاتحاد مع فروعه فهي ثلاثة: أ- استخدام فريق من مهرة الكتاب وفصحاء الخطباء يقومون بتعليم أفراد الأمة بكل واسطة من وسائط النشر, وبكل وسيلة من وسائل التأثير معنى الإحسان، وما هو الغرض منه، وما هي أفضل وجوهه، وأي أنواعه أجمع لخيري الدنيا والأخرة. ب- بذل الجهد في حمل الناس على اعتبار مجتمع الإحسان هذا بيت مال لهم أو وكالة عامة عنهم تتولى جمع الصدقات منهم وتوزيعها على مستحقيها، وحسبها أن تأخذ من كل فرد في كل عام مجموع ما يحسن به عادة في ذلك العام, فلا يكون بعد ذلك

стр. 248

مأخوذا بشيء من الإحسان أمام ربه, وأمام أمته أكثر مما قدمه لهذا المجتمع. جـ- إنفاق ما يجتمع من المال على تربية اليتامى الذين لا كاسب لهم, والقيام بأود العاجزين والعاجزات عن الكسب وتفقد شئون الذين نكبهم الدهر وتنكر لهم بعد العز والنعمة, وصيانة ماء وجوههم أن تراق على تراب الأعتاب, والإنفاق على تعليم من يتوسم فيهم الذكاء والفطنه ويرجي أن تنتفع بهم الأمة في مستقبلها من أبناء الفقراء، إلى أمثال هذه الأعمال الخيرية الشريفة التي لا يتحقق الإحسان بدونها، ولا ينصرف معناه إلا إليها. أنا أعتقد اعتقادا لا ريب فيه أن من يخطو الخطوة الأولى في سبيل هذا العمل الجليل ومن يضع الحجر الأول في بناء مجتمع الإحسان، هو أفضل عامل في الوجود وأشرف إنسان.

стр. 249

أدب المناظرة: أنا لا أقول إلا ما أعتقد ولا أعتقد إلا ما أسمع صداه من جوانب نفسي فربما خالفت الناس أو بعض الناس في أشياء يعلمون منها غير ما أعلم، ومعذرتي إليهم في ذلك أن ألحق أولى بالمجاملة منهم وأن في رأسي عقلا أجله عن أن أنزل به إلى أن يكون سيقة١ للعقول وريشة في مهاب الأغراض والأهواء. فهل يجمل بعد ذلك بأحد من الناس أن يرميني بجارحة من القول أو صاعقة من الغضب؛ لأني خالفت رأيه أو ذهبت غير مذهبه أو أن يكون له من الحق في حملي على مذهبه أكثر مما يكون لي من الحق في حمله على مذهبي. لا بأس أن يؤيد الإنسان مذهبه بالحجة والبرهان، ولا بأس أن ينقض أدلة خصمه ويزيفها بما يعتقد أنه مبطل لها، ولا ملامة عليه في أن يتذرع بكل ما يعرف من الوسائل إلى نشر الحقيقة التي يعتقدها إلا وسيلة واحدة لا أحبها له ولا أعتقد

стр. 250

أنها تنفعه أو تغني عنه شيئا، وهي وسيلة الشتم والسباب. إن لإخلاص المتكلم تأثيرا عظيما في قوة حجته وحلول كلامه المحل الأعظم من القلوب والأفهام، والشاتم يعلم الناس جميعا أنه غير مخلص فيما يقول، فعبثا يحاول أن يحمل الناس على رأيه أو يقنعهم بصدقه وإن كان أصدق الصادقين. أتدري لم يسب الإنسان مناظره؛ لأنه جاهل وعاجز معا، أما جهله؛ فلأنه يذهب في واد غير وادي مناظره وهو يظن أنه في واديه؛ ولأنه ينتقل من موضوع المناظرة إلى النظر في شئون المناظر وأطواره كأن كل مبحث عنده مبحث "فسيولوجي"، وأما عجزه؛ فلأنه لو عرف إلى مناظره سبيلا غير هذا السبيل لسلكه وكفى نفسه مئونة ازدراء الناس إياه, وحماها من الدخول في مأزق هو فيه من الخاسرين محقا كان أم مبطلا. لا يجوز بحال من الأحوال أن يكون الغرض من المناظرة شيئا غير خدمة الحقيقة وتأييدها، وأحسب أن لو سلك الكتاب هذا المسلك في مباحثهم لاتفقوا على مسائل كثيرة هم لا يزالون مختلفين فيها، وما اختلفوا فيها؛ إلا لأنهم فيما بينهم مختلفون، يسمع أحدهم الكلمة من صاحبه ويعتقد أنها كلمة حق لا ريب فيها, ولكنه يبغضه فيبغض الحق من أجله فينهض للرد عليه بحجج
следующие страницы →