٧٢ مرتبات قراءة القرآن والدلائل والصلوات في مسجده ومنزله.
٣٠ هبات كبيرة للطائفين في البلاد الذين يستجدون باسم المجد القديم والشرف الداثر.
١٨ صدقات للمتسولين على تقدير خمسة قروش يوميا تقريبا.
١٠ توضع في صناديق الأضرحة.
٤٠ ثمن خبز ولحم وملابس تفرق في المواسم الدينية.
٢٤٠ المجموع
فهذه أربعون ومائتا جنية ينفقها في سبيل الإحسان رجل واحد من متوسطي الثروة في عام واحد، وفي مصر مئات مثله وعشرات يزيدون عليه وآلاف يقلون عنه، فلا غرابة في أن يقدر هذا النوع من الإحسان بمليون جنية ينفقه منفقوه على غير شيء سوى إغراء الكسلان بكسله، وحمل العامل على ترك عمله، وفي اعتقادي لو أن هذا المقدار حل من الإحسان محله، وأصاب منه موضعه، وأنفق في سبيل الخيرات النافعة ووجوه البر الحقيقية لارتقى بالأمة المصرية إلى ذروة الكمال، ولكان له الأثر الجليل في وصولها إلى ما تتطلع إليه من هناء العيش وسعادة الحياة.
لذلك أقترح في تنظيم الإحسان اقتراحا نافعا, وأدعو الكاتبين
стр. 247
الذين لا غرض لهم من وراء الكتابات السياسية ولا غاية لهم من الاشتغال بإثارة الخواطر وتهييجها وإغراء بعض الناس ببعض أن يساعدوني بأقلامهم على تحقيق ما أتمناه في هذا المقترح المفيد.
أقترح أن يقوم جماعة من سراة الأمة ووجوهها وأصحاب الرأي والبصيرة فيها بتأليف مجتمع في القاهرة يسمى "مجتمع الإحسان" ويكون له في كل مدينة من مدائن الريف فرع تابع له.
أما أعماله التي أحب أن يقوم بها بالاتحاد مع فروعه فهي ثلاثة:
أ- استخدام فريق من مهرة الكتاب وفصحاء الخطباء يقومون بتعليم أفراد الأمة بكل واسطة من وسائط النشر, وبكل وسيلة من وسائل التأثير معنى الإحسان، وما هو الغرض منه، وما هي أفضل وجوهه، وأي أنواعه أجمع لخيري الدنيا والأخرة.
ب- بذل الجهد في حمل الناس على اعتبار مجتمع الإحسان هذا بيت مال لهم أو وكالة عامة عنهم تتولى جمع الصدقات منهم وتوزيعها على مستحقيها، وحسبها أن تأخذ من كل فرد في كل عام مجموع ما يحسن به عادة في ذلك العام, فلا يكون بعد ذلك
стр. 248
مأخوذا بشيء من الإحسان أمام ربه, وأمام أمته أكثر مما قدمه لهذا المجتمع.
جـ- إنفاق ما يجتمع من المال على تربية اليتامى الذين لا كاسب لهم, والقيام بأود العاجزين والعاجزات عن الكسب وتفقد شئون الذين نكبهم الدهر وتنكر لهم بعد العز والنعمة, وصيانة ماء وجوههم أن تراق على تراب الأعتاب, والإنفاق على تعليم من يتوسم فيهم الذكاء والفطنه ويرجي أن تنتفع بهم الأمة في مستقبلها من أبناء الفقراء، إلى أمثال هذه الأعمال الخيرية الشريفة التي لا يتحقق الإحسان بدونها، ولا ينصرف معناه إلا إليها.
أنا أعتقد اعتقادا لا ريب فيه أن من يخطو الخطوة الأولى في سبيل هذا العمل الجليل ومن يضع الحجر الأول في بناء مجتمع الإحسان، هو أفضل عامل في الوجود وأشرف إنسان.
стр. 249
أدب المناظرة:
أنا لا أقول إلا ما أعتقد ولا أعتقد إلا ما أسمع صداه من جوانب نفسي فربما خالفت الناس أو بعض الناس في أشياء يعلمون منها غير ما أعلم، ومعذرتي إليهم في ذلك أن ألحق أولى بالمجاملة منهم وأن في رأسي عقلا أجله عن أن أنزل به إلى أن يكون سيقة١ للعقول وريشة في مهاب الأغراض والأهواء.
فهل يجمل بعد ذلك بأحد من الناس أن يرميني بجارحة من القول أو صاعقة من الغضب؛ لأني خالفت رأيه أو ذهبت غير مذهبه أو أن يكون له من الحق في حملي على مذهبه أكثر مما يكون لي من الحق في حمله على مذهبي.
لا بأس أن يؤيد الإنسان مذهبه بالحجة والبرهان، ولا بأس أن ينقض أدلة خصمه ويزيفها بما يعتقد أنه مبطل لها، ولا ملامة عليه في أن يتذرع بكل ما يعرف من الوسائل إلى نشر الحقيقة التي يعتقدها إلا وسيلة واحدة لا أحبها له ولا أعتقد
стр. 250
أنها تنفعه أو تغني عنه شيئا، وهي وسيلة الشتم والسباب.
إن لإخلاص المتكلم تأثيرا عظيما في قوة حجته وحلول كلامه المحل الأعظم من القلوب والأفهام، والشاتم يعلم الناس جميعا أنه غير مخلص فيما يقول، فعبثا يحاول أن يحمل الناس على رأيه أو يقنعهم بصدقه وإن كان أصدق الصادقين.
أتدري لم يسب الإنسان مناظره؛ لأنه جاهل وعاجز معا، أما جهله؛ فلأنه يذهب في واد غير وادي مناظره وهو يظن أنه في واديه؛ ولأنه ينتقل من موضوع المناظرة إلى النظر في شئون المناظر وأطواره كأن كل مبحث عنده مبحث "فسيولوجي"، وأما عجزه؛ فلأنه لو عرف إلى مناظره سبيلا غير هذا السبيل لسلكه وكفى نفسه مئونة ازدراء الناس إياه, وحماها من الدخول في مأزق هو فيه من الخاسرين محقا كان أم مبطلا.
لا يجوز بحال من الأحوال أن يكون الغرض من المناظرة شيئا غير خدمة الحقيقة وتأييدها، وأحسب أن لو سلك الكتاب هذا المسلك في مباحثهم لاتفقوا على مسائل كثيرة هم لا يزالون مختلفين فيها، وما اختلفوا فيها؛ إلا لأنهم فيما بينهم مختلفون، يسمع أحدهم الكلمة من صاحبه ويعتقد أنها كلمة حق لا ريب فيها, ولكنه يبغضه فيبغض الحق من أجله فينهض للرد عليه بحجج
стр. 251
واهية وأساليب ضعيفة وإن كان هو قويا في ذاته؛ لأن القلم لا يقوى إلا إذا استمد من القلب فإذا عي بالحجج والبراهين لجأ إلى المراوغة والمهاترة، فيقول لمناظرة مثلا إنك رجل جاهل لا يعتد بآرائك أو إنك رجل مضطرب الرأي لا ثبات لك؛ لأنك تقول اليوم غير ما قلت بالأمس، وهنالك يقول له الناس رويدا لا تخلط في كلامك، ولا تراوغ في مناظرتك، ولا شأن لك بعلم صاحبك أو جهله، فإنه يقول شيئا فإن كان صحيحا فسلم به أو باطلا فبين لنا أوجه بطلانه، وهبه قولا لا تعلم قائله، ولا شأن لك باضطراب القائل وثباته، فربما كان بالأمس على رأي تبين له خطؤه اليوم، والمرء يخطئ مرة ويصيب، فإذا ضاق بمناظره وبالناس ذرعا فر إلى أدنى الوسائل وأضعفها فسب مناظره وشتمه وذهب في التمثيل به كل مذهب فيسجل على نفسه الفرار من تلك الحرب والانخذال في ذلك الميدان.
على أن أكثر الناس متفقون على ما يظنون أنهم مختلفون فيه، فإن لكل شيء جهتين، جهة مدح وجهه ذم، فأما أن تتساويا أو تكبر إحداهما الأخرى، فإن كان الأول فلا معنى للاختلاف؛ وإن كان الثاني وجب على المختلفين أن يعترف كل
стр. 252
منهما لصاحبه ببعض الحق لا أن يكون كل منهما من سلسلة الخلاف في طرفها.
كان يقع بين ملك من الملوك ووزيره خلاف في مسائل كثيرة حتى يشتد النزاع, وحتى لا يلين أحدهما لصاحبه في طرف مما يخالفه فيه، فحضر حوارهما أحد الحكماء في ليلة وهما يتناظران في المرأة، يعلو بها الملك إلى مصاف الملائكة، ويهبط بها الوزير إلى منزلة الشياطين، ويسرد كل منهما على مذهبه أدلته، فلما علا صوتهما واشتد لجاجهما خرج ذلك الحكيم وغاب عن المجلس ساعة, ثم عاد وبين أثوابه لوح على أحد وجهيه صورة فتاة حسناء وعلى الآخر صورة عجوز شوهاء، فقطع عليهما حديثهما وقال لهما: أحب أن أعرض عليكما هذه الصورة، ليعطيني كل منكما رأيه فيها، ثم عرض على الملك صورة الفتاة الحسناء فامتدحها ورجع إلى مكان الوزير وقد قلب اللوح خلسة من حيث لا يشعر واحد منهما بما يفعل وعرض عليه صورة العجوز الشمطاء فاستعاذ بالله من رؤيتها وأخذ يذمها ذما قبيحا، فهاج غيظ الملك على الوزير وأخذ يرميه بالجهل وفساد الذوق وقد ظن أنه يذم الصورة التي رآها هو, فلما عاد إلى مثل ما كانا عليه من الخلاف الشديد تعرض لهما الحكيم وأراهما اللوح من جهتيه فسكن ثائرهما وضحكا
стр. 253
كثيرا، ثم قال لهما: هذا هو الذي أنتم فيه منذ الليلة، وما أحضرت إليكم هذا اللوح إلا لأضربه لكما مثلا لتعلما أنكما متفقان في جميع ما كنتما تختلفان فيه لو أن كلا منكما ينظر إلى المسائل المختلف فيها من جهتيها، فشكرا له همته وأثنيا على فضله وحكمته، وانتفعا بحيلته انتفاعا كثيرا حتى ما كانا يختلفان بعد ذلك إلا قليلا.
стр. 254
الإحسان في الزواج:
ورد إلي في البريد هذا الكتاب بهذا التوقيع
حضرة السيد الفاضل
ضمني وجماعة من الأصدقاء مجلس جرى فيه الحديث عن صديق لنا عرف امرأة من البغايا فأخذته الرأفة بها فتزوجها, وكان القوم ما بين مستحسن لهذا العمل ومستهجن له, وطالت مدة الجدل بيننا ساعات ولم يستطع أحد الفريقين أن يقنع الآخر برأيه فاتفق رأينا جميعا على أن نكتب إليك بذلك علك تلقي على هذا الموضوع نظرة من نظراتك الصادقة والسلام.
ف. س
أيها السائل الكريم
إن كان باعث الرجل على الزواج بهذه البغي شهوة يريد قضاءها من امرأة يعشقها, ولا يرى له سبيلا إلى طول استمتاعه بها والاستئثار بحظه منها إلا هذا السبيل كما هو شأن أكثر الذين يتزوجون من البغايا فقد أخطأ خطأ جما؛ لأن من كان هذا شأنه
стр. 255
لا يعنيه إلا ذات نفسه ولا يشغله من شئون تلك المرأة إلا الشأن الذي يرتبط بشهوته، ويتعلق بلذته، وآية ذلك أنه لا ينظر بعد اتصاله بها في إصلاح قلبها، ولا يحاول أن ينزع من بين جنبيها ملكة الفساد الراسخة في نفسها، ولا يداخلها مداخلة المؤدب المهذب الذي يصور في نظرها معيشة الفساد بصورة تنفر منها وتشمئز لها، بل لا يكفيها مئونة العيش ولا يرفهها ولا يقلبها في الرغد والنعمة إلا إذا شعر بأن في قلبه بقية من الوجد والشغف بها، فإذا أقفر قلبه من حبها وعلم أن فراقها لا يهيج له وجدا، ورجوعها إلى عيشها السالف لا يثير منه غيرة، فارقها فراقا هادئا مطمئنا لا يمازجه حزن على فسادها، ولا يخالطه أسف على سقوطها، وهنالك تعود تلك المرأة إلى عشها الذي طارت منه, وقد أمسكت بين جوانحها من الحقد والموجدة على معيشة الصلاح والاستقامة ما الله عالم به.
فالرجل الذي يتزوج من البغي قضاء لشهوته وإيثارا للذته، لا ينفعها ولا يحسن إليها؛ لأنه لا يهذب نفسها، ولا يفي لها بما عاهدها عليه من البقاء معها، والاستمرار على عشرتها، بل يسيء إليها بسوء تصرفه معها فيبغض إليها الصلاح ويحبب إليها الفساد، وعندي أنه في عمله هذا فاسق لا متزوج؛ لأنه لو لم ير أن الزواج
стр. 256
وسيلة من وسائل الاستئثار والتوسع في الاستمتاع ما سعى الأجر مهرا ولا المتعة عقدا.
فإن كان حقا ما تقول من أن باعثه إلى ذلك الرحمة والرأفة والحنان والشفقة فقد أحسن كل الإحسان، ولا أحسب أن بين أعماله الصالحة عملا هو أفضل عند الله ذخرا، وأعظم أجرا، من هذا العمل الصالح.
العرض أثمن من الحياة فإن كان من يمنح الحياة فاقدها شريفا فأشرف منه من يرد العرض الضال إلى صاحبه المفجوع فيه.
ليت الرجال يتفقون جميعا على أن يستنقذوا بهذه الوسيلة الشريفة كل امرأة ساقها فقرها وعدمها أو فقد عائلها إلى البغاء، بل ليتهم يتفقون على الزواج منهن قبل أن تضيق بهن حلقات العيش فيسقطن.
لم لا يكون بابا من أبواب الإحسان أن يتفقد المحسنون من الرجال الفقيرات من النساء فيتزوجوا منهن أو يزوجوهن من أولادهم وأقربائهم, وإن لم يكن من ذات الجمال أو ذوات النسب؛ لأنه إحسان والإحسان لا يجمل إلا إذا أصاب موضعه من الشدة ومكانه من الشقاء.
لو عرف المحسنون معنى الإحسان لعرفوا أن إنفاق الأموال
стр. 257
على بناء التكايا والزوايا وتوزيعه على المتسولين والمتكففين ووقفه على القارئين والذاكرين لا يدخر لهم من المثوبة والأجر عند الله ما يدخره لهم الإحسان إلى النساء، بالعصمة من البغاء.
البغاء للبغي شقاء ما جناه عليها إلا الرجل، فجدير به أن يغرم ما أتلف ويصلح ما أفسد.
يهجم الرجل على المرأة ويعد لمهاجمتها ما شاء الله أن يعده من وعد كاذب، وقول خالب، وسحر جاذب، حتى إذا خدعها عن نفسها، وغلبها على أمرها، وسلبها أثمن ما تملك يدها، نفض يده منها وفارقها فراقا لا لقاء بينهما من بعده.
هنالك تجلس في كسر بيتها جلسة الكئيب الحزين مسبلة دمعها على خدها، مسندة رأسها بكفها، تفلي أناملها التراب، لا تدري أين تذهب، ولا ماذا تصنع، ولا كيف تعيش.
تطلب العيش من طريق الزواج فلا تجد من يتزوجها؛ لأن الرجل يسميها ساقطة، وتطلبه من طريق العمل فلا تجد ما تحسنه منه؛ لأن الرجل أهمل شأنها فلم يعلمها من العلم ما تستعين به على ضائقة العيش، وتطلبه من طريق التسول فلا تجده؛ لأن الرجل يؤثر أن يمنحها القنطار حراما، على أن يمنحها الدرهم حلالا، فلا تجد لها بدا من أن تطلبه من طريق البغاء.
стр. 258
فها أنت ذا ترى أن شقاء المرأة الساقطة رواية من الروايات المحزنة، وأن الرجل هو الذي يمثل جميع أدوارها، ويظهر في كل فصل من فصولها، ومهما حال بيننا وبينه من ذلك الستار المسبل فإنا لا نزال نعتقد أن الرجل غريم المرأة, وأن حقا عليه أن يؤدي دينه ويغرم أرش١ جنايته.
إن أبى الرجل أن يتزوج المرأة بغيا فليحل بينها وبين البغاء، ولا سبيل له إلى ذلك إلا إذا اعتبر الزواج بابا من أبواب الإحسان، أي: إنه يتزوجها لها أكثر مما يتزوجها لنفسه، وأحق النساء بالإحسان أولئك اللواتي لم يرزقهن الله الجمال والمال، والحسب والنسب، فإن أبى إلا أن يتزوج المرأة السعيدة، فليعلم أنه هو الذي أخذ الشقية من يدها، وساقها بنفسه إلى قرارة الشقاء ورماها بيده في هوة الفسق والبغاء.
стр. 259
لا همجية في الإسلام ١:
أيها المسلمون: إن كنتم تعتقدون أن الله لم يخلق المسيحيين إلا ليموتوا ذبحا بالسيوف، وقصفا بالرماح، وحرقا بالنيران، فقد أسأتم بربكم ظنا، وأنكرتم عليه حكمته في أفعاله، وتدبيره في شئونه وأعماله، وأنزلتموه منزلة العابث اللاعب الذي يبني البناء ليهدمه، ويزرع الزرع ليحرقه، ويخيط الثوب ليمزقه، وينظم العقد ليبدده.
لم يزل الله مذ كان الإنسان نطفة في رحم أمه يتعهده بعطفه وحنانه، ويمده برحمته وإحسانه، ويرسل إليه في ذلك السجن المظلم الهواء من منافذه، والغذاء من مجاريه، ويذود عنه آفات الحياة وغوائلها نطفة فعلقة فمضغة فجنينا فبشرا سويا.
إن إلها هذا شأنه مع عبده وهذه رحمته به وإحسانه إليه
стр. 260
محال عليه أن يأمر بسلبه الروح التي وهبه إياها أو يرضى بسفك دمه الذي أمده به ليجري في شرايينه وعروقه، لا بين تلال الرمال، وفوق شعاف الجبال.
في أي كتاب من كتب الله وفي أي سُنة من سنن أنبيائه ورسله قرأتم جواز أن يعمد الرجل إلى الرجل الآمن في سربه، القابع في كسر بيته، فينزع نفسه من بين جنبيه، ويفجه فيه أهله وقومه؛ لأنه لا يدين بدينه، ولا يتقلد مذهبه.
لو جاز لكل إنسان أن يقتل كل من يخالفه في رأيه ومذهبه لأقفرت البلاد من ساكنيها وأصبح ظهر الأرض أعرى من سراة أديم.
أن وجود الاختلاف بين الناس في المذاهب والأديان والطبائع والغرائز سنة من سنن الكون التي لا يمكن تحويلها ولا تبديلها، حتى لو لم يبق على ظهر الأرض إلا رجل واحد لجرد من نفسه رجلا آخر يخاصمه وينازعه، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ .
إن الحياة في هذا العالم كالحرارة التي تنتج من التحاك بين جسمين مختلفين، فمحاولة توحيد المذاهب والأديان محاولة القضاء على هذا العالم وسلبه روحه ونظامه.
стр. 261
أيها المسلمون: ليس ما كان يجري في صدر الإسلام من محاربة المسلمين المسيحيين مرادا به التشفي والانتقام منهم، أو القضاء عليهم، وإنما كان لحماية الدعوة الإسلامية أن يعترضها في طريقها معترض أو يحول بينها وبين انتشارها في مشارق الأرض ومغاربها حائل، أي: إن القتال كان ذودا ودفاعا، لا تشفيا وانتقاما.
وآية ذلك أن السرية من الجيش ما كانت تخطو خطوة واحدة في سبيلها الذي تذهب إليه حتى يصل إليها أمر الخليفة القائم أن لا تزعج الرهبان في أديرتهم، والقسيسين في صوامعهم، وأن لا تحارب إلا من يقاومها، ولا تقاتل إلا من يقف في سبيلها، ولقد كان أحرى أن تسفك دماء رؤساء الدين المسيحي وتسلب أرواحهم لو أن غرض المسلمين من قتال المسيحيين كان الانتقام منهم والقضاء عليهم.
لو أنكم قضيتم على كل من يتدين بدين غير دينكم حتى أصبحت رقعة الأرض خالصة لكم لانقسمتم على أنفسكم مذاهب وشيعا وتقاتلتم على مذاهبكم تقاتل أرباب الأديان على أديانهم، وهكذا حتى لا يبقى على وجه الأرض مذهب ولا متمذهب.
أيها المسلمون: ما جاء الإسلام إلا ليقضي على مثل هذه
стр. 262
الهمجية والوحشية التي تزعمون أنها الإسلام.
ما جاء الإسلام إلا ليستل من القلوب أضغانها وأحقادها ثم يملؤها بعد ذلك حكمة ورحمة ليعيش الناس في سعادة وهناء، وما هذه القطرات من الدماء التي أراقها في هذا السبيل إلا بمثابة البضع العضوي الذي يتذرع به الطبيب إلى شفاء المريض.
عذرتكم لو أن هؤلاء الذين تريقون دماءهم في بلادكم كانوا ظالمين لكم في شأن من شئون حياتكم، أو ذاهبين في معاشرتكم والكون معكم مذاهب سوء تخافون مغبتها، وتخشون عاقبتها، أما والقوم في ظلالكم والكون تحت أجنحتكم أضعف من أن يمدوا إليكم يد سوء أو يبتدروكم ببادرة شر فلا عذر لكم.
عذرتكم بعض العذر لو لم تقتلوا الأطفال الذين لا يسألهم الله عن دين ولا مذهب قبل أن يبلغوا سن الحلم، والنساء الضعيفات اللواتي لا يحسن في هذه الحياة أخذا ولا ردا، والشيوخ الزاحفين إلى القبور قبل أن تزحفوا إليهم وتتعجلوا قضاء الله فيهم.
أما وقد أخذتم البريء بجريرة المذنب فأنتم مجرمون لا مجاهدون، وسفاكون لا محاربون.
من أي صخرة من الصخور أو هضبة من هضبات الجبال
стр. 263
نحتم هذه القلوب التي تنطوي عليها جوانحكم والتي لا تروعها أنات الثكالى، ولا تحركها رنات الأيامى.
من أي نوع من أنواع الأحجار صيغت هذه العيون التي تستطيعون أن تروا بها منظر الطفل الصغير والنار تأكل أطرافه وتتمشى في أحشائه وبين جوانحه فتصرخ أمه وأمه عاجزة عن معونته؛ لأن النار لم تترك لها يدا تحركها، ولا قدما تمشي عليها.
لا أستطيع أن أهنئكم بهذا الظفر والانتصار؛ لأني أعتقد أن قتل الضعفاء جبن وعجز، ولؤم ودناءة، وأن سفك الدماء بغير ذنب ولا جريرة وحشية وهمجية أحرى أن يعزى صاحبها فيها، لا أن يهنأ بها.
أيها المسلمون: أقتلوا المسيحيين ما شئتم وشاءت لكم شراستكم ووحشيتكم، ولكن حذار أن تذكروا اسم الله على هذه الذبائح البشرية فالله أجل من أن يأمر بقتل الأبرياء، أو يرضى باستضعاف الضعفاء، فهو أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين.
стр. 264
البخيل:
سألني سائل ماذا يستفيد الإنسان من بخله حتى على نفسه, وأي غرض يرمى إليه من
ذلك؟ فأجبته بهذا الجواب:
البخل إحدى الملكات النفسية، والملكة صفة راسخة في النفس تصدر عنها آثارها عفوا بدون روية ولا اختيار، فكما لا يسئل المسرف عن سبب إسرافه، والغاضب عن غايته من غضبه، والحاسد عن غرضه من حسده، كذلك لا يسئل البخيل عما يستفيده من بخله وحرصه، فكثيرا ما تعرض لأرباب هذه الملكات عوارض تنزع بهم إلى الرغبة عن التخلي عنها حينا فلا يجدون إلى ذلك سبيلا لمكان تلك الملكات من نفوسهم ونزولها منها منزلة لا تزعجها الرغبات، ولا تزعزعها الإرادات، وربما عرض للبخيل ما يدفعه إلى بذل شيء من ماله فإذا وضع يده في كيسه وحاول القبض على شيء مما فيه أحس كأن تيارا كهربائيا قد سرى من نفسه إلى يده فتشنجت أعصابها وأعيت أناملها على الالتواء والانثناء فأخرجها صفرا كما أدخلها وبوده أن لا يفعل
стр. 265
لولا أن للغريزة قوة فوق قوة الإرادة وسلطانا تخضع له الرغبات وتنقاد إليه العقول إلا إذا كان وراءها وازع من القانون يزعها فإنه يكسر شرتها أحيانا، وإن لم ينتزعها انتزاعا.
ويحكى أن شحيحا تحركت في قلبه يوما الشفقة على ابنته الجائعة العارية فأراد نفسه على أن يبذل لها شيئا من ماله, فتأبت عليه فأذن لوكيله أن يختلس لها من ماله ما يسد خلتها من حيث لا يعلمه بذلك ولا يدعه ينتبه لشيء منه علما بأنه لايستطيع أن يكون كما يريد.
فالوجه في السؤال أن يقال ما هي الأسباب التي غرست ملكة البخل في نفس البخيل؟ فيكون الجواب عن ذلك: أن الأسباب تختلف باختلاف الأشخاص البخلاء, وأطوارهم وأخلاقهم وتربيتهم، ونحن نذكر أهم تلك الأسباب من حيث ذاتها بقطع النظر عن افتراق ما يفترق منها واجتماع ما يجتمع.
الأول -الوراثة- وهي وإن كانت سببا ضعيفا لما يعرض للأخلاق الموروثة أحيانا من التغير والانقلاب بمعاشرة المتصفين بأضدادها والتأثر بمخالطتهم إلا أنها كثيرا ما تنمو ووتجسم إذا أغفلت, ولم يعترضها ما يسد سبيلها ويقف في طريق نمائها.
الثاني -التربية- إذا نشأ الطفل بين أهل أشحاء ولم
стр. 266
يكن في فطرته ما يقاوم سلطان التربية على نفسه أخذ أخذهم في الحرص وتخلق فيه بأخلاقهم كما يتخلق بها في العقائد والعادات من حيث لا يفكر في استحسان أو استهجان, كأنما هي عدوى الأمراض التي تسري إلى الإنسان من حيث لا يدري بها ولا يشعر بسريانها، ويحكى أن رجلا دخل منزلا يعرف أهله بالشح والحرص, فرأى طفلا صغيرا في يده ليمونة صغيرة فسأله إياها فأجابه الطفل: "إن يدك لا تسعها".
الثالث –سوء الظن بالله- ذلك أن المتدين إذا أخذت عقيدة القضاء والقدر من نفسه مأخذها رسخ في قلبه الإيمان بأن لله عينا ساهرة على عباده الضعفاء, فهو أرحم من أن يغفل شأنهم ويكلهم إلى أنفسهم ويسلمهم لصروف الليالي وعاديات الأيام، فلا يلج به الحرص على الجمع، ولا يزعجه الخوف من البذل، وعلى العكس منه ضعيف الإيمان ضعيف الثقة بواهب الأرزاق ومقسم الحظوظ والجدود, فهو لسوء ظنه به لا يزال الخوف من الفقر نصب عينيه حتى يصير البخل ملكة راسخة فيه.
الرابع -النكبات- كثيرا ما تحل بالإنسان نكبات تصهر قلبه وتزعج غريزته عن مستقرها، ومن ذلك النكبات
стр. 267
التي يكون مرجعها قلة المال, كأن يقع الرجل في خصومة يرى أنه لولا ضيق ذات يده لما وقع فيها, فلا يكون له فكر بعد ذلك إلا في التوقي من الوقوع في أمثالها، فكلما تمثلت له نكبته لج به الحرص وأغرق في المنع حتى يصير ذلك غريزة فيه وخلقا له، ومن ذلك جديد النعمة الذي ذاق مرارة الفقر برهة من الزمان, وتجسمت آلامه في نظره فإنه مهما حسنت حاله وأقبلت عليه الدنيا بوجهها وفاضت خزائنه بالذهب لا تذهب من فمه تلك المرارة, ولا تضيع من ذاكرته آلامها, فلا يزال يملك قلبه وسواس مقلق يخيل إليه ما لا يتخيل ويريه ما لا يرى, كمن تمثل له خيال الشيطان مرة في أبشع صورة وأفظع شكل فهاله منظره وذهب الخوف الشديد برشده وطار بطائر عقله فلا يزال يراه في كل مكان وزمان، وفي حالتي الأمن والخوف، والوحشة والأنس.
الخامس -اللؤم- فإن النفس إذا خبثت طينتها ولؤم طبعها كان من أخص صفاتها الحقد على الوجود بأجمعه وبغض الخير للناس قاطبة, فكيف يمنحهم من ذات يده ما يزيده ألما على ألم وحسرة فوق حسرة، وهو لو استطاع أن يكف عنهم سارية السماء ويعترض دونهم نابتة الأرض لفعل.
السادس -سقوط الهمة- إذا نشأ الإنسان عالي الهمة
стр. 268
طموحا إلى المعالي محبا للذكر الحسن والثناء الجميل سهل عليه أن يبذل في سبيل ذلك كل ما يستطيع بذله من ذات يده أو ذات نفسه، وحب المجد أسال الذهب من خزائن الأغنياء، وصبر نفوس الشجعان نهبا مقسما بين شفرات السيوف وأسنة الرماح طلبا لسعادة الحياة بالذكر وسعادة الممات بالخلود، فمن لساقط الهمة ضعيف النفس بدافع يدفعه إلى بذل المال على مكانته من قلبه وامتزاج حبه به، أيدفعه حب الثناء وهو لا يشعر بلذته، أم خوف المذمة وهو لا يتألم منها ولا يتذوق مرارتها، أم سعادة الحياة وسعادة الممات، وهو لا يفهم للسعادة معنى غير ما فهمه الزبرقان بن بدر حينما قنع على لسان الحطيئة من المكارم بلقمة يمضغها، وحلة يلبسها.
السابع -فساد المجتمع الإنساني- ذلك أن كثيرا من الناس قد بلغ بهم حب المال والتعبد له أن صاروا يعظمون صاحبه لا لفائدة يرجونها أو خير يطمعون فيه؛ بل لأنه ذو مال وذو المال في نظرهم أحق الناس بالمحبة والإخلاص والإجلال والإعظام وإن لم يحصلوا منه على طائل، فلو أنهم عبدوا الله بهذا النوع من العبادة ساعة واحدة لأصبحوا من عباده المقربين، فمن ذا الذي لا يحب من البخلاء أن ينال هذه المنزلة في نفوس هؤلاء
стр. 269
المتملقين وليس بينه وبينها إلا الحرص الذي لا يتكلفه ولا يتعمل له والذي هو أشهى الأشياء إليه وأكثرها ملاءممة لفطرته ليزداد شرفا وعزا، كلما ازداد بالحرص ثراء ووفرا، ومن هنا قال أحد البخلاء لأولاده: يا بني لأن يعلم الناس أن عند أحدكم مائة ألف درهم أعظم له في أعينهم من أن يقسمها فيهم، وقال رجل لآخر: يا بخيل، فقال له: لا أحرمني الله بركة هذا الاسم فإني لا أكون بخيلا إلا إذا كنت غنيا فسم لي المال ولقبني بما تشاء.
هذه هي أهم الأسباب التي تألفت منها رذيلة البخل فإن أغفلنا النظر إليها, وسلمنا للسائل صحة سؤاله عما يستفيده البخيل من بخله حتى على نفسه, وفرضنا البخيل مختارا فيما يفعل غير مساق إلى هذا المورد الوبيل بسائق الغريزة الفاسدة كان منال النجم أقرب من تطبيق حاله على قاعدة من قواعد العقل؛ لأن الله تعالى خلق الإنسان وركب فيه رغبات وشهوات مختلفة بعضها نفسي والآخر جسدي، فهو لا يزال يتطلبها ما لم يعجز عنها، فصاحب المال الكثير الذي يقنع بالشملة والمضغة، والجرعة والظلة، ويحمل في كل لحظة أشد الآلام من مقاومة نزوات نفسه إلى ميولها ورغباتها، لا يمكن أن يحمل حاله على محمل العجز؛ لأنه قادر، ولا على الزهد؛ لأنه ما زهد فيما لا ينفع فيزهد فيما ينفع، ولا على
стр. 270
الخوف من الفقر؛ لأن عنده من المال ما يفني الأعمار, فهيهات أن يفنيه عمر واحد، ولا على الرغبة في سعادة الذرية؛ لأن محبة الأب لولده لا يمكن أن تزيد على رغبته في أن يراه شريكا له في سعادته، فأما أن يشقى هو في حياته، ليسعد ولده بعد مماته، فمما لا يقبله العقل، ولا يدخل في دائرة من دوائر الفهم، فلم يبق لنا إلا أن نتوسل إلى علماء النفس أن يأذنوا لنا بالتوسع في تفسير معنى الجنون حتى لا يكون مقصورا على المعربدين والهاذين، بل يكون شاملا للعابثين، الذين لا يدرون ما يأخذون وما يتركون، والذين يجلبون لأنفسهم بإرادتهم واختيارهم آلاما نفسية هي أشد مما يجلبه المجانين على أنفسهم بمناطحة الجدران، ومطاردة الصبيان، كما نتوسل إلى علماء الشرائع أن يضعوا قانونا لاستخراج المال من خزائن المقترين، كما وضعوا قانونا لحفظ المال في صناديق المبذرين، فإن تبذير المال يضر قوما وينفع أقواما، أما حبسه فيضر صاحبه ويضر معه الناس أجمعين.
стр. 271
البعوض:
جلست ليلة أمس إلى مكتبتي وعلقت قلمي بين أصابعي وأنشأت أفكر في الموضوع الذي يجمل بي أن أكتب فيه، وتلك عادتي التي يعرفها عني كثير من خلطائي وعشرائي أنني لا أميل إلى الكتابة في بياض النهار ولا أحب أن أخط حرفا على ما أحب وأرتضي إلا في ظلام الليل وهدوئه.
ولا يظن المتفلسفون في اكتناه القائق والمولعون بالصناعة اللفظية، والأنواع البديعة، أنني أريد بذلك مراعاة النظير بين سواد المداد وسواد الظلام، أو أنني أترقب طلوع النجم لأتسلق أشعته إلى سماء الخيال، فكل ذلك لم يكن، وليس في الناس من هو أدرى بدخيلة نفسي مني، وكل ما في المسألة أن هذه عادتي، وتلك حكايتي، وكفى.
لم أكد أفرغ من التفكير في الموضوع حتى شعرت بطنين البعوض في أذني, ثم أحسست بلذعاته في يدي فتفرق من ذهني ما كان مجتمعا، وتجمع من همي ما كان مفترقا، ولم أرد بدا من
стр. 272
إلقاء القلم وإعداد العدة لمقاومة هذا الزائر الثقيل.
طاردته بالمذبة فما أجدى ذلك نفعا؛ لأنه على الطيران أقوى من يميني على المطاردة، وفتحت النوافذ لأخرج ما كان داخلا، فدخل ما كان خارجا، وحاولت قتله فوجدته متفرقا، ولو كان مجتمعا في دائرة واحدة لهلك بضربة واحدة، ولم أر في حياتي أمة ينفعها تفرقها ويؤذيها تجمعها غير أمة البعوض، فما أضعف هذا الإنسان وما أضل عقله في اغتراره بقوته، واعتداده بنفسه، واعتقاده أن في يده زمام الكائنات يصرفها كيف يشاء، ويسيرها كما يهوى، وأنه لو أراد أن يذهب بنظام هذا الوجود ويأتي له بنظام جديد لما كان بينه وبين ذلك إلا أن يرسل أشعة عقله ويبتعث عزيمته، ويقتدح فكرته.
يزعم ذلك وهو يعلم أنه أضعف من أن يحتال لنفسه في مدافعة أصغر الحيوان جسما وعقلا، وأدناها قيمة وشأنا، بيد أنه يعلم ذلك بلسانه وفي فلتات وهمه، ولو علمه علما يتغلغل في نفسه، ويتمثل في سويداء قلبه لكفكف من غلوائه، وخفض من كبريائه، وعلم علم اليقين أن الإنسان العاقل والحيوان الملهم والنبات النامي والجماد الجامد سواء بين يدي القوة الإلهية الكبرى التي لا ينفع معها حول ولا قوة.
стр. 273
علمت أني عييت بأمر هذا الحيوان فلذت بجانب الصبر، والصبر كما يعلم إخواننا الصابرون حجة العاجز، وحيلة الضعيف، وأيسر ما يستطيع أن يدفع به دافع عن نفسه ملامة اللائمين، وفضول المتطفلين، وقلت في نفسي لو كان البعوض يفهم ما أقول لقصصت عليه قصتي، وشرحت له عذري، وسألته أن يمنحني ساعة واحدة أقوم فيها بكتابة رسالتي هذه ثم هو بعد ذلك في حل من جسمي ودمي ينزل منهما حيث يشاء، ويمتص منهما ما يشاء، ولكنه ويا للأسف لا يسمع شكاتي, ولا يرحم ضراعتي ولا يفهم معنى الرحمة, ولا يعرف قيمة المروءة؛ لأنه ليس بإنسان.
أحسب أن لذعات البعوض قد أخذت مأخذها من عقلي وفهمي, وأني قد بدأت أهذي هذيان المحموم فمن أين لي أن لو كان البعوض إنسانا كان يسمع شكاتي، ويكشف ظلامتي، أو يفهم معنى الرحمة، ويعرف قيمة المروءة، ومتى كان الإنسان أحسن حالا من البعوض, وأرحم منه قلبا وأشرف غاية, فأتمنى أن لو كان مكانه، بل من أين لي أن هذا الذي أحسبه بعوضا ليس بإنسان تقمص البعوض وتمثل لي في جسمه الصغير وجناحه الرقيق، وأي غرابة في أن أتخيل ذلك ما دام الإنسان والبعوض سواء في حب الشر والميل إلى الأذى، وما دامت الصورة الجثمانية لا قيمة لها في جانب
стр. 274
الأعراض الذاتية والصفات المقومة للماهية.
أي قيمة لما يمتصه البعوض مجتمعا من جسم الإنسان في جانب ما يمتصه القاتل منفردا من جسم المقتول.
إن البعوض في امتصاصه الدم من الجسم أقل من القاتل ضررا وأشرف غاية وأجمل مقصدا؛ لأنه إن آذى الجسم فقد أبقى على الحياة؛ ولأنه يطلب عيشه وهذا طريقه الطبيعي الذي لا يعرف سواه، ولا يستطيع أن يدبر لنفسه غيره، ولو استطاع لعافت نفسه أن يكون كالإنسان يتطوع للشر، ويتعبد بالضر.
إني وجدت بين الإنسان والبعوض شبها قريبا في صفات كثيرة, أنا ذاكر لك طرفا منها وتارك لفطنتك الباقي.
البعوض يمتص من الدم فوق ما يستطيع احتماله، لا يزال يشرب حتى يمتلئ فينفجر، فهو يطلب الحياة من طريق الموت، ويفتش عن النجاة في مكامن الهلاك، وهو أشبه شيء بشارب الخمر يتناول الكأس الأولى منه؛ لأنه يرى فيها وجه سروره وصورة سعادته، فتطمعه الأولى في الثانية، والثانية من الثالثة، ثم لا يزال يلح بالشراب على نفسه حتى يتلفها ويودي بها من حيث يظن أنه ينعشها, ويجلب إليها سرورها وهناءها.
стр. 275
البعوض سيئ التصرف في طلب العيش؛ لأنه لا يسقط على الجسم إلا بعد أن يدل على نفسه بطنينه وضوضائه، فيأخذ الجالس منه حذره ويدفعه عن مطلبه أو يقتله قبل البلوغ إليه، فمثله في ذلك مثل بعض الجهلة من أصحاب المطالب السياسية يطلبون المآرب النافعة المفيدة لأنفسهم ولأمتهم, غير أنهم لا يكتمونها ولا يحسنون الاحتفاظ بها في صدورهم ولا يبتغون الوسيلة إليها إلا بين الصراخ والضجيج، ولا يمسكون بالحلقة الأولى من سلسلتها حتى يملئوا الخافقين بذكرها، ويشهدوا الملأ الأعلى والأدنى عليها، وهناك يدرك عدوهم مقاصدهم فيعد لها عدتها ويتلمس وجه الحيلة في إفسادها عليهم هادئا ساكنا من حيث لا يشعرون.
البعوض خفيف في وطأته، ثقيل في لذعته، فهو كذلك الصاحب الذي يسرك منظره، ويسوءك مخبره، يلقاك بابتسامة هي العذب الزلال، عذوبة وصفاء، والسحر الحلال، جمال وبهاء، وبين جنبيه في مكان القلب صخرة لا تنفذها أشعة الحب، ولا يتسرب إليها ماء الوفاء، يقول لك: إني أحبك؛ ليغلبك على قلبك، ويملك عليك نفسك، فإن تم له ما أراد سلبك مالك إن كنت من ذوي المال، أو استخدم جاهك إن كنت من ذوي الجاه،
стр. 276
فإن لم تكن هذا ولا ذاك أغراك بالسير في طريق يسقط مروءتك ويثلم شرفك، فإن فاته ما يشفي به داء بطنته، لا يفوته ما يطفئ به نار حقده وحسده.
لا يزال البعوض ملحا في مهاجمتي، فلا طاقة لي بكتابة سطر واحد أكثر مما كتبت والسلام.
стр. 277
الجزع:
يا صاحب النظرات
لي صديق سقط في امتحان "البكالوريا" هذه السنة فأثر فيه ذلك السقوط تأثيرا كبيرا, فهو لا ينفك باكيا متألما حتى أصبحنا نخاف عليه الجنون، وكلما عزيناه عن مصابه يقول: كيف أستطيع معاشرة إخواني ومعارفي, وكيف أستطيع مقابلة والدي وأهلي؟ فهل لك أيها السيد أن تعالج نفسه بنظرة من نظراتك التي طالما عالجت بها القلوب المحزونين؟
حقوقي
ليست المسألة مسألة صديقك وحده بل مسألة الساقطين أجمعين، فإن المرء لا يكاد يتناول نظره منهم في هذه الأيام إلا وجوها قد نسج الحزن عليها غبرة سوداء، وجفونا تحار فيها مدامعها حيرة الزئبق الرجراج، حتى ليخيل إليك أن نازلة من نوازل القضاء قد نزلت بهم فزلزلت أقدامهم، أو فاجعة من فواجع الدهر قد دارت عليهم دائرتها فأثكلتهم ذخائر نفوسهم، وجواهر عقولهم، وأقامت
стр. 278
بينهم وبين سعادة العيش وهنائه سدا لا تنفذه المعاول، ولا تنال من أيده الزلازل.
خفض عليك قليلا أيها الطالب فالأمر أهون مما تظن وأصغر مما تقدر، واعلم وما أحسبك إلا عالما أنك لم تسقط من قمة جبل شامخ إلى سفح متحجر فتبكي على شظية طارت من شظايا رأسك، أو دم مسفوح تدفق من بين لحييك.
إنك قد سعيت إلى غرض فإن كنت هيأت له أسبابه، وأعددت له عدته، وبذلت له من ذات نفسك ما يبذل مثله الباذلون في مثله، فقد أعذرت إلى الله وإلى الناس وإلى نفسك, فحري بك أن لا تحزن على مصاب لم يكن أثرا من آثار يديك، ولا جناية من جنايات نفسك عليك، وإن كنت قصرت في تلمس أسبابه، ومشيت في سبيله مشية الظالع المتقاعس، فما حزنك على فوات غرض كان جديرا بك أن تترقب فواته قبل وقت فواته؟ وما بكاؤك على مصاب كان خيرا لك أن تعلم وقوعه قبل يوم وقوعه؟ ما لك تبكي بكاء الواثق بمواتاة الأيام ومطاوعة الأقدار, فهل تستطيع أن تبرز لنا صورة العهد الذي أخذته على الدهر أن يكون لك كما تحب وتشتهي وعلى الفلك أن لا يدور إلا بسعدك، ولا
стр. 279
يجري إلا بجدك، وعلى القلم أن لا يكتب في لوحه إلا ما دللته عليه، وأوحيت به إليه.
لا تجعل لليأس سبيلا إلى نفسك, فلعل الأمل يعوض عليك في غدك ما خسرت في أمسك، وامض لشأنك ولا تلتفت إلى ما وراءك، فإن تم لك في عامك المقبل من طلبتك ما أردت فذاك، أو لا فما فقدت إذ فقدت الا ورقة كان كل ما تستفيده منها أن تشتري بها قيدا لرجلك، وغلا لعنقك، ثم ترتبط في سجن من سجون الحكومة بجانب رئيس من الرؤساء المدلين بأنفسهم يسومك من الذل والخسف ما لا يحتمله الأسراء في سجون الآسرين.
إن اعتدادك بهذه الورقة هذا الاعتداد وإكبارك إياها هذا الإكبار دليل على أنك كنت تريد أن تجعلها منتهى أملك وغاية همتك، وأنك لا ترى بعدها مزيدا من الكمال لمستزيد، فإن صدقت فراستي فيك فاعلم أن الله قد خار لك في هذا المصير وساق إليك من الخير ما لا تعرف السبيل إليه، إنه ما خيب رجاءك في هذا الكمال الموهوم إلا لتطلب لنفسك كمالا معلوما، وما صرف عنك هذه الشهادة المكتوبة في صفحات الأوراق إلا لتسعى وراء الشهادة المكتوبة في صفحات القلوب.
إن كنت تبكي على الشرف فباب الشرف مفتوح بين يديك
стр. 280
لا شأن للحكومة فيه ولا حاجب لها عليه، وما هو إلا أن تجد في التزيد من العلم والمعرفة واستكمال ما ينقصك من الفضائل النفسية, فإذا أنت شريف في نفسك وفي نفس الخاصة من الناس, وإذا أنت في منزلة يحسدك عليها كثير من أرباب الشهادات والمناصب، ولا حيا الله شرفا يحيا بورقة ويموت بأخرى، ولا مجدا تأتى به قعدة وتذهب به قومة، وإن كنت تبكي على العيش ففي أي كتاب من كتب الله المنزلة قرأت أن أرزاقه وقف على الحاكمين، وحبائس على المستخدمين، وأنه لا ينفق درهما واحدا من خزائنه إلا إذا جاءته "حوالة" بتوقيع أمير، أو إشارة وزير.
أيها الطالب: قل لأبيك وأخيك وأهلك وأصدقائك ومعارفك بلا خجل ولا استحياء أن الذي وهبني عقلي يسلبنيه، وأن الذي صور لي أعضائي لم يحل بيني وبين الذهاب بها إلى ما خلقت له، وأن الذي خلقني سوف يهديني فهو الرزاق ذو القوة المتين.
стр. 281
الاتحاد:
ألمت بي كربة من تلك الكرب التي لا تزال تختلف إلي كما تختلف إلى المحموم نوباته حينا بعد حين.
كربة ما كفاها أنها حبست قلمي عن الكتابة وفكري عن الحركة حتى حالت بيني وبين مطالعة الصحف والإشراف على الأمة من نوافذها برهة من الزمان، ثم أدركتني رحمة الله فاستفقت فإذا صخب ولجب، وضجيج وضوضاء، وأصوات ملء الفضاء، وكظة الأرض والسماء، فما هو إلا سؤال السائل وإجابة المجيب حتى عرفت كل شيء.
عرفت أن الأمة المصرية في موقف من أحرج مواقفها، ومسلك من أضل مسالكها، وأنها بين ماضغي الأسد وفوق روق الظبي، وأن حوادث الدهر وعاديات الأيام قد ملكت عليها سبيلها والتفت حولها التفاف الحية بالعنق وأحاطت بها إحاطة الجامعة باليد والقيد بالرجل، فمثلها كمثل رجل أحاطت النار ببيته من كل جانب وعلقت بسقوفه وجدرانه، ونوافذه وأبوابه، فما
стр. 282
هو بناج إن أراد نجاء، ولا بباق إن أراد بقاء، بل مثلها كمثل آخر ضل به سبيله، واشتبهت عليه مسالكه، في ليلة داجية مدلهمة قد غابت كواكبها، واستسرت نجومها، فوقف وقفة الحائر المضطرب يسمع العواء والزئير، والفحيح والصفير، فلا يعلم أيقدم فيزداد ضلالا، أم يحجم فلا يجد مجالا، أم يقف فيصبح فريسة المفترس ولقمة المزدرد.
عرفت أن الأمة المصرية أصبحت لا تدري ما تريد، ولا ما يراد بها، ولا تجد من يرد إليها رشدها، ولا من يمد يده إليها، ليأخذ بيدها في هذا الظلام الحالك، والليل المدلهم.
كثر رؤساؤها، وتعددت قادتها، وتنوعت مذاهبهم، واختلفت طرقهم، واستحكمت حلقات البأس بينهم فلم يتفقوا في شأن من شئون هذه الأمة على شيء إلا على وضع حبل متين في عنقها, قد أخذ كل منهم بطرف من طرفيه يجذبه إليه جذبة المستقتل المستميت حتى بح صوتها، وضاق صدرها، وتعلقت أنفاسها، وجحظت مقلتاها، وجف ريقها، وتحجر لسانها، وهم ينظرون إليها نظرة المداعب اللاعب، ولا أحسب أنهم تاركوها حتى يفرقوا بين الرأس والجسد فراقا لا لقاء بينهما من بعده.
стр. 283
لو بعث أرسطو واضع علم المنطق من قبره وأراد أن يضع لهذه الأمة حدا تاما جامعا مانعا لما استطاع إلا أن يضع لها هذا الحد "الأمة المصرية هي التي تصدق كل ما يقال"، ولقد عرف منها كل أولئك اللاعبين بها والعابثين بميولها وأهوائها هذا الخلق وتلك الطبيعة, وكانوا قساة القلوب غلاظ الأكباد فنفذوا من تلك الآذان اللينة إلى تلك القلوب الطيبة, فما بلغوها حتى أخذوا يلعبون بها لعب الصبي بكرته، ويتلقفونها واحدا بعد واحد، فهي لا ترتفع حتى تتناولها الصوالجة، ولا تستقر حتى تدفعها الأقدام، كل يزعم أنه صديقها، وكل يزعم أنه يدلها على عدوها، والله يعلم أنهم أعداؤها قبل الأعداء، وخصومها أكثر من الخصماء، وأن السماء بصواعقها ورجومها، والأرض بزلزالها وبراكينها، أعجز من أن تبلغ منها ما بلغوه، أو تجني عليها ما جنوه.
فيأيها الرؤساء والزعماء: أي خير تطلبون لهذه الأمة بعد أن فرقتموها شيعا، وصيرتموها أحزابا، وقطعتم أوصالها ووشائجها وألقيتم العداوة والبغضاء بين الرجل وولده، والرجل وأخيه، والجار وجاره، والصديق وصديقه، حتى ركب كل فرد من أفرادها رأسه ومضى لسبيله، وحتى تناكرت الوجوه، واستوحشت النفوس، وأصبحت ساحة البلد كساحة الحرب، لا ترى فيها إلا
стр. 284
نابا يقرع نابا، وعينا تنظر شزرا وصدرا يغلي حقدا، وقلبا يخفق خوفا وحذرا.
كل غرض تزعمون أنكم تسعون إليه لإبلاغ هذه الأمة أمنيتها من السعادة والهناء، لا قيمة له بعد ما أضعتم عليها غرضها من الاتحاد والائتلاف، بل لا سبيل لها إلى بلوغ غرض من أغراضها إلا إذا كان الاتحاد قائدها إليه، ودليلها عليه.
ليس هذا التنافر بين أفراد الأمة والتفرق بين جماعاتها حالة من الحالات الطبيعية التي لا بد منها، ولا مناص عنها، أو حادثة من الحوادث السماوية التي تحتملها النفوس، وتسكن إليها القلوب، وتطرف عليها العيون إجلالا للسماء، ورضاء للقضاء، وإنما هي صنعة أيديكم، وجناية أقلامكم، ولو أنكم تركتم هذه الأمة وشأنها، وخليتم بينها وبين فطرتها، ما كان يخطر لها ببال أن تتعادى وأن تتباغض ولا كان يوجد بين أفرادها من تحدثه نفسه بمقاطعة أخيه في سبيل صحيفة من الصحف أو حزب من الأحزاب.
عجز الاختلاف الديني بين عنصري الأمة المصرية عن أن يفرق بين أوصالها، وأن يحل جامعتها، وعجز الاختلاف الجنسي أن يؤثر في جامعتها تأثير أمثاله في أمثالها من الجوامع الأخرى، فكان حريا أن يعجز الاختلاف السياسي، عما عجز عنه الاختلاف
стр. 285
الديني والجنسي، لولا أنكم كبرتم ما صغر من هذا الاختلاف وعظمتم منه ما حقر، وألححتم عليه إلحاحا شديدا حتى حولتموه إلى فتنة شنعاء، وغارة شعواء.
أنا لا أطلب منكم رحمة بهذه الأمة ولا شفقة عليها، فإن قلوبا مثل قلوبكم التي تنطوي عليها جوانحكم أقسى من أن ينفذ فيها سيف الضارب، أو قلم الكاتب، وإنما أريد أن أحدث الأمة المصرية بكلمة لا أريد منها أن تأخذها مني عفوا, ولا أن تسلم بها قبل إنعام نظرها فيها، وعرضها على عقلها، فذلك ما لا أحبه لها، بل ذلك ما أنقمه منها.
أيها المصريون، إني لأكتب إليكم كلمتي هذه وليس على وجه الأرض ولا تحت أديم السماء أمة أحب إلي منكم، وحسبكم من ذلك الحب أني أسمع بالكارثة تحل بكم، والنازلة تنال منكم، فيشغلني من أمركم ما لا يشغلني من أمر نفسي، وتجود عيني في سبيلكم بما لا تجود بأكثر منه في أحرج مواقفها، وأصعب مواطنها.
بهذا القلم الذي يستمد مداده من هذا القلب المخلص إليكم أدعوكم إلى الاتحاد والائتلاف وأن تتبايعوا بين يدي الله والوطن على الحب والود والصفاء والإخلاص, وأن لا تجعلوا لهؤلاء المفسدين