الاتحاد:
ألمت بي كربة من تلك الكرب التي لا تزال تختلف إلي كما تختلف إلى المحموم نوباته حينا بعد حين.
كربة ما كفاها أنها حبست قلمي عن الكتابة وفكري عن الحركة حتى حالت بيني وبين مطالعة الصحف والإشراف على الأمة من نوافذها برهة من الزمان، ثم أدركتني رحمة الله فاستفقت فإذا صخب ولجب، وضجيج وضوضاء، وأصوات ملء الفضاء، وكظة الأرض والسماء، فما هو إلا سؤال السائل وإجابة المجيب حتى عرفت كل شيء.
عرفت أن الأمة المصرية في موقف من أحرج مواقفها، ومسلك من أضل مسالكها، وأنها بين ماضغي الأسد وفوق روق الظبي، وأن حوادث الدهر وعاديات الأيام قد ملكت عليها سبيلها والتفت حولها التفاف الحية بالعنق وأحاطت بها إحاطة الجامعة باليد والقيد بالرجل، فمثلها كمثل رجل أحاطت النار ببيته من كل جانب وعلقت بسقوفه وجدرانه، ونوافذه وأبوابه، فما
стр. 282
هو بناج إن أراد نجاء، ولا بباق إن أراد بقاء، بل مثلها كمثل آخر ضل به سبيله، واشتبهت عليه مسالكه، في ليلة داجية مدلهمة قد غابت كواكبها، واستسرت نجومها، فوقف وقفة الحائر المضطرب يسمع العواء والزئير، والفحيح والصفير، فلا يعلم أيقدم فيزداد ضلالا، أم يحجم فلا يجد مجالا، أم يقف فيصبح فريسة المفترس ولقمة المزدرد.
عرفت أن الأمة المصرية أصبحت لا تدري ما تريد، ولا ما يراد بها، ولا تجد من يرد إليها رشدها، ولا من يمد يده إليها، ليأخذ بيدها في هذا الظلام الحالك، والليل المدلهم.
كثر رؤساؤها، وتعددت قادتها، وتنوعت مذاهبهم، واختلفت طرقهم، واستحكمت حلقات البأس بينهم فلم يتفقوا في شأن من شئون هذه الأمة على شيء إلا على وضع حبل متين في عنقها, قد أخذ كل منهم بطرف من طرفيه يجذبه إليه جذبة المستقتل المستميت حتى بح صوتها، وضاق صدرها، وتعلقت أنفاسها، وجحظت مقلتاها، وجف ريقها، وتحجر لسانها، وهم ينظرون إليها نظرة المداعب اللاعب، ولا أحسب أنهم تاركوها حتى يفرقوا بين الرأس والجسد فراقا لا لقاء بينهما من بعده.
стр. 283
لو بعث أرسطو واضع علم المنطق من قبره وأراد أن يضع لهذه الأمة حدا تاما جامعا مانعا لما استطاع إلا أن يضع لها هذا الحد "الأمة المصرية هي التي تصدق كل ما يقال"، ولقد عرف منها كل أولئك اللاعبين بها والعابثين بميولها وأهوائها هذا الخلق وتلك الطبيعة, وكانوا قساة القلوب غلاظ الأكباد فنفذوا من تلك الآذان اللينة إلى تلك القلوب الطيبة, فما بلغوها حتى أخذوا يلعبون بها لعب الصبي بكرته، ويتلقفونها واحدا بعد واحد، فهي لا ترتفع حتى تتناولها الصوالجة، ولا تستقر حتى تدفعها الأقدام، كل يزعم أنه صديقها، وكل يزعم أنه يدلها على عدوها، والله يعلم أنهم أعداؤها قبل الأعداء، وخصومها أكثر من الخصماء، وأن السماء بصواعقها ورجومها، والأرض بزلزالها وبراكينها، أعجز من أن تبلغ منها ما بلغوه، أو تجني عليها ما جنوه.
فيأيها الرؤساء والزعماء: أي خير تطلبون لهذه الأمة بعد أن فرقتموها شيعا، وصيرتموها أحزابا، وقطعتم أوصالها ووشائجها وألقيتم العداوة والبغضاء بين الرجل وولده، والرجل وأخيه، والجار وجاره، والصديق وصديقه، حتى ركب كل فرد من أفرادها رأسه ومضى لسبيله، وحتى تناكرت الوجوه، واستوحشت النفوس، وأصبحت ساحة البلد كساحة الحرب، لا ترى فيها إلا
стр. 284
نابا يقرع نابا، وعينا تنظر شزرا وصدرا يغلي حقدا، وقلبا يخفق خوفا وحذرا.
كل غرض تزعمون أنكم تسعون إليه لإبلاغ هذه الأمة أمنيتها من السعادة والهناء، لا قيمة له بعد ما أضعتم عليها غرضها من الاتحاد والائتلاف، بل لا سبيل لها إلى بلوغ غرض من أغراضها إلا إذا كان الاتحاد قائدها إليه، ودليلها عليه.
ليس هذا التنافر بين أفراد الأمة والتفرق بين جماعاتها حالة من الحالات الطبيعية التي لا بد منها، ولا مناص عنها، أو حادثة من الحوادث السماوية التي تحتملها النفوس، وتسكن إليها القلوب، وتطرف عليها العيون إجلالا للسماء، ورضاء للقضاء، وإنما هي صنعة أيديكم، وجناية أقلامكم، ولو أنكم تركتم هذه الأمة وشأنها، وخليتم بينها وبين فطرتها، ما كان يخطر لها ببال أن تتعادى وأن تتباغض ولا كان يوجد بين أفرادها من تحدثه نفسه بمقاطعة أخيه في سبيل صحيفة من الصحف أو حزب من الأحزاب.
عجز الاختلاف الديني بين عنصري الأمة المصرية عن أن يفرق بين أوصالها، وأن يحل جامعتها، وعجز الاختلاف الجنسي أن يؤثر في جامعتها تأثير أمثاله في أمثالها من الجوامع الأخرى، فكان حريا أن يعجز الاختلاف السياسي، عما عجز عنه الاختلاف
стр. 285
الديني والجنسي، لولا أنكم كبرتم ما صغر من هذا الاختلاف وعظمتم منه ما حقر، وألححتم عليه إلحاحا شديدا حتى حولتموه إلى فتنة شنعاء، وغارة شعواء.
أنا لا أطلب منكم رحمة بهذه الأمة ولا شفقة عليها، فإن قلوبا مثل قلوبكم التي تنطوي عليها جوانحكم أقسى من أن ينفذ فيها سيف الضارب، أو قلم الكاتب، وإنما أريد أن أحدث الأمة المصرية بكلمة لا أريد منها أن تأخذها مني عفوا, ولا أن تسلم بها قبل إنعام نظرها فيها، وعرضها على عقلها، فذلك ما لا أحبه لها، بل ذلك ما أنقمه منها.
أيها المصريون، إني لأكتب إليكم كلمتي هذه وليس على وجه الأرض ولا تحت أديم السماء أمة أحب إلي منكم، وحسبكم من ذلك الحب أني أسمع بالكارثة تحل بكم، والنازلة تنال منكم، فيشغلني من أمركم ما لا يشغلني من أمر نفسي، وتجود عيني في سبيلكم بما لا تجود بأكثر منه في أحرج مواقفها، وأصعب مواطنها.
بهذا القلم الذي يستمد مداده من هذا القلب المخلص إليكم أدعوكم إلى الاتحاد والائتلاف وأن تتبايعوا بين يدي الله والوطن على الحب والود والصفاء والإخلاص, وأن لا تجعلوا لهؤلاء المفسدين
стр. 286
منفذا ينفذون منه إلى قلوبكم، فإن طاف بكم طائف من شياطينهم فأعرضوا عنه وامضوا في سبيلكم، واحذروا أن تكونوا سيقة لرئيس أو لعبة في يد زعيم, وليكن كل منكم زعيم نفسه، ومسترشد قلبه، فنفوسكم أرحم بكم، وقلوبكم أصدق في نصيحتكم، فإن فعلتم ذلك نجوتم من ذل الانقياد، وسلكتم سبيل الرشاد، وأصبحتم وإذا أنتم أمة واحدة ترى رأيا واحدا وتحس إحساسا واحدا.
واعلموا أن ما بينكم اليوم من الاختلاف في الرأي والاضطراب في المذهب إنما هو وهم من الأوهام الكاذبة، وخيال من الخيالات الباطلة، ولو رجعتم إلى أنفسكم وأصغيتم إلى أصوات قلوبكم، لتبين لكم أنه لا يوجد فرد من أفرادكم إلا وهو أحرص من أخيه على حب الوطن وإرادة الخير له.
سدد الله طريقكم، وأنار لكم سبيلكم، وأفاض عليكم من رحمته وإحسانه ما يفرج كربتكم، ويكشف غمتكم والسلام.
стр. 287
النبوغ:
من العجز أن يزدري المرء نفسه فلا يقيم لها وزنا، وأن ينظر إلى من هو فوقه من الناس نظر الحيوان الأعجم إلى الحيوان الناطق، وعندي أن من يخطئ في تقدير قيمته مستعليا، خير ممن يخطئ في تقديرها متدليا، فإن الرجل إذا صغرت نفسه في عين نفسه يأبى لها من أحواله وأطواره إلا ما يشاكل منزلتها عنده، فتراه صغيرا في علمه، صغيرا في أدبه، صغيرا في مروءته وهمته، صغيرا في ميوله وأهوائه، صغيرا في جميع شئونه وأعماله، فإن عظمت نفسه عظم في جانبها كل ما كان صغيرا في جانب النفس الصغيرة.
ولقد سأل أحد الأئمة العظماء ولده وكان نجيبا, أي غاية تطلب في حياتك يا بني، وأي رجل من عظماء الرجال تحب أن تكونه؟ فأجابه: أحب أن أكون مثلك، فقال: ويحك يا بني لقد صغرت نفسك، وسقطت همتك، فلتبك على عقلك البواكي، لقد قدرت لنفسي يا بني في مبدأ نشأتي أن أكون كعلي بن أبي طالب
стр. 288
فما زلت أجد وأكدح حتى بلغت المنزلة التي تراها، وبيني وبين علي ما تعلم من الشأو البعيد والمدى المستحيل، فهل يسرك وقد طلبت منزلتي أن يكون ما بينك وبيني من المدى مثل ما بيني وبين علي.
كثيرا ما يخطئ الناس في التفريق بين التواضع وصغر النفس، وبين الكبر وعلو الهمة، فيحسبون المتذلل المتملق الدنيء متواضعا، ويسمون الرجل إذا ترفع بنفسه عن الدنايا وعرف حقيقة منزلته من المجتمع الإنساني متكبرا، وما التواضع إلا الأدب، ولا الكبر إلا سوء الأدب، فالرجل الذي يلقاك متبسما متهللا، ويقبل عليك بوجهه ويصغي إليك إذا حدثته، ويزورك مهنئا ومعزيا، ليس صغير النفس كما يظنون، بل هو عظيمها؛ لأنه وجد التواضع أليق بعظمة نفسه فتواضع، والأدب أرفع لشأنه فتأدب.
فتى كان عذب الروح لا من غضاضة ... ولكن كبرا أن يقال به كبر
فإن بلغ الذل بالرجل ذي الفضل أن ينكس رأسه للكبراء ويترامى على أيديهم وأقدامهم لثما وتقبيلا، ويتبذل بمخالطة السوقة والغوغاء بلا ضرورة ولا سبب، ويكثر من شتم نفسه
стр. 289
وتحقيرها ورميها بالجهل والغباوة ليكون متواضعا، ويبصبص برأسه بصبصة الكلب بذنبه ليكون متأدبا، ويجلس في مدارج الطرق جلسة البائس المتسول، ويمشي مشية الخائف المبلس، فاعلم أنه صغير النفس ساقط الهمة لا متواضع ولا متأدب.
إن علو الهمة ساقط إذا لم يخالطه كبر يزري به ويدعو صاحبه إلى التنطع وسوء العشرة كان أحسن ذريعة يتذرع بها الإنسان إلى النبوغ في هذه الحياة، وليس في الناس من هو أحوج إلى علو الهمة من طالب العلم؛ لأن حاجة الأمة إلى نبوغه أكثر من حاجتها إلى نبوغ سواه من الصانعين والمحترفين، وهل الصانعون والمحترفون إلا حسنة من حسناته، وأثر من آثاره، بل هو البحر الزاخر الذي تستقي منه الجداول والغدران.
فيا طالب العلم كن عالي الهمة، ولا يكن نظرك في تاريخ عظماء الرجال نظرا يبعث في قلبك الرهبة والهيبة فتتضاءل وتتصاغر كما يفعل الجبان المستطار حينما يسمع قصة من قصص الحروب، أو خرافة من خرافات الجن، وحذار أن يملك اليأس عليك قوتك وشجاعتك فتستسلم استسلام العاجز الضعيف, وتقول من لي بسلم أصعد عليها إلى السماء حتى أصل إلى قبة الفلك فأجالس فيها عظماء الرجال.
стр. 290
يا طالب العلم أنت لا تحتاج في بلوغك الغاية التي بلغها النابغون من قبلك إلى خلق غير خلقك، وجو غير جوك، وسماء وأرض غير سمائك وأرضك، وعقل وأداة غير عقلك وأداتك، ولكنك في حاجة إلى نفس عالية كنفوسهم، وهمة عالية كهممهم، وأمل أوسع من رقعة الأرض وأرحب من صدر الحليم، ولا يقعدن بك عن ذلك ما يهمس به حاسدوك في خلواتهم من وصفك بالوقاحة أو بالسماجة، فنعم الخلق هي إن كانت السبيل إلى بلوغ الغاية، فامض على وجهك ودعهم في غيهم يعمهون.
جناحان عظيمان يطير بهما المتعلم إلى سماء المجد والشرف، علو الهمة، والفهم في العلم، أما علو الهمة فقد عرفته، وأما الفهم في العلم فإليك الكلمة الآتية:
العلم علمان، علم محفوظ وعلم مفهوم، أما العلم المحفوظ فيستوي صاحبه فيه مع الكتاب المرقوم، ولا فرق بين أن تسمع من الحافظ كلمة، أو تقرأ في الكتاب صفحة، فإن أشكل عليك شيء مما تسمع فانظر إن نطق الكتاب بشرح مشكلاته، نطق الحافظ بتفسير كلماته.
الحافظ يحفظ ما يسمع؛ لأنه قوي الذاكرة، وقوة الذاكرة قدر مشترك بين الذكي والغبي والنابه والأبله؛ لأن الحافظة ملكة
стр. 291
مستقلة بنفسها عن بقية الملكات، وإنك لترى الشيخ الفاني الذي لا يميز بين الطفولة والهرم، والذي يبكي على الحلوى بكاء الطفل عليها، ويرتعد فرقا إذا سمع ابنته تخيف طفلها بأسماء الشياطين، يسرد لك من تواريخ شبيبته وكهولته ما لو دونته لكان تاريخا صحيحا ضخما مملوءا بالغرائب والنوادر، وقيل لأحد العلماء إن فلانا حفظ متن البخاري فقال: لقد زادت نسخة في البلد.
ذلك هو السر العظيم في كثرة المتعلمين وقلة العاملين؛ لأن من فهم معلوما من المعلومات حق الفهم أشربته روحه، وخالط لحمه ودمه، ووصل من قلبه إلى سويدائه، وكان إحدى غرائزه لا يرى له بدا من العمل به رضي أم أبى.
لولا أن العلم الديني اليوم علم محفوظ لما وجدت في العلماء من يجمع بين اعتقاد الوحدانية والتردد على أبواب الأحياء والأموات في مزاراتهم أو في مقابرهم يسألهم المعونة والمساعدة على قضاء الله وقدره، ولا وجدت بين الذين يحفظون قوله تعالى ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ من يسند النفع والضرر إلى كل من سال لعابه، وتمزق إهابه، ولا وجدت في الناس كثيرا من ضعفاء العزيمة الذين يحفظون ما ورد على ألسنة النبوة والحكمة من مدح الفضائل وذم الرذائل، ثم لا تجد فرقا بينهم وبين العامة
стр. 292
في ارتكاب المنكرات، والنفور من الصالحات.
لو كان العلم المحفوظ علما وهو على ما نشاهد ونعلم من سوء الأثر وقلة الجدوى ما ورد مدح العلم في كتاب ولا سنة ولا قدسه كاتب أو ترنم بمدحه شاعر، فإذا سمعت ذكر العلم فاعلم أنه العلم المفهوم لا المحفوظ، وإذا أردت أن تلقب بالعالم فلا تلقب به من يحفظ بل من يفهم ما يحفظ، وآية فهم المعلوم تأثر العالم به, وظهوره في حركاته وسكناته وترقرقه في شمائله ترقرق الصهباء في وجه شاربها، ولا تثق بالحافظ فيما ينقل إليك فربما مر بالمعلوم محرقا فأخذه على علاته، وأقبح ما عرفنا من أطواره أنه يجمع في حافظته بين النقيض ونقيضه، والغث والثمين، والجيد والزائف, فكأن ذاكرته حانوت عطار اختلطت فيها الأدوية الشافية بالعقاقير السامة.
وجملة الأمر أن الحافظ البحت لا رأي له في مبحث فيسأل عن مذهب، ولا أثر لمعلوماته في نفسه فيقتدى به، ولا ذوق له في الفهم فيعتمد على شرحه وتأويله.
أما العلم المفهوم فهو الواسطة التي إذا جمع المتعلم بينها وبين علو الهمة طار إلى المجد بجناحين، وكان له سبيل مختصر إلى منزلة العظماء ودرجة النابغين، والعلم سلسلة طويلة طرفاها في يدي آدم
стр. 293
أبي البشر وإسرافيل صاحب الصور١، ومسائله حلقات يصنع كل نابغة من نوابغ العلماء منها حلقة، ولن يبلغ المتعلم درجة النبوغ إلا إذا وضع في العلم الذي مارسه مسألة، أو كشف حقيقة، أو أصلح هفوة، أو اخترع طريقة، ولن يسلس له ذلك إلا إذا كان علمه مفهوما لا محفوظا، ولا يكون مفهوما إلا إذا أخلص المتعلم إليه، وتعبد له، وأنس به أنس العاشق بمعشوقه، ولم ينظر إليه نظر التاجر لسلعته، والمحترف إلى حرفته، فالتاجر يجمع من السلع ما ينفق سوقه، لا ما يغلو جوهره، والمحترف لا يهمه من حرفته إلا لقمة الخبز وجرعة الماء، أحسن أم أساء.
لا يزور العلم قلبا مشغولا بترقب المناصب، وحساب الرواتب، وسوق الآمال وراء الأموال، كما لا يزور قلبا مقسما بين تصفيف الطرة، وصقل الغرة، وحسن القوام، وجمال الهندام، وطول الهيام، بالكأسين: كأس المدام، وكأس الغرام.
стр. 294
البائسات:
زرت منذ أيام حاكم بلدة في منزله فرأيت بين يديه فتاة في الثانية عشرة من عمرها بائسة عليلة تشكو ألما في عنقها، وجرحا في ذراعها، وهما في نفسها، وتدير في الحاضرين عيونا حائرة مضطربة كأنما ركبت على زئبق رجراج، فسألت ما شأنها فعلمت أن أهلها زوجوها وهي في هذه السن وعلى هذه السذاجة من رجل وحشي الخَلق والخُلق, ثم زفوها إليه فحاول أن يفترشها وهي على حالة لا تستطيع معها أن تلم بفراش فامتنعت عليه فأراد اغتصابها فعجز, فضربها هذا الضرب الذي رأينا آثاره في جسمها ففرت منه إلى منزل أهلها فنقموا منها هذا الإباء الذي سموه بلادة أو غفلة, وأعادوها إلى منزل زوجها كما يعاد المجرم الفار من السجن إلى سجنه مرة أخرى، وهنالك عاد زوجها إلى عادته معها فعادت هي إلى فرارها فعاد أهلها إلى قسوتهم وجبروتهم، فلما أعياها الأمر خرجت إلى الطريق العامة هائمة على وجهها لا تعرف لها مذهبا ولا مستقرا حتى رفع إلى ذلك الحاكم شأنها بعد أيام
стр. 295
فآواها إلى منزله ليخلصها من ذلك الموقف الذي كانت فيه بين ذراعي وجبهة الأسد، وما فرغ من هذه القصة حتى رفعت إليه حادثة أخرى تشبه الحادثة الأولى من جميع وجوهها إلا أن الزوج في هذه المرة خدع زوجه عن نفسها وسقاها مخدرا فعقرها كما عقر شقي ثمود ناقته من قبل.
إن المرأة المصرية شقية بائسة ولا سبب لشقائها وبؤسها إلا جهلها وضعف مداركها.
إنها لا تحسن عملا ولا تعرف باب مرتزق ولا تجد بين يديها سلعة تتجر بها وتقتات منها إلا قلب رجل، فإن استطاعت أن تمتلكه عاشت عيشا رغدا، أو لا فلا مفر لها من الشقاء من المهد إلى اللحد.
ودون امتلاكها هذا القلب القاسي المتحجر أهوال عظام وعقبات لو كلف الرجل على ما به من قوة وأيد وسعة حيلة أن يجتاز عقبة واحدة منها لسقط بين اليأس والاستسلام.
متى بلغت الفتاة سن الزواج سواء أكان ذلك على تقدير الطبيعة أو تقدير أولئك الجهلاء أولياء أمر تينك الفتاتين استثقل أهلها ظلها وبرموا بها وحاسبوها على المضغة والجرعة، والقومة والقعدة، ورأوا أنها عالة عليهم، وأن لا حق لها في العيش في
стр. 296
منزل لا يستفيد من عملها شيئا، وودوا لو طلع عليهم وجه الخاطب يحمل في جبينه آية البشرى بالخلاص منها.
وإن قوما هذا مبلغ عقولهم من الفهم وقلوبهم من القسوة وهذه منزلة فلذات أكبادهم من نفوسهم لا يمكن بحال من الأحوال أن يفاوضوها في اختيار الزوج أو يحسنوا الاختيار لها.
فإن دخلت هذا المنزل الجديد الذي لا تعرفه ولا تعرف شأنا من شئون صاحبه دخلت في دور الجهاد العظيم بينها وبين قلب الرجل.
فإن كانت ذات جمال أو مال فقد استوثقت لنفسها, وأمنت آلام الهجر وفجائع التطليق، وإلا فهي تقاسي كل صباح ومساء في الحصول على الحسن المجلوب، والجمال المصنوع، آلاما جثمانية تطفئ نور شبيبتها, وتذبل زهرة حياتها، وتلاقي في سبيل مصانعة الزوج ومداراته والبكاء في موضع الابتسام إن ابتسم، والابتسام في موضع البكاء إن بكى، ما يجعل أخلاقها فضاء مملوءا بالكذب والكيد، والخبث والرياء، وهي على ذلك تنتظر من فم زوجها في كل ساعة كلمة الطلاق، كما ينتظر القاتل من فم قاضيه كلمة الإعدام.
ليست كلمة الإعدام من قبيل الاستعمال المجازي فما أنس
стр. 297
لا أنسى ليلة زرت فيها صديقا لي فرأيت عند باب منزله امرأة بائسة ليس وراء ما بها من الهم غاية، وكأنما هي الخلال رقة وذبولا، ووراءها صبية ثلاث يدورون حولها، ويجاذبونها طرف ردائها، فتسبل فضل مئزرها على مآقيها المقرحة رأفة بهم أن يلموا ببعض شأنها فيبكوا لبكائها، فسألتها عن شأنها فأخبرتني أنها مطلقة من زوجها, وأن بيدها حكما من المحكمة الشرعية بالنفقة لأولادها وقد مر عليها زمن طويل و"الإدارة" تماطلها في إنفاذه، فجاءت إلى هذا الصديق تستعين به على أمرها، ثم أخذت تشرح من حالها وحال أطفالها في مقاساة الشدة ومعالجة القوت، ما أسال شئوننا، وصعد زفراتنا، وأمسكنا له أكبادنا خشية أن تصدعا.
فخففت أنا وصديقي شيئا من آلامها فانصرفت، وفي صباح تلك الليلة سمعنا أن امرأة فقيرة ماتت بحمى دماغية فسألنا عنها فعلمنا أنها صاحبتنا بالأمس, وأنها ماتت شهيدة الزوجية الفاسدة.
أيها الرجل، إن كنت تعتقد أن المرأة إنسان مثلك وهبها الله مدارك مثل مداركك، واستعدادا مثل استعدادك، فعلمها كيف تأكل لقمتها من حرفة غير هذه الحرفة النكدة، وإلا فأحسن إليها وارحمها كما ترحم كلبك وشاتك.
стр. 298
إن كنت زوجا فلا تطردها من منزلك بعد أن تقضي مأربك منها كما تصنع بنعلك التي تلبسها، وإن كنت أبا فهذه فلذة كبدك لا تضق بها ذرعا ولا تلق بها في حجر وحش ضار يأكل لحمها، ويمتص دمها، ثم يلقي إليك بعظامها.
ويا أيها المحسنون، والله لا أعرف لكم بابا في الإحسان تنفذون منه إلى عفو الله ورحمته أوسع من باب الإحسان إلى المرأة.
افتحوا لها المكاتب، وابنوا لها المدارس, وعلموها من العلم ما يرفع همتها، ويرقي آدابها، ومن الصناعة ما يناسب قوتها, وما يشبع جوعتها، إن نبا بها دهر، أو تجهم لها حظ.
علموها لتجعلوا منها مدرسة يتعلم فيها أولادكم قبل المدرسة، وأدبوها ليتربى في حجرها المستقبل العظيم، للوطن الكريم.
стр. 299
البيان:
قال لي أحد الرؤساء ذات يوم: "إني لتأتيني أحيانا رقاع الاستعطاف فأكاد أهملها لما تشتمل عليه من الأساليب المنفرة لولا أن الله تعالى يلهمني نيات كاتبيها وأين يذهبون، ولولا ذلك لكنت من الظالمين".
ذلك ما يراه القارئ في كثير من المخطوطات التي يخطها اليوم كاتبوها في الصحف ورقاع الشكوى والكتب الخاصة والمؤلفات العامة.
هزل في موضع الجد، وجد في موضع الهزل، وإسهاب في مكان الإيجاز، وإيجاز في مكان الإسهاب، وجهل بفرق ما بين العتاب والتأنيب، والانتقام والتأديب، والاستعطاف والاستخفاف، وقصور عن إدراك منازل الخطاب ومواقفه بين السوقة والأمراء، والعلماء والجهلاء، حتى إن الكاتب ليقيم في الشوكة يشاكها، مناحة لا يقيمها في الفاجعة يفجع بها، ويكتب في الحوادث الصغار، ما يعجز عن كتابة مثله في الحوادث
стр. 300
الكبار، ويخاطب صديقه بما يخاطب به عدوه، ويناجي أجيره، بمثل ما يناجي به أميره.
ذهب الناس في معنى البيان مذاهب متفرقة واختلفوا في شأنه اختلافا كثيرا ولا أدري علام يختلفون، وأين يذهبون، وهذا لفظه دال على معناه دلالة واضحة لا تشتبه وجوهها، ولا تتشعب مسالكها.
ليس البيان إلا الإبانة عن المعنى القائم في النفس وتصويره في نظر القارئ أو مسمع السامع تصويرا صحيحا لا يتجاوزه ولا يقصر عنه، فإن علقت به آفة من تينك الآفتين فهو العي والحصر.
جهل البيان قوم فظنوا أنه الاستكثار من غريب اللغة ونادر الأساليب فأغصوا بها صدور كتاباتهم وحشوها في حلوقها حشوا يقبض أوداجها ويحبس أنفاسها، فإذا قدر لك أن تقرأها وكنت ممن وهبهم الله صدرا رحبا، وفؤاد جلدا، وجنانا يحتمل ما حمل عليه من آفات الدهر ورزاياه، قرأت متنا مشوشا من متون اللغة، أو كتابا مضطربا من كتب المترادفات.
وجهله آخرون فظنوا أنه الهذر في القول والتبسط في الحديث واقعا ذلك من حال الكلام ومقتضاه حيث وقع، فلا يزالون يجترون بالكلمة اجترار الناقة بجرتها، ويتمطقون بها
стр. 301
تمطق الشفاه بريقتها، حتى تسف، وتتبذل، وحتى ما تكاد تسيغها الحلوق، ولا تطرف عليها العيون، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
يخيل إلي أن الكتاب في هذا العصر يكتبون لأنفسهم أكثر مما يكتبون للناس، وأن كتابتهم أشبه شيء بالأحاديث النفسية التي تتلجلج من نفس الإنسان حينما يخلو بنفسه، ويأنس بوحدته، فإني لا أكاد أرى بينهم من يضع فمه على أذن السامع وضعا محكما، وينفث في روعه ما يريد أن ينفث من خواطر قلبه، وهواجس نفسه.
البيان صلة بين متكلم يفهم، وسامع يفهم، فبمقدار تلك الصلة من القوة والضعف تكون منزلة الكاتب من الرفعة والسقوط، فإن أردت أن تكون كاتبا فاجعل هذه القاعدة في البيان قاعدتك، واحرص الحرص كله على أن لا يخدعك عنها خادع فتسقط مع الساقطين.
ما أصيب البيان العربي بما أصيب به إلا من ناحية الجهل بأساليب اللغة العربية، ولا أدري كيف يستطيع الكاتب أن يكون كاتبا عربيا قبل أن يطلع على أساليب العرب في أوصافهم ونعوتهم، ومدحهم وهجوهم، ومحاوراتهم ومساجلاتهم، وقبل
стр. 302
أن يعرف كيف كانوا يعاتبون ويؤنبون، ويعظون وينصحون، ويتغزلون وينسبون، ويستعطفون ويسترحمون، وبأي لغة يحاول أن يكتب ما يريد إن لم يستمد تلك الروح العربية استمدادا يملأ ما بين جوانحه حتى يتدفق مع المداد من أنبوب يراعه على صفحات قرطاسه.
إني لأقرأ ما كتبه الجاحظ وابن المقفع والصاحب الصابي والهمذاني والخارزمي وأمثالهم من كتاب العربية الأولى, ثم أقرأ ما خطه هؤلاء الكاتبون في هذه الصحف والأسفار فأشعر بما يشعر به المنتقل دفعة واحدة من غرفة محكمة نوافذها، مسبلة ستورها، إلى جو يسيل قرا وصرا، ويترقرق ثلجا وبردا.
ذلك لأني أقرأ لغة لا هي بالعربية فأغتبط بها، ولا هي بالعامية فأتفكه بهذيانها ومجونها.
رأيت أكثر الكاتبين في هذا العصر بين رجلين، رجل يستمد روح كتابته من مطالعة الصحف وما يشاكلها في أساليبها من المؤلفات الحديثة والروايات المترجمة، وربما كان كتاب تلك المخطوطات أحوج من قارئيها إلى الاستمداد، فإذا علقت بنفسه تلك الملكة الصحفية ألقى بها في روع قارئ كتابته أدون مما أخذها فيدلي به آخذها كذلك إلى غيره أسمج صورة وأكثر
стр. 303
تشويها، وهكذا حتى لا يبقى فيها من روح العربية إلا كما يبقى من الأطلال البالية بعد كر الغداة ومر العشي، وطالب قصارى ما يأخذ عن أستاذه نحو اللغة وصرفها وبديعها وبيانها ورسمها وإملاؤها ومفرداتها ومتونها ومؤتلفاتها ومختلفاتها وغير ذلك من آلاتها وأدواتها، أما روحها وجوهرها فأكثر أساتذة البيان في المدارس علماء غير أدباء، وحاجة طالب اللغة إلى أستاذ يفيض عليه روح اللغة ويوحي له بسرها، ويفضي إليه بلبها وجوهرها، أكثر من حاجته إلى أستاذ يعلمه وسائلها وآلاتها، وعندي أن لا فرق بين أستاذ الأخلاق وأستاذ البيان، فكما أن طالب الأخلاق لا يستفيدها إلا من أستاذ كملت أخلاقه، وحسنت آدابه، كذلك طالب البيان لا يستفيده إلا من أستاذ مبين.
ولا يقذفن في روع القارئ أني أحاول استلاب فضل الفاضلين أو أني أنكر على فصحاء هذه اللغة ما وهبهم الله من نعمة البيان، فما هذا أردت، ولا إليه ذهبت، وإنما أقول إن عشرة من الكتاب المجيدين، وخمسة من الشعراء البارعين، قليل في بلد يقولون عنه إنه بلد اللغة العربية اليوم ومرعاها الخصيب.
стр. 304
وبعد فإني لا أرى لك يا طالب البيان العربي سبيلا إليه إلا مزاولة المنشئات العربية منثورها ومنظومها, والوقوف بها وقوف المتثبت المتفهم لا وقوف المتنزه المتفرج، فإن رأيت أنك قد شغفت بها، وكلفت بمعاودتها والاختلاف إليها، وأن قد لذ لك منها ما يلذ للعاشق من زورة الطيف في غرة الظلام، فاعلم أنك قد أخذت من البيان بنصيب فامض لشأنك ولا تلو على شيء مما رواءك حتى تبلغ من طلبتك ما تريد.
ولا تحدثنك نفسك أني أحملك على مطالعة المنشئات العربية لأسلوب تسترقه، أو تركيب تختلسه، فإني لا أحب أن تكون سارقا ولا مختلسا، على أنك إن ذهبت إلى ما ظننت أني أذهب إليه في نصيحتك لم يكن دركك دركا، ولا بيانك بيانا، وكان كل ما أفدته١ من ذلك أن تخرج للناس من الباين صورة مشوهة لا تناسب بين أجزائها، وبردة مرقعة لا تشابه بين ألوانها، وإنما أريد أن تحصل لنفسك ملكة في البيان راسخة تصدر عنها آثارها بصورة واحدة حتى لا يكون شأنك شأن أولئك الذين قد علقت ذاكرتهم بطائفة من منثور العرب ومنظومها فقنعوا بها, وظنوا أنهم قد بلغوا من اللغة ما أرادوا،
стр. 305
فإذا جد الجد وأرادوا أنفسهم على الإفصاح عن شيء من خلجات نفوسهم رجعوا إلى تلك المحفوظات ونبشوا دفائنها، فإن وجدوا بينها ما يدل على المعنى الذي يريدونه انتزعوه من مكانه انتزاعا، وحشروه في كتابتهم حشرا، وإلا فإما أن يتبذلوا باستعمال التراكيب الساقطة المشنوعة، أو يهجروا تلك المعاني إلى أخرى غيرها لا علاقة بينها وبين سابقاتها ولاحقاتها، فهم لا بد لهم من إحدى السوأتين، إما فساد المعاني واضطرابها، أو هجنة التراكيب وبشاعتها.
فاحذر أن تكون واحدا منهم أو أن تصدق ما يقولونه في تلمس العذر لأنفسهم من أن اللغة العربية أضيق من أن تتسع لجميع المعاني المستحدثة، وأنهم ما لجئوا إلى التبذل في التراكيب إلا لاستحالة الترفع فيها، فاللغة العربية أرحب صدرا من أن تضيق بهذه المعاني العامة المطروقة بعدما وسعت من دقائق العلوم ما لا قبل لغيرها باحتماله وقدرت من هواجس الصدور وأحاديث النفوس وسرائر القلوب على الذي عيت به اللغات القادرات.
وليس الشأن في عجز اللغة وضيقها وإنما الشأن في عجز المشتغلين بها عن الاضطراب في أرجائها، والتغلغل في أثنائها، واقتناعهم من بحرها بهذه البلة التي لا تثلج صدرا، ولا تشفي أواما
стр. 306
وكل ما يعد عليها من الذنوب أنها لا تشتمل على أعلام لهذه الهنات المستحدثة, وهو في مذهبي أقل الذنوب جرما، وأضعفها شأنا، ما دمنا نعرف وجه الحيلة في علاجه بالاشتقاق إن وجدنا السبيل إليه، أو التعريب والوضع إن عجزنا عن الاشتقاق، فالأمر أهون من أن نحار فيه، وأصغر من أن نقضي أعمارنا في الوقوف ببابه، والأخذ والرد في شأنه، والمساجلة والمناظرة في اختيار أقرب الطرق إليه، وأجداها عليه.
واعلم أنه لا بد لك من حسن الاختيار فيما تريد أن تزاوله من المنشئات العربية فليس كل متقدم ينفعك، ولا كل متأخر يضرك، ولا أحسبك إلا واقفا بين يدي هذا الأمر موقف الحيرة والاضطراب؛ لأن حسن الاختيار طلبة تتعثر بين يديها الآمال، وتقطع دونها أعناق الرجال، فالجأ في ذلك إلى فطاحل الأدباء الذين تعرف ويعرف الناس منهم ذوقا سليما، وقريحة صافية، وملكة في الأدب، كأنها مصفاة الذهب، فإن فعلت وكنت ممن وهبهم الله ذكاء وفطنة وقريحة خصبة لينة صالحة لنماء ما يلقى فيها من البذور الطيبة عدت وبين جنبيك ملكة في البيان زاهرة يتناثر منها منثور الأدب ومنظومه تناثر الورود والأنوار، من حديقة الأزهار.
стр. 307
السريرة:
لو كشف للإنسان عن سريرة الإنسان لرأى منها ما يرى من غرائب هذا الكون وعجائبه أعمى أدركته رحمة الله بعد طول محنته فارتد بصيرا.
تتراءى لك السريرة في ظاهرها كأنها أديم السماء، أو صفحة الماء، فإن بدا لك أن تكتنه باطنها فإنك غير بالغ من ذلك مأربك إلا إذا استطعت أن تخترق السماء فترى ما وراءها من بدائع الكائنات، وتغوص في أعماق الماء فتشاهد ما في باطنه من عجائب المخلوقات.
يعجز المرء عن رؤية الهباء فيتريث ريثما تمج الشمس لعابها من نافذة غرفته فإذا هو مائج وضاء يروح ويغدو رواح السانحات، وغدو البارحات، ويعجز عن رؤية الجراثيم فيستعين عليها بمنظار يصورها في نظره تصويرا يخيل إليه أنه يكاد يلمسها بيمينه، ويعجز عن اكتناه السريرة فلا يجد إلى الوصول إليها سبيلا.
وقف آدم أمام باب السريرة يوم الشجرة يعالج فتحه فاستعصى
стр. 308
عليه، ثم وقف بنوه من بعده موقفه فعجزوا عجزه، فلج بهم الشوق إليها لجاجا طار بعقولهم، وذهب بألبابهم، فتراموا على أقدام المنجمين والعرافين لثما وتقبيلا، وابتدروا النصب والتماثيل ركوعا وسجودا، وهاموا بزاجرات الطير والضوارب بالحصى هيام الإبل العطاش بمنازل الماء يطلبون ما وراء السريرة, والسريرة كنز مرصود لا تنجع فيه النفثات، ولا تجدي معه العزائم والرقي.
إنك لترى الرجل يتلألأ جبينه تلألؤ الكوكب في جنح ليل مبرد، ويفتر ثغره عن الأنوار، افترار الأكمام عن الأزهار، فتحسده على نعمته وسعادته، وتتمنى أن لو منحك الله ما منحه من هناء ورغد، وإن بين جنبيه لو تعلم هما يعتلج، وقلبا يدب فيه اليأس دبيب الآجال في الأعمار، وكبدا مقروحة لو عرضها في سوق الهموم والأحزان، ما وجد من يبتاعها منه بأبخس الأثمان.
وإنك لترى الصديق فيعجبك منه حديثه الحلو وثغره المبتسم، ويروقك من وده كلفه بك، وإعظامه لك، وإعجابه بشمائلك ومحاسنك، وتشيعه لآرائك ومذاهبك، ولو كشف لك من نفسه ما كشف له منها لوددت أن لو استطعت أن تبتاع أقدام السليك١ بجميع ما تملك يمينك ففرت من وجهه فرارك
стр. 309
من وجه الأسود السالخ١ ووددت بجدع الأنف أن لا يصافح وجهك وجهه من بعدها حتى في جنة النعيم.
لولا ما أسدل الله دون السرائر من الحجب لبدلت الأرض غير الأرض، وكان للكون نظام غير هذا النظام، وللتاريخ صفحات غير هذه الصفحات.
لو علم الجند أنهم لا يحاربون إلا ليضعوا "نيشانا" في صدر القائد، أو جوهرة في تاج الملك، وأنهم كثيرا ما يكونون مخدوعين في وقائعهم ومواقفهم بأشراك الوطنية وحبائل الدين، لما دالت الدول ولا انتقلت التيجان، ولضعف ظهر الأرض عن حمل ما فوقه من بني الإنسان، ولو علم جهلة المتدينين أن رؤساء الأديان كثيرا ما يشترون عقولهم وأموالهم بالقليل التافة من هذه المدهشات الدينية، والأحلام النفسانية، ويملئون قلوبهم بالمخاوف والمزعجات ليبيعوهم الأمن والسلامة بثمن غال لضعفت أصوات النواقيس، وقصرت قامات المنائر، ولهلك أرباب الطيالس والقلانس جوعا وسغبا، ولأصبحت حبات السبح أكسد في سوق الأديان من بعر النوق في سوق الأنعام، ولو علم الابن أن أباه يحبه لما يرجوه من منفعته في شيخوخته، وأنه لا يعجب إلا
стр. 310
بنفسه في إعجابه وثنائه عليه، ولا يفخر إلا بقوة عقله وحسن تدبيره في فخره بذكائه ونبوغه، لضعفت صلة الود بينه وبينه، ولما كانت بين حلقات الأنساب هذه الوشائج وتلك الأواصر، ولو علمت الزوجة أن زوجها يحب منها جسمها أكثر مما يحب نفسها، وأنه يتربص بها الدوائر ويعد ليومها الساعات والأيام، لما وثقت بوده، ولا اطمأنت لعهده، ولما كان للمنازل سقوف تظل الأسرة والمهاد.
стр. 311
زيد وعمرو:
أراد داود باشا أحد الوزراء السالفين في الدولة العثمانية أن يتعلم اللغة العربية فأحضر أحد علمائها, وأنشأ يتلقى عليه دروسها عهدا طويلا فكانت نتيجة علمه ما ستراه.
سأل شيخه يوما ما الذي جناه عمرو من الذنوب حتى استحق أن يضربه زيد كل يوم ويقتله تقتيلا ويبرح به هذا التبريح المؤلم, وهل بلغ عمرو من الذل والعجز منزلة من يضعف عن الانتقام لنفسه، وضرب ضاربه ضربة تقضي عليه القضاء الأخير؟
سأل شيخه هذا السؤال وهو يتحرق غيظا وحنقا ويضرب الأرض بقدميه, فأجابه الشيخ: ليس هناك ضارب ولا مضروب، وإنما هي أمثلة يأتي بها النحاة لتقريب القواعد من أذهان المتعلمين، فلم يعجبه هذا الجواب, وأكبر أن يعجز مثل هذا الشيخ عن معرفة الحقيقة في هذه القضية فغضب عليه وأمر بسجنه، ثم أرسل إلى نحوي آخر فسأله كما سأل الأول فأجابه بنحو جوابه فسجنه كذلك، ثم ما زال يأتي بهم واحدا بعد واحد حتى امتلأت
стр. 312
السجون وأقفرت المدارس وأصبحت هذه القضية المشئومة الشغل الشاغل له عن جميع قضايا الدولة ومصالحها، ثم بدا له أن يستوفد علماء بغداد فأمر بإحضارهم فحضروا وقد علموا قبل الوصول إليه ماذا يراد بهم، وكان رئيس هؤلاء العلماء بمكانة من الفضل والحذق والبصر بموارد الأمور ومصادرها، فلما اجتمعوا في حضرة الوزير أعاد عليهم ذلك السؤال بعينه, فأجابه الرئيس: إن الجناية التي جناها عمرو يا مولاي يستحق أن ينال لأجلها من العقوبة أكثر مما نال، فانبسطت نفسه قليلا وبرقت أسارير وجهه, وأقبل على محدثه يسأله: ما هي جنايته؟ فقال له: إنه هجم على اسم مولانا الوزير واغتصب منه الواو فسلط النحويون عليه زيدا يضربه كل يوم جزاء وقاحته وفضوله "يشير إلى زيادة واو عمرو وإسقاط الواو الثانية من داود في الرسم" فأعجب الوزير بهذا الجواب كل الإعجاب، وقال لرئيس العلماء: أنت أعلم من أقلته الغبراء، وأظلته الخضراء، فاقترح علي ما تشاء، فلم يقترح عليه سوى إطلاق سبيل العلماء المسجونين، فأمر بإطلاقهم وأنعم عليهم وعلى علماء بغداد بالجوائز والصلات.
أحسن داود باشا في الأولى وأساء في الأخرى، ولو كنت مكانه لما أطلقت سبيل هؤلاء النحاة من سجنهم حتى آخذ عليهم
стр. 313
عهدا وثيقا أن يتركوا هذه الأمثلة البالية إلى أمثلة جديدة مستطرفة تؤنس نفوس المتعلمين وتذهب بوحشتهم وتحول بينهم وبين النفور من منظر هذه الحوادث الدموية بين زيد وعمرو، وخالد وبكر.
لا ينال المتعلم حظه من العلم إلا إذا استطاع تطبيقه على العمل والانتفاع به في مواضعه ومواطنه التي وضع لأجلها، ولن يستطيع ذلك إلا إذا استكثر له معلمه من الأمثلة والشواهد الملائمة لقواعد ذلك العلم, وافتن له في إيرادها افتنانا يقرب إلى ذهنه تلك الصلة بين العلم والعمل ويسهل له الوصول إلى القدرة على تلك المطابقة، وإن أكثر المتعلمين في مدرسة الأزهر أبعد الناس عن القدرة على المطابقة لما حال بينهم وبين ذلك من الوقوف عند المثل الواحد لكل قاعدة من قواعد العلم، فلو أنك أردت أحدهم على أن يخرج في المنطق عن الحيوانية والناطقية، وفي النحو عن ضرب زيد عمرا وقتل خالد بكرا، وفي البيان عن تشبيه زيد بالبدر واستعارة الأظافر للمنية، وفي الصرف عن فعلل وافعوعل، لوجدت في نفسه من الجهد والمشقة وفي لسانه من العي والحصر ما يحزنك على أعوام طوال قضاها بين المحابر والدفاتر، ثم لم يحصل من بعدها على طائل.
стр. 314
علام يتعلم الطالب النحو والصرف إن عجز عن أن يقرأ صحيحا في كل كتاب وكل صحيفة، وعلام يتعلم علوم البلاغة إن عجز عن معرفة أسرار الكلام وأوجه بلاغته وفهم المراد من مختلفات أساليبه وعن البيان بيانا فصيحا يضمنه ما يشاء من أغراضه ومقاصده، وعلام يتعلم المنطق إن عجز عن التمييز بين فاسد القضايا وصحيحها في كل مناحيه ومذاهبه، وإن لم يكن الموضوع الإنسان، ولا المحمول الحيوان الناطق.
عجيب جدا أن يفهم الصانع الأمي أن العلم للعمل فلا يتعلم النجارة إلا ليصنع الأبواب والصناديق، والحدادة إلا ليصنع الأقفال والمفاتيح، وأن يجهل المتعلم هذه القضية الضرورية, فلا يهمه من العلم إلا الاستكثار من المعلومات والقواعد, وإن عجز بعد ذلك عن التصرف فيها، والانتفاع بها في مواطنها.
ما دامت مدرسة الأزهر على هذه الحال من أسلوب التعليم العقيم فليس بمقدور لها في مستقبل الأيام أن ينبغ منها العلماء الذين تستطيع أن تنتفع بهم الأمة انتفاع أمثالها بأمثالهم في مشارق الأرض ومغاربها، فويل للعلم من العلماء.
стр. 315
أبو الشمقمق ١:
إن كثيرا من الفقراء لم تمتد يد الفقر إلى رءوسهم، كما امتدت إلى جيوبهم، فهم يدركون كما يدرك الأغنياء، ويفهمون كما يفهمون، وكما أن في أغنياء الجيوب فقراء الرءوس، كذلك في فقراء الجيوب أغنياء الرءوس.
ولقد جلست في منزلي صبيحة يوم مع قوم من الماديين المستهترين الذين ملأ المال فراغ أذهانهم حتى أنساهم كل شيء وأنساهم أنفسهم قبل ذلك، فأخذوا يتجاذبون أسلاك الأحاديث الذهبية ما بين تاجر يعجب بصفقته الرابحة، وزارع يفخر بقلة ما أعطى وكثرة ما أخذ، وآخر يعلل نفسه بكثرة الغلات وارتفاع الأسعار، والكل متفقون على أن السعادة التي أظلتهم أجنحتها في هذا العهد الأخير عهد العدل عهد الحرية والمساواة عهد الترقي والعمران, هي أشبه شيء بسعادة المتقين في جنات النعيم.
كل هذا وأبو الشمقمق جالس ناحية يخزر طرفه، ويهز
стр. 316
رأسه، ويصعد أنفاسه، ويمضغ أضراسه، ويئن من قلبه أنينا خفيا يكاد يسمع فيه السامع قول الشاعر:
فيالك بحرا لم أجد فيه مشربا ... على أن غيري واجد فيه مسبحا
فما هو إلا أن قضوا لبانتهم من الكلام المملول والحديث المعاد حتى قاموا يطيرون مع الآمال، وراء الأموال، فأشرت إلى أبي الشمقمق أن يتخلف ففعل فسألته: ما لك لم تشترك معنا فيما كنا فيه؟ فأجاب: إني أكره الفضول في الحديث, وقد فرق المقدار بيني وبينكم في المال، فلا أشترك معكم في المقال، فقلت: ألا يعجبك يا أبا الشمقمق حديث النهضة الحديثة التي نهضتها الأمة المصرية في العهد الأخير, وأنت فرد من أفرادها، وجزء من أجزاء جسمها، فنهوضها نهوضك وسقوطها سقوطك، والأمة كما تعلم هي الفرد المكرر والواحد الدائر، فأنت الأمة والأمة أنت، فقال: والله لا أدري هل تكلمني بلسان الصوفية ولست بصوفي، أم بلغة الفلاسفة ولا أفهم للفلسفة معنى، وكأنك تقصدني بالفرد المكرر والواحد الدائر، فإن كنت تريد أني فرد مكرر كثير الأشباه والأمثال في العوز والفاقة، وواحد لا سند لي ولا عضد، ودائر في مدارج الطرق ومعابر السبل، فقد أصبت وأحسنت، وإن كنت تريد معنى غير ذلك، فأنا
стр. 317
لا أفهم إلا كذلك، فهل لك أن تعفيني من هذه المعميات, وتزن كلامك على قدر عقلي وتحدثني فيما يتناوله سمعي وبصري. فقلت: أنا لم أخرج بك عن المألوف المعروف، ولا أريد إلا أن الأمة ليست في الخارج شيئا غير أفرادها فإذا سعدت أو شقيت فالسعداء والأشقياء أبناؤها، وحسبك أن ترى تقدم الأمة المصرية في ثروتها وعمرانها، وبذخها وترفها، وكثرة ناطقها وصامتها، فتسعد بسعادتها وتسر بسرورها، فقال: إن لم تبين لي سهمي من هذه السعادة ونصيبي من ذلك الارتقاء فلا أصدق سعادة ولا أتصور ارتقاء، وما دمت أرى أن لي هوية مستقلة من هوية سواي من السعداء، ويدا تقصر عما يتناولونه، وبطنا لا يمتلئ بما تمتلئ به بطونهم، وما دمت لا أرى واحدا بينهم يلبس معي ردائي الممزق، وقميصي المخرق، ويقاسمني همي، ويشاطرني فقري، فهيهات أن أسعد بسعادتهم، وأسر بسرورهم، وهيهات أن أفهم معنى قولك: أنت الأمة والأمة أنت، فقلت: إن الغيث إذا نزل يسقي الخصيب والجديب، والنجد والوهد، وينتظم من الأرض الميت والحي، فقال: كل سماء فيها هذا الغيث إلا سماء مصر، فإني أراه؛
كبدر أضاء الأرض شرقا ومغربا ... وموضع رجلي منه أسود مظلم
стр. 318
ما لي وللروض الذي لا أستنشق روحه وريحانه، والقصر الذي لا أدخله مالكا ولا زائرا، وهب أن الطرق مفروشة بالحرير والديباج لا بالحصى والمدر فهل أبقى لي الدهر من حاسة اللمس شيئا فأميز بين خشن الملمس وناعمه، ومعوج الأرض ومستقيمها، وهبني إذا مشيت خضت في بحر مائج بأنوار الكهرباء فهل يغني ذلك عني شيئا، وهل يكون نصيبي منه إلا انكشاف سوءتي ورثاثتي لأعين الناظرين، ولقد حبب إلي الظلام حتى تمنيت دوامه لألبس من ثوبه الطبيعي ما يكفيني مئونة الرتق والفتق، والتمزيق والترقيع، وبعد فما هو الارتقاء الذي تزعمه وتزعم أنه يعنيني ويشملني، هل ترقت غرائز الإحسان في نفوس المحسنين، وهل خفقت قلوب الأغنياء رحمة بالفقراء، فقلت: نعم، أما ترى الأموال التي يتبرع بها الأغنياء للجمعيات الخيرية, والتي ينفقها المحسنون على بناء المدارس والمكاتب والمستشفيات. فقال: إن هذه التي تسميها مكارم، لا يسميها أصحابها إلا مغارم، ألجأهم إليها التملق للكبراء، وحب التقرب من الرؤساء، والطمع في الزخرف الباطل، والجاه الكاذب.
ما لي وللمدارس والمستشفيات وأنا جوعان خبز لا جوعان علم، ولا مرض عندي إلا مرض الفاقة، فهل أجد في المدارس
стр. 319
خبزا أو في المستشفيات دواء كذلك الدواء الذي وصفه أحد الأطباء الكرماء لرجل جائع دخل عليه وشكا إليه مرضا فعرف سر مرضه فأعطاه علبة وكتب عليها "يؤخذ منها عند اللزوم" فلما ذهب بها الفقير وفتحها وجد فيها عشرة دنانير.
أنا رجل ضعيف البصر ضعيف القوة كما ترى، فلا قدرة لي على العمل، وعندي صبية صغار ليس بينهم من يستطيع عملا أو يحسن صنعا، ولقد كان لي في الزمن الذي تذمونه، والعهد الذي تنقمون عليه، منفسح عظيم في منازل المحسنين، ومورد نمير من صدقاتهم وهباتهم، وظل ظليل من تحنن الأغنياء ورحمتهم بالفقراء البائسين، أما اليوم فإني أبيت طاويا، وأصبح شاكيا، وأغدو راجيا، وأروح يائسا.
وهنا أرسل من جفنيه دمعة ليست بأول دمعة بلل بها رداءه, ولكنها أحر من سابقاتها؛ لأنه لم يبك في غير خلوته غير هذه المرة, ثم نهض ومد يده إلي مودعا فمسحت بيميني دمعة واحدة من دموعه الكثيرات.
стр. 320
دورة الفلك ١:
أيها القصر: أين الكوكب الزاهر الذي كان يتنقل في أبراجك، أين النسر الطائر الذي كان يحلق في أجوائك، أين الملك القادر الذي كان يطلع شمسا في صباحك، وبدرا في مسائك.
أين الأعلام والبنود تخفق في شرفاتك، والقواد والجنود تخطر في عرصاتك، أين الشفاه التي كانت تلثم ترابك، والأفواه التي كانت تقبل أعتابك، والرءوس التي كانت تطرق لهيبتك، والقلوب التي كانت تخفق لروعتك.
أين الصوت الذي كان يجلجل فيقرع أذن الجوزاء. ويهدر فتتلفت عيون السماء، أين الفلك الذي كان يدور بالسعد والنحس، والنعيم والبؤس، والرفع والخفض، والإبرام والنقض.
كيف استطاع الدهر أن يمد يده إلى شملك فيبدده، وجمعك فيفرقه، وسمائك فيكور شموسها، وأرضك فيزعج أنيسها.
أين كانت أسوارك وأبوابك، وحراسك وحجابك، وكيف