رأسه، ويصعد أنفاسه، ويمضغ أضراسه، ويئن من قلبه أنينا خفيا يكاد يسمع فيه السامع قول الشاعر:
فيالك بحرا لم أجد فيه مشربا ... على أن غيري واجد فيه مسبحا
فما هو إلا أن قضوا لبانتهم من الكلام المملول والحديث المعاد حتى قاموا يطيرون مع الآمال، وراء الأموال، فأشرت إلى أبي الشمقمق أن يتخلف ففعل فسألته: ما لك لم تشترك معنا فيما كنا فيه؟ فأجاب: إني أكره الفضول في الحديث, وقد فرق المقدار بيني وبينكم في المال، فلا أشترك معكم في المقال، فقلت: ألا يعجبك يا أبا الشمقمق حديث النهضة الحديثة التي نهضتها الأمة المصرية في العهد الأخير, وأنت فرد من أفرادها، وجزء من أجزاء جسمها، فنهوضها نهوضك وسقوطها سقوطك، والأمة كما تعلم هي الفرد المكرر والواحد الدائر، فأنت الأمة والأمة أنت، فقال: والله لا أدري هل تكلمني بلسان الصوفية ولست بصوفي، أم بلغة الفلاسفة ولا أفهم للفلسفة معنى، وكأنك تقصدني بالفرد المكرر والواحد الدائر، فإن كنت تريد أني فرد مكرر كثير الأشباه والأمثال في العوز والفاقة، وواحد لا سند لي ولا عضد، ودائر في مدارج الطرق ومعابر السبل، فقد أصبت وأحسنت، وإن كنت تريد معنى غير ذلك، فأنا
стр. 317
لا أفهم إلا كذلك، فهل لك أن تعفيني من هذه المعميات, وتزن كلامك على قدر عقلي وتحدثني فيما يتناوله سمعي وبصري. فقلت: أنا لم أخرج بك عن المألوف المعروف، ولا أريد إلا أن الأمة ليست في الخارج شيئا غير أفرادها فإذا سعدت أو شقيت فالسعداء والأشقياء أبناؤها، وحسبك أن ترى تقدم الأمة المصرية في ثروتها وعمرانها، وبذخها وترفها، وكثرة ناطقها وصامتها، فتسعد بسعادتها وتسر بسرورها، فقال: إن لم تبين لي سهمي من هذه السعادة ونصيبي من ذلك الارتقاء فلا أصدق سعادة ولا أتصور ارتقاء، وما دمت أرى أن لي هوية مستقلة من هوية سواي من السعداء، ويدا تقصر عما يتناولونه، وبطنا لا يمتلئ بما تمتلئ به بطونهم، وما دمت لا أرى واحدا بينهم يلبس معي ردائي الممزق، وقميصي المخرق، ويقاسمني همي، ويشاطرني فقري، فهيهات أن أسعد بسعادتهم، وأسر بسرورهم، وهيهات أن أفهم معنى قولك: أنت الأمة والأمة أنت، فقلت: إن الغيث إذا نزل يسقي الخصيب والجديب، والنجد والوهد، وينتظم من الأرض الميت والحي، فقال: كل سماء فيها هذا الغيث إلا سماء مصر، فإني أراه؛
كبدر أضاء الأرض شرقا ومغربا ... وموضع رجلي منه أسود مظلم
стр. 318
ما لي وللروض الذي لا أستنشق روحه وريحانه، والقصر الذي لا أدخله مالكا ولا زائرا، وهب أن الطرق مفروشة بالحرير والديباج لا بالحصى والمدر فهل أبقى لي الدهر من حاسة اللمس شيئا فأميز بين خشن الملمس وناعمه، ومعوج الأرض ومستقيمها، وهبني إذا مشيت خضت في بحر مائج بأنوار الكهرباء فهل يغني ذلك عني شيئا، وهل يكون نصيبي منه إلا انكشاف سوءتي ورثاثتي لأعين الناظرين، ولقد حبب إلي الظلام حتى تمنيت دوامه لألبس من ثوبه الطبيعي ما يكفيني مئونة الرتق والفتق، والتمزيق والترقيع، وبعد فما هو الارتقاء الذي تزعمه وتزعم أنه يعنيني ويشملني، هل ترقت غرائز الإحسان في نفوس المحسنين، وهل خفقت قلوب الأغنياء رحمة بالفقراء، فقلت: نعم، أما ترى الأموال التي يتبرع بها الأغنياء للجمعيات الخيرية, والتي ينفقها المحسنون على بناء المدارس والمكاتب والمستشفيات. فقال: إن هذه التي تسميها مكارم، لا يسميها أصحابها إلا مغارم، ألجأهم إليها التملق للكبراء، وحب التقرب من الرؤساء، والطمع في الزخرف الباطل، والجاه الكاذب.
ما لي وللمدارس والمستشفيات وأنا جوعان خبز لا جوعان علم، ولا مرض عندي إلا مرض الفاقة، فهل أجد في المدارس
стр. 319
خبزا أو في المستشفيات دواء كذلك الدواء الذي وصفه أحد الأطباء الكرماء لرجل جائع دخل عليه وشكا إليه مرضا فعرف سر مرضه فأعطاه علبة وكتب عليها "يؤخذ منها عند اللزوم" فلما ذهب بها الفقير وفتحها وجد فيها عشرة دنانير.
أنا رجل ضعيف البصر ضعيف القوة كما ترى، فلا قدرة لي على العمل، وعندي صبية صغار ليس بينهم من يستطيع عملا أو يحسن صنعا، ولقد كان لي في الزمن الذي تذمونه، والعهد الذي تنقمون عليه، منفسح عظيم في منازل المحسنين، ومورد نمير من صدقاتهم وهباتهم، وظل ظليل من تحنن الأغنياء ورحمتهم بالفقراء البائسين، أما اليوم فإني أبيت طاويا، وأصبح شاكيا، وأغدو راجيا، وأروح يائسا.
وهنا أرسل من جفنيه دمعة ليست بأول دمعة بلل بها رداءه, ولكنها أحر من سابقاتها؛ لأنه لم يبك في غير خلوته غير هذه المرة, ثم نهض ومد يده إلي مودعا فمسحت بيميني دمعة واحدة من دموعه الكثيرات.
стр. 320
دورة الفلك ١:
أيها القصر: أين الكوكب الزاهر الذي كان يتنقل في أبراجك، أين النسر الطائر الذي كان يحلق في أجوائك، أين الملك القادر الذي كان يطلع شمسا في صباحك، وبدرا في مسائك.
أين الأعلام والبنود تخفق في شرفاتك، والقواد والجنود تخطر في عرصاتك، أين الشفاه التي كانت تلثم ترابك، والأفواه التي كانت تقبل أعتابك، والرءوس التي كانت تطرق لهيبتك، والقلوب التي كانت تخفق لروعتك.
أين الصوت الذي كان يجلجل فيقرع أذن الجوزاء. ويهدر فتتلفت عيون السماء، أين الفلك الذي كان يدور بالسعد والنحس، والنعيم والبؤس، والرفع والخفض، والإبرام والنقض.
كيف استطاع الدهر أن يمد يده إلى شملك فيبدده، وجمعك فيفرقه، وسمائك فيكور شموسها، وأرضك فيزعج أنيسها.
أين كانت أسوارك وأبوابك، وحراسك وحجابك، وكيف
стр. 321
عجزت أن تمتنع على القضاء، وتصد عن نفسك عادية البلاء
ولم أر مثل القصر إذ ريع سربه ... وإذ ذعرت أطلاؤه وجآذره
تحمل عنه ساكنوه وهتكت ... على عجل أستاره وستائره
أيها السجن: حل بأرجائك اليوم ملك تضيق به الدنيا فكيف وسعته، وتعجز عن احتماله قلل الجبال الرواسي فكيف احتملته.
رفقا به لا تزعجه ولا تحرج صدره، وضم جانحتيك عليه كما تضم على القلب حنايا الضلوع، واعطف عليه عطف المرضعات على الرضيع، ارحم هذا الجلال الذاهب، والعز الزائل، والرأس الذي بيضته حوادث الدهور، والظهر الذي قوسته أيدي المقدور.
أيها الدهر: ألا تستطيع أن تنام عن هذا الإنسان لحظة واحدة، ألا تستطيع أن تسقيه كأس السرور خالصة لا يمازجها كدر ولا يشوبها عناء.
إن كنت تريد أن تسلبه فلم أعطيته، وإن كنت تريد أن تعطيه فلم سلبته، كان خيرا له أن لا تعطيه حتى لا تفجعه في تلك العطية, وأن لا تسقيه كأس السرور حتى لا يتجرع ذلك السم الذي أودعته تلك الكأس
стр. 322
أيها الراحل المودع: كان ارتفاعك عظيما فوجب أن يكون سقوطك عظيما.
إنك ذقت حلاوة الحياة خالصة فلما ذقت مرارتها جزعت وقطبت كما يجزع ويقطب كل من ذاق من الشراب ما لا عهد له به، ولا قبل له باحتماله.
لا تأس على ما فاتك فإنما كان وديعة من ودائع الدهر أعاركها برهة من الزمان ثم استردها.
إنك لا تدري لعل الله أراد بك خيرا فمنحك قبل حلول أجلك فرصة من الزمان تخلو فيها بنفسك، وتراجع فيها فهرس أعمالك، فإن رأيت خيرا اغتبطت، أو شرا استغفرت.
قضى الله أن يقيم في كل حين لهذا العالم الغافل الراقد عبرة من العبر تزعجه من رقدته، وتوقظه من غفلته، فكنت أنت عبرة هذا الدهر وموعظته.
من بات بعدك في ملك يسر به ... فإنما بات بالأحلام مغرورا
стр. 323
تأبين فولتير ١:
في مثل هذا اليوم، منذ مائة عام, مات الرجل العظيم، مات الرجل الخالد، مات فولتير.
ما مات فولتير حتى احدودب ظهره تحت أثقال السنين الطوال، وأثقال جلائل الأعمال، وأثقال الأمانة العظمى التي عرضت على السموات والأرض فأبين أن يحملنها فحملها وحده، وهي تهذيب السريرة الإنسانية فهذبها فاستنارت فاستقام أمرها.
مات فولتير مرذولا محبوبا في آن واحد، يبغضه الماضي؛ لأنه يجهله، ويحبه الحاضر؛ لأنه عرفه.
إن في هاتين العاطفتين، البغض والحب، سرا عظيما من أسرار المجد العظيم، لذلك الرجل العظيم.
كان وهو على سرير الموت محفوفا بعاطفتين مختلفتين شكلا، متفقتين معنى؛ لأنهما جميعا في سبيل مجده وفخاره، كان ينظر
стр. 324
أمامه، فيسره منظر التبجيل والتعظيم من حاضره ومستقبله، ويلتفت وراءه فيطربه مشهد البغض والازدراء والحقد الذي يكنه الماضي في صدره لأولئك الرجال البواسل الذين حاربوه فانتصروا عليه.
كان فولتير رجلا وأكبر من رجل، كان وحده أمة كاملة، إنه عاهد نفسه على إنجاز عمل عظيم فأنجزه ولم يخلف وعده، وكأن الإرادة الإلهية المتجلية في الشرائع، تجليها في الطبائع، نثرت كنانة هذا المجتمع الإنساني وعجمت عيدانه فوجدت فولتير أصلبها عودا فاختارته للقيام بالعمل الذي قام به فأتمه.
إنا أتينا هنا لفصل الخطاب في المسائل الاجتماعية، جئنا لنرفع شأن المدنية ونكرم الفلسفة إكراما ينفعها ويفيدها، جئنا لنتلو على القرن الثامن عشر رأي القرن التاسع عشر فيه، جئنا لنكرم المجاهدين، والعاملين المخلصين، اجتمعنا لنمهد الطريق للوحدة الإنسانية التي يسعى إليها العلماء والعاملون، والصناع المجدون، وجملة القول إنا ما اجتمعنا هنا إلا لنمجد العاطفة الشريفة السامية عاطفة السلام العام.
إنا نمجد السلام حبا في المدنية وحرصا على رونقها وروائها، فإن السلام فضيلة المدنية والحرب رذيلتها.
стр. 325
نحن في هذه الساعة العظيمة، في هذا الموقف الرهيب، نجثو على الركب ونعفر جباهنا بين يدي الشريعة الأدبية ونقول للعالم الذي ينصت لسماع صوت فرنسا "لا قوة إلا قوة الضمير ولا مجد إلا مجد الذكاء" ذلك في سبيل العدل، وهذا في سبيل الحق.
لقد كان شأن المجتمع الإنساني قبل الثورة الفرنساوية على هذا المثال، الشعب في المنزلة الدنيا، وفوق الشعب الدين والقضاء، هذا يمثله القضاة، وذاك يمثله "الإكليروس".
أتدرون كيف كان الشعب، وكيف كان الدين، وكيف كان القضاء في ذلك العهد؟ كان الشعب جهلا، والدين رياء، والقضاء ظلما.
إن كنتم في شك مما أقول فإني أقص عليكم حادثتين من حوادث ذلك التاريخ, أرى فيهما غناء ومقتنعا:
في ١٣ أكتوبر سنة ١٧٦١ وجد شاب مصلوبا في الطبقة الأرضية من بيت في مدينة "طولوز" فهاج الشعب ولغط "الإكليروس" وبحث القضاة، فكانت النتيجة أن كان الشاب منتحرا فسمي قتيلا، وكان والده بريئا فسمي قاتلا.
هكذا أراد الدين وأرادت مصلحته أن يهلك والد الفتى
стр. 326
لأنه كان بروتستانيا؛ ولأنه كان يمنع فتاه أن يتدين بالكثلكة، إنها لجناية عظيمة جدا ينكرها الدين ويحيلها العقل، ولكن هان عليهم أمرهم ولم يحفلوا بالشريعتين شريعة القلب وشريعة العقل، فحكموا أن الشيخ الكبير، قتل ولده الصغير.
هكذا قضى القضاء وهكذا كانت النتيجة فاستمعوها.
في شهر مارس سنة ١٧٦٢ سيق إلى الميدان العام شيخ أبيض الشعر هو "جان كالاس" ثم جرد من ثيابه وطرح على دولاب العذاب وشدت به أطرافه وترك رأسه متدليا.
ثلاثة رجال تلوثت أيديهم بدم القتيل، كاهن يحمل الصليب، وجلاد يحمل القضيب، وقاض يحمل في صدره عهد القوم إليه بالتنكيل والتعذيب.
لم يكن الشيخ المسكين وقد شق الخوف مرارته وتمشى قلبه في صدره لينظر إلى الصليب في يد الكاهن بل إلى القضيب في يد الجلاد.
رفع الجلاد القضيب وضرب ذراع الشيخ ضربة كاسرة صاح على أثرها صيحة مؤلمة, ثم أغمي عليه فتقدم القاضي الرحيم وأمر له بالمنبهات فانتعش فضربه الجلاد الضربة الأخرى فوق الذراع الآخر فعاد إلى صرخته وإغمائه، فعادوا إلى تنبيهه وإنعاشه،
стр. 327
وهكذا حتى تم لكل ذراع من ذراعيه ضربتان وصدعتان، فكأنما قتلوه قبل موته ثماني مرات.
في الإغماء الثامن بعد مرور ساعتين من العذاب تقدم الكاهن ومد إليه الصليب ليقبله فحول وجهه عنه، وكذلك تبلغ القسوة الدينية من نفوس المتدينين، فأقبل الجلاد وسدد إلى صدره الطرف الغليظ من القضيب الحديد وضربه ضربة ألصقت صدره بظهره فكانت القاضية.
على هذه الصورة مات "جان كالاس".
وما هي إلا أيام قلائل حتى عرف الناس أن الفتى مات منتحرا مقتولا، فحكموا ببراءة الشيخ بعد أن نفذ سهم القضاء فيه، وماذا يعنيه بعد الموت أمات جانيا أم بريئا.
أما الحادثة الأخرى فهي عبرة الشباب كما كانت الأولى موعظة الشيخوخة.
بعد مضي ثلاث سنين من تاريخ الحادثة الأولى وجدوا في "إيفيل" في ليلة عاصفة صليبا عتيقا أكل السوس أحشاءه حتى عاف البقاء فيه, مطرحا فوق الجسر بعد أن عاش فوق السور ثلاثة قرون.
من ألقى به من أعلى السور، من أهانه، من ذا الذي دنس
стр. 328
هذا الأثر المقدس، من ذا الذي أجرم هذا الجرم العظيم.
ربما عصفت به ريح، أو عبث به عابر طريق، أو هوى به ضعف الشيخوخة وإعياء الهرم، لا لا، كل ذلك لم يكن؛ لأن الدين أبى إلا أن يوجد مجرما، هنالك أعلن مطران "إميان" براءة من غفران الله ورحمته لكل مؤمن علم أو ظن أنه علم شيئا عن هذه الحادثة فكتمه.
إن الحرمان في الكثلكة جريمة فظيعة قاتلة متى أوخى به التعصب الذميم، إلى الجهل العظيم، كان هذا الحرمان سببا في أن القضاء عرف أو ظن أنه عرف أن ضابطين اسم أحدهما "لابار" والآخر "ديتالون" مرا على جسر "إيفيل" في تلك الليلة المشئومة يترنحان سكرا وينشدان نشيدا عسكريا، مرا بالجسر وأنشدا النشيد فهما المجرمان، وكانت المحكمة مقدس "إيفيل" ولم تكن بأقل عدلا وإنصافا من مجلس "الكابيتول" في "طولوز" فأمرت بالقبض على الرجلين فاختفى ديتالون وقبض على لابار وأسلم إلى القضاء، فاعترف بالنشيد وأنكر المرور على الجسر فحكمت عليه محكمة إيفيل بالإعدام وأيد حكمها برلمان باريس فدنت الساعة المخيفة الهائلة.
لقد تفننوا في تعذيب لابار وإرهاقه ليكشفوا عن سر
стр. 329
فعلته، وعن شركائه في جريمته، أي: جريمة المرور على الجسر وإنشاد النشيد.
لقد عذبوه عذابا أليما حتى إن الكاهن الذي جيء به ليسمع اعترافه أغمي عليه حينما سمع قرقعة عظام ركبتيه.
مضى هذا اليوم وجاء اليوم الثاني وهو يوم ٥ يونيه سنة ١٧٦٦ وجيء بالشاب المظلوم إلى ساحة "إيفيل" الكبرى حيث تشتعل نار العذاب وتضطرم اضطراما فأسمعوه نص الحكم ثم بتروا يده ثم استلوا لسانه بقابض من الحديد فاستأصلوه، ولكنهم رحموه بعد ذلك فقطعوا رأسه وألقوا بها في النار.
على هذه الصورة مات "الشيفاليه دي لابار" كما مات من قبله "جان لا كاس".
أحزنك هذا المنظر يا فولتير وآلم نفسك وملك عليك شعورك ووجدانك فصحت صيحة الرعب والجزع فكانت تلك الصيحة الحجر الأول في بناء مجدك العظيم الخالد.
هنالك انبعثت نفسك إلى النزول في ميدان المجتمع الإنساني لتكف عادية الظالمين وتقلم أظفار الوحوش الضارية، وجلست في منصة القضاء لتحاكم الماضي على جرائمه وتنتصف منه للمستقبل فانتصفت وانتصرت وكنت من المحسنين.
стр. 330
فيا أيها الرجل العظيم: طبت حيا وميتا.
حدثت تلك الحوادث التي ذكرتها على مشهد من المجتمع المهذب الراقي وفي حياة حافلة بالسعادة مغتبطة بالهناء يغدو إليها الإنسان لاهيا، ويروح ساهيا، لا يرفع رأسه فيعلم ما فوقه، ولا يخفضها فيرى ما تحته.
حدث ذلك وأيام البلاط أعيادو "فرسايل" تتلألأ حسنا وبهاء، ورونقا وماء، وظرفاء الشعراء مثل "سان اولاير" و"بوفلير" و"جنتيل برنار" لاهون بالغزل الرقيق والوصف الجميل.
حدث ذلك وباريس تتجاهل ما يجري حولها, فاستطاع القضاء الظالم بمعونة القسوة الدينية أن يمثل بالشيخ ذلك التمثيل الفظيع بذلك القضيب الحديد، وأن يستل لسان الفتى؛ لأنه أنشد الأناشيد.
كان المجتمع في ذلك التاريخ مؤلفا من قوى عظيمة هائلة، قوة البلاط، وقوة الأشراف، وقوة المال، وقوة الشعب المائج المتدفع، وقوة الحكومة التي كانت أسدا على الرعية ونعامة بين يدي الملك تجثو أمامه خاضعة صاغرة إلا أن جُثِيَّها كان على
стр. 331
جثة الشعب، وقوة "الإكليروس" المؤلف من الرياء الكاذب والتعصب الأعمى.
تقدم فولتير وحده وأثار حربا عوانا على هذا العالم المؤلف من تلك القوى المختلفة المخيفة, ولم يره أكبر من أن ينخذل، ولم ير نفسه أصغر من أن ينتصر.
أتدري ما كان سلاحه، ما كان له سلاح غير تلك الأداة التي تجاري العاصفة في هبوبها، وتسبق الصاعقة في انقضاضها، ما كان له سلاح غير القلم، فبالقلم حارب وبالقلم انتصر.
انتصر فولتير، فولتير وقف وحده تلك المواقف المشهودة، فولتير أدار وحده رحى تلك الحروب الهائلة، حرب العلم والجهل، والعدل والظلم، والعقل والهوى، والصلاح والفساد، فتم على يديه الغلب للخير على الشر وفاز فوزا مبينا.
كان فولتير قلبا وعقلا، كان له رقة الفتاة في غلالتها١ وشدة الأسد في لبدته.
فولتير محى الخرافات الدينية والعادات الفاسدة، وأرغم أنف الكبرياء، وأذل عز الرؤساء، ورفع السوقي إلى حيث لا يصل إليه ظلم القاضي وتنطع الكاهن
стр. 332
علم ومدن وهذب ولقي في سبيل ذلك من الشدائد والمحن والنفي والقهر ما يكسر سورة النفس فلم تنكسر سورته ولم تفتر عزيمته، بل كان يلقى الاستبداد بالسخرية، والغضب بالاستخفاف، والقوة القاهرة، بالابتسامة المؤثرة.
أقف هنا قليلا إجلالا لابتسامة فولتير.
فولتير هو الابتسامة، والابتسامة هي فولتير.
أفضل مزايا الرجل الحكيم أن يملك نفسه عند الغضب وكذلك كان فولتير.
كان عقله ميزان أعماله، فما غلبه حتى الغضب للحق.
كنت تراه عابسا مقطبا فما هي إلا كرة الطرف حتى ترى فولتير الضاحك المبتسم في مكان فولتير العابس المقطب.
يكاد يكون ابتسامه ضحكا لولا حزن الحكيم وهم العاقل كان ابتسامه كبارقة السيف يرتاع لها الأعداء، ويرتاح لها الأولياء.
كان يبتسم للقوي فيخجله بتهكمه واستخفافه، وللضعيف فيسره بتحننه وانعطافه.
فلنمجد تلك الابتسامة التي كانت أشعتها كأشعة الفجر تمحو الظلام وتبعث الأنوار.
стр. 333
نعم الابتسام ابتسام أنار الطريق للعدل والحق والصلاح وبدد ظلمات التقليد.
إن ابتسامة فولتير أنشأت هذه الهيئة الاجتماعية وزينتها بالإخاء والمودة والحرية والمساواة، فنال العقل منزلته من الإجلال والإعظام، سواء أسكن القصر الكبير، أم الكوخ الحقير، ولبس المعلم تاج الملك فتصرف في العقائد الباطلة والعادات الفاسدة والخرافات الدينية تصرف الحاكم القدير، ونشر السلام أجنحته البيضاء على المجتمع الإنساني فقرت السيوف في الأغماد، وهدأت الدماء في العروق والأرواح في الأجسام، كل ذلك بفضل ابتسامة فولتير، ولسوف يأتي ذلك اليوم العظيم يوم الرحمة بالضعفاء والعفو عن الخاطئين فيبتسم فولتير في السماء ابتسامة تتلألأ بين لألاء النجوم.
فلنمجد ابتسامة فولتير كل التمجيد، ولنكبرها كل الإكبار.
هل كان فولتير يحلم دائما فلا يستخف حلمه الغضب، كلا بل كان يغضب أحيانا في سبيل الحق.
إن التوسط وحفظ الموازنة بين الأخلاق هو القانون العقلي للإنسان حتى لا تهبط به كفة وتعلو به أخرى، وحتى لا يهلك بين عاطفتي الحب والبغض، وإن الفلسفة هي الاعتدال وإظهار
стр. 334
الحقائق واضحة بين مؤتلفات الأعمال والأقوال، ولكن أرى أن حب الحق يجب أن يكون في مرتبة الغلو حتى تهب عاطفته هبوب العاصفة فتذهب بالأقذاء والأقذار.
يعيش المرء بين سعادتين من حاضره ومستقبله، أما الأولى فيكفلها العدل، وأما الثانية فيحرسها الرجال والأمل، لذلك يحب الناس القاضي العادل، والكاهن الصالح؛ لأن الأول صورة العدل، والثاني مثال الرجاء، فإذا انقلب العدل ظلما، والأمل يأسا، عافهما الإنسان ولوى وجهه عنهما، وقال للقاضي: "لا أحب قانونك" وللكاهن "لا أعتقد بدعتك" وهناك يهب الفيلسوف الغيور غاضبا فيحاكم القضاء أمام العدل والكهنوت أمام الله، وكذلك فعل فولتير فكان من المحسنين.
إن الرجل العظيم لا يظهر في المجتمع وحيدا إلا قليلا، وكلما كثر العظماء حوله ارتفع شأنه وعلا ذكره، فهو كالشجرة تكون في نظر الناظر أطول في الغابة الشجراء منها في التربة الجرداء؛ لأنها تكون في منبتها ومستقرها، وكان فولتير في غابة من العقول الكبيرة، روسو وديدرو وبوفون وبومارشه ومونتسكيو، أولئك القوم المفكرون هم الذين علموا الناس النظر في حقائق الأشياء والتفكر الموصل إلى إتقان الأعمال، وعلموهم
стр. 335
أن صلاح القلب أثر من آثار صلاح العقل فأجادوا وأفادوا.
مات أولئك القوم العظام وهوت من أفقها كواكبهم، ولقد كانوا في حياتهم جسدا وروحا، أما الجسد فقد طواه القبر، وأما الروح فهي الثورة التي تركوها من بعدهم.
أجل، إن الثورة روحهم والمظهر الساطع المتلألئ بحكمتهم ومبادئهم.
هم في الحقيقة أبطال الثورة المقدسة التي هي خاتمة الماضي وفاتحة المستقبل.
إنك تراهم بعين بصيرتك في كل مواقفها ووقائعها، إذا اخترقت أشعة العقل حجاب المسببات ونفذت إلى الأسباب نرى في نور الثورة الساطع أن ديدرو كان واقفا وراء دانتون وروسو وراء روبسبير وفولتير وراء ميرابو ونجد أن أبطال الثورة صنيعة أبطال الفلسفة١.
إن الكلمة الأخيرة التي أنطق بها في هذا الموقف هي دعاء المجتمع البشري إلى التقدم بهدوء وسكون وثبات ووقار.
قد وجد الحق ضالته التي كان ينشدها وهي الإخاء الإنساني والتعارف النفسي، فمن العبث أن تشغل القوة بعد ذلك مكانا من
стр. 336
هذا المجتمع، فإن فعلت كان أليق الأسماء بها الاستبداد.
إن المجتمع الإنساني أنكر على القوة حقها المزعوم وضاق صدره بجرائمها وآثامها فقاضاها بين يدي التمدين, ووضع بين يديه جريدة المتهمين من الرؤساء والزعماء وأتى بالتاريخ شاهدا على دعواه, فقضى التمدين له عليها وجاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا.
شف ثوب الرياء عما تحته, وظهرت الحقيقة بيضاء ناصعة لا غبار عليها فأصبح الأبطال والمجرمون في نظر الإنسان سواء.
هدم التمدن تلك القاعدة الفاسدة، وهي أن الجرم العظيم أصغر من الجرم الصغير، فأدرك الإنسان أن قتل الشعوب أكبر إثما وأعظم جريرة من قتل الأفراد، واستكبر أن يعتبر الحرب مجدا وهو يعتبر السرقة عارا، وبالجملة عرف أن الجريمة جريمة حيث حلت، وفي أي مظهر ظهرت، وأن القاتل لا يغني عنه من الله شيئا يسمى القيصر أو يدعى الإمبراطور، ولا يخفى على الله من أمره شيء سواء ألبس تاج الملك أم قلنسوة الإعدام.
فلنصرح بالحقيقة المقررة الواضحة، ولنحتقر الحرب أشد الاحتقار.
إن الحرب المباركة لا أثر لها في الوجود.
стр. 337
إن منظر الدماء والأشلاء أفظع منظر.
لا يعقل أن يكون الشر طريق الخير، وأن يكون الموت وظيفة الحياة.
أيتها الأمهات الجالسات حولي، خففن من أحزانكن فقد أوشكت يد الحرب أن تكف عن اختلاس أفلاذ أكبادكن.
أتشقى المرأة فتلد، ويغرس الزارع فيكسو الأرض بساطها الأخضر، ويجهد العامل فيملأ الخزائن ذهبا وفضة، ويأتي الصانع بعجائب المصنوعات، وغرائب المدهشات، حتى إذا أخذت الأرض زخرفها، وفاخرت السماء بنجومها وكواكبها، وذهبنا لرؤية معرضها العام وجدناه ساحة القتال.
لا لا: إنا لا نستطيع أن نخدع أنفسنا وننكر أن الساعة التي نحن فيها تشتمل على بضع دقائق محزنة تكدر صفوها وتنتقص من سرورها.
لا تزال في مرآة السماء الصافية سحابة سوداء.
إن الشعب لم يقض كل أربه من السعادة؛ لأن الحرب لم تزل باقية.
فلنذكر عند ذكر ملوك الحرب فولتير وجان جاك وديدرو ومونتسكيو ملوك السلام، ولنوجه وجهتنا إلى تلك الروح
стр. 338
العالية، إلى تلك الحياة العظيمة، إلى ذلك الدفين المقدس، إلى فولتير، ولنركع أمام قبره عسى أن يمدنا بروح منه ويهدينا إلى حظيرة السلام، فإنه بعد مرور قرن على موته لم يزل في الأحياء الخالدين.
ولنقف في طريق الدماء المتدفقة لنقول للسفاكين بصوت عال: كفى كفى، إنها همجية، إنها تشوه وجه المدنية الجميل.
إن أسلافنا من الفلاسفة هم رسل الحق إلى البشر، فلنضرع إليهم، في تذكارهم هذا أن يتداركوا الفتنة قبل وقوعها، وينادوا أن الحياة ملك للإنسان، وعظيم عليه أن تسلب منه، وأن التمتع بالحرية حق من حقوق العقول والأفكار.
إن النور لا أثر له بين أضواء القصور، فلنطلبه بين ظلمات القبور.
стр. 339
العلماء والجهلاء:
لا تحسبن أن الفلسفة الاصطلاحية مطلب من المطالب التي لا ترام، أو أن بين من نسميهم العلماء ومن نسميهم الجهلاء ذلك الفرق العظيم الذي يتصوره الناس عند ما يريدون التفريق بينهما، وإنزالهما منازلهما، فالعلماء والجهلاء إن دققت النظر سواء، لا فرق بينهما إلا أن هؤلاء يعلمون المعلومات منظمة، وأولئك يعلمونها مبعثرة، وأن هؤلاء يحسنون البيان عنها وأولئك لا يبينون.
ومن نظر إلى البصائر نظرا ثاقبا نافذا وجد أن المعاني الصحيحة والقضايا الكونية المتعلقة بالخير والشر، والنفع والضر، والمسائل المنوطة بالإنسان في حياتيه المادية والمعنوية يشترك في العلم بها الناس جميعا عامتهم وخاصتهم، كبارهم وصغارهم، من نشأ منهم تحت سقوف الجامعات، ومن عاش تحت سقوف السموات؛ لأن العلم ينبوع يفور من الداخل، لا سيل يتدفق من الخارج؛ ولأن المعلومات كامنة في النفوس كمون النار في الزند والقوة في
стр. 340
المادة، وما وظيفة التعليم إلا استثارتها من مكامنها، وبعثها من مراقدها.
وآية ذلك أنك لا تجد مثلا من أمثال العلماء التي يفخرون بها ويعدونها مظهر حكمتهم، وآية فلسفتهم، إلا وترى في ألسنة العامة وشوارد أقوالها وأمثالها ما يرادفها ويشاكلها، كما أنك لا تجد قاعدة من قواعد الحكمة ولا قضية من قضايا الآداب والأخلاق التي نعدها من ذخائر الأسفار ونفائس الأعلاق إلا وهي ملقاة تحت أقدام العامة، ومذالة بين أيدي الجاهلين والأميين.
وعندي أنه لولا عجز العامة عن بيان ما يجول في خواطرهم ويهجس في ضمائرهم من المعلومات على صورة مرتبة منظمة لما تخيل إليهم أنهم يسمعون من الخاصة كلاما عجيبا، أو معنى غريبا.
وليست هذه الغبطة التي نراها تعلق بنفوسهم عندما يتلقون أحاديث الخاصة من أجل أنهم علموا ما لم يكونوا يعلمون، أو أدركوا ما لا عهد لهم به من قبل؛ بل لأنهم عثروا على من يترجم عن أفكارهم، ويجمع لهم شمل المعاني المبعثرة في أنحاء أدمغتهم؛ ولأنهم وجدوا في أنفسهم لذة الأنس بأفكار تشابه أفكارهم، وآراء تشاكل آراءهم.
ولا أخشى بأسا إن قلت إن علم العامة أفضل من علم
стр. 341
الخاصة؛ لأنه علم خالص من شائبة التكلف والتعمل، حتى إنك لتجد في بعض الأحايين بين معلومات الخاصة ومذاهبهم وآرائهم ما يضحك الثكلى لغرابته وشذوذه, وما يترفع أضيق العامة ذهنا وأضعفهم فهما أن يجعل له شأنا، أو يقيم له وزنا؛ ولأنه يعلق بالنفس ويتغلغل بين طياتها تغلغلا تظهر آثاره على الجوارح، وكثيرا ما تجد بين الجهلاء من تعجبك استقامته، وبين العلماء من يدهشك اعوجاجه، وإن كان صحيحا ما يقولون من أن العلم ما ينتفع به صاحبه، فكثير من الجهلاء، أعلم من كثير من العلماء.
فلا تبالغ في تقدير فلسفة الفلاسفة وعلم العلماء، ولا تنظر إليهم نظرا يملأ قلبك رهبة وهيبة، ولا تغل في احتقار الجهلاء، وازدراء العامة والضعفاء، ولا تكن ممن يقضون حياتهم أسرى العناوين وعبيد الألقاب.
وإن في اختفاء الحقائق الكونية وتنكرها وضلال هذا العالم في مذاهبه ومراميه وتفرقه مذاهب وشيعا, وركوب كل فريق رأسه وهيامه على وجهه, ووقوف طلاب الحقيقة في كل دهر وعصر في مفارق الطرق ورءوس المسالك حيارى ينشدون فلا يجدون، ويجدّون فلا يصلون، لدليلا على أن الفلاسفة والحكماء والعلماء كلمات غير مفهومات، وأسماء بلا مسميات،
стр. 342
وأن حقائق الأشياء وأسرار الكائنات قد استأثر الله بعلمها، واحتجنها من دون عباده، ولم يمنحهم منها إلا بلة تزيدهم وجدا كلما وجدوا بردها، وتملأ قلوبهم شوقا كلما تذوقوا طعمها.
ضريبك في بني الدنيا كثير ... وعز الله ربك من ضريب
وما العلماء والجهلاء إلا ... قريب حين تنظر من قريب
стр. 343
الرجل والمرأة:
حضرة السيد المحترم
لا تعجب إن رأيت إعجابي بك ظاهرا في كل سطر من سطور كتابي هذا, فإنما أنا انطق بلسان كثير من العقلاء الذين يحبونك حبا جما, ويعتقدون أنك فريد في أدبك، فريد في قلمك، فريد في تسامحك وتساهلك؛ لذلك أردنا أن نوجه إليك السؤال الآتي راجين منك الإجابة عليه.
لماذا نرى الهيئة الاجتماعية تحكم على المرأة الفاسقة حكما صارما فتنبذها وتحتقرها ولا تحكم بمثل هذا الحكم على الرجل الفاسق مع أن جريمتهما واحدة؟
هذا ما أردنا أن نسترشد برأيك فيه والسلام.
سائل
يعتقد كثير من الناس أن الرجل والمرأة سواء في العقل والذكاء، وعندي أنهم أخطئوا في الأولى وأصابوا في الأخرى.
تستطيع المرأة أن تجاري الرجل في سرعة الفهم وحضور
стр. 344
البديهة ولا تستطيع أن تجاريه في الأناة والرفق والاستمساك, وامتلاك هوى النفس والأخذ بفضيلة الصبر على ما تكره وعن ما تحب.
تستطيع المرأة أن تدرك ما يدركه الرجل من الشئون والأطوار وأن تستخرج كما يستخرج المجهولات من المعلومات، ولكنها لا تستطيع أن تنتفع بمعلوماتها كما ينتفع؛ لأن بين جنبيها نفسا غير نفسه، وهوى غير هواه؛ ولأن لها قلبا صغيرا لا يقوى على احتمال ما يحتمله عقله الكبير.
يمشي الرجل وراء عقله فيهديه، وتمشي المرأة وراء قلبها فيضلها، فما وقفت معه في موقف إلا سقطت بين يديه عجزا وضعفا؛ لأنه يعرف السبيل إلى قلبها، ولا تعرف السبيل إلى عقله.
لا تعجب إن قلت لك إن الذكاء غير العقل، فاللصوص والمحتالون والمزورون والكاذبون والفاسقون والمنافقون أذكياء وليس بينهم عاقل واحد؛ لأنهم يوردون أنفسهم موارد التلف والهلاك من حيث لا يغني عنهم ذكاؤهم شيئا، وكثيرا ما يكون الذكاء الشديد داعية الجنون، حتى إنك لا تكاد ترى ذكيا من الأذكياء إلا وترى له في شئونه وأطواره أحوالا شاذة, لا تنطبق على قانون من قوانين العقل ولا قاعدة من قواعد الطبيعة،
стр. 345
وعندي أن أكثر ما يصيب النوابغ والأذكياء من بؤس العيش وسوء الحال عائد إلى ضعف في عقولهم، ونقص في تصوراتهم، وبعد فالذكاء في رأس الإنسان كالسيف في يد الشجاع، وكثيرا ما يضرب الشجاع رأس نفسه بسيفه إذا كان طائشا أهوج لا يملك نفسه في موقف من مواقف الحزن أو الغضب.
فماذا يغني المرأة ذكاؤها إذا لم يكن وراءه عقل يملكها ويصرفها ويمسك بيدها أن تعثر في جريانها واشتدادها بعقبة من عقبات هذه الحياة.
سيثقل هذا الحكم على نفوس النساء ونفوس الرجال الذين يجاملونهن، ولكن ماذا أعمل وبين يدي برهان قاطع ليس في استطاعتهن أن ينازعنني فيه مع شدة ذكائهن، ولا في استطاعة أنصارهن من الرجال أن ينقضوه ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.
لولا أن الرجل أعقل من المرأة ما كان له عليها هذا السلطان وذلك الغلب, ولا استطاع أن يقودها وراءه كما يقاد الجنيب١, ولا أن يملك عليها أمر فقرها وغناها وحبسها وإطلاقها وحجابها وسفورها, ويستأثر من دونها بوضع القوانين والشرائع الخاصة بها
стр. 346
من حيث لا ترى في نفسها قوة لدفعها والخروج عليها.
القوي يملك على الضعيف بحكم الطبيعة كل شيء حتى نفسه وهواه، وكذلك كان شأن الإنسان مع الحيوان وشأن الرجل مع المرأة.
الإنسان نوع من أنواع الحيوان لم يكن في مبدأ خليقته خيرا منها في شأن من شئون الحياة، ولكنه كان أوفر منها عقلا وأوسع حيلة، فما زال يطلب لنفسه الغاية التي تناسب استعداده وفطرته حتى أصبح سيد الحيوان، فمدن المدن ومصر الأمصار وشاد وبنى وتأنق وترّفه, ثم طرد صاحبه إلى تلال الرمال، ورءوس الجبال، يأكل بعضه بعضا، والرجل أخو المرأة وقسيمها في الرحم والمهد، والأبوة والأمومة، والقومة والقعدة، والنومة واليقظة، ولكنه وجد في نفسه فضلا من قوة العقل والتدبير عليها, وكان ظالما خشن النفس قاسي القلب فأبى إلا أن يأسرها ويغلبها على أمرها, ويملك عليها جسمها ونفسها فتم له ما أراد.
ملك عليها جسمها؛ لأنه حجبها عن النور والهواء فأذعنت، وملك عليها نفسها؛ لأنه ألقى في روعها أن ذنبها في الفسق المشترك بينه وبينها أكبر من ذنبه، وإن جريمتها ضعف جريمته فصدقت، وطلب منها أن تسلم إليه الأمر في تدبير شئونها والتصرف بأموالها
стр. 347
فسلمت، وأصبحت تنظر إلى هذه القوانين الجائرة التي وضعها لها, والاعتبارات الفاسدة التي اعتبرها بالنسبة إليها كما ينظر إليها هو بعين الإجلال والإعظام.
يخدع الرجل المرأة عن شرفها فيسلبها إياه، فإذا سقطت هاج المجتمع الإنساني عليها وملأ قلبها هولا ورعبا وأوسع نفسها تقريعا وتأنيبا من حيث لا تطير على الرجل شرارة واحدة من هذه النار المتأججة؛ لأنه هو الذي وضع هذا القانون وشرع تلك الشريعة، وما كان له أن يقصر في مجاملة نفسه ومحاباتها؛ لأنه شره طماع محب لذاته، ولا أن يعدل في القضاء في قضية غيره؛ لأنه ظالم جبار.
ولو كان للمرأة ما للرجل من قوة العقل لاستطاعت أن تحجبه في المنزل وأن تتولى شأنه وأن تعبث بعقله فتعظم جريمته وتصغر جريمتها في عينه, وأن تنفذ إلى قلبه فتلعب به لعب الصبي بالكرة, وأن تحدثه فيصدق وتأمره فيأتمر, وأن تسن له القوانين الجائرة والشرائع الفاسدة فيؤمن بها إيمانه بالإله المعبود كما صنع هو بها في جميع ذلك فبلغ منها ما أراد.
لا أريد أن هذا الفرق في القوة العقلية بين الرجل والمرأة يمنحه هذا الحق في ظلمها وغلبتها على حقها، بل أريد أن هذا
стр. 348
الفرق هو سبب ذلك السلطان القاهر، والحكم الجائر.
وجملة القول أن حكم المجتمع الإنساني بإدانة المرأة الزانية وبراءة الرجل الزاني حكم ظالم، ولو أنه أنصفهما لعرف فرق ما بينهما في القوة العقلية, فجعل عقاب الرجل القوي المهاجم فوق عقاب المرأة الضعيفة المدافعة، ولكنه لم يفعل ذلك؛ لأن رجاله ظلمة جائرون؛ ولأن نساءه ساذجات ضعيفات، يصدقن الرجال في أقوالهم وينظرن إلى المستحسنات والمستهجنات بأنظارهم، فإن أردنا أن تنال المرأة حقها من الرجل وأن تنتصف منه فليس سبيلها إلى ذلك المغالبة والمصارعة، فإنها أضعف منه جسما وعقلا، بل السبيل إليه أن نعلمها العلم لتعرف كيف تستعطفه وتسترحمه وكيف تحمله على إجلالها وإعظامها، وأن نعلمه كذلك ليستطيع أن يكون شخصا كريما، وإنسانا رحيما.
стр. 349
الدعوة:
ما من قائم يقوم في مجتمع من هذه المجتمعات البشرية داعيا إلى ترك ضلالة من الضلالات إلا وقد آذن نفسه بحرب لا تخمد نارها ولا يخبو أوارها حتى تهلك تلك الضلالة أو يهلك دونها.
ليس موقف الجندي في معترك الحرب بأحرج من موقف المرشد في معترك الدعوة، وليس سلب الأجسام أرواحها بأقرب منالا من سلب النفوس غرائزها وميولها.
لا يضن الإنسان بشيء مما تملك يمينه ضنه بما تنطوي عليه جوانحه من المعتقدات، وإنه ليبذل دمه صيانة لعقيدته، ولا يبذل عقيدته صيانة لدمه، وما سالت الدماء ولا تمزقت الأشلاء في مواقف الحروب البشرية من عهد آدم إلى اليوم إلا حماية للمذاهب وذودا عن العقائد.
لذلك كان الدعاة في كل أمة أعداءها وخصومها؛ لأنهم يحاولون أن يرزءوها في ذخائر نفوسها، ويفجعوها في أعلاق قلوبها.
الدعاة أحوج الناس إلى عزائم ثابتة وقلوب صابرة على احتمال
стр. 350
المصائب والمحن التي يلاقونها في سبيل الدعوة حتى يبلغوا الغاية التي يريدونها أو يموتوا في طريقها.
الدعاة الصادقون لا يبالون أن يسميهم الناس خونة أو جهلة أو زنادقة أو ملحدين أو ضالين أو كافرين؛ لأن ذلك ما لا بد أن يكون.
الدعاة الصادقون يعلمون أن محمدا ﷺ عاش بين أعدائه ساحرا كذابا فلما مات مات سيد المرسلين، وأن الغزالي عاش متهما بالكفر والإلحاد ومات حجة الإسلام، وأن ابن رشد عاش ذليلا مهانا حتى كان الناس يبصقون عليه إذا رأوه ومات فيلسوف الشرق، فهم يحبون أن يكونوا أمثال هؤلاء العظماء أحياء وأمواتا.
سيقول كثير من الناس: وما يغني الداعي دعاؤه في أمة لا تحسن به ظنا، ولا تسمع له قولا، إنه يضر نفسه من حيث لا ينفع أمته فيكون أجهل الناس وأحمق الناس.
هذا ما يوسوس به الشيطان للعاجزين الجاهلين، وهذا هو الداء الذي ألم بنفوس كثير من العلماء فأسكت ألسنتهم عن قول الحق وحبس نفوسهم عن الانطلاق في سبيل الهداية والإرشاد، فأصبحوا لا عمل لهم إلا أن يكرروا للناس ما يعلمون، ويعيدوا عليهم ما يحفظون، فجمدت الأذهان وسكنت المدارك وأصبحت
стр. 351
العقول في سجن مظلم لا تطلع عليه الشمس ولا ينفذ إليه الهواء.
الجهل غشاء سميك يغشي العقل، والعلم نار متأججه تلامس ذلك الغشاء فتحرقه رويدا رويدا، فلا يزال العقل يتألم لحرارتها ما دام الغشاء بينه وبينها، حتى إذا أتت عليه انكشف له الغطاء فرأى النار نورا، والألم لذة وسرورا.
لا يستطيع الباطل أن يصرع الحق في ميدان؛ لأن الحق وجود والباطل عدم، وإنما يصرعه جهل العلماء بقوته، ويأسهم من غلبته، وإغفالهم النداء به، والدعاء إليه.
محال أن يهدم بناء الباطل فرد واحد في عصر واحد، وإنما يهدمه أفراد متعددون في عصور متعددة فيهزه الأول هزة تباعد ما بين أحجاره، ثم ينقض الثاني منه حجرا والثالث آخر وهكذا حتى لا يبقى منه حجر على حجر.
الجهلاء مرضى والعلماء أطباء، ولا يجمل بالطبيب أن يحجم عن العمل الجراحي فرارا من إزعاج المريض أو خوفا من صياحه وعويله أو اتقاء لسبه وشتمه، فإنه سيكون غدا أصدق أصدقائه وأحب الناس إليه.
وبعد فقليل أن يكون الداعي في الأمة الجاهلة حبيبا إليها إلا إذا كان خائنا في دعوته سالكا سبيل الرياء والدهان في دعوته،
стр. 352
وقليل أن ينال حظه من إكرامها وإجلالها إلا بعد أن تتجرع مرارة دوائه، وتشعر بحلاوة الشفاء، بعد مرارة ذلك الدواء.
الدعاء في هذه الأمة كثيرون ملء الفضاء، وكظة١ الأرض والسماء، ولكن لا يكاد يوجد بينهم داع واحد؛ لأنه لا يوجد بينهم شجاع.
أصحاب الصحف وكتاب الرسائل والمؤلفون وخطباء المجامع وخطباء المنابر كلهم يدعون إلى الحق وكلهم يعظون وينصحون ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولكن لا يوجد بينهم من يستطيع أن يحمل في سبيل الدعوة ضرا، أو يلاقي في طريقها شرا.
رأيت الدعاة في هذه الأمة أربعة، رجل يعرف الحق ويكتمه عجزا وجبنا، فهو ساكت طول حياته لا ينطق بخير ولا شر، ورجل يعرف الحق وينطق به، ولكنه يجهل طريق الحكمة والسياسة في دعوته فيهجم على النفوس بما يزعجها وينفرها، وكان خيرا له لو صنع ما يصنعه الطبيب الماهر الذي يضع الدواء المر في "برشامة" ليسهل تناوله وازدراده، ورجل لا يعرف حقا ولا باطلا، فهو يخبط في دعوته خبط الناقة العشواء في مسيرها, فيدعو إلى الخير والشر والحق والباطل والضار والنافع في موقف واحد،
стр. 353
فكأنه جواد امرئ القيس الذي يقول فيه:
مكر مفر مقبل مدبر معا
ورجل يعرف الحق ويدعو الأمة إلى الباطل دعوة المجد المجتهد، وهو أخبث الأربعة وأكثرهم غائلة؛ لأنه صاحب هوى يرى أنه لا يبلغ غايته منه إلا إذا أهلك الأمة في سبيله، فهو عدوها في ثياب صديقها؛ لأنه يوردها موارد التلف والهلاك باسم الهداية والإرشاد، فليت شعري من أي واحد من هؤلاء الأربعة تستفيد الأمة رشدها وهداها.
ما أعظم شقاء هذه الأمة وأشد بلاءها، فقد أصبح دعاتها في حاجة إلى دعاة ينيرون لهم طريق الدعوة, ويعلمونهم كيف يكون الصبر والاحتمال في سبيلها، فليت شعري متى يتعلمون، ثم متى يرشدون.
تم الجزء الأول من النظرات
стр. 354
فهرست الجزء الأول من النظرات:
صفحة
أتاريخ حياة المنفلوطي
أ-١ تقديم بقلم د. جبرائيل جبور
٣ المقدمة
٥١ الغد
٥٥ الكأس الأولى
٦١ الدفين الصغير
٦٧ مناجاة القمر
٧٠ أين الفضيلة
٧٦ الغني والفقير
٨٠ مدينة السعادة
٩٠ أيها المحزون
٩٢ إلى الدبر
٩٨ الرحمة
١٠٦ رسالة الغفران
١١٩ عبرة الدهر
١٢٩ أفسدك قومك
١٣٢ الصدق والكذب
١٤٣ النظامون
١٤٥ الحرية
١٥٠ عبرة الهجرة
١٥٤ الإنصاف
١٥٦ المدنية الغربية
١٦٢ يوم الحساب
١٧١ الشعرة البيضاء
١٧٧ الصياد
١٨٥ الانتحار
١٨٩ الجمال
١٩٢ الكذب
١٩٤ غرفة الأحزان
٢٠٢ الترف
٢٠٧ الحب والزواج
٢١٣ الإسلام والمسيحية
٢٢٦ أهناء أم عزاء
٢٢٨ الزوجتان
٢٣٦ في سبيل الإحسان
٢٤٥ أدب المناظرة
٢٥٠ الإحسان في الزواج
٢٥٥ لا همجية في الإسلام
٢٦٠ البخيل
٢٦٧ البعوض
стр. 355
صفحة
٢٧٣ الجزع
٢٧٧ الاتحاد
٢٨٣ النبوغ
٢٩٠ البائسات
٢٩٥ البيان
٣٠٣ السريرة
٣٠٧ زيد وعمرو
٣١١ أبو الشمقمق
٣١٦ دورة الفلك
٣١٩ تأبين فولتير
٣٣٥ العلماء والجهلاء
٣٣٩ الرجل والمرأة
٣٤٥ الدعوة
"تمت الفهرست"