العقول في سجن مظلم لا تطلع عليه الشمس ولا ينفذ إليه الهواء.
الجهل غشاء سميك يغشي العقل، والعلم نار متأججه تلامس ذلك الغشاء فتحرقه رويدا رويدا، فلا يزال العقل يتألم لحرارتها ما دام الغشاء بينه وبينها، حتى إذا أتت عليه انكشف له الغطاء فرأى النار نورا، والألم لذة وسرورا.
لا يستطيع الباطل أن يصرع الحق في ميدان؛ لأن الحق وجود والباطل عدم، وإنما يصرعه جهل العلماء بقوته، ويأسهم من غلبته، وإغفالهم النداء به، والدعاء إليه.
محال أن يهدم بناء الباطل فرد واحد في عصر واحد، وإنما يهدمه أفراد متعددون في عصور متعددة فيهزه الأول هزة تباعد ما بين أحجاره، ثم ينقض الثاني منه حجرا والثالث آخر وهكذا حتى لا يبقى منه حجر على حجر.
الجهلاء مرضى والعلماء أطباء، ولا يجمل بالطبيب أن يحجم عن العمل الجراحي فرارا من إزعاج المريض أو خوفا من صياحه وعويله أو اتقاء لسبه وشتمه، فإنه سيكون غدا أصدق أصدقائه وأحب الناس إليه.
وبعد فقليل أن يكون الداعي في الأمة الجاهلة حبيبا إليها إلا إذا كان خائنا في دعوته سالكا سبيل الرياء والدهان في دعوته،
стр. 352
وقليل أن ينال حظه من إكرامها وإجلالها إلا بعد أن تتجرع مرارة دوائه، وتشعر بحلاوة الشفاء، بعد مرارة ذلك الدواء.
الدعاء في هذه الأمة كثيرون ملء الفضاء، وكظة١ الأرض والسماء، ولكن لا يكاد يوجد بينهم داع واحد؛ لأنه لا يوجد بينهم شجاع.
أصحاب الصحف وكتاب الرسائل والمؤلفون وخطباء المجامع وخطباء المنابر كلهم يدعون إلى الحق وكلهم يعظون وينصحون ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولكن لا يوجد بينهم من يستطيع أن يحمل في سبيل الدعوة ضرا، أو يلاقي في طريقها شرا.
رأيت الدعاة في هذه الأمة أربعة، رجل يعرف الحق ويكتمه عجزا وجبنا، فهو ساكت طول حياته لا ينطق بخير ولا شر، ورجل يعرف الحق وينطق به، ولكنه يجهل طريق الحكمة والسياسة في دعوته فيهجم على النفوس بما يزعجها وينفرها، وكان خيرا له لو صنع ما يصنعه الطبيب الماهر الذي يضع الدواء المر في "برشامة" ليسهل تناوله وازدراده، ورجل لا يعرف حقا ولا باطلا، فهو يخبط في دعوته خبط الناقة العشواء في مسيرها, فيدعو إلى الخير والشر والحق والباطل والضار والنافع في موقف واحد،
стр. 353
فكأنه جواد امرئ القيس الذي يقول فيه:
مكر مفر مقبل مدبر معا
ورجل يعرف الحق ويدعو الأمة إلى الباطل دعوة المجد المجتهد، وهو أخبث الأربعة وأكثرهم غائلة؛ لأنه صاحب هوى يرى أنه لا يبلغ غايته منه إلا إذا أهلك الأمة في سبيله، فهو عدوها في ثياب صديقها؛ لأنه يوردها موارد التلف والهلاك باسم الهداية والإرشاد، فليت شعري من أي واحد من هؤلاء الأربعة تستفيد الأمة رشدها وهداها.
ما أعظم شقاء هذه الأمة وأشد بلاءها، فقد أصبح دعاتها في حاجة إلى دعاة ينيرون لهم طريق الدعوة, ويعلمونهم كيف يكون الصبر والاحتمال في سبيلها، فليت شعري متى يتعلمون، ثم متى يرشدون.
تم الجزء الأول من النظرات
стр. 354
فهرست الجزء الأول من النظرات:
صفحة
أتاريخ حياة المنفلوطي
أ-١ تقديم بقلم د. جبرائيل جبور
٣ المقدمة
٥١ الغد
٥٥ الكأس الأولى
٦١ الدفين الصغير
٦٧ مناجاة القمر
٧٠ أين الفضيلة
٧٦ الغني والفقير
٨٠ مدينة السعادة
٩٠ أيها المحزون
٩٢ إلى الدبر
٩٨ الرحمة
١٠٦ رسالة الغفران
١١٩ عبرة الدهر
١٢٩ أفسدك قومك
١٣٢ الصدق والكذب
١٤٣ النظامون
١٤٥ الحرية
١٥٠ عبرة الهجرة
١٥٤ الإنصاف
١٥٦ المدنية الغربية
١٦٢ يوم الحساب
١٧١ الشعرة البيضاء
١٧٧ الصياد
١٨٥ الانتحار
١٨٩ الجمال
١٩٢ الكذب
١٩٤ غرفة الأحزان
٢٠٢ الترف
٢٠٧ الحب والزواج
٢١٣ الإسلام والمسيحية
٢٢٦ أهناء أم عزاء
٢٢٨ الزوجتان
٢٣٦ في سبيل الإحسان
٢٤٥ أدب المناظرة
٢٥٠ الإحسان في الزواج
٢٥٥ لا همجية في الإسلام
٢٦٠ البخيل
٢٦٧ البعوض
стр. 355
صفحة
٢٧٣ الجزع
٢٧٧ الاتحاد
٢٨٣ النبوغ
٢٩٠ البائسات
٢٩٥ البيان
٣٠٣ السريرة
٣٠٧ زيد وعمرو
٣١١ أبو الشمقمق
٣١٦ دورة الفلك
٣١٩ تأبين فولتير
٣٣٥ العلماء والجهلاء
٣٣٩ الرجل والمرأة
٣٤٥ الدعوة
"تمت الفهرست"
стр. 356
المجلد الثاني
الحياة الذاتية
...
الحياة الذاتية:
أكثر الناس يعيشون في نفوس الناس أكثر مما يعيشون في نفوسهم، أي: إنهم لا يتحركون ولا يسكنون ولا يأخذون ولا يدعون، إلا لأن الناس هكذا يريدون.
حياة الإنسان في هذا العالم حياة ضمنية مدخلة في حياة الناس، فلو فتش عنها لا يجد لها أثرا إلا في عيون الناظرين، أو آذان السامعين، أو أفواه المتكلمين.
يتمثل لي أن الإنسان لو علم أن سيصبح في يوم من أيام حياته وحيدا في هذا العالم لا يجد بجانبه أذنا تسمع صوته, ولا عينا تنظر شكله, ولا لسانا يردّد ذكره لآثر الموت على الحياة علّه يجد في عالم غير هذا العالم من آذان الملائكة أو عيون الجِنة مقاعد يقتعدها, فيطيب له العيش فيها.
إذا كانت حياة كل إنسان متلاشية في حياة الآخرين, فأي مانع يمنعني من القول بأن تلك الحياة التي نحسبها متكثرة في هذا العالم حياة واحدة يتفق جوهرها, وتتعدد صورها كالبحر المائج
стр. 357
نراه على البعد فنحسبه طرائق قِدَدا, ونحسب كل موجة من أمواجه قسما من أقسامه, فإذا دنونا منه لا نرى غيره, ولا نجد لموجة من أمواجه حيزا ثابتا, ولا وصفا معينا.
لا حي في هذا العالم حياة حقيقية إلا ذلك الشاذّ الغريب في شئونه وأطواره وآرائه وأعماله, الذي كثيرا ما نسميه مجنونا, فإن رضينا عنه بعض الرضى في بعض الأحايين سميناه فيلسوفا ونريد بذلك أنه نصف مجنون، فهو الذي يتولى شأن الإنسان وتغيير نظاماته وقوانينه, وينتقل به من حال إلى حال بما يقلب من عاداته ويحوّل من أفكاره.
أي قيمة لحياة امرئ لا عمل له فيها إلا معالجة نفسه وتذليلها على الرضى بما يرضى به الناس, فيأكل ما لا يشتهي ويصدف نفسه عما تشتهي, ويسهر حيث لا يستعذب طعم السهر وينام حيث لا يطيب له المنام ويلبس من اللباس ما يحرج صدره أو يقصم ظهره, ويشرب من الشراب ما يحرق أمعاءه ويأكل أحشاءه, ويقف على ما يكره ويمشي إلى ما لا يحب, ويضحك لما يُبكي ويبكي لما يُضحك, ويبتسم لعدوه ويقطب في وجه صديقه, وينفق في دراسة ما يسمونه علم آداب السلوك أي: علم الدهان والملق, زمنا لو أنفق عشر معشاره في دراسة علم من علوم الحقيقة لكان
стр. 358
نابغته المبرز فيه حرصا على رضاء الناس, وازدلافا إلى قلوبهم.
ليست شهوة الخمر من الشهوات الطبيعية المركبة في غرائز الناس، فلو لم يذوقوها لما طلبوها ولا كلفوا بها، وما جناها عليهم إلا كلف تاركيها برضاء شاربيها، وما كان الترف خلقا من الأخلاق الطبيعية للإنسان ولكن كلف المتقشفون برضاء المترفين فتترفوا، فحملوا في ذلك السبيل من شقاء العيش وبلائه وأثقال الحياة ومؤنها ما نغّص عليهم عيشهم وأفسد عليهم حياتهم، وإنك لترى الرجل العاقل الذي يعرف ما يجب ويعلم ما يأخذ وما يدع يبيع منزله في نفقة المأتم وأثاث منزله في نفقة العرس, فلا تجد لفعله تأويلا إلا خوفه من سخط الناس واتقاءه مذمتهم، وكثيرا ما قتل الخوف من سخط الناس والكلف برضاهم ذكاء الأذكياء، وأطفأ عقول العقلاء، فكم رأينا من ذكي يظل طول حياته خاملا متلففا لا يجرؤ على إظهار أثر من آثار فطنته وذكائه؛ مخافة هزء الناس وسخرهم، وعاقل لا يمنعه من الإقدام على إصلاح شأن أمته وتقويمها إلا سخط الساخطين, ونقمة الناقمين.
وما أعجبت برجل في حياتي إعجابي بأديب من أدباء هذه الأمة من الذين يملئون الصدور والأسماع, يرمي بالرسالة من رسائله في الصحيفة من الصحف ثم يمضي لسبيله قُدُما فلا يمشي
стр. 359
وراءها مشية المتسمع المتجسس ليعلم ما رأي الناس فيها وما حديثهم عنها, وهل سخطوا عليها أو رضوا بها, ولا يمشي متنقلا في المجامع والأندية مسائلا عنها كل غادٍ ورائح ليجد خيرا فيضحك ويستبشر، أو شرا فيبكي ويبتئس، بل كثيرا ما رأيته يسمع حديث الناس عنه في حالي رضاهم وسخطهم ساكنا هادئا كأنما يحدثون غيره ويعنون سواه، حتى كدت أتخيل أن لا فرق عنده بين أحسنتَ وأجدتَ، وأسأتَ وأخطأتَ، بل قلما رأيته على كثرة لصوقي به وتفقدي مواقع سمعه وبصره يقرأ ما تكتبه الصحف عنه وما تعلقه على آرائه في رسائله من مدح أو ذمّ حتى كدتُ أحمل تلك الحال الغريبة من أمره على البله والغفلة, أو العظمة والكبرياء لولا أني فاتحته مرة في ذلك وسألته: لم لا تحفل برأي الناس فيك؟ ولم لا تقرأ ما يكتبون عنك؟ فأجاب: إنني ما أقدمت على الكتابة للناس في إصلاح شئونهم وتقويم معوجّهم إلا بعد أن عرفت أني أستطيع أن أنزل منهم منزلة المعلم من المتعلم، والناس خاصة وعامة، أما خاصتهم فلا شأن لي معهم ولا علاقة لي بهم ولا دخل لكلمة من كلماتي في شأن من شئونهم, فلا أفرح برضاهم ولا أجزع لسخطهم؛ لأني لم أكتب لهم ولم أتحدث معهم ولم أُشهدهم أمري ولم أُحضرهم
стр. 360
عملي، بل أنا أتجنب جهد المستطيع أن أستمع منهم كل ما يتعلق بي من خير أو شر؛ لأني راضٍ عن فطرتي وسجيتي في اللغة التي أكتب بها, فلا أحب أن يكدّرها عليّ منهم مكدِّر وعن آرائي ومذاهبي التي أودعها رسائلي, فلا أحب أن يشككني فيها منهم مشكك، ولم يهبني الله من قوة الفراسة ما أستطيع أن أميز به بين مخلصهم ومشوبهم, فأصغي إلى الأول لأستفيد علمه, وأعرض عن الثاني لأتقي غشه، فأنا أسير بينهم مسير رجل بدأ يقطع مرحلة لا بد له أن يفرغ منها في ساعة محدودة, ثم علم أن على يمين الطريق الذي يسلكه روضة تعتنق أغصانها وتشتجر أفنانها وتغرد أطيارها وتتألق أزهارها، وأن على يساره غابا تزأر أسوده وتعوي ذئابه وتَفِحّ أفاعيه وصلاله, فمشى قدما لا يلتفت يمنة مخافة أن يلهو عن غايته بشهوات سمعه وبصره, ولا يسرة مخافة أن يهيج بنظراته فضول تلك السباع المقعية والصلال الناشرة فتعترض دون طريقه، وأما عامتهم فهم بين ذكي قد وهبه الله من سلامة الفطرة وصفاء القلب ولين الوجدان ما يعده لاستماع القول واتباع أحسنه فأنا أحمد الله في أمره، وضعيف قد حِيل بينه وبين نفسه فهو لا يرضى إلا عما يعجبه ولا يسمع إلا ما يطربه فأكل أمره إلى الله وأستلهمه صواب الرأي فيه حتى يجعل
стр. 361
له من بعد عسر يسرا، فأنا أكتب لا لأعجب الناس بل لأنفعهم، ولا لأسمع منهم أنت أحسنت بل لأجد في نفوسهم أثرا مما كتبت، فلو أن هذه العشرة الملايين التي يحتضنها هذان الجبلان أجمعت أمرها على الإعجاب بي والرضاء عني ثم رأيت من بينها رجلا واحدا ينتفع بما أقول لكان الواحد المستفيد آثر في نفسي من الملايين المعجبين، أتدري لِمَ عجز كتاب هذه الأمة عن إصلاحها؟ لأنهم يظنون أنهم لا يزالون حتى اليوم تلاميذ في المدارس, وأنهم جالسون بين أيدي أساتذة اللغة يتلقون عنهم دروس البيان، فترى الواحد منهم يكتب وهمه المالئ قلبه أن يعجب اللغويين، أو يروق المنشئين، أو يطرب الأدباء، أو يضحك الظرفاء، ولا يدخل في باب أغراضه ومقاصده أن يتفقد المسلك الذي يريد أن يسلكه إلى قلوب الناس الذين يقول: إنه يعظهم أو ينصح لهم أو يهذبهم أو يثقفهم؛ ليعلم كيف ينفذ إلى نفوسهم وكيف يهجم على قلوبهم وكيف يملك ناصية عقولهم, فيعدل بها عن ضلالها إلى هداها، وعن فسادها إلى صلاحها، فمثله كمثل الفارس الكذاب الذي تراه كل يوم حاملا سيفه إلى الجوهري يرصع له قبضته, أو الحداد ليشحذ له حده, أو الصيقل ليجلو به صفحته, ولا تراه يوما في ساحة الحرب ضاربا به.
стр. 362
قد يكون الولع برضاء الناس والخوف من سخطهم مذهبا من مذاهب الخير, وطريقا من طرق الهداية للضالّ عنها لو أن الفضيلة هي الخلق المنتشر فيهم والغالب على أمرهم، بل لو كان الأمر كذلك لآثرت أن يعرض المرء نفسه على الفضيلة ذاتها من حيث هي, لا من حيث تشخصها في أفعال الناس وأقوالهم، فإذا استوثق منها وعلم أنها قد خالطت قلبه وأخذت مستقرها من نفسه جعلها ميزانا يزن به أقواله وأفعاله كما يزن به أقوال الناس وأفعالهم, ثم لا يبالي بعد ذلك أرضوا عنه أو سخطوا عليه, أو أحبوه أو أبغضوه, فإنما يبكي على الحب النساء.
стр. 363
العبرات:
كنت أغبط نفسي على التجلد والصبر, وأحسبني قادرا على الاستمساك في كل رزء مهما جل شأنه وعظم وقعه، فلما مات مصطفى كامل علمت أن من الرزايا ما لا يطاق تجرعه، ولا يستطاع احتماله.
كل يوم نرى الموت ولا نزال نعد الموت غريبا، هيهات لا غرابة في الموت، ولكن الغريب موت الغريب.
كل يوم تمر بنا قوافل الموتى فلا نأبهُ لها، وأكبر نصيبها منا الحوقلة والاسترجاع، فلما مرت قافلة مصطفى كامل دهشنا وجزعنا؛ لأنه كان غريبا في حياته، فأحرى أن يكون غريبا في مماته.
مات مصطفى كامل فعرفنا الموت وما كنا نعرفه قبل ذلك؛ لأننا ما كنا نرى إلا أمواتا ينقلون من ظهر الأرض إلى بطنها، أما مصطفى كامل فكان حيا حياة حقيقية, فكان موته كذلك.
لا يحسب الكاتبون أنهم صنعوا شيئا إذا بذلوا لذلك الفقيد
стр. 364
العظيم قطرة من الدمع أو قطرة من المداد، فإنه كان يبذل لهم ماء حياته قطرة قطرة حتى أفناه ومضى لسبيله، فشتان ما بين صنيعهم وصنيعه.
أين قطرات الدموع التي يريح بها الباكون أنفسهم، أو قطرات المداد التي يرصّع بها الكتاب أقلامهم، من قطرات الحياة التي أراقها مصطفى كامل في سبيل وطنه وأمته؟!
كان مصطفى كامل سراجا كبير الشعلة، وكل سراج تكبر شعلته يفرغ زيته وشيكا وتحترق ذبالته, فينطفئ نوره.
كان مصطفى كامل نشطا سريع الحركة, فقطع جسر الحياة في لحظة واحدة.
كان الوطنيون قبل اليوم يتكلمون، فلما جاء مصطفى كامل علّمهم كيف يصيحون، فلما صاحوا وأسمعوا عرفوا أن آذان السياسة لا يخترقها إلا الصوت الجهوري, ولولاه ما كانوا يعرفون.
كان الوطنيون يحتقرون أنفسهم ويسيئون الظن بها, فلا يصدقون أن تربة مصر تنبت أمثال فولتير وهوجو وغاريبالدي وواشنطون، فلما نبغ بينهم مصطفى كامل عرفوا أن تربة مصر لا تختلف كثيرا عن تربة أوروبا لو تعهدها الزارعون.
كان لمصطفى كامل أنامل أشبه شيء بريشة الموسيقار يضرب
стр. 365
بها على أوتار القلوب، وكأنما كان بينه وبينها سلك كهربائي, فهي تتحرك بحركته وتسكن بسكونه.
ما كان مصطفى كامل أذكى الناس ولا أعلم الناس ولا أعقل الناس, ولكنه كان أشجع الناس.
كان يفكر فيقتنع فيصمم فيمضي, فلا ينثني حتى الموت.
كان يخطئ أحيانا في اتخاذ الوسائل إلى آماله، ولكنه ما كان يتمهل كثيرا ليتبين أي طريق يأخذ, ولا أي مسلك يسلك مخافة أن تفتر همته بين الأخذ والرد, فيكون خطؤه في قعوده أكثر من خطئه في جهاده.
كان له منافسون يرمونه بالخفة والطيش، ويقولون له: إنك مخطئ أو مضر أو غير محسن أو غير عظيم، فما كان يصدق من ذلك شيئا، كأنما كان ينظر بعين الغيب إلى هذا اليوم الذي اتفق فيه أصدقاؤه وأعداؤه, وخصومه وأولياؤه أنه رجل عظيم.
ما كان مصطفى كامل من الأغنياء ولا من بيت الملك، وما كان آمرا ولا ناهيا، ولا رافعا ولا خافضا، ولكنه لقي من إجلال الناس لموته وإعظامهم لمصيبته ما لم يلق واحد من هؤلاء، ولا فضل لهم في ذلك عليه، فهو الذي علمهم كيف يحترمون العقول ويجلون المناقب والمزايا.
стр. 366
فيأيها القارئ الكريم: إن كان لك ولد تحب أن تجعله رجلا, فاجعل بين يديه حياة مصطفى كامل؛ ليتعلم منها الشجاعة والإقدام.
ويأيها المصري: كن أحرص الناس على وطنيتك، ولا تبغ بها بدلا من عرض الدنيا وزخرفها؛ فإنك إن فعلت كنت مصطفى كامل.
ويأيها الإنسان: أقدم على عظائم الأمور ولا تلتفت يمنة ولا يسرة, واخترق بسيف شجاعتك صفوف المعترضين والمنتقدين والمتهكمين، فإنهم سيعترفون بفضلك ويسمونك عظيما كما سموا مصطفى كامل.
ويأيها الراحل المودع: إن بين جنبي لوعة تعتلج لفراقك, لا أعرف سبيلا إلى التعبير عنها إلا القلم.
ها أنذا أعالج القلم علاجا شديدا على أن يسعفني بحاجتي, وها أنذا أقلبه ظهرا لبطن وأكثر من استمداده وأضغط به على القرطاس ضغطا شديدا, فلا أراه يغني عني شيئا.
خطر لي أن الحزن في سويداء القلب, وأنه بعيد الغور لا تبلغ إليه هذه الأداة القصيرة التي في يدي فاستبدلت منها أداة أطول منها, فكان حكمها حكم سابقتها.
стр. 367
إذن كيف أعبر عن وجدي عليك أيها الفقيد الكريم، وقد خرس القلم وعيَّ اللسان؟! الآن عرفت السبيل, ووصلت إلى ما أريد.
أنت الآن في عالم الأرواح وقد انكشف لك كل شيء من أسرار القلوب ودخائل الصدور، ولا بد أن يكون قد انكشف لك ما يكنّ قلبي من الوجد عليك، فما حاجتي بعد ذلك إلى ترجمة القلم أو تعبير اللسان.
أيها الراحل المودع: طبت حيا وميتا، خدمت أمتك في حياتك وبعد مماتك، لولا حياتك ما نمت العاطفة الوطنية في نفوس المصريين، ولولا مماتك ما عرف العالم بأجمعه أن الأمة المصرية على اختلاف مشاربها ومذاهبها تجمعها كلمة واحدة، وهي حب الوطن وحب رجاله العاملين.
стр. 368
دمعة على الإسلام:
كتب إليّ كاتب من علماء الهند كتابا يقول فيه: إنه اطلع على مؤلَّف ظهر حديثا بلغة "التأميل" وهي لغة الهنود الساكنين بناقور وملحقاتها بجنوب مِدارس، موضوعه تاريخ حياة السيد عبد القادر الجيلاني وذكر فضائله وكراماته, فرأى فيه من بين الصفات والألقاب التي وصف بها السيد عبد القادر ولقبه بها صفات وألقابا هي أجدر بمقام الألوهية منها بمقام النبوة, فضلا عن مقام الولاية كقوله: "سيد السموات والأرض" و"النفاع الضرار" و"المتصرف في الأكوان" و"المطلع على أسرار الخليقة" و"محيي الموتى" و"مبرئ الأعمى والأبرص والأكمه" و"أمره من أمر الله" و"ماحي الذنوب" و"دافع البلاء" و"الرافع الواضع" و"صاحب الشريعة" و"صاحب الوجود التام" إلى كثير من أمثال هذه النعوت, والألقاب.
ويقول الكاتب: إنه رأى في ذلك المؤلَّف فصلا يشرح فيه المؤلف الكيفية التي يجب أن يتكيف بها الزائر لقبر السيد عبد القادر الجيلاني, يقول فيه:
стр. 369
"أول ما يجب على الزائر أن يتوضأ وضوءا سابغا, ثم يصلي ركعتين بخشوع واستحضار, ثم يتوجه إلى تلك الكعبة المشرفة, وبعد السلام على صاحب الضريح المعظم يقول:
"يا صاحب الثقلين أغثني وأمدني بقضاء حاجتي، وتفريج كربتي".
"أغثني يا محيي الدين عبد القادر، أغثني يا ولي عبد القادر، أغثني يا سلطان عبد القادر، أغثني يا بادشاه عبد القادر، أغثني يا خوجه عبد القادر".
"يا حضرة الغوث الصمداني, يا سيدي عبد القادر الجيلاني عبدك ومريدك مظلوم عاجز, محتاج إليك في جميع الأمور في الدين والدنيا والآخرة"".
ويقول الكاتب أيضا: إن في بلدة "ناقور" في الهند قبرا يسمى "شاه الحميد" وهو أحد أولاد السيد عبد القادر كما يزعمون, وإن الهنود يسجدون بين يدي ذلك القبر سجودهم بين يدي الله، وإن في كل بلدة وقرية من بلدان الهند وقراها مزارا يمثل مزار السيد عبد القادر, فيكون القبلة التي يتوجه إليها المسلمون في تلك البلاد, والملجأ الذي يلجئون في حاجاتهم وشدائدهم إليه، وينفقون من الأموال على خدمته وسَدَنته وفي موالده وحفلاته
стр. 370
ما لو أنفق على فقراء الأرض جميعا لصاروا أغنياء.
هذا ما كتبه إلي ذلك الكاتب، ويعلم الله أني ما أتممت قراءة رسالته حتى دارت بي الأرض الفضاء، وأظلمت الدنيا في عيني, فما أُبصر مما حولي شيئا حزنا وأسفا على ما آلت إليه حالة الإسلام بين أقوام أنكروه بعدما عرفوه، ووضعوه بعدما رفعوه، وذهبوا به مذاهب لا عهد له بها، ولا قِبَل له باحتمالها.
أي عين يجمل بها أن تستبقي من شئونها قطرة لا تريقها أمام هذا المنظر المؤثر؛ منظر أولئك المسلمين وهم ركّع سجّد على أعتاب قبر ميت ربما كان بينهم من هو خير منه في حياته، فأحرى أن يكون كذلك بعد مماته!
أي قلب يستطيع أن يستقر بين جنبي صاحبه ساعة واحدة فلا يخفق وجدا أو يطير جزعا حينما يرى المسلمين أصحاب دين التوحيد أكثر المشركين إشراكا بالله، وأوسعهم دائرة في تعدد الآلهة وكثرة المعبودات.
لماذا ينقم المسلمون التثليث من المسيحيين؟! ولماذا يحملون لهم في صدورهم تلك الموجدة وذلك الضغن؟! وعلام يحاربونهم وفيم يقاتلونهم، وهم لم يبلغوا من الشرك بالله مبلغهم، ولم يغرقوا فيه إغراقهم؟!
стр. 371
يدين المسيحيون بآلهة ثلاثة, ولكنهم كأنهم يشعرون بغرابة هذا التعدد وبعده عن العقل, فيجملون فيه يقولون: إن الثلاثة في حكم الواحد، أما المسلمون فيدينون بآلاف من الآلهة أكثرها جذوع أشجار وجثث أموات وقطع أحجار من حيث لا يشعرون.
كثيرا ما يضمر الإنسان في نفسه أمرا وهو لا يشعر به، وكثيرا ما تشتمل نفسه على عقيدة وهو لا يحس باشتمال نفسه عليها، ولا أرى مثلا لذلك أقرب من المسلمين الذين يلجئون في حاجاتهم ومطالبهم إلى سكان القبور ويتضرعون إليهم تضرعهم للإله المعبود، فإذا عتب عليهم في ذلك عاتب قالوا: إنا لا نعبدهم وإنما نتوسل بهم إلى الله، كأنهم لا يشعرون أن العبادة ما هم فيه، وأن أكبر مظهر من مظاهر الإله المعبود أن يقف عباده بين يديه ضارعين إليه يلتمسون إمداده ومعونته، فهم في الحقيقة عابدون لأولئك الأموات من حيث لا يشعرون.
جاء الإسلام بعقيدة التوحيد ليرفع نفوس المسلمين ويغرس في قلوبهم الشرف والعزة والأنفة والحميّة, وليعتق رقابهم من رقِّ العبودية فلا يذل صغيرهم لكبيرهم، ولا يهاب ضعيفهم قويهم، ولا يكون لذي سلطان بينهم سلطان إلا بالحق والعدل، وقد
стр. 372
ترك الإسلام بسرّ عقيدة التوحيد ذلك الأثر الصالح في نفوس المسلمين في العصور الأولى، فكانوا ذوي أنفة وعزة وإباء وغيره, يضربون على يد الظالم إذا ظلم، ويقولون للسلطان إذا جاوز حده في سلطانه: لا تغلُ في تقدير نفسك، ولا تخرجْ عن دائرتك؛ فإنما أنت عبد مخلوق، لا رب معبود، واعلم أنه لا إله إلا الله.
هذه صورة من صور نفوس المسلمين في عصر التوحيد، أما اليوم وقد داخل عقيدتهم ما داخلها من الشرك الباطن تارة والظاهر أخرى فقد ذلت رقابهم، وخفقت رءوسهم، وضرعت نفوسهم، وفترت حميتهم، فرضوا بخطة الخسف واستناموا إلى المنزلة الدنيا, فوجد أعداؤهم السبيل إليهم فغلبوهم على أمرهم, وملكوا عليهم نفوسهم وأموالهم ومواطنهم وديارهم فأصبحوا من الخاسرين.
والله لن يسترجع المسلمون سالف مجدهم، ولن يبلغوا ما يريدون لأنفسهم من سعادة الحياة وهنائها إلا إذا استرجعوا قبل ذلك ما أضاعوه من عقيدة التوحيد، وإن طلوع الشمس من مغربها وانصباب ماء النهر في منبعه أقرب من رجوع الإسلام إلى سالف مجده ما دام المسلمون يقفون بين يدي الجيلاني كما يقفون بين يدي الله, ويقولون للأول كما يقول للثاني ﷻ :
стр. 373
"أنت المتصرف في الكائنات، وأنت سيد الأرضين والسموات".
إن الله أغير على نفسه من أن يُسعد أقواما يزدرونه ويحتقرونه ويتخذونه وراءهم ظهريا، فإذا نزلت بهم جائحة أو ألمت بهم ملمة ذكروا الحجر قبل أن يذكروه، ونادوا الجذع قبل أن ينادوه.
بمن أستغيث وبمن أستنجد ومن الذي أدعو لهذه الملمة، أأدعو علماء مصر وهم الذين يتهافتون على يوم "الكنسة"١ تهافت الذباب على الشراب، أم علماء الأستانة وهم الذين قتلوا جمال الدين الأفغاني فيلسوف الإسلام وأحيوا أبا الهدى الصيادي شيخ الطريقة الرفاعية، أم علماء العجم وهم الذين يحجون إلى قبر الإمام كما يحجون إلى البيت الحرام، أم علماء الهند وبينهم مثل مؤلف ذلك الكتاب؟!
يا قادة الأمة ورؤساءها، عذرنا العامة في إشراكها وفساد عقائدها، وقلنا: إن العامي أقصر نظرا وأضعف إدراكا من أن يتصور الألوهية إلا إذا رآها ماثلة في النصب والتماثيل والأضرحة والقبور، فما عذركم أنتم وأنتم تتلون كتاب الله, وتقرءون صفاته ونعوته, وتفهمون معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاّ اللَّهُ﴾ وقوله
стр. 374
مخاطبا نبيه: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ , وقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ ؟!
إنكم تقولون في صباحكم ومسائكم وغدوكم ورواحكم: "كل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف" فهل تعلمون أن السلف الصالح كانوا يجصِّصون قبرا أو يتوسلون بضريح؟! وهل تعلمون أن أحدا منهم وقف عند قبر النبي ﷺ أو قبر أحد من الصحابة وآل بيته يسأله قضاء حاجة أو تفريج كربة؟! وهل تعلمون أن الرفاعي والدسوقي والجيلاني والبدوي أكرم عند الله وأعظم وسيلة إليه من الأنبياء والمرسلين، والصحابة والتابعين؟! وهل تعلمون أن النبي ﷺ حينما نهى عن إقامة الصور والتماثيل نهى عنها عبثا ولعبا أم مخافة أن تعيد للمسلمين جاهليتهم الأولى؟! وأي فرق بين الصور والتماثيل وبين الأضرحة والقبور ما دام كل منها يجر إلى الشرك, ويفسد عقيدة التوحيد؟!
والله ما جهلتم شيئا من هذا ولكنكم آثرتم الدنيا على الآخرة, فعاقبكم الله على ذلك بسلب نعمتكم، وانتقاض أمركم، وسلط عليكم أعداءكم يسلبون أوطانكم، ويستعبدون رقابكم، ويخربون دياركم، والله شديد العقاب.
стр. 375
السياسة:
حضرة السيد الفاضل
ما لك لا تكثر من الكتابة في الشئون السياسية إكثارك منها في الشئون الأخلاقية والاجتماعية؟ وكيف يضيق بالسياسة قلمك وقد وسع كل شيء؟ فاكتب لنا في السياسة, فأمتك تحب أن تراك سياسيا والسلام فلان.
أيها الكاتب:
يعلم الله أني أبغض السياسة وأهلها بغضي للكذب والغش والخيانة والغدر.
أنا لا أحب أن أكون سياسيا؛ لأني لا أحب أن أكون جلّادا.
لا فرق عندي بين السياسيين والجلادين إلا أن هؤلاء يقتلون الأفراد, وأولئك يقتلون الأمم.
هل السياسي إلا رجل عرفت أمته أنه لا يوجد بين أفرادها من هو أقسى منه قلبا، ولا أكثر كيدا؛ فنصبته
стр. 376
للقضاء على الأمم الضعيفة وسلبها ما وهبها الله من الحسنات، وأجزل لها من الخيرات.
أليس أكبر السياسيين مقاما وأعظمهم فخرا وأسيرهم ذكرا ذلك الذي نقرأ صفحات تاريخه, فنرى حروفها من أشلاء القتلى, ونُقَطها من قطرات الدماء.
أيستطيع الرجل أن يكون سياسيا إلا إذا كان كاذبا في أقواله وأفعاله، يبطن ما لا يظهر، ويظهر ما لا يبطن، ويبتسم في مواطن البكاء، ويبكي في مواطن الابتسام.
أيستطيع الرجل أن يكون سياسيا إلا إذا عرف أن بين جنبيه قلبا متحجرا لا يقلقه بؤس البائسين، ولا تزعجه نكبات المنكوبين.
كثيرا ما يسرق السارق, فإذا قضى مأربه رفع يده متضرعا إلى الله أن يرزقه المال حلالا حتى لا يتناوله حراما، وكثيرا ما يقتل القاتل فإذا فرغ من أمره جلس بجانب قتيله يبكي عليه بكاء الثكلى على وحيدها، أما السياسي فلا يرى يوما في حياته أسعد من اليوم الذي يعلم فيه أن قد تم له تدبيره في إهلاك شعب وإفقار أمة، وآية ذلك أنه في يوم انتصاره كما يسميه هو أو في يوم جنايته كما أسميه أنا يسمع هتاف الهاتفين مطمئن القلب
стр. 377
مثلج الصدر، حتى ليخيل إليه أن الفضاء بأرضه وسمائه أضيق من أن يسع قلبه الطائر المحلق فرحا وسرورا.
يقولون: إن السياسة ليست علما من العلوم التي يتعلمها الإنسان في مدرسة أو يدرسها في كتاب، وإنما هي مجموعة أفكار قانونها التجارب وقاعدتها العمل، أتدري لماذا؟
لأن العلماء أشرف من أن يدونوا المكايد والحيل في كتاب، والمدارس أجلّ من أن تجعل بجانب دروس الأخلاق والآداب دروس الأكاذيب والأباطيل، وإلا فكل طائفة من طوائف المعلومات المتشابهة تدخل بطبيعتها تحت قانون عام يؤلفها, ويجمع بين أشتاتها.
هؤلاء هم السياسيون وهذه هي أخلاقهم وغرائزهم في الأعم الأغلب من شئونهم وأطوارهم، فهل تظن أيها الكاتب أن رجلا نصب نفسه لنصرة الحقيقة والأخذ بضبعي الفضيلة لاستنقاذها من بين مخالب الرذيلة, ووقف قلمه على تهذيب النفوس وترقية الخلاق, وملأ في رسائله فضاء الأرض والسماء بكاء ونواحا على أمته المسكينة المستضعفة, يستطيع أن يكون سياسيا أو محبا للسياسيين؟!
стр. 378
خداع العناوين:
لقد جهل الذين قالوا: إن الكتاب يعرف بعنوانه، فإني لم أر بين كتب التاريخ أكذب من كتاب بدائع الزهور ولا أعذب من عنوانه، ولا بين كتب الأدب أسخف من كتاب جواهر الأدب ولا أرق من اسمه، كما لم أر بين الشعراء أعذب اسما وأحط شعرا من ابن مليك وابن النبيه والشاب الظريف.
لقد كثر الاختلاف بين العناوين وبين الكتب حتى كدنا نقول: إن العناوين أدل على نقائضها منها على مفهوماتها، وألصق بأضدادها منها بمنطوقاتها، وإن العنوان الكبير حيث الكتاب الصغير، والكتاب الجليل حيث العنوان الضئيل.
الأتقياء:
لولا خداع العناوين ما سمينا صالحا تقيا كل من حرك سُبحته، وأطال لحيته، ووسع جُبته، وكوّر عمامته، ولقد نعلم أن وراء هذا العنوان الأبيض كتابا أسود الصفحات، كثير السقطات، وأن تحت هذا الستر الحريري الرقيق نفسا سوداء
стр. 379
مظلمة لا ينفذ إليها شعاع من أشعة الرحمة، ولا تهبّ عليها نسمة من نسمات الإحسان.
لن يؤمن المؤمن حتى يبذل في سبيل الله أو في سبيل الجماعة من ذات نفسه أو ذات يده ما يشق على مثله الجود بمثله، أما الجود بالشفاه للهمهمة، والأنامل للمسبحة، فعمل لا يتكلف صاحبه له أكثر مما يتكلف لتقليب ناظريه، وتحريك هُدبيه، وهل خلقت الشفاه إلا للتحريك، والأنامل إلا للتقليب؟
إن للإيمان مواقف يمتحن الله فيها عباده ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين، فإن بذل الضنين بماله ماله في مواقف الرحمة والشفقة، والشحيح بنفسه نفسه في سبيل الذود عن حوضه، والذب عن عشيرته وقومه، وضعيف العزيمة ما يملك من قوة وأيد في مغالبة شهوات النفس ومقاومة نزواتها، فذلك المؤمن الذي لا يشوب إيمانه رياء ولا دهان، ولا يخالط يقينه خداع ولا كذب، أو لا فأهون بهمهمته ودمدمته، ومسواكه ومسبحته، وهو بعنوان المنافق الكاذب أحرى منه بعنوان التقي الصالح ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ .
стр. 380
الوطنيون:
كنا وكان الرجل لا يبلغ ما يشتهيه من رتبة الوطنية إلا إذا قام في أمته مقاما محمودا يخاطر فيه بإحدى جوهرتيه ليدفع عنها خطبا مقبلا أو ينقذها من بلاء محيط، فإما بلغ في هجرته الغاية التي يريدها، وإما هلك من دونها هلاكا لا تؤلم نفسه صدمته، ولا تمر بفمه غضاضته؛ لأنه مخلص، وحسب المخلص جزاء له على إخلاصه أنه وفّى دينه الذي كان يثقل ظهره وكفى، فأصبحنا وليس بين المرء وبين نيل ألقاب الوطنية الأولى, وشاراتها الفضلى إلا صرخة عالية يصرخها في أحد المجامع, أو كلمة تافهة يكتبها في إحدى الصحف حتى تقام له الحفلات كما تقام لعظماء الرجال، وتمد إليه الأصابع كما تمد للقواد الأبطال، وربما كانت صرخة ذلك الصارخ جنة تمثلت في رأسه تمثل النهيق في رأس الحمار، فلما حان حينها عطس بها في ذلك المجمع الذي صادفه في طريقه لينفس عن نفسه، ويفرج من كربته، وربما كانت كلمة ذلك الكاتب نغمة من نغمات السؤال التي يترنم بها المتسولون، أو رقية من رقى الممخرقين التي يهمهمون بها استنداء للأكف, واستدرارا لحسنات المحسنين.
أعجب ما يعجب له المرء في هذه الأمة أنها لا تصدق الرجل
стр. 381
المستور إذا ادعى على آخر بفلس أو سحتوت حتى تطالبه بالشهود العدول والصكوك المؤكدة والأيمان المحرِّجة، فإذا قام بين يديها من لا تعرف له عدلا في سيرته، ولا صدقا في قوله، ولا إخلاصا في عمله، فادعى الوطنية لنفسه، والوطنية أثمن من الجوهر المنتقى واللؤلؤ المكنون، حكمت له بصحة دعواه في قضيته حكم القضاة الظالمين, بغير بيِّنة ولا يمين.
لولا خداع العناوين لوجدنا بين التجار الأمناء الذين يخدمون أمتهم بالصدق في القول والأمانة في العمل، والموظفين الشرفاء الأعفاء الذين لا يحابون ولا يصانعون، والحكام العادلين المخلصين لله وللأمة في السر والعلن، والزارعين المستقيمين، والصناع المجدين، والأكَّارين المستضعفين، من هو أولى بلقب الوطنية من أولئك الصارخين المتهوسين، والكاتبين المخادعين.
الأمجاد:
يقولون: إن الولد سر أبيه, ويريدون بذلك أنه المرآة التي ترتسم فيها صورته والبذرة التي تكمن فيها حقيقته وماهيته، وعلى هذه القاعدة بنى البانون قاعدة المجد, فأعظموا شأن الرجل الذي يمسك بطرف سلسلة في النسب يتصل أولها بعظيم من عظماء النفوس، أو شريف من شرفاء الأخلاق.
стр. 382
ثم ما زال الناس يعبثون بعنوان الشرف ويتوسعون في معناه حتى نظموا في سلكه الجبابرة الذين يسمونهم أمراء، والظلمة الذين يسمونهم ملوكا، والسفاحين الذين يسمونهم قوادا، واللصوص الذين يسمونهم وجهاء، فساقهم الخطأ في فهم الشرف إلى الخطأ في فهم المجد، فسموا ماجدا كل من ولد في فراش ملك وإن كان الحاكم بأمر الله، أو أمير وإن كان الحجاج، أو وزير وإن كان ابن الزيات، أو قائد وإن كان تيمورلنك، أو غني وإن كان قارون.
لا مجد إلا مجد العلم، ولا شرف إلا شرف التقوى، ولا عظمة إلا عظمة الآخذين بيد الإنسانية البائسة رحمة بها, وحنانا عليها.
أولئك هم الأمجاد، وأولئك الذين يفخر الفاخرون بالاتصال بهم والانتماء إليهم، وأولئك هم المفلحون.
الأغنياء:
لم أر بين جماعة المتسولين الذين يضربون في الأرض وراء لقمة يتبلغون بها أو خرقة يتقون بخيوطها البالية ما يتقون من لفحة الرمضاء، وهبة النكباء، ولا بين البؤساء الذين يحرقون فحمة الليل بكاء ونحيبا حول صغار كفراخ القطا يتلوَّوْن في
стр. 383
مضاجعهم من الجوع تلوّي الأفاعي المضطربة فوق الرمال الملتهبة، وتحت الشمس المحرقة، أسوأ حالا، ولا أنكد عيشا، ولا أكثر عناء، من هؤلاء الفقراء الذين يسميهم الناس أغنياء.
يأكل الموسر الباخل كما يأكل الفقير ويجلس كما يجلس وينام كما ينام ويتشهى كما يتشهى حتى لتكاد تثب أمعاؤه من جوفه وتسيل أحشاؤه من فمه شوقا إلى ما حرّم على نفسه من شهوات العيش وملذاته، ويستنّ١ استنان الجواد الضامر في ميدان السبق وراء الدرهم البعيد مناله حتى تنبهر أنفاسه، وتتخاذل أوصاله، حتى لو تخيل أن نجوم السماء دنانير منثورة لطار إليها بغير جناح فسقط هاويا, أو أن في بطن الأرض كنزا مذخورا لتمنى أن لو انفجر بركانها تحت قدميه فابتلعه, فأصبح من الهالكين.
الغني هو الغني بما في يده عما في أيدي الناس، والفقير هو الذي لا يقنعه في هذه الحياة مقنع، ولا تقف به نفسه عند مطمع, فانظر تحت أي عنوان من هذين العنوانين تضع البخلاء الموسرين.
المجرمون:
حضرت مجلسا من مجالس الأحكام حكم فيه قاضٍ مرتشٍ على متهم سرق رغيفا، فوضعت يميني على فمي مخافة أن يخرج أمر
стр. 384
نفسي من يدي, فأهتف صارخا لما ألم بقلبي من الرعب والفزع صرخة تدوي بها جوانب القاعة دوي الموج الثائر في البحر الزاخر، قائلا: مهلا رويدا أيها الحاكم الظالم، فأنت إلى قاض عادل تقف بين يديه أحوج منك إلى كرسي فخم تجلس عليه، ولو عدل القانون بينك وبين هذا الماثل بين يديك لبت وأعلاكما الأسفل.
إنك ترتزق في كل شهر ثلاثين دينارا فلم ترتش إلا لأنك شره طماع، وهذا السارق لم يسرق ذلك الرغيف إلا لأنه جائع ملتاع، ولو ملك مما تملك ثلاثين درهما ما فعل فعلته التي فعل، فأنت مجرم إلا أنك في وشاح شريف، وهو شريف إلا أنه في شملة مجرم.
فيا لله للحقيقة التي عبثت بها القوانين، ولعبت بعقول الناس فيها العناوين.
رب نفس بين جدران السجون أطهر قلبا وأنقى ردنا وأبيض عرضا من مثلها بين جدران القصور، ورب طريدة من طرائد المجتمع الإنساني ساقها المقدار الذي لا مفر من حكمه إلى وقفة فوق أعواد المشنقة كان أجدر بها ذلك المرابي الذي ينصب حبالة ماله لخراب البيوت العامرة، وإطفاء النجوم الزاهرة، أو ذلك القائد الذي يسفك في مواقفه دم مائة ألف أو يزيدون في
стр. 385
غير سبيل سوى سبيل المجد المصنوع، والفخر الموضوع، أو ذلك السياسي الذي يدبر المكيدة للحملة على أمة مستضعفة آمنة في مرقدها، سعيدة في نفسها، فيستعبد أحرارها، ويستذل أعزاءها، ثم يسلبها أثمن ما تملك يمينها من حريتها واستقلالها، وسعادتها وهنائها.
المتمدينون:
ليس بين المصري وبين أن يأخذ من إخوانه المصريين لقب الشاب العصري أو الرجل المتمدين إلا أن يصقل جبهته، ويصفف طرّته، ويفتح فمه للابتسام المتصنع، ويقوس يده للسلام المتعمل، ويستكثر في حديثه من ذكر المدنية الغربية وشئونها، وسرد أسماء نسائها ورجالها، وطرفها ونوادرها، ويستحسن ما تستحسنه وإن كان البراز والانتحار، ويستطرف ما تستطرفه وإن كان الزندقة والإلحاد، وربما زاد على ذلك شيئا من العلم بفلسفة الميكروبات، ونظرية البالونات، ثم لا يحول بعد ذلك تمدينه بينه وبين أن يكون فاسقا ينتهك الحرمات، أو مدمنا يترامى على أعتاب الحانات، أو أحمق لا يصفح عن ذنب، ولا يصانع في هفوة، ولا يعفو عن سيئة، أو سفيها يشتم حتى أميره وسلطانه، ووالده وأستاذه، أو وقاح الوجه لا يستحيي لمكرمة
стр. 386
ولا يغضي لمروءة، أو شحيحا لا يشرك صاحبه في مطعم ولا مشرب، ولا يفتح بابه لضيف زائر، أو طارق حائر.
إن كان حقا ما يقولون من أن التمدين يصقل الطباع الخشنة، ويقوّم الألسنة المعوجة، ويهذب النفوس الجافية، ويوسع الصدور الحرجة، فكثير ممن ندعوهم متمدينين متوحشون، وكثير ممن نسميهم همجيين مهذبون.
لو كان بي أن أكتب لمحو الفساد من المجتمع الإنساني والقضاء على شروره وآثامه لما حركت يدا، ولا جردت قلما؛ لأني أعلم كما يعلم الناس جميعا أن طلب المحال عثرة من عثرات النفوس، وضلة من ضلالات العقول، ولكنني أطلب مطلبا واحدا لا أرى في عقول الناس وأفهامهم ما يحول بينهم وبين تصوره وإدراكه، أن يهذبوا قليلا من هذه المصطلحات التي أنسوا بها، والعناوين التي جمدوا عليها. فلا يسمون المنافق تقيا، ولا المخادع وطنيا، ولا المتمجد ماجدا، ولا البخيل غنيا، ولا المفلوك مجرما، ولا المتوحش متمدينا، حتى لا ينزع محسن عن إحسانه، ولا يستمر مسيء في إساءته.
стр. 387
الإغراق:
بين الإغراق في المدح, والإغراق في الذم تموت الحقيقة موتا لا حياة لها من بعده إلى يوم يبعثون.
يسمع السامع أن زيدا ملك كريم، ثم يسمع أنه شيطان رجيم، فيخرج منه صِفْر اليدين، لا يعلم أين مكانه من هذين الطرفين.
يقولون: إن المشعوذين إذا أرادوا أن يسحروا أعين الناس وضعوا في سقف غرفة قطعة من المغناطيس وفي أرضها قطعة أخرى، ثم يتركون في الفضاء قطعة من الحديد لا تزال تترجح بين هذين الجاذبين.
هكذا تضطرب الحقيقة في أيدي المغرقين، اضطراب الحديدة في أيدي المشعوذين.
الحقيقة بين الكاذب والكاذب، كالحبل بين الجاذب والجاذب، كلاهما ينتهي به الأمر إلى الانقطاع.
لو علم الذي ينصب نفسه للموازنة بين الأشخاص أنه جالس
стр. 388
على كرسي القضاء, وأن الناس سيسألونه عما قال كما يسألون القاضي عما حكم، ما طاش سهمه في حكمه، ولا ركب متن الغلو في تقديره.
كما أنه يجب على القاضي أن يقدر لكل جريمة ما يناسبها من العقوبة، كذلك يجب على الكاتب أن يضع كل شخص في المنزلة التي وضعته فطرته فيها، وأن لا يعلو به فوق قدره ولا ينزل به دون منزلته.
ليس بين كتَّاب هذا العصر من لم يقرأ في التاريخ الماضي متناقضات الأحكام على الأشخاص، وليس بينهم من لم يتمنّ أن يكون في موضع أولئك المؤرخين حتى لا يغلو غلوهم، ولا يتطرف تطرفهم في أحكامهم.
أيها الكتاب المحزونون: لا يحزنكم ما كان؛ فقد مضى ذلك الزمن بخيره وشره، ولئن فاتكم أن تكونوا مؤرخي العصر الماضي فلن يفوتكم أن تكونوا مؤرخي العصر الحاضر، وكما أن للماضي مستقبلا وهو حاضركم هذا، فسيكون لهذا الحاضر مستقبل يحاسبكم فيه رجاله على هفواتكم في أحكامكم، كما تحاسبون اليوم رجال الماضي على غلوهم في أحكامهم، وتطرفهم في آرائهم.
إن من التناقض بين أقوالكم وأعمالكم أن تنقموا من
стр. 389
المؤرخين المتقدمين ما أنتم فاعلون، وتأخذوا عليهم ما أنتم به آخذون.
كل كاتب عندكم أكتب الكتَّاب، وكل شاعر أشعر الشعراء، وكل مؤلف أعلم العلماء، وكل خطيب رئيس الأمة، وكل فقيه إمام الدين، فأين الفاضل والمفضول، وأين الرئيس والمرءوس؟ وكيف يكون زيد اليوم أفضل من عمرو، ويكون عمرو غدا أفضل منه؟ وأين ملكة التمييز التي وهبها الله لكم لتميزوا بها بين درجات الناس ومنازلهم؟ وهل بلغ التفاوت بين عقولكم وأذواقكم أن يكون الرجل الواحد في نظر بعضكم خير الناس، وفي نظر البعض الآخر شر الناس؟
إني حبست الآن قلمي عن الكتابة؛ لأتجرد عن نفسي ساعة من الزمان, فتخيلت كأني رجل من رجال العصور الآتية، وأني ذهبت إلى دار من دور الكتب القديمة لأفتش فيها عن تاريخ عظيم من عظماء عصركم, فقرأت ما كتبتموه عنه في مؤلفاتكم وصحفكم, فرأيته تارة عظيما وأخرى حقيرا، ومرة شريفا ومرة وضيعا، ورأيته عالما وجاهلا وذكيا وغبيا وعاقلا وممرورا١ في آن واحد، فخرجت أضل مما دخلت، لا أعرف من تاريخ
стр. 390
الرجل أكثر من أنه رجل، أي: إنه ذكر بالغ من بني آدم.
أيها القوم: إنكم لا تستطيعون أن تكونوا رجالا عادلين في أحكامكم وآرائكم إلا إذا أصلحتم نفوسكم قبل ذلك, وتعلمتم كيف تستطيعون أن تتجردوا عن أهوائكم وأغراضكم قبل أن تمسكوا بأقلامكم.
أيها القوم: إن عجزتم عن أن تكونوا عادلين، فكونوا راحمين، فارحموا أنفسكم وأعفوها من الدخول في مأزق أنتم عاجزون عنه، فقد ضاقت صدورنا بهذه المتناقضات، وسئمت نفوسنا تلك المبالغات.