← Адаб

Адаб · id 11400

النظرات

المنفلوطي

Полный текст (1 016 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ولا يغضي لمروءة، أو شحيحا لا يشرك صاحبه في مطعم ولا مشرب، ولا يفتح بابه لضيف زائر، أو طارق حائر. إن كان حقا ما يقولون من أن التمدين يصقل الطباع الخشنة، ويقوّم الألسنة المعوجة، ويهذب النفوس الجافية، ويوسع الصدور الحرجة، فكثير ممن ندعوهم متمدينين متوحشون، وكثير ممن نسميهم همجيين مهذبون. لو كان بي أن أكتب لمحو الفساد من المجتمع الإنساني والقضاء على شروره وآثامه لما حركت يدا، ولا جردت قلما؛ لأني أعلم كما يعلم الناس جميعا أن طلب المحال عثرة من عثرات النفوس، وضلة من ضلالات العقول، ولكنني أطلب مطلبا واحدا لا أرى في عقول الناس وأفهامهم ما يحول بينهم وبين تصوره وإدراكه، أن يهذبوا قليلا من هذه المصطلحات التي أنسوا بها، والعناوين التي جمدوا عليها. فلا يسمون المنافق تقيا، ولا المخادع وطنيا، ولا المتمجد ماجدا، ولا البخيل غنيا، ولا المفلوك مجرما، ولا المتوحش متمدينا، حتى لا ينزع محسن عن إحسانه، ولا يستمر مسيء في إساءته.

стр. 387

الإغراق: بين الإغراق في المدح, والإغراق في الذم تموت الحقيقة موتا لا حياة لها من بعده إلى يوم يبعثون. يسمع السامع أن زيدا ملك كريم، ثم يسمع أنه شيطان رجيم، فيخرج منه صِفْر اليدين، لا يعلم أين مكانه من هذين الطرفين. يقولون: إن المشعوذين إذا أرادوا أن يسحروا أعين الناس وضعوا في سقف غرفة قطعة من المغناطيس وفي أرضها قطعة أخرى، ثم يتركون في الفضاء قطعة من الحديد لا تزال تترجح بين هذين الجاذبين. هكذا تضطرب الحقيقة في أيدي المغرقين، اضطراب الحديدة في أيدي المشعوذين. الحقيقة بين الكاذب والكاذب، كالحبل بين الجاذب والجاذب، كلاهما ينتهي به الأمر إلى الانقطاع. لو علم الذي ينصب نفسه للموازنة بين الأشخاص أنه جالس

стр. 388

على كرسي القضاء, وأن الناس سيسألونه عما قال كما يسألون القاضي عما حكم، ما طاش سهمه في حكمه، ولا ركب متن الغلو في تقديره. كما أنه يجب على القاضي أن يقدر لكل جريمة ما يناسبها من العقوبة، كذلك يجب على الكاتب أن يضع كل شخص في المنزلة التي وضعته فطرته فيها، وأن لا يعلو به فوق قدره ولا ينزل به دون منزلته. ليس بين كتَّاب هذا العصر من لم يقرأ في التاريخ الماضي متناقضات الأحكام على الأشخاص، وليس بينهم من لم يتمنّ أن يكون في موضع أولئك المؤرخين حتى لا يغلو غلوهم، ولا يتطرف تطرفهم في أحكامهم. أيها الكتاب المحزونون: لا يحزنكم ما كان؛ فقد مضى ذلك الزمن بخيره وشره، ولئن فاتكم أن تكونوا مؤرخي العصر الماضي فلن يفوتكم أن تكونوا مؤرخي العصر الحاضر، وكما أن للماضي مستقبلا وهو حاضركم هذا، فسيكون لهذا الحاضر مستقبل يحاسبكم فيه رجاله على هفواتكم في أحكامكم، كما تحاسبون اليوم رجال الماضي على غلوهم في أحكامهم، وتطرفهم في آرائهم. إن من التناقض بين أقوالكم وأعمالكم أن تنقموا من

стр. 389

المؤرخين المتقدمين ما أنتم فاعلون، وتأخذوا عليهم ما أنتم به آخذون. كل كاتب عندكم أكتب الكتَّاب، وكل شاعر أشعر الشعراء، وكل مؤلف أعلم العلماء، وكل خطيب رئيس الأمة، وكل فقيه إمام الدين، فأين الفاضل والمفضول، وأين الرئيس والمرءوس؟ وكيف يكون زيد اليوم أفضل من عمرو، ويكون عمرو غدا أفضل منه؟ وأين ملكة التمييز التي وهبها الله لكم لتميزوا بها بين درجات الناس ومنازلهم؟ وهل بلغ التفاوت بين عقولكم وأذواقكم أن يكون الرجل الواحد في نظر بعضكم خير الناس، وفي نظر البعض الآخر شر الناس؟ إني حبست الآن قلمي عن الكتابة؛ لأتجرد عن نفسي ساعة من الزمان, فتخيلت كأني رجل من رجال العصور الآتية، وأني ذهبت إلى دار من دور الكتب القديمة لأفتش فيها عن تاريخ عظيم من عظماء عصركم, فقرأت ما كتبتموه عنه في مؤلفاتكم وصحفكم, فرأيته تارة عظيما وأخرى حقيرا، ومرة شريفا ومرة وضيعا، ورأيته عالما وجاهلا وذكيا وغبيا وعاقلا وممرورا١ في آن واحد، فخرجت أضل مما دخلت، لا أعرف من تاريخ

стр. 390

الرجل أكثر من أنه رجل، أي: إنه ذكر بالغ من بني آدم. أيها القوم: إنكم لا تستطيعون أن تكونوا رجالا عادلين في أحكامكم وآرائكم إلا إذا أصلحتم نفوسكم قبل ذلك, وتعلمتم كيف تستطيعون أن تتجردوا عن أهوائكم وأغراضكم قبل أن تمسكوا بأقلامكم. أيها القوم: إن عجزتم عن أن تكونوا عادلين، فكونوا راحمين، فارحموا أنفسكم وأعفوها من الدخول في مأزق أنتم عاجزون عنه، فقد ضاقت صدورنا بهذه المتناقضات، وسئمت نفوسنا تلك المبالغات.

стр. 391

اللقيطة: مر عظيم من عظماء هذه المدينة بزُقاق من أزقة الأحياء الوطنية في ليلة من ليالي الشتاء ضرير نجمها، حالك ظلامها، فرأى تحت جدار متهدم فتاة صغيرة في الرابعة عشرة من عمرها جالسة القرفصاء١ وقد وضعت رأسها بين ركبتيها اتقاء للبرد الذي كان يعبث بها عبث النكباء بالعود، وليس في يدها ما تتقيه به إلا أسمال تتراءى مزقها٢ فوق جسمها العاري, كأنها آثار السياط فوق أجسام المستعبدين في عهود الاستبداد. وقف الرجل أمام هذا المشهد المحزن المؤثر وقفة الكريم الذي تؤلمه مناظر البؤس وتزعج نفسه مواقف الشقاء، ثم تقدم نحوها وهز يدها برفق فرفعت رأسها مرتاعة مذعورة, وهمت بالفرار من بين يديه وهي تصيح: "لا أعود, لا أعود" فلم يزل يمسحها٣ ويروضها حتى هدأ روعها وعاد إليها رشدها, وعلمت

стр. 392

أنها ليست بين يدي الرجل الذي تخافه, فنظرت إليه نظرة هادئة ساكنة لو أنها اتصلت بلسان ناطق وفم لحدثت عما وراءها من لواعج الأحزان، وأفانين الأشجان. - ما اسمك أيتها الفتاة؟ - لا أعلم يا سيدي. - بماذا ينادونكِ؟ - يدعونني اللقيطة. - وهل أنت لقيطة كما يقولون؟ - نعم يا سيدي؛ لأني لا أعرف لي أبا ولا أما في الأحياء ولا في الأموات سوى رجل يتولى شأني ويضمني في منزله، وكنت أحسبه أبي فيمتلئ قلبي سرورا به وعطفا عليه، فلما رأيت أنه يعذبني عذابا أليما ويحمِّلني من آلام الحياة وأسقامها ما لا يحمِّله الآباء أبناءهم, علمت أني وحيدة في هذا العالم وفهمت معنى الكلمة التي يناديني بها، فألمّ بنفسي من الحزن والألم ما الله عالم به، وكنت كلما مشيت في الطريق ورأيت فتاة صغيرة سألتها: ألكِ أم؟ فتجيبني: نعم، ثم تقص علي من قصص عطف أمها عليها ورأفتها بها ما يزيدني هما، ويملأ قلبي يأسا، حتى كان يخيل إلي أنني أذنبت قبل وجودي في هذا العالم ذنبا عاقبني الله عليه

стр. 393

بهذا الوجود، بيد أني صبرت على هذا الرجل وعلى ما كان يكلفني به من التسول على قارعة الطريق؛ إبقاء على نفسي وضنا بحياتي أن تغتالها غوائل الدهر، وكان كلما رأى حاجتي إليه وإلى مأواه اشتطّ في ظلمي ولؤُم في معاملتي، حتى صار يضربني ضربا مبرحا كلما عدت إليه عشاء بأقل من الجعل الذي فرض علي جمعه في كل يوم، وما زلت أصابره برهة من الزمان حتى جاءني هذه الليلة بداهية الدواهي ومصيبة المصائب، فقد حاول أن يسلب من بين جنبيّ جوهرة العفاف التي لم يبق في يدي ما يعزيني عما فقدته من هناء الحياة ونعيمها سواها، فلم أر لي بدا من أن أفر من بين يديه متسللة تحت جنح الظلام من حيث لا يشعر بمكاني، وما زلت أمشي على غير هدى لا أعرف لي مذهبا ولا مضطربا حتى أويت إلى هذا الزقاق كما تراني، فهل لك يا سيدي أن تحسن إلي كما أحسن الله إليك، وأن تبتاع لي رغيفا من الخبز أتبلغ به، فقد مر بي يومان لم أذق فيهما طعاما ولا شرابا؟ سمع الرجل من الفتاة هذه القصة المحزنة فما استقبلها إلا بدموع حارة تنحدر على خديه انحدار العقد وهَى سلكة، ثم أخذ بيدها ومشى بها صامتا واجما لا يكاد يستفيق شهيقا وزفيرا حتى بلغ منزله، وهنالك صنع بها صنع الكريم بأهله، وأبلغها من

стр. 394

دهرها ما لم تكن تمني نفسها بالوشل القليل منه، وما هي إلا أيام قلائل حتى ظهرت في قصر ذلك الرجل العظيم فتاة جديدة من أجمل الفتيات وجها وأكرمهن أخلاقا وأرقهن شمائل وأكملهن آدبا، يعرفها كل من عرف صاحب القصر أنها ابنة قريب له مات عنها وخلفها يتيمة, فكان إلى هذا القصر مصيرها. وكان لصاحب القصر فتاة من الفتيات اللواتي ربين التربية الحديثة التي يسمونها "التربية العصرية" ويريدون منها التربية الإفرنجية، فكان كل ما حصلت عليه من العلوم والمعارف, الفنون الآتية: ١- الرطانة الأعجمية حتى مع خادمها الزنجي، وكلبها الرومي. ٢- الولوع بمطالعة الروايات الغرامية. ٣- البراعة في معرفة أي الأزياء أعلق بالقلوب, وأجذب للنفوس. ٤- الكبرياء والعظمة, واحتقار كل مخلوق سواها حتى أبويها. ٥- الأثرة وحب الذات حبا يملأ قلبها غيرة وحسدا, حتى إنها لا تستطيع أن تسمع وصفا من أوصاف الحسن يوصف به سواها.

стр. 395

رأت هذه الفتاة الشريفة أن هذه الفتاة اللقيطة قد أصبحت تقاسمها قلب أبيها وقلوب الزائرات من النساء بما وهبها الله من جمال الخَلق وجمال الخُلق، فأضمرت لها في قلبها من البغض والموجدة ما يضمره أمثالها من اللواتي ربين تربيتها ونهجن في سبل الحياة منهجها، فكانت تتعمد إساءتها وازدراءها وتغرى بتبكيتها وتأنيبها، والفتاة لا تبالي بشيء من هذا وفاء لسيدها وولي نعمتها، وترفعا عن النزول إلى منزلة من يغضب لمثل الهِنات الصغيرة حتى حدثت ذات يوم هذه الحادثة: دخل صاحب القصر قصره ليلة من الليالي, فبينا هو صاعد على سلم القصر إذ عثر برقعة ملقاة فتناولها, فقرأ فيها هذه الكلمة: سيدتي: أنا منتظرك عند منتصف الليل في بستان القصر تحت شجرة السرو المعهودة. حبيبك. فما أتم الرجل قراءة البطاقة حتى دارت به الأرض الفضاء, وحتى لمس قلبه بيمينه ليعلم أطار أم لا يزال في مكانه، ثم كأنه أراد أن يخفف ما ألم بنفسه من الحزن والقلق فقال: لعل ذلك الموعد مع تلك الفتاة اللقيطة، ومن الظلم أن أتهم ابنتي قبل أن أعلم الحقيقة، فنظر في ساعته فإذا الساعة قريبة فرجع أدراجه وما زال

стр. 396

يترفق في مشيته ويتنقل في الحديقة من شجرة إلى شجرة حتى وصل إلى شجرة اللقاء، فكمن وراءها ينتظر ما خبأ له الدهر من حدثانه، وما أضمر له الغيب في طياته. لم تكن الرسالة رسالة اللقيطة الوضيعة بل رسالة السيدة الشريفة، وبينما كانت الثانية واقفة في غرفتها أمام مرآتها تختار لنفسها أجمل الأزياء وأليقها بمواقف اللقاء, كانت الأولى نائمة في غرفتها نوما هادئا مطمئنا لا تزعجه زورة الطيف ولا تروعه أحلام الشباب، حتى سمعت وقع أقدام سيدها على سلم القصر فاستيقظت, ثم رابها موقفه فأشرفت عليه من حيث لا يشعر بمكانها فعرفت كل شيء, وعلمت أن سيدها سيقف على سر ابنته الذي كانت تعالج كتمانه زمنا طويلا وأنه لا بد قاتل نفسه في ذلك الموقف حزنا ويأسا، فعناها من أمره ما عناها ثم أطرقت برأسها لحظة تتلمس وجه الحيلة في دفع هذه النازلة وتطلب المخرج منها, ثم رفعت رأسها وقد قررت في نفسها أمرا. نزلت مسرعة من سلم القصر فرأت الفتاة قد خرجت من باب القصر إلى ذلك الموعد, فأدركتها وأمسكت بطرف ثوبها فارتاعت والتفتت إليها وقالت لها: ماذا تريدين مني؟ أتتجسسين عليَّ؟ قالت لها: لا يا سيدتي، وأفضت إليها بالقصة من مبدئها إلى

стр. 397

منتهاها، فأسقط في يدها وعلمت أن أباها قد وقف على سرها فقالت لها: لا تزعجي نفسك فإن أباك لا يعلم أيتنا صاحبة الكتاب, فعودي إلى غرفتك وسأذهب إلى الموعد, مكانك حتى إذا رآني هناك ذهب من نفسه ما كان يخالجها من الشك في أمرك. ثم استمرت أدراجها حتى وصلت إلى تلك الشجرة, وهنالك برز الرجل من مكمنه واقترب منها حتى عرفها, فحمد الله على سلامة شرفه وشرف ابنته ثم قال لها: أيتها الفتاة, إني أحسنت إليك واستنقذتك من يد البؤس والشقاء فأسأت إلي بما فعلت حتى كدت أهلك الليلة حزنا وغما, وألصق بابنتي ذنبك وأحمل عليها عارك, فاخرجي من منزلي, فاللئيم ليس أهلا للإحسان. فخرجت خائبة تتعثر في أذيالها حتى وصلت إلى شاطئ النهر, وهنالك أخرجت مذكرتها من محفظتها وكتبت فيها آخر كلمة خطتها أناملها: "أحمد الله أني قدرت على مكافأة ذلك الرجل الذي أحسن إلي بستر عاره, وإزالة همه وحزنه, وافتدائه بنفسي". ثم ألقت بنفسها في النهر، وما هي إلا دورة أو دورتان حتى

стр. 398

افترق ذانك الصديقان الوفيان، جسمها وروحها، فطفا منهما ما طفا ورسب ما رسب. وفي صباح ذلك اليوم عثر الشرَط بجثة الفتاة الشهيدة, فعرفوها وعادوا بها إلى منزل سيدها فبكاها بكاء كثيرا, وندم على ما أساء به إليها من طردها وإزعاجها, ثم أمر بدفنها ولم يبق في يده من آثارها غير حقيبتها التي حفظها في صندوقه دهرا طويلا. مرت الأيام تلو الأيام وجاءت الحوادث إثر الحوادث, وظهر للرجل من أخلاق ابنته وطباعها وتهتكها واستهتارها ما لم يكن يعرفه من قبل, حتى ضاق بأمرها ذرعا وجلس في غرفته في إحدى الليالي يفكر فيما ساق إليه الدهر من خطوبه ورزاياه، ثم ألم به الضجر فقام يقلب في صندوقه حتى عثر بتلك الحقيبة ولم يكن قد فتحها حتى هذه الساعة، فإنه ليقرأ فيها إذ عثر بتلك الكلمة التي كتبتها الفتاة على شاطئ النهر قبل موتها, فما أتى على آخرها حتى عرف كل شيء، فسقط مغشيا عليه يعالج من الحزن والهم ما يعالج المحتضر من سكرات الموت. فما استفاق من غشيته حتى صار يهذي هذيان المحموم, ولبث على هذا الحال بضعة أشهر يمرض ثم يبل, ثم يمرض ثم يبل, حتى أدركته رحمة الله فمرض مرضا لم ينقض إلا بانقضاء أجله.

стр. 399

فيأيها الوالد المجهول الذي قذف بتلك الفتاة البائسة في بحر هذا الوجود الزاخر: أعلمت قبل أن تفعل فعلتك التي فعلت أنك ستبرز إلى هذا العالم فتاة تلاقي من شقائه وآلامه ما لا قبل لها, ولا لمخلوق من البشر باحتماله. ويأيها الآباء العظماء: إن كنتم تريدون أن تسلموا بناتكم إلى هذه المدنية الغربية تتولى عنكم شأنهن وتكفل لكم تربيتهن, فانتزعوا من بين جنوبكم قبل ذلك غرائز الشهامة والعزة والأنفة، حتى إذا رزأكم الدهر فيهن وفجعكم في أعراضهن, وقفتم أمام تلك المشاهد هادئين مطمئنين، لا تتعذبون ولا تتألمون. ويأيها الناس جميعا: لا تحفلوا بعد اليوم بالأنساب والأحساب، ولا تفرقوا بين تربية الأكواخ وتربية القصور، ولا تعتقدوا أن الفضيلة وقف على الأغنياء، وحبائس على العظماء، فقد علمتم ما أضمر الدهر في صدره من رذائل الشرفاء، وفضائل اللقطاء.

стр. 400

الصندوق: حضرة السيد الفاضل: يوجد في ضريح السيد البدوي صندوق توضع فيه النذور التي يبلغ مجموعها في العالم نحو ستة آلاف جنيه, فإذا فتح ذلك الصندق يختص بعض الخلفاء بأخذ نحو الربع مما فيه والباقي يوزع على أصحاب الأنصبة الكثيرين الذين يعدون بالمئات، فهل ترون أن هذه القسمة شرعية مع أن الذين يأخذون الألوف أغنياء، والذين يأخذون الآحاد الفقراء؟ أفتنا أيها السيد الفاضل بما يوجبه الإنصاف والعدل الديني في هذه المسألة التي أصبحت الشغل الشاغل للكثير من الناس. ابن جلا. أيها السائل: أراك تسألني عن القسمة الشرعية في هذا المال كأنك تعتقد أنه ميراث شرعي, وأن لهؤلاء الذين تسميهم أصحاب الأنصبة من الحق في هذا المال ما للوارثين من مال المورّثين. إن الذي أعلمه أن هذا الحق المزعوم حق موهوم لا يستطيع

стр. 401

أن يحمله الحامل على وجه من الوجوه الشرعية؛ لأن الذين يضعون المال في ذلك الصندوق وأمثاله لا يريدون أن يهبوه لأحد من سدنة ذلك الضريح أو خدمته أو أصحاب العلائق بالميت المدفون فيه، ولو أنهم أرادوا ذلك لما كان بينهم وبين هؤلاء القوم حائل يمنعهم عن وضع ذلك المال في أيديهم، ولكنهم لما تصوروا أن ذلك الميت حي في قبره يسمع نجواهم ويفهم حديثهم ويلبي دعاءهم تجسم في نظرهم هذا الخيال, فأرادوا أن يعطوه جميع أحكام الأحياء حتى في حب المال وادخاره، فخيل إليهم أن الصندوق من الميت بمنزلة الكيس من الحي، فهم يهبونه المال ويضعونه في صندوقه؛ لأنهم يعجزون عن وضعه في يده. أما كيفية تصرف الميت بهذا المال والبحث عن مذاهبه ومراميه فهو أمر لا يخطر على بالهم, ولا يدخل في باب مقاصدهم وأغراضهم. فإن وجد بينهم من يعلم أن مرجع هذا المال الذي يضعه في الصندوق إلى سدنة الضريح وخدمته وأشياع صاحبه, فعلمه هذا لا يستفاد منه أنه يهبه لهم أو يمنحه إياهم؛ لأنهم لو أرادوه على أن يعطيهم ذلك المال أو يعطيهم بعضه ويستبقي لنفسه البعض الباقي لما وسعه ذلك, ولا رأى إن فعله أنه عمل عملا صالحا.

стр. 402

بل هو يعتقد أن أخذهم المال من الصندوق أمر لا علاقة له به ولا شأن له فيه؛ لأن المال قد خرج من يده إلى صاحب الضريح, وصاحب الضريح يتصرف في ماله كيف يشاء. فهو في جميع حالاته وشئونه لا يهب هبة صحيحة, ولا يتصرف تصرفا شرعيا, ولا يضع صدقة في موضعها, ولا يطرق بابا من أبواب البر والمعروف. وعندي أن مثل هذا المال بعد أن خرج من يد صاحبه إلى غير يد, وانقطعت ملكيته الأولى من حيث لم تقم مقامها ملكية أخرى يعتبر مالا مهملا لا صاحب له, ولا علاقة لأحد به. وأحسن الحالات الشرعية والعقلية في مثل هذا المال أن ينفق في مصارف الصدقات التي اعتبرها الشارع واعتمدها, وافتتحها بأداة الحصر التي تمنع غيرها من الاشتراك معها في حكمها في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ . فإن كان بين هؤلاء القوم المتظلمين من قلة أنصبتهم في ذلك الصندوق ذو حاجة, فهو داخل في قسمه من الآية الشريفة، فله

стр. 403

الغناء العربي: الغناء بقية خواطر النفس التي عجز عن إبرازها اللسان، فأبرزتها الألحان، فهو أفصح الناطقين لسانا، وأوسعهم بيانا، وأسرعهم نفاذا إلى القلوب وامتزاجا بالنفوس واستيلاء على العقول وأخذا بمجامع الأفئدة، وبيان ذلك أن النطق ثلاث طبقات تختلف درجاتها باختلاف درجات الإبلاغ والتأثير فيها، فأدناها النثر، وأوسطها الشعر، وأعلاها الغناء، فلو أن عاشقا برح به الهجر مثلا فأراد أن يبلغك ما في نفسه من ذلك فإن قال لك: إني مهجور فحسب, فقد أبلغك بعض ما في نفسه وترك في قلبك من الأثر بمقدار ما تحتمله طبقة النثر من التأثير، وإن أنشدك قول الشاعر: فوا كبدا من حب من لا يحبني ... ومن زفرات ما لهن فناء أو قول الآخر: كأن قطاة علقت بجناحها ... على كبدي من شدة الخفقان فقد سلك بك طريق الخيال وصور لك خواطر نفسه بصورة أوضح من الصورة الأولى, وترك في نفسك أثرا أعظم من الأثر الأول،

стр. 404

وإن رفع عقيرته, وكان يجيد التوقيع يتغنى بقول القائل: وارحمتا للغريب بالبلد النا ... زح ماذا بنفسه صنعا فارق أحبابه فما انتفعوا ... بالعيش من بعده ولا انتفعا فقد صور لك قلبه كما هو وألمسك مواقع الآلام والأوجاع فيه, فبلغ بك التأثير منتهاه, وربما بكيت عند سماعه حزنا ورحمة، وما بكيت إذ بكيت إلا لأن الغناء لم يُبق بقية من خواطر هذه النفس القريحة إلا نطق بها لك وأسمعك إياها، وكما أن الأبيات قيود المعاني كذلك الألحان قيود الأبيات، فلا يزال المعنى مشردا ههنا وههنا حتى يحتويه بيت من الشعر فيستقر في مكانه، ثم لا يزال البيت يتجانف عن الآذان ذات اليمين وذات الشمال حتى يقوده الصوت الحسن, فإذا هو مستودع في الصدور. والغناء فن من الفنون الطبيعية تهتدي إليه الأمم بالفطرة المترنمة في هدير الحمام وخرير المياه وحفيف الأشجار، فمن أبكاه الحمام غرد تغريده كلما أراد البكاء، ومن أطربه صوت الناعورة رنّ رنينها ليطرب جمله أو ناقته فينشطان للمسير، وما زال هذا الفن متبديا ببداوة الأمة العربية لا يكاد يتخطى فيها حداء الجمال، ومناغاة الأطفال، حتى إذا انتقلت من مضيق الحاجيات إلى منفسح الكماليات توسعت فيه, وزادت في أنغامه

стр. 405

وضروبه وتفننت في آلاته وأدواته. وكذلك كان شأن العرب في جاهليتهم ينظمون أشعارهم على نسب متوازية، فالبيت يوازن البيت في ترتيب الحركات والسكنات وتعدادها، والشطر والتفعيلة يوازنان الشطر والتفعيلة كذلك، فكأنهم كانوا يهيئون لأنفسهم بمذهبهم هذا في الشعر ألحانا موسيقية، غير أن معارفهم لم تكن تتسع لأكثر من هذا النوع من الموسيقى، وهو نوع التناسب الشعري الذي هو قطرة من بحر هذا الفن الزاخر، ثم استمر شأنهم على هذا حتى جاء الإسلام واختلطت الأمة العربية بالأمة الفارسية التي كان لها من حضارتها وتمدينها متسع للبراعة في هذا الفن والتفنن في مناحيه ومقاصده، ووفد الكثير من مغني الفرس والروم موالي في بيوت العرب, وفي أيديهم العيدان والطنابير والمعازف والمزامير يلحنون بها أشعارهم الفارسية والرومية، فسمعها منهم العرب فاقتبسوها ولحنوا بها أشعارهم تلحينا بذوا فيه أساتذتهم, وولدوا ألحانا وأنغاما لم يؤت بها من قبلهم شأنهم في جميع الفنون والصنائع التي كانوا يقتبسونها من الأمم المتمدينة المعاصرة لهم، وظهر فيهم رجال أذكياء كان لهم الفضل الباهر في تقدم الغناء واتساعه مثل ابن سريج، ومخارق، وطويس، وإبراهيم الموصلي، وابنه إسحاق، وإبراهيم بن المهدي،

стр. 406

ومعبد الذي طالما ضربت به وبحسن صوته الأمثال على ألسنة فحول الشعراء كقول أبي عبادة البحتري في وصف فرس كان أهداه إليه أحد الأمراء: هزج الصهيل كأن في نبراته ... نغمات معبد في الثقيل الأول والثقيل والخفيف الأول والثاني أسماء اصطلح عليها العرب, ومرجعها إلى حركات الأصابع الخمسة في أوتار العود الخمسة شدة وضعفا، وما أحسن قول أبي العلاء المعري: ولقد ذكرتك يا أميمة بعدما ... نزل الدليل إلى التراب يسوفه١ وهواك عندي كالغناء لأنه ... حسن لدي ثقيله وخفيفه وبالرغم من غضاضة الدين وغضارته في ذلك العهد عهد الصدر الأول, وشدته في النهي عن التلهي بالغناء والعزف والزمر وأمثالها ونعيه على من يحترف بذلك أو يتخلقه, فقد كان للمغنين الشأن الرفيع في مجالس الخلفاء والأمراء والنصيب الأوفر من جوائزهم وصلاتهم، ولا غرو في ذلك، فسلطان الوجدان فوق سلطان الأديان، ولقد بلغ من شأن المغنين وإدلالهم على الخلفاء أن إسحاق الموصلي شتم إبراهيم بن المهدي في حضرة أخيه

стр. 407

الرشيد غير هياب ولا وجل, فما استطاع أخو الخليفة أن ينتصف لنفسه منه هيبة وإجلالا، وكان ابن عائشة المغني لا يغني إلا لملك أو ولي عهد حتى كان الخليفة إذا أراد أن يختار من بين أبنائه من يعهد إليه بالأمر من بعده لا يكتب له بذلك عهدا بل يأذن لابن عائشة أن يغني عنده, فلا تطلع عليه الشمس حتى يفد الناس إليه يهنئونه بولاية العهد، فإن دعاه إلى الغناء لديه أمير أو وزير ووجد من قوة الدالّة بنفسه ما يدفع به الطلب عنه، ويروى أن ابن أبي عتيق وهو من نعلم في شرف البيت وجلال المحل رأى ابن عائشة يوما وحلقه مخدوش فقال: من فعل بك هذا؟ قال: فلان، وأشار إلى ضاربه، فمضى ونزع ثيابه وعاد فجلس للرجل على بابه، فلما خرج أخذ بتلبيبه١ وجعل يضربه ضربا موجعا, والرجل يصيح: أي شيء صنعت؟ وما ذنبي إليك؟ وهو لا يجيبه حتى بلغ منه، وأقبل الناس فحالوا بينه وبينه وسألوه عن ذنبه، فقال: إنه أراد أن يكسر مزمارا من مزامير داود، يريد أنه خنق ابن عائشة وخدشه في حلقه. ومما يروى من حوادث تيهه وترفعه أنه خرج من عند الوليد بن عبد الملك وقد غناه: أبعدك معقلا أرجو وحصنا ... قد أعيتني المعاقل والحصون

стр. 408

فأطربه وأمر له بثلاثين ألف درهم وكثير من الثياب, فبينا هو يسير إذ نظر إليه رجل من أهل وادي القرى كان يشتهي الغناء, فدنا من غلامه وقال: من هذا الراكب المختال؟ قال: ابن عائشة المغني، فدنا منه وقال: جُعلت فداءك, أنت ابن عائشة أم المومنين؟ قال: لا، أنا مولى لقريش وعائشة أمي وحسبك هذا فلا تكثر، قال: وما هذا الذي بين يديك؟ قال: غنيت أمير المؤمنين صوتا فأطربته, فأمر لي بهذا المال وهذه الكسوة، قال: جعلت فداءك, هل تمنّ علي بأن تسمعني ما أسمعته ياه؟ فقال له: ويلك أمثلي يكلم بمثل هذا في الطريق! قال: فما أصنع؟ قال: الحقني إلى المنزل، يريد مخاتلته والنجاة منه، وحرك بغلة شقراء تحته لينقطع عنه, فعدا معه حتى وافيا المنزل كفرسي رهان، ودخل ابن عائشة فمكت طويلا طمعا في أن ينصرف فلم يفعل، فلما أعياه قال لغلامه: أدخله، فلما دخل قال له: من أين صبّك الله علي؟ قال: أنا رجل من أهل وادي القرى أشتهي هذا الغناء، قال له: هل لك فيما هو أنفع لك منه؟ قال: وما ذاك؟ قال: مائتا دينار وعشرة أثواب تنصرف بها إلى أهلك، فقال له: جعلت فداءك, والله إن لي لبنية ما في أذنها -علم الله- حلقة من الوَرِق١, وإن لي زوجة

стр. 409

ما عليها -يشهد الله- قميص، ولو أعطيتني جميع ما أمر لك به أمير المؤمنين على خلتي وحاجتي لكان الصوت أعجب إلي منه، وما زال به حتى رحمه ابن عائشة, وغناه الصوت بعد لأي١ فطرب له الرجل طربا شديدا وجعل يحرك رأسه, وينطح بها الجدار حتى خِيف أن يندقّ عنقه، ثم انصرف ولم يرزأه في ماله شيئا. وفي هذا الحديث فوق الغرض الذي سقناه له ما يدل على أن الغناء العربي كان قريبا إلى القلوب وأنه كان منها بمنزلة الأصابع من الأوتار، فإذا لمسها رنت رنن الثكلى المرزوءة في واحدها، وأن الوجدان العربي وجدان رائق شفاف تأخذ منه مختلفات الأنغام، فوق ما تأخذ الكهرباء من الأجسام، كما تبلغ منه نظرات الغرام، فوق ما تبلغ من عقل شاربها المدام. وكانت الأصوات عندهم تنسب إلى واضعيها وتسمى بأسماء أصحابها كما هو الشأن في الشعر، فيقال: صوت إسحاق أو معبد كما يقال: شعر مسلم أو بشار، وكان المغني أحرص على صوته من الكريم على عرضه، فإذا صنع صوتا لا يسمح لأحد من المغنين بأخذه عنه حتى يغنيه مرارا وتعرف نسبته إليه كما يفعل اليوم المخترعون والصانعون من أخذ الامتيازات بمخترعاتهم

стр. 410

ومصنوعاتهم، وكان لإسحاق الموصلي القدرة الغريبة على مخاتلة المغنين عن أصواته، حتى صنع مرة صوتا وأراد الفحول منهم أن يأخذوه بعدما سمعوه منه أكثر من سبعين مرة, فما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وكانت مجالس الغناء عندهم تشبه أن تكون مجالس علم لدراسة هذا الفن وتهذيبه، فكان أحدهم لا يحجم إن رأى في صوت صاحبه منتقدا أن يفجأه بالانتقاد ويبين له مواضع الخطأ مهما عظم شأن المجلس وشأن صاحبه، وكانت تقع بينهم المنافسات الشديدة في ذلك كما تقع بين العلماء في مجادلاتهم ومناظراتهم مما يدل على أن الغناء العربي كان له عند العرب صبغة جدية فوق صبغة اللهو, وأن الغربيين في هذا العهد الأخير ليسوا بأعلم بصناعة الغناء ولا أقوم على أمرها من العرب في ذلك العهد الأول، ولو أن العرب توسعوا في فنونه وضروبه لبلغوا فيه الغاية التي لا غاية وراءها، ولكنهم كانوا قلما يحفلون بإدخاله في الأغراض العالية كالحروب ومواقف الفخر وأمثال ذلك من المناحي والمقاصد إلا قليلا، كما ورد في تاريخ الدولة العباسية أن أعداء البرامكة لما أرادوا الإيقاع بهم وعلموا أن سبيل الوشايات بهم إلى الرشيد سبيل وعر دسوا له من القيان من يغنيه بقول عمر بن أبي ربيعة: ليت هندا أنجزتنا ما تعد ... وشفت أنفسنا مما تجد

стр. 411

واستبدت مرة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد فحرك ذكر العجز والاستبداد ما كان كامنا في نفس الرشيد من شعوره بسلطان البرامكة عليه واستبدادهم بالأمر من دونه، فقال عند تمام الصوت: "نعم إني عاجز، إني عاجز" ثم كان من أمره معهم بعد ذلك ما كان، ولقد مضى الصدر الأول من الإسلام وشأن فن الغناء العربي هذا الشأن العظيم خصوصا في أواخر الدولة الأموية وأوائل الدولة العباسية، ثم أخذت شمسه الباهرة تنحدر إلى الغروب بانحدار اللغة العربية وشعرها حتى أصبح في حضارة الاندلس قدودا وموشحات، بعد أن كان قصائد ومقطعات، فكان لا يسمع أبناء العرب في ذلك العهد إلا قول المغني: "كحل الدجى يجري، من مقلة الفجر، على الصباح، ومعصم النهر، في حلل خضر، من البطاح" أو قوله: "كللي، يا سحب تيجان الربا، بالحلى، واجعلي، سوارها منعطف الجدول" وليت الأمر وقف عند هذه الموشحات, فإنها وإن لم تكن شعرية اللفظ فهي شعرية المعنى عالية الخيال، وهي على علاتها خير من شعر العامة الذي قضى عليهم فساد اللغة وانحطاطها بانتهاجه والتغني به كالزجل والمواليا والقوما والدوبيت وكان ويكون وغير ذلك مما يسمى في عهدنا هذا بالأدوار والتواشيح والأغصان والمذاهب وأمثالها.

стр. 412

فهل لجماعة المغنين في عصرنا أن يعفونا من "أحب جميل طبعه الدلال" ومن "يا حلو صن عهد ودادي الله يصونك" ويأخذوا بنا في مسلك أشرف من هذا المسلك, ويعيدوا للغناء العربي عهده الأول كما صنع شعراء العصر برفيقه الشعر، فلقد كان الشعر والغناء أخوين أليفين، رضيعي ثدي وضجيعي مهد، ثم ضربهما الدهر بضرباته فافترقا، فماذا علينا لو قصرنا مسافة البعد بينهما، وماذا على المغنين والشعراء في مصر لو عقدوا بينهم عهدا أن يهذبوا أخلاق أمتهم ويرفعوا شأنها ليكون لهم من الفضل في نهضتها وارتقائها ما عجز عن دركه الفلاسفة والحكماء، فينظم الشاعر المقطعات الرقيقة العذبة السائغة في فضائل الأعمال ومكارم الأخلاق كالشجاعة والشهامة والشرف وحب الوطن والاتحاد والتزهيد في صغائر الأمور والترغيب في عزائمها, فيأخذها منه المغني ولا يتكلف في تلحينها أكثر مما يتكلفه في تلحين سواها من الأدوار والمواويل ثم يغنيها في الناس غير مبالٍ بما يفجؤه به ضعفاء النفوس من العامة من الانتقاد الملازم لكل عمل شريف في مبدئه. وفي اعتقادي أن لهذه الطريقة من الأثر الحسن في نفوس العامة وتهذيب أخلاقهم وطباعهم وتقويم ألسنتهم وعقولهم ما يخلد للملحنين والمغنين أجمل ذكر في تاريخ عظماء الرجال.

стр. 413

التوبة: علم فلان وكان شابا من شبان الخلاعة واللهو, وقاضيا من قضاة المحاكم أن المنزل الذي يجاور منزله يشتمل على فتاة حسناء من ذوات الثراء والنعمة والرفاهية والرغد, فرنا إليها النظرة الأولى فتعلقها فكررها أخرى فبلغت منه, فتراسلا ثم تزاورا ثم افترقا, وقد ختمت روايتهما بما تختم به كل رواية غرامية يمثلها أبناء آدم وحواء على مسرح هذا الوجود. عادت الفتاة إلى أهلها تحمل بين جانحتيها هما يضطرم في فؤادها، وجنينا يضطرب في أحشائها، ولقد يكون لها إلى كتمان الأول سبيل، أما الثاني فسر مذاع، وحديث مشاع، إن اتسعت له الصدور لا تتسع له البطون، وإن ضن به اليوم لا يضن به الغد. ذلك ما أسهر ليلها، وأقضّ مضجعها، وملك عليها وجدانها وشعورها، فلم تر لها بدا من الفرار بنفسها والنجاة بحياتها، فعمدت إلى ليلة من الليالي الداجية فلبستها وتلفعت بردائها ثم رمت

стр. 414

بنفسها في بحرها الأسود, فما زالت أمواجها تتلقفها وتترامى بها حتى قذفت بها إلى شاطئ الفجر، فإذا هي في غرفة صغيرة في أحد المنازل البالية، في بعض الأحياء الخاملة، وإذ هي وحيدة في غرفتها لا مؤنس لها إلا ذلك الهم المضطرم، وذلك الجنين المضطرب. كان لها أم تحنو عليها وتتفقد شأنها وتجزع لجزعها وتبكي لبكائها ففارقتها، وكان لها أب لا هم له في حياته إلا أن يراها سعيدة في آمالها، مغتبطة بعيشها، فهجرت منزله، وكان لها خدم يقمن عليها ويسهرن بجانبها فأصبحت لا تسامر غير الوحدة، ولا تساهر غير الوحشة، وكان لها شرف يؤنسها ويملأ قلبها غبطة وسرورا ورأسها عظمة وافتخارا ففقدته، وكان لها أمل في زواج سعيد من زوج محبوب, فرزأتها الأيام في أملها. ذلك ما كانت تناجي نفسها به صباحها ومساءها، بكورها وأصائلها، فإذا بدا لها أن تفكر في علة مصائبها وسبب أحزانها علمت أنه ذلك الفتى الذي وعدها أن يتزوجها فخدعها عن نفسها ثم لم يف لها بعهده, فقذف بها وبكل ما تملك يمينها إلى هذا المصير. فلا يكاد يستقر ذلك الخاطر في فؤادها ويأخذ مكانه من نفسها حتى تشعر بجذوة نار تتقد بين جنبيها من الحقد والموجدة على ذلك الفتى لأنه قتلها، وعلى المجتمع الإنساني لأنه لا يعاقب القاتل

стр. 415

على جرمه ولا يسلكه في سلسلة المجرمين. وما هي إلا أيام قلائل حتى جاءها المخاض, فولدت وليدتها من حيث لا ترى بين يديها من يأخذ بيدها أو يساعدها على خطبها غير عجوز من جاراتها ألمت بشأنها, فمشت إليها وأعانتها على أمرها بضع ساعات, ثم فارقتها تكابد على فراش مرضها ما تكابد، وتعاني من صروف دهرها ما تعاني. ولقد ضاق صدرها ذرعا بهذا الضيف الجديد وهو أحب المخلوقات إليها, وأكثرهم قربا إلى نفسها, فجلست ذات ليلة وقد حملت طفلتها النائمة على حجرها وأسندت رأسها إلى كفها وظلت تقول: ليت أمي لم تلدني, وليتني لم أكن شيئا. لولا وجودي ما سعدت، ولولا سعادتي ما شقيت. إن كان في العالم وجود أفضل منه العدم فهو وجودي. لقد كان لي قبل اليوم سبيل إلى النجاة من الحياة، أما اليوم وقد أصبحت أما فلا سبيل. أأقتل نفسي فأقتل طفلتي؟! أم أحيا بجانبها هذه الحياة المريرة؟! لا أحسب الموت تاركي حتى يذهب بي إلى قبري, فماذا يكون حال طفلتي من بعدي؟ إنها ستعيش من بعدي وتشقى في الحياة شقائي لا لذنب جنته, ولا لجريمة اجترمتها سوى أنني أمها.

стр. 416

هل تعيشين أيتها الفتاة حتى تغفري لي ذنب أمومتي حينما تسمعين قصتي، وتفهمين شكاتي؟ لم يبق في يدي يا بنيتي من حلاي إلا قليل سأبيعه كما بعت سابقه, فكيف يكون شأني وشأنك بعد اليوم؟ محال أن أعود إلى أبي فأقص عليه قصتي؛ لأنه لم يبق لي مما يعزيني عن شقاء العيش وبلائه إلا أن أهلي لا يعرفون شيئا من أمري، فهم يبكونني كما يبكون موتاهم الأعزاء, ولأن يبكوا مماتي خير لي ولهم من أن يبكوا حياتي. وكذلك ظلت تلك البائسة تحدث نفسها تارة وطفلتها أخرى بمثل هذا الحديث المحزن حتى غلبها صبرها على أمرها، فأرسلت من جفنيها قطرات حارة من الدموع هي كل ما يملك الضعفاء، ويقدر عليه البؤساء. دارت الأيام دورتها وباعت الفتاة جميع ما تملك يدها وما يحمل بدنها وما تشتمل عليه غرفتها من حلى وثياب وأثاث، ولم يبق لها إلا قمصها الخلقان وملاءتها وبرقعها، ولم يبق لطفلتها إلا ثياب باليات تنم عن جسمها نميمة الوجه عن السريرة، فكانت تقضي ليلها شر قضاء حتى إذا طار غراب الليل عن مجثمه أسدلت برقعها على وجهها وأتزرت بمئزرها وأنشأت تطوف شوارع المدينة

стр. 417

وتقطع طرقها لا تبغي مقصدا ولا تريد غاية سوى الفرار بنفسها من همها وهمها لا يزال يسايرها، ويترسم مواقع أقدامها. وأحسب أن عجوزا من عجائز المواخير رأتها فألمت ببعض شأنها فاقتفت أثرها حتى عادت إلى غرفتها فوغلت عليها ثم سألتها ما خطبها فأنست بها, وكذلك يأنس المصدور بنفثاته، والبائس بشكاته، فكشفت لها عن أمرها، وألقت إليها بخبيئة صدرها، ولم تترك خبرا من أخبار نعيمها، ولا حادثا من حوادث بؤسها لم تحدثها به، فعرفت الفاجرة محنتها ورأت بعينها ذلك الماء من الحسن الذي يجول في أديم وجهها جولان الراح في زجاجتها، وعلمت أنها إن أحرزتها في منزلها فقد أحرزت لنفسها غنى الدهر، وسعادة العمر، فلم ترسل إليها عقاربها وتنفث في نفسها عزائمها ورقاها حتى غلبتها على أمرها وقادتها إلى منزلها، فما هي إلا عشية أو ضحاها حتى بلغت تلك الفتاة البائسة الغاية التي لا مفر لها, ولا لأمثالها من بلوغها. عاشت تلك البائسة في منزلها الجديد عيشا أشقى من عيشها الأول في منزلها القديم؛ لأنها ما كانت تستطيع أن تزدرد لقمتها التي هي كل ما حصلت عليه في دورها الثاني إلا إذا بذلت

стр. 418

راحتها وشرَّدت نومها وأحرقت دماغها بالسهر وأحشاءها بالشراب وصبرت على كل ما يسوقه إليها حظها من سباع الرجال وذئابهم على اختلاف طباعهم، وتنوع أخلاقهم؛ لأنها لم تر لها بدا من ذلك, فاستسلمت استسلام اليائس الذي لم تترك له ضائقة العيش إلى الرجاء سبيلا. ولو أن الدهر وقف معها عند هذا الحد لألِفت الشقاء ومرنت عليه كما يألفه ويمرن عليه كل من أصيب بمثل ما أصيبت به، ولكنه أبى إلا أن يسقيها الكأس الأخيرة من كئوس شقائه، فساق إليها رجلا كان ينقم عليها شأنا من شئون شهواته ولذاته, فزعم أنها سرقت كيس دراهمه في إحدى لياليه عندها ورفع أمرها إلى القضاء, واستعان عليها ببعض أترابها الساقطات اللواتي كن يحسدنها وينفسن عليها حسنها وبهاءها حتى أدانها. جاء يوم الفصل في أمرها فسيقت إلى المحكمة وفي يدها فتاتها وقد بلغت السابعة من عمرها, فأخذ القاضي ينظر في القضايا ويحكم فيها بما يشاء ويشاء له قانونه, أو ذمته حتى أتى دور الفتاة فأدناها منه، فما وقع بصرها عليه حتى شدهت عن نفسها وألم بها من الاضطراب والحيرة ما كاد يذهب برشدها، ذلك أنها عرفته وعرفت أنه ذلك الفتى الذي كان سبب شقائها، وعلة بلائها،

стр. 419

فنظرت إليه نظرة شزراء ثم صرخت صرخة دوَّى بها المكان دويا, وقالت: رويدك يا مولانا القاضي، ليس لك أن تكون حكما في قضيتي، فكلانا سارق وكلانا خائن، والخائن لا يقضي على الخائن، واللص لا يصلح أن يكون قاضيا بين اللصوص. فعجب القاضي والحاضرون لهذا المنظر الغريب, وغضب لهذه الجرأة العجيبة وهمّ أن يدعو الشرطي لإخراجها, فحسرت قناعها عن وجهها فنظر إليها نظرة ألم فيها بكل شيء، فشعر بالرعدة تتمشى في أعصابه وسكن في كرسيه سكون المحتضر على سرير الموت، وعادت الفتاة إلى إتمام حديثها فقالت: أنا سارقة المال وأنت سارق العرض، والعرض أثمن من المال، فأنت أكبر مني جناية وأعظم جرما. إن الرجل الذي سرقتُ ماله يستطيع أن يعزي نفسه باسترداده أو الاعتياض عنه، أما الفتاة التي سرقتَ عرضها فلا عزاء لها؛ لأن العرض الذاهب لا يعود. لولاك لما سرقت، ولا وصلت إلى ما إليه وصلت، فاترك كرسيك لغيرك وقف بجانبي ليحاكمنا القضاء العادل على جريمة واحدة أنت مدبرها, وأنا المسخرة فيها.

стр. 420

إن شريعة تعلم أننا شركاء في جريمة واحدة ثم تأتي بنا إلى هذا المكان فتقف أحدنا في أشرف المواقف, وتقف الآخر في أدناها لشريعة ظالمة, ليس بينها وبين العدل نسب موصول أو ذمام غير منقضب. رأيتك حين دخلت إلى هذا المكان وسمعت الحاجب يصرخ لمقدمك، ويستنهض الصفوف للقيام لك، ورأيت نفسي حين دخلت والعيون تتخطاني والقلوب تقتحمني فقلت: يا للعجب، كم تكذب العناوين وكم تخدع الألقاب؟ وكم يعيش هذا العالم في ضلالة عمياء، وجهالة جهلاء؟ بخ بخ لأولئك القوم الذين منحوك هذه الشهادة, شهادة العلم والفضل والأخلاق والآداب، ومرحى مرحى لأولئك الذين أقعدوك هذا المقعد ووضعوا بين يديك هذا القانون ووقفوا أمامك هذا الشرطي, يأتمر بأمرك وينفذ حكمك وينزل على هواك. إن تحت هذه الثياب التي تلبسونها -معشر القضاة- نفوسا ليست بأقل من نفوسنا شرا ولا أخبث منها مذهبا، وربما لا يكون بيننا وبين الكثير منكم فرق إلا العناوين والألقاب، والشمائل والأزياء.

стр. 421

أتيت بي إلى هنا لتحكم علي بالسجن, كأن لم يكفك ما أسلفت إلي من الشقاء حتى أردت أن تجيء بلاحق لذلك السابق. ألم أحسن إليك بساعة من ساعات السرور فترعاها؟ ألم تك إنسانا فترثي لشقائي وبلائي؟ إن لم تكن عندي وسيلة أمتّ بها إليك فوسيلتي إليك ابنتك هذه؛ فهي الصلة الباقية بيني وبينك. فرفع القاضي رأسه ونظر إلى ابنته الصغيرة نظرة شفقة ورحمة، وقد قرر في نفسه أن لا بد له من أن ينصف تلك البائسة وينتصف لها من نفسه، غير أنه أراد أن يخلص من هذا الموقف خلوصا جميلا, فأعلن أن المرأة قد طاف بها طائف من الجنون وأن لا بد من إحالتها على الطبيب, فصدق الناس قوله. ثم قام من مجلسه بنفس غير نفسه، وقلب غير قلبه، وما هي إلا أيام قلائل حتى هجر القاضي منصبه بحجة المرض، وما زال يسعى سعيه حتى ضم إليه ابنته واستخلص أمها من قرارتها وهاجر بها إلى بلد لا يعرفهما فيها أحد، فتزوج منها وأنس بعشرتها واحترف في دار هجرته بحرفة لولا أن أدل عليه إذا ذكرتها لفعلت، ولا يزال حتى اليوم يكفر عن سيئاته إلى زوجته بكل ما يستطيعه من صنوف العطف وألوان الإحسان، حتى نسيا ما فات، ولم يبق أمامهما إلا ما هو آتٍ.

стр. 422

الحسد: لو عرف المحسود ما للحاسد عنده من يد وما أسدى إليه من نعمة لأنزله من نفسه منزلة الأوفياء المخلصين، ولوقف بين يديه تلك الوقفة التي يقفها الشاكرون بين أيدي المحسنين. لا يزال صاحب النعمة ضالا عن نعمته لا يعرف لها شأنا، ولا يقيم لها وزنا، حتى يدله الحاسد عليها بنكرانها، ويرشده إليها بتزييفها والغض منها، فهو الصديق في ثياب العدو والمحسن في صورة المسيء. أنا لا أعجب لشيء عجبي لهذا الحاسد، ينقم على حسوده نعم الله عليه ويتمنى لو لم تبق له واحدة منها وهو لا يعلم أنه في هذه النقمة وفي تلك الأمنية قد أضاف إلى نعم محسوده نعمة هي أفضل من كل ما في يديه. وجه الحاسد ميزان النعمة ومقياسها، فإن أردت أن تزن نعمة وافتك فارم بخبرها في فؤاد الحاسد ثم خالسه نظرة خفية, فحيث ترى الكآبة والهم فهناك جمال النعمة وسناؤها.

стр. 423

ليس بين النعم التي ينعم بها الله على عباده نعمة أصغر شأنا وأقل خطرا من نعمة ليس لها حاسد، فإن كنت تريد أن تصفو لك النعم فقف بها في سبيل الحاسدين، وألقها في طريق الناقمين، فإن حاولوا تحقيرها وازدراءها فاعلم أنهم قد منحوك لقب "المحسَّد" فليهنأ عيشك، وليعذب موردك. إن أردت أن تعرف أي الرجلين أفضل، فانظر إلى أكثرهما نقمة على صاحبه وكلفا بالغض منه والنيل من عرضه, فاعلم أنه أصغرهما شأنا وأقلهما فضلا. قد جعل الله لكل ذنب عقوبة آتية يتألم لها، فالشارب يتألم عند حلول مرضه، والمقامر يوم نزول فقره، والسارق يوم زيارة سجنه. أما الحاسد فعقوبته حاضرة, لا تفارقه ساعة واحدة. إنه يتألم لمنظر النعمة كلما رآها، والنعمة موجود من الموجودات الثابتة التي لا يلم بها إلا التنقل من مظهر إلى مظهر والتحول من موقف إلى موقف، فهيهات أن يفنى ألمه أو ينقضي عذابه، حتى تقر عينه التي تبصر، ويسكن قلبه الذي يخفق. الحسد مرض من الأمراض القلبية الفاتكة، ولكل داء دواء، ودواء الحسد أن يسلك الحاسد سبيل المحسود ليبلغ مبلغه

стр. 424

من تلك النعمة التي يحسده عليها، ولا أحسب أنه ينفق من وقته وعمله في هذه السبيل أكثر مما ينفق من ذلك في الغض من شأن محسوده والنيل منه، فإن كان يحسده على المال فلينظر أي طريق سلك إليه فليسلكه، وإن كان يحسده على العلم فليتعلم، أو الأدب فليتأدب، فإن بلغ من ذلك مأربه فذاك، وإلا فحسبه أنه ملأ فراغ عمره بشئون لولاها لقضاه بين الغيظ الفاتك، والكمد القاتل.

стр. 425

الوفاء: يا صاحب النظرات: تزوجت منذ سنة من زوجة صالحة طيبة القلب والسريرة, فاغتبطت بعشرتها برهة من الزمان، وفي هذه الأيام عرض لها رمد في عينيها فذهب ببصرها, فأصبحت عمياء وأصبحت أعمى بجانبها، وقد بدا لي أن أطلقها وأتزوج من غيرها فماذا ترى؟ إنسان. أيها الإنسان: لا تفعل؛ فإنك إن فعلت كان عليك إثم الخائنين وجرم الغادرين، كن اليوم أحرص على بقائها بجانبك منك قبل اليوم، حتى تستطيع أن تدخر لنفسك عند الله من المثوبة والأجر ما يدخر أمثالك من الصابرين المحسنين. لا تقل: إنها عمياء فلا خير لي فيها ولا غبطة لي بها، فإنك ستجد في نفسك من لذة المروءة والإحسان، والعطف والحنان، ما يحسدك عليه الناعمون بالحور الحسان، في مقاصير الجنان. اجلس إليها صباحك ومساءك, وحادثها محادثة الصديق
следующие страницы →