أتيت بي إلى هنا لتحكم علي بالسجن, كأن لم يكفك ما أسلفت إلي من الشقاء حتى أردت أن تجيء بلاحق لذلك السابق.
ألم أحسن إليك بساعة من ساعات السرور فترعاها؟
ألم تك إنسانا فترثي لشقائي وبلائي؟
إن لم تكن عندي وسيلة أمتّ بها إليك فوسيلتي إليك ابنتك هذه؛ فهي الصلة الباقية بيني وبينك.
فرفع القاضي رأسه ونظر إلى ابنته الصغيرة نظرة شفقة ورحمة، وقد قرر في نفسه أن لا بد له من أن ينصف تلك البائسة وينتصف لها من نفسه، غير أنه أراد أن يخلص من هذا الموقف خلوصا جميلا, فأعلن أن المرأة قد طاف بها طائف من الجنون وأن لا بد من إحالتها على الطبيب, فصدق الناس قوله.
ثم قام من مجلسه بنفس غير نفسه، وقلب غير قلبه، وما هي إلا أيام قلائل حتى هجر القاضي منصبه بحجة المرض، وما زال يسعى سعيه حتى ضم إليه ابنته واستخلص أمها من قرارتها وهاجر بها إلى بلد لا يعرفهما فيها أحد، فتزوج منها وأنس بعشرتها واحترف في دار هجرته بحرفة لولا أن أدل عليه إذا ذكرتها لفعلت، ولا يزال حتى اليوم يكفر عن سيئاته إلى زوجته بكل ما يستطيعه من صنوف العطف وألوان الإحسان، حتى نسيا ما فات، ولم يبق أمامهما إلا ما هو آتٍ.
стр. 422
الحسد:
لو عرف المحسود ما للحاسد عنده من يد وما أسدى إليه من نعمة لأنزله من نفسه منزلة الأوفياء المخلصين، ولوقف بين يديه تلك الوقفة التي يقفها الشاكرون بين أيدي المحسنين.
لا يزال صاحب النعمة ضالا عن نعمته لا يعرف لها شأنا، ولا يقيم لها وزنا، حتى يدله الحاسد عليها بنكرانها، ويرشده إليها بتزييفها والغض منها، فهو الصديق في ثياب العدو والمحسن في صورة المسيء.
أنا لا أعجب لشيء عجبي لهذا الحاسد، ينقم على حسوده نعم الله عليه ويتمنى لو لم تبق له واحدة منها وهو لا يعلم أنه في هذه النقمة وفي تلك الأمنية قد أضاف إلى نعم محسوده نعمة هي أفضل من كل ما في يديه.
وجه الحاسد ميزان النعمة ومقياسها، فإن أردت أن تزن نعمة وافتك فارم بخبرها في فؤاد الحاسد ثم خالسه نظرة خفية, فحيث ترى الكآبة والهم فهناك جمال النعمة وسناؤها.
стр. 423
ليس بين النعم التي ينعم بها الله على عباده نعمة أصغر شأنا وأقل خطرا من نعمة ليس لها حاسد، فإن كنت تريد أن تصفو لك النعم فقف بها في سبيل الحاسدين، وألقها في طريق الناقمين، فإن حاولوا تحقيرها وازدراءها فاعلم أنهم قد منحوك لقب "المحسَّد" فليهنأ عيشك، وليعذب موردك.
إن أردت أن تعرف أي الرجلين أفضل، فانظر إلى أكثرهما نقمة على صاحبه وكلفا بالغض منه والنيل من عرضه, فاعلم أنه أصغرهما شأنا وأقلهما فضلا.
قد جعل الله لكل ذنب عقوبة آتية يتألم لها، فالشارب يتألم عند حلول مرضه، والمقامر يوم نزول فقره، والسارق يوم زيارة سجنه.
أما الحاسد فعقوبته حاضرة, لا تفارقه ساعة واحدة.
إنه يتألم لمنظر النعمة كلما رآها، والنعمة موجود من الموجودات الثابتة التي لا يلم بها إلا التنقل من مظهر إلى مظهر والتحول من موقف إلى موقف، فهيهات أن يفنى ألمه أو ينقضي عذابه، حتى تقر عينه التي تبصر، ويسكن قلبه الذي يخفق.
الحسد مرض من الأمراض القلبية الفاتكة، ولكل داء دواء، ودواء الحسد أن يسلك الحاسد سبيل المحسود ليبلغ مبلغه
стр. 424
من تلك النعمة التي يحسده عليها، ولا أحسب أنه ينفق من وقته وعمله في هذه السبيل أكثر مما ينفق من ذلك في الغض من شأن محسوده والنيل منه، فإن كان يحسده على المال فلينظر أي طريق سلك إليه فليسلكه، وإن كان يحسده على العلم فليتعلم، أو الأدب فليتأدب، فإن بلغ من ذلك مأربه فذاك، وإلا فحسبه أنه ملأ فراغ عمره بشئون لولاها لقضاه بين الغيظ الفاتك، والكمد القاتل.
стр. 425
الوفاء:
يا صاحب النظرات:
تزوجت منذ سنة من زوجة صالحة طيبة القلب والسريرة, فاغتبطت بعشرتها برهة من الزمان، وفي هذه الأيام عرض لها رمد في عينيها فذهب ببصرها, فأصبحت عمياء وأصبحت أعمى بجانبها، وقد بدا لي أن أطلقها وأتزوج من غيرها فماذا ترى؟
إنسان.
أيها الإنسان: لا تفعل؛ فإنك إن فعلت كان عليك إثم الخائنين وجرم الغادرين، كن اليوم أحرص على بقائها بجانبك منك قبل اليوم، حتى تستطيع أن تدخر لنفسك عند الله من المثوبة والأجر ما يدخر أمثالك من الصابرين المحسنين.
لا تقل: إنها عمياء فلا خير لي فيها ولا غبطة لي بها، فإنك ستجد في نفسك من لذة المروءة والإحسان، والعطف والحنان، ما يحسدك عليه الناعمون بالحور الحسان، في مقاصير الجنان.
اجلس إليها صباحك ومساءك, وحادثها محادثة الصديق
стр. 426
لصديقه، بل الزوج لزوجه، وتلطف بها جهدك، وروِّح عن نفسها ما يساورها من الكروب والأحزان، وقل لها: لا تجزعي ولا تحزني, فإنما أنا بصرك الذي به تبصرين، ويدك التي بها تبطشين.
أعيذك أيها الإنسان بالله ورحمته، والعهد وذمامه، أن تجعل لهذا الخاطر السيئ خاطر الطلاق أو الفراق سبيلا إلى نفسك، فإنها لم تسئ إليك فتسئ إليها، ولم تنقض عهدك فتنقض عهدها، فإن كنت لا بد ثائرا لنفسك فاثأر لها من القدر إن استطعت إلى ذلك سبيلا.
إن عجزا من الرجل وضعفا أن يغضب فيمد يده بالعقوبة إلى غير من أذنب إليه، ويعتدي على من لم يعتد عليه.
إن لم يكن احتفاظك بزوجك وإبقاؤك عليها عدلا يسألك الله عنه، فليكن إحسانا تحاسبك الإنسانية عليه.
إنك خسرت بصرها ولكن ستربح قلبها, وحسب الإنسان من لذة العيش وهنائه في هذه الحياة قلب يخفق بحبه، ولسان يهتف بذكره.
إنها أسعدتك برهة من الزمان, فليخفق قلبك حنانا عليها بقدر ما خفق سرورا بها.
стр. 427
لا أحسب أنها كانت تاركتك أو مغفلة أمرك لو أن هذا السهم الذي أصابها أصابك من دونها، فاحرص الحرص كله على أن لا تكون امرأة ضعيفة أسبق منك إلى فضيلة الصدق والوفاء.
إلى من تعهد بها بعد فراقك إياها؟ وأي موطن من المواطن هيأته لمقامها؟ وماذا أعددت لها من الوسائل التي تستعين بها على شئون عيشها، وتأنس بها في وحشتها ووحدتها؟
كيف يهنأ لك عيش أو يغمض لك جفن إذا أظلك الليل فذكرتها وذكرت أنها تقاسي في وحدتها من الوحشة ما لا قبل لها باحتماله، وأنها ربما كانت تطلب جرعة ماء فلا تجد من يقدمها إليها، أو كسرة خبز فلا تجد من يدلها عليها، أو ربما قامت من مضجعها في سكون الليل وهدوئه تتلمس الطريق إلى حاجة من حاجها فأخطأ تقديرها, فصدمها الجدار في جبينها صدمة سال لها دمها حتى امتزج بدمعها.
أيها الإنسان: إن لم تكن عادلا ولا وفيا ولا محسنا, فارحم نفسك من هذا الخيال الذي لا بد أن سيساورك ويفت في عضدك ويزعجك من مرقدك، فإن لم تكن هذا ولا ذاك فغيرك أخاطب؛ لأني لا أحسن إلا مخاطبة الإنسان.
إني محدثك عن صديق لي من كرام الناس وأوفيائهم تزوج
стр. 428
زوجة حسناء فاغتبط بها برهة من الزمان, ثم أصابها الدهر بمثل ما أصاب به زوجتك ولم يترك لها من ذلك النور الذاهب إلا مثل ما تترك الشمس من الشفق الأحمر في صفحة الأفق بعد غروبها، فلم يقنعه من الوفاء لها أن استبقاها واستمسك بها, بل كان يحرص جهده على أن لا تعلم أنه ينكر من أمرها شيئا، حتى إنه كان يعتب عليها في بعض الأحايين في ذنوب ما كان له أن يؤاخذها بها إلا من حيث كونها ناظرة مبصرة، يريد بذلك أن يلقي في نفسها أنه لا يعرف من قصة نظرها شيئا، وأنه لا يرى فيها غير ما يراه الرجال من نسائهم المبصرات؛ رفقا بها وإبقاء على ما ربما تحب أن تحاوله من الاعتداد بنفسها, والإدلال بمزاياها.
ولقد قرأت جملة صالحة من نوادر العرب في آدابهم ومكارمهم وأخلاقهم ولطف وجدانهم, فلم أر بينها نادرة أعلق بالقلوب ولا أجمل أثرا في النفوس من قول أبي عيينة الكاتب المعروف في عهد الدولة العباسية, وكان كفيف البصر "اختلفت إلى القاضي أحمد بن أبي دؤاد أربعين سنة, فما سمعته مرة يقول لغلامه عند تشييعي: خذ بيده يا غلام، بل يقول: اخرج معه يا غلام".
فإن كنت تريد أن يسجل لك من الوفاء في صفحات القلوب
стр. 429
ما سجل لأحمد بن أبي دؤاد في صفحات التاريخ فلا تطلق زوجتك, ولا تنقم منها أمرا قد خرج حكمه من يدها، وإن أبيت إلا أن تأخذ لنفسك حظها من لذة العيش وهنائه فاعلم أنه ما من لذة يلذ بها الإنسان في حياته إلا ويشوبها الكدر أو يعقبها الألم، إلا لذة الإحسان.
стр. 430
خبايا الزوايا:
جلس قاضي التحقيق أمس على كرسيه في غرفته ووقف عن يمينه رجل من ذوي الأسنان١ قذر الثوب دميم المنظر تسنح شعراته البيض في أكناف رأسه ولحيته سنوح الشرر الأبيض، في الدخان الأسود، وتتمشى في أديم وجهه صفرة مغبرة من رآها علم أنها نسيج ذلك الدخان دخان الحشيشة الذي ينفثه من فيه في صباحه ومسائه، وغدوه ورواحه، ووقف عن يساره صبية ستة نحّل الأبدان جوّع الأكباد لم يترك لهم الدهر آكل البؤساء وشاربهم إلا هياكل من عظام تضطرب في رءوسها عيون لا تستقر في محاجرها إلا إذا استقر الزئبق في قرار مكين.
نظر إليهم قاضي التحقيق نظرات تمازجها الرحمة، وتخالطها الشفقة، والقضاة لا يرحمون ولا يشفقون لولا أن من المناظر مناظر تنال من القلوب القاسية، وتستهوي الأفئدة المتحجرة،
стр. 431
وأنشأ يسألهم واحدا بعد واحد ما شأنهم وما خطبهم وما مصيرهم، فكان جوابهم جوابا واحدا خلاصته أن هذا النمر اللابس ملابس الإنسان رأى خلتهم١ من حيث يخفى مكانها فثغر٢ فيها ثغرة انحدر منها إلى أعراضهم فعبث بها ما شاء وشاء العابثون، فكانوا في داره الضروع التي يحتلبها حتى إذا استنفد درتها٣ ألح على دمائها فاستنزفها، وقالوا: إنه كان يديم مطال الجوع في بطونهم فإذا علم أنهم هلكوا أو كادوا طفق يعللهم باللقمة بعد اللقمة، والمضغة أثر المضغة، ويرمّقهم٤ العيش ترميقا لا إبقاء عليهم بل على ما كان يغتنمه من بسطة العيش من ورائهم، وزعموا أنه كان يريبه منهم في بعض الأحيان تمردهم عليه واحتفاظهم بأعراضهم من دونه, فيُدخل في أدمغتهم لصا من دخان الحشيشة يسرق عقولهم، ويحل عقدة منعتهم، ويتركهم لا يدرون ما يأتون ولا ما يدعون.
وما وصلوا من شكواهم إلى هذا الحد حتى سقط منهم اثنان بين يدي القاضي, فراعه من أمرهم ما راعه ثم علم أنه الجوع, فأمر لهم بخبز وأدم, فازدحموا عليه يتناهبونه ويزدردونه ازدراد الوحش
стр. 432
فريسته، وقد وقف ذلك الذئب المستأنس ينظر إليهم نظرة شزراء, كتلك النظرة التي يرمي بها الصائد صيده إذا أفلت من حبالته.
بذلك حدثني من رأى هذا المنظر بعينه, فارتعت لسماع حديثه الارتياع كله وحسبت أنه يحدثني عن حادثة وقعت في مبدأ الخليقة في مغارة من مغاور الجن أو شعَفة١ من شعفات الجبال، وقلت له: أتعلم أيها الرجل أنك تحدثني عن إنسان؟ فقال: لا تعجل فما حدثتك إلا عن رجل حمّار لا يفارق وجهه سوءة حماره ليله ونهاره، وربما سرت إليه تلك النتيجة من هذه المقدمة، فكيف بك لو علمت أن هذه الرذيلة لا يترفع عنها في هذا البلد كثير من الأتقياء والصالحين، والأساتذة والمعلمين؟
إن بين جدران هذه البنى التي يسمونها المدارس وقائع لا يسر منظرها، ولا يروق مخبرها، وحوادث لو تلاها التالون على مسمع الفلك الدائر لوقف عن دورته، أو الجبل الشامخ لصعق من دهشته.
إن بين هؤلاء الذين تراهم وقوفا في أشرف المواقف بعد مواقف الرسل والذين تغضي بين أيديهم العيون إجلالا وإكبارا، وتترامى على أيديهم الأفواه لثما وتقبيلا، والذين أسلمت الأمة
стр. 433
أمر بنيها إليهم وأخذت عليهم ما شاء الله أن تأخذ من العهود والمواثيق أن يكونوا لأولئك الأبناء آباء محسنين، وأوصياء راحمين، قوما لصوصا يسرقون الأعراض، وخونة يعبثون بالأمانات، وقتلة يفتكون بأعراض تلاميذهم فيوردونهم موارد الحتف والهلاك، ويجعلون مصيرهم مصير أولئك الصبيان الذين فارقناهم في غرفة التحقيق.
وما وصل من حديثه إلى هذا الحد حتى سُرِّي عن نفسي ما كنت أمسكه بين جنبي من الموجدة على ذلك الرجل، وعلمت أن الجناية ليست جناية الحشاشين والحمارين، وإنما هي جناية المربين، وجريرة المهذبين.
أساء الأب بإدخال ولده المدرسة، وكان خيرا له لو أدخله المزرعة حيث لا سقوف ولا جدران، ولا خبايا ولا زوايا، ولا مكامن ولا مخادع، وحيث يجد النابت هناك من الطبيعة الطاهرة أستاذا أمينا مستقيما، لا عاهرا ولا فاسقا، ولا خائنا ولا غادرا، وحيث يرتشف من عرق جبينه نهلات باردات أصفى من المرآة وأطهر من الكوثر.
وأساء المعلم لأنه هو الذي عمد إلى ذلك الصبي الطاهر فمزق
стр. 434
عنه برقع عفافه وتصوُّنه، ثم قذف به في ذلك المزدحم الإنساني المائج بالشرور والآثام, لا يحمل في يده سلاحا يحارب به، ولا يعرف السبيل إلى جُنّة يدفع بها عن نفسه، فما له بد من العجز أمام القادرين، والهزيمة بين أيدي المهاجمين.
وأساء الناس جميعا بإغفالهم أمر هؤلاء البؤساء وإمساكهم القوت عنهم والمعونة لهم، ولو أحسنوا إليهم لأنقذوهم من حياة كلها شقاء وبلاء، وعيب وعار.
ليست مسألة خبايا الزوايا أمرا يستهان به، فإننا نريد أن نعد لوطننا من بعدنا رجالا ذوي شجاعة وجرأة، وثبات وإقدام، من الذين إذا عظم الخطب كانوا حماة الديار، وإذا اشتد البأس لا يولون الأدبار.
стр. 435
الجامعة الإسلامية:
أنا لا أحب أن أخدع نفسي عن نفسي، ولا أحب أن أخدع الناس عنها.
أنا مسلم قبل كل شيء، أي: قبل أن أكون وطنيا أو سياسيا أو مجتمعا، بل قبل أن أكون نسمة حية في هذا الوجود.
لو علمت أن مآرب هذه الدنيا وأغراضها لا تنال إلا بترك شعيرة من شعائر الدين أو العبث بفريضة من فرائضه لعفتها واجتويتها, ونفضت يدي منها وقلت لها كما قال لها علي بن أبي طالب من قبل: إليك عني, غرّي غيري, ما لي بك حاجة.
لو لم يكن في الأمر إلا أن أخسر ديني فأربح دنياي، أو أخسر دنياي فأربح ديني، لآثرت أخراهما على أولاهما؛ لأني أعلم أني إن خسرت ديني فقد خسرت كل شيء.
لو علمت أن الوطنية وهي أفضل ما حمل امرؤ بين جنبيه من خلال الخير تعترض دون طريقي إلى آخرتي، أو تمتد حجابا بيني وبين ربي، لخرجت منها كما أخرج من ردائي، ثم خلصت
стр. 436
إلى شعفة من شعفات الجبال أو صخرة في منقطع العمران أخلو فيها بنفسي من حيث لا أسمع دعاء غير دعاء القلب، ولا نداء غير نداء الله، حتى يحين حيني، وينقضي أجلي.
ما أبغضت في حياتي شيئا بغضي للكذب والرياء، فإما أن أكون مسلما، فها هو ذا الإسلام، وهذه شروطه وقيوده, وصفاته وطبائعه، أولا أبديت للناس صفحتي، وأعلنت لهم أمري، حتى يعلموا من أمر نفسي مثل ما أعلم منها؟!
أنا لا أحدث في ذلك عن نفسي خاصة بل عن المسلم من حيث كونه مسلما، أي: مصدقا بالله ورسوله، ووعده ووعيده، وثوابه وعقابه، معتقدا أن الحياة الدنيا معبر يعبره إلى الحياة الأخرى، وأنه محاسب في أخراه حسابا غير يسير على ما فرط في أولاه، وأن الله لا يقبل منه في موقف الحساب من المعاذير إلا ما رخص له فيه أو رفع عنه مئونته، فلا سبيل له إلا أن يلبس ثوب الإسلام معلما، لا خائفا ولا مترقبا، ولا متنكرا ولا متكتما، ولا محتفلا بقول العيسوي أو الموسوي له: أنت متعصب، ولا بقول الملحد أو الجاحد: أنت مخرف، فهو ليس متعصبا بل متمسكا، ولا مخرفا بل مستيقنا، وأن يعترف به جهرة في جميع مواطنه ومواقفه لا مستحييا ولا خجلا، فقد انقضى عهد
стр. 437
الإسرار والإخفاء من تاريخ ذلك اليوم الذي أسلم فيه عمر بن الخطاب فمشى إلى المسجد الحرام حيث يجتمع كفار قريش, وأعلن فيه إسلامه بين هياجهم ونقمتهم، ثم مر يقرع أبواب رؤسائهم بابا بابا فإذا فتحوا له حدثهم عن إسلامه, فضربوا الباب في وجهه غيظا وحنقا.
التمسك غير التعصب، والتهاون غير التسامح، فليس كل متمسك متعصبا؛ لأن التمسك محافظة المرء على العمل بأوامر الدين ونواهيه، والتعصب بغضه لمخالفيه في دينه بغضا يحمله على محاولة النكاية بهم، والعبث بما حقن الله من دمائهم، وصان من أعراضهم وأموالهم، وليس كل متهاون متسامحا؛ لأن التهاون ترك المرء العمل بما فرض الدين عليه أن يفعل أو أن يترك، والتسامح إغضاؤه عن خلف المخالفين له، بحيث لا يعد تلك الفروق الدينية التي بينه وبينهم وسيلة إلى بغضهم أو مناضلتهم، أو نصب الغوائل لهم، أو سد سبل العيش في وجوههم.
ولقد اعترضتُ الآراء والمذاهب حلوها ومرها، ومعوجها ومستقيمها، فلم أر رأيا أضعف حجة ولا أضل سبيلا من رأي الذي يقول: إن الدين لا يجوز أن يتجاوز عتبة المسجد، وكيف يستطيع المسلم أن ينفرد بنفسه عن دينه في موطن من المواطن،
стр. 438
أو مذهب من المذاهب، وهو رفيق طيته، ولصيق نفسه، في قيامه وقعوده، ويقظته ونومه، وانفراده واجتماعه.
ذلك أن المسلم لا يستطيع أن لا يعطف على أخيه المسلم عطفا خاصا به فوق عطفه على غيره من أفراد البشر؛ لأنه مأمور أن يكون منه بمنزلة اللبنة من اللبنة في البناء الواحد، أي: أن يكون عضدا له في شئون دينه ودنياه.
ولا يستطيع أن يسمع كلمة سوء يريد بها قائلها النيل من دينه والغض منه دون أن يغضب لها؛ لأنه من دينه على بينة، والغضب لا يزال رذيلة من الرذائل حتى يكون للحق فهو أفضل الفضائل.
ولا يستطيع أن يبيع أو يبتاع، ويقرض أو يقترض، وينطق أو يصمت، ويعاشر أو يقاطع، ويوافق أو يخالف، إلا إذا نظر فيما أحل الدين من البيع وحرم من الربا، وفيما رخص للمتكلم أن ينطق به وأوجب عليه أن يمسك عنه، وفيما شرع من معاشرة خيار الناس ومجانبة شرارهم، وموافقة المحقين ومخالفة المبطلين، وهكذا حتى لا يخرج عنه في جميع شئونه وحالاته، سواء أكان في المسجد أو البيعة أو المنزل أو السوق أو المجتمعات العامة أو الأندية الخاصة.
стр. 439
وكما لا يستطيع أن يخرج عن أحكام الدين في شيء من هذا, كذلك لا يستطيع أن يخرج عنها في كيفية معاملة المخالفين له في الدين من الرأفة بهم، والعطف عليهم، والإحسان إليهم، ما داموا موالين له غير خارجين عليه، ولا مادين إليه يد سوء.
فلتنعموا أيها المسيحيون بالا، ولتثلجوا صدورا، ولتعلموا أن المسلم لا يستطيع أن يكون متعصبا ما دام متمسكا بدينه؛ لأن في تعصبه هدما لأعظم ركن من أركان الدين الذي يتعصب له.
فإن رأيتم أنه يغضب لشتم دينه أو نبيه في صحيفة تنشر في بلاده، أو يضمر في قلبه جزعا من العهد بشئون المسلمين الدينية إلى غير مسلم، فلا تقولوا: إنه متعصب، وإنما هو متمسك بدينه تمسككم بدينكم، ولا تطلبوا عنده أكثر مما تطلبون عند أنفسكم، وارحموه ولا تعذبوه بإدماء قلبه، وإحراج صدره، فإنه يرحمكم ولا يعذبكم.
وإن خيل إليكم أن في المسلمين متعصبين, فاعلموا أنهم متعصبو أقوال لا متعصبو أفعال، أي: إنهم يبغضون المسيحيين ولا يقاطعونهم، ويدعون عليهم بالهلاك ولا يمدون إليهم يد سوء، ويسيئون الظن بهم وهم يستعينون بهم في جميع أعمالهم سرها وجهرها، ويتمنون لهم الخسران وهم يحمونهم مما يحمون منه
стр. 440
أنفسهم وأولادهم، فهذا التعصب -لو تبينتم- مظهر من مظاهر الحماقة والبله لا أثر له في نفوسهم، ولا علاقة بينه وبين تدينهم، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يشبه تعصب المعروفين بالتعصب من المسيحيين الذين يضمرون للمسلمين في قلوبهم ما تصمت عنه ألسنتهم، وتنطق به أعمالهم، فترى الواحد منهم لا يبتاع حاجته إلا من المسيحي إن كان مشتريا، ولا يستعين على عمله إلا بالمسيحي إن كان تاجرا أو صانعا، ولا يوظف إلا المسيحي إن كان رئيسا في مصلحة، ولا يهتم إلا بالدفاع عن المسيحي إن كان محاميا، ولا يرحم إلا المسيحي إن كان قاضيا.
إن المسيحي الذي يقول للمسلم: أنت متعصب قبل أن يرى في سيماء وجهه أثر العداوة والبغضاء له وإرادة الايقاع به, لا يريد بكلمته هذه مصاحبته برأيه فيه، بل خديعته عن دينه والهجوم على قلبه، والتمكن من مجالسته على مائدة واحدة تختلط فيها الأيدي والأفواه، ويخطئ فيها العد ويضيع الحساب، فيتناول منها ما لذ وحلا ويترك له ما مر وتفه، ولقد بلغ منه في كثير من الأحيان الغرض الذي أراده فخدع كثير من المسلمين عن دينهم، ونالت تلك المكيدة المدبرة من نفوسهم، وعظم عليهم أن يسموا متعصبين وكانوا لا يدركون فرق ما بين التمسك والتعصب, فتهاونوا في أمر
стр. 441
دينهم وازدروه، واستحيوا من اللصوق به، والأخذ بشعائره، فأصبح الواحد منهم لا يجرؤ أن يفتتح خطابه أو كتابه أو طعامه بالبسملة، ولا يجرؤ على السلام أو رده بالصيغة المأثورة، ولا على إقامة الصلوات في أوقاتها في مجتمع عام، ولا على الاعتذار عن ترك منكر من المنكرات بعذر الدين، بل إن فيهم من يرائي بالفسق والضلال كما يرائي الفساق والضلل بالصلاح والتقوى، فيقيم الصلاة في بيته ويزعم أنه تاركها، ويترك شرب الخمر تدينا ويزعم أنه تاركها توفيرا لماله أو خوفا على صحته، فرارا من تهمة التعصب، أي: تهمة التدين، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
ولم أر في حياتي منظرا أبرد ولا أسمج من منظر المسلم الذي يجالس المسيحي في مجتمع عام فيقول له: إني أحبك محبتي لنفسي؛ لأني أعتقد أن كلينا يعبد إلها واحدا ويدين بدين صحيح يأمر بفضائل الأعمال وينهى عن رذائلها، وربما كان يضمر له في قلبه في تلك الساعة من العداوة والبغضاء ما لو طارت شرارة منه لأحرقتهما جميعا وتركتهما رمادا تذروه الرياح، وعندي أن الأفضل من هذا الرياء الكاذب والدهان المصنوع أن يقول له: إني أعتقد صحة ديني, فلا بد لي من أن أعتقد فساد غيره من
стр. 442
الأديان؛ لأني لو كنت معتقدا صحتها لتقلدتها وهجرت ديني لأجلها، وإني على ذلك لا أحمل لك في صدري ضغينة ولا موجدة لأني أعلم أنك إنسان، وديني لا يسوغ لي أن أبغض أحدا من الناس، غير أني لا أستطيع أن أحبك محبتي لأخي المسلم؛ لأني إن أحببت الذي يساعدني على حفظ مالي أو صيانة ولدي حبا جما فأحرى بي أن أحب الذي يساعدني على حفظ ديني الذي هو أعز علي من نفسي, وولدي حبا لا حد له.
إن المصانعة والمجاملة في الدين ليست سبيل الاتحاد والاتفاق كما يظن الذين يصانعون ويجاملون، وما هي إلا الخداع والغش، وما علمنا أن أمة أسعدها الغش أو رفعها الخداع، وها هي ذي الجرائد المسيحية والإسلامية في مصر يفتتح أكثرها كل يوم فصول العداوة والبغضاء بعناوين المحبة والإخاء، فلم يف خيرها بشرها، ولا نفعها بضرها، بل السبيل إلى ذلك أن يعلم المتدين علما صحيحا أن الاختلاف في الدين شيء والتباغض فيه شيء آخر، وأن الدين الذي يسوق العالم إلى الهلاك والفناء لا يمكن أن يكون دينا إلهيا.
إن الإبهام والإغماض في التدين يقتل الدين في نفوس المتدينين قتلا لا حياة له من بعده، فلا بد للمسلم من أن يكون
стр. 443
مسلما في جميع حالاته وشئونه، وإسراره وإعلانه، فلا يستحيي أن يلبس عمامته في باريس كما يلبسها في مصر، وأن يقيم الصلاة لوقتها في قصر الفاتيكان كما يقيمها في مسجد قريته، وأن يترفع عن مجاراة الغربيين في عاداتهم التي يرى أنها لا تلائم دينه، فلا يشرب نخب أحد من الناس وإن كان في مجلس الإمبراطور، ولا يأكل لحم الخنزير وإن قدمه له بيده القيصر، ولا يحمل بساط الرحمة في جنازة ميت من الأموات وإن كان بابا روما، ولا يحمل سلاحه راكضا إلى مقاتلة أخيه المراكشي إن كان جزائريا، أو المصري إن كان هنديا، ولو كان دون ذلك موته صبرا، وليعلم أن ذلك سبيله الذي لا سبيل له غيره إلى العظمة التي يحب أن تكون له في نفوس مخالفيه في دينه أو عاداته، وإن حاول مخادع أن يخدعه عن نفسه ويلقي في روعه أن اطّراح المسلمين للدين وسيلة تقدمهم كما كان اطّراحه وسيلة تقدم المسيحيين, فليذكر دائما كلمة ذلك الرجل العظيم السيد جمال الدين الأفغاني في قوله: "ترك المسيحيون دينهم فتقدموا، وترك المسلمون دينهم فتأخروا".
الجامعة الإسلامية بالنسبة للمسلم هي الجامعة الكبرى التي يجب أن يمنحها بنات قلبه وجوهر لبه، قبل أن يمنح ذلك غيرها
стр. 444
من الجوامع الأخرى، وما احتاج المسلمون إلى تلك الجامعة في دور من أدوار حياتهم احتياجهم إليها في هذا العصر الذي أصبحوا فيه شتى المسالك والمذاهب بين سمع الأرض وبصرها، وأصبحوا لا موطن لهم إلا تلك البقاع المبعثرة في مشارق الأرض ومغاربها التي يعيشون فيها عيش الأذلاء المستضعفين، بين مهاجر يأكل خبزهم, ومستعمر يشرب دمهم، ومبشر يفتنهم عن دينهم، أو ينغص عليهم عيشهم بمشاغبتهم ومجادلتهم، والاستهزاء بعقائدهم وشعائرهم، فإن لم يتعارفوا ويتعاقدوا على التعاون والتناصر تعاقدا يأنسون به عند اشتداد الكربة، ويفزعون إليه من كلب الزمان وغدره، كان آتيهم شرا من حاضرهم، كما كان حاضرهم شرا من ماضيهم.
أنا لا أريد بالجامعة الإسلامية أن يجتمع المسلمون على قتال المخالفين لهم في دينهم، فقد مضى زمن القتل والقتال، بل أريد أنهم إن كانوا يحتفلون بالجامعة الجنسية أو الوطنية مرة لأنها وسيلة دنياهم، فأحرى بهم أن يحتفلوا بالجامعة الدينية ألف مرة؛ لأنها وسيلة دنياهم وأخراهم، وللآخرة خير وأبقى.
стр. 445
القمار:
لا أستطيع أن أعتقد ما يسمونه الجنون الفرعي ويريدون منه جواز أن يكون الإنسان مجنونا في بعض شئونه عاقلا في باقيها، وعندي أن الرجل إما أن يكون عاقلا أو مجنونا ولا ثالث لهما.
العقل قوة يقتدر بها المرء على الاستمساك في مزالق الشهوات وبين مهابّ الأهواء, فموقفه أمامها موقف واحد، فإما أن يغلبها جميعها أو يغلبه جميعها.
أما ما يراه الرائي أحيانا من استهتار الرجل في بعض الشهوات استهتارا يستهلك نفسه ويستهوي عقله, وزهده في بعضها زهد الأعفاء المستمسكين فذلك لأنه رغب في الأولى فاسترسل وراء رغبته ولم يدعه إلى الأخرى داعٍ من خواطر قلبه ونزوات نفسه، ولو دعاه لخف إليه ولباه، ولن يسمى الرجل زاهدا أو عفيفا إلا إذا أمسك نفسه عن شهوة تدعوه إليها فيدافعها, وتتلهب بين جنبيه فيطفئها.
لا تقل: إن السكير عاقل إن رأيته غير فاسق ولا عاهر, واعلم
стр. 446
أنه لا يشتهي الفسق ولا تجذبه إليه جواذبه، ولو اشتهاه لوقف من المواخير موقفه من الحانات، ولا تقل: إن الفاسق عاقل إن رأيته غير سارق ولا مختلس, فإنه لا يحب السرقة ولا الاختلاس، ولو أنه أحبهما لكان في تسلق الدور والقصور أبرع منه في التسلل إلى مكامن الفسق والفجور، ولا تقل: إن المقامر عاقل إن رأيته لا شاربا ولا فاسقا, فإن القمار قد استهلك شهوته واستخلصها لنفسه ولم يدع فيها فضلة لسواها، ولولا ذلك لكان أكبر السارقين وأفسق الفاسقين.
لو كنت من المصانعين الذين يزخرفون لأرباب الرذائل رذائلهم حتى يصوروها في نظرهم فضائل بما يلبسونها من أثواب التأويل، ويصبغونها من ألوان التعليل، لما استطعت أن أصانع المقامر؛ لأن حاله من الجهل الفاضح والغباوة المستحكمة أبعد الحالات عن عذر المعتذرين، وتأويل المتأولين.
أي عذر يعتذر به المعتذر عن رجل يريد أن يمشي في طريق الغنى فيمشي في طريق الفقر, والطريقان واضحان معلمان لا غموض فيهما, ولا إبهام.
ما جلس المقامر إلى مائدة القمار إلا بعد أن استقر في نفسه أن الدرهم الذي في يده سيتحول بعد برهة من الزمان إلى دينار
стр. 447
يعود به إلى أهله فرحا مغتبطا، وأحسب أن العقول العشرة مجتمعة ومتفرقة تعجز عن إدراك سر هذه العقيدة ومثارها.
إن كان يؤمل الربح لأنه رأى عن يمينه رجلا قد ربح فلم لا يخاف الخسران لأنه رأى عن يساره مائة خاسرين؟ وإن كان يضحكه منظر الربح لأنه رأى في بعض مواقفه أحد الرابحين مبتسما, فلم لا يبكيه منظر أصدقائه ورفقائه الخاسرين وهم يتساقطون حواليه تساقط جنود الحرب بين يدي القذائف؟
ما أشبه المقامر الذي يطلب من الدينار الواحد مائة بالكيماوي الذي يطلب من القصدير فضة ومن النحاس ذهبا، كلاهما يتاجر بالأحلام في سوق الأوهام، فيربح ربحا مقلوبا، ويكسب كسبا معكوسا، وما أشبههما جميعا بذلك الرجل الذي علم أن في صحراء من صحارى إفريقيا كنزا دفينا لا تعرف له بقعة وليس عليه دليل, فحمل فأسه على كتفه ومشى في تلك الصحراء يحفر الحفرة التي تستنفد قوته وتستهلك منته، وتبلغ من نفسه ما لا يبلغ منها كر الغداة ومر العشي حتى إذا بلغ مستقرها وعلم أنه لم يعثر بضالته تركها وبدأ يحفر غيرها بجانبها, فلا يكون نصيبه من الأخرى أوفر من نصيبه من الأولى, وهكذا حتى أدركه الموت وهو في بعض تلك الحفر فكان هو نفسه الكنز الدفين
стр. 448
في تلك الصحراء إلا أنه كنز لا يطمع فيه طامع، ولا يرغب فيه راغب.
إن كنت لم تسمع في حياتك باجتماع النقيضين وتلاقي الضدين, فاعلم أن المقامر في آن واحد أجشع الناس وأزهد الناس، فلولا حبه المال لما هان عليه أن يبذل راحته وشرفه وحياته في سبيله، ولولا زهده فيه لما أقدم باختياره على تبديده على مائدة القمار لا لغاية يطلبها, ولا لمأرب يسعى إليه.
أنا لا أريد أن أنصح إلى المقامر بترك القمار؛ لأني أعتقد أن من يملك عقلا مثل عقله, وفهما مثل فهمه لا يستطيع أن يفهم كلمة مما أقول، ومن عجزت حوادث الدهر وعبر الأيام عن أن ترد عليه ضالة عقله وتهديه السبيل إلى نفسه فلن تنفعه كلمة كاتب ولا موعظة خاطب، وإنما أريد أن أقول للذين لم يخطوا خطوة واحدة في هذا الطريق الوعر حتى اليوم: لا تقامروا جدا ولا هزلا فإن هزل القمار يجر إلى جده, ولا تمروا بمعاهد القمار فإن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه, ولا تصاحبوا المقامرين فإنهم لا يرضون عنكم حتى تتخذوا ملتهم, فإن فعلتم خسرتم مالكم وشرفكم وعزيمتكم وحياتكم من حيث لا تجدون من رحمة القلوب ورأفتها ما يعوض عليكم ما خسرتم، فارحموا أنفسكم إن كنتم راحمين، واتقوا الله إن كنتم مؤمنين.
стр. 449
الأوصياء:
مرض فلان مرض الموت فلم يحفل بالمنية؛ لأنه اقتطف زهرة الحياة جميعها, ولأن الثمانين قد ألحت عليه بصبحها ومسائها وليلها ونهارها, فلم تترك له خيطا من خيوط الأمل ولا شعاعا من أشعة الرجاء لولا أن بين يديه ولدا صغيرا في السابعة من عمره قد ماتت أمه من عهد قريب، وللشيوخ الكبار إلى أبنائهم الصغار حنين الإبل إلى أعطانها، فنظر إليه وهو يحوم حول فراشه نظرة طويلة لم يسترجعها إلا مبللة بالدمع المنسجم, ثم زفر زفرة شديدة خيل لرائيها أنها الزفرة الأخيرة, وأنشأ يقول:
أي بني، من لي بقلب يرعاك مثل قلبي، وعين تسهر عليك مثل عيني، وروح ترفرف فوق رأسك مثل روحي، ونفس تضم جوانحها عليك مثل نفسي؟
أي بني، كأني بركب الموت وقد نزل بي وحلّ بساحتي، وكأني به وقد احتملني من فضاء القصر إلى مضيق القبر، ومن
стр. 450
نور الحياة إلى ظلمة الموت، وكأني بك وقد طفقت تنشدني فلا تجدني, وتفتش عني فلا تراني, ففزعت وارتعت ثم صرخت فصعقت, فلم تجد بجانبك من يمسح دمعك ويخفف حزنك.
من لي بصديق أثق بوده وإخلاصه ورحمته وحنانه, فأكل إليه أمرك وأعتمد عليه في تأديبك وتخريجك وإبلاغك ما أرجو لك من السعادة في مستقبل دهرك؟
فما أتم نجاءه حتى دخل عليه صديقه الوحيد الذي كان يأنس به ويستخلصه لنفسه, وقد سمع آخر نجواه فقال له: هون عليك أيها الصديق, فأنا صديقك الذي تنشده وأنا والد ولدك من بعدك وخليفتك بعد الله عليه، ثم ترامى على فراشه يبكي لبكائه وينشج لنشيجه, فاستنار قلبه بنور الأمل وقال: أحمدك اللهم, فقد رحمت ولدي وحفظت بيتي.
وما هي إلا أيام قلائل حتى كتب الشيخ كتاب الوصية بيده, ثم أجاب دعوة ربه تاركا في يد ذلك الصديق الكريم مجده وشرفه وماله وولده.
اتخذ الشيخ ذلك الرجل صديقا له في العامين الأخيرين من أعوام حياته بعدما رآه يكثر الاختلاف إليه ويطيل اللبث بجانبه, ويلازم الوقوف عند أمره ونهيه, ويخف لقضاء حاجاته ولباناته،
стр. 451
ذلك إلى ما كان يراه متجملا به من صلاح مملوء بالركعات والسجدات، والتسبيحات المتواليات، وعفة حتى عن لقمة من الزاد يصيبها على مائدته، وتورع حتى عن جرعة من الماء يتجرعها في حضرته، فاستخلصه لنفسه وأنزله من قلبه المنزلة التي لا يجاوره فيها غير ولده, وأصبح آثر الناس عنده حتى ما يستطيع فراقه لحظة ولا يصبر عنه ساعة إلى أن أحس باقتراب الأجل, فأوصاه بما أوصى وعهد إليه بما عهد.
هذا تاريخ ذلك الصديق في حياة الشيخ، أما تاريخه بعد مماته فسأسمعك منه ما تهوي له الأفلاك عجبا وتخر له الجبال هدا.
لم تكن صلاته إلا رياء ونفاقا وركوعه وسجوده إلا كيدا ودهانا وعفته وزهادته إلا حبالة نصبها ليعلق بها عقل الشيخ وقد علق، فيسلبه ماله وولده وقد فعل، وما كان اختلافه إليه ولا تردده عليه إلا طمعا في هذا المصير الذي صار إليه، فلما علم أن قد تم له من أمره ما أراد أطلق يده في مال الصغير يعبث به عبث النكباء بالعود ويبتاع به لنفسه ما شاء الله أن يبتاع من قصور ودور وبساتين وضياع, فنبه ذكره بعدما كان خاملا، ونبت ريشه بعدما كان عاريا، وأصبح صاحب السلطان المطلق في ذلك القصر يذل من يشاء, ويعز من يشاء.
стр. 452
أما شأنه مع الولد فقد علم أنه سيبلغ عما قليل أشده ويملك رشده, وأنه سيقطع عليه لذته ويقف له موقف المعترض سبيله ويحاسبه على القليل والكثير والصغير والكبير, فلم ير له بدا من أن يعد لذلك اليوم عدته, فعمد إلى الولد فقطعه عن المدرسة لأنه لا يحب أن ينشأ متعلما، ثم أغرى به من ساقه إلى مواطن الفسق ومجامع الشراب لأنه لا يحب أن ينشأ عاقلا، وما زال ينفق عليه وعلى الموكلين بإفساده من وراء حجاب حتى علق برأسه الشراب علوق السلال بالصدور, فأصبح بين الحانات والمواخير كالطائر بين أغصان الأشجار, لا يرسل الساق إلا ممسكا ساقا.
فكأنما وكل بعقله مقراضا يقرض له في كل يوم منه قطعة حتى كاد يأتي عليه، فما بلغ السن التي يرشد فيها القاصرون حتى استحال الوصي على القاصر قيما على المعتوه, ولم يبذل في سبيل الوصول إلى ذلك أكثر من لقيمات ألقاها من فتات تلك المائدة إلى المجلس الحسبي, فأدخله تلك الجنة الزاهرة بغير حساب ولا عقاب.
شرع الله شريعة الحجر على السفهاء والمعتوهين وإقامة القوام عليهم رحمة بهم, فاستحالت على يد المجالس الحسبية نقمة عليهم
стр. 453
وأصبح اللص الذي لا يحسن صناعة فتح الأقفال ويتقي مغبة تسلق الجدران, قادرا على أن يسرق ما يشاء حينما يشاء تحت راية هذه الشريعة المقلوبة من حيث يأمن الوقوف أمام محكمة الجنايات وجر الأثقال في غيابات السجون, وانتقلت الثروات العظيمة من أيدي أصحابها مخافة أن يسرفوا فيها إلى أيدي آخرين يبددونها تبديدا ويمزقون أديمها تمزيقا من حيث لا يكون بينهم وبين المورث صلة نسب أو وشيجة رحم حتى أصبح السعي في جمع المال في هذا العصر وادخاره للوارثين عملا من الأعمال الباطلة وضربا من ضروب الجهل الفاضح، فمن لي إن أنا دبرت المال وجمعته ألا يكون وارثي فيه من بعدي لصا من أولئك اللصوص الذين تمنحهم المجالس الحسبية ما تمنعهم الشرائع الإلهية، ومن لي أن أعيش إلى أن أدرك ولدي فأتولى أمر تربيته بنفسي قبل أن يظفر به في حداثته ظفر جارح من أظفار الأوصياء, فيميت نفسه ويقتل عقله ويفسد عليه شأن حياته ويلبسه من الفضيحة والعار ما يقلق نفسي في عالمها, ويزعج عظامي في مرقدها.
فلقد حدثني من قص علي تلك القصة الماضية أن ذلك الوصي لما علم أن قد تم له من الحجر على ذلك الغلام ما أراد عمد إلى تزويجه من فتاة حسناء من بنات الأشراف ما كان يعنيه أن
стр. 454
يزوجه منها لولا أن له في ذلك مأربا من المآرب الفاسدة, فما كادت تخلع العروس خلعة عرسها حتى أنشأ يختلف إليها ويكثر ازديارها في الجناح الذي تسكنه من القصر بما له عليها من حق الولاية والرعاية والنظر في شئونها ومرافقها، ثم ما زال يختلها عن نفسها ويزين لها ما يزينه الشيطان للإنسان حتى علقت بحبالته كما علق بها غيرها من قبلها, ففركت زوجها وبرمت به فرابه من أمرها ما رابه, فرصدها حتى عرف موطن سرها وموقع هواها فشكا فلم يجد سامعا, ثم بكى فلم يجد راحما, فكان يقضي كثيرا من لياليه في غرفة من غرف القصر واجما مطرقا مسلما رأسه إلى ركبتيه ودمعه إلى خديه, لا سمير له ولا مؤنس إلا نغمات الضحكات التي كان يسمعها في غرفة زوجته, فتارة يثب وثبة الأسد فيثير في القصر ثائرة شعواء تضج لها جوانبه, فيتسارع إليه الخدم فيضربون على يده وفمه بأمر سيدهم, وأخرى يعود إليه بلهه فينظر إلى هذه المناظر المؤلمة نظر الضاحك اللاعب.
مرت على تلك الحوادث سنوات عديدة استأثر فيها ذلك الوصي بتلك الدائرة الواسعة, وألح عليها بكلكله حتى اجتز وبرها, ثم استكشط جلدها فلم يبق منها إلا هيكل العظام, وعلم أن قد قامت قيامة الناس عليه وأن قصته مع زوجة الغلام وماله قد
стр. 455
ملأت مسمع الخافقين, وأن نجمه الثاقب قد مال إلى الأفول, عمد إلى حيلة شيطانية ختم بها تلك الرواية بمثل ما تختم به الروايات المحزنة.
تفتّح للغلام بعد انقباضه وابتسم إليه بعد تقطيبه, وابتاع له ما اقترحه عليه من ثوب فاخر ومركب فاره ومزاهر وعيدان وكئوس ودنان، ثم خلا به في ساعة من ساعات نشوته وارتياحه فقال له: أيها الصديق قد آن أوان قيامك بشأنك وانفرادك بأمرك, فاكتب إلى المجلس الحسبي رقعة تطلب فيها رفع الحجر عنك, واكتب توقيعك على هذه الجريدة جريدة الحساب, فداخل الغلام من السرور والغبطة ما طار بلبه, فكتب الأولى ووقع الأخرى, ثم أوعز الوصي إلى المجلس الحسبي بتلبية طلبه فلباه وقضى برفع الحجر عنه, فاستقبل الغلام تلك النعمة استقبال الظامئ كأس الشراب وكان لا بد له من أن يشرب حتى يبشم, ففتش بين يديه عن مال ينفقه فلم يجده وكان الرجل قد وكل به عونا من أعوانه يداخله ويتحين فرصة حاجته إلى المال فيمنحه, فكان يعطيه المال باليمين ويأخذ منه صك البيع باليسار, فما زال هذا يعطي وذاك يأخذ حتى أصبح نصف تلك الدائرة بعد عامين اثنين ملكا لعون الوصي وللوصي غدا بثمن لا يساوي عشر معشارها, بل
стр. 456
بغير ثمن, وهل ابتاعها مبتاعها إلا بمالها وأنفق عليها إلا ثمرتها؟
هنالك قام الوصي وقعد ونادى في الناس بصوت يشبه صوت الحق ونغمة تشاكل نغمة الصدق: أيها الناس, قد كنت أنذرتكم بمصير هذا الغلام إن صار أمره إلى نفسه فكذبتم قولي, وفندتم رأيي وما زلتم تقولون كيت وكيت حتى أحرجتم صدري, ودفعتموني إلى الغدر بذلك العهد الذي أخذه علي ذلك الصديق الكريم أن أتولى شأن ولده من بعده, وألا أتخلى ساعة واحدة عن رعايته وتعهده, فكان ما كان مما تعلمون من تبديد ثروته وتمزيقها, فها أنتم ترون بأعينكم شؤم رأيكم وجريرة سعيكم.
ثم أعاد كرته على الغلام وسعى سعيه في المجلس الحسبي, فأعاده سيرته الأولى ووضع في عنقه غلا لا فكاك له من بعده إلى يوم يبعثون.
ليت شعري هل يعلم ذلك المقبور في لحده ما صنعت يد الحدثان بماله وولده, وأن المال قد ورثه غير وارثه واستأثر به غير صاحبه, وأن الولد قد أصبح بعد ذلك الملك الكبير، والجنة والحرير، يطلب المضغة فتعوزه والجرعة فتتعذر عليه، وأنه يبيت الليالي ذوات العدد مطرحا في زواية من زوايا الحانات لا وطاء غير أديم التراب، ولا غطاء غير قطع السحاب، وهل أعد
стр. 457
عدته للوقوف بين يدي الله في ذلك اليوم المشهود, يوم تكشف الهنات وتفضح العورات، فيمسك ولده بيمناه ووصيه بيسراه ثم يناجي ربه ويقول: اللهم اعدني على هذا الكاذب الذي ختلني وخدعني وخفر ذمتي وخاس بعهدي وخان أمانتي وأفسد وصيتي, وخذ لولدي بحقه من هذا الظالم الذي سرق ماله وهتك عرضه وعذب نفسه ونغص عيشه, فأنت أعدل الحاكمين وأرحم الراحمين.
стр. 458
العام الجديد:
في مثل هذا اليوم من كل عام يقف ركب هذا العالم السائر على منزلة من منازل الحياة, فينزل عن مطاياه ليستريح فيها ساعة من وعثاء السفر بعد أن نال منه الأين والكلال, وأنضاه سرى الليل ومسير النهار خمسة وستين وثلاثمائة يوم.
هنالك يجتمع السفر في صعيد واحد فيتعارفون ويتفقد بعضهم بعضا, فيجدون أن فلانا مات جوعا وفلانا مات ظمأ وآخر افترسه سبع وآخر قتله لص وآخر مات غيلة وآخر سقط عيا وآخر طارت به قنبلة وآخر هوت به طيارة وآخر اجتاحه بركان وآخر تردى عليه منجم، ثم يعودون إلى جرائد الإحصاء ليدونوا فيها حاضرهم كما دونوا فيها ماضيهم، ثم يوازنون بين هذا وذاك فيجدون أن الحاضر شر من الماضي, وأن ميادين الحروب لا تزال ملوثة بالدماء ومصانع الموت لا تزال تفتن في عدده وتستكثر من أدواته, وأن أغراس الشر لا تزال عالقة بنفوس البشر حتى ما يكاد أحد يتمنى أن تقع عينه على أحد, وأن
стр. 459
سحائب البغضاء لا تزال ناشرة أجنحتها السوداء على المجتمع الإنساني من أدناه إلى أقصاه شعوبا وقبائل وأجناسا وأنواعا ومذاهب وأديانا ومنازل وأوطانا, فيبغض الرجل صاحبه لأنه يخالفه في جنسه, فإن عرف أنه يوافقه أبغضه لأنه يخالفه في دينه, فإن وافقه في هذه أبغضه لأنه ينطق بغير لغته, فإن نطق بها أبغضه لأنه لا يشاركه في وطنه، فإن كان مشاركا له أبغضه لأنه يزاحمه في حرفته أو صناعته, فإن بعد عن طريقه أبغضه لأنه يخالفه في رأيه, فإن كان موافقا له أبغضه لأنه لا يحاكيه في لونه, فإن لم يجد شيئا من هذا ولا ذاك أبغضه لأنه شحص سواه، كأن قضاء حتما على الإنسان أن يبغض كل صورة غير الصورة التي يراها كل يوم في مرآته، فإذا فرغوا من النظر في جرائد حسابهم والموازنة بين حاضرهم وماضيهم أضافوا إلى سيئاتهم الماضية سيئة الغش والكذب, فتناسوا كل هذا ووضع كل منهم يده في يد أخيه مهنئا له بالعيد السعيد, داعيا له بدوام الرفاهية والسعادة ثم تنادوا للرحيل ليستقبلوا المرحلة الآتية بعد قطع المرحلة الماضية.
علام يهنّئ الناس بعضهم بعضا؟ وماذا لقوا من الدنيا فيحرصوا على البقاء فيها ويغتبطوا بقطع المراحل التي يقطعونها
стр. 460
منها؟ ومن منهم يستطيع أن ينطق بلسان يصدق الحديث عما في نفسه فيقول: إنه أصبح سعيدا كما أمسى أو أمسى سعيدا كما أصبح, أو إنه رأى بارقا من بوارق السعادة قد لمع يوما من الأيام في سماء حياته, ولم ير بجانبه مثل ما يرى في الليلة البارقة من نجوم هاوية ورعود قاصفة وصواعق محرقة وغيوم متلبدة؟
بأي نعمة من النعم أو حسنة من الحسنات تمنّ الحياة على رجل يتنقل فيها من ظلمة الرحم إلى ظلمة العيش ومن ظلمة العيش إلى ظلمة القبر كأنما هو يونان الذي التقمه الحوت, فأصبح في ظلمات بعضها فوق بعض؟ وأي صنيعة من الصنائع أسدتها الأيام إلى إنسان يظل فيها من مهده إلى لحده حائرا مضطربا يفتش عن ساعة راحة وسلام يبل بها غلته, ويثلج بها صدره فلا يعرف لها مذهبا ولا يجد إليها سبيلا؟ إن كان غنيا اجتمعت حوله القلوب المضطغنة واصطلحت عليه الأيدي الناهبة، فإما قتلته وإما أفقرته، وإن كان فقيرا عد الناس فقره ذنبا جنته يداه, فتتناوله الأكف وتتقاذفه الأرجل وتتجاذبه الألسن حتى يموت الموتة الكبرى، وإن كان عالما ولع به الحاسدون واستهتروا في تزييفه والتشهير به, وأغروا بنفثاته وآثاره حتى يعطيهم عهده وميثاقه أن يعيش عالما كجاهل وحيا كميت، وأن يكتم سر علمه