بغير ثمن, وهل ابتاعها مبتاعها إلا بمالها وأنفق عليها إلا ثمرتها؟
هنالك قام الوصي وقعد ونادى في الناس بصوت يشبه صوت الحق ونغمة تشاكل نغمة الصدق: أيها الناس, قد كنت أنذرتكم بمصير هذا الغلام إن صار أمره إلى نفسه فكذبتم قولي, وفندتم رأيي وما زلتم تقولون كيت وكيت حتى أحرجتم صدري, ودفعتموني إلى الغدر بذلك العهد الذي أخذه علي ذلك الصديق الكريم أن أتولى شأن ولده من بعده, وألا أتخلى ساعة واحدة عن رعايته وتعهده, فكان ما كان مما تعلمون من تبديد ثروته وتمزيقها, فها أنتم ترون بأعينكم شؤم رأيكم وجريرة سعيكم.
ثم أعاد كرته على الغلام وسعى سعيه في المجلس الحسبي, فأعاده سيرته الأولى ووضع في عنقه غلا لا فكاك له من بعده إلى يوم يبعثون.
ليت شعري هل يعلم ذلك المقبور في لحده ما صنعت يد الحدثان بماله وولده, وأن المال قد ورثه غير وارثه واستأثر به غير صاحبه, وأن الولد قد أصبح بعد ذلك الملك الكبير، والجنة والحرير، يطلب المضغة فتعوزه والجرعة فتتعذر عليه، وأنه يبيت الليالي ذوات العدد مطرحا في زواية من زوايا الحانات لا وطاء غير أديم التراب، ولا غطاء غير قطع السحاب، وهل أعد
стр. 457
عدته للوقوف بين يدي الله في ذلك اليوم المشهود, يوم تكشف الهنات وتفضح العورات، فيمسك ولده بيمناه ووصيه بيسراه ثم يناجي ربه ويقول: اللهم اعدني على هذا الكاذب الذي ختلني وخدعني وخفر ذمتي وخاس بعهدي وخان أمانتي وأفسد وصيتي, وخذ لولدي بحقه من هذا الظالم الذي سرق ماله وهتك عرضه وعذب نفسه ونغص عيشه, فأنت أعدل الحاكمين وأرحم الراحمين.
стр. 458
العام الجديد:
في مثل هذا اليوم من كل عام يقف ركب هذا العالم السائر على منزلة من منازل الحياة, فينزل عن مطاياه ليستريح فيها ساعة من وعثاء السفر بعد أن نال منه الأين والكلال, وأنضاه سرى الليل ومسير النهار خمسة وستين وثلاثمائة يوم.
هنالك يجتمع السفر في صعيد واحد فيتعارفون ويتفقد بعضهم بعضا, فيجدون أن فلانا مات جوعا وفلانا مات ظمأ وآخر افترسه سبع وآخر قتله لص وآخر مات غيلة وآخر سقط عيا وآخر طارت به قنبلة وآخر هوت به طيارة وآخر اجتاحه بركان وآخر تردى عليه منجم، ثم يعودون إلى جرائد الإحصاء ليدونوا فيها حاضرهم كما دونوا فيها ماضيهم، ثم يوازنون بين هذا وذاك فيجدون أن الحاضر شر من الماضي, وأن ميادين الحروب لا تزال ملوثة بالدماء ومصانع الموت لا تزال تفتن في عدده وتستكثر من أدواته, وأن أغراس الشر لا تزال عالقة بنفوس البشر حتى ما يكاد أحد يتمنى أن تقع عينه على أحد, وأن
стр. 459
سحائب البغضاء لا تزال ناشرة أجنحتها السوداء على المجتمع الإنساني من أدناه إلى أقصاه شعوبا وقبائل وأجناسا وأنواعا ومذاهب وأديانا ومنازل وأوطانا, فيبغض الرجل صاحبه لأنه يخالفه في جنسه, فإن عرف أنه يوافقه أبغضه لأنه يخالفه في دينه, فإن وافقه في هذه أبغضه لأنه ينطق بغير لغته, فإن نطق بها أبغضه لأنه لا يشاركه في وطنه، فإن كان مشاركا له أبغضه لأنه يزاحمه في حرفته أو صناعته, فإن بعد عن طريقه أبغضه لأنه يخالفه في رأيه, فإن كان موافقا له أبغضه لأنه لا يحاكيه في لونه, فإن لم يجد شيئا من هذا ولا ذاك أبغضه لأنه شحص سواه، كأن قضاء حتما على الإنسان أن يبغض كل صورة غير الصورة التي يراها كل يوم في مرآته، فإذا فرغوا من النظر في جرائد حسابهم والموازنة بين حاضرهم وماضيهم أضافوا إلى سيئاتهم الماضية سيئة الغش والكذب, فتناسوا كل هذا ووضع كل منهم يده في يد أخيه مهنئا له بالعيد السعيد, داعيا له بدوام الرفاهية والسعادة ثم تنادوا للرحيل ليستقبلوا المرحلة الآتية بعد قطع المرحلة الماضية.
علام يهنّئ الناس بعضهم بعضا؟ وماذا لقوا من الدنيا فيحرصوا على البقاء فيها ويغتبطوا بقطع المراحل التي يقطعونها
стр. 460
منها؟ ومن منهم يستطيع أن ينطق بلسان يصدق الحديث عما في نفسه فيقول: إنه أصبح سعيدا كما أمسى أو أمسى سعيدا كما أصبح, أو إنه رأى بارقا من بوارق السعادة قد لمع يوما من الأيام في سماء حياته, ولم ير بجانبه مثل ما يرى في الليلة البارقة من نجوم هاوية ورعود قاصفة وصواعق محرقة وغيوم متلبدة؟
بأي نعمة من النعم أو حسنة من الحسنات تمنّ الحياة على رجل يتنقل فيها من ظلمة الرحم إلى ظلمة العيش ومن ظلمة العيش إلى ظلمة القبر كأنما هو يونان الذي التقمه الحوت, فأصبح في ظلمات بعضها فوق بعض؟ وأي صنيعة من الصنائع أسدتها الأيام إلى إنسان يظل فيها من مهده إلى لحده حائرا مضطربا يفتش عن ساعة راحة وسلام يبل بها غلته, ويثلج بها صدره فلا يعرف لها مذهبا ولا يجد إليها سبيلا؟ إن كان غنيا اجتمعت حوله القلوب المضطغنة واصطلحت عليه الأيدي الناهبة، فإما قتلته وإما أفقرته، وإن كان فقيرا عد الناس فقره ذنبا جنته يداه, فتتناوله الأكف وتتقاذفه الأرجل وتتجاذبه الألسن حتى يموت الموتة الكبرى، وإن كان عالما ولع به الحاسدون واستهتروا في تزييفه والتشهير به, وأغروا بنفثاته وآثاره حتى يعطيهم عهده وميثاقه أن يعيش عالما كجاهل وحيا كميت، وأن يكتم سر علمه
стр. 461
في صدره فلا يفضي به إلى لسان ولا قلم أو يموت دون ذلك، وإن كان جاهلا اتخذه العالمون مطية لا يزالون يركبونها إلى مقاصدهم وأغراضهم من حيث لا يرحمونها ولا يرفقون بها ولا يقيمون صلبها حتى يعقروها، وإن كان بخيلا ازدرته القلوب واقتحمته العيون وتقلصت له الشفاه وبرزت له الأنياب وانقبضت له الأسرة والتهبت له الأنظار وأرسلت إليه الأضغان ألسنة نيرانها حتى تحرقه، وإن كان كريما محسنا عاش مترقبا في كل ساعة من ساعات ليله ونهاره شر الذين أحسن إليهم، إما لأنه منحهم أولا ثم منعهم آخرا فهم يحاولون أن ينتقموا منه؛ لأنه أذاقهم لقمة ناعمة ما كانوا يقدرون لها في أنفسهم حسابا, فلما ذاقوها استعذبوها فاستزادوا منها فلم يجدوا ما يريدون, فتمتلئ صدورهم حقدا على تلك اليد التي هاجت بطنتهم وأشعلت نارها ثم لم تطفئها، أو لأنهم من أصحاب النفوس الشريرة الذين يشعرون كأن المحسن يريد أن يشتري منهم نفسه بما يسدي إليهم من إحسانه, فيتناولون منه الإحسان لأنهم طماعون ويطوون القلوب على الحقد عليه والموجدة له؛ لأنهم كانوا يريدون أن يتمكنوا من عرضه ينالون منه كما يشاءون, فحيل بينهم وبين ذلك.
لا سعادة في هذه الحياة إلا إذا نشر السلام أجنحته البيضاء
стр. 462
على هذا المجتمع البشري، ولن ينتشر السلام إلا إذا هدأت أطماع النفوس واستقرت فيها ملكة العدل والإنصاف فعرف كل ذي حق حقه, وقنع كل بما في يده عما في يد غيره, فلا يحسد فقير غنيا ولا جاهل عالما, وأشعرت القلوب رحمة وحنانا على البؤساء والمنكوبين, فلا يهلك جائع بين الطاعمين ولا عارٍ بين الكاسين, وامتلأت النفوس عزة وشرفا, فلا يبقى شيء من تلك الحبائل المنصوبة لاغتيال أموال الناس باسم الدين أو باسم الوطنية أو باسم الإنسانية أو باسم العلم ولا نرى طبيبا يدعي علم ما لم يعلم ليسلب المريض روحه وماله, ولا محاميا يخدع موكله عن قضيته ليسلب منه فوق ما يسلب منه خصمه, ولا تاجرا يشتري بعشرة ويبيع بمائة ثم ينكر بعد ذلك أنه لص سارق, ولا كاتبا يضرب الناس بعضهم ببعض حتى تسيل دماؤهم فيمتصها كما يضرب القادح الزند بالزند ليظفر بالشرر المتطاير منهما، وما دامت هذه المطالب أحلاما كاذبة وأماني باطلة فلا مطمع في سلام ولا أمان ولا أمل في سعادة ولا في هناء، ولا فرق بين أمس الدهر ويومه، ولا بين يومه وغده، ولا فرق بين مغفلات أيامه ومعلمات أعياده، فليهنأ بالعيد من عرف من أيامه غير ما عرفت، وذاق من نعمائه غير ما ذقت، وليفرح بالعام الجديد من حمد ماضي أيامه وسالف أعوامه.
стр. 463
سحر البيان:
رأيت في إحدى روايات شكسبير وهي الرواية المعروفة برواية "يوليوس قيصر" موقفا لبطلين من أبطال الفصاحة, وفارسين من فرسان البيان قد وقف كل منهما من صاحبه موقف اللاعب من اللاعب, ووقف الشعب الروماني بينهما موقف الكرة بين مضارب الأقدام تعلو بها حينا وتسفل أحيانا فلا تثبت صاعدة ولا تستقر هابطة فعلمت أن العامة عامة في كل عصر، والشعب شعب في كل مصر، وأن سواد الأمة تحت صرح فرعون مثله تحت عرش قيصر، وأنه في رأس التاريخ اليسوعي مثله في ذنب التاريخ المحمدي، تدنو به كلمة وتنأى به أخرى، وتجذبه دمعة وتدفعه ابتسامة، وتطير بلبه الشعريات والخيالات طيران الريح الهوجاء بذرات الهباء.
علم بروتس الشريف الروماني أن يوليوس قيصر قد استعبد الشعب الروماني, وأذل نفسه ذلا ملك عليه حواسه ومشاعره حتى ما يكاد يشعر بمرارته، وكذلك الذل إذا نزل بالنفوس سلبها
стр. 464
كل شيء حتى الشعور بنزوله بها، وعلم أن حياة ذلك الشعب في موت ذلك القيصر فهان عليه أن يقتل صديقه وسيده افتداء لأمته, فطعنه طعنة نجلاء سلبته نفسه فهاج الشعب الروماني على القاتل وأعوانه هياج الأمواج المتدافعة على السفن المبعثرة في أكناف الدأماء، فوقف الرجل خطيبا في وجه هذا الشعب المائج المحتدم حزنا على خلاصه من يد قاتله وقفة المستبسل المستميت، وكان لا بد له في موقفه من أحد المصيرين؛ إما نصر يعلو به إلى مدار الأفلاك، أو خذلان يهوي به إلى مقر الأسماك، ومن أحد المخرجين؛ إما مخرجه مرفوعا على محفة الأبطال، أو محمولا على أعناق الرجال، فبعد لأي ما استطاع بعض الناس أن يسكن ثائرة الثائرين ويستدرجهم إلى سماع دفاع القاتل عن نفسه أو التفكه بمنظر هذيانه وهو يتلمس في هذه الظلمة الحالكة المخرج من جرمه.
الخطبة:
بروتس "وهو على منبر الخطابة": أيها الرومانيون، أتعدونني بالصبر القليل على سماع ما أقول من حلو الكلام, ومره إكراما لموقفي, وإكراما للعدل؟
أنا لا أريد أن أخدعكم عن أنفسكم, ولا أن أعبث بعقولكم
стр. 465
وأهوائكم, بل أريد منكم أن تنظروا إلى قضيتي نظر المستيقظ الحذر الذي لا يعطي هوادة ولا يسلس قيادا ولا ينام عن شاردة ولا واردة؛ لأني لا أعتقد أن في زاوية من زوايا قضيتي هذه كمينا أخاف أن تقع عليه العيون.
أيها الرومانيون، إن كان بينكم صديق لقيصر يحبه, ويتهالك وجدا عليه فليسمح لي أن أقول له: أيها الصديق الكريم، إن بروتس قاتل قيصر كان يحبه أكثر من حبك إياه.
أيها القوم، والله لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم، فأعلموا أني ما قتلت قيصر لأني كنت أبغضه, بل لأني كنت أحب روما أكثر منه.
كان قيصر يحبني فأحببته، وكان شجاعا فاحترمته، ولكنه كان طماعا فقتلته، ففي ساعة واحدة منحته دمعي وقلبي وخنجري.
أنا لا أصدق أن بينكم من يحزن لموت قيصر, فأنتم رومانيون والروماني لا يحب أن يعيش ذليلا.
من منكم يكره أن يكون رومانيا؟ من منكم يكره أن يكون حرا؟ من منكم يحتقر نفسه؟ من منكم يزدري وطنه؟ إن كان بينكم واحد من هؤلاء فليتكلم؛ لأنه هو الذي يحق له أن
стр. 466
يثأر لنفسه مني؛ لأني لم أسئ إلى أحد سواه.
الشعب: لا، لا، ليس فينا واحد من هؤلاء.
بروتس: إذن أنا لم أسئ إلى أحد منكم.
وما وصل بروتس من حديثه إلى هذا الحد حتى دخل أنطونيوس صديق قيصر ورأس الناقمين على قتلته والطالبين بثأره هو وآخرون, ومعهم جثة قيصر لتأبينه في هذا المجمع الحاشد, فاستأنف بروتس الكلام وقال:
بروتس: ها هي جثة قيصر وها هو صديقه أنطونيوس قد جاء ليؤبنه فاستمعوا له، واعلموا أن قيصر المذنب غير قيصر الماجد، وقد سمعتم ما قيل عن الأول فاسمعوا ما قيل عن الثاني، واسمحوا لي أن أقول كلمة أختم بها خطابي.
أيها الرومانيون، إن الخنجر الذي ذبحت به قيصر في سبيل روما لا يزال باقيا عندي لذبح بروتس في سبيل قيصر إذا أرادت روما ذلك.
تأثير الخطبة:
الشعب: ليحي بروتس.
أحد الناس: أنا أقترح أن نحمله على الأكف والرءوس إلى بيته.
стр. 467
آخر: انصبوا له تمثالا.
آخر: امنحوه عرش قيصر.
آخر: إنه أفضل من قيصر.
آخر: إن قيصر كان ظالما.
آخر: إنه كان الظلم بعينه.
آخر: لتهنأ روما بالخلاص منه.
آخر: ألا نسمع تأبين أنطونيوس؟
آخر: نعم نسمعه؛ لأن بروتس أمر بذلك.
وهنا خرج بروتس والقلوب طائرة حوله, والعيون حائمة عليه وقد نال بتأثير خطابه من نفوس الشعب الروماني ما أراد، ثم صعد أنطونيوس على منبر الخطابة, فهزأ الشعب بموقفه ولولا كلمة من بروتس ما ثبت في موقفه لحظة واحدة، ثم أنشد قصيدة التأبين المشهورة التي هي آية الآيات في اللغة الإنجليزية فصاحة وبيانا, والتي يكاد لا يوجد إنجليزي لا يحفظها ولا يمجدها تمجيد الأمم المتعبدة آيات الكتب المقدسة.
القصيدة:
أنطونيوس: أيها الرومانيون.
أحد الناس: اسمعوا ما يقوله أنطونيوس.
стр. 468
آخر: لا، لا نسمعه.
أنطونيوس: اسمعوني إكراما لبروتس.
أحد الناس: ماذا يقول هذا الرجل عن بروتس؟
آخر: لا يقول شيئا.
آخر: إذن نسمعه.
أنطونيوس: أيها الأصدقاء، أنا ما جئت هنا اليوم لأرثي قيصر بل لأدفن جثته.
أيها القوم، ما من أحد من الناس إلا وله في حياته أعمال حسنة, وأخرى سيئة.
أما حسناته فتموت بموته, وأما سيئاته فتبقى من بعده خالدة إلى يوم يبعثون.
كذلك كان قيصر في حياته ومماته، وحسناته وسيئاته.
أيها القوم، ما كنت لأستطيع أن أقف موقفي هذا بينكم ولا أن أقول كلمة مما أريد أن أقول لولا أن بروتس قاتل قيصر أمرني بالوقوف وأمرني بالكلام, وها أنتم ترون أنني قد أطعته واستمعت له؛ لأنه رجل شريف.
أيها القوم، يقول الشريف بروتس: إن قيصر كان رجلا طماعا وأنا لا أستطيع أن أخالفه فيما يقول؛ لأنه رجل شريف.
стр. 469
أنا لا أستطيع أن أقول: إن قيصر كان رجلا قانعا عادلا أمينا؛ لأن الشريف بروتس يقول غير هذا.
كل ما أستطيع أن أقوله, إن الفدية التي افتدى بها أعداؤنا أسراهم الذين جاء بهم قيصر إلى روما قد ملأت الخزانة العامة حتى فاضت بها.
كل ما أستطيع أن أقوله, إني رأيت قيصر بعيني يبكي لبكاء الفقراء ويحزن لحزنهم, ويبيت الليالي ذوات العدد ساهرا لا يغتمض له جفن حدبا بهم, وعطفا عليهم.
كل ما أستطيع أن أقوله, إني عرضت بنفسي تاج الملك على قيصر في لوبركال ثلاث مرات فأباه زهدا فيه, وازدراء له.
كنت أستطيع أن أقول: إن الطمع لا يسكن قلبا مثل هذا القلب, ولا يخالط فؤادا مثل هذا الفؤاد لولا أن بروتس يقول: إن قيصر رجل طماع, وأنا لا أستطيع مخالفته لأنه رجل شريف.
أيها الرومانيون، إنكم أحببتم قيصر قبل اليوم حبا جما, فما الذي يمنعكم اليوم من البكاء عليه؟
إن لم تبكوه لصفاته الكريمة فابكوه لأنكم كنتم تحبونه، ابكوه لأنه كان بالأمس ينطق الكلمة فتدوي في صدور العظماء دوي الرعد في آفاق السماء، فأصبح اليوم مطرحا
стр. 470
في ظل هذا الحائط, لا يجد بين الناس من يأبه له ولا من ينظر إليه.
أيها العقل الإنساني، كيف حالت حالك وتغيرت آيتك؟ وكيف انتقلت من الصدور الإنسية إلى الصدور الوحشية؟ وكيف ضللت سبيلك وعميت عليك مذاهبك فحسبت الخير شرا، والشر خيرا، واختلط عليك الأمر بين الحسنات والسيئات, والمكارم والجرائم؟
أيها الرومانيون، عفوا إن هذيت بينكم أو أسأت إليكم، واعلموا أن الحزن قد قسم فؤادي قسمين: قسم على هذا المنبر، وقسم في ذلك النعش.
أيها الأصدقاء، إن بين جنبي قلبا يخفق بحبكم والعطف عليكم والرأفة بكم, ولولا مخافة أن تنفجر صدوركم حزنا وجزعا لقلت لكم: إن قيصر قتل مظلوما.
إنني أعتقد أن بروتس ورفاقه قوم شرفاء عظماء؛ لذلك أحب أن أسيء إلى نفسي وإلى قيصر وإليكم قبل أن أقول: إنهم أخطئوا في قتل قيصر, فأسيء إليهم.
"وهنا أرسل أنطونيوس من جفنيه قطرات من الدموع".
الانقلاب:
أحد الناس "يقول لصاحبه": يلوح لي أن فيما يقول الرجل شيئا معقولا.
стр. 471
آخر: إنك إذا أنعمت النظر وجدت أن قيصر قد أسيء إليه.
آخر: لقد أثر في نفسي زهده في تاج الملك.
آخر: لقد أحزنني عليه أنه كان يبكي لبكاء الفقراء.
آخر: إن الذي يرثي لبؤس البؤساء لا يكون طماعا, ولا ظالما, ولا قاسيا.
آخر: إذن فسيكون لمقتل قيصر شأن غير شأنه الأول.
آخر: لا بد من عقاب القاتل.
آخر "يقول لجليسه": انظر إلى أنطونيوس, فقد بكى حتى احمرّت مقلتاه.
آخر: ليس في روما رجل أشرف من أنطونيوس.
أنطونيوس: أتأذنون لي بالنزول من المنبر لأقف قليلا بجانب جثة القتيل؟
الشعب: نعم نعم.
"فنزل أنطونيوس ومشى حتى وصل إلى جثة قيصر وهو لا يزال في ملابسه التي قتل فيها, ولا تزال طعنات الخناجر ظاهرة في قبائه ثم قال"
أنطونيوس: من كان يملك منكم دموعا فليعدها لهذا
стр. 472
الموقف, فإني سأبكيكم في هذه الساعة بكاء شديدا.
إنكم جميعا تعرفون هذا القباء ولكنكم لا تعرفونه كما أعرفه أنا، أنا أعلم أن قيصر لبسه أول مرة في مساء اليوم الذي انتصر فيه على "الذفي" ذلك الانتصار الباهر الذي نالت به روما فخرا عظيما.
"ثم وضع يده على الثقوب التي في القباء وقال"
في هذا القباء الشريف تمزقت جثة هذا الفاتح العظيم.
في هذا الثقب طعنه بروتس طعنته, ومن هذا الثقب أطل دم قيصر ليرى بعينه وجه الضارب، وأحسب أن أفراد هذا النوع الإنساني جميعهم قد مروا بخاطر قيصر فردا فردا قبل أن يمر بخاطره بروتس.
عرف قيصر أن قاتله هو صديقه وصنيعة إحسانه, ففترت همته وعجز عن المقاومة لأن الطعنة التي أصابته في جسمه لم تكن أقل من الطعنة التي أصابته في قلبه، ولم يكن منظر المدى والخناجر أبشع في نظره من منظر الخيانة والغدر، هنالك عجز قيصر عن أن يقول شيئا غير الكلمة التي ودع بها قاتله الوداع الأخير: "وأنت أيضا يا بروتس! ".
وهنالك تحت تمثال بومباي وجد قيصر قتيلا وقد لف وجهه
стр. 473
بقبائه حتى لا تتألم نفسه مرة ثانية بمنظر كفر النعمة, ونكران الجميل.
ها أنتم تبكون على قيصر, فشكرا لكم على هذه الدموع الكريمة التي طهرتم بها ما لوث به الخونة تربة الأرض من الدماء.
إنكم تبكون لمنظر قباء قيصر الممزق, فكيف بكم لو شاهدتم ما تمزق من جثته.
"ثم دنا وكشف القباء عن جسمه, وقال"
إن في كل جرح من هذه الجروح لسانا يشكو إليكم فاستمعوا له, فهو أنطق من لسان الرثاء.
أحد الناس: يا له من منظر فظيع.
آخر: وا رحمتاه لقيصر.
آخر: إن يوما يقتل فيه قيصر ليوم شره مستطير.
آخر: يا للدناءة والسفالة.
آخر: يا للغدر والخيانة.
آخر: الانتقام الانتقام.
الشعب "وهو يضجّ ضجيجا عظيما": أحرقوا القتلة، مزقوهم، لا تبقوا على أحد منهم.
أنطونيوس: مهلا مهلا, أنا لا أريد أن أشعل بينكم فتنة
стр. 474
عمياء، ولا أريد أن تطالبوا القتلة بالدماء التي أراقوها, فإني لا أزال أعتقد أنهم قوم شرفاء وربما كانوا يعرفون أسبابا لقتله لا نعرفها, وإنما أريد أن أقول لكم: إن قيصر كان يحبكم حبا جما, فهو يستحق رثاءكم له, وبكاءكم عليه.
لولا أني أوثر الإبقاء عليكم, ولولا أني أحب تخفيف ما ألم بقلوبكم من الحزن على فقيدكم لتلوت عليكم وصيته لتعلموا أن الرجل كان يحبكم, وأنه ما كان خليقا أن يقتل بينكم وفيكم عين تطرف وفؤاد يخفق.
الشعب: اقرأ الوصية.
أنطونيوس: إني أخاف على صدوركم أن تنفجر حزنا على القتيل الشهيد.
الشعب: نريد سماع الوصية.
أنطونيوس: إنه يعطي كل فرد من أفراد الرومان خمسة وسبعين فرنكا, ويوصي بجميع غاباته ومنتزهاته ورياضه لأمته.
أحد الناس: يا له من رجل كريم.
آخر: يا له من رجل شريف.
آخر: ويل للقتلة.
آخر: الثورة، الثورة.
стр. 475
آخر: سنحرق منزل بروتس ومنازل رفاقه.
ثم خرج الشعب يتدفق في شوارع روما تدفق الأمواج الثائرة في القاموس المحيط.
أنطونيوس "في موقفه وحده": أيتها الفتنة العمياء, قد أيقظتك من مرقدك فارفعي رأسك وامضي في سبيلك واشتعلي حتى يحرق لسانك أديم السماء, وحتى لا تبقي على شيء مما حواليك ا. هـ.
وهكذا استطاع أنطونيوس في موقف واحد أن يستعبد الشعب الروماني لنفسه وما كاد يخلص من استعباد قيصر، وهكذا الأمم الضعيفة لا مفر لها من العبودية لحملة التيجان، أو حملة البيان.
стр. 476
الكبرياء:
حضرة السيد الفاضل:
لي في البلدة التي أسكنها كرامة الحاكم؛ لأني أشغل وظيفة عالية فيها وقد بدا لي أن أختلف إلى المسجد لصلاة الجمعة, فاختلفتُ حتى فاجأني يوما من الأيام ما لم يكن في الحسبان.
حدث أن صعلوكا يعرفني, ويعرف مقامي تمادى في وقاحته وسوء أدبه حتى وقف بجانبي في الصلاة فاشمأزت نفسي من هذا الأمر كل الاشمئزاز, وحاولت أن أحتمله فلم أستطع, وخفت إن طردته أن يؤاخذني الناس به, فهل تعرف مسوغا شرعيا يفرق بين درجات الناس في مواقف الصلوات؟ "سائل".
يا مولانا الحاكم:
رحماك بهذا الصعلوك المفلوك الواقف بجانبك، لا تضن عليه بظلك الظليل أن يمتد إليه, فيقيه أشعة التصعلك الحارة ساعة من الزمان, ولا تحرمه نفحة من نفحات السعادة التي تهب عليه من بين أردانك العطرة علَّه يجد في تلك اللذة الخيالية
стр. 477
ما يهون عليه مصابرة البلاء، ومعاناة الشقاء، وأحسن كما أحسن الله إليك, إن الله يحب المحسنين.
ليفرخ روعك وليثلج صدرك, واعلم أن هذا الفقير الصعلوك الواقف بجانبك لا يستطيع مهما نال منه العدم, وبرَّح به الشقاء أن يقتطع قطعة من سعادتك أو يفتلذ فلذة من شرفك، فسعادتك وشرفك كالمصباح تستنير منه المصابيح, ونوره نوره وبهاؤه بهاؤه.
لا تظلم الرجل ولا تقل: إنه وقاح الوجه أو سيئ الأدب؛ فإني أعلم بما أعرف من آمال هؤلاء البؤساء وأمانيهم أنه ما وقف بجانبك إلا طمعا في دورة الفلك التي علت بك, وأنزلتك منازل العظماء أن تدور به دورتها بك, وأن تنزله منزلتك, فاغفر له جهله وقصوره, فمثلك من يقيل العثرة ويستر الزلة.
إنك تريد مني أن أتلمس لك في أبواب الشريعة الإسلامية مسوغا يسوغ لك طرد هذا الصعلوك المجترئ عليك من موقفه الذي اختاره لنفسه بجانبك, فاسمع ما ألقي عليك:
إن الذي وقفت بين يديه في مصلاك أجلّ شأنا وأعظم خطرا من أن يحفل بثوبك اللامع وجبينك الساطع وردائك المطرز وقميصك المحبر, وأن يعرف لك من الفضل والشرف
стр. 478
أكثر مما يعرف لصاحبك, فما كان له أن يأمرك أن تتقدمه, أو يأمره أن يقف منك موقف العبد من السيد والمحكوم من الحاكم.
إن للجمعة والجماعة فضائل كثيرة وحكما جمة أرادها الشارع منها، وإنك لن تجد بين هذه الحكم وتلك الفضائل حكمة أدق, ولا فضيلة أنفس من التواضع الذي يشعره العظيم قلبه كلما رأى أنه قد وقف من الفقير في ذلك الموطن المقدس موقف الأخ من أخيه, والنظير من نظيره.
إن كنت تريد يا مولانا الحاكم من الاختلاف إلى المسجد ألا تترك للفقير موطنا من المواطن يملك فيه الخيار لنفسه في مواقفه, ومذاهبه حتى موقفه بين يدي ربه فخير لك أن تستصحب معك فريقا من شرطتك وأعوانك لتأمرهم في ذلك الفقير بما يرضيك من إقصائه أو طرده أو التنكيل به كلما رأيته تمادى في وقاحته وسوء أدبه، فإن تم لك من ذلك ما أردت فاحذر أن يخدعك خادع عن نفسك, فيزين لك أن تنطق في موقفك هذا بآية العبودية بعدما نطقت بكلمة الألوهية حتى لا تجمع على نفسك بين رذيلتين: رذيلة الظلم, ورذيلة الرياء.
فإن كنت تريد الصلاة للصلاة, فاعلم أن الله لا يقبلها منك, ولا يجزل لك ثوابها حتى تقف بين يديه موقف من ألمت بقلبه
стр. 479
الخشية, وملكت عليه السكينة سمعه وبصره فلم يعد يبصر شيئا مما حوله, ولا يعلم إن كان واقفا في حضرة الملوك، أو في زمرة الصعاليك.
أيها العظماء:
ليست العظمة التي تعرفونها لأنفسكم إلا منحة من منح الفقراء عليكم, وحسنة من حسناتهم إليكم, فلولا تواضعهم بين أيديكم ما علوتم، ولولا تصاغرهم في حضراتكم ما استكبرتم، فلا تجزوهم بالإحسان سواء ولا تجعلوا الكفر مكان الشكر تستدفعوا النقم, وتستديموا النعم.
أيها العظماء:
ما هذه القصور التي تسكنونها, ولا هذه النعم التي ترفلون في أثوابها, ولا هذه الحاشية التي تدلون بها إلا ألوان وأصباغ لا علاقة بينها وبين نفوسكم, ولا دخل لها في جوهر من جواهر أفئدتكم وقلوبكم, وما هي إلا أن تشرق عليها شمس الحقيقة فتذهب بها ذهابها بألوان السحاب، وأصباغ الثياب، فإذا أنتم عراة مجردون لا تشفع لكم إلا فضائلكم، ولا تنفعكم إلا مواهبكم ومزاياكم.
أيها العظماء:
لا عذر لكم في الكبرياء في جميع حالاتكم وشئونكم، فإن
стр. 480
كنتم من أرباب الفضائل, فحري بالفاضل أن لا يشوه وجه فضيلته برذيلة الكبرياء، أو لا فما تحمل الأرض على ظهرها أسمج وجها, ولا أصلب خدا من جهلة المتكبرين، فانظروا أين تنزلون، وفي أي مقام تقيمون!
стр. 481
الانتحار:
قرأت في الصحف أن رجلا من تجار المسلمين انتحر لا لضيق يد أو شدة مرض أو بؤس حال, بل لأنه حزن على وفاة صديق له, فقتل نفسه.
إن الرجل مؤمن يعتقد ولا شك بسوء عاقبة المنتحر, فكيف هان عليه وهو في آخر يوم من أيام حياته أن يضم إلى خسارة دنياه خسارة آخرته, وهي العزاء الباقي عن كل ما يلاقي المؤمن في حياته من شقاء وعناء.
إن الانتحار من حيث هو مبدأ فاسد, وعادة مستهجنة رمتنا بها المدنية الغربية فيما رمتنا به من مفاسدها وآفاتها.
ولقد كنا نعجب قبل اليوم من تهالك المصريين على حب تقليد الغربيين حتى فيما يؤذيهم في مالهم أو عرضهم وصحتهم, أو كنا إذا أردنا المبالغة في تمثيل هذا التهالك قلنا: يوشك أن يقتل المصري نفسه بنفسه إذا علم أن ذلك عادة من العادات الغربية
стр. 482
فقد صار قريبا ما كان بعيدا, وأصبح مألوفا ما كنا نعده مثلا من الأمثال.
الانتحار منتهى ما تصل إليه النفس من الجبن والخور, وما يصل إليه العقل من الاضطراب والهوس, وأحسب ألا يقدم الإنسان على الانتحار وفي نفسه ذرة من العزم، أو في عقله لمحة من الحزم.
حب النفس غريزة وضعها الله في نفس الإنسان لتكون ينبوع العمل ومبعث الحركة ومطلع شمس المدنية والعمران، والمنتحر يبغض نفسه بأشد مما يبغض الإنسان أعدى أعدائه، فهو شاذ في طبيعته, غريب في خلقه, معاند لإرادة الله تعالى في حياة الكون وعمرانه، ومن كان هذا شأنه كان بلا قلب ولا عقل.
لا عذر للمنتحر في انتحاره مهما امتلأ قلبه من الهم ونفسه من الأسى, ومهما ألمت به كوارث الدهر ونزلت به ضائقات العيش؛ فإن ما أقدم عليه أشد مما فر منه, وما خسره أضعاف ما كسبه.
لو كان ذا عقل لعلم أن سكرات الموت تجمع في لحظة واحدة جميع ما تفرق من آلام النفوس وشدائدها, وأن قضاء ساعة واحدة فيما أعد الله لقاتل نفسه من العذاب الأليم الدائم أشد
стр. 483
مما يلاقيه من مصائب الحياة, وأرزائها لو يعمر ألف سنة.
ما أكثر هموم الدنيا وما أطول أحزانها، لا يفيق المرء فيها من هم إلا إلى هم ولا يرتاح من فاجعة إلا إلى مثلها, ولا يزال بنوها يترجحون ما بين صحة ومرض وفقر وغنى وعز وذل وسعادة وشقاء، فإذا صح لكل مهموم أن يكره حياته وكل محزون أن يقتل نفسه خلت الدنيا من أهلها واستحال المقام فيها, بل استحال الوفود إليها وتبدلت سنة الله في خلقه, ولن تجد لسنة الله تبديلا.
ما سمي القاتل مجرما إلا لأنه قاسي القلب متحجر الفؤاد، وأقسى منه قاتل نفسه لأنه ليس بينه وبينها من الضغينة والموجدة ما بين القاتل والمقتول, فهو أجرم المجرمين وأفظع القاتلين.
يخدع المنتحر نفسه إن ظن أنه مقتنع بفضل الموت على الحياة, وأنه يفعل فعلته عن روية وبصيرة فإنه لا يكاد يضع قدمه في المأزق الأول من مآزق الموت حتى يثوب إليه رشده وهداه, ويحاول التخلص مما وقع فيه لو وجد إلى ذلك سبيلا.
إن ألقى نفسه في الماء تخبط ومد يده إلى من يرجو الخلاص على يده, وود لو يفتدى نفسه بكل ما تملك يمينه، وإن أغلق على نفسه نوافذ غرفة مملوءة بغاز الفحم ود لو سقط عليه سقف
стр. 484
الغرفة ليستنشق نسمات الهواء, ولو عاش بعد ذلك كسير اليد والرجل, فاقد السمع والبصر.
إن فكرة الانتحار نزغة من نزغات النفس وخطرة من خطرات الشيطان, فمن حدثته نفسه بقتل نفسه فليتمهل ريثما يتبين كيف يكون صبره على احتمال سكرات الموت وآلام النزع, وكيف يكون حديث الناس عنه بعد موته, وهل يمكن أن يوجد بينهم عاذر له أو ساكت عن ازدرائه واحتقاره ورميه بالعته والجنون، وليستحضر في مخيلته أشكال العذاب وألوان العقاب التي أعدها الله في الدار الآخرة لأمثاله, ثم لينظر أيرتكب جريمة الانتحار؟ لا أظنه بعد ذلك فاعلا إلا إذا كان وحشا في ثوب إنسان، أو بطلا من أبطال البيمارستان.
стр. 485
الحياة الشعرية:
لولا الحياة الشعرية التي يحياها الناس أحيانا لسمج في نظرهم وجه الحياة الحسية, ومر مذاقها في أفواههم حتى ما يغتبط حي بنعمة العيش, ولا يكره ميت طلعة الموت.
لذلك نرى كل حي يهرب من الحياة الحسية جد الهرب لاجئا إلى الحياة الشعرية من أي باب من أبوابها؛ لأنه يرى في هذه ما لا يراه في تلك, مما يريح فؤاده ويثلج صدره وينفي عن نفسه السآمة والضجر من صنوف المناظر, وأفانين المشاهد, وغرائب المؤتلفات, وعجائب المختلفات.
لولا حب الناس الحياة الشعرية لما وجد فيهم كثير من المولعين بتخدير أعصابهم كشاربي الخمر ومدخني الحشيشة والأفيون، وهي وإن كانت في نظرهم حياة سعادة يتخللها شقاء، إلا أنها عندهم خير من حياة شقاء لا تتخللها سعادة، ولولا حب الحياة الشعرية لما وجد في الناس هذا الجم الغفير من الشعراء المتخيلين، والمتصوفة المتهوسين.
стр. 486
لا يجد السكير لذة العيش وهناءه إلا إذا أسلم نفسه إلى كأس الشراب فنقله من هذا العالم البسيط المحدود إلى عالم هائل غريب, يرى فيه كل ما تشتهي نفسه أن يراه، فإن كان قبيح الوجه مشوه الخلق تخيل أنه شرك الأبصار، وفتنة النظار، وأن القلوب محلقة على جماله تحليق الأطيار على الأشجار، وإن كان وضيعا حقيرا لا يملك فلسا توهم أنه جالس على كرسي الملك والصولجان في يمينه والتاج فوق رأسه واعتقد أن عبيد الله عبيده, وجنود الحكومة جنوده، حتى الجندي الذي يسحبه على وجهه إلى السجن. وبالجملة لا تقع عينه على ما يحزنه من المنظورات، ولا تسمع أذنه ما ينفره من المسموعات، حتى ليرى الجمال الباهر في وجه العجوز الشمطاء، ويسمع في صوت الرعد القاصف ألحان الغناء.
ولا يشعر الصوفي بنعيم الحياة إلا إذا جنّ الليل وأوى إلى معبده وخلا بنفسه, فتخيل أن له أجنحة من النور كأجنحة الملائكة يطير بها في فضاء السماء, فيرى الجنة والنار والعرش والكرسي ويسمع صرير قلم القدرة في اللوح المحفوظ, ويقرأ في أم الكتاب حديث ما كان وما يكون وما هو كائن.
ولا يستفيق الشاعر من هموم الدنيا وأكدارها ومصائبها
стр. 487
وأحزانها إلا إذا جلس إلى مكتبه وأمسك بيراعه, فطار به خياله بين الأزهار والأنوار، وتنقل به بين مسارح الأفلاك ومسابح الأسماك، ووقف به تارة على الطلول الدوارس يبكي أهلها النازحين وقطانها المفارقين، وأخرى على القبور الدوائر يندب جسومها الباليات، وأعظمها النخرات.
ليس الأمل إلا بابا من أبواب الحياة الشعرية, ولا يمكن أن يوجد بين قلوب البشر قلب لا يخفق بالآمال، فالأمل هو الحياة الشعرية العامة التي يشترك في العيش فيها جميع الناس أذكياء وأغبياء، فهماء وبلداء، والأمل هو السد المنيع الذي يعترض في سبيل اليأس ويقف دونه أن يتسرب إلى القلوب، ولو تسرب إليها لزهد الناس العيش في هذه الحياة الحسية التي لا قيمة لها في أنظارهم, ولا لذة لها في نفوسهم, ولطلبوا الفرار منها إلى الموت تسليا بالتغير والانتقال، وتلذذا بالتحول من حال إلى حال.
يقولون: أشقى الناس في هذه الحياة العقلاء, ويقولون: ما لذة العيش إلا للمجانين.
أتدري لماذا؟
لأن نصيب الأولين من الحياة الشعرية أضعف من نصيب
стр. 488
الآخرين، وذلك أن عقل العاقل يحول بينه وبين استمرار الطيران في فضاء الخيالات الذهنية
والمغالطات الشعرية، فلا يرى سوى ما بين يديه من المحسوسات، ويمنعه علمه بأحوال الدنيا وشئونها ومعرفته أن الهموم والأحزان لازمة من لوازمها لا تنفك عنها أن يؤمل منها ما ليس في طبيعتها من دوام السعادة, واستمرار السرور والهناء، فلا يطلب سعة العيش من وراء الأمل كبقية المؤملين، ولا يتلذذ بتصديق ما لا يكون تلذذ المجانين.
والحق أقول: لولا الحياة الشعرية التي أحياها أحيانا في هذه النظرات لأحببت زهدا في الحياة الحسية أن تطلع الشمس من مغربها ولو قامت القيامة بعد ذلك، ولتمنيت حبا في الانتقال من حال إلى حال أن أنتقل ولو إلى رحمة الله.
стр. 489
رباعيات الخيام:
وقفت برباعيات عمر الخيام١ كما يقف مسافر ضل به سبيله في فلوات الأرض ومجاهلها بوادٍ معشوشب زاهر في وسط فلاة جرداء عند منقطع العمران، فما خطوت فيه بعض خطوات حتى رأيت ما شاء الله أن أرى من أنوار بيضاء، وورود حمراء، وألوان من النبات مشتبهات وغير مشتبهات، وغدران مسلسلة مطردة تتبسط في تلك الديباجة الخضراء، تبسط الشهب الثاقبة في الديباجة الزرقاء، وأسراب من الحمام والعصافير والكراكي والبلابل تتطاير من فرع إلى فرع، وتتناثر من غصن إلى غصن وتجتمع لتفترق وتفترق لتجتمع، وتقتتل مرة وتتلاثم أخرى، وتصعد حتى تلامس بأجنحتها جلدة السماء، ثم تهبط فتقبّل صفحة الماء، ولا تزال تغرد في صعودها وهبوطها تغريدا مختلف النغمات
стр. 490
متنوع اللهجات، فيتألف من ذلك الاختلاف نغم بديع لا أعرف له شبيها إلا تلك الصورة الخيالية التي أتخيلها في نغم الحور الحسان، في فراديس الجنان.
فلم أزل أتقلب في أعطاف تلك الغلائل الخضراء، وأجرّ ذيول تلك الجداول البيضاء، وأقلب طرفي فلا أرى رائحا ولا غاديا، وأتسمع فلا أسمع هاتفا ولا داعيا، حتى وقف بي الحظ على دوحة فرعاء، ماثلة على رأس بعض الجداول، قد اضطجع في ظلها على قطيفة من ذلك العشب الناعم، رجل هانئ باسم، يقرأ تارة سورة الجمال في وجه فتاة جالسة بين يديه، ويقبل أخرى ثغر الكأس التي في يمينه، ويترنم فيما بين هذا وذاك بمقطوعات شعرية بديعة، يمثل فيها جمال الطبيعة وهدوءها، وسعادة الوحدة وهناءها، ويطير بأجنحة خياله في عالم بديع من عوالم الغيب كأنما يريد أن يفر بنفسه من هذا العالم المملوء بالآلام والأحزان, ويحاول أن يطارد كل خاطر من خاطرات الهموم التي تتطاير حول قلبه ليستكمل لذته في العيش، ويتغلغل في أعماق المتعة بوحدته وكتابه، وكأسه وفتاته.
فإن مر بخاطره ذكر الملوك والأمراء وما ينعمون به من عز وسلطان ولذة واستمتاع قال: ما لي وللملك والسلطان،
стр. 491
والحاشية والجند والقصور الشماء، والجنان الفيحاء، هنالك المحنة والشقاء، والفتنة الشعواء، والهموم والأرزاء، والدماء والأشلاء، والعويل والبكاء، وهنا الراحة والسكون في ظلال الوحدة والانفراد، حيث لا سيد ولا مسود، ولا عابد ولا معبود، وبين هذين الثغرين ثغر الفتاة وثغر الكأس، وذينك الصديقين، هذا الكتاب المفتوح وذلك الغصن المطل، كل ما يقدر السعداء لأنفسهم من غبطة في الحياة وهناء.
وإن ذكر الآخرة وما أعد الله فيها من العذاب للمسرفين على أنفسهم قال: إن من العجز أن أبيع عاجل السعادة المعلوم بآجلها المجهول، أنا اليوم موجود فلا بد أن أستمتع بمتعة الوجود، أما الغد فلا علم لي به ولا بما قُدِّر لي فيه، وعسير علي أن أتصور أننا معشر الأحياء كنوز من الذهب ندفن اليوم في باطن الأرض لينبش عنا النابشون غدا.
ثم يعود إلى نفسه مستغفرا الله من ذنبه في شكه وارتيابه, فيقول: اللهم إنك تعلم أني ما كفرت بك منذ آمنت، ولا أضمرت لك في قلبي غير ما يضمر لك المؤمنون الموحدون، فاغفر لي آثامي وذنوبي، فإني ما أذنبت عنادا لك ولا تمردا عليك، ولكنها الكأس غلبتني على أمري، وحالت بيني وبين عقلي،
стр. 492
وأنت أجل من أن تقاضيني كما يقاضي الدائن مدينه؛ لأنك كريم والكريم يرتجل المنحة ارتجالا، ولا يقرضها قرضا، ويسبغ نعمته حتى على العصاة والمذنبين.
وأحيانا يستشعر قلبه الرحمة بالعباد, فيبكي أحياءهم وأمواتهم ويقول مخاطبا فتاته: رويدا أيتها الفتاة في خطواتك على هذه الأعشاب, فلعل جذورها تستمد حياتها من كبد فتاة مثلك كان لها قلب مثل قلبك، ووجدان مثل وجدانك، وجمال ورُواء مثل جمالك ورُوائك، ثم ضرب الدهر ضرباته فإذا أنتِ في غلالة هذه الأشعة البيضاء، وإذا هي في دجنة تلك الأعماق السوداء، فارفقي بها واسكبي هذه الفضلة من كأسك على تربتها, علها تتسرب إلى نفسها فتطفئ ذلك اللاعج الذي يتأجج بين جوانحها.
ثم يتخيل أحيانا كأنه واقف أمام رجل خزَّاف يحرق آنيته في تنوره فيقول له: رحمة أيها الخزاف بهذه الحمأة التي تقلبها في هذه النار, فقد كانت بالأمس إنسانا مثلك، وستكون في مستقبل الأيام حمأة مثلها, وربما ساقك الدهر إلى يدي خزاف تحتاج إلى رحمته ورفقه، فارفق بها اليوم يرفق بك خزافك غدا.
وآونة يلبس ثوب الواعظ المنذر, فينعي على السعداء سعاداتهم ويذكرهم بما آلت إليه حال الملوك السالفين، والأقيال الماضين،
стр. 493
من خراب دورهم، وعمران قبورهم، وغروب شموسهم واندثار آثارهم.
ثم ينتقل من ذلك إلى البكاء على نفسه وترقب ذلك اليوم الذي تصوّح فيه زهرته، وتنطفئ جذوته، وتضعف منته، ويمحو نهار مشيبه ليل شبابه؛ فيزحف إلى قبره شيئا فشيئا حتى يتردى فيه، فيعود كما كان سرا مكتوما في ضمائر الأقدار، وذرة هائمة في مجاهل الأكوان.
وهكذا ما زال يتنقل من عبرة بليغة إلى عظمة بديعة, ومن خيال جميل إلى تشبيه رقيق، ومن وصف ناطق إلى تمثيل صادق، حتى أصبحت أعتقد أن هذه النفس التي تشتمل عليها بردة هذا الشاعر الجليل مرآة صافية قد تمثل فيها هذا الكون بأرضه وسمائه، وليله ونهاره، وناطقه وصامته، وصادحه وباغمه، وأن فخار الأعراب بمتنبيها ومعريها، والفرنسة بلامرتينها وفيكتورها، والسكسون بشكسبيرها وملتونها, والطليان بدانتيها، والألمان بجيتها، والرومان بفرجيلها، واليونان بهوميرها، ومصر القديمة ببنتاءورها، ومصر الحديثة بأحمدها، لا يقل عن فخار فارس بخيامها.
стр. 494
إلى تولستوي ١:
قف ساعة واحدة نودعك فيها قبل أن ترحل لطيتك، وتتخذ السبيل إلى دار عزلتك، فقد عشنا في كنفك على ما بيننا وبينك من بعد الدار وشط المزار، عهدا طويلا كنا فيه أصدقاءك وإن لم نرك، وأبناءك وإن كنا لنا آباء من دونك، وعزيز علينا أن تفارقنا قبل أن نقضي حق عشرتك بدمعة واحدة نسفحها بين يديك في موقف الوداع.
حدثنا الناس عنك أنك ضقت بهذا المجتمع الإنساني ذرعا بعد أن أعجزك إصلاحه وتقويمه فأبغضته وعفت النظر إليه، وأبغضت لبغضه كل شيء حتى زوجك وولدك، ففررت بنفسك منه إلى غاب تسمع زئير سباعه؛ أو دير تأنس برنة ناقوسه، وأسجلت أن لا تعود إليه وأن تقطع كل سبيل بينك وبينه،
стр. 495
فعذرناك ولم نعتب عليك ولم نسمك جبانا ولا منهزما ولا مواليا ولا مدبرا؛ لأنك قاتلت فأبليت حتى لم يبق في غمدك سيف ولا فوق عاتقك رمح ولا في كنانتك سهم، والعدو كثير عدده صعب مراسه وافرة قوته، والشجاعة في غير موطنها جنون، والوقوف أكثر من ثمانين عاما أمام عدو لا أمل في براحه ولا مطمع في زياله عناد، وهل كان يكون مصيرك إن أنت قاتلت حتى سقطت قتيلا في المعركة إلا مصير الفلاسفة من قبلك الذين قاتلوا حتى قتلوا, فهدرت دماؤهم واغتمضت عيونهم قبل أن يروا منظرا من مناظر الصلاح والاستقامة في المجتمع البشري يعزون به أنفسهم عن أنفسهم, ويروحون به ما يجدون بين جوانحهم من ألم النزع, وفي أفواههم من مرارات الموت؟
ماذا لقيت من الدنيا, وماذا أفدت منها, وأين وقع علمك وفضلك ولسانك وقلمك وقوة عارضتك ومضاء حجتك من آثام الناس وشرورهم وقسوة قلوبهم وظلم ألسنتهم وأيديهم؟
قلت للقيصر: أيها الملك, إنك صنيعة الشعب وأجيره لا إلهه وربه، وإنك في مقعدك فوق عرشك لا فرق بينك وبين ذلك الأكَّار في المزرعة وذلك العامل في المصنع, كلاكما مأجور على عمل يعمله فيسدده، وكلاكما مأخوذ بتبعة زلله وسقطه، فكما