والحاشية والجند والقصور الشماء، والجنان الفيحاء، هنالك المحنة والشقاء، والفتنة الشعواء، والهموم والأرزاء، والدماء والأشلاء، والعويل والبكاء، وهنا الراحة والسكون في ظلال الوحدة والانفراد، حيث لا سيد ولا مسود، ولا عابد ولا معبود، وبين هذين الثغرين ثغر الفتاة وثغر الكأس، وذينك الصديقين، هذا الكتاب المفتوح وذلك الغصن المطل، كل ما يقدر السعداء لأنفسهم من غبطة في الحياة وهناء.
وإن ذكر الآخرة وما أعد الله فيها من العذاب للمسرفين على أنفسهم قال: إن من العجز أن أبيع عاجل السعادة المعلوم بآجلها المجهول، أنا اليوم موجود فلا بد أن أستمتع بمتعة الوجود، أما الغد فلا علم لي به ولا بما قُدِّر لي فيه، وعسير علي أن أتصور أننا معشر الأحياء كنوز من الذهب ندفن اليوم في باطن الأرض لينبش عنا النابشون غدا.
ثم يعود إلى نفسه مستغفرا الله من ذنبه في شكه وارتيابه, فيقول: اللهم إنك تعلم أني ما كفرت بك منذ آمنت، ولا أضمرت لك في قلبي غير ما يضمر لك المؤمنون الموحدون، فاغفر لي آثامي وذنوبي، فإني ما أذنبت عنادا لك ولا تمردا عليك، ولكنها الكأس غلبتني على أمري، وحالت بيني وبين عقلي،
стр. 492
وأنت أجل من أن تقاضيني كما يقاضي الدائن مدينه؛ لأنك كريم والكريم يرتجل المنحة ارتجالا، ولا يقرضها قرضا، ويسبغ نعمته حتى على العصاة والمذنبين.
وأحيانا يستشعر قلبه الرحمة بالعباد, فيبكي أحياءهم وأمواتهم ويقول مخاطبا فتاته: رويدا أيتها الفتاة في خطواتك على هذه الأعشاب, فلعل جذورها تستمد حياتها من كبد فتاة مثلك كان لها قلب مثل قلبك، ووجدان مثل وجدانك، وجمال ورُواء مثل جمالك ورُوائك، ثم ضرب الدهر ضرباته فإذا أنتِ في غلالة هذه الأشعة البيضاء، وإذا هي في دجنة تلك الأعماق السوداء، فارفقي بها واسكبي هذه الفضلة من كأسك على تربتها, علها تتسرب إلى نفسها فتطفئ ذلك اللاعج الذي يتأجج بين جوانحها.
ثم يتخيل أحيانا كأنه واقف أمام رجل خزَّاف يحرق آنيته في تنوره فيقول له: رحمة أيها الخزاف بهذه الحمأة التي تقلبها في هذه النار, فقد كانت بالأمس إنسانا مثلك، وستكون في مستقبل الأيام حمأة مثلها, وربما ساقك الدهر إلى يدي خزاف تحتاج إلى رحمته ورفقه، فارفق بها اليوم يرفق بك خزافك غدا.
وآونة يلبس ثوب الواعظ المنذر, فينعي على السعداء سعاداتهم ويذكرهم بما آلت إليه حال الملوك السالفين، والأقيال الماضين،
стр. 493
من خراب دورهم، وعمران قبورهم، وغروب شموسهم واندثار آثارهم.
ثم ينتقل من ذلك إلى البكاء على نفسه وترقب ذلك اليوم الذي تصوّح فيه زهرته، وتنطفئ جذوته، وتضعف منته، ويمحو نهار مشيبه ليل شبابه؛ فيزحف إلى قبره شيئا فشيئا حتى يتردى فيه، فيعود كما كان سرا مكتوما في ضمائر الأقدار، وذرة هائمة في مجاهل الأكوان.
وهكذا ما زال يتنقل من عبرة بليغة إلى عظمة بديعة, ومن خيال جميل إلى تشبيه رقيق، ومن وصف ناطق إلى تمثيل صادق، حتى أصبحت أعتقد أن هذه النفس التي تشتمل عليها بردة هذا الشاعر الجليل مرآة صافية قد تمثل فيها هذا الكون بأرضه وسمائه، وليله ونهاره، وناطقه وصامته، وصادحه وباغمه، وأن فخار الأعراب بمتنبيها ومعريها، والفرنسة بلامرتينها وفيكتورها، والسكسون بشكسبيرها وملتونها, والطليان بدانتيها، والألمان بجيتها، والرومان بفرجيلها، واليونان بهوميرها، ومصر القديمة ببنتاءورها، ومصر الحديثة بأحمدها، لا يقل عن فخار فارس بخيامها.
стр. 494
إلى تولستوي ١:
قف ساعة واحدة نودعك فيها قبل أن ترحل لطيتك، وتتخذ السبيل إلى دار عزلتك، فقد عشنا في كنفك على ما بيننا وبينك من بعد الدار وشط المزار، عهدا طويلا كنا فيه أصدقاءك وإن لم نرك، وأبناءك وإن كنا لنا آباء من دونك، وعزيز علينا أن تفارقنا قبل أن نقضي حق عشرتك بدمعة واحدة نسفحها بين يديك في موقف الوداع.
حدثنا الناس عنك أنك ضقت بهذا المجتمع الإنساني ذرعا بعد أن أعجزك إصلاحه وتقويمه فأبغضته وعفت النظر إليه، وأبغضت لبغضه كل شيء حتى زوجك وولدك، ففررت بنفسك منه إلى غاب تسمع زئير سباعه؛ أو دير تأنس برنة ناقوسه، وأسجلت أن لا تعود إليه وأن تقطع كل سبيل بينك وبينه،
стр. 495
فعذرناك ولم نعتب عليك ولم نسمك جبانا ولا منهزما ولا مواليا ولا مدبرا؛ لأنك قاتلت فأبليت حتى لم يبق في غمدك سيف ولا فوق عاتقك رمح ولا في كنانتك سهم، والعدو كثير عدده صعب مراسه وافرة قوته، والشجاعة في غير موطنها جنون، والوقوف أكثر من ثمانين عاما أمام عدو لا أمل في براحه ولا مطمع في زياله عناد، وهل كان يكون مصيرك إن أنت قاتلت حتى سقطت قتيلا في المعركة إلا مصير الفلاسفة من قبلك الذين قاتلوا حتى قتلوا, فهدرت دماؤهم واغتمضت عيونهم قبل أن يروا منظرا من مناظر الصلاح والاستقامة في المجتمع البشري يعزون به أنفسهم عن أنفسهم, ويروحون به ما يجدون بين جوانحهم من ألم النزع, وفي أفواههم من مرارات الموت؟
ماذا لقيت من الدنيا, وماذا أفدت منها, وأين وقع علمك وفضلك ولسانك وقلمك وقوة عارضتك ومضاء حجتك من آثام الناس وشرورهم وقسوة قلوبهم وظلم ألسنتهم وأيديهم؟
قلت للقيصر: أيها الملك, إنك صنيعة الشعب وأجيره لا إلهه وربه، وإنك في مقعدك فوق عرشك لا فرق بينك وبين ذلك الأكَّار في المزرعة وذلك العامل في المصنع, كلاكما مأجور على عمل يعمله فيسدده، وكلاكما مأخوذ بتبعة زلله وسقطه، فكما
стр. 496
أن صاحب المصنع يسأل العامل هل وفّى عمله ليمنحه أجره، كذلك يسألك الشعب هل قمت بحماية القانون الذي وكل إليك حراسته فأنفذته كما هو من غير تبديل ولا تأويل، وهل عدلت بين الناس فآسيت بين قويهم وضعيفهم، وغنيهم وفقيرهم، وقريبهم وبعيدهم، وهل استطعت أن تستخلص عقلك من يدي هواك فلم تدع للحب ولا للبغض سلطانا على نفسك يعدل بك عن منهج العدل ومحجته، وهل أصممت أذنك عن سماع الملق والدهان والمدح والثناء فلم تفسد على الناس فضائلهم، ولم تقتل عزة نفوسهم، ولم يذهب بهم الخوف من ظلمك أو الطمع في غفلتك مذهب التوسل إليك بالكذب والنميمة والتجسس وذلة الأعناق وضرع الخدود، فإن وجدك الشعب عند ظنه ورآك أمينا على العهد الذي عهد به إليك أبقى عليك وأبقى لك سلطانك وعرف لك يدك عنده وأحسن إليك كما أحسنت إليه، أو لا كان له معك شأن غير ذلك الشأن ورأي غير ذلك الرأي.
فما سمع منك هذه الكلمات حتى أكبرها وأعظمها؛ لأنه لم يجد بين الكثير الذي يعاشره من يسمعه مثلها، فحقد عليك ونقم منك وأزعجك من مكانك واستعان على مطاردتك بأولئك الذين أذل نفوسهم وأفسد ضمائرهم بظلمه وجوره من قبل ليعدهم
стр. 497
لمقاتلة الحق ومصارعته في أيام خوفه, وقلقه.
وقلت للجبار الروسي: ليس من العدل أن تملك وحدك وأنت نائم في سريرك في قصرك بين روضك ونسيمك، وظلك ومائك، هذه الأرض التي تضم بين أطرافها مليون فدان، ولا يملك واحد من هؤلاء الملايين الذين يحرثونها ويبذرون بذورها ويستنبتون نباتها، ويربون ماشيتها، ويتقلبون بين حرها وبردها، وأجيجها وثلجها، شبرا واحدا فيها، فاعرف لهم حقهم وأحسن القسمة بينك وبينهم وأشعر قلبك الخجل من منظر شقائهم في سبيل سعادتك، وموتهم في سبيل حياتك، واعلم أن الأرض لله يورثها من يشاء، ثم لم تقنع بما بذلت له من العظة والنصيحة حتى ضربت له مثلا من نفسك, فعمدت إلى أرضك فجعلتها قسمة بينك وبين القائمين عليها من الزارعين، ثم عمدت إلى فأسك فاعتقلتها وماشيتك فأخذت بزمامها, وما زلت حتى بلغت مزرعتك الصغيرة التي استبقيتها لنفسك فضربت مع الضاربين, وخضت مع الخائضين لتعلم ذلك الجبار بيدك ما عجزت عنه بلسانك، فسخر منك ورثى لعقلك وألف من حادثتك رواية غريبة يروح بها عن قلبه في مجتمعات أنسه ولهوه ما يكابده من ألم السآمة والضجر
стр. 498
وقلت للكاهن: إن المسيح عاش معذبا مضطهدا؛ لأنه لم يرض أن يقر الظالمين على ظلمهم وأبى أن يخفي ذلك المصباح الذي في يده تحت ثوبه, بل رفعه فوق رأسه غير مبالٍ بنقمة الملوك على ذلك النور الذي يكشف سوءتهم، ويهتك سترهم، وأنت تزعم أنك خليفته وحامل أمانته والقائم بنشر آياته وكلماته والمترسم مواقع أقدامه في خطواته، فما هذه الجلسة الذليلة التي أراك تجلسها تحت عروش الظالمين، وما هذه اليد التي تضعها في أيديهم كأنك تأخذ عليهم العهود والمواثيق أن يقتلوا ويسلبوا باسمك وفي حمايتك وحماية الكتاب المقدس، وما هذه السلطة التي تزعمها لنفسك أن تدخل الجنة من تشاء وتخرج منها من تشاء، وما هذه القصور التي تسكنها والديباج الذي تلبسه والعيش البارد الذي تنعم به وأنت الراهب المتبتل الذي كتب على نفسه الانقطاع عن زخرف الدنيا, ونعيمها إلى عبادة الله والانكماش في طاعته.
ذلك ما قلت للكاهن, فكان جوابه أن أرسل إليك كتاب الحرمان وهو يعلم أنك لا تعترف له بالقدرة على إعطاء أو منع, ولكنه أراد تشويه سمعتك والغض منك وإغراء العامة بك وصرف القلوب عنك, فكان ذلك كل ما استفدت من نصيحتك وعظتك
стр. 499
وأبكاك منظر المنفيين في سيبريا وما يلاقون من صنوف العذاب ويعالجون من أنواع الآلام, فصرخت صرخة دوى بها الملأ الأعلى والملأ الأدنى وقلت: أيها الناس, إن الشر لا يدفع الشر، والأشقياء مرضى فعالجوهم ولا تنتقموا منهم, فالتربية الصالحة تمحو الجرائم والانتقام يلهب نارها، واجعلوا مكان السجون مدارس ومكان السجانين معلمين، فلم يسمع صرختك سامع، ولا بكى لبكائك باكٍ، وما زال القضاة يحكمون، والجند يصادِرون، والسجانون يعذِّبون، والمسجونون يصرخون.
وأزعجك منظر الدماء المتدفقة في معارك الحروب وبكاء النساء المعولات خلف أزواجهن وأولادهن وإخوتهن وهم سائرون إلى حرب لا يعرفون لها مصدرا ولا موردا, وقد حمل بعضهم لبعض بين الجنوب ضغائن وسخائم لا سبب لها إلا ذلك الوهم الذي غرسه في قلوبهم قساة السياسة، فتخيلوا أنهم أعداء وهم أصدقاء، فتسلبوا من لباس الإنسانية ولبسوا فراء السباع وتقلدوا أظفارها وأنشب كل منهم ظفره في صدر أخيه كأنما يفتش عن قلبه, فينتزعه من مكانه فيلوكه في فمه ثم يلفظه، ذلك القلب الذي لو شق عن سويدائه لوجد لنفسه فيه مكانا عليا لولا جور السياسة وضلالها.
стр. 500
فما أغنى عنك بكاؤك وحنينك، ولا أجدى عويلك وأنينك؛ فالحرب لم تزل باقية ومصانع الموت لم يقنعها ما أعدت من المهلكات لمعارك الأرض, حتى أصبحت تعد مثلها لمعارك السماء.
فهنيئا لك أيها الرجل العظيم ما اخترتَ لنفسك من تلك العزلة المطمئنة, فقد نجوت بها من حياة لا سبيل للعاقل فيها إلا أن يسكت فيهلك غيظا, أو ينطق فيموت كيدا.
إن الحكيم يستطيع أن يحيل الجهل علما والظلمة نورا والسواد بياضا والبحر برا والبر بحرا, وأن يتخذ نفقا في الأرض أو سلما في السماء, ولكنه لا يستطيع أن يحيل رذيلة المجتمع الإنساني فضيلة وفساده صلاحا.
ما دام الإنسان لا ينتهي عن ظلم الإنسان حتى يخافه, وما دام لا يحسن إليه إلا إذا أراد أن يتخذه عبدا يعبده من دون الله, وما دام للأثرة هذا السلطان الأكبر على أفراد المجتمع من أكبر كباره إلى أصغر صغاره, فالإنسان اليوم هو بعينه إنسان الغابات والأحراش بالأمس, لا فرق بينه وبينه إلا أنه اليوم قد أوى بشروره ومفاسده إلى بيت من الزجاج يفعل فعلاته من ورائه, ولكن الزجاج شفاف كثوب الرياء.
стр. 501
مقدمة مختارات المنفلوطي:
عرفت حاجتك يا بنيّ أعزك الله إلى كتاب١ يجمع لك من جيد منظوم العرب ومنثورها في حاضرها وماضيها, وفي كل فن وغرض من فنونها وأغراضها ما تستعين باستظهاره أو ترديد النظر فيه على تهذيب بيانك وتقويم لسانك, وعلمت أنك لن تستطيع أن تجد طلبتك هذه في مختار من مختارات المتقدمين، ولا في مجموعة من مجموعات المعاصرين، أما المتقدمون فهم بين نحوي لا يعجبه من الكلام إلا ما يجد فيه مذاق شواهد العلم الذي يعالجه, ولا تسكن نفسه إلا إلى البيت الذي يرى فيه عقدة يتفصح بحلها أو خطأة يتفكه بتأويلها أو نادرة من نوادر الإعراب والبناء يؤيد بها رأيا أو يساجل بها خصما, ولغوي مولع بما يشتمل على الغريب النادر من مفردات اللغة وتراكيبها, فلا يكاد يعدل بشعر الجاهلية وما جرى مجراه شعر طبقة من الطبقات ولا يرى
стр. 502
غير كلامهم كلاما ولا مذهبهم مذهبا، وعصر الجاهلية فيما أعتقد هو عصر الطفولة الشعرية أي: إن الشعر كان فيه بسيطا ساذجا لم يهذبه العلم ولم تصقله الحضارة ولم تصل به أشعة الخيال, فتنير ظلمته، فهو وإن كان أصدق الشعر وأجدره أن يكون صفحة صحيحة لتاريخ عصره ولكن قلما يستفيد شاعر الحضارة من أكثره أكثر من المادة اللغوية، وما الفرق بين شعر الجاهلية وشعر طبقة المحدثين والمولدين من بعده إلا كالفرق في الموسيقى بين نغمات الحداة في أعقاب الإبل, ونغمات الضاربين على أوتار الأعواد والبرابط في عصر الحضارة الإسلامية، وعندي أن للنزعة التاريخية سلطانا على نفوس المولعين بالشعر الجاهلي أكثر من النزعة الفنية, فمثلهم كمثل المولعين بالعاديات الذين يؤثرون حجر الجرانيت على حجر الماس, ويعجبهم منظر هرم خوفو أكثر مما يعجبهم منظر برج إيفل، وراوية همه في حياته أن يدور بيده ليله ونهاره في زوايا رأسه عله يعثر ببيت لا يعرفه غيره منسوبا إلى قائل لا يعرف نسبته إليه سواه, ثم لا يبالي بعد ذلك أحسن أم أساء، فهو بالمؤرخ أشبه منه بالأديب، وأديب جمع ما جمعه لعصر غير عصرك وقوم غير قومك وحال ومجتمع غير حالك ومجتمعك, فإن أفادك قليله لا ينفعك كثيره، وأحسب أن ما جمعه
стр. 503
من الشعر بالحماسة ووصف الحروب وأسلحتها ودمائها وغبارها وأشلائها ووصف الإبل في مباركها والشاء في حظائرها والأبقار في مراتعها هو آخر ما يحتاج المتأدب إلى النظر فيه في هذا العصر، وبين مطيل قد خلط جيده برديئه وغثّه بسمينه فلا تصل يدك إلى ما في منجمه من ذرات التبر حتى تنبش عنها ما لا قبل لك باحتماله من حقائب الرمل, ومقصر يختص بالاختيار عصرا دون عصر أو فردا دون فرد أو قوما دون قوم أو بابا من أبواب البيان دون باب, وهو يعلم أن المتأدب شاعرا كان أو كاتبا لا يكمل أدبه ولا تصفو قريحته ولا تلمع صفحة بيانه ولا تنحل عقده لسانه إلا إذا تمهل في روض البيان, فاقتطف ألوان زهراته من أنواع شجراته، وأن الشاعر لا يغنيه المدح والهجاء عن البكاء والرثاء، ولا العتاب والود عن التشبيه والوصف، ولا البكاء على المنازل والديار وفراق الأحبة وموت الموتى عن البكاء على المجد الضائع، والملك الساقط، والعرض المغلوب، والشرف المسلوب، كما لا يغنيه وصف السيف في رونقه وبهائه عن وصفه في حدته ومضائه، ولا وصف البدر في جماله ورُوائه عن وصفه في عزته وخيلائه، ولا تشبيه قوادم الحمامة عن تشبيه ذنب القطاة، ولا تصوير ذكاء الفيل عن تمثيل إحساس النملة، وأن الكاتب لا يبلغ
стр. 504
مرتبة البيان ولا يصل إلى منزلة القدرة على الإفصاح عن أغراضه ومراميه في جميع مواقفه ومذاهبه حتى يأخذ بأزمَّة القول جميعها ويشتمل على أساليب الكلام بأنواعه, ويعلم أن الكتابة في العلم غير الكتابة في الأدب, وأن للخطب أسلوبا غير أسلوب الكتب, وأن لكل نوع من أنواع العلوم والفنون طريقا في الكتابة خاصا به لا يفارقه إلى غيره ولا يشركه فيه سواء, وأن الانتقاد غير الهجاء والهجاء غير التهكم والتهكم غير التأنيب والتأنيب غير الإنذار والتهديد، وأما المعاصرون فهم إما تابع متأثر يعتمد في اختيار ما يختار على نباهة النابه وفي اطراح ما يطرح على خمول الخامل, ويعتبر التقدم في الزمن شافعا يشفع في إساءة المسيء والتأخر فيه ذنبا يذهب بإحسان المحسن، وإما خابط متقمم يعتمد في الاختيار على يده لا على بصره, فيأخذ من كل كتاب صفحة ومن كل ديوان ورقة ثم يعرض على الأنظار كتابا غريبا في اختلاف ألوانه وتزايل أوصاله, جامعا بين معلقة امرئ القيس وألفية ابن مالك في مكان وبين مقامات البديع ومقامات السيوطي في مكان آخر، وإما عالم أديب قد حال بينه وبين انتفاع المتأدبين بعلمه وفضله وسلامة ذوقه وصفاء قريحته أنه يبالغ في سوء الظن بأفهامهم, ويذهب في تقدير مداركهم مذاهب ما كان
стр. 505
لمثله أن يذهب إلى مثلها فتراه يعمد في اختيار ما يختار إلى ما يزعم أنه القريب إلى أذهانهم اللاصق بعقولهم غير الملتوي عليهم ولا المتعثر بهم, فيتبذّل كل التبذّل ويسف كل الإسفاف ويورد في كتابه من قطع الشعر وجمل النثر ما يشبه أن يكون مادة للطفل في هجائه، لا مادة للأديب في بيانه، وسبيل كتب المختارات التي يراد منها غرس ملكة البيان في نفس المتأدب غير سبيل كتب العلم التي لا يراد منها غير حصول ما تشتمل عليه من قواعد العلوم ومسائلها في ذهن المتعلم، ولن تستقر ملكة البيان في النفس حتى يقف المتأدب بطائفة من شريف القول, منظومه ومنثوره وقوف المستثبت المستبصر الذي يرى المعنى بعيدا فيمشي إليه أو نازحا فيستدنيه أو محلقا فيصعد إليه أو متغلغلا فيتمشى في أحشائه حتى يصيب لبه ولا يزال يعالج ذلك علاجا شديدا ينضح له جبينه وتنبهر له أنفاسه حتى تتكيف ملكته بالكيفية التي يريدها، وما أرى هذه النكبة العامة التي أصابت الناشئين في ملكاتهم الكتابية وما رزئوا به من نضوب مادتهم اللغوية والنزوع إلى تلك المنازع الأعجمية في التصور والتخيل إلا أثرا من آثار تلك المختارات التي يجمعها لهم الجامعون جمعا
стр. 506
محفوفا بالحذر والاحتياط, بل بما هو فوق ذلك من الخوف والوسواس فيستكثرون لهم من أبواب الحكم والأخلاق والمواعظ والزهد وأمثال ذلك مما لا يكاد يتراءى فيه قلب الشاعر, ولا تتجلى فيه نفس الكاتب ويفرون الفرار كله من كل ما يتعلق بوصف جمال الطبيعة أو جمال الصناعة أو تصوير عواطف النفوس وخوالجها في الخير والشر والعرف والنكر, كأنما يحسبون أن كل بيت غزل بيت ريبة وكل قصيدة خمرية حانة شراب، وما سمعنا من قبل ولا نحسب أن سيسمع السامعون من بعد أن متأدبا أفسده ديوان غزل أو أغراه بالشراب وصف خمر, لا بل إنما يرد ذلك على من يرد عليه منهم من فساد الخلطاء, أو ضلال المؤدبين.
أما الشعر المشتمل على وصف الجمال, والنثر المتضمن تصوير دقائق المعاني النفسية والخواطر القلبية ما دام بعيدا عن فاحش القول وهجره, فهو أعون الذرائع على تنمية ملكة الفصاحة والبيان في نفس الناشئ؛ لذلك لم أر بدا من أن أستخير الله تعالى في أن أجمع لك يا بني في هذا السفر من جيد المنظوم, والمنثور ما أعلم أنه ألصق بك وأدنى إليك وأنفع لك في تثقيف عقلك وتقويم لسانك وتحليل ما أسأرته الأيام من العجمة في قلمك ولسانك, فهززتُ لك دوحة الأدب العربي هزة تناثرت فيها هذه الثمرات
стр. 507
الناضجة التي تراها بين يديك ولم أترك من ورائي في جميع ما تصفحته من دواوين الشعر ومجاميع الأدب وكتب المختارات إلا ما كان رديئا, أو مشوبا بشيء من هجر القول ومعيبه, أو بالغا من الشهرة والسيرورة منزلة لا يخطئها نظر الناظر, أو واقعا في منزلة بين الجودة والرداءة، وقد جعلت قاعدتي في الاختيار جمال الأسلوب أولا وجمال المعنى ثانيا, فربما أختار ما حسن لفظه وتوسط معناه, وقد أختار ما توسط لفظه وسما معناه كما صنعت في بعض مختارات قسم المنثور من الباب الأول وهو باب الفصاحة والبيان, ولكنني لا أختار بحال ما كان معناه ساميا ونظمه فاسدا، أما الجيد فقاعدته عندي ما يأتي: "كل كلام صحيح النظم والنسق إذا قرأه القارئ وجد في نفسه الأثر الذي أراده الكاتب منه, من حيث لا يجد فيه مسحة تدل على أن صاحبه يحاول أن يكون فيه بليغا, فهو بليغ" ولا أكتمك أني قد استجزت لنفسي ما استجازه لأنفسهم المختارون من قبلي فتصرفت في قليل من المختارات بعض التصرف بالتقديم والتأخير والاختصار والتلخيص والحذف، وقد لقيت في هذا السبيل وفي كل سبيل سلكته إلى جمع هذه المختارات عناء كثيرا لا أسألك يا بني عليه أجرا سوى أن تنتصح بما أنصحك به في كلمتي هذه، وهي أنك لن تستطيع
стр. 508
أن تنتفع بهذه المختارات إلا بشروط ثلاثة: أولها: أن تملأ قلبك من الثقة بها, والسكون إليها حتى لا يصرفك عنها صارف ولا يخدعك عنها خادع، وثانيها: أن تقف بها وقوف الدارس المتعلم لا وقوف المتنزه المتفرج فلا يمنعك فهم ما فهمته من معاودته وترديد النظر فيه حتى ترشف فيه من الكأس ثمالتها ولا تصعب ما تصعب عليك من مراجعته والاختلاف إليه والتغلغل في أحشائه فإنك لا بد ماخض زبدته ومصيب لبه, وثالثها: أن تحمي نفسك النظر في هذه المخطوطات المختلفة التي تتجدد كل يوم أمام عينيك في أسفار هذا العصر وصحفه؛ فإن التربية الكتابية مثل التربية الأخلاقية يسري فيها الداء ثم يعوز الدواء، اللهم إلا ما كان من أمثال ما يكتبه الكتّاب وينظمه الشعراء الذين اخترت لهم في هذا الكتاب في المعاني التي عُرفوا بها وبرزوا فيها، فإن أخذت بنصيحتي وعنيت بها العناية كلها وكنت ممن رزقهم الله قريحة خصبة صالحة لنماء ما يغرس فيها من البذور الصالحة, بلغت ما أردت لك إن شاء الله تعالى.
стр. 509
وارحمتاه:
في ذلك البلد القفر من تلك الصحراء المحرقة من هذا الإقليم القاحل طائفة من فقراء المسلمين وضعفائهم, لا يملكون من الحول غير قلوب يملؤها اليقين بالله والثقة به والاعتماد عليه, ولا من القوة غير ألسنة لا تزال تهتف في صباحها ومسائها وبكورها وأصائلها بالدعاء إلى الله تعالى أن يتولى أمرهم ويسدد خطواتهم وييسر لهم السبيل إلى الخلاص من ذلك العدو القاهر الذي نزل بهم في دار أمنهم وسكونهم نزول القضاء الذي لا مرد له, ولا منتدح عنه, يريد أن يسلبهم ما أبقت يد الأيام في أيديهم من لقيمات غير سائغة, وجرعات غير هنيئة, وظل غير ظليل.
وا رحمتاه لجماعة المسلمين في طرابلس, إنهم عاجزون عن أن يعدوا لعدوهم الزاحف عليهم بقنابله ورصاصه غير أجسام ستصبح في الغد أشلاء ممزقة, تطؤها النعال وتدوسها الحوافر، وقلوب لا تزال تدق حتى تسمع دقات المدافع والبنادق فتسكن، وأرواح ستطير في علياء السماء طيران ذلك الدخان في أجواز الفضاء
стр. 510
وا رحمتاه لهم, إنهم يستغيثون فلا يجدون مغيثا, ويستصرخون فلا يسمعون مجيبا، قد تقطعت بهم الأسباب وأعوزتهم الوسائل وسدت في وجوههم السبل فلم يبق لهم منها إلا سبيل الموت، وفي الموت راحة البائسين والمنكوبين من شقاء الحياة وبلائها, لولا أنهم يتركون من بعدهم بين يدي ذلك العدو الظالم أرامل ضعفاء، وأيتاما صغارا, وشيوخا كبارا لا يعلمون ماذا أضمر لهم القدر في صدره من نعيم أو شقاء.
كأني أراهم وقد غلت في صدورهم حمية الدين والوطن, ودارت في رءوسهم سكرة العزة العربية, فأبوا إلا أن يتقدموا إلى الموت الأحمر تقدم المستقتل المستبسل, الذي يعلم أن باب الحياة الأبدية السعيدة لا يفتح إلا بين يدي الأرواح التي احتقرت أجسادها وازدرتها فتجردت من أثوابها الرثة البالية وألقتها من ورائها، وكأني أرى الرجل منهم وقد دخل إلى بيته ليعد عدته, ويودع أهله الوداع الأخير فبكت أمه وناحت زوجته وصاح ولده, فبكى لبكائهم ورنّ لرنينهم لا جزعا من الفراق لأنه فراق يعزيه عنه لقاء الله تعالى, ولا خشية من الموت لأنه يعلم أن الحياة الذليلة أحقر من أن يضن صاحبها بروحه في سبيل الله حرصا عليها، بل مخافة أن تستبدّ بأعراض بيته وحرماته تلك الأيدي الظالمة
стр. 511
التي لا ترحم صغيرا ولا تعطف على كبير, أو أن يهلكوا من بعده جوعا وفقرا؛ لأنه لم يترك لهم قوتا يتبلَّغون به ولا عمادا يعتمدون عليه، فإذا علم أن موقفه بينهم موقف جلل يكاد يُغلَب فيه على أمره حزنا وإشفاقا نظر في وجه السماء نظرة طويلة, أرسل فيها إلى حضرة ربه كل ما تهتف به نفسه القريحة من وجد ورحمة وبكاء وحنين, ثم انفتل من بين أيديهم انفتالا ومضى لسبيله لا يلوي على شيء مما وراءه حتى يبلغ ساحة الحرب, فلا يزال يقرع باب الحياة الأخرى حتى يفتح له.
هنالك تنوح النائحات وتبكي الباكيات وتطير النفوس وتصعق القلوب وترنّ المنازل والدور بالنحيب والتعداد، وهنالك ترى المرأة المسلمة المخبأة التي لم تر في حياتها وجه الشمس إلا من كوة بيتها برزة الوجه عارية الرأس حيرى مولهة هائمة في الطرق والمذاهب, تسائل الغادين والرائحين ما فعل الله بولدها أو زوجها أو أخيها، فإما بقيت في حيرتها بياض يومها وسواد ليلها، وإما عادت إلى بيتها بالثكل القاتل والحزن الدائم، وترى الشيوخ الكبار والأطفال الصغار والعاجزين والضعفاء لائذين بالتلال والآكام, يتقون بها صواعق الحرب وشهبها فلا تقيهم، أو عائذين بالمضايق والمنافذ يفرون إليها من وجوه الخيل
стр. 512
وسنابكها فلا تحميهم، وهنالك ترى أولئك القوم الذين يسمون أنفسهم مجاهدين أو فاتحين أو قوادا عظاما أو سواسا كبارا يمشون بين بيوت المسلمين ومجامعهم مشية الفرح المختال, وينظرون إلى أولئك القوم الذين سرقوا حريتهم واستقلالهم, وانتهبوا أرواحهم وأموالهم نظر السيد إلى مولاه الذي ملك ولاءه بماله واستعبده بفضله وإحسانه، وربما رموا إليهم في تلك الساعة بلقيمات كتلك التي يلقيها سيد الكلب إلى كلبه, أو صاحب الماشية إلى ماشيته ليشهدوا العالم الإنساني بأجمعه على كرمهم وسخائهم وعطفهم ورحمتهم, وأنهم ما سفكوا الدماء ولا قطعوا الأوصال ولا يتموا الأطفال ولا انتهكوا الحرمات إلا خدمة للإنسانية العامة, وإجلالا لشأنها.
لا أحسب أن مسلما دخل الإيمان قلبه فملأه رحمة وإحسانا وعطفا وحنانا يستطيع أن يتخذ لجنبه في ظلمة الليل مضجعا, أو يجد لنفسه في ضحوة النهار قرارا حزنا على هؤلاء المنكوبين الحائرين الذين يدورون بأعينهم في مشارق الأرض, ومغاربها يتلمسون ناصرا يعينهم على أمرهم, أو منجدا يدفع عنهم عادية البلاء فلا يجدون إلا أمما إسلامية قد أصابها مثل ما أصابهم من قبل, فهي تعجز عن النظر لنفسها فأحرى أن تعجز عن النظر لغيرها, فلم يبق بين أيديهم من الأمل إلا تلك الرحمة التي يعتقدون
стр. 513
أنها باقية لهم في قلوب الأفراد من إخوانهم المسلمين أن يمدوهم بقليل من القوت, يستعينون به على جهاد عدوهم, ويعودون بما بقي منه على عيالهم الذين يتضوَّرون جوعا من بعدهم.
أيها المسلمون:
إنكم لن تجدوا بعد اليوم موقفا هو أقرب إلى الله, وأدنى إلى رحمته وإحسانه, وأجلب لمغفرته ورضوانه من موقفكم بين هؤلاء الضعفاء المساكين؛ تطعمون جائعهم وتكسون عاريهم وتسلحون أعزلهم وتعالجون جريحهم وتخلفون قتيلهم في أهله وولده.
إنكم إن تحسنوا إليهم تحسنوا إلى أنفسكم, وإن تنقذوهم من كربتهم تنقذوا جامعتكم وملتكم, فإن بينكم وبينهم لحمة أقوى من لحمة النسب ووشيجة أوثق من وشيجة القربى, وإنكم جميعا تصلون إلى قبلة واحدة, وتهتفون في الغداة والعشي بذكر واحد, وتتوجهون بقلوبكم في نعمائكم وبأسائكم إلى إله واحد, وتقفون في بيت الله وحرمه بين الركن والمقام موقفا واحدا.
أيها المسلمون:
إنكم إن اجتمعتم اليوم لن تفترقوا غدا, وإن هديتم لرشدكم في موقفكم هذا لن تضلوا من بعده, وإنكم إن قدمتم بين أيديكم هذا العمل الصالح أحسن الله جزاءكم, وأعانكم على أمركم, ووفى لكم بما وعدكم من نصره ومعونته, وإن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم.
стр. 514
خطبة الحرب:
يا أبطال برقة وليوث طرابلس وحماة الثغور وذادة المعاقل والحصون, صبرا قليلا في مجال الموت, فها هي نجمة النصر تخفق في آفاق السماء, فاستنيروا بنورها واهتدوا بهديها, حتى يفتح الله عليكم.
إن الله وعدكم النصر ووعدتموه الصبر, فأنجزوا وعدكم ينجز لكم وعده.
لا تحدثوا أنفسكم بالفرار؛ فوالله إن فررتم لا تفرون إلا عن عرض لا يجد له حاميا، ودين يشكو إلى الله قوما أضاعوه، وأنصارا خذلوه.
إنكم لا تحاربون رجالا أشداء, بل أشباحا تتراءى في ظلال الأساطيل وخيالات تلوذ بأكناف الأسوار والجدران, فاحملوا عليهم حملة صادقة تطير بما بقي من ألبابهم, فلا يجدون لبنادقهم كفا ولأسيافهم ساعدا.
إنهم يطلبون الحياة وأنتم تطلبون الموت، ويطلبون القوت
стр. 515
وتطلبون الشرف، ويطلبون غنيمة يملئون بها فراغ بطونهم وتطلبون جنة عرضها السموات والأرض، فلا تجزعوا من لقائهم؛ فالموت لا يكون مر المذاق في أفواه المؤمنين.
إنكم تعتمدون على الله, وتثقون بعدله ورحمته فتقدموا إلى الموت غير شاكين, ولا مرتابين, فما كان الله ليخذلكم ويكلكم إلى أنفسكم وأنتم من القوم الصادقين.
إن هذه القطرات من الدماء التي تسيل من أجسامكم ستستحيل إلى شهب نارية حمراء تهوي فوق رءوس أعدائكم فتحرقهم، وإن هذه الأنات المترددة في صدوركم ليست إلا أنفاس الدعاء صاعدة إلى إله السماء أن يأخذ لكم بحقكم ويُعديكم على عدوكم، والله سميع الدعاء.
إن أعداءكم قتلوا أطفالكم وبقروا بطون نسائكم، وأخذوا بلحى شيوخكم الأجلاء فساقوهم إلى حفائر الموت سوقا, فماذا تنتظرون بأنفسكم؟!
أجلبوا عليهم بخيلكم ورجلكم, واصدقوا حملتكم عليهم وجعجعوا بهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم واطلبوهم بكل سبيل وتحت كل أرض وفوق كل سماء, وأزعجوهم حتى عن طعامهم وشرابهم ويقظتهم ومنامهم, فما أعذب الموت في سبيل تنغيص الظالمين.
стр. 516
احفروا لأنفسكم بسيوفكم قبورا, فالقبر الذي يحفر بالسيف لا يكون حفرة من حفر النار.
لا تطلبوا المنزلة بين المنزلتين، ولا الواسطة بين الطرفين، ولا العيش الذي هو بالموت أشبه منه بالحياة, بل اطلبوا إما الحياة أبدا وإما الموت أبدا.
غدا يخفر أعداؤكم حرمة أرضكم ودياركم, ويملكون عليكم نساءكم وأولادكم, ويطئون بحوافر خيولهم مساجدكم ومعابدكم, وينظمون في ثقوب آنافكم مقاود يقودونكم بها إلى مواقف الذل والهوان كما تقاد الإبل المخشوشة إلى معاطنها, فافتدوا أنفسكم من هذا المصير المهين بجولة تجولونها في سبيل الله ثم تموتون.
موت الجبان في حياته وحياة الشجاع في موته, فموتوا لتعيشوا؛ فوالله ما عاش ذليل ولا مات كريم.
إن هذه الأساطيل الرابضة على شواطئكم, والمدافع الفاغرة أفواهها إليكم, والبنادق المسددة إلى صدوركم ونحوركم لا يمكن أن يتألف منها سور منيع يعترض سبيلكم في رحلتكم من هذه الدار إلى تلك الدار، فسيروا في طريقكم إلى آخرتكم؛ فإن الأعداء إن ملكوا عليكم طريق الحياة لا يملكون عليكم طريق الموت.
المستميت لا يموت والمستقتل لا يقتل, ومن يهلك في الإدبار
стр. 517
أكثر ممن يهلك في الإقدام, فإن كنتم لا بد تطلبون الحياة فانتزعوها من بين ماضغي الموت.
إن كتّاب التاريخ قد علقوا أقلامهم بين أناملهم, ووضعوا صحائفهم بين أيديهم, وانتظروا ماذا تملون عليهم من حسنات أو سيئات, فأملوا عليهم من أعمالكم ما يترك في نفوسهم مثل ذلك الأثر الذي تجدونه في نفوسكم عندما تقرءون تلك الصحائف البيضاء التي سجلها التاريخ لأولئك الأبطال العظماء.
موتوا اليوم أعزاء قبل أن تموتوا غدا أذلاء.
موتوا قبل أن تطلبوا الموت فيعوزكم, وتنشدوه فيعجزكم.
موتوا اليوم شهداء في ساحة الحرب تكفنكم ثيابكم, وتغسلكم دماؤكم, وتصل عليكم ملائكة الرحمن قبل أن يسبق قضاء الله فيكم, فيموت أحدكم فلا يجد بجانبه مسلما يصلي عليه صلاة الجنازة, ثم يرافق نعشه إلى قبره حتى يودعه حفرته, ويخلي بينه وبين ربه.
إن الشيخين أبا بكر وعمر والفارسين خالدا وعليا والأسدين حمزة والزبير والفاتحين سعدا وأبا عبيدة والمهاجرين طارق بن زياد وعقبة بن نافع وجميع حماة الإسلام وذادته السابقين الأولين, المجاهدين الصابرين, يشرفون عليكم اليوم من علياء السماء؛ لينظروا
стр. 518
ماذا تصنعون بميراثهم الذي تركوه في أيديكم, فامضوا لسبيلكم واهتكوا بأسيافكم حجاب الموت القائم بينكم وبينهم, وقولوا لهم: إنا بكم لاحقون، وإنا على آثاركم لمهتدون.
إن هذا اليوم له ما بعده, فلا تسلموا أعناقكم إلى أعدائكم؛ فإنكم إن فعلتم لن يعبد الله بعد اليوم على ظهر الأرض أبدا.
стр. 519
الإنسانية العامة:
الجامعة الإنسانية هي الجامعة الكلية العامة التي يلجأ إلى كنفها هذا المجتمع الإنساني كلما أزمته أزمة أو نزلت به نازلة, وهي المطلع الذي تشرق منه شمس الرحمة الإلهية على هذا الكون فتنير ظلماءه، وتكشف غماءه، وهي الحكم العدل الذي يفصل في قضايا المجتمعات البشرية حين تنفصم عروتها ويدبّ دبيب العداوة والبغضاء بين أحيائها، وهي السلطان المطلق الذي يجلس في كرسي عظمته وجلاله, فتخر له جميع الجباه سجدا, وتبتدر يديه لثما وتقبيلا.
الجامعة الإنسانية هي الجامعة الجوهرية الثابتة التي رأت طينة آدم أولا وسترى نفخة إسرافيل آخرا والتي تسير مع الإنسان حيث سار في بره وبحره وسهله وحزنه وحياته وموته, وتدور معه حيث دار في إيمانه وكفره وصلاحه وفساده واستقامته واعوجاجه, لا يتغير لونها ولا يتحول ظلها ولا تستحيل مادتها ولا تبلى جدتها على كر الليالي, ومر الأيام.
стр. 520
ما من جامعة من الجوامع القومية أو الجنسية أو الدينية أو الأهلية إلا وهي تعتمد على الجامعة الإنسانية في سيرها وتستظل بظلها وتهتدي بهديها، فالمجاهد الوطني يقول: إني أدافع عن وطني وأحمي حوزته وأقوم على ثغوره وعوراته مقام الذائد المناضل؛ لأني أعتقد أنني إن أغفلت ذلك وأغفله في وطنه كل مضطلع بمثل ما أنا مضطلع به في وطني تساقطت الحواجز القائمة في وجه المطامع البشرية فجرى سيلها متدفعا لا يقوم له شيء حتى يأتي عليه، والفاتح الديني يقول: إني أعتقد أن الإنسانية لا تزال معذبة يأكل قويها ضعيفها, ويغتال كبيرها صغيرها, ويستضعف حاكمها محكومها حتى تدين بالدين الذي أدين به، فأنا إن حاربت البلاد وقاتلت العباد فإنما أريد أن أخوض هذا البحر الأحمر من الدماء لأصل إلى سفينة الإنسانية المشرفة على الغرق, فأستخلصها من يد الموت الذي يساورها.
هكذا يقول دعاة الدين ودعاة الوطن ودعاة كل جامعة, وهكذا يجب أن يقولوا, فإن لم يفعلوا وأبوا إلا أن يغفلوا الجامعة الإنسانية في دعائهم إلى جوامعهم التي يدعون إليها فليعلموا أن الإنسانية ملاك كل شيء, فإذا ذهبت ذهب بذهابها كل شيء.
ليس لساكن وطن من الأوطان أو صاحب دين من الأديان
стр. 521
أن يقول لغيره ممن يسكن وطنا غير وطنه, أو يدين بدين غير دينه: أنا غيرك, فيجب أن أكون عدوك لأن الإنسانية وحدة لا تكثر فيها ولا غيرية, ولأن هذه الفروق التي بين الناس في آرائهم ومذاهبهم ومواطن إقامتهم وألوان أجسادهم وأطوالهم وأعراضهم إنما هي اعتبارات واصطلاحات, أو مصادفات واتفاقات تعرض لجوهر الإنسانية بعد تكونه واستتمام خلقه وتختلف عليه اختلاف الأعراض على الأجسام, ففي كل بلد وفي كل يوم يستعجم العربي ويستعرب الأعجمي ويسلم المسيحي ويتهود الوثني ويلحد المؤمن ويؤمن الجاحد ويستشرق المغربي ويستغرب المشرقي، ولو أشاء أن أقول لقلت: إنه لا يوجد فوق رقعة الأرض من لا يزال يمسك حتى اليوم بطرف سلسلة ينتهي طرفها الآخر بوطن غير وطنه, ودين غير دينه, وأمة غير أمته.
إذا جاز لكل إقليم أن يتنكر لغيره جاز لكل بلد أن يتنكر لكل بلد, بل جاز لكل بيت أن ينظر تلك النظرة الشزراء إلى البيت الذي يجاوره, بل جاز للأب أن يقول لولده وللولد أن يقول لأبيه: إليك عني, لا تمد عينيك إلى شيء مما في يدي, ولا تطمع أن أوثرك على نفسي بشيء مما اختصصتها به؛ لأنني غيرك فيجب
стр. 522
أن أكون عدوك، وهنالك تنحل كل عقدة وتنفصم كل عروة, ويحمل كل إنسان لأخيه بين أضلاعه من لواعج البغض والشحناء ما يرنق عيشه ويطيل سهده ويقلق مضجعه ويحبب إليه صورة الموت ويبغض إليه وجه الحياة, وهنالك يصبح الإنسان أشبه شيء بذلك الإنسان الأول في وحشته وانفراده يقلب وجهه في صفحات السماء, ويفتش بيديه في طبقات الأرض, فلا يجد له في الوحشة مؤنسا, ولا على الهموم مُعِينا.
الجامعة الإنسانية أقرب الجوامع إلى قلب الإنسان وأعلقها بفؤاده وألصقها بنفسه؛ لأنه يبكي لمصاب من لا يعرف وإن كان ذلك المصاب تاريخا من التواريخ, أو خيالا من الخيالات, ولأنه لا يرى غريقا يتخبط في الماء, أو حريقا يتقلب في النار حتى تحدثه نفسه بالمخاطرة في سبيله فيقف موقف الحزين المتلهف إن كان ضعيفا ويندفع اندفاع الشجاع المستقتل إن كان قويا, ويسمع وهو بالمشرق حديث النكبات بالمغرب فيخفق قلبه وتطير نفسه؛ لأنه يعلم أن أولئك المنكوبين إخوانه في الإنسانية وإن لم يكن بينه وبينهم صلة في أمر سواها، ولولا أن ستارا من الجهل والعصبية يسبله كل يوم غلاة الوطنية والدين, أو تجارهما على قلوب الضعفاء والبسطاء, لما عاش منكوب في هذه الحياة
стр. 523
بلا راحم, ولا ضعيف بلا معين.
لا بأس بالوطنية ولا بأس بالحمية الدينية ولا بأس بالعصبية لهما والذياد عنهما, ولكن يجب أن يكون ذلك في سبيل الإنسانية وتحت ظلالها, أي: أن تكون جميع دوائر المجتمعات باقية في أماكنها, دائرة حول نفسها بحيث لا تخرج واحدة منها عن دائرة الإنسانية العامة التي تضمها جميعا وتشتمل عليها، والوطنية لا تزال عملا من الأعمال الشريفة المقدسة حتى تخرج عن حدود الإنسانية فإذا هي خيالات باطلة وأوهام كاذبة، والدين لا يزال غريزة من الغرائز المؤثرة في صلاح النفوس وهداها حتى يتمرد على الإنسانية, ويعتزلها فإذا هو شعبة من شعب الجنون.
فإن كان لا بد للإنسان من أن يحارب أخاه أو يقاتله فليحاربه مدافعا لا طاعنا, وليقاتله مؤدبا لا منتقما, وليقف أمامه في كل ذلك موقف المحق المنصف والشفيق الرحيم, فيدفنه قتيلا ويعالجه جريحا ويكرمه أسيرا ويخلفه على أهله وولده بأفضل ما يخلف الرجل الكريم أخاه الشقيق أو صديقه الحميم على ذريته من بعده، وليكن شأنه معه شأن تلك الفئة المتحاربة التي وصفها الشاعر في قوله:
إذا احتربت يوما ففاضت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها
стр. 524
أدوار الشعر العربي:
كانت العرب في جاهليتها أمة هائمة متبدية على الفطرة البيضاء النقية لا تعبث الحضارة بجمالها، ولا تغبّر المدنية في وجهها، تطلع الشمس في آفاقها فتتبسط على سهولها وحزونها ونجادها ووهادها من حيث لا تعترض في سبيلها من المظلات سحب، ولا من السقوف حجب، وينبت نباتها حيث يجري ماؤها لا تعبث فيه الأيدي بتربيع ولا تدوير ولا تقويس ولا تعريج, ويجري ماؤها في سبيله متدفقا حيث ينساب به تسلسله واطراده لا تلوي به عن قصده الحفائر، ولا تتنصب في وجهه القناطر، ويهيم وحشها في جبالها وطيرها في أجوائها من حيث لا يحبس الأول عرين موصود، ولا الآخر قفص محدود، والشعر من وراء ذلك كله مرآة صافية تتمثل فيها تلك المناظر الفطرية على طبيعتها وجوهرها.
ينطق العربي بما يعلم ويقول ما يفهم, ويصور ما يرى ويحدث عما تمثل في نفسه حديثا صادقا لا تكلف فيه ولا تعمل؛ لأن كل
стр. 525
ما هو محيط به من هواء وماء وأرض وسماء وطعام وشراب ومرافق وأدوات على الفطرة السليمة الخالصة, فأحرى أن يكون شعره كذلك.
ذلك كان شأن الشعر العربي والعرب على فطرتهم, وذلك معنى قولهم: الشعر ديوان العرب؛ لأنه صورة حياتهم الاجتماعية والأدبية وتمثال خواطرهم الحقيقية والخيالية, فإن ظن ظان أن التماثيل والنصب والمخطوطات والمنسوجات والصور والتهاويل وبقايا الآثار وقطع الأحجار التي نراها في خرائب اليونان والرومان والفينيقيين والفراعنة أدل على تواريخ أولئك الأقوام من الشعر العربي على تاريخ العرب قلنا له: ما من ديوان من دواوين الأمم الماضية إلا وتحدث المؤرخون بعبث الأيدي به ولعبها بسطوره وسجلاته, أما الديوان العربي فصورة صحيحة وآية مقدسة لا تغيير فيها ولا تبديل.
ثم جرت بعد ذلك جوارٍ بالسعد والنحس, فانتقلت الأمة العربية من بداوتها إلى حضارتها وهاجر معها شعرها بهجرتها, فطلع جيش المولدين يحمل لواءه الشاعران الجليلان بشار وأبو نواس, فطرقوا معاني لم تكن مطروقة ونهجوا مناهج لم تكن معروفة فقلنا: لا بأس, فالشعر العربي أوسع من أن يضيق بحاجات أمته في جميع شئونها وحالاتها حتى جاء أبو تمام شيخ المحسنات اللفظية, فسلك
стр. 526
إلى أكثر معانيه البديعة طريق اللفظ المصنوع والأسلوب المزخرف, فثغر في الشعر العربي ثغرة ألح عليها السائرون على أثره من بعده بأظفارهم, وأنيابهم حتى صيروها بابا أفوه لا يمنع ما وراءه, ولا يدفع ما أمامه, فأصبح الشعر على عهد ابن حجة وابن الفارض وابن مليك والصفدي والسراج والجزار والحلي وأمثالهم أشبه شيء بتلك الآنية الفضية أو الصينية التي يضعها المترفون في زوايا مجالسهم وعلى أطراف موائدهم ظهرا زاهيا وبطنا خاويا, لا تشفي غلة ولا تبض بقطرة ولا تسمن ولا تغني من جوع، ثم جاء على أثر هؤلاء من تدلى إلى منزلة أدون من هذه المنزلة, فجاءوا بشيء هو أشبه الأشياء بتلك المقاييس والتفاعيل التي وضعها الخليل ميزانا للشعر, لا يروق لفظها ولا يفهم معناها.
وعلى هذا المورد الوبيل وقف الشعر بضعة قرون وقفة لا يتزحزح عنها, ولا يتحلحل حتى أنزل الله إليه من ملائكة البيان رسلا في هذا العهد الأخير, أخذوا بيده ونشروه من قبره, ونفضوا عنه غباره فأصبحنا نرى في أبراد الكثير منهم أجسام أبي نواس وأبي عبادة وأبي تمام والشريف وبشار, لا فرق بينهم وبينهم إلا أن هؤلاء مقلدون يتبعون الآثار، وأولئك مبتدعون يفترعون الأبكار.
стр. 527
حوانيت الأعراض:
أنا لا أستطيع أن أتصور الفرق بين رجل يمد يده إلى خزينة من خزائن بيتي فيسرق مالي, وبين آخر يمد لسانه أو قلمه إلى شرفي فيستلبه، كلاهما مجرم فاتك وكلاهما لص مغتال، وإن كان أولهما في نظر القانون وفي نظر الناس أكبرهما إثما, وأسوأهما أثرا.
المال خادم من خدام الشرف وحاجب من حجابه الوقوف على بابه، ولولا مكان الشرف والكلف بصيانته والضن به أن يعبث بجوهره عابث ما كان لامرئ في هذا المعدن الصامت أرب أكثر من أن يقيم به صلبه ويمسك به حوباءه، فإن كان سارق المال مجرما من حيث كونه هاتكا لذلك الستار المسبل دون الشرف, فجدير بمن يسرق الشرف نفسه أن يكون رأس الجانين، وأكبر المجرمين.
يكون للرجل من الصحفيين مثلا عند الرجل من كرام الناس وسراتهم وذوي السيرة الصالحة فيهم مأرب من المآرب التي لا يعرف لنفسه فيها حقا, ولا يمت إليها بسبب من الأسباب
стр. 528
الظاهرة أو الباطنة, فما هو إلا أن يمتنع عليه حتى يرميه بسهم جارح من مريشات سهامه يصيب به مقتلا من شرفه، ولا ذنب له عنده إلا أنه لم يمكنه من لحيته يلف عثنونها حول أصابعه, ثم يقوده بها إلى حيث شاء كما يقاد التيس إلى مربعه.
يحب الرجل المجد حبا يملأ ما بين جوانحه ويغري به حتى يصبح آثر في نفسه من نفسه التي بين جنبيه، ويظل يقضي سواد لياليه يساهر الكوكب حتى ينحدر إلى مغربه، ويطوي بياض نهاره بين شمس تحرق عارضيه، وحصباء تمزق قدميه، ويقيم بينه وبين شهوات نفسه ونزعات قلبه حربا عوانا يحمل في سبيلها ما لا يستطيع أن يحمله بشر كلفا به ووجدا عليه، وحتى إذا أمكنه المقدار منه وبدأ ينهل أول نهلة من مورده البارد العذب رآها ممزوجة بذلك العلقم المر مما صبه له في إنائه ذلك المجرم الأثيم.
إن بين جدران بعض قاعات الصحف قوما مفاليك قد دارت عليهم الأيام دورتها, وسلبتهم المواهب التي يعيش بها أمثالهم ممن ولد مولدهم, ونشأ في تربتهم فضاقت بهم سبل العيش التي ما كان تضيق بهم لو أن الله أبقى لهم بعد أن سلبهم فضيلة الفهم والعلم مزية العمل الصالح والسيرة المستقيمة، فلما لم يجدوا بين أيديهم منفذا ينفذون منه إلى القوت, فتحوا حوانيت للتجارة
стр. 529
بأعراض الناس سموها صحفا, وأكثر مشتملات حوانيتهم من تلك البضاعة أعراض الأشراف والعظماء وأرباب الجد والعمل الذين سبقوهم إلى فردوس السعادة, وخلفوهم وراءهم يتأكلون غيظا لحرمانهم مما قسم الله لهم، فهم إن فتشت عنهم وكشفت عن دخائل نفوسهم علمت أن لا فرق بينهم وبين أولئك الفوضويين الذين يدينون بقتل العظماء والأمراء، وأستغفر الله فللفوضويين مبدأ منظم يتقلدونه ورأي في تلك الجرائم على ما به من خطل يتمذهبون به من حيث كونه عقيدة ثابتة لا تجارة رابحة، بل هم كقطاع الطريق الذين يهاجمون الغادين والرائحين ولا ذنب لهم عندهم إلا أنهم مزوّدون, وهم مقفرو الأيدي من الزاد.
ولقد كان يكون خطبهم سهلا ومصابهم محتملا لو أنهم صرحوا عن أنفسهم وأبدوا للناس صفحات وجوههم, وطلبوا قوتهم من طريق الكدية الواضحة البينة، ولكنهم مراءون مخادعون يشتمون باسم الموعظة ويقرضون الأعراض باسم النصيحة ويتهمون الأبرياء باسم الغيرة الدينية ويملئون فضاء الأرض والسماء كذبا وابتداعا وتدليسا وتضليلا باسم الوطنية، ووالله ما بهم من وطنية ولا دين ولا عظة ولا نصيحة ولكنهم قوم محدودون قد بلغت
стр. 530
الفلاكة من نفوسهم مبلغها وضاقت بهم الأرض الفضاء على رحبها, فهم يروحون عن نفوسهم بالنيل من شرف الشرفاء وتنغيص لذة السعداء، ويطلبون قوتهم فيما بين ذلك من يد تلك الفئة الساذجة من الأمة التي لا تستطيع أن تفرق بين أشراف الصحافة والدخلاء فيها, وبين الكاتب الذي يكتب ليقوم معوجا أو يصلح مختلا أو يرفع بدعة باطلة أو يكشف حقيقة خافية, والآخر الذي يدور مع الدينار دورة الحرباء مع الشمس صعودا وهبوطا, والذي لا يلذه شرب الماء إلا ممزوجا بالدماء، ووالله ما أدري من الذي أقامهم هذا المقام وعهد إليهم بهذا العهد, ومن الذي وكل إليهم النظر في شئون الناس والفصل في قضاياهم والقيام على حسناتهم وسيئاتهم وما هم البررة الأتقياء الذين يصلحون أن يكونوا أمثلة حسنة في منازلهم فيكونوا قدوة صالحة في أمتهم، ولا بالعلماء الفضلاء فنهتدي بهداهم ونترسم مواقع أقدامهم، ولا بالصادقين المخلصين الذين يؤثرون أمتهم على أنفسهم فنتعبد بإجلالهم وإعظامهم، بل ليس لواحد منهم فضل الصانع في مصنعه ولا التاجر في حانوته, فضلا عن الوزير في كرسيه والأمير في عرشه, فيصلح أن يكون حكما بينهم وميزانا لحسناتهم وسيئاتهم، وعندي أن لو جمعت عيوب الناس جميعها