← Адаб

Адаб · id 11400

النظرات

المنفلوطي

Полный текст (1 016 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

إلى أكثر معانيه البديعة طريق اللفظ المصنوع والأسلوب المزخرف, فثغر في الشعر العربي ثغرة ألح عليها السائرون على أثره من بعده بأظفارهم, وأنيابهم حتى صيروها بابا أفوه لا يمنع ما وراءه, ولا يدفع ما أمامه, فأصبح الشعر على عهد ابن حجة وابن الفارض وابن مليك والصفدي والسراج والجزار والحلي وأمثالهم أشبه شيء بتلك الآنية الفضية أو الصينية التي يضعها المترفون في زوايا مجالسهم وعلى أطراف موائدهم ظهرا زاهيا وبطنا خاويا, لا تشفي غلة ولا تبض بقطرة ولا تسمن ولا تغني من جوع، ثم جاء على أثر هؤلاء من تدلى إلى منزلة أدون من هذه المنزلة, فجاءوا بشيء هو أشبه الأشياء بتلك المقاييس والتفاعيل التي وضعها الخليل ميزانا للشعر, لا يروق لفظها ولا يفهم معناها. وعلى هذا المورد الوبيل وقف الشعر بضعة قرون وقفة لا يتزحزح عنها, ولا يتحلحل حتى أنزل الله إليه من ملائكة البيان رسلا في هذا العهد الأخير, أخذوا بيده ونشروه من قبره, ونفضوا عنه غباره فأصبحنا نرى في أبراد الكثير منهم أجسام أبي نواس وأبي عبادة وأبي تمام والشريف وبشار, لا فرق بينهم وبينهم إلا أن هؤلاء مقلدون يتبعون الآثار، وأولئك مبتدعون يفترعون الأبكار.

стр. 527

حوانيت الأعراض: أنا لا أستطيع أن أتصور الفرق بين رجل يمد يده إلى خزينة من خزائن بيتي فيسرق مالي, وبين آخر يمد لسانه أو قلمه إلى شرفي فيستلبه، كلاهما مجرم فاتك وكلاهما لص مغتال، وإن كان أولهما في نظر القانون وفي نظر الناس أكبرهما إثما, وأسوأهما أثرا. المال خادم من خدام الشرف وحاجب من حجابه الوقوف على بابه، ولولا مكان الشرف والكلف بصيانته والضن به أن يعبث بجوهره عابث ما كان لامرئ في هذا المعدن الصامت أرب أكثر من أن يقيم به صلبه ويمسك به حوباءه، فإن كان سارق المال مجرما من حيث كونه هاتكا لذلك الستار المسبل دون الشرف, فجدير بمن يسرق الشرف نفسه أن يكون رأس الجانين، وأكبر المجرمين. يكون للرجل من الصحفيين مثلا عند الرجل من كرام الناس وسراتهم وذوي السيرة الصالحة فيهم مأرب من المآرب التي لا يعرف لنفسه فيها حقا, ولا يمت إليها بسبب من الأسباب

стр. 528

الظاهرة أو الباطنة, فما هو إلا أن يمتنع عليه حتى يرميه بسهم جارح من مريشات سهامه يصيب به مقتلا من شرفه، ولا ذنب له عنده إلا أنه لم يمكنه من لحيته يلف عثنونها حول أصابعه, ثم يقوده بها إلى حيث شاء كما يقاد التيس إلى مربعه. يحب الرجل المجد حبا يملأ ما بين جوانحه ويغري به حتى يصبح آثر في نفسه من نفسه التي بين جنبيه، ويظل يقضي سواد لياليه يساهر الكوكب حتى ينحدر إلى مغربه، ويطوي بياض نهاره بين شمس تحرق عارضيه، وحصباء تمزق قدميه، ويقيم بينه وبين شهوات نفسه ونزعات قلبه حربا عوانا يحمل في سبيلها ما لا يستطيع أن يحمله بشر كلفا به ووجدا عليه، وحتى إذا أمكنه المقدار منه وبدأ ينهل أول نهلة من مورده البارد العذب رآها ممزوجة بذلك العلقم المر مما صبه له في إنائه ذلك المجرم الأثيم. إن بين جدران بعض قاعات الصحف قوما مفاليك قد دارت عليهم الأيام دورتها, وسلبتهم المواهب التي يعيش بها أمثالهم ممن ولد مولدهم, ونشأ في تربتهم فضاقت بهم سبل العيش التي ما كان تضيق بهم لو أن الله أبقى لهم بعد أن سلبهم فضيلة الفهم والعلم مزية العمل الصالح والسيرة المستقيمة، فلما لم يجدوا بين أيديهم منفذا ينفذون منه إلى القوت, فتحوا حوانيت للتجارة

стр. 529

بأعراض الناس سموها صحفا, وأكثر مشتملات حوانيتهم من تلك البضاعة أعراض الأشراف والعظماء وأرباب الجد والعمل الذين سبقوهم إلى فردوس السعادة, وخلفوهم وراءهم يتأكلون غيظا لحرمانهم مما قسم الله لهم، فهم إن فتشت عنهم وكشفت عن دخائل نفوسهم علمت أن لا فرق بينهم وبين أولئك الفوضويين الذين يدينون بقتل العظماء والأمراء، وأستغفر الله فللفوضويين مبدأ منظم يتقلدونه ورأي في تلك الجرائم على ما به من خطل يتمذهبون به من حيث كونه عقيدة ثابتة لا تجارة رابحة، بل هم كقطاع الطريق الذين يهاجمون الغادين والرائحين ولا ذنب لهم عندهم إلا أنهم مزوّدون, وهم مقفرو الأيدي من الزاد. ولقد كان يكون خطبهم سهلا ومصابهم محتملا لو أنهم صرحوا عن أنفسهم وأبدوا للناس صفحات وجوههم, وطلبوا قوتهم من طريق الكدية الواضحة البينة، ولكنهم مراءون مخادعون يشتمون باسم الموعظة ويقرضون الأعراض باسم النصيحة ويتهمون الأبرياء باسم الغيرة الدينية ويملئون فضاء الأرض والسماء كذبا وابتداعا وتدليسا وتضليلا باسم الوطنية، ووالله ما بهم من وطنية ولا دين ولا عظة ولا نصيحة ولكنهم قوم محدودون قد بلغت

стр. 530

الفلاكة من نفوسهم مبلغها وضاقت بهم الأرض الفضاء على رحبها, فهم يروحون عن نفوسهم بالنيل من شرف الشرفاء وتنغيص لذة السعداء، ويطلبون قوتهم فيما بين ذلك من يد تلك الفئة الساذجة من الأمة التي لا تستطيع أن تفرق بين أشراف الصحافة والدخلاء فيها, وبين الكاتب الذي يكتب ليقوم معوجا أو يصلح مختلا أو يرفع بدعة باطلة أو يكشف حقيقة خافية, والآخر الذي يدور مع الدينار دورة الحرباء مع الشمس صعودا وهبوطا, والذي لا يلذه شرب الماء إلا ممزوجا بالدماء، ووالله ما أدري من الذي أقامهم هذا المقام وعهد إليهم بهذا العهد, ومن الذي وكل إليهم النظر في شئون الناس والفصل في قضاياهم والقيام على حسناتهم وسيئاتهم وما هم البررة الأتقياء الذين يصلحون أن يكونوا أمثلة حسنة في منازلهم فيكونوا قدوة صالحة في أمتهم، ولا بالعلماء الفضلاء فنهتدي بهداهم ونترسم مواقع أقدامهم، ولا بالصادقين المخلصين الذين يؤثرون أمتهم على أنفسهم فنتعبد بإجلالهم وإعظامهم، بل ليس لواحد منهم فضل الصانع في مصنعه ولا التاجر في حانوته, فضلا عن الوزير في كرسيه والأمير في عرشه, فيصلح أن يكون حكما بينهم وميزانا لحسناتهم وسيئاتهم، وعندي أن لو جمعت عيوب الناس جميعها

стр. 531

في كفة ميزان ووضعت في الكفة الأخرى عيوبهم الجامعة للسفاهة والكذب والنميمة التجسس وهتك الأعراض واتهام الأبرياء واستهواء الضعفاء, لثقلت كفتهم أمام كفة الذين يزعمون أنهم يقومون معوجهم, ويصلحون فاسدهم.

стр. 532

الرثاء: ما أنسى لا أنسى رجلا كان خير من لقيت من الرجال, وكان يعجبني منه أدبه وفضله وعفته وحياؤه وشرف نفسه وطهارة قلبه, وأنه كان صبورا محتملا تقرع الخطوب صفاة قلبه فترتد عنها نابية كما ترتد الكرة عن الحائط إذا قرعتها. كان فقيرا لا يملك من هذه الدنيا أكثر مما يقيم صلبه ويمسك حوباءه ويستر سوءته, فزوجه أبوه بابنة عم له ذات مال لم يك مثلها في دمامتها وسوء خلقها وجفاء طبعها ممن يطمع في مثله في جمال خُلقه ولين حاشيته وانسجام طبعه، فكبرت نفسه عن مخالفة أبيه؛ لأنه كان برا به مطيعا له نازلا عند أمره ونهيه وعن مجافاة زوجه واطراحها والانقباض عنها؛ لأنه كان كريم الأخلاق واسع الصدر رفيقا بالضعفاء والمنكوبين، فتزوجها وفي نفسه من المضض والارتماض ما يلهب الجوانح, ويذيب لفائف القلوب. وأذكر أني على طول معاشرتي له ولصوقي بنفسه ما سمعته, ولا

стр. 533

سمعت عنه أنه شكا إلى أحد من الناس ما يواثب قلبه عند النظر إليها أو إلى ما يدب من عقارب شرها إليه ثقة منه بالله ورحمته, وإيثارا لفضيلة الصبر, وسكوتا إلى ما جرت به الأقلام في ألواح المقادير، فكنت أرحم صمته وسكونه وأبكي لجمود عينيه عن البكاء؛ لأني أعلم أن نيران الأحزان لا يسكن اضطرامها ولا يهدأ اعتلاجها إلا باطراد العبرات، وتصاعد الزفرات. وكان كل ما ينعم به من لذائذ هذه الحياة وأنعمها أنه كان يسافر في كل شهر مرة أو مرتين إلى صديق له في بلد ريفي ناءٍ, يقضي فيه يومين أو ثلاثة ثم يعود وفي ثغره ابتسامة تتلألأ تلؤلؤ نجمة الصبح عند انحدارها إلى الغروب, ثم لا تلبث أن تتلاشى ولا يلبث أن يعود إلى جموده الأول لا يحزن فيبكي ولا يفرح فيبتسم، حتى يخيل للناظر إليه أنه في عالم غير هذا العالم لا يظله ليل, ولا يضيئه نهار. قضيت في صحبته على حاله تلك بضع سنين أعلم من آلام قلبه ما يحسب أني أجهله فأكاتمه ذلك العلم جهدي رفقا به وإجلالا له وإشفاقا عليه، حتى زرته في منزله ذات يوم فرأيته جاثما في مقعده الذي كان يقتعده من غرفته, وقد أطرق إطراقا طويلا ذهب فيه عن نفسه, فلم يشعر بخفق نعليَّ حتى أخذت

стр. 534

مكاني فرفع رأسه فأدهشني من منظره اصفرار وجهه وذبول عينيه, وما كان يغشى جبينه من دخان تلك النار التي تشتعل بين جوانحه, ثم نظر إلي نظرة طويلة لا عهد لي بمثلها من قبل, ثم قال بصوت خافت مضطرب: أتعتقد أن الله موجود؟ فقلت: نعم، معالجا نفسي على كتمان ما كاد يذهب بلبي من تنكر حاله وغرابة أمره. فقال: وتعتقد أنه عادل؟ قلت: نعم. قال: وراحم؟ قلت: نعم. فبسط يده إليَّ فعل الضارع المستصرخ وقال: هل لك أن تحدثني أيها الصديق عن نزول الصواعق وثورة البراكين وطغيان البحور وغرق السفن وانتشار الأوباء وفتك الأدواء ونكبات الفقر والجوع وتلك العيون التي لا تزال منهلة بالبكاء، والضلوع التي لا تزال ملتهبة بالآلام والأحزان؟ هل تعتقد أن ذلك كله عدل من الله ورحمة؟ قلت: نعم, إن الله يمتحن عباده ليعلم الذين صبروا فيدخر لهم

стр. 535

في دار نعيمه من المثوبة والأجر أضعاف ما كانوا يقدرون لأنفسهم من سعادة الحياة وهنائها. قال: إن الله أكرم من أن يجعل الشر طريقا إلى الخير, وأن لا يحسن إلا بعد أن يسلف الإساءة. قلت: ذلك ما كتب على نفسه أن يجازى كل عامل بعمله, إن خيرا فخير وإن شرا فشر. قال: إنه قد كتب على نفسه الرحمة. قلت: نعم, إنه أكرم الكرماء وأرحم الرحماء. قال: حدثني إذًا عن الولد الصغير الذي لم يخالط نفسه شر ولم يتسرب إلى قلبه كيد، ما لي أراه مفترشا حجر أمه وقد تولى الليل إلا أقله يتقلب على مثل شوك القتاد من الآلام التي تساوره, فيثب تارة ويضطرب أخرى ويصرخ صرخات تستمطر المدامع وتحول بين الجنوب ومضاجعها؟ وما لي أرى أمه باكية مولهة مقرحة الجفون منحلة الشعور موجعة القلب, تفزع لفزعاته وتصرخ لصرخاته, وقد اختبل عقلها واضطرب أمرها وعظم يأسها وفنيت حيلتها وقل مساعدها وضعف ناصرها, فأنشأت تقلب وجهها في السماء ضارعة إلى الله تعالى أن يأخذ بيدها ويرحم نفسها برحمة ولدها، وبينا هي تنتظر صوت الإجابة يرن في أفق

стр. 536

السماء إذا بها تسمع حشرجة الموت في صدر ولدها, وإذا به ينزع نزعا مؤلما يطير باللب ويذهب ببقية الصبر حتى تفيض نفسه، فماذا جنى هذا الولد الصغير حتى أصبح لا يستحق رحمة من الله, ولا رأفة؟ قلت: وما يدريك لعل الله أراد به خيرا, فرحمه بالموت المعجل من حياة علم أنه سيلقى فيها كما تلقى أنت اليوم عذابا أليما, وشقاء ممضا. فنالت هذه الكلمة من نفسه وانتفض لها ثم قال: أحسنت يا صديقي، ليت الذين يشقون في هذه الحياة يشعرون بصغر هذه الدنيا وحقارة شأنها, فيتمنون لو لم تلدهم أمهاتهم, ولم يكتب لهم سطر واحد في ألواح المقادير، وبعد فهل لك في سفرة معي إلى صديقي الريفي نقضي عنده يوما واحدا, ثم نعود على أن تكون معي كما كان فتى موسى مع مولاه ﴿فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ ؟ فوافيت رغبته وقبلت شرطه, ثم قام وقمت وبودي لو ملكت الدنيا بحذافيرها لحظة واحدة لأهبها لمن يكشف لي سر صديقي ويدلني على نكبته التي زعزعت نفسه وصهرت قلبه وملكت عليه لبه وكادت تعبث بيقينه، وما هي إلا ساعات قلائل حتى

стр. 537

كنا في المنزل الذي أردناه وقد أظل الليل بجناحيه فقضينا واجب التحية والسلام, ثم خلا الصديق بصديقه خلوة طويلة لا أعلم ما دار فيها بينهما ثم خرجا إلي فجلسنا ساعة نتحدث ثم قمنا إلى فراشنا فنمت نوما متقطعا مملوءا بالوساوس والهواجس, فما انتصف الليل حتى شعرت أن صديقي يتحرك في فراشه وينظر إلي ليعلم أنائم أنا أم مستيقظ, فتناومت حتى رأيته قد قام من مكانه يختلس الخطا حتى وصل إلى مشجب الملابس فلبس أثوابه ثم خرج من الغرفة, فخفق قلبي خفقة الرعب والفزع وقلت: لا بد أن الرجل يريد بنفسه شرا، وإني أكون ألأم صديق إن أنا تركته وشأنه، فقمت على أثره أترسم خطواته وأتتبع مخرجه ومدخله من مدرجة إلى أخرى حتى بلغ ضاحية البلد ثم استمر في شأنه حتى أطل على مقبرة واسعة قد جثمت قبورها في أرجائها جثوم الآبال في مرابعها, فوقف هنيهة ثم مشى فمشيت على أثره من حيث لا يشعر بمكاني منه ثم أنشأ يتصفح القبور قبرا قبرا فخيل لي أنه شبح من أشباح الموتى يتنقل في أرجاء تلك المقبرة, فملكني من الخوف والرعب ما كاد يحل عقدة لساني لولا إجلالي هذا الموقف المرهب, وشعوري أنني واقف على

стр. 538

أبواب تلك الدور التي سلب خوفها العاقلين عقولهم وأطار طائر الاغتماض عن أجفانهم ونغص عليهم ما يتمنون أن ينعموا به من مطاعمهم ومشاربهم والتي يفد إليها كل يوم وفود البشر محمولين على أيدي آبائهم وأمهاتهم ليقدموهم بأنفسهم هدايا ثمينة إلى الدود, ثم يخلون بينهم وبينه يأكل لحومهم ويمتص دماءهم ويتخذ من أحداق عيونهم ومباسم ثغورهم مراتع يرتع فيها كما يشاء بلا رقبى ولا حذر من حيث لا يملك مالك عن نفسه دفعا, ولا يعرف إلى نجاة سبيلا. مرت بخاطري تلك الذكرى فملكت علي نفسي حتى ذهلت عن موقفي وأنستني الحيرة في أمر نفسي الحيرة في أمر صديقي وفيما ساقه إلى هذا الموطن, وأين يذهب وماذا يريد وعم يفتش، ثم استفقت فرأيته جاثيا فوق قبر من تلك القبور جثو العابد أمام معبده, فدلفت إليه حتى دنوت منه فسمعته يقول: اللهم إنك تعلم أني ما كفرت بنعمتك ولا خفرت ذمتك ولا هتكت حرمة من حرمك ولا نزلت عند سخطك ولا تبرمت بقضائك وقدرك, وأنك جازيتني فأحسنت جزائي ووهبتني تلك الفتاة فكانت كل ما أفدت من نعيم هذه الحياة وهنائها, ثم لم تلبث أن سلبتنيها وشيكا أشوق ما كنت إليها وإلى قضاء

стр. 539

ساعات العمر بجانبها, فاغفر لي جزعي وحزني, فكثير علي أن لا أجزع ولا أحزن. لقد تبدلت الأرض غير الأرض والسموات, وكأنما استحالت في نظري حقائق الأشياء فأصبحت لا أرى في النجمة لألاءها ولا في الزهرة جمالها ولا في السماء صفاءها ولا في البحر جلاله, فهل كانت فتاتي سر هذا الوجود حتى ذهبت, فذهب بذهابها كل شيء؟ ذهبت بي الأيام كل مذهب وجرعتني من كئوس الشقاء جرعا ما احتمل فم قبل فمي مرارتها, فاغتفرت لها كل ذنوبها عندي؛ لأنها أسدت إلي صنيعة كانت هي العزاء لي عن هموم الحياة وأحزانها، أما اليوم وقد صفرت منها يدي وأقفر بفراقها ربعى وحالت تلك الصفائح بيني وبينها, فلا سلوى ولا عزاء. من لي بضربة من ضربات الدهر تذهب بذاكرتي, فلا أعود أذكر أيام حياتها ومقعدها بجانبي وابتسامها إلي واعتناقها إياي وصوتها الرقيق وحديثها العذب وصفاء عينيها وجمال وجهها وقيامها وقعودها وجيئتها وذهوبها وضحكها وبكاءها ويقظتها ومنامها وحزنها لفراقي وسرورها بلقائي, فإني كلما ذكرت ذلك شعرت كأن قلبي المجموع قد استحال إلى أفلاذ صغيرة

стр. 540

لا يلوي بعضها على بعض. اللهم إني أعلم أن الدنيا ليست بدار قرار, فلا أمل في البقاء فيها والركون إليها والاستمتاع بلذة الحياة فيها, وأنها الجسر الذي يمر به الأحياء إلى الدار الأخرى وقد أحسنت إلى كل عبد من عبيدك برفيق يكون عونا له على قطع تلك الشقة واختصصتني وحدي بالحرمان من ذلك المعين, فكيف أسير وأين أذهب ومن أين أبتدئ وإلى أين أنتهي؟ اللهم إنك سلبتني كل شيء حتى الدموع التي يريح بها الباكون أنفسهم ويطفئ بها المحزونون لوعات قلوبهم, فأصبح الحزن يغلي بين جوانحي غليان الماء في قدر محكمة الغطاء, فامنن علي بدمعة واحدة أبرد بها غليلي, ولا أحسب أنك تمنعنيها فالدموع هي الرحمة العامة التي كتبت على نفسك أن تعالج بها جراح المنكوبين. اللهم لا ريبة في عدلك ولا ظنة في كرمك ولا اعتراض على قضائك وقدرك ولا سخط في ابتلائك ومحنتك, ولكنك سلبتني عقلي بعدما سلبتني راحتي وهنائي وفتاتي, فخرج أمر نفسي من يدي وأصبحت لا أعرف لي مذهبا في هذه الأرض, ولا مضطربا. اللهم إنك منعتني حظي من الحياة فلا تمنعني حظي من الموت, فاستردّ إليك عاريتك التي أعرتنيها فقد عجزت عن احتمالها

стр. 541

وضقت ذرعا بأمرها, إنك بعبادك رءوف رحيم. وما أتم كلمته هذه حتى سقط على صفائح القبر مكبا على وجهه, فعلمت أن المرجل قد انفجر وأن الله قد اجتبى هذا الرجل لنفسه واختار له ما عنده, فصرخت صرخة كانت ثانية لصرخة أخرى بجانبي, فالتفت فإذا صديقه واقف ورائي فدنونا منه معا وحركناه فإذا هو ميت، فنقلناه إلى المنزل وبتنا حول سريره نقضي حق صحبته تارة بالدموع وأخرى بالخشوع، وهنالك قص علي صديقه قصته وكشف لي عن ذلك السر الذي كان يكتمه عني؛ فحدثني أنه قضى زمنا طويلا يشكو إليه ما يجد في نفسه من البغضاء لزوجته التي زوجه أبوه منها على الرغم منه فخفت عليه التلف حزنا وكمدا, فزوجته منذ عشر سنين بأختي سرا من حيث لا يعلم أبوه؛ لأنه كان يخاف غضبه ولا زوجته؛ لأنه كان يرحمها، فكان يزورها في كل شهر مرة أو مرتين حتى ماتت تلك الأخت رحمة الله عليها وتركت له هذه الفتاة, فما زال يزورها كما كان يزور أمها ويعزي بالثانية نفسه عن الأولى، فشغف بها شغفا بلغ به حد الجنون, وكان كثيرا ما يقول لي: إني أشعر أن حياتينا حياة واحدة وأنا إما أن نعيش معا أو نموت معا، وكأنه أُلهم بما سيكون, فحمت الفتاة منذ ستة أيام فما نشبت أن هصر

стр. 542

الموت غصنها النضير ولم تسلخ ثماني حجج فنعيتها إليه بكتاب أرسلته له, فجاء وجئت معه, ثم كان بعد ذلك ما قدر الله أن يكون. دفنت صديقي بيدي وألحدته بجانب تلك الصغيرة التي قطع جسر الحياة الطويل في لحظة واحدة شوقا إليها ووجدا عليها، ثم عدت إلى بلدتي صفر اليد من ذلك الإنسان الذي كنت مالئا منه يدي, والذي كنت أجله وأعظمه حيا ولا أزال أبكيه وأذكره ميتا, وأتخذ حياته الشريفة الحافلة بمواقف الصبر والجلد والوفاء والكرم درسا أتعلمه وأعلمه الناس حتى يجمع الله بيني وبينه: كفى حزنا بموتك ثم إني ... نفضت تراب قبرك من يديا وكانت في حياتك لي عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيا

стр. 543

الشعر: كتب إلي كاتب يقول: عرفناك قبل اليوم شاعرا ما تكتب فقرة ثم رأيناك بعد ذلك كاتبا ما تنظم بيتا، فلم لم تكتب في عهدك الأول، ولم تنظم في عهدك الثاني، كأنما ظن عافاه الله أني أكتب اليوم بقلم غير قلم الأمس, أو أهيم في واد غير ذلك الوادي، وهل الشعر إلا نثارة١ من الدر ينظمها الناظم إن شاء شعرا، وينثرها الكاتب إن شاء نثرا، أو نغمة من نغمات الموسيقى يسمعها السامع مرة من أفواه البلابل والحمائم، وأخرى من أوتار العيدان والمزاهر، أو عالم من عوالم الخيال يطير فيه الطائر بقادمتين٢ من عروض وقافية، أو خافيتين٣ من فقر وأسجاع؟ الكاتب الخيالي شاعر بلا قافية ولا بحر، وما القافية والبحر

стр. 544

إلا ألوان وأصباغ تعرض للكلام فيما يعرض له من شئونه وأطواره, لا علاقة بينها وبين جوهره وحقيقته، ولولا أن غريزة في النفس أن يردد القائل ما يقول ويتغنى بما يردد ترويحا عن نفسه, وتطريبا لعاطفته ما نظم ناظم شعرا، ولا روى عروضي بحرا. ما كان العربي في مبدأ عهده ينظم الشعر ولا يعرف ما قوافيه وأعاريضه، وما علله وزحافاته، ولكنه سمع أصوات النواعير وحفيف أوراق الأشجار وخرير الماء وبكاء الحمائم فلذ له صوت تلك الطبيعة المترنمة, ولذ له أن يبكي لبكائها، وينشج لنشيجها، وأن يكون صداها الحاكي لرناتها ونغماتها، فإذا هو ينظم الشعر من حيث لا يفهم منه إلا أنه ذلك الخيال الساري المتمثل في قريحته المتردد بين شدقيه، ولا من أوزانه وضروبه إلا أنها صورة من صوره, ولون من ألوانه. ذلك منتهى نظر العربي إلى الشعر, وذلك ما دعاه إلى أن يسمي النبي الذي بعثه الله إليه شاعرا وهو يعلم كما يعلم غيره من الناس أنه ما قصد في حياته قصيدة, ولا رجز أرجوزة, ولكنه سمع من كتاب الله وآياته المفصلات أبلغ الكلام وأفصحه وأعلقه بالنفوس وآخذه بالألباب وأملكه للعواطف والوجدان وأجمعه

стр. 545

لصنوف التشبيهات البديعة والاستعارات الدقيقة والمجازات الرائعة والكنايات المستطرفة وأمثال تيك مما لا ينطق به الناطق في أكثر مناحيه ومنازعه إلا عند ذهابه مذهب الخيال الشعري فشبه له, فسمى ما سمعه شعرا وسمى الناطق به شاعرا, وما هو بشاعر ولا ساحر ولا كاهن ولا مجنون. ما كل موزون شعرا ولا كل ناظم شاعرا, فالوزن ملكة تعلق بالنفس من طول ترديد المنظوم والتغني به مقطعا تقطيعا يوازن تفاعيله فهو نغمة موسيقية, ولحن خاص من ألحان الغناء يتمثل في قول الملك الضليل١: "قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل" كما يتمثل في قول الخليل: "فعولن مفاعلين فعولن مفاعلن" ويتراءى في أوتار الحلق الناطق كما يتراءى في أوتار العود الصامت. أما الشعر فأمر وراء الأنغام والأوزان, وما النظم بالإضافة إليه إلا كالحلى في جيد الغانية الحسناء, أو الوشي في ثوب الديباج المعلم، فكما أن الغانية لا يحزنها عطل جيدها والديباج لا يزري به أنه غير معلم, كذلك الشعر لا يذهب بحسنه ورُوائه أنه غير منظوم ولا موزون. ذلك هو الفرق بين الشعر والنظم, وها أنت ترى أن لا صلة

стр. 546

بينهما إلا تلك الصلة الاصطلاحية التي لا سبب لها إلا اعتياد الناس أنهم ينظمون ما يشعرون، وتلك الصلة هي التي خلطت بينهما وعمَّت على كثير من الناس أمرهما، وهي التي أدخلت النظامين في عداد الشعراء وألقت عليهم جميعا رداء واحدا لا يستطاع معه التمييز بينهما إلا للقليل من الناقدين المستبصرين، فأصبحنا نقرأ لبعض المعاصرين القصيدة ذات المائة بيت فلا نجد بيتا, ونتصفح الديوان ذا المائة قصيدة فلا نعثر بقصيدة وأصبحنا لا نكاد نجد بيننا قارئا غير شاعر؛ لأنه لا يوجد في الناس شخص واحد يعجزه تصور تلك النغمة العروضية, وتصويرها حتى العامة والأميين. ولقد كتب الكاتبون في تعريف الشعر وافتنوا في ذلك افتنانا بعد به عن مكانه، وعندي أن أفضل تعريف له أنه "تصوير ناطق" لأن قاعدة الشعر المطردة هي التأثير، وميزان جودته ما يترك في النفس من الأثر، وسر ذلك التأثير أن الشاعر يتمكن ببراعة أسلوبه وقوة خياله ودقة مسلكه وسعة حيلته من هتك ذلك الستار المسبل دون قلبه, وتصوير ما في نفسه للسامع تصويرا يكاد يراه بعينه ويلمسه ببنانه, فيصبح شريكه في حسه ووجدانه يبكي لبكائه ويضحك لضحكه ويغضب لغضبه ويطرب لطربه ويطير

стр. 547

معه في ذلك الفضاء الواسع من الخيال, فيرى الطبيعة بأرضها وسمائها وشموسها وأقمارها ورياضها وأزهارها وسهولها وجبالها وصادحها وباغمها١ وناطقها وصامتها من حيث لا ينقل إلى ذلك قدما، ولا يلاقي في سبيله نصبا. فإن سمع قول القائل: وقانا لفحة الرمضاء وادٍ ... سقاه مضاعف الغيث العميم نزلنا دوحه فحنا علينا ... حنو المرضعات على الفطيم وأرشفنا على ظمأ زلالا ... ألذ من المدامة للنديم يصد الشمس أنَّى واجهتنا ... فيحجبها ويأذن للنسيم يروع حصاه حالية٢ العذارى ... فتلمس جانب العقد النظيم خيل إليه أنه يخطر في ذلك الروض البليل بين أنواره وأزهاره، خطران النسيم بين ظلاله وأشجاره، وأنه يرى بعينه أولئك العذارى السانحات وقد راعهن منظر الحصباء اللامع فوق تلك الديباجة الخضراء, فتولهن وفزعن إلى جوانب عقودهن يلمسنها بأطراف بنانهن, يحسبن أن قد وهت فانتثرت جواهرها في ذلك الروض الأريض.

стр. 548

وإن سمع قول الآخر: ودار ندامى عطلوها وأدلجوا ... بها أثر منهم جديد ودارس حبست بها صحبي وجمّعت شملهم ... وإني على أمثال تلك لحابس أقمنا بها يوما ويوما وثالثا ... ويوما له يوم الترحل خامس تدار علينا الراح في عسجدية ... حبتها بأنواع التصاوير فارس قرارتها كسرى وفي جنباتها ... مها تدّريها١ بالقسي الفوارس فللراح ما زرت عليه جيوبها ... وللمآء ما دارت عليه القلانس تمثل له كأنه مر في ضاحية من ضواحي بغداد بدار موحشة, فسمع فيها أصوات قوم يلهون ويقصفون٢ ويقرعون الكئوس بأمثالها, فاقترب منها وأطل من خَصاص٣ بابها فرأى أولئك القوم مجتمعين حول دَنّ من الخمر قد تكاملت سنه وشيب الدهر فوديه٤, ففصدوه فسال دمه الأحمر في كئوس من الذهب منقوشة نقوشا فارسية قد استقرت في قرارتها صورة كسرى فارس, ودارت في باطنها صور فرسانه متنكبي قسيهم كأنما يطاردون بقر الوحش أمامهم ورآهم يملئون الكئوس إلى ما يوازي

стр. 549

أعناق أولئك الفرسان, ثم يمزجونها بالماء إلى ما يغطي رءوسهم، فتسلل من مكانه مغتبطا بمجمعهم وبما هيئ لهم من الهناء والنعمة فيه، ثم مر بتلك الدار بعد أيام فرآها مقفرة من أهلها لا تسمع بها نغمة ولا نأمة١, فدخلها فلم ير فيها إلا أعواد ريحان قد يبس أكثرها مبعثرة في جوانبها وخطوطا كانت رسمتها زقاق الخمر فوق تربتها في غدوها ورواحها بين أولئك الندماء، فانصرف حزينا مكتئبا يسمع صفير الريح الضاربة في جوانبها, فيردد قول القائل: رب ركب قد أناخوا حولنا ... يشربون الخمر بالماء الزلال عصف الدهر بهم فانقرضوا ... وكذاك الدهر حالا بعد حال وإن سمع قول الآخر: ويوم كتنُّور الإماء سجرنه٢ ... وأوقدن فيه الجزل حتى تضر ما رميت بنفسي في أجيج سمومه ... وبالعيس حتى بض منخرها دما شعر كأن لهيب تلك الهاجرة يهبّ في وجهه, فيشيح عنه فرارا من لفحاته, ويكاد يبكي رحمة لذلك الشبح المصهور الذي ملكت عليه تلك التنُوفة الحمراء سبيله وحالت بينه وبين

стр. 550

نفسه, فلا هو بصابر إن رام صبرا, ولا بناجٍ إن أراد نجاء. وإن سمع قول الآخر: وا رحمتا للغريب في البلد النا ... زح ماذا بنفسه صنعا فارق أحبابه فما انتفعوا ... بالعيش من بعده ولا انتفعا هملت عيناه وجدا على ذلك الغريب الحائر, وتمنى أن لو رآه في بعض مذاهبه وعطف عليه وآنس وحشته، وخفّض لوعته، ثم أخذ بيده فأنزله من نفسه منزلا كريما وأبدله أهلا بأهل وجيرانا بجيران. وإن سمع قول الآخر: وإن الذي بيني وبين بني أبي ... وبين بني عمي لمختلف جدا فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم ... وإن هم هووا غيي هويت لهم رشدا وإن زجروا طيرا بنحس تمر بي ... زجرت لهم طيرا تمر بهم سعدا ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا لهم جل مالي إن تتابع لي غنى ... وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا ... وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا أكبر تلك المكرمة العظيمة وأجلها ونظر إليها في علياء سمائها كما ينظر الفلكي إلى كوكبه, وشعر كأن نورها قد لمع فامتد

стр. 551

شعاعه إلى جوانب نفسه فأضاءها. ولا غرو أن يبلغ الشعر من نفسه هذا المبلغ, فلطالما كان للشعر السلطان الأكبر على النفوس العظيمة فقد نكب الرشيد البرامكة عندما دس له أعداؤهم ذلك المغني الذي غناه هذا الصوت: ليت هندا أنجزتنا ما تعد ... وشفت أنفسنا مما تجد واستبدت مرة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد وأمر السفاح بقتل وجوه بني أمية بعدما قربهم وأدناهم عندما دخل عليه سديف مولاه, وأغراه بهم في قوله: لا تقيلن عبد شمس عثارا ... واقطعن كل رقلة١ وغراس أنزلوها بحيث أنزلها اللـ ... ـه بدار الهوان والاتعاس خوفهم أظهر التودد فيهم ... وبهم منكم كحز المواسي أقصهم أيها الخليفة واحسم ... عنك بالسيف شأفة الأرجاس فلقد ساءني وساء سوائي ... قربهم من نمارق وكراسي بل عطف عمر بن الخطاب على الحطيئة, وأطلقه من سجنه حين سمعه يقول: ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ ... حمر الحواصل لا ماء ولا شجر ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فاغفر عليك سلام الله يا عمر

стр. 552

بل سمع النبي ﷺ قول قتيلة بنت الحارث تعاتبه في قتله أخاها النضر بن الحارث على رحمه منه, واتصال نسبه به: أمحمد يا خير صنو كريمة ... في قومها والفحل فحل معرق ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق والنضر أقرب من أصبت وسيلة ... وأحقهم إن كان عتق يعتق ظلت سيوف بني أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقق فبكى وقال هو من لا ظنة١ في عدله ولا ريبة في حكمه: "لو سمعتها قبل اليوم ما قتلته". لا مؤثر في نفس الإنسان غير الشعر، وما خضع الإنسان لشيء في جميع أدوار حياته إلا للشعر، وللشعر الفضل الأول في نبوغ الإنسان وارتقائه وبلوغه هذا المبلغ من الكمال، ولقد أحب الإنسان الشعر ناطقا وصامتا، أما الناطق فقد عرفته، وأما الصامت فالتماثيل التي يراد بنصبها تمثيل حياة عظماء الرجال شعر، وهذه النغمات الموسيقية التي تصور خواطر القلوب ووجداناتها فتهيج عاطفة الحب في نفس العاشق وعاطفة الحماسة في نفس الجندي شعر، وهدير الأمواج شعر لأنه يمثل عظمة الجبارين، وظلام الليل شعر لأنه

стр. 553

يطلق دموع الباكين، وحفيف أوراق الأشجار شعر لأنه يمثل المناجاة في مواقف العشاق، وبكاء الحمائم شعر لأنه يمثل فجعة البين ولوعة الفراق، تلك النغمات الشعرية التي نسمعها من فم الإنسان مرة وفم الطبيعة أخرى هي التي زخرفت لنا هذه الحياة وألبستها ذلك الثوب الناعم الأبيض من السعادة والهناء حتى أحببناها, وولعنا بها وحرصنا عليها, وأعددنا العدد للبقاء فيها والسكون إليها, فكتبنا ودونا وألفنا واخترعنا، وتعلمنا فعلمنا، وبنينا فشيدنا، وغرسنا فجنينا، وعملنا فربحنا، واجتهدنا فأثرينا، وأملنا فسعينا، وسعينا فبلغنا، فكأن الشعر سر هذه الحياة وعلة هذا الوجود، لا تطير إلينا الحقائق إلا على جناحيه، ولا يطيب لنا العيش إلا في جواره، فلنمجد الشعراء كل التمجيد ولنكبرهم كل الإكبار، فهم مشارق شموس الحكمة، وأفلاك كواكب العلم والفضل، وهم الينابيع الصافية التي يترقرق ماؤها ثم يتسرب إلى الأفئدة, والقلوب فيملؤها وسعادة وهناء.

стр. 554

الشهيدتان: لم تغتمض عيناي ليلة أمس؛ لأنني بت أسمع في الدار اللاصقة لبيتي أنين امرأة متوجعة تعالج هما ثقيلا وتشكو مرضا أليما, وكان يخيل إلي أني لا أسمع بجانبها معللا يعللها, ولا جليسا يتوجع لها فلما أصبح الصباح ذهبت إليها فإذا قاعة صغيرة مظلمة تكاد لا تشتمل على أكثر من سرير بالٍ يتراءى فوقه شبح ماثل من أشباح الموتى, فترفقت في مشيتي حتى دنوت منها وكأنها شعرت بمكاني, فحركت شفتيها تطلب جرعة ماء فأسعفتها بها, فاستفاقت قليلا ثم تقدمت نحوها أسائلها عن خطبها فأنشأت تقص علي قصتها بصوت خافت متقطع, كنت أكاد أنتزعه منها انتزاعا وتقول: زوجني أبي منذ سبع سنين من رجل مزواج مطلاق لا يكاد يصبر على امرأة واحدة عاما واحدا, ولو كان لفتاة أن تستبد بأمرها من دون أوليائها لأحسنت الاختيار لنفسي, بل لو لم يكن في الأمر إلا أن أتبتل أو أصير إلى هذا المصير لكان لي في الرهبانية رأي غير ما يراه فيها النساء، ولكنني عجزت فأذعنت

стр. 555

وزُففت إليه, فاستقبلني بأحسن ما يستقبل به الزوج الكريم أحظى نسائه عنده وأكرمهن عليه، فكان يريبني من ذلك ما يريب الفريسة من ابتسامة الأسد وكنت أنتظر يوم الفراق كما ينتظر القاتل يوم القصاص، فما أفقت من صرعة النفاس حتى علمت أنه خطب فتزوج فبنى وأني أصبحت في المنزل وحيدة لا مؤنس لي إلا طفلتي الصغيرة, فجزعت عند الصدمة الأولى ثم نزلت على حكم القضاء الذي لا أملك رده ولا أعرف وجه الحيلة فيه، واحتملت طفلتي إلى بيت أبي فوجدته مريضا مشرفا, فبكى رحمة بي واستغفرني من ذنبه إلي فغفرته له، وما هي إلا أيام قلائل حتى مضى لسبيله مفجوعا برزئي ورزئه, فعلمت أن الدهر قد سجل علي في جريدة الشقاء أياما طوالا لا أعلم متى يكون انقضاؤها, ولا أدري ما الله صانع فيها، فظللت أستكتب الناس الكتب إلى ذلك الرجل أسأله القوت لأستعين به على تربية طفلته أو التسريح عسى أن يبدلني الله خيرا منه زكاة وأقرب رحما, فضن بالأولى واستعظم الأخرى, فلم أر لي سبيلا غير سبيل العمل, فلبثت بضع سنين ساهرة الليل قائمة النهار, أستقطر الرزق من سم الخياط فلا أكاد أبلغ منه الكفاف حتى بلغ مني الجهد, فدهيت بمعضلة من الأدواء خرجت لها عن كل ما أملك من

стр. 556

حلية وذخيرة وكسوة وآنية وأصبحت لا أملك درهما أبتاع به قارورة الدواء, ولا أجد مزقة أمسك بها قوائم هذا السرير المضطرب، وما قنع الدهر مني بذلك حتى رماني بالداهية الدهياء التي يصغر في جانبها كل عظيم من خطوبه ونكباته، فقد كتبت إلى والد الفتاة منذ شهر أصف له حالتي وأفضي إليه بذات نفسي, وأسأله أن يمدني وابنتي بقليل من القوت نمسك به تلك الصبابة التي أبقتها خطوب الأيام ورزاياها من أعظمنا وجلودنا, ولبثت أترقب رجع الكتاب كما يترقب الغريق سواد السفينة, فإني لجالسة في هذا المقعد أعد على الدهر ذنوبه إلي وسيئاته عندي فلا أفرغ من عقد إلا إلى عقد, ولا أنتهي إلا إلى حيث أبتدئ وقد جلست طفلتي بين يدي أتطلع إلى وجهها الساطع في ظلمات تلك الخطوب كما يتطلع الملاح في ظلماته إلى نجمة القطب إذا هجم علي ذلك الظالم الجبار فاختطف ابنتي من بين يدي من حيث لا أملك دفعا لما نابني, ولا أجد ما أذود به عن نفسي إلا زفرات لا يسمعها سامع وعبرات لا يرحمها راحم، فشعرت كأن أسهم الدهر التي كانت تروغ ههنا وههنا قد أصابت في هذه المرة المقتل, فبت ليلتي تلك كما يجب أن تبيت امرأة بائسة معدمة فجعها الدهر في نفسها بعد أن فجعها في زوجها وأبيها وولدها, فأصبحت لا تجد أمامها يدا تنبسط

стр. 557

إليها ولا عينا تبكي عليها، وقد مر بي بعد ذلك نيف وعشرون ليلة لا يرقأ لي دمع ولا يهدأ بي مضجع، حتى إذا اختلست من يد الظلام نعسة تراءت لي الفتاة كأنها في فراشها مريضة تهتف باسمي, وكأن أباها يوسعها ضربا وتعذيبا وكأنني أحاول أن أستنقذها فلا أجد إليها سبيلا، وها أنا ذا أشعر أن سحابة الموت السوداء تغشّي على بصري, وأنني مفارقة هذا العالم قبل أن أنظر إلى فتاتي نظرة أتزودها في سفري إلى تلك الدار. وما وصلت من حديثها إلى هذا الحد حتى جرضت بريقها وحشرجت أنفاسها وشطر بصرها فجثوت عند سريرها أدعو لها الله أن يعينها على أمرها, ويمدها برحمته وإحسانه، فإني لكذلك وقد استغرقت في هذا المشهد الذي بين يدي استغراق العابد في هيكله إذ رأيت في خلال الدموع التي كانت تزدحم في عيني شبحا منتصبا عند باب الغرفة, فتأملته فإذا رجل يحمل بين يديه فتاة صغيرة فتقدمت إليه فرأيته خاشعا مستكينا ينظر إلى تلك التي يحملها نظرات الوجد والرحمة, ورأيت الفتاة كأنها خرقة بالية ملقاة لا يتحرك لها عضو, ولا ينبض منها عرق فقلت: من أنت وماذا تريد؟ قال: أنا زوج هذه المرأة ووالد هذه الفتاة، قلت: لعلك جئت تستغفر هذه البائسة المسكينة من ذنبك إليها في التفريق

стр. 558

بينها وبين ابنتها، قال: يا سيدي, ما زالت الفتاة منذ فارقت أمها تبكي عليها بكاء مرا, وتهتف باسمها في يقظتها ونومها حتى سقطت مريضة لا ينفعها طب ولا ينجع فيها دواء، فلما رأيت أنها وصلت إلى الحالة التي تراها جئت بها إلى أمها, أرجو أن تجد بين ذراعيها شفاء من دائها، قلت: ذلك موكول إلى القضاء ولا يعلم الغيب إلا الله، ثم تقدمت نحو الفتاة فرأيتها تجود بنفسها فاحتملتها برفق حتى وضعتها بين ذراعي أمها, فما هو إلا أن هتفت الفتاة بأمها والأم بفتاتها حتى فاضت نفساهما معا, كأنما كانتا من الردى على ميعاد. الآن وقد عدت من دفن الشهيدتين وجلست لكتابة هذه السطور, أشعر أني لا أكاد أمسك قلمي من الاضطراب, ولا مدمعي عن الانفجار حزنا على تلك البائسة المسكينة, لا بل حزنا على جميع البائسات من النساء اللواتي يقتلهن الرجال كل يوم صبرا من حيث لا يجدن راحما يأخذ بأيديهن، ولا ثائرا يثأر لهن.

стр. 559

الدعاء: وهو ملخص قصيدة لفيكتور هيجو بتصرف. قومي يا بنية إلى الصلاة, فقد نزل ستار الليل ودبّ الشفق الأحمر في حاشية الأفق, وأطلت عيون الكواكب من فروج السحب, وأجرى البدر المنير ليقته الفضية البيضاء على صفحة النهر, ومسحت أيدي النسائم المبتلة بندى الليل عن أوراق الأشجار غبار النهار. قومي يا بنية إلى الصلاة, فقد مات النهار وماتت بموته الآلام والأحزان, والأحقاد والأضغان, والمظالم والمآثم, ولم يبق من تلك الأعاصير والزوابع ما يعترض وفد الدعاء، في طريقه إلى أبواب السماء. قومي يا بنية إلى الصلاة, فقد أوى الناس إلى منازلهم والطيور إلى وكناتها والوحش إلى أوجرته, وأخذت الطبيعة مكانها من مرقدها ولم يبق من أصواتها إلا أنين الراحة المتمثل في رنين هذه المركبة المقبلة في جوف الليل, وجؤار هذه السائمة العائدة

стр. 560

من حقولها, وهدير تلك الرياح الضاربة في ذوائب الأشجار ورءوس الأبراج. قومي يا بنية إلى الصلاة, فقد جاءت الساعة التي يجثو فيها الأطفال حول أسرتهم حفاة الأقدام عراة الرءوس شواخص الأبصار يطلبون الرحمة من الله تعالى لآبائهم وأمهاتهم وللناس أجمعين, فترن أصواتهم في الملأ الأعلى رنين نغمات الموسيقى في أجواف الفضاء, فيرددها الملائكة طائرين بها إلى عرش الرحمن، فإذا فرغوا من دعائهم وقضوا حق الله عندهم وحقهم عند أنفسهم ذهبوا إلى مضاجعهم, وناموا نوما هادئا مطمئنا تتطاير فيه الأحلام الجميلة حول ثناياهم الباسمة كما تتطاير أسراب النحل حول أحواض الأزهار. قومي يا بنية إلى الصلاة, واطلبي الرحمة لتلك التي التقطت ذرتك الأولى من عالمها ثم اتخذت لك من حنايا ضلوعها سريرا قبل سريرك, ومن أحشائها مهادا قبل مهادك, والتي قدم لها الدهر كأسي شقائه ونعيمه, فشربت الأولى وآثرتك بالأخرى. اطلبي لها الرحمة؛ فإنها كانت بيضاء القلب صافية النفس, تحب من لا يحبها وترحم من لا يرحمها, وتبتسم ابتسامة عذبة رائقة لا تمازجها ريبة, وتمد يدها إلى اجتناء كل ثمرة إلا ثمرة الشجرة

стр. 561

المنهي عنها، وكانت تقف أمام مسرح الحياة الحافل بالزخارف والتهاويل وقفة المتريث المرتاب الذي يتهم سمعه وبصره, وتنظر إليه نظر الحكيم العاقل الذي يعلم أن السعادة الكاذبة أمر مذاقا في الأفواه من الشقاء الصادق، وأن هؤلاء الذين يضحكون سرورا بهذه الصورة الخيالية لا يعلمون أنهم يبكون من حيث لا يشعرون، وأن أولئك الجالسين حول مائدة الشهوات إنما يقامرون بأنفسهم ولا بد أنهم خاسرون، فتغض بصرها وتشيح بوجهها وتعود أدراجها بقلب غير مخدوع، وفؤاد غير مصدوع. اذكري يا بنية أن تطلبي الرحمة لأبيك كما تطلبينها لأمك, فهو أحوج إليها منها؛ لأن الخطايا قد أثقلت ظهره فأصبح لا يستطيع أن يرفع رأسه إلى السماء، وغلت يده فلا يستطيع أن يمدها إلى الله بالدعاء. إنني أشعر يا بنية حينما أسمع دعاءك لي كأنني أسمع صوت انفصام القيود عن قدميَّ, وكأن سحابة سوداء تنقشع عن قلبي قليلا قليلا, وكأن جناحي المهيض قد نبت له ريش ناعم جميل أحاول أن أطير به إلى أعالي السماء. اطلبي الرحمة لجميع الآباء العائدين إلى منازلهم تحت ستار الظلام

стр. 562

بدموع منهلة وقلوب واجمة بعد أن سايروا الشمس من مشرقها إلى مغربها, فلم يجدوا ما يمسحون به دموع أبنائهم حينما يعودون إليهم. اطلبي الرحمة لجميع الأمهات الجالسات حول أسرّة أبنائهن المرضى, وقد خفقت قلوبهن وحارت أبصارهن مخافة أن يذقن مرارة الثكل, والثكل كثير على قلوب الأمهات. اطلبي الرحمة للبخيل الذي يجيع بطنه ويشبع صندوقه, والأحمق الذي يبتسم للمعان الحرير في صدره والذهب في أصابعه, والقاضي الذي يبرئ القاتل المتعمد ويدين السارق المضطر, والملك الذي يشعل نار الحرب في أمته ليطفئ نار غضبه, والظالم الذي لا يحاسب نفسه على ليلة سوء يقضيها خارج بيته ويحاسب زوجته على ابتسامة كرم تبسمها لغيره وسائر البؤساء الذين لا يشعرون ببؤسهم والأشقياء الذين يظنون أنهم سعداء. اطلبي الرحمة لأولئك الذين عمروا الأرض وبنوا دورها وشادوا قصورها وزخرفوا سهولها وجبالها وأغوارها وأنجادها, فجازتهم سوءا بما عملوا وابتلعتهم في جوفها, فأصبحوا في تلك الحفرة المظلمة المخيفة التي تختلط فيها الرءوس بالأقدام والقوادم بالخوافي والنعال بالتيجان, والتي ينطوي فيها كل قديم تحت كل حديث انطواء اللجج المتراكبة في البحر العميق يتألمون ولا ينطقون

стр. 563

ويستصرخون فلا يجدون من يسمع نداءهم, أو يلبي دعاءهم. اطلبي الرحمة لهم, فإن الدعاء الخالص يستحيل في أنظارهم إلى روضة من رياض الجنان تنبت فوق أجداثهم, فتمد إليهم ظلالها وتنثر بينهم أوراقها وأزهارها, واركعي فوق التربة التي يئنون تحتها, واسقيها من دموعك قطرات باردة تبلّ غلتهم وتطفئ جذوة الندم المتوقدة في أحشائهم؛ إنهم إلى الرحمة محتاجون، وإلى الله راغبون. اطلبي الرحمة للأبرار والفجار, والعصاة والطائعين, والمؤمنين والملحدين, وكل دارجة في الأرض وكل سانحة في السماء, ولا تيأسي أن يستجيب الله دعاءك؛ فلكل بداية نهاية ولكل سائلة قرار، فكما أن النهر يتسرب إلى البحر والطائر يقع على الغصن والشمس تجري لمستقرها والنفس تصعد إلى عالمها كذلك أبواب السماء، مفتحة لخالص الدعاء.

стр. 564

ليلة في التمثيل: من أراد أن يعرف الأخلاق العامة المصرية كما هي فليزر دار التمثيل العربي؛ فإنه يرى هنالك ما تفرّق من أخلاق هذه الأمة وغرائزها وميولها وأهوائها مجتمعا في بقعة واحدة. زرتُ تلك الدار ليلة أمس وكثيرا ما أزورها؛ لأني أحب التمثيل حبا يكاد يساوي حبي للشعر والموسيقى والجمال، فبدا لي أن أكون في تلك الليلة فيلسوفا أكثر مني متفرجا، أي أن أكون متفرجا على المتفرجين، ومطلعا على المطلعين، فكانوا جميعا يشاهدون ملعبا واحدا وكنت أشاهد وحدي ألف ملعب, لا يقل كل واحد منها عن ملعبهم غرابة وإبداعا. كان الزحام في تلك الليلة شديدا؛ لأن الأدباء يعجبهم من رواية روميو وجوليت ذلك الأسلوب الفصيح والترتيب البديع الذي انفرد به المرحوم الشيخ نجيب الحداد من بين كتاب الروايات ومترجميها، ولأن العاشقين يهمهم منها أن يروا فيها مواقف العناء والشقاء التي وقفها روميو وجوليت ليتخذوا منها لأنفسهم

стр. 565

تعزية عما يلاقونه في أمثال هذه المواقف من عناء وشقاء، ولأن النساء يطربهن منها منظر جوليت وهي قتيلة مخضبة بدمها ليجدن السبيل إلى الشماتة بها, والسخرية بضعف حيلتها وعجزها الذي كان سببا في حرمانها من سعادتها وحياتها، فكأنهن يقلن لها: لو كنا مكانك أيتها الفتاة الحمقاء لما بذلنا حياتنا في سبيل رجل لا يفوتنا حظنا من غيره إن فاتنا حظنا منه. وبالجملة: فقد كان أصحاب الأغراض المختلفة في هذه الرواية كثيرين جدا, وكانوا إذا اشتركوا في هتاف أو تصفيق دوى لهم في أرجاء القاعة صوت يصدع الرءوس ويؤثر في أعصاب السمع تأثيرا سيئا، فكنت إذا شرع المغني في نشيد وترقب الناس النغمة الأخيرة بتشوُّق وتلهف ترقبتُها بخوف وجزع؛ لأني لا أحب أن تكون آخر نغمة أسمعها في حياتي. رأيت فيما رأيت في ذلك المعرض العام أن عامة المصريين يحبون التصفيق حبا جما, ويتهالكون وجدا عليه. رأيت من كان يصفق حتى تحمرَّ كفاه وتكادا تبضان دما, ومن كان يضرب الأرض بقدميه حتى يكاد يجمد الدم في عروقهما. رأيت ملكة التقليد آخذة من نفوسهم مأخذها؛ لأنهم
следующие страницы →