← Адаб

Адаб · id 11400

النظرات

المنفلوطي

Полный текст (1 016 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

المنهي عنها، وكانت تقف أمام مسرح الحياة الحافل بالزخارف والتهاويل وقفة المتريث المرتاب الذي يتهم سمعه وبصره, وتنظر إليه نظر الحكيم العاقل الذي يعلم أن السعادة الكاذبة أمر مذاقا في الأفواه من الشقاء الصادق، وأن هؤلاء الذين يضحكون سرورا بهذه الصورة الخيالية لا يعلمون أنهم يبكون من حيث لا يشعرون، وأن أولئك الجالسين حول مائدة الشهوات إنما يقامرون بأنفسهم ولا بد أنهم خاسرون، فتغض بصرها وتشيح بوجهها وتعود أدراجها بقلب غير مخدوع، وفؤاد غير مصدوع. اذكري يا بنية أن تطلبي الرحمة لأبيك كما تطلبينها لأمك, فهو أحوج إليها منها؛ لأن الخطايا قد أثقلت ظهره فأصبح لا يستطيع أن يرفع رأسه إلى السماء، وغلت يده فلا يستطيع أن يمدها إلى الله بالدعاء. إنني أشعر يا بنية حينما أسمع دعاءك لي كأنني أسمع صوت انفصام القيود عن قدميَّ, وكأن سحابة سوداء تنقشع عن قلبي قليلا قليلا, وكأن جناحي المهيض قد نبت له ريش ناعم جميل أحاول أن أطير به إلى أعالي السماء. اطلبي الرحمة لجميع الآباء العائدين إلى منازلهم تحت ستار الظلام

стр. 562

بدموع منهلة وقلوب واجمة بعد أن سايروا الشمس من مشرقها إلى مغربها, فلم يجدوا ما يمسحون به دموع أبنائهم حينما يعودون إليهم. اطلبي الرحمة لجميع الأمهات الجالسات حول أسرّة أبنائهن المرضى, وقد خفقت قلوبهن وحارت أبصارهن مخافة أن يذقن مرارة الثكل, والثكل كثير على قلوب الأمهات. اطلبي الرحمة للبخيل الذي يجيع بطنه ويشبع صندوقه, والأحمق الذي يبتسم للمعان الحرير في صدره والذهب في أصابعه, والقاضي الذي يبرئ القاتل المتعمد ويدين السارق المضطر, والملك الذي يشعل نار الحرب في أمته ليطفئ نار غضبه, والظالم الذي لا يحاسب نفسه على ليلة سوء يقضيها خارج بيته ويحاسب زوجته على ابتسامة كرم تبسمها لغيره وسائر البؤساء الذين لا يشعرون ببؤسهم والأشقياء الذين يظنون أنهم سعداء. اطلبي الرحمة لأولئك الذين عمروا الأرض وبنوا دورها وشادوا قصورها وزخرفوا سهولها وجبالها وأغوارها وأنجادها, فجازتهم سوءا بما عملوا وابتلعتهم في جوفها, فأصبحوا في تلك الحفرة المظلمة المخيفة التي تختلط فيها الرءوس بالأقدام والقوادم بالخوافي والنعال بالتيجان, والتي ينطوي فيها كل قديم تحت كل حديث انطواء اللجج المتراكبة في البحر العميق يتألمون ولا ينطقون

стр. 563

ويستصرخون فلا يجدون من يسمع نداءهم, أو يلبي دعاءهم. اطلبي الرحمة لهم, فإن الدعاء الخالص يستحيل في أنظارهم إلى روضة من رياض الجنان تنبت فوق أجداثهم, فتمد إليهم ظلالها وتنثر بينهم أوراقها وأزهارها, واركعي فوق التربة التي يئنون تحتها, واسقيها من دموعك قطرات باردة تبلّ غلتهم وتطفئ جذوة الندم المتوقدة في أحشائهم؛ إنهم إلى الرحمة محتاجون، وإلى الله راغبون. اطلبي الرحمة للأبرار والفجار, والعصاة والطائعين, والمؤمنين والملحدين, وكل دارجة في الأرض وكل سانحة في السماء, ولا تيأسي أن يستجيب الله دعاءك؛ فلكل بداية نهاية ولكل سائلة قرار، فكما أن النهر يتسرب إلى البحر والطائر يقع على الغصن والشمس تجري لمستقرها والنفس تصعد إلى عالمها كذلك أبواب السماء، مفتحة لخالص الدعاء.

стр. 564

ليلة في التمثيل: من أراد أن يعرف الأخلاق العامة المصرية كما هي فليزر دار التمثيل العربي؛ فإنه يرى هنالك ما تفرّق من أخلاق هذه الأمة وغرائزها وميولها وأهوائها مجتمعا في بقعة واحدة. زرتُ تلك الدار ليلة أمس وكثيرا ما أزورها؛ لأني أحب التمثيل حبا يكاد يساوي حبي للشعر والموسيقى والجمال، فبدا لي أن أكون في تلك الليلة فيلسوفا أكثر مني متفرجا، أي أن أكون متفرجا على المتفرجين، ومطلعا على المطلعين، فكانوا جميعا يشاهدون ملعبا واحدا وكنت أشاهد وحدي ألف ملعب, لا يقل كل واحد منها عن ملعبهم غرابة وإبداعا. كان الزحام في تلك الليلة شديدا؛ لأن الأدباء يعجبهم من رواية روميو وجوليت ذلك الأسلوب الفصيح والترتيب البديع الذي انفرد به المرحوم الشيخ نجيب الحداد من بين كتاب الروايات ومترجميها، ولأن العاشقين يهمهم منها أن يروا فيها مواقف العناء والشقاء التي وقفها روميو وجوليت ليتخذوا منها لأنفسهم

стр. 565

تعزية عما يلاقونه في أمثال هذه المواقف من عناء وشقاء، ولأن النساء يطربهن منها منظر جوليت وهي قتيلة مخضبة بدمها ليجدن السبيل إلى الشماتة بها, والسخرية بضعف حيلتها وعجزها الذي كان سببا في حرمانها من سعادتها وحياتها، فكأنهن يقلن لها: لو كنا مكانك أيتها الفتاة الحمقاء لما بذلنا حياتنا في سبيل رجل لا يفوتنا حظنا من غيره إن فاتنا حظنا منه. وبالجملة: فقد كان أصحاب الأغراض المختلفة في هذه الرواية كثيرين جدا, وكانوا إذا اشتركوا في هتاف أو تصفيق دوى لهم في أرجاء القاعة صوت يصدع الرءوس ويؤثر في أعصاب السمع تأثيرا سيئا، فكنت إذا شرع المغني في نشيد وترقب الناس النغمة الأخيرة بتشوُّق وتلهف ترقبتُها بخوف وجزع؛ لأني لا أحب أن تكون آخر نغمة أسمعها في حياتي. رأيت فيما رأيت في ذلك المعرض العام أن عامة المصريين يحبون التصفيق حبا جما, ويتهالكون وجدا عليه. رأيت من كان يصفق حتى تحمرَّ كفاه وتكادا تبضان دما, ومن كان يضرب الأرض بقدميه حتى يكاد يجمد الدم في عروقهما. رأيت ملكة التقليد آخذة من نفوسهم مأخذها؛ لأنهم

стр. 566

ما كانوا يصفقون في مواقف الاستحسان جميعا بل كان يبتدئ أحدهم فيقلده الجالسون حوله, ثم يسري التصفيق تدريجيا بين الجميع، ولقد رأيت من استغرق في الضحك حتى كاد يسقط عن كرسيه ثم سمعته يسأل بعد ذلك جليسه: مم تضحكون؟ ولقد كنت أحسب أنهم لا يصفقون إلا في مواطن الاستحسان كما هو الشأن في ذلك, فإذا هم يصفقون لكل مشهد من المشاهد المؤثرة مفرحا كان أو محزنا, هزلا أو جدا, فصفقوا لمنظر جوليت وهي تتجرع السم, وصفقوا لمنظر روميو وهو يتحرق وجدا حينما فاجأه الخبر بموتها. أما النساء فملأن خدورهن ضحكا عندما سقط روميو قتيلا, ولا أعلم لذلك سببا إلا أن تكون عداوة الجنسية وحب الانتقام. أما آداب الاستماع فلا تسل عنها؛ لأنك لا ترى في جوابي ما يسرك، وأي منظر يروقك من مجتمع ما اجتمع في مثل هذا المكان إلا للاستماع ثم لا ترى بينه إلا مصفقا أو هاتفا أو راكضا أو ضاحكا أو صارخا أو مصفرا أو ماضغا أو متكلما، وكان يكون ذلك هينا لو وقع بين الفصل والفصل أو المنظر والمنظر أو الجملة والجملة, ولكنه يقع مطردا حيثما اتفق, وكيفما بدا.

стр. 567

وبعد, فقد استنتجت من منظر ذلك المعرض العام أن للجمهور المصري ثلاثة أخلاق هي ألزم من ظله وألصق به من نفسه: يحب التقليد ويحب الهزل ولا يستطيع أن يصبر عن إظهار ما تتأثر به نفسه من حزن, وسرور لحظة واحدة.

стр. 568

الكوخ والقصر: أنا إن كنت حاسدا أحدا على نعمة فإني أحسد صاحب الكوخ على كوخه قبل أن أحسد صاحب القصر على قصره، ولولا أن للأوهام سلطانا على النفوس لما سجد الفقراء بين أيدي الأغنياء، ولا ورم أنف الأغنياء أن يتخذهم الفقراء أربابا من دون الله. أنا لا أغبط الغني على غناه إلا في موطن واحد من مواطنه, فأغبطه إن رأيته يشبع الجائع ويواسي الفقير ويعود بالفضل من ماله على اليتيم الذي سلبه الدهر أباه والأرملة التي فجعها القدر في عائلها ويمسح بيده دمعة البائس والمحزون؛ ثم أرثي له بعد ذلك في جميع مواطنه الأخرى. أرثي له إن رأيته يتربص بالفقير وقوع الضائقة به ليدخل عليه مدخل الشيطان من قلب الإنسان, فيمتص الثمالة الباقية له من ماله ليسد في وجهه باب الأمل، وأرثي له إن رأيته يعتقد أن المال هو منتهى الكمال الإنساني, فيرغب عن الفضائل

стр. 569

والكمالات؛ لأنه يظن أنه قد كفي مئونة السعي إليها، وأرثي له وأبكي على عقله إن مشى الخيلاء، وطاول بعنقه السماء، وسلم بإيماء الطرف وإشاره الكف، ومشى في طريقه يخزر عينيه خزرا ليرى هل سجد الناس لمشيته، أو صعقوا من هيبته، وأرحمه الرحمة كلها إن عاش شحيحا مقترا على نفسه وعياله, بغيضا إلى قومه وأهله, ينقمون عليه حياته ويستبطئون أجله. أما الفقير فهو عندي أسعد الناس عيشا, وأروحهم بالا إلا إذا كان جاهلا ضعيفا مخدوعا يملك الوهم عليه مشاعره, فيظن أن الغني أسعد منه حظا وأرغد عيشا وأثلج صدرا, فيحسده على تلك السعادة التي يزعمها له, فيجلس في كسر بيته جلسة الكئيب المحزون يصعد الزفرة فالزفرة، ويرسل الدمعة أثر الدمعة، ولولا جهله وضعف قلبه لعلم أن رُبَّ صاحب قصر باذخ يتمنى كوخ الفقير وعيشه, ويرى أن ذلك السراج من الزيت أسطع ذبالا وأكثر لألاء من أنوار الشموع وباقات الكهرباء التي تأتلق بين يديه, وأن تلك الحشية من الأديم أو الوبر أنعم ملمسا وألين مضجعا من وسائد الحرير, ونضائد الديباج. لقد بلغ التسفل وضعف النفس بكثير من الناس أنهم

стр. 570

يحفلون بشأن الأغنياء؛ لأنهم أغنياء وإن كانوا لا ينالون منهم ما يبل غلة أو يسيغ غصة، وليت شعري إن كان لا بد لهم من إجلال المال, وإعظامه لذاته فما لهم لا يقبّلون أيدي الصيارفة ولا ينهضون إجلالا للكلاب المطوقة أعناقها بأطواق الذهب, وهم يعلمون ألا فرق بين هؤلاء وهؤلاء. لو عامل الفقراء بخلاء الأغنياء بما يجب أن يعاملوا به, لوجدوا أنفسهم في وحشة من أنفسهم وأموالهم، ولشعروا أن بدرات الذهب أساود ملتفة على أرجلهم وأغلال آخذة بأعناقهم, ولعلموا أن الشرف في كمال الأدب لا في رنين الذهب، وفي جلائل الأعمال لا في أحمال المال. فليعظم الناس الكرماء وليحتقروا الأغنياء، وليعلموا أن الشرف شيء وراء الغنى والفقر، والسعادة أمر وراء الكوخ والقصر.

стр. 571

حول سير الموت ... حول سرير الموت: مررت منذ سنوات على باب منزل في أحد أزقة القاهرة, فرأيت حوله مجتمعا حافلا تصطك فيه الأقدام بالأقدام وتمتزج فيه الأنفاس بالأنفاس, وقد تخلله قوم من رجال الشرطة وسمعت قائلا يقول: "قبح الله الانتحار" وآخر يقول: "أحسبه شابا غريبا؛ لأني لم أر عينا تدمع عليه" فعرفت مجمل القصة, وأن في هذا المنزل شابا غريبا منتحرا, وأن هذا الحادث سبب هذا الاجتماع. لم أقنع بالإجمال فأحببت معرفة التفصيل, فحاولت الدخول إلى المنزل فما استطعت فتريثت حتى جاء ضابط أعرفه من ضباط البوليس فدخلت معه. وهناك رأيت على سرير الموت شابا في نحو العشرين من عمره, رقيق الجسم أصفر اللون, لم تستطع يد الموت أن تمحو كل آثار جماله, بل بقيت منه بعد الموت بقية كتلك البقية من الرائحة العطرة التي يستنشقها الإنسان في الزهرة الذابلة. اهتم الضابط بملابسه لعله يجد فيها ما يدل عليه أو على

стр. 572

سبب انتحاره, واهتم الطبيب بالميت ليعرف علة موته, وجلست بجانبه جلسة الكئيب المحزون أفكر في مصيبته وأندب شبابه وجماله, فلمحت حول السرير أوراقا منثورة فجمعتها, ووضعتها في محفظتي من حيث لا يشعر الضابط ولا الطبيب. قرر الطبيب أنه منتحر بشرب سائل سام, وقرر الضابط نقل جثته إلى المستشفى, فنقلت وانفض الجمع المزدحم ثم لم أعد أعلم بعد ذلك من أمره شيئا. خلوت بنفسي والأوراق فنثرتها فرأيتها مجموعة خواطر عاشق تناول كأس الحب بيده, فارتشف منها الجرعة الأولى فوجدها حلوة المذاق, فاستمر في شأنه يشرب ولا يرفع الكأس عن فمه فلم يشعر بالمرارة المتجددة في الجرعات الأخرى حتى أتى على آخر جرعة, فإذا هي السم الناقع الذي قتله وذهب بحياته. قرأت تلك المفكرات فبكيت بكاء رحمت نفسي منه, ثم طويتها وألقيت بها في بطون الأعوام وبين ودائع الأيام. وبينا أنا أقلب أوراقي ليلة أمس إذ عثرت بها في ملف صغير قد اصفر لونه لتقادم العهد عليه كما يصفر الكفن حول الجثة البالية, فشعرت برعدة تتمشى في أعضائي حينما تخليت أنها في هذا السفط شبح كاتبها في ذلك القبر.

стр. 573

ثم عدت إلى نفسي فنشرتها للمرة الثانية, وأعدت قراءتها فرأيت قلب العاشق مرسوما فيها رسما صحيحا في حالي سعادته وشقائه، وها أنا أنشرها في الناس لتكون عبرة يعتبر بها المخاطرون بقلوبهم في هذا السبيل, سبيل الحب القاتل. ١- رأيتها فأحببتها وما كنت أعرف الحب من قبلها. كان قلبي في ظلام حالك لا يرى حتى نفسه, فلما أشرق فيه الحب أشرقت فيه شمس ساطعة منيرة لها من الشمس نورها وجمالها, وليس لها منها حرارتها ولذعاتها. كنت أشعر كأن قلبي في صحراء هذه الحياة وحيد موحش لا يعرف القلوب أو يعرفها ثم ينكرها، فلما أحببت رأيت بجانب قلبي قلبا لاصقا به يخفق لخفقانه, ويتحرك بحركته فكنت أجد بين جوانحي من السرور والهناء, واللذة والاغتباط ما لو قسم على القلوب جميعها ما خالطها حزن ولا مسَّها ألم. كنت أسمع باسم السعادة, ولا أفهم معناها غير أني كنت أسمعهم إذا ذكروها ذكروا بجانبها القصر والحديقة والفضة والذهب والسلطة والجاه والشهرة والصيت، فلما أحببت اعتقدت ألا سعادة غير الحب, وأيقنت أن الناس جميعا يطلبون سعادة

стр. 574

الأجسام لا سعادة الأرواح، فمثلهم كمثل الدفين المكفّن بالحرير والديباج, وباطنه مسرح الدود ومرتع الهوام والحشرات. ٢- أحببتها قبل أن أعرفها, أو أعرف شأنا من شئونها سوى أنها تحبني فكأني ما منحتها قلبي إلا لأنها منحتني قلبها وهو ثمن قليل في جانب هذه المنحة الغالية التي ما كنت أحدث نفسي بها, ولا كانت تستطيع أن تمثلها في عيني خواطر الأماني, ولا سوانح الأحلام. عشتُ دهرا طويلا بين أقوام لا يعنيهم أمري ولا يهمهم شأني, وذقت من آلام الحياة وشقاء العيش ما لا يستطيع أن يتحمله بشر, فسمعت من يسألني: كيف حالك ومن يقول لي: ما أشد جزعي لمصابك ومن يتباكى رحمة بي وحنانا علي, ولكن لم أر بجانبي عينا تدمع ولا قلبا يخفق. رأيت من يحب جمالي كما يحب تمثالا متقن الصنع, ورأيت من يحب مالي كما يحبه في كيسه أو خزانته, ورأيت من يعجب بحديثي كما يعجب برواية بديعة, ولكن لم أر في حياتي من يحبني. أما اليوم, فقد وجدت بجانبي القلب الذي يخفق لأجلي, والعين التي تدمع علي, والنفس التي تحبني لا لشيء سواي، فقليل لها

стр. 575

مني أن أمنحها حياتي, فكيف أبخل عليها بقلبي؟! ٣- خلوت بها للمرة الأولى, فحدثتني نفسي أن أمد يدي إلى يدها فأضعها على صدري لأطفئ بها غلتي, فما لمستها حتى نظرت إلي نظرة العاتب اللائم، وقالت: كن رجلا في حبك, واترك الطفولة لغيرك. إن كنت تحبني لنفسي فها أنت قد ملكتها علي وأحرزتها دوني حتى لا أعرف لي فيها مأربا, وإن كنت تحبني لهذه الصورة الجثمانية فما أضعف همتك, وما أصغر نفسك. أتذرف دمعك وتسهر ليلك وتذيب حبة قلبك من أجل عظمة تلمسها, أو جلدة تلثمها. أنت شريف في نفسك فكن شريفا في حبك، واعلم أني ما أحببت غير نفسك فلا تحب غير نفسي. ما وصلت من حديثها إلى هذا الحد حتى رأيتني قد صغرت في عين نفسي, وتمنيت أن لو عجل إلي أجلي قبل أن يمر هذا الخاطر الفاسد في ذهني, ثم استوهبتها ذنبي فوهبته لي وما عدت من بعدها إلى مثلها.

стр. 576

٤- الآن عرفت مبلغ عظتها وفضل هدايتها ومقدار ما يبلغه الحب الشريف من النفس، فها أنا أشعر كأن نفسي المرآة التي يغشاها الصدأ, وكأن الحب صيقل يصقلها فيجلو صفحتها شيئا فشيئا. كنت أحمل بين جوانحي لأعدائي ضغنا وحقدا, فأصبحت لا أشعر بما كنت أشعر به من قبل؛ لأن الحب ملك علي قلبي, واستخلصه لنفسه فلم يترك فيه مجالا لشيء سواه. كنت ضيق الصدر إن مسني ضر سريع الغضب, إن فاتني مأرب فأصبحت فسيح رقعة الحلم لا يستفزني غضب ولا يحرجني محرج؛ لأني قنعت بسعادة الحب فأغفلت بجانبها جميع أنواع السعادة. كنت شديد القسوة متحجر القلب, لا أعطف على بائس ولا أحنو على ضعيف, فأصبحت أشعر بالمصيبة أراها تصيب غيري وأتألم لبؤس البائسين وحزن المحزونين؛ لأن الحب أشرق في قلبي فملأه نورا, فارتفع ذلك الستار الذي كان مسبلا بينه وبين القلوب. وبالجملة كنت وحشا ضاريا أعيا العالمين رياضته, فصرت بين يدي الحب الشريف إنسانا شريفا, وملكا كريما.

стр. 577

٥- خرجت بها الليلة إلى شاطئ النهر وكان الماء رائقا والسماء صافية, وفي كل منهما نجوم وكواكب تتلألأ في صفحته, فاختلط علينا الأمر حتى ما نفرق بين الأصل والمرآة, ولا ندري أين مكان الماء من مكان السماء. فمشينا طويلا لا يكلم أحدنا صاحبه كأن سكون الليل سرى إلى أفئدتنا, وملأ ما بين جوانحنا فأمسكنا عن الحديث هيبة وإجلالا. وكنت أشعر في تلك الساعة بخفة في جسمي, وصفاء في نفسي حتى كان يخيل إلي أني لو شئت أن أطير عن وجه الأرض لطرت بغير جناح, وأني أستطيع أن أخترق بنظري حجاب السماء وأنفذ إلى الملأ الأعلى, فأرى هنالك ما هو محجوب عن نظر الناس أجمعين، وحتى صرت أتمنى أن يضل النجم سبيله فلا يهتدي إلى أفقه, وأن يتلفع الليل بردائه فلا يعثر به فجره, وأن تستمر مشيتنا هذه ما ضل النجم وما دام الظلام. فالتفت إليها وسألتها: هل تشعر بالسعادة التي أشعر بها؟ قالت: لا؛ لأني أعرف من شئون الأيام وأطوارها غير

стр. 578

ما تعرف، ولأني لا أنظر إلى الدنيا بالعين التي تنظر بها إليها. أنت سعيد بالأمل, وأنا شقية بالحقيقة الواقعة. إنك سعيد لأنك تظن أن سعادتك دائمة لا انقطاع لها، وأنا شقية لأني أتوقع في كل ساعة زوالها وفناءها. إن استطعت أن تقف الشمس في كبد السماء, وأن تحول بين الأرض ودورانها, وأن تمنع الساكن أن يتحرك والمتحرك أن يسكن فاضمن لنفسك استمرار السعادة وبقاءها. وهنا أمسكت عن الكلام وأطرقت برأسها طويلا, فرأيت مدامعها تنحدر من مقلتيها كأن عقدا وهي سلكه, فانتثرت حباته فبكيت لبكائها وقلت: لم تبكين؟ قالت: من خوف الفراق، قلت: فراق الحياة أو فراق الممات؟ قالت: لا أريد فراق الحياة, فليس في هذه الكائنات من ناطقها وصامتها ما يمنعني من الوصول إليك ما دام يجمعني وإياك عالم واحد، أنا لا أخاف إلا فراق الموت، قلت: هل لكِ أن نتعاهد أن نعيش معا ونموت معا؟ فتعاهدنا ثم عدنا على أعقابنا والليل يشمر أذياله للفرار من وجه النهار، ثم افترقنا على ميعاد وذهب كل منا لسبيله.

стр. 579

٦- ألا يستطيع هذا الدهر الغادر أن ينام ساعة واحدة عن هذا الإنسان؟ ألا يستطيع أن يسقيه كأسا لا يخالطها كدر, ولا يمازجها شقاء؟ ألا يستطيع أن يمنعه السعادة ما دام يمنحها اليوم ليسلبها غدا؟ إن الإنسان لا يعجز عن احتمال الشقاء الدائم, ولكنه يعجز عن احتمال السعادة المسلوبة. يقولون: إن الأمل حياة الإنسان وما يقتل الإنسان إلا الأمل, فليتني ما سعدت لأنني ما شقيت إلا بسعادتي، وليتني ما أملت لأن اليأس القاتل ما جاء إلا من طريق الأمل الباطل. ماتت الفتاة التي كانت شمس حياتي وأشعة آمالي وينبوع سعادتي وهنائي. ماتت الفتاة التي كانت ملء الدنيا جمالا وبهاء, فمات بموتها كل حي في هذا الوجود. أرى الأرض غير الأرض والسماء غير السماء, وأرى الطير صامتة لا تغرد والغصون ساكنة لا تتحرك, وأرى النجوم آفلة والزهور ذابلة والطبيعة واجمة حزينة لا يفتر ثغرها ولا يتلألأ جمالها, وأرى الدنيا كأنها عادت إلى عصرها الأول لا يسكنها

стр. 580

إنسان، ولا يخطر بها حيوان، وكأنني فيها آدمها يندب جنته, ويشكو وحدته. أيها الدهر الغادر, إن غلبتني عليها فلن تغلبني على نفسي، لك أن تخرج من الدنيا من تشاء وليس لك أن ترد إليها من يخرج منها. ويأيتها النفس الهائمة في سمائها لا تجزعي ولا تعجلي؛ فوالله لأفين بعهدك ولأذهبن عما قليل وحشتك, وليكونن عهدنا في مستقبلنا كعهدنا في ماضينا، فما تعارفنا في العالم الأول إلا بأرواحنا، فلنكن كذلك في العالم الثاني.

стр. 581

غدر المرأة: يقصون في القصص الخرافية أن حكيما من حكماء اليونان كان يحب زوجته حبا ملك عليه عقله وقلبه, وأحاط به إحاطة الشعاع بالمصباح المتقد، وكان يمازج هناءه الحاضر شقاء مستقبل يسوقه إلى نفسه الخوف من أن تدور الأيام دورتها فيموت, ويفلت من أشراكه ذلك القلب الذي كان مغتبطا باعتلاقه إلى صائد آخر يعتلقه من بعده، وكان كلما أبث زوجته سره وشكا إليها ما يساور قلبه من ذلك الهم حنت عليه, وعللته بمعسول الأماني, وأقسمت له بكل محرجة من الأيمان أنها لا تسترد هبة قلبها منه حيا وميتا, فكان يسكن إلى ذلك سكون الجرح الذرب تحت ميزاب الماء البارد ثم يعود إلى هواجسه ووساوسه، حتى مر في بعض روحاته إلى منزله في ليلة من الليالي المقمرة بمقبرة المدينة, فبدا له أن يدخلها ليروح عن نفسه هموم الموت بوقفة بين قبور الموتى، وكثيرا ما يتداوى شارب الخمر بالخمر ويدفع الخوف الخائف إلى مبعث خوفه, ويلذ للجبان وهو يرتعد فرقا الإصغاء إلى حديث الأفاعي

стр. 582

وقصص الجان، فرأى في بعض مسالكه بين تلك القبور امرأة متسلبة جالسة أمام قبر جديد لم يجف ترابه, وبيدها مروحة من الحرير الأبيض مطرزة بأسلاك الذهب تحركها يمنة ويسرة لتجفف بها بلل ذلك التراب، فعجب لشأنها وتقدم إليها فارتاعت لمرآه, ثم أنست به حينما عرفته فسألها: ما شأنها وما مقامها هنا؟ ومن هذا الدفين وما الذي تفعل؟ فأبت أن تجيبه عما سأل حتى تفرغ من شأنها, فجلس إليها وتناول منها المروحة وظل يساعدها في عملها حتى جف التراب, فحدثته أن هذا الدفين زوجها وأنه دفن منذ ثلاثة أيام وأنها منذ الصباح جالسة مجلسها هذا لتجفف تراب قبره وفاء بيمين كانت أقسمتها له في مرض موته أن لا تتزوج من غيره حتى يجف تراب قبره, وأن هذه الليلة هي موعد بنائها بزوجها الثاني, فأبى لها وفاؤها لهذا الدفين الذي كان يحبها ويحسن إليها أن تحنث بيمين أقسمتها له أو تخيس بما عاهدته عليه، ثم قالت له: هل لك يا سيدي أن تقبل هذه المروحة هدية مني إليك, وجزاء لك على حسن صنيعك معي؟ فتقبلها منها شاكرا بعد أن هنأها بزواجها الجديد, ثم انصرف وليس وراء ما به من الهم غاية، ومشى في طريقه مشية الرائح النشوان يحدث نفسه ويقول: إنه أحبها وأحسن

стр. 583

إليها, فلما مات جلست فوق قبره لا لتبكيه ولا لتذكر عهده, بل لتتحلل من يمين الوفاء التي أقسمتها له؛ فكأنها وهي جالسة أمام زوجها الأول تعد عدد الزواج من زوجها الثاني، وكأنما اتخذت من صفائح قبره مرآة تصقل أمامها جبينها, وتصفف طرتها, وتلبس حليتها بين سمعه وبصره للزفاف إلى غيره. وما زال يحدث نفسه بمثل ذلك حتى رأى نفسه في منزله من حيث لا يشعر, ورأى زوجته ماثلة أمامه مرتاعة لمنظره المحزن فقال لها: إن امرأة خائنة غادرة أهدت إلي هذه المروحة فقبلتها منها لأهديها إليك؛ لأنها أداة من أدوات الغدر والخيانة وأنت أولى بها مني، ثم أنشأ يقص عليها قصة المرأة حتى أتى عليها فغضبت وانتزعت المروحة من يده ومزقتها, وأنشأت تسب تلك المرأة وتنعي عليها غدرها وخيانتها وتلقبها بأفحش الألقاب وأقبحها، ثم قالت: ألا يزال هذا الوسواس عالقا بصدرك ما دمت حيا؟ وهل تحسب أن امرأة في العالم ترضى لنفسها بما رضيت به لنفسها تلك المرأة الغادرة؟ فقال لها: إنكِ أقسمت لي ألا تتزوجي من بعدي, فهل تفين بعهدك؟ قالت: نعم ورماني الله بكل ما يرمى به الغادر إن أنا غدرت، فاطمأن لقسمها وعاد إلى راحته وسكونه. مضى على ذلك عام, ثم مرض الرجل مرضا شديدا فعالج

стр. 584

نفسه فلم يجد العلاج حتى أشرف, فدعا زوجته وذكَّرها بما عاهدته عليه, فادّكرت فما غربت شمس ذلك اليوم حتى غربت شمسه، فأمرت أن يسجى في قاعته حتى يحتفل بدفنه في اليوم الثاني ثم خلت بنفسها في غرفتها تبكي عليه وتندبه، وإنها لكذلك إذ دخلت عليها الخادم وأخبرتها أن فتى من تلاميذ مولاها حضر الساعة من بلدته لما سمع بأمر مرضه, وإنها حدثته حديث موته فصعق في مكانه حزنا ووجدا ولا يزال عند باب المنزل مطرحا لا تدري ما تصنع في أمره، فأمرتها أن تذهب به إلى غرفة الأضياف وأن تتولى شأنه حتى يستفيق، ثم عادت إلى بكائها ونحيبها، فلما مر الهزيع الثاني من الليل دخلت عليها الخادم مرة أخرى مرتاعة مولهة وهي تقول: رحمتك وإحسانك يا سيدتي, فإن ضيفنا يعالج من آلامه وأوجاعه عذابا أليما, وقد حرت في أمره وما أحسبه إن أغفلنا أمره ساعة واحدة إلا هالكا، فراعها الأمر فقامت تتحامل على نفسها حتى وصلت إلى غرفة المريض, فرأته مسجى على سريره والمصباح عند رأسه, فاقتربت منه ونظرت في وجهه, فرأت أبدع سطر خطته يد القدرة الإلهية في لوح المقادير, فتخيلت أن المصباح الذي أمامها قبس من ذلك النور المتلألئ في ذلك الوجه المنير, وتمثلت كأن أنينه نغمة موسيقية

стр. 585

محزنة ترنّ في جوف الليل البهيم، فأنساها الحزن على المريض المشرف الحزن على الفقيد الهالك وعناها أمره فلم تترك وسيلة من وسائل العلاج إلا توسلت بها إليه حتى استفاق, ونظر إلى طبيبته الراكعة بجانب سريره نظرة الشكر والثناء، ثم أنشأ يقص عليها تاريخ حياته فعرفت من أمره كل ما كان يهمها أن تعلمه، فعرفت مسقط رأسه وصلته بزوجها وأنه فتى غريب في قومه لا أب له ولا أم ولا زوجة، وهنا أطرقت برأسها ساعة طويلة عالجت فيها من هواجس النفس ونوازعها ما عالجت، ثم رفعت رأسها وأمسكت بيده وقالت له: إنك قد ثكلت أستاذك وأنا ثكلت زوجي فأصبح همنا واحدا, فهل لك أن تكون عونا لي وأن أكون عونا لك على هذا الدهر الذي لم يترك لنا مساعدا ولا معينا؟ فألم بما في نفسها, فابتسم لها ابتسامة الحزن والمضض وقال لها: من لي يا سيدتي أن أكون عند ظنك بي وهذا المرض الذي يساورني, ولا يكاد يهدأ عني قد نغص علي عيشي وأفسد علي حياتي, وقد أنذرني الطبيب باقتراب ساعة أجلي إلا أن تدركني رحمة الله، فاطلبي سعادتك عند غيري فأنت من بنات الوجود وأنا من أبناء الخلود، فقالت له: إنك ستعيش وسأعالجك ولو كان دواؤك بين سحري ونحري، قال: لا تصدقي يا سيدتي, فأنا عالم بدوائي وعالم

стр. 586

بأني لا أجد السبيل إليه، قالت: وما دواؤك؟ فامتنع عليها هنيهة لا يجيبها, فلما أعياه إلحاحها قال: حدثني طبيبي أن شفائي في أكل دماغ ميت ليومه، ولقد علمت أن ذلك يعجزني فأسجلت أن لا دواء لي ولا شفاء، فارتعدت وشحب لونها وأطرقت طويلا ثم رفعت رأسها هادئة ساكنة وقالت: لا أزال أقول لك: إني سأعالجك وإن كان دواؤك في ذهاب نفسي، ثم أمرته أن يأخذ قسطه من الراحة وخرجت من الغرفة متسللة حتى وصلت إلى غرفة سلاح زوجها, فأخذت منها فأسا ثم مشت تختلس خطواتها اختلاسا حتى وصلت إلى غرفة الميت, ففتحت الباب فدار على عقبه وصر صريرا مزعجا, فجمدت في مكانها وقد امتلأ قلبها رعبا وخوفا وذهبت بها الظنون كل مذهب، ثم عادت إلى سكونها فتقدمت لشأنها حتى دنت من السرير ورفعت الفأس وما كادت تهوي بها حتى رأت الميت فاتحا عينيه ينظر إليها, فسقطت الفأس من يدها وسمعت حركة وراءها, فالتفتت فرأت الضيف والخادم واقفين يتضاحكان, ففهمت كل شيء. وهنالك تقدم إليها زوجها وقال لها: أليست المروحة في يد تلك المرأة الغادرة أجمل من الفأس في يدك؟ أليست التي تجفف تراب قبر زوجها بعد دفنه أفضل من التي تكسر دماغه قبل نعيه؟ فصارت تنظر إليه نظرا غريبا, ثم شهقت شهقة كانت فيها نفسها.

стр. 587

الضاد: إذا كان العرب الأولون يعبرون بالرأس عن مئين من الأعضاء والعظام والأعصاب والشرايين, فلم لا نعبر نحن بالضاد عن ثمانية وعشرين حرفا١ ونحن عرب مثلهم تجري في عروقنا دماؤهم كما تجري في عروقهم دماء آبائهم من قبل، فسهمنا في الضاد سهمهم وحقنا فيها حقهم، فلم يضعون الألفاظ للتفاهم والتخاطب ولا نضعها مثلهم لمثل ما وضعوا، وحاجاتنا أكثر من حاجاتهم ومرافقنا أوفر عددا من مرافقهم وأوسع فصولا وأنواعا؟ أين باديتهم الخلاء الجرداء المقفرة المصفرة إلا القليل من الخيام المبعثرة بين معاطن الإبل ومراتع الشاء ومرابض الوحش ومغاور الجن من مدائننا الفاخرة الزاخرة الحافلة بصنوف الموجودات، وأنواع الآلات والأدوات، وغرائب المصنوعات والمنسوجات، وأكثرها مستحدث مستطرف لم تغبرّ في وجهه

стр. 588

عواصف البادية ولم تلوثه الإبل, والأبقار بأبوالها وأرواثها. أليس من الظلم المبين والغبن الفاحش أن تضيق حاجاتهم عن لغتهم فيتفكهوا بوضع خمسمائة اسم للأسد وأربعمائة للداهية وثلاثمائة للسيف ومائتين للحية وخمسين للناقة، وتضيق لغتنا عن حاجاتنا فلا نعرف لأداة واحدة من الآلاف المؤلفة من أدوات المعمل الواحد اسما عربيا إلا قليلا من أمثال المسبر والمبرد والمنشار والمسمار. أيكون لسفينة البر وهي لا تحمل إلا الرجل أو الرجل ورديفه مائتا اسم لها ومئين من الأسماء لأعضائها وأوصالها ورحلها وكورها, ولا يكون لسفينة البحر وهي المدينة المتنقلة في الدأماء قليل من ذلك الحظ الكثير. كان لعرب الجاهلية الأولى مؤتمر لغوي يعقدونه في كل عام بالحجاز بين نخلة والطائف يجتمع فيه شعراؤهم وخطباؤهم يتناشدون ويتساجلون ويتحاورون ويعرضون أنفسهم على قضاة من نوابغهم يوازنون بينهم, ويحكمون لمبرّزهم على مقصرّهم حكما لا يرد ولا يعارض، ولقد شعروا بضرورة عقد هذا المؤتمر عندما أحسوا بتفرق لغتهم بين اليمن والشام ونجد وتهامة لصعوبة التواصل في تلك البقاع وبعد ما بين قاصيها ودانيها، فكان مطمح أنظارهم في ذلك المجتمع توحيد لغاتهم وجمع شتاتها

стр. 589

والرجوع بها جميعها إلى لغة قريش التي هي أفصح اللغات وأقربها مأخذا وأسهلها مساغا وأحسنها بيانا. أيقدر هؤلاء العجزة الضعفاء في جاهليتهم الأولى على ما نعجز عنه نحن؟ ونحن إلى مؤتمرهم أحوج منهم إليه؛ لأن تفرق اللغات في عصرهم لا يمكن أن يبلغ مبلغ تفرقها في عصرنا بين لغات العامة المتباينة ولغة العلماء ولغة الدواوين ولغة القصاصين ولغة الصحافيين. إن كان الجاهليون في حاجة إلى مجتمع لتوحيد اللغات المتفرقة فنحن في حاجة إلى مجتمعات كثيرة: مجتمع لجمع المفردات العربية المأثورة جميعها وشرح أوجه استعمالها الحقيقية والمجازية في كتاب واحد يقع الاتفاق عليه والإجماع على العمل به، ومجتمع دائم لوضع أسماء للمسميات الحديثة سواء كانت أعيانا أو معاني بطريق التعريب أو النحت أو الاشتقاق الكبير أو الصغير، وآخر للإشراف على الأساليب العربية المستعملة وتهذيبها وتصفيتها من المبتذل الساقط والمستغلق النافر والوقوف بها عند الحد الملائم للعصر الحاضر ولأذهان المعاصرين، وآخر للمفاضلة بين الكتاب والشعراء والخطباء, ومجازاة المبرز منهم والمقصر إن خير فخير، وإن شرا فشر.

стр. 590

سياحة في كتاب: أعجب ما أعرف من أمر نفسي أني أحب الجمال خيالا أكثر مما أحبه حقيقة, فيعجبني وصف الروض أكثر مما يعجبني مرآه ولا أطرب لمنظر الفتيات الجميلات طربي لمنظر القصائد الغزليات، وأحب أن أسمع وصف المدن الجميلة وأن أقرأ ما يكتبه الكاتبون عن رياضها ومنازلها وقصورها ودورها وسهولها وبطاحها وأنهارها وجداولها وميادينها وتماثيلها وأنديتها ومجامعها ولا يهمني أن أراها، كأنني أريد أن أستديم لنفسي تلك اللذة الخيالية وأخاف أن تحول الحقيقة بيني وبينها، وأحسب أني لو كنت عاشقا لأصبحت أضحوكة العاشقين وأعجوبة الهازئين والساخرين، وكان يكون مثلي مثل ذلك الرجل الذي أحبَّ امرأة فاستزارها فمانعته حينا ثم زارته, فلما رآها تركها وذهب لينام, فعجبت لشأنه وسألته: ما باله؟ فقال لها: أريد أن أنام علَّني أرى طيفك في المنام.

стр. 591

جاء يوم شم النسيم فخرج الناس إليه يستقبلونه استقبال الجيش المدجج، للملك المتوج، ويرحبون به ترحيب العشاق، بيوم التلاق، بعد طول الفراق، ويبسمون له ابتسام الرياض الزاهرة، للسحب الماطرة، وقد ذهبوا في شأنه المذاهب كلها؛ فمن صاعد إلى رءوس الجبال، وسارب في سهول الرمال، وواقف موقف الإعجاب والإجلال، بين جمال الأنوار وأنوار الجمال، ومقلب طرفه بين حسن الزهرات، وحسن الفتيات، ولا يعلم أتشبه القامات الغصون أم الغصون القامات. ذهب الناس في ذلك اليوم تلك المذاهب وما كان لي أن أذهب مذهبهم؛ لأني لا أعجب بما يعجبون، ولا أسر بما يسرون، فقبعت في كسر بيتي أبحث عن ضالة خيال أجد فيها من السعادة والهناء ما يجده الهائمون بين ثغر الحسناء وثغر الصهباء، فلمحت بجانبي كتاب بلاغة الغرب وهو الكتاب الذي ترجمه بعض فضلاء الكتَّاب, وجمع فيه نفائس اللغة الفرنسية وزبدة ما جادت به قرائح كتابها وشعرائها فقلت: حسبي من الرياض هذه الزهرات، ومن النسائم تلك النفحات. خطوت الخطوات الأولى من سياحتي في هذا الكتاب فرأيتني واقفا تحت نافذة قصر اللوفر في باريس, ورأيت الناس

стр. 592

وقوفا في ذلك الميدان الفسيح وقد ماج بعضهم في بعض، حتى ضاقت بهم رقعة الأرض، ورأيتهم يمدون أعناقهم إلى تلك النافذة وينظرون إليها نظر المنجم في الأسطرلاب، ويرقبون منها ما يرقب الروض من غادية السحاب، وإنهم لكذلك وإذا نابليون الأول قد أطل من نافذة قصره كما يطل البدر من وراء الأفق يحمل بين يديه طفله الصغير كما يسميه الناس وملك روما كما يسميه أبوه, فضج الناس لمطلعه ضجيجا ملأ مسمع الخافقين، وابتسموا لمرآه ابتساما أضاء ما بين المشرقين والمغربين، وهنا سمعت الشاعر الكبير١ يخاطب ذلك الملك العظيم بصوت يشبه صوت البحر الزاخر قائلا له: رويدا أيها الرجل المغرور بالتاج والسرير، والملك الكبير، والجيش الخاضع، والشعب الطائع، أنت تقدّر لطفلك في مستقبل الأيام ملكا كملكك، ومجدا كمجدك، وعزا وسلطانا كعزك وسلطانك، غير عالم بما تكتمه ضمائر الأيام، من الحوادث العظام، والخطوب الجسام، هل أخذت على الأيام عهدا لنفسك فتأخذه لولدك؟ وهل وثقت بما في يدك فتثق بما في يد غيرك؟ أيها الملك المغرور، إنك ستفارق عما قليل هذا القصر الكبير،

стр. 593

إلى ذلك الكوخ الحقير، وسيحيط بك الجند في منفاك إحاطة الإخضاع والإذلال لا إحاطة الإعظام والإجلال، وسيموت ولدك محروما هذا العرش الذي هيأته له بل محروما بضعة أشبار من تربة فرنسا يضطجع فيها ضجعة الموت. أيها الملك المغرور، لا تقل: إن المستقبل لي فإنما المستقبل لله، تركت هذا الموقف الفخم الجليل وقد امتلأت نفسي عبرة بمصائر الأيام، ومصارع الكرام، وتقلبات الدهور ما بين رفع وخفض، وإبرام ونقض، ومشيت حتى وصلت إلى برية جرداء، ودوية قفراء، لا يطرقها إنسان، ولا يدب بها حيوان، فلمحت على البعد رجلا يمشي عى شاطئ بحر فوق أرض رملية يخدع ظاهرها، ويقتل باطنها، ويدب الماء في أحشائها دبيب الصهباء في الأعضاء، ويكمن في صدرها كمون الأسرار في صدور الأقدار. فما هي إلا بضع خطوات حتى رأيت الرجل المسكين, وقد غاصت قدماه في الرمل فحاول نزعهما فغاص إلى ركبتيه, فتحلحل فغاص إلى صدره، وما زال يساعد على نفسه بمنازعته ومحاولته حتى لم يبق له فوق الأرض غير فم يصرخ بالنداء، وعين

стр. 594

تذرف بالبكاء، ثم ما لبثا أن غطاهما الرمل فرفع يديه بالدعاء، فلم يجد من رحمة في الأرض ولا في السماء. وقفت بين يدي هذا المشهد المؤثر المحزن وقفة أرسلتُ فيها قطرات من الدموع على هذا البائس المسكين, وقلت في نفسي: إنني قد عجزت عن إسعاده في نكبته، ومعونته في شدته, فلا أقل من أن أسعده بقليل من الزفرات, ووشل من العبرات. ثم فارقته ومشيت حتى بلغت منزل الشاعر لامارتين, فرأيته جالسا في غرفته وليس معه في منزله من يؤنسه غير كلبه, فسمعته يخاطبه ويقول له: أيها الكلب الأمين، قد هجرني الناس وبقيتَ بجانبي، وخانني الأصدقاء ووفيت لي، فأنت في نظري أوفى الأوفياء، وأصدق الأصدقاء، ولولا أنك كريم الأخلاق متواضع تأبى إلا أن تعرف لسيدك منزلته من السيادة عليك وتحفظ له فضل ما أسدى من النعمة إليك لأكبرت جلستك هذه عند عتبة الباب ولأجلستك بجانبي؛ لأنك صديقي ومؤنسي، ولأنك أحق بالإكرام من كثير من أولئك الذين يفترشون الطنافس ويتوسدون الوسائد، حسبي منك نظراتك التي تنظر بها إليَّ بود وإخلاص وكأنني أشعر حينما أراك تحدِّق بي أنك تفتش عن سريرتي في أسرَّتي، وتقرأ في صفحة

стр. 595

وجهي ما غاب عنك من دخيلة أمري، وكأنني أسمعك تقول: ما باله وما شأنه؟ وما الذي يحزنه وما الذي يبكيه؟ حسبي منك ذلك، وهل يجد الإنسان من أوفى أصدقائه أكثر مما أجده في لفتاتك وألمحه في نظراتك من الاهتمام بأمري والعناية بشأني والحزن لحزني والبكاء لبكائي؟ سمعت لامارتين يناجي كلبه بهذا النجاء الرقيق, فانسللت وذهبت لشأني وأنا أقول في نفسي: إذا كان لامارتين وهو أشعر شاعر في فرنسا وفرنسا مهبط وحي الشعر, لم يجد له صديقا وفيا غير كلبه المقعى على عتبة غرفته, فأين يذهب سائر الشعراء, ومتى يجدون الأصدقاء؟ تركت منزل لامارتين وذهبت إلى منزل دي موسيه, فرأيته معتزلا في غرفة من غرف منزله يبكي بكاء مرا ويزفر زفيرا تكاد تتقطع له أحشاؤه فقلت: ليت شعري ما أبكاه، وما الذي دهاه، فسمعته يترنم بقصيدة من قصائده يشرح فيها تاريخ وجده, وهواه شرحا مؤثرا مؤلما حتى خيل إلي أن كل بيت من أبياتها جذوة نار ملتهبة وسمعته يشكو فيها من خيانة حبيبته "جورج صاند" ويعالج نفسه على أن يسلوها ويتناسى عهدها وذمامها فلا يجد إلى ذلك سبيلا، وما هو إلا أن أتم قصيدته حتى تغير لونه وشخص

стр. 596

بصره واضطرب اضطراب الأغصان اليابسة، بين أيدي الرياح العاصفة، ثم أخذ يهذي هذيان المحموم ويخلط في كلامه خلطا شديدا, فعلمت أن الرجل قد جُنّ وأن العالم الشعري قد فُجع فيه، فمضيت لسبيلي وأنا أسأل الله العافية وأقول: إن جمال المرأة أحقر من أن يقتل أوفر عقل وأعجز من أن يطفئ أكبر قريحة, ولكنها الأقدار تجري بحكمها علينا, وأمر الغيب سر محجب. تركت منزل دي موسيه ومشيت في شارع من شوارع باريس, فرأيت شيخا رث الثياب زري الهيئة يمشي مشية هادئة مطمئنة ويجر في رجليه نعلا بالية قد أطلت أصابعه من خروقها كما تطل الحيات من أحجارها, فأتبعته نظري فرأيته لا يرفع طرفه سكونا وإطراقا ولا يحرك عضوا من أعضائه رزانة ووقارا, فقلت في نفسي: إن لهذا الرجل شأنا فمشيت وراءه حتى رأيته قد وقف على باب حانوت إسكاف فلم يجد صاحب الحانوت في مكانه فجلس على الأرض ينتظره حتى يعود فيخصف له نعله, فسألت بعض المارة عنه فقال: هذا "كورني" شاعر فرنسا, فأخذتني الدهشة وملكني العجب حتى كاد يحول بيني وبين عقلي, فقلت في نفسي: ويح لكم معشر الناس، أتضنون بقطعة من الجلد الأسمر على رجل يقلد أعناقكم الدر والجوهر؟! أعجزتم عن أن تجمعوا أمركم على أن تمسحوا هذه

стр. 597

الغصون عن تلك الجبهة التي تجود عليكم كل يوم بما يفرج كربتكم، وينعش نفوسكم، ثم رجعت أدراجي وأنا أقول: كأن قضاء حتما على الدهر ألا ينيل هؤلاء الأدباء من دهرهم ما يريدون، ولا يمنحهم من العيش ما يشتهون. إن في جلسة لامارتين منفردا في منزله لا مؤنس له غير كلبه, وفي عزلة دي موسيه في غرفته وخلوته ببكائه ونحيبه, وفي ضجعة كورني أمام حانوت الإسكاف لآية للمتفكرين، وعبرة للمعتبرين. الآن عدت من سياحتي في ذلك الكتاب أشكر للكاتب ما كتب, وللمترجم ما ترجم وأقول: من لي في كل يوم بسياحة مثل هذه السياحة في كتاب مثل هذا الكتاب؟

стр. 598

دمعة على الأدب: مات بالأمس إمام الشعر البارودي, وإمام النثر محمد عبده فجزعنا ما جزعنا، وسكبنا عليهما من الدموع ما سكبنا، ثم كفكفنا من تلك الدموع، وخفّضنا من زفرات الضلوع، حينما سمعنا قول القائل: إن في الباقي عزاء عن الفاني، وإن في الأبناء خلفا من الآباء، ولقد كر على عهدهما الشهر بعد الشهر، والدهر أثر الدهر، والأدب جاثٍ في مكمنه جاثم، لم يبعث من مرقده بعدما قبرناه، ولم ينشر من قبره بعدما واريناه، فتساءلنا: أين الباقي الذين يزعمون، والخلف الذين يذكرون؟ أين فطاحل اللغة الأدبية لا السياسية، وأرباب الأقلام العربية لا الأعجمية؟! عذرنا المويلحي الكبير واليازجي؛ لأنهما ماتا ولحقا بصاحبيهما, فهل مات شوقي وحافظ والبكري والمويلحي الصغير؟! ما مات منهم أحد، وإنما كانت حياة الرجلين حياة الصناعتين, وكان لوجودهما سر من الأسرار ينبعث في الألسنة فيطلقها،

стр. 599

والأقلام فيجريها، وكانت منزلتهما من الأحياء منزلة الأم من مصابيح الكهرباء، تشتعل المصابيح بتيارها، وتضيء بأسرارها، فإذا فرغت مادتها وانقضى أجلها عم الظلام واشتد الحلك، والمصابيح كما هي جسم بلا روح، ولفظ بلا معنى. أما شوقي فقد طار في جو غير هذا الجو، وهام في وادٍ غير ذلك الوادي، وما زالت تعبث به الأنواء، حتى أغرقته فى شبر من الماء، وأما حافظ فقد انقضت حياته النثرية قبل انقضاء البؤساء١.أما حياته الشعرية فلم يبق منها غير نظم المقالات السياسية من العام إلى العام، وأين هذه القيثارة البسيطة ذات اللحن الواحد من ذلك العود الأجوف الرنان الذي كنا نسمع منه مختلف الألحان، وأفانين الأشجان، وأما البكري والمويلحي فقد قضيا حق التأليف هذا بصهاريجه٢ وذاك بفتراته٣ ثم لحقا بالسابقين، ومضيا على أثر الماضين: أين سكانك لا أين لهم ... أحجازا أوطنوها أم شآما أين الروضة الغناء التي كنا نتفيأ ظلالها، ونصهر أغصانها، ونقطف ما شئنا من ورودها ورياحينها؟ وأين البلابل التي كانت

стр. 600

تتنقل بين أشجارها فتطرب بالأغاريد، وتستهوي بالأناشيد: فاسألْنها واجعل بكاك جوابا ... تجد الدمع سائلا ومجيبا أنا لا أعجب لشيء عجبي لهولاء الأدباء؛ يحزنون فلا يبكون، ويطربون فلا يضحكون، ويتألمون بلا أنين، ويعشقون بغير حنين. أيطرب البلبل فيغرد, ويشجى الحمام فينوح, ويطرب الشاعر ويشجى الكاتب فلا ينطق لسانهما, ولا يهتز قلمهما؟ لما أسن عمر بن أبي ربيعة ورأى أن الغزل والتصابي غير لائق بشيبه ووقاره عزم على هجره فما استطاع إلى ذلك سبيلا, وغُلب على أمره كما يغلب المرء على غرائزه وسجاياه، فاحتال لذلك بأن حلف ألا يقول بيتا من الشعر إلا أعتق رقبة, فشكا إليه رجل حبا برح به, فحن واهتاج ونظم أبياتا في شأن الرجل ووجده, ثم أعتق عن كل بيت رقبة. فهل نذر أدباؤنا ما نذر عمر بن أبي ربيعة وهم في شرخ الشباب وإبان الفتوة؟ إن كانوا فعلوا ذلك فأسأل الله لهم قصة كقصة عمر تهيج أشجانهم فتحنث أيمانهم، والأمة كفيلة لهم بوفاء النذور وكفارات الأيمان: وذو الشوق القديم وإن تعزى ... مشوق حين يلقى العاشقينا
следующие страницы →