بصره واضطرب اضطراب الأغصان اليابسة، بين أيدي الرياح العاصفة، ثم أخذ يهذي هذيان المحموم ويخلط في كلامه خلطا شديدا, فعلمت أن الرجل قد جُنّ وأن العالم الشعري قد فُجع فيه، فمضيت لسبيلي وأنا أسأل الله العافية وأقول: إن جمال المرأة أحقر من أن يقتل أوفر عقل وأعجز من أن يطفئ أكبر قريحة, ولكنها الأقدار تجري بحكمها علينا, وأمر الغيب سر محجب.
تركت منزل دي موسيه ومشيت في شارع من شوارع باريس, فرأيت شيخا رث الثياب زري الهيئة يمشي مشية هادئة مطمئنة ويجر في رجليه نعلا بالية قد أطلت أصابعه من خروقها كما تطل الحيات من أحجارها, فأتبعته نظري فرأيته لا يرفع طرفه سكونا وإطراقا ولا يحرك عضوا من أعضائه رزانة ووقارا, فقلت في نفسي: إن لهذا الرجل شأنا فمشيت وراءه حتى رأيته قد وقف على باب حانوت إسكاف فلم يجد صاحب الحانوت في مكانه فجلس على الأرض ينتظره حتى يعود فيخصف له نعله, فسألت بعض المارة عنه فقال: هذا "كورني" شاعر فرنسا, فأخذتني الدهشة وملكني العجب حتى كاد يحول بيني وبين عقلي, فقلت في نفسي: ويح لكم معشر الناس، أتضنون بقطعة من الجلد الأسمر على رجل يقلد أعناقكم الدر والجوهر؟! أعجزتم عن أن تجمعوا أمركم على أن تمسحوا هذه
стр. 597
الغصون عن تلك الجبهة التي تجود عليكم كل يوم بما يفرج كربتكم، وينعش نفوسكم، ثم رجعت أدراجي وأنا أقول: كأن قضاء حتما على الدهر ألا ينيل هؤلاء الأدباء من دهرهم ما يريدون، ولا يمنحهم من العيش ما يشتهون.
إن في جلسة لامارتين منفردا في منزله لا مؤنس له غير كلبه, وفي عزلة دي موسيه في غرفته وخلوته ببكائه ونحيبه, وفي ضجعة كورني أمام حانوت الإسكاف لآية للمتفكرين، وعبرة للمعتبرين.
الآن عدت من سياحتي في ذلك الكتاب أشكر للكاتب ما كتب, وللمترجم ما ترجم وأقول: من لي في كل يوم بسياحة مثل هذه السياحة في كتاب مثل هذا الكتاب؟
стр. 598
دمعة على الأدب:
مات بالأمس إمام الشعر البارودي, وإمام النثر محمد عبده فجزعنا ما جزعنا، وسكبنا عليهما من الدموع ما سكبنا، ثم كفكفنا من تلك الدموع، وخفّضنا من زفرات الضلوع، حينما سمعنا قول القائل: إن في الباقي عزاء عن الفاني، وإن في الأبناء خلفا من الآباء، ولقد كر على عهدهما الشهر بعد الشهر، والدهر أثر الدهر، والأدب جاثٍ في مكمنه جاثم، لم يبعث من مرقده بعدما قبرناه، ولم ينشر من قبره بعدما واريناه، فتساءلنا: أين الباقي الذين يزعمون، والخلف الذين يذكرون؟
أين فطاحل اللغة الأدبية لا السياسية، وأرباب الأقلام العربية لا الأعجمية؟!
عذرنا المويلحي الكبير واليازجي؛ لأنهما ماتا ولحقا بصاحبيهما, فهل مات شوقي وحافظ والبكري والمويلحي الصغير؟!
ما مات منهم أحد، وإنما كانت حياة الرجلين حياة الصناعتين, وكان لوجودهما سر من الأسرار ينبعث في الألسنة فيطلقها،
стр. 599
والأقلام فيجريها، وكانت منزلتهما من الأحياء منزلة الأم من مصابيح الكهرباء، تشتعل المصابيح بتيارها، وتضيء بأسرارها، فإذا فرغت مادتها وانقضى أجلها عم الظلام واشتد الحلك، والمصابيح كما هي جسم بلا روح، ولفظ بلا معنى.
أما شوقي فقد طار في جو غير هذا الجو، وهام في وادٍ غير ذلك الوادي، وما زالت تعبث به الأنواء، حتى أغرقته فى شبر من الماء، وأما حافظ فقد انقضت حياته النثرية قبل انقضاء البؤساء١.أما حياته الشعرية فلم يبق منها غير نظم المقالات السياسية من العام إلى العام، وأين هذه القيثارة البسيطة ذات اللحن الواحد من ذلك العود الأجوف الرنان الذي كنا نسمع منه مختلف الألحان، وأفانين الأشجان، وأما البكري والمويلحي فقد قضيا حق التأليف هذا بصهاريجه٢ وذاك بفتراته٣ ثم لحقا بالسابقين، ومضيا على أثر الماضين:
أين سكانك لا أين لهم ... أحجازا أوطنوها أم شآما
أين الروضة الغناء التي كنا نتفيأ ظلالها، ونصهر أغصانها، ونقطف ما شئنا من ورودها ورياحينها؟ وأين البلابل التي كانت
стр. 600
تتنقل بين أشجارها فتطرب بالأغاريد، وتستهوي بالأناشيد:
فاسألْنها واجعل بكاك جوابا ... تجد الدمع سائلا ومجيبا
أنا لا أعجب لشيء عجبي لهولاء الأدباء؛ يحزنون فلا يبكون، ويطربون فلا يضحكون، ويتألمون بلا أنين، ويعشقون بغير حنين.
أيطرب البلبل فيغرد, ويشجى الحمام فينوح, ويطرب الشاعر ويشجى الكاتب فلا ينطق لسانهما, ولا يهتز قلمهما؟
لما أسن عمر بن أبي ربيعة ورأى أن الغزل والتصابي غير لائق بشيبه ووقاره عزم على هجره فما استطاع إلى ذلك سبيلا, وغُلب على أمره كما يغلب المرء على غرائزه وسجاياه، فاحتال لذلك بأن حلف ألا يقول بيتا من الشعر إلا أعتق رقبة, فشكا إليه رجل حبا برح به, فحن واهتاج ونظم أبياتا في شأن الرجل ووجده, ثم أعتق عن كل بيت رقبة.
فهل نذر أدباؤنا ما نذر عمر بن أبي ربيعة وهم في شرخ الشباب وإبان الفتوة؟ إن كانوا فعلوا ذلك فأسأل الله لهم قصة كقصة عمر تهيج أشجانهم فتحنث أيمانهم، والأمة كفيلة لهم بوفاء النذور وكفارات الأيمان:
وذو الشوق القديم وإن تعزى ... مشوق حين يلقى العاشقينا
стр. 601
الصحافة:
يا صاحب النظرات:
أنا عامل من العمال في دائرة من دوائر الحكومة أتناول منها في كل شهر عشرة ذهبا، وقد أشار علي بعض الذين يعتقدون أنني صاحب قلم أن أستقيل من ذلك العمل وأشتغل بالصحافة، وحجتهم في ذلك أن الصحافي يخدم أمته أكثر مما يخدمها غيره، وأنه يربح من المال أكثر مما يربح سواه، وقد أوشكت أن أصغي لقولهم وأعمل برأيهم, فماذا ترى؟
أشر علي برأيك؛ فقد أصبحت أعتقد أنك أعقل الكتاب وأكثرهم إخلاصا, والسلام،
موظف.
أيها الرجل لا تفعل؛ فإنك إن فعلت خسرت ماضيك من حيث لا ينفعك مستقبلك، فاحذر أن يخدعك عنك خادع واربأ بنفسك أن تكون من الجاهلين.
إنك لن تستطيع أن تكون صحافيا رابحا إلا إذا كنت
стр. 602
صحافيا كاذبا، فإن كانت منزلة الأخلاق عندك دون منزلة المال فامض لشأنك.
أنت في مستقبل أمرك بين اثنتين؛ إما أن تكون صاحب الصحيفة أو أحد المحررين فيها.
فإن كنت الأول فأنت بين خاصة لا يرضيهم إلا أن تصعد عندهم، وعامة لا يعجبهم إلا أن تهبط إليهم، فإن صعدت إلى الأولين هلكت؛ لأن الخاصة هم الأقلون عددا والأقلون مالا، وإن نزلت إلى الآخرين خسرت؛ لأن العامة يبغضون الحقيقة ويبغضون لأجلها المحقين، وإن وقفت في منزلة بينهما سخط الفريقان عليك وارتابا بك، وأقسما جهد أيمانهما أنك من المرائين المتقلبين، وإن كنت الثاني فسيبتليك الله برئيس يحرج صدرك بمقترحاته، ويجرح قلبك بمؤاخذاته، ويطلب عندك من الرأي والفهم والأسلوب والنسق ما عند نفسه، وهيهات أن يجد عندك ما يريد منك إلا إذا صح مذهب التقمص واستطاعت نفس كل منكما أن تتسرب في أطواء صاحبتها, وتتلاشى فيها.
ذلك إلى ما يرزؤك به كل يوم من الوقوف بينك وبين عقلك، فيستكتبك ما يريد، ويحول بينك وبين ما تريد، فكأنما يعمد إلى عقلك وهو أثمن من الجوهر فيبتاعه منك بلقيمات
стр. 603
لا تكاد تقيم بها صلبك، وكأنما إدارة الجريدة التي تعمل فيها آلة ميكانيكية أنت فيه عمود يدور اضطرارا، لا إنسان يتحرك اختيارا.
إن هؤلاء الكاتبين الذين تراهم جلوسا على مقاعدهم في إدارات الجرائد المصرية أسوأ الناس حظا وأعظمهم شقاء، يكتب أحدهم في الصباح ما يستحيي له في المساء, ويقول في المساء ما يكتب غيره في الصباح، ويظل طول حياته كرة تتلقفها الأحزاب في أنديتها، والجرائد في إداراتها، ولقد يكتب أحدهم الرسالة يذيب فيها دماغه ويريق فيها عصارة مخه حتى إذا استوت له, وظن أن قد بلغ من الإحسان غايته رفعها إلى رئيسه فما هو إلا أن يقرأها ويرى فيها مدح من لا يحب, أو نقد ما لا يكره حتى يرمي بها وجهه ويردها عليه رد المبتاع على البائع سلعته فيعود بها باكيا مستعبرا، ولا يعلم إلا الله ما يلم بقلبه في تلك الساعة من الحزن على حياة كلها نفاق ورياء، وذل وضرع، يتلمس فيها عقله فلا يجده؛ لأن الصحافة قد ملكته عليه وسلبته إياه، ويسائل عن فهمه وإدراكه فلا يهتدي إليهما ولا يعرف لهما وجودا خاصا بهما؛ لأنه أصبح لا ينطق إلا بلسان غيره، ولا يكتب إلا بقلم سواه.
لولا أن الله صنع لهؤلاء المحررين فرحمهم بتلك البساطة التي أودعها عقول السواد الأعظم من هذه الأمة
стр. 604
لما وجدوا في الناس من يسمع لهم قولا, أو يعتمد لهم رأيا.
من ذا الذي يحفل بفكرة يعلم أنها لم تخالط قلب الكاتب ولم تمتزج بأجزاء نفسه ولم تلتئم مع ما يعرف له من أخلاقه وطباعه وميوله وأهوائه، وما هي إلا طريدة من طرائد الحاجات، وصنيعة من صنائع الحوادث، تعرض ثم تزول كما تعرض وتزول نقائضها وأضدادها، كالأمواج يأخذ بعضها برقاب بعض وتحل أخراها محل أولاها.
من ذا الذي يحفل بفكرة كاتب يحرر في المؤيد اليوم فينتقد اللواء وكاتبه، ويحرر في اللواء غدا فيذم المؤيد وصاحبه، حتى إذا صار إلى "الجريدة" ذم الجريدتين، واستهجن الخطتين.
أنا لا ألوم المحررين على تقلبهم في المذاهب واضطرابهم في الآراء، ولا ألوم أصحاب الصحف على وقوفهم في حياتهم هذه المواقف التي ساقهم إليها العيش ونزولهم تلك المنازل التي ألقتهم فيها يد الحاجات، وإنما ألوم الأمة على استهانتها بأدبائها، واحتقارها لكتابها، وأنها لا تقيم من الوزن لحملة المحابر والأقلام ما تقيمه لحملة المزامير والعيدان، حتى إنك لترى الرجل الذي لا بأس بعقله ولبه وفهمه وإدراكه يسهل عليه أن يمنح مائة دينار لمغنٍّ واحد غنى له صوتا واحدا في ليلة واحدة, ولا يسهل عليه أن يمنح مائة
стр. 605
قرش لجمعية من جمعيات التأليف والنشر في كل عام، وتراه ينفق في العام على مسح نعاله عشرة دنانير ولا ينفق واحدا منها على مجموعة ثمينة مؤلفة من كتاب "التربية الاستقلالية" و"روح الاجتماع" و"البؤساء" و"سر تقدم الإنجليز" و"تحرير المرأة" و"عيسى بن هشام".
إني أتمنى على الله الغنى لا لأني في حاجة إلى المال فقد رزقني الله منه ما لا يعنيني أن أطلب لنفسي من بعده مزيدا، بل لأجمع خمسة من كتّاب هذه الأمة وخمسة من شعرائها وعشرة من علمائها في منزل واحد وأسبغ عليهم وعلى عيالهم من نعمة العيش ونعمة المال ما تثلج به صدورهم وتطمئن به نفوسهم، ثم أقول لهم: دونكم هذه الأمة, فاكتبوا لها من الرسائل وانظموا لها من القريض وألفوا لها من الكتب ما تعلمون أنه يأخذ بضبعيها ويطير بها من قرارة الجهل إلى سماء العلم، وكونوا فيما تأخذون به أنفسكم أحرارا غير مقيدين، وطلقاء غير مأسورين، لا يزعجكم عن مكانكم مزعج، ولا يكدر صفاءكم مكدر، ولا يعجلكم عن أمركم معجل، ولا يصدنكم عن سبيلكم خوف من كساد بضاعتكم، أو حذر من هياج الجاهلين عليكم، ثم أعمد إلى نفثات أقلامهم فأنثرها على رءوس الناس نثرا من حيث لا أبتغي لها ثمنا وأطلب عليها أجرا غير ذلك الأجر الذي يدخره الله في دار جزائه لعباده الصالحين.
стр. 606
فليت شعري هل يمنحني الله طلبتي، أو يلهم قوما من الأغنياء فكرتي، فيتم للأمة على يد تلك الجمعية العلمية الأدبية الحرة في عملها, المستقلة برأيها في عشرة أعوام ما لا يتم لها على يد هؤلاء الصحافيين المقيدين, والمؤلفين المغلولين في عشرة أعوام:
أمنية شُغفتْ روحي بها زمنا ... واليوم أحسبها أضغاث أحلام
أيها السائل، لا تحسد حملة الأقلام على صناعتهم، ولا يغرنك ما ترى لهم في نظر الأمة أحيانا من مظاهر الإجلال والإعظام، وما يطرق آذانهم كل حين من أصوات التحبيذ والاستحسان، فإنما هي صورة ظاهرة لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا تقل: إنهم يخدمون الأمة, فلن يخدم الأمة مثل الغني عنها الذي لا يبالي بها رضيت أم سخطت، قامت أم قعدت، ولا تقل: إنهم يربحون، فإنما هم يستنبطون أرزاقهم من شق القلم، وشق القلم لا يجود بالرزق إلا إذا جادت الصخرة بالماء الزلال.
стр. 607
التماثيل:
جاءني الكتاب الآتي من حضرة الكاتب الفاضل محرر جريدة ثمرات الفنون ببيروت, وقد ناشدني الله أن أنشره بنصه فلم أر بدا من تلبية طلبه, وها هو:
سيدي المنشئ الفاضل:
أحييك بتحية الإسلام، وأبثك الشكر والثناء على ما تزين به صدر المؤيد الأغر من أبكار الأفكار ونفائس الآثار، مما يتلقاه أبناء هذا الثغر بالارتياح والابتهاج حتى إننا حلينا جيد الثمرات، بعدة من هاتيك الدراري اللامعات، فجزاك الله عنا جزاء الخادم لأمته، المحب لوطنه، الغيور على دينه، وزادك همة ونشاطا في هذا السبيل سبيل الإصلاح والهداية.
ما كتبت إليك هذه الكلمات بقصد الإدلال على فضلك, والاعتراف بخدمتك فإن نفثات قلمك تدل على أنك من ذوي الأخلاق الفاضلة والنفوس الكبيرة الذين لا تغرهم أمثال هذه الزخارف الباطلة, فضلا عن أنك غني بنفسك عن كل مدح وثناء
стр. 608
وإنما كتبت إليك لألفت نظرك الكريم إلى أمر كان له عندنا أثر سيئ في نفوس المسلمين قاطبة, وهو عزم المصريين على نصب تمثال لفقيد مصر مصطفى كامل باشا ﵀، كأن إخواننا المصريين أصبحوا أغنياء عن كل مشروع علمي أو أدبي أو اجتماعي فلم يبق بين أيديهم ما ينفقون فيه أموالهم إلا أمثال هذه المشاريع التافهة، أو كأنهم لا يعلمون أنها محرمة في دينهم دين الإسلام، أو كأنه صار من المحتم اللازم علينا أن نقلد الأوروبيين في كل ما يعملون, شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى "لو دخلوا -كما قال ﵊ جحر ضب لدخلناه" أو شربوا نخبا لشربناه، أو صنعوا صنما لصنعناه، كل ذلك يدل أصرح دلالة على أن الجمود ما برح مستحكما فينا؛ لأن التقليد الأعمى شأن العاجز الضعيف الذي لا يدري بماذا فاقه القوي القادر, فهو يقلده في جميع حركاته وسكناته ظنا منه أنها سر قوته وقدرته.
لو أقام المصريون لكل عامل بينهم تمثالا لعادت مصر إلى عهدها الأول في زمن الفراعنة حيث في كل بقعة هيكل وتمثال، وظني أن لو كان المرحوم مصطفى كامل باشا حيا لما رضي عن مشروع كهذا يمس الأمة المصرية في وطنيتها ودينها.
فناشدتك الله يا سيدي أن تنشر كلماتي هذه بنصها على
стр. 609
صفحات المؤيد الأغر, فإن اليراع عندنا مغلول، إلى درجة ألف معها الخمول، فلا حول ولا قوة إلا بالله, محرر ثمرات الفنون
أحمد حسن طبارة
هذا نص كتابه, وقد كتبت إليه الرد الآتي:
حضرة الكاتب الفاضل:
قرأت كتابك فهبت علي من بين سطوره نسمة شرقية تمر بي الساعات والأيام والأشهر والأعوام في مصر أترقب هبوبها, فلا أجد إليها سبيلا.
كتبت إلي كلمة كان في استطاعتك أن تكتبها في جريدتك, ولكن حال بينك وبين ذلك ظن قام في نفسك أن اللسان في مصر أطلق منه في بيروت, وأنك واجد في بلدنا ما لا تجد في بلدك من حرية الفكر وسعة الصدر، وليتك تعلم يا سيدي أن كلمتك هذه لم يستطع أن ينطق بها في مصر غير رجلين، فكان نصيب أحدهما السب والآخر الضرب.
ليتك تعلم ذلك فلا تبالغ في حسن ظنك بحرية الأقلام في مصر, فإنها حرية موهومة لا يغتر بها من يعرف حقيقة الحرية ومن يعتبرها بنتائجها وآثارها، لا بزخارفها وتهاويلها.
стр. 610
نعم لا توجد في مصر شكائم في أفواه الناطقين، ولا جوامع في أيدي الكاتبين، ولكن محكمة الرأي العام فيها محكمة وجدانية أكثر منها قانونية، فهي إما أن تبرئ المتهم فتعلو به إلى مدار الأفلاك، أو تدينه فتهوي به إلى مقر الأسماك.
إن كثيرا من عقلاء الرجال في مصر يهابون التصريح بالحقائق التي يعلمون أنها نافعة لأمتهم أكثر مما يهاب الكتاب في سوريا الشكائم والأغلال؛ ذلك لأن الرأي العام هنا متهور في مذاهبه ومراميه, ظالم في أحكامه لم يخط إلى اليوم الخطوة الأولى في احترام الآراء وإجلال الأفكار وإنزالها المنازل التي تستحقها.
إن منظر العقلاء في مصر منظر محزن مؤثر يبعث الرحمة، ويستمطر العبرة، إنهم يعالجون من العامة فوق ما يعالج طبيب البيمارستان من مرضاه، إنهم يعانون من مجاراة الجاهلين في جهالاتهم وكتمان الحقائق التي تغلي في صدورهم غليان الماء في المرجل ما يرنق صفاء العيش ويشوه وجه الحياة، إنهم في حيرة لا يجدون إلى الخلاص منها سبيلا، إن نطقوا بكلمة إصلاح في الدين سماهم الجاهلون كفارا، أو في السياسة سموهم خونة، وإن سكتوا أغضبوا الله وأغضبوا الحق، فهم بين هذا وذاك كهارب من سبع مفترس لم يجد أمامه إلا الماء، فالهلاك إن أحجم، والغرق إن أقدم.
стр. 611
ربما تقول: إن الصحافة في مصر تملك زمام الرأي العام, فكيف تعجز عن حبس تياره وكسر شرته وقيادته إلى رشده وهداه؟
والجواب على ذلك أن الصحافة المصرية ناقصة نقصا كبيرا, مشتملة على عيوب ورذائل لو تجردت منها لبلغت الغاية التي تريدها من تعليم الشعب وتهذيبه وتقويم المعوج من ميوله ومذاهبه.
الكتاب في مصر ثلاثة: جاهل لا يميز بين ما ينفع أمته وما يضرها، وعاقل يهاب مصادرة الرأي العام في مألوفاته ومعهوداته، فيسكت مغلوبا على أمره، ومنافق يعرف الحقيقة ويعبث بها، فمن أي واحد من هؤلاء الثلاثة تستفيد الأمة رشدها وهداها؟!
وأكبر هؤلاء الثلاثة جرما، وأشدهم ضررا، وأسوؤهم أثرا، ذلك الكاتب المنافق الذي هو أشبه شيء بالنائحة التي تسدل على وجهها نقابا تتباكى من ورائه لتستبكي اللواتي يردن البكاء من النساء، وما في جفنها -يعلم الله- قطرة من الدمع، ولا في قلبها لاعج من الحزن، ولكن هكذا قدر لها أن يجري رزقها من بين العبرات والزفرات، وإن شئت فقل: إنه كشاعر القهوات يسرد على السامعين قصص الوقائع والحروب بين الأبطال الخياليين حتى يثير عواطفهم، ويهيج أحقادهم، فإذا قسمهم على أنفسهم وضرب
стр. 612
بعضهم ببعض خلص من بينهم إلى منزله فرحا مغتبطا برنين الدراهم في كيسه, وقد ترك وراءه أولئك البسطاء أسرى الهموم والأحزان، قتلى الضغائن والأحقاد.
الكاتب العاقل يخدم عواطف الأمة بتنميتها وتهذيبها وتحويل تيارها إلى الخطة المثلى، أما الكاتب المنافق فإنه يستخدمها لنفسه وإن أفسدها على أصحابها.
ولقد دخلت مرة على بعض الكتاب فعتبت عليه أنه يكتب غير ما يعتقد ويقول غير ما يعلم، وقلت: إن خطتك هذه مضرة بالأمة التي أنت أحد قادتها، وإنك قد سلكت في مذهبك هذا سبيلا ما كنا نعرفه لك قبل اليوم، فقد عهدناك تصدع بالحق لا تبالي أغضب الناس أم رضوا، وتجهر به وإن لم تجد أذنا واعية أو صدرا رحيبا، فأطرق طويلا ثم رفع رأسه وأحسب أني رأيت قطرة من الدمع تترقرق في عينيه وقال: والله ما سلكت هذا السبيل وأنا أعلم أن فيه رضى الله أو رضى الحق, ولكني امرؤ لا أعرف لنفسي صناعة غير صناعة القلم, قبحها الله وقبح كل ما تأتي به, وكنت أحسبني أستطيع أن أجمع فيها بين شرف النفس ورغد العيش فخاب ما أملت، إذ رأيت نفسي كسفينة ماخرة في بحر زاخر من شعب قاصر يطلب مني ما يلذه لا ما يفيده، ويتقاضاني
стр. 613
ما يعجبه لا ما ينفعه، فطفقت أرتئي بين أن أرضي الحقيقة فأهلك جوعا أو أرضي الأمة فأعيش سعيدا، فغلبني حب الحياة على أمري، فلم أر بدا من الدخول على الأمة من ذينك البابين المعروفين؛ باب الوطنية وباب الدين، فاصطنعتهما لنفسي بعدما كنت أصطنع نفسي لهما، فرغد عيشي وحسن حالي وأصبحت لا يكدر علي صفائي غير الأسف على الحقيقة الضائعة.
هذه الأمة المصرية أيها الكاتب الفاضل، وهذه صحافتها، وهذا مبلغ الرأي العام فيها، وهذا موقف العقلاء بين يديه، فهل تظن بعد ذلك أن كاتبا يستطيع أن يقول للأمة ما لا تهوى، أو يجرؤ على التصريح بحقيقة يعتقدها بين هذا الشعب الهائج, وتلك الصحافة المتملقة.
إن كثيرا من عقلاء مصر ينكرون كما تنكر أنت نصب تمثال للمرحوم مصطفى كامل باشا لا لصفته الشخصية, فإنه ممن يستحقون الإجلال والإعظام، بل لأنه مسلم شرقي، والأمة التي تريد نصب تمثال له مسلمة شرقية كذلك، فإسلامها يحرم عليها نصب التماثيل وشرقيتها تنعَى عليها هذا الإسفاف في تقليد الغربيين في جميع عاداتهم ومألوفاتهم, بينما هم يترفعون على الاعتراف باستحسان شيء من عاداتنا وصفاتنا, فضلا عن الأخذ بها أو محاكاتها،
стр. 614
إن نصب الغربيين التماثيل لنوابغ الرجال فلسفة تاريخية أرادوا بها تمثيل التاريخ اليوناني القديم, وإنزال عظمائهم ونوابغهم منزلة الآلهة وأنصاف الآلهة في ذلك التاريخ، أي: إنها عادة منحوتة من الديانات الوثنية، فهل يجمل بنا معشر المسلمين أمة محمد ﷺ هادم الأصنام وكاسر الأوثان، أن نحفل بعادة هذا منشؤها وتلك غايتها، وأن نستقبل بصدر رحب نصب التماثيل في بلد هي بقعة الإسلام، وباب البيت الحرام، ومعهد الأزهر الشريف، ومدفن الصحابة والتابعين والأئمة المطهرين.
أيجمل بنا أن نتخذ هذه العادات الوثنية في عصر ندعو فيه إلى الإصلاح الإسلامي ونحارب العوائد الخرافية الداخلة في الدين لنرجع به إلى عصره الأول عصر السلف الصالح حيث لا يصلح آخره إلا بما صلح به أوله؟!
على أنه إن كان الغرض من نصب التمثال للرجل العظيم تخليد ذكره واستبقاء صورته مرتسمة في أذهان الأجيال المستقبلة حتى لا تنساه, فإن جميع رجال الإسلام من علماء الدين إلى علماء الفنون لا تزال محفوظة بين الجوانح مآثرهم ومفاخرهم، مذكورة على الألسنة أسماؤهم وألقابهم، ولا نعرف لواحد منهم صورة مرسومة أو تمثالا قائما.
стр. 615
إن كان في أعمال الرجل وآثاره ما يضمن له بقاء ذكره في صدور الأجيال ومستقبل القرون فلا حاجة به إلى تمثال يخلد ذكره، أو لا، فمن المغالطة التاريخية الاحتيال على بقاء ذكره بنصب تمثاله.
إن المسلمين لم يألفوا قبل اليوم أن يعتبروا نصب التمثال للرجل عنوان عظمته أو جائزة أدبية يكافأ بها على عمله، أي: إنه لا يوجد فيهم من إذا رأى تمثالا قائما يقول: ليتني أنفع أمتي أو أخدم وطني فينصب لي بعد موتي تمثال كهذا التمثال، فإذًا لا يمكن أن يكون نصب التماثيل في البلاد الإسلامية داعية الجد والاجتهاد في الأعمال، أو باعثا على التشبه بعظماء الرجال.
إن للرجل العظيم بعد موته جلالا في القلوب لا يذهب به إلا نصب تمثاله على قارعة الطريق تحت نظرات الرجال والنساء والأطفال والأذكياء والأغبياء ومن يعرف قيمة الرجال ومن يجهل فائدة التمثال ومن لا يرى فرقا بينه وبين الصور الخشبية المنصوبة في حوانيت التجار.
وغاية ما يستنتجه السواد الأعظم عند رؤية تمثال لأحد عظماء الرجال معرفة صورته الظاهرية, وأنه طويل أو قصير ونحيف أو بدين، وهي اعتبارات لا يعتد بها في رجولة الرجل ولا علاقة بينها وبين علمه وجهله، وذكائه وغباوته، وجبنه وشجاعته، وإنما
стр. 616
تظهر رجولة الرجل واضحة مفهومة حتى للبلداء والأغبياء في ثمرات عقله، ونتائج أعماله، وفي مكرمة يخلدها، أو مدرسة يشيدها, أو كتب يؤلفها, أو عقول يثقفها.
هذه أيها الأخ الفاضل آراء كثير من عقلاء المسلمين في مصر, يتحدثون بها في مجالسهم ولا ينشرونها في الصحف مخافة أن تلتصق بهم تهمة الخيانة للوطن, وهي الكلمة التي يتسلح بها الكتاب المنافقون في مصر ليحاربوا بها كل من خالفهم في رأيهم أو نازعهم حرفتهم كما كان يصنع رجال الأكليروس في العصور الوسطى في استخدام تهمة الكفر للفتك بأعدائهم والانتقام من خصومهم, والله أعلم بالخيانة أين مكانها, وفي أي قلب مستقرها.
أحسن أثر يقام لفقيد الوطن أن تنشأ باسمه مدرسة تربي فيها الناشئة الحديثة تحت رعاية الحزب الوطني على ما كان يحب الفقيد أن يكون عليه النشء الحديث في المعارف والأخلاق والآداب الدينية والمذاهب الوطنية, وينتخب لها معلمون متدينون مخلصون لله والوطن يستطيعون أن يقدموا للأمة في كل عام رجالا يكون كل واحد منهم صورة حية من صورة الفقيد, وتمثالا أنفع من تماثيل البرنز والأحجار.
هذا ما أراه أكتبه إليك, وأملي ضعيف أن يحقق الله رجائي فيه، ولكنها الحقيقة لا بد من الجهر بها والسلام عليك ورحمة الله.
стр. 617
مدرسة الغرام:
كنت لا أسأل الله تعالى إلا تقدم هذه الأمة وارتقاءها وبلوغها في المدنية مبلغا يؤهلها لمجاراة الأمم الغربية في عظمتها وسلطانها, فأصبحت أسأله ألا يستجيب دعائي وألا ينيلها من تلك المدنية فوق ما أنالها.
أصبحت أعتقد أن مفاسد الأخلاق والمدنية الغربية شيئان متلازمان، وأخوان متحابان، لا افتراق لأحدهما عن صاحبه إلا إذا افترقت نشوة الخمر عن مرارتها، فكيف أتمناها لأمة هي أعز علي من نفسي التي بين جنبي.
قرأت حوادث الانتحار في الغرب فقلت: قوم ضعفت قلوبهم عن احتمال حوادث الدهر وأرزائه, فلم يستطيعوا الوقوف بين يديها وقفة الشجاع المستقتل, ففروا من وجهه إلى حيث يجدون الراحة الدائمة في كسور القبور، وما أكثر الجبناء في مواقف الحروب.
قرأت حوادث المبارزة هناك فقلت: قوم عجزت يد المدنية الحاضرة أن تستل من بين جنوبهم ما كانوا يعتقدونه في عهد الهمجية
стр. 618
الماضية من أن العرض إناء إذا ألم به القذى لا يغسله إلا الدم المسفوح، وكثيرا ما أوردت العقائد النفوس موارد الحتوف.
قرأت حوادث عشاق الموتى الذين يتسللون تحت ستار الليل إلى المقابر فينبشونها عن رفات الفتيات المقبورات، شوقا إلى لثمة من خد يرشح صديده، أو رشفة من ثغر يتناثر دوده، حتى إنه ليروقهم من منظر الساكنات تحت الرجام، فوق ما يروقهم من منظر المقصورات في الخيام، وقرأت أن الحكومة طاردتهم عن أمنيتهم، وحالت بينهم وبين مواطن غرامهم ومعاهد عشقهم وهيامهم، فأرادوا أن يحتالوا على الإلمام بأولئك الموتى خيالا لما فاتهم الإلمام بهم حقيقة, فأنشئوا لأنفسهم تحت الأرض قاعة كبرى كسوا حيطانها بالأستار السوداء ووضعوا في وسطها صندوقا من صناديق الموتى تنام فيه فتاة حية تتصنع الموت باصفرار لونها، وإسبال جفونها، وسكون أعضائها، وتعليق أنفاسها، فإذا لج بأحدهم الشوق إلى قضاء حاجة من فتاة ميتة نزل إلى تلك القاعة السوداء وعالج مخيلته على أن يتصورها قبرا مظلما موحشا يضم بين أقطاره فتاة ميتة لا حراك بها, فيلم بها وهو يسمع نغمات الأحزان من قيثارة أعدت وراء القاعة لتجسيم ذلك الخيال.
قرأت هذا, وقرأت أن من الناس ناسا في تلك الديار
стр. 619
تجاوزوا ذلك الحد إلى الغرام ببعض أنواع الحيوان, حتى إنهم نصبوا لأنفسهم مواخير خاصة يلمون فيها بالدجاج إلمام غيرهم بالنساء البغايا، فقلت: لا عجب في ذلك, وهل هو إلا فن من فنون الجنون التي لا يجد المرء إلى حصرها سبيلا.
إن كنت أغتفر للمدنية الغربية كل ذنوبها, فإني لا أغتفر لها ذنبها في مدرسة الغرام التي أنشأها قوم من الأمريكيين في وسط مدينة من مدن أمريكا؛ ليعلموا فيها النساء والرجال فنون الحب والمغازلة جهرة من حيث لا يرون في ذلك بأسا, ولا يجدون فيه متلوما، وقد وضعوا لها هذا البرنامج الآتي:
يوم الأحد-دروس استعدادية.
يوم الاثنين-الغزل.
يوم الثلاثاء-المطارحة.
يوم الأربعاء-صناعة التقبيل والتجميش.
يوم الخميس-فلسفة الدلال والتصبي.
يوم الجمعة-انتقاء مواعيد اللقاء.
يوم السبت-الامتحان.
هذه هي المدرسة الغرامية وهذا نظامها, فهل سمعت في حياتك أن أمة من الأمم المتوحشة, التي يسمونها بالأمم البهيمية إشارة إلى ما بينها وبين البهائم من الشبه في حب الشهوات والاستهتار فيها,
стр. 620
بلغت في تهتكها وفساد أخلاقها مبلغ تلك الأمة التي يقولون عنها: إنها زهرة المدنية الحديثة, وتاجها المرصع.
لماذا نسمي قبائل الزنوج قبائل متوحشة ونحن نعلم فيما نعلم من أخلاقهم أنهم لا يتركون عزابهم ينامون وسط البيوت مخافة أن يكون لهم سبيل إلى مخالطة النساء, فيأخذونهم جميعا إلى مكان خاص بهم خارج القرية يبيتون فيه فوق هضبة مرتفعة ينثرون حولها ترابا معبدا، حتى إذا أراد أحدهم أن يختلس من ظلام الليل غرة نم أثره عليه، كما نعلم أنهم يخيطون فروج العذارى من نسائهم حتى لا يحدث أحد من الرجال نفسه بقرع ذلك الباب إلا مالكه وصاحب الحق فيه، ولماذا نسمي الأمة الأمريكية أمة متمدينة وها هي تفتح المواخير باسم المدارس حتى لا تكون في نفس أحد من الناس غضاضة في دخولها والأخذ بنصيبه من لذائذها وشهواتها؟
إن كان توحش الأولين لإغراقهم في صون الأعراض, فالآخرون أكثر منهم توحشا لإغراقهم في هتكها وابتذالها، والإغراق في الخير خير من الإغراق في الشر.
فيا أيها الزنجي المسكين، لقد ظلمك من سماك متوحشا, ويا أيها الأمريكي المتوحش لقد كذبك من سماك متمدينا.
стр. 621
أيها الزنجي الأسود، إن كنت أسود اللون فالفضيلة أشرف عنصرا من أن تتنزل لاعتبار السواد ذنبا تنفر منه وتأبى أن تأوي إليه، وإن كنت جاهلا فهل استفاد صاحبك من علمه إلا إمتاع نفسه بشهواتها ولذائذها والتفنن في فجور الحياة وفسوقها تفننا لا أحسبك تحن إليه، أو تتقطع نفسك حسرات عليه، وإن كنت عاريا فربما لبست من الفضيلة ثوبا يحسدك عليه لو يعقل ذاك الذي يفخر عليك بخزه وديباجه، ودمقسه وحريره:
ولو بتما عند قدريكما ... لبت وأعلاكما الأسفل١
стр. 622
أمس واليوم:
مثلنا ومثل آبائنا الأولين من قبل طلوع شمس هذا التمدين الحديث ومن بعده كمثل رجل ضل به طريقه في ليلة ليلاء غدافية الإهاب، حالكة الجلباب، قد تجسد ظلامها حتى كاد يلمس بالراح، فانقلب جوهرا بعد إذ هو عرض، فأصبح كأنما هو فحم سائل، أو مداد جامد، فأنشأ هذا الضال المسكين يخبط في ذلك الديجور ترفعه النجاد، وتخفضه الوهاد، لا يرى علما فيهتدي به، ولا يتنور نجما فيعتمد في سراه عليه.
وإنه لكذلك وقد استوت في نظره الجهات الست؛ فسماؤه أرض وأرضه سماء، ووراءه أمام وأمامه وراء، وإذا بقرن الشمس قد نجم في جبهة الأفق وأفرغ في ناظره المملوء بالظلمة قطرات ملتهبة من ذائب أشعته المتلألئة فعشي بعد أن كان بصيرا، فما أغنى عنه ذلك الضياء شيئا، وما زال في ضلاله القديم إلا أن ذلك ضلال الظلام، وهذا ظلال الضياء، وهو شر الضلالين وأقتل الداءين، فإن ضلال الظلام يتخلله بريق الأمل في الضياء،
стр. 623
فأما وقد أصبح الدواء داء, فلا أمل في الشفاء:
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري
ذلك مثلنا ومثل آبائنا من قبلنا بين يدي هذه المدنية الجديدة التي همى سيلها على هذا العالم الإنساني, فرأى الغرب تربة طيبة صالحة فسقاها فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، ورأى الشرق تربة صامتة متحجرة قد نجم فيها كثير من الأعشاب الضعيفة والجذور الفاسدة، فأما ما تحجر منها فلم تغن عنه السقيا شيئا، وأما ما اخضر وترعرع فقد نما فاسدا كأصله، وكان خيرا له لو ذهب ذلك الفيضان به وبجذوره.
أي: إن المدنية الحديثة تمشت في صدر الغرب بقدم متثاقلة فما خفق لها قلبه ولا اضطرب، ثم وضعت يدها في أيدي الغربيين فصعدت بهم إلى سمائها خطوة خطوة كما يعود الطفل الصغير على المشي, وما أعجلتهم عن أمرهم كما أعجلتنا, فبلغوا ما أرادوا وهوينا إلى أعمق مما كنا كالحجر الثقيل يرمى به في الجو, فإذا ارتد ارتد إلى حفرة يدفن نفسه فيها.
أي: إن الغربيين أحسوا فنهضوا فجدوا, فأثروا فتمتعوا بثمرات أعمالهم، ونحن أغفلنا جميع هذه المقدمات ووثبنا إلى الغابة وثبا فسقطنا.
стр. 624
فمهما كان نصيب آبائنا من الجهل وانفراج المسافة بينهم وبين هذه المدنية الحاضرة, فقد كانوا على علاتهم أسعد منا حالا وأروح بالا وأهنأ عيشا وأسد خطوات في سبل الحياة، وكانت المعيشة فيهم اجتماعية أكثر منها أفرادية، فكانت الأسرة الواحدة أشبه شيء بالمملكة الدستورية المنظمة يدبرها عقل واحد في جسوم كثيرة متفقة في الرأي والدين والمذهب والأخلاق والعادات، تجتمع حول المائدة كما تجتمع في نادي المسامرة, وتتلاقى في قاعة الصلاة كما تتلاقى في ساحة المتنزة، يحبون الله ولا يختلفون إلا في الطريق إلى رضاه، ويحبون الوطن ولا يختلفون إلا في الطريق إلى خدمته، ويحترمون عاداتهم وأخلاقهم ولغاتهم المكونة لهيئتهم الاجتماعية ويفرون من العادات والمشارب الغريبة عنهم فرارهم من الأسد مخافة أن يرق هذا الحاجز القائم بينهم وبين الأمم الأخرى, فتنحل جامعتهم فتهدأ حميتهم فتموت نفوسهم, فإذا هم ميتون ثم لا يبعثون.
وكان بين الصغار في العائلة والكبار فيها معاهدة رحمة واحترام، يحترم الصغير الكبير فيكبر عمله وإرادته ومذهبه، فإذا أنزل نفسه منه هذه المنزلة أصبح بحكم الطبيعة مرآة له تنطبع فيها تلك الأعمال والإرادات والمشارب، حتى إذا أصبح الصغير كبيرا وجد
стр. 625
من صغيره ما وجد منه كبيره، فلا تزال سلسلة التوارث في العائلة متصلة اتصالا تعيا به الحوادث, وتكبو دونه عاديات الليالِ.
ويرحم الكبير الصغير فلا يألوه نصحا في حاضره ومستقبله، ولا يفتأ يطلب عنده ما عند نفسه حتى يتم بينهما التناسخ فإذا هو هو حتى إذا قضى الله فيه قضاءه لا تفقد الأسرة بفقده شيئا.
فمن لنا اليوم بتلك السعادة التي أثكلتنا إياها المدنية الغربية يوم أظلتنا بعلومها ومعارفها ومخترعاتها الحالية، وزخارفها اللامعة الباطلة، فانقلبت المعيشة البيتية الاجتماعية أفرادية محضة، فالأخوان متناكران، والزوجان متنافران، والولد شقي بأبيه، والابن شقي بولده، وكأن ساحة المنزل ساحة الحرب، لا ترى فيها غير وجوه مقطبة، ونفوس منقبضة، وأشلاء فوق أشلاء، ودماء أثر دماء، وشقاء ليس يعدله شقاء.
ومن كان في شك من هذه الحقائق, فإني أكله إلى جداول القضايا في المحاكم, فإن لم ير أن أكثر المخاصمات فيها خصوصا المدنية منها واقعة بين الأقارب وذوي الرحم فله حكمه ما شاء.
وإن أبيت إلا أن تتمثل لك الحقيقة بأكمل وجوهها فاسمع
стр. 626
قصة رجل مصري كان ذا ثروة متوسطة عاشرت آباءه أجيالا متعددة, فما كانت تضيق بهم وما كانوا يضيقون بها، وكان له ثلاثة أولاد و"امرأة جديدة" متعلمة تعرف كل شيء إلا واجباتها وواجبات منزلها وزوجها وأولادها، وليتها جهلت كل شيء غير هذا فتكون قد علمت كل شيء، وتحب مطالعة الروايات الغرامية حبا ملك عليها مشاعرها وخوالجها, فربما عرض لها المهم من الأمر فلا تخفّ له قبل فراغها من الفصل الذي تطالعه، وتحب التمثيل فتقضي ليلها في مشاهدته ونهارها في سرد وقائعه ومشاهده على أخدانها وأترابها, وربما كانت تهمس في آذانهن أن ليتها ترى "روميو" فتكون له "جوليت"١، وتبغض الحجاب بغض الحرائر للسفور, فيومها نصفان: نصف للخروج ونصف للتهيؤ له، فهي خارج المنزل من مطلع الشمس إلى مغربها، بنى بها زوجها بعد وفاة زوجه الأولى فلم يغتبط بها غير عام واحد ثم ضرب الدهر ضرباته, فإذا بينهما عيشة لا أظن أن الجحيم أشد نكالا منها.
أما أولاده فأدخلهم مدارس مختلفة تعلموا فيها لغات مختلفة؛ الإنجليزية والفرنسية والألمانية، ثم تخرجوا, هذا إنجليزي بفظاظته وخشونته، وهذا فرنسي بخلاعته واستهتاره،
стр. 627
وذلك ألماني بخيلائه وكبريائه، وجميعهم متفرنجون مشربا ومذهبا, ومطعما وملبسا ومسكنا, وما فيهم من تفرنج همة وعملا.
خرجوا من المدارس بلا دين ولا وطن، أما الدين فلأن أكثر مدارسنا حتى الأهلية منها مادية محضة, لا تعلق للدين بشأن من شئونها، والدين خُلق شأنه كبقية الأخلاق لا يرسخ في النفس إلا بتكرر الصور الدينية وتداولها عليه عهدا طويلا، فإن بعد عهدها به أغفلته وأنكرته، وكذلك كان شأن هؤلاء الأولاد المساكين؛ فقست قلوبهم وجمدت نفوسهم وفقدوا بفقد دينهم أطيب عزاء يستروحه الإنسان في هذه الحياة المملوءة بالمصائب الحافلة بالكوارث, والهموم.
والإنسان مهما طال حوله وكثر طوله, واتسعت مذاهب قوته فليس ببالغ من هذا الدهر المعاند ما يريد لولا زهرة الأمل التي يتعهدها الدين بالسقيا في قلب المؤمن, فيستروح منها ما يروح عن قلبه ويسري عن نفسه, ويقينه أن هناك حولا أكبر من حوله، وطولا أعظم من طوله، وإلها قادرا يقرب إليه ما يريد مما ضاق به ذرعه، وقصرت عنه قوته.
وأما الوطن؛ فلأن المدارس عندنا تديرها من وراء ستار أيدٍ أجنبية تربي التلاميد لها لا لأوطانهم.
стр. 628
فكنت ترى منزل الرجل كأنما هو مجمع من مجامع السفراء: عثماني متمسك بعثمانيته، وإنجليزي يهتف ليله ونهاره بأن دولة الإنجليز سيدة البحار وأن الشمس لا تغيب عن أملاكها، وفرنسي يعبد فرنسا ويسبح بحمدها ويصفها بأنها أمة العدل والرحمة وأن أسعد المستعمرات مستعمراتها، وألماني يستظهر خطب الإمبراطور غليوم وينجِّم أن المستقبل لألمانيا يوم يمحى اسم إنجلترا وفرنسا من مصورات الجغرافيا، وكثيرا ما يقع بين المتفرنس والمتألمن النزاع الطويل في شأن الألزاس واللورين وبين المتألمن والمتجلنز الشقاق العظيم في واقعة واترلو وأي القائدين كان له الغلب والفضل في كسر نابليون بلوخر أو والنجتون، ولا يتفقون إلا في الساعة التي يذكرون فيها أمتهم فإنهم يمثلونها لأنفسهم وللناس أقبح تمثيل, ويلبسونها ورجالها قديما وحديثا أثواب المرافع المضحكة غير مستحيين من أنفسهم ولا من الناس, ولا مبالين بالأدمع المنهلة من عيني والدهم الجالس ناحية يندبهم, ويندب نفسه معهم، فبئس الاختلاف حين يختلفون، ولا حبذا الاتفاق يوم يتفقون.
وهكذا انحلت الجامعة في هذا المنزل وتفرق أفراد تلك العائلة أيما تفرق, وانقسموا على أنفسهم كل الانقسام, فلا يصطحبون في
стр. 629
متنزه ولا يجتمعون لصلاة ولا يتصافّون في سمر ولا يتفقون في شأن من شئونهم البيتية حتى أصبح لكل منهم من المأكل والمشرب والملبس وجميع مرافق الحياة ما يطالبه به خلقه المباين خلق أخيه أو أبيه.
فأنى لهم التعاضد الذي كان لآبائهم من قبل في خوض غمرات الحياة؟ وأنى لوطنهم أن يسعد بهم بعد عجزهم عن إسعاد أنفسهم، والمنزل قوام الأمة تسعد بسعادته وتشقى بشقائه؟
وأي شأن لهذه المعلومات المتكثرة التي حشروها إلى أذهانهم؟ وهل أفادوا١ بها إلا هذرا في المنطق وثرثرة في اللسان وشغلا للأذهان لا يغني عن سعادة الحياة, وهنائها فتيلا؟
ولو عقلوا لعلموا أن المخترعات الحديثة والمكتشفات الجديدة والعلوم العصرية إنما هي خدم وحاشية بين يدي السعادة، والسعادة هي اللذة الباطنية التي يحس بها الإنسان عند أداء الواجب عليه لنفسه وعشيرته ووطنه ودينه، فما لم تكن مقدمة لهذه النتيجة كان وجودها أشبه شيء بالعدم.
ولو عقلوا لعلموا أن الغربيين إنما يحفلون بجميع العلوم العصرية, حتى علوم الأخلاق والآداب والدين باعتبار أنها وسائل مادية
стр. 630
يتوصل بها إلى تحصيل مرافق الحياة المحصلة لرفاهية العيش وسعادة الحال، ولا اعتبار عندهم لذواتها وأعيانها، فهم يعلمون للعمل ويخترعون للمتاجرة ويكتشفون للربح، ومن ظن غير ذلك فقد ضل ضلالا مبينا.
ولو عقلوا لعلموا أن ذلك العلم القليل الذي كان يعلمه آباؤنا ونسميه نحن جهلا وهمجية هو خير من علمنا الكثير المستفيض الذي نساجلهم به, وننعي عليهم تاريخهم من أجله؛ لأنهم كانوا بقليلهم هذا يعملون ما نعجز عنه نحن بكثيرنا.
أجل, إنهم كانوا يجهلون عدد أقسام الأرض وأن مصر في إفريقيا وسوريا في آسيا, ولكنهم كانوا يعلمون أن وطنهم حيثما حل من أقسام الأرض محبوب لديهم، وأن أبناء وطنهم إخوة لهم يسعدون معا ويشقون معا، وأن سعادتهم في استقلالهم وشقاءهم في امتداد اليد الأجنبية إليهم، وكانوا يجهلون الفرق بين المملكة والإمبراطورية والجمهورية، ولكنهم كانوا يعلمون أن صاحب الأمر فيهم كيفما كان لقبه يجب طاعته والالتفاف حوله للذود عنه وعن سلطته التي هي سلطتهم وقوتهم، وكانوا يعتقدون كثيرا من الخرافات والأوهام وأن هناك أرواحا خيرية وشرية تنفع وتضر, وكانوا يتمسحون بالمعابد والمشاهد ويذعنون لرؤساء
стр. 631
الأديان تحنثا وتعبدا، ورأيي أن دينا خرافيا وهميا خير من لا دين؛ لأن لهذه المعبودات الوهمية في نفوس المتعبدين لها سلطانا قاهرا على نفوسهم يقاوم أهواء الشر فيها, ويطهرها من كثير من الرذائل التي تعيا بها القوانين الشرعية والوضعية كالخيانة والكذب والحقد والحسد وسفك الدماء واغتيال الأموال, وغير ذلك من الشرور الإنسانية التي لا تنزجر النفس عنها ما لم يكن منها لها زاجر والتي فشت اليوم بين أكثر المتعلمين الذين أخذوا العلم مجردا عن التربية الصحيحة, كأكثر المتعلمين في مصر.
ولقد كان آباؤنا على علاتهم يعتمدون في أكثر عقودهم من بيع وشراء وهبة وقرض ورهن على صدق ألسنتهم ووفاء قلوبهم, فكان الرجل يأمن أن يقرض صاحبه الآلاف المؤلفة من الذهب بلا كتابة صك ولا شهادة شاهد، فأصبحنا نكتب الصكوك ونستشهد الشهود على الدانق والسحتوت، والويل ثم الويل لصاحب الحق إذا ضاع صكه أو أنكر شهوده وكثيرا ما يفعلون.
وجملة الحال أنهم كانوا يجهلون أكثر ما نعلم، ولكن لم يجن عليهم جهلهم أكثر مما جنى علينا علمنا، وكانوا محرومين أكثر ما ننعم به اليوم من مساكن زاخرة، ومراكب فاخرة،
стр. 632
وملابس زاهية، ومناظر زاهرة، وفرش وثيرة، وآنية صقيلة، وأدوات للمأكل والمشرب ثمينة، ولكنهم لم يكونوا محرومين في أنفسهم وفي خطرات عقولهم شيئا من هذا كله؛ لأنهم ألفوا معيشتهم البسيطة كما ألفنا نحن هذه المعيشة المركبة، فنحن وهم سواء في الرضى بحالتينا، إلا أن معيشتنا يكدرها الفقر والإفلاس الآجل أو العاجل، ومعيشتهم لم يكن يكدرها من ذلك شيء، وها هي دفاتر الصرف وبيوت الأموال مكتظة بديون الفلاحين التي كانوا في غنى عنها لولا المدنية الحاضرة التي قلبت الكماليات في نظرهم إلى حاجيات، فبنوا القصور، وشادوا الدور، وما شادوا لو يعلمون إلا قبورا دفنوا فيها راحتهم وهناءهم ومستقبلهم ومستقبل ذريتهم من بعدهم، فإن هؤلاء الأولاد المساكين بعد أن خرجوا من المدارس بلا دين, ولا وطن أرادوا أن لا يبقوا في قوس الحرية منزعا فأطلقوا لأنفسهم العنان في سبيل الشهوات واللذائذ, فكانوا يسهرون الليل بين رنين الكاسات، وغزل الغانيات، ثم ينامون النهار بين التمطي والثؤباء حتى نبت بهم وظائفهم التي هي كل ما حصلوا عليه من علومهم ومعارفهم فأبعدتهم عنها, فأصبحوا كلا على أبيهم وعلى الناس لم ينفعهم علمهم ولم تغن عنهم شهاداتهم بعد أن نفخت الكبرياء
стр. 633
في صدورهم, فأبوا أن يتنزلوا للاحتراف بما يقوم معاشهم كما يفعل أولئك القوم الذين أنضوا ركائب حياتهم في طريق تقليدهم, وباعوا في سوق التشبه بهم كل ما تملك أيمانهم وقلوبهم وبعد أن ملكت الشهوات قيادهم فما وجدوا في أنفسهم متسعا لسواها, فأغروا بثروة أبيهم يأخذون منها بالحق تارة وبالباطل تارات, وقد كانوا قلصوا ظلالها أولا بنفقات دراستهم وثانيا بابتياع ما حسن لفظه وقبح معناه من السلع الإفرنجية التي تفني خزائن روكفلر وروتشيلد, قبل الوصول إلى إشباع بطون تجارها فنضب معينها ولم يبق منها حتى الذماء١، فتبدل ذلك النعيم شقاء وتلك السعادة والرفاهية فقرا وعدما، أما الوالد فقضى شهيد العلوم والمعارف والمخترعات والمستحدثات، وأما الأولاد فاغتالت أحدهم يد الزهري وكانت لأمثاله من المغتالين، واحتوى الآخر فراش السل حيث لا زائر ولا طبيب، وافترش الثالث تراب السجن على أثر جناية دفعه إليها العوز والحاجة، وفرت المرأة الجديدة إلى معرض الأعراض حيث يبتاعها الشقاء بثمن بخس, وهو فيها من الزاهدين.
стр. 634
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
هذه قصة منزل من منازلنا وكل المنازل بيننا ذلك المنزل إلا ما رحم الله، فلو أن باكيا بكى على ما آلت عليه حالة هذه الأسرة الشقية فهو إنما يبكي أسرا متعددة وأمة كاملة:
لقد لامني عند القبور على البكا ... رفيقي لتذراف الدموع السوافك
فقلت له: إن الأسى يبعث الأسى ... دعوني فهذا كله قبر مالك١
وجملة القول أن للحاضر سيئات فوق سيئات الماضي فلا خير في العصرين، ولكن ويلا أخف من ويلين، والأمم لا تسعد بمعرفة الخير والشر، فالخير والشر معروفان حتى لأمة النمل، وإنما سعادتها في معرفة خير الخيرين وشر الشرين، ولئن دام هذا الحال واطرد المقياس فالغد شر من اليوم, كما كان اليوم شرا من الأمس.
стр. 635
المرقص:
إن كان حقا ما يقولون من أن الكاتب لا يجمل به أن يصف مشهدا من المشاهد أو يحدث عن موقف من المواقف إلا إذا رآه بنفسه واضطلع به وأحاط علما بحقيقته, فقد أسقط في يدي وارتقيت في هذه النظرة مرتقى صعبا واستحال علي أن أكتب في هذا الموقف الذي أحاول الكتابة فيه سطرا واحدا؛ لأني لا أعرف من تقويم "الأزبكية" أكثر من أنها بقعة واقعة بين بساط الغبراء، وقبة السماء.
ولولا أن الله أعانني بصديق من أصدقائي زار المرقص مرة واحدة في حياته, ووصف لي المشهد الآتي من مشاهده, لنفضت يدي منه نفض المودع يده من تراب الميت فرارا من تهكم المتهكمين، وسخرية الساخرين.
حدث ذلك الصديق قال: ذهبت ذات ليلة إلى مرقص من مراقص الأزبكية, فرأيت على بابه جنديا يتمشى في عرصته مشية هادئة مطمئنة, فذعرت لمرآه وتراجعت قليلا قليلا وكدت أعتقد