٣- باب ما جاء في القيام للجنازة
٦٤- (٣) حديث البراء بن عازب: "خَرَجْنَا مع رسول الله ﷺ في جنازةِ رجل من الأَنْصَارِ، فانتهينا إلى القبر، وَلَمَّا يُلْحَد بعدُ، فجلسَ النبي ﷺ ، وَجَلَسْنَا مَعَهُ".
قال ابن القَيِّم: "وهو حديث صحيح"١. ثم تَعَرَّضَ له بعد ذلك، ودفع عنه بعض ما رُمِيَ به من علل٢. وقال مرة: "وهو صحيح، صححه جماعة من الحفاظ"٣.
وقد استَدَلَّ ابن القَيِّم ﵀ بهذا الحديث على أن السُّنَّة لِمُتَّبِع الجنازة ألاَّ يجلس حتى توضع، وأن المراد: وضعها على الأرض، فقال: "ويدلُّ على أنَّ المراد بالوضع الوضع بالأرض عن الأعناق: حديث البراء ... " فساقه.
قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ٤، وأحمد والطيالسي في (مسنديهما) ٥، والحاكم في (المستدرك) ٦، أربعتهم من طريق: الأعمش.
стр. 1017
وأخرجه النسائي وابن ماجه في (سننيهما) ١، والحاكم - أيضاً - في (مستدركه) ٢، ثلاثتهم من طريق: عمرو بن قيس٣.
وأخرجه ابن ماجه والحاكم٤، من طريق: يونس بن خباب٥ كُلُّهم عن:
المنهال بن عمرو٦، عن زاذان٧، عن البراء بن عازب ﵁ به.
وألفاظهم متفاوتة، وعند بعضهم ما ليس عند الآخر.
قال أبو عبد الله الحاكم عقبه: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجا جميعاً بالمنهال بن عمرو، وزاذان أبي عمر الكندي"٨.
стр. 1018
وليس كما قال ﵀؛ فإن المنهال احتجَّ به البخاري وحده، وزاذان احتجَّ به مسلم وحده، فكيف يكون على شرطهما؟!
وقد أَعَلَّهُ ابن حبان ﵀ في (صحيحه) ١ فقال: " ... وزاذان لم يسمعه من البراء، فلذلك لم أخرجه".
وقد نقل ابن القَيِّم ذلك عن ابن حبان، ثم قال: "وهذه العلة فاسدة؛ فإن زاذان قال: سمعت البراء بن عازب ... ذكره أبو عوانة في صحيحه".
قلتُ: ورواية الحاكم - أيضاً - فيها التصريح بسماعه منه.
وقد أَعَلَّهُ ابن حزم بعلة أخرى، وهي ضعف المنهال بن عمرو٢.
ونقل ابن القَيِّم ذلك عنه، ثم قال: "وهي علة فاسدة؛ فإن المنهال ثقة صدوق"٣.
قلتُ: قد وثقه جماعة، وغاية ما قيل فيه: أنهم سمعوا صوت طنبور من بيته، ولم يقبل العلماء جَرْحَهُ بذلك، واحتجَّ به البخاري في (صحيحه) ٤.
стр. 1019
وَدَفَعَ ابن القطان القول بتضعيف الحديث بالمنهال بن عمرو، ونقل عن بعض الأئمة توثيقه، ثم قال - رداً على من ضَعَّفَ المنهال بن عمرو بسماع صوت طنبور من بيته -: "فهذا - كما ترى - التعسف فيه ظاهرٌ، ولا أعلم لهذا الحديث عِلَّةً غير ما ذكرت، فاعلمه"١.
وألزم عبد الحق بقبول هذا الحديث، فقال ﵀: "وسكت عنه، ولم يبين أنه من رواية المنهال، فكان هذا منه قبولاً له"٢.
فثبت بذلك صحَّةُ هذا الحديث - كما حكم ابن القَيِّم ﵀ أو حُسْنُهُ على أقل تقدير، وأن ما ضُعِّفَ به لا ينهض، وحينئذ يَسْلَمُ لابن القَيِّم ﵀ الاستدلال به على جلوس مُتَّبَعِ الجنازة بمجرد وضعها على الأرض، واستدل به ابن حجر على ذلك أيضاً، بعد أن نقل عن أبي عوانة أنه صححه٣.
ثم أورد ابن القَيِّم ﵀ بعد ذلك حديثاً للقائلين بأن المراد: الوضع في اللَّحْدِ، وهو:
٦٥- (٤) حديث عبادة بن الصامت ﵁، أنه قال: "كَانَ رَسُولَ الله ﷺ يَقُومُ فِي الْجنازة حتى تُوضعَ في اللَّحْدِ ".
قال ابن القَيِّم: "لكن في إسناده بشر بن رافع". ثم نقل أقوال الأئمة: الترمذي، والبخاري، وأحمد، وابن معين، والنسائي، وابن
стр. 1020
حبان في تضعيف بشر هذا١.
قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه في (سننهم) ٢، والبيهقي في (سننه) ٣، والحازمي في (الاعتبار) ٤، كلهم من طريق:
بشر بن رافع٥، عن عبد الله بن سليمان بن جنادة بن أبي أمية٦، عن أبيه٧، عن جده٨، عن عبادة بن الصامت ﵁، أنه قال: "كان رسول الله ﷺ يقوم في الجنازة حتى توضع في اللحد، فمرَّ به حبر من اليهود، فقال: هكذا نفعل. فجلس النبي ﷺ ، وقال: "اجلسوا، خالفوهم". هذا لفظ أبي داود، ولفظ الترمذي وابن ماجه مثله، إلا أنه ليس عندهما قوله: "اجلسوا"، ولفظ البيهقي كأبي داود.
стр. 1021
قلتُ: وهذا الحديث ضعيف، ضَعَّفَهُ غير واحدٍ من العلماء، فقال البخاري: "منكر"١. ونقل عنه العقيلي قوله - في ترجمة سليمان ابن جنادة -: "لم يُتَابَعْ في هذا"٢. وقال الترمذي: "هذا حديث غريب، وبشر بن رافع ليس بالقويِّ في الحديث". وقال الحازمي: " ... ولو صحَّ لكان صريحاً في النسخ"٣. وقال ابن الملقن: "وإسناد هذا ضعيف، فيه: بشر بن رافع، وليس بحجة، عن: ابن جنادة، وفيه نظر، كما قال البخاري ... "٤. وقال ابن حجر: "إسناده ضعيف"٥.
والحديث ليس ضعيفاً بسبب بشر بن رافع وحده، كما هو ظاهر كلام ابن القَيِّم السالف، بل شَيْخُهُ، وشيخُ شيخِهِ - أيضاً - ضعيفان.
أما شيخه عبد الله بن سليمان بن جنادة: فقال عنه البخاري: "فيه نظر"٦. وسكت ابن أبي حاتم عنه٧. أما ابن حبان فقد ذكره في (الثقات) ٨ وقال: "يعتبر حديثه من غير رواية بشر عنه".
قلت: والرجلُ في عداد المجهولين؛ فإنه لم يرو عنه أحد غيرُ
стр. 1022
بشر بن رافع، ولم يوثقه أحد غير ابن حبان، ولذلك فقد قال عنه الذهبي: "لا يُدْرَى من هو"١. وسبق قول ابن حجر فيه: "ضعيف".
وأما شيخ شيخه سليمان بن جنادة، أبو عبد الله الماضي ذكره: فقال أبو حاتم: "منكر الحديث"٢. وَضَعَّفَهُ البخاري٣، والعقيلي٤. وقال ابن حبان: "منكر الحديث، فلست أدري البلية في روايته منه أو من بشر بن رافع؛ لأن بشر بن رافع ليس بشيء في الحديث ... على أنه يجب التَّنَكُّبُ عن روايته على الأحوال"٥.
قلت: فإذا كان هذا هو حال هذا الإسناد، فإن الاقتصار على تضعيفه بـ"بشر بن رافع" وحده فيه نظر.
ومع ضعف هذا الحديث الظاهر، فإن الشيخ الألباني ﵀ قد حَسَّنَهُ٦، ولا أدري ما وجه تحسينه له؟
فتلخص من ذلك: أنَّ الصَّواب فِي قوله ﷺ : "حَتَّى تُوضَعَ " أي: بالأرض. وأنَّ مَا جَاء من أن المراد: الوضع في اللَّحد: ضَعِيف لا يثبت، وهذا ما قرره ابن القَيِّم ﵀ في دراسته هذه، فأصاب.
стр. 1023
٤- باب الصلاة على الجنازة في المسجد
٦٦- (٥) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَلا شَيْءَ لَهُ".
ذكر ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث، ونقل أن الإمام أحمد ضَعَّفَهُ: بأنه مما تفرد به صالح مولى التوأمة، وكذا البيهقي، وأنه قَدَّمَ عليه حديث عائشة ﵂ في صلاة النبي ﷺ على ابني بيضاء في المسجد، حيث إنها احتجت عليهم بذلك لما أنكروا عليها إدخالها جنازة سعد بن أبي وقاص إلى المسجد للصلاة عليها.
ثم قرَّرَ ابن القَيِّم أن صالحاً ثقة في نفسه، إلا أنه اختلطَ أخيراً، فمن سَمِعَ منه قبل الاختلاط فهو حُجَّةٌ، وابن أبي ذئب - راوي الحديث عنه - ممن سَمِعَ منه قبل اختلاطه، ولذلك فإن هذا الحديث حسن، ولا معنى لتضعيفه ما دام من رواية ابن أبي ذئب١.
قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (سننه) ٢ من طريق: يحيى وابن ماجه في (سننه) ٣، وأحمد في (المسند) ٤، والبيهقي في (السنن) ٥ من طريق: وكيع. وأخرجه عبد الرزاق في (مصنفه) ٦ من طريق: معمر،
стр. 1024
والثوري كليهما، ومن طريقه أخرجه البيهقي١. وأخرجه الطيالسي في (مسنده) ٢. وأخرجه أبو نعيم في (الحلية) ٣ من طريق: الثوري وحده، وأخرجه ابن حبان في (المجروحين) ٤، وابن الجوزي في (العلل المتناهية) ٥ من طريق: علي بن الجعد، كلهم عن:
ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة ﵁ به.
وقد اختلفت ألفاظهم في هذا الحديث: ففي رواية أبي داود التي بين أيدينا: "فلا شيء عليه". ونقل ابن القَيِّم عن الخطيب أنه قال في روايته لكتاب السنن: "في الأصل: فلا شيء عليه، وغيره يرويه: فلا شيء له". ولفظ ابن ماجه وأحمد: "فليس له شيء" وأما رواية الباقين فلفظها: "فلا شيء له ".
وعند الطيالسي زيادة وهي: "قال صالح: وأدركتُ رجالاً ممن أدركوا النبي ﷺ وأبا بكر إذا جاءوا فلم يجدوا إلا أن يُصَلُّوا في المسجد، رجعوا فلم يصلوا". وهي عند البيهقي لكن لفظها: "فرأيت الجنازة توضع في المسجد، فرأيت أبا هريرة إذا لم يجد موضعاً إلا في المسجد، انصرف ولم يصل عليها".
وقد ضَعَّفَ جماعة هذا الحديث: فقال ابن ماجه عقب إخراجه:
стр. 1025
"حديث عائشة أقوى" يعني: في صلاة النبي ﷺ على سهيل بن بيضاء في المسجد. وقال ابن حبان: "هذا خبرٌ باطلٌ، كيف يخبر المصطفى ﷺ أَنَّ الْمُصَلِّي في المسجد على الجنازة لا شيء له من الأجر، ثم يُصَلِّي هو على سهيل بن بيضاء في المسجد؟ "١.
وقال البيهقي: "وهو مِمَّا يُعَدُّ في أَفراد صالح، وحديث عائشة ﵂ أصحُّ منه، وصالح مولى التوأمة مختلف في عدالته، كان مالك بن أنس يجرحه"٢. وقال ابن الجوزي: "هذا حديث لا يصحُّ، وصالح قد كَذَّبَه مالك ... "٣. وقال النووي: "ضعيف باتفاق الحُفَّاظِ، وممن نصَّ على ضعفه: الإمام أحمد، وأبو بكر بن المنذر، والبيهقي وآخرون ... "٤.
قلت: وبالنظر إلى كلام الْمُضَعِّفِينَ لهذا الحديث نجدُ أنهم اعتمدوا في تضعيفه على أمرين:
الأول: ضعفُ صالح مولى التوأمة، وقد تَفَرَّدَ بذلك.
الثاني: مخالفةُ هذه الرواية لما ثبت في (صحيح مسلم) من حديث عائشة: "أن النبي ﷺ صَلَّى على ابن بيضاء في المسجد".
стр. 1026
فأما صالح: فإنه قد وثقه جماعة، وضَعَّفَهُ آخرون١. وغاية ما رَمَوهُ به: أنه اختلط قبل موته، لكن مَيَّزَ الأئمة النُّقَّادُ بين سماع من سمع منه قبل الاختلاط وبعده، فقال علي بن المديني: "صالح ثقة، إلا أنه خَرِفَ وكَبِرَ، فَسَمِعَ منه قومٌ وهو خرف كبير، فكان سَمَاعهم ليس بصحيح، سفيان الثوري ممن سمع منه بعد ما خرف، وكان ابن أبي ذئب قد سمع منه قبل أن يخرف"٢. وقال أحمد بن أبي مريم عن يحيى بن معين: "ثقة حجة. فقلت له: إن مالكاً تركه. فقال: إن مالكاً إنما أدركه بعد أن خرف ... لكنَّ ابن أبي ذئب سمع منه قبل أن يخرف"٣. وقال الجوزجاني: "تَغَيَّرَ أخيراً، فحديث ابن أبي ذئب عنه مقبول لِسِنِّه وسماعه القديم، وأما الثوري فَجَالَسَهُ بعد التغير"٤.
فهذا كلام هؤلاء الأئمة في أنَّ ابن أبي ذئب ممن سمع منه قديماً قبل الاختلاط، وقال ابن عديّ - بعد أن ذكر قدم سماع ابن أبي ذئب منه -: "ولا أعرف له حديثاً منكراً إذا روى عنه ثقة، وإنما البلاء ممن دون ابن أبي ذئب ... وصالح مولى التوأمة: لا بأس برواياته وحديثه"٥.
قلت: وهذا الحديث من رواية ابن أبي ذئب عن صالح، فلا مجال حينئذ للطعن فيه باختلاط صالح، ولذلك فقد ساق الذهبي هذا
стр. 1027
الحديث وغيره في ترجمة صالح من طريق ابن أبي ذئب عنه، ثم قال: "فهذه الأحاديث صحاح عند ابن معين على ما قال"١.
وأما معارضة هذا الحديث لحديث عائشة السابق: فيمكن الجواب عن ذلك بأجوبة:
- منها: أن نُسَخَ أبي داود المعتمدة فيها: "فلا شيء عليه"، وبعضهم: "فليس له شيء "، وبعضهم: " فليس به شيء "، وعلى هذا: لا دلالة فيه على كراهية ذلك. أجاب بذلك النووي٢.
قلت: لكن كيف برواية الجماعة الباقين، وهي: "فلا شيء له"، وفي رواية: "فليس له شيء "، فهذا يعكر على هذا الجواب. ويعكر عليه أيضاً: قول صالح عقب روايته هذا الحديث: "فرأيت الجنازة توضع في المسجد، فرأيت أبا هريرة إذا لم يجد موضعاً إلا في المسجد، انصرف ولم يصل عليها". وقد سبق ذلك في رواية البيهقي، وأبي داود الطيالسي، فهذا أبو هريرة ﵁ راوي هذا الحديث يفعل ذلك، فلا بدَّ أنه قد ثبت عنده عن النبي ﷺ كراهة ذلك، وحينئذ فلا وجه لردِّ رواية: "فلا شيء له".
- ومن هذه الأجوبة: أن لفظة: "لا شيء له" يجب حملها على: "فلا شيء عليه" جمعاً بين الروايات، وقد جاء مثل ذلك في القرآن، كقوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء:٧] أي: فعليها. قاله النووي٣.
стр. 1028
- وأجاب الخطابي بجواب آخر، فقال: "وقد يكون معناه - إن ثبت الحديث - متأولاً على نقصان الأجر؛ وذلك أن من صلى عليها في المسجد، فإن الغالب أنه ينصرف إلى أهله ولا يشهد دفنه، وأن من سعى إلى الجَبَّان فَصَلَّى عليها بحضرة المقابر شهد دفنه، فأحرز أجر القيراطين ... فصار الذي يصلي عليها في المسجد منقوص الأجر بالإضافة إلى من صَلَّى عليها براً"١. وقال مثله النووي ﵀، وزاد: "فيكون التقدير: فلا أجر كامل له"٢.
قلتُ: ولعلَّ هذا الجواب الأخير هو أَقْرَبُهَا، فيكون الأصل في الصلاة على الجنازة أن تكون خارج المسجد، وأنه الأفضل، وأن الصلاة عليها في المسجد جائزة، وإن كانت دون الأولى، وقد أشار إلى شيء من ذلك الحافظ ابن حجر ﵀، فإنه عند شرحه لحديث ابن عمر ﵄: "أن اليهود جاءوا إلى النبي ﷺ برجل منهم وامرأة زنيا، فأمر بهما فرجما قريباً من موضع الجنائز عند المسجد" قال ﵀: "دلَّ حديث ابن عمر المذكور على أنه كان للجنائز مكان مُعَدٌّ للصلاة عليها، فقد يستفاد منه: أن ما وقع من الصلاة على بعض الجنائز في المسجد كان لأمرٍ عارض، أو لبيان الجواز"٣. وفي إنكار الصحابة - رضوان الله عليهم - على عائشة إدخالها جنازة سعد بن أبي وقاص إلى المسجد للصلاة عليها، دليل على عدم وقوعه من النبي ﷺ كثيراً، وإلا لما خفي عليهم.
стр. 1029
فَتَلَخَّصَ من ذلك: أن حديث أبي هريرة هذا - من رواية صالح مولى التوأمة - حديث حسن على أقل أحواله، كما حكم عليه بذلك ابن القَيِّم ﵀، وأن القول بضعفه مَبْنِيٌّ على الطعنِ في صالح، وقد عُلِمَ ما فيه.
على أنه لا تنافي بينه وبين جواز الصلاة على الجنازة في المسجد على الوجه المتقدم، والله أعلم.
стр. 1030
٥ - باب ما جاء في الصلاة على الطفل
قال ابن القَيِّم ﵀: "وكان من هديه ﷺ الصلاة على الطفل، فصحَّ عنه أنه قال: ٦٧- (٦) "الطِّفْلُ يُصَلَّى عليه" ١.
قلت: هذا جزء من حديثٍ يُروى عن: زياد بن جبير بن حَيَّة٢، عن أبيه٣، عن المغيرة بن شعبة ﵁، واختلف فيه على زياد بن جبير:
فأخرجه: الترمذي والنسائي وابن ماجه في (سننهم) ٤، وأحمد في (مسنده) ٥ والطبراني في (الكبير) ٦، وابن حبان في (صحيحه) ٧، والحاكم في (المستدرك) ٨، كلهم من طريق:
стр. 1031
سعيد بن عبيد الله١، عن عمه زياد بن جبير، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة ﵁، أن النبي ﷺ قال: "الراكب خَلْفَ الجنازة، والماشي حيث شاء منها، والطفلُ يُصَلَّى عليه". هذا لفظ الترمذي، ومثله: أحمد والنسائي، والطبراني، وابن حبان، وأما لفظ ابن ماجه فمختصر، وهو الذي ساقه ابن القَيِّم ﵀، وأما لفظ الحاكم: "الماشي أمام الجنازة، والراكب خلفها، والطفل يصلى عليه".
وأخرجه النسائي٢ مرة عن: سعيد بن عبيد الله وأخيه المغيرة بن عبيد الله٣، كلاهما عن: زياد بن جبير به، ولفظه كلفظه الماضي.
هكذا رواه هؤلاء من طريق سعيد بن عبيد الله - وأخيه في رواية النسائي - عن زياد بن جبير مجزوماً برفعه.
وأخرجه: أبو داود في (سننه) ٤، والطبراني في (الكبير) ٥، والحاكم في (المستدرك) ٦، والبيهقي في (سننه) ٧ كلهم من طريق:
стр. 1032
يونس بن عبيد١، عن زياد بن جبير، عن أبيه، عن المغيرة بن شعبة- قال يونس: وأحسب أن أهل زياد أخبروني أنه رفعه إلى النبي ﷺ قال: "الراكب يسير خلف الجنازة، والماشي يمشي خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها قريباً منها، والسِّقْط٢ يُصَلَّى عليه، ويُدْعَى لوالديه بالمغفرة والرحمة". هذا سياق أبي داود ومثله سياق الطبراني إسناداً ومتناً. وأما الحاكم فلفظه مثل أبي داود لكن فيه: " ... ويدعى لوالديه بالعافية والرحمة". وأما إسناده، ففيه قول يونس: "وحدثني بعض أهله أنه رفعه" هكذا بدون شك. قال إبراهيم بن أبي طالب - شيخ شيخ الحاكم في هذا الإسناد -: "قول يونس بن عبيد: حدثني بعض أهله أنه رفعه إلى النبي ﷺ : رواية ليونس بن عبيد، عن سعيد بن عبيد الله بن جبير ... ".
ورواية يونس بن عبيد هذه: أخرجها الطبراني في (الكبير) ٣ من غير شك في رفعها، وذلك من طريق: عبد الله بن بكر٤، ثنا يونس بن عبيد، عن زياد، عن أبيه، عن المغيرة مرفوعاً: "الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء، والطفل يُصَلَّى عليه".
ورواه الثوري عن يونس بن عبيد فلم يرفعه، أخرجه عبد الرزاق في (مصنفه) ٥.
стр. 1033
وأخرجه: أحمد والطيالسي في (مسنديهما) ١ من طريق: المبارك بن فضالة٢، عن زياد بن جبير، عن أبيه، عن المغيرة مرفوعاً، ووقع عند الطيالسي قول المبارك: "ولا أراه إلا مرفوعاً" أما عند أحمد فقد جزم برفعه.
وقد صحح هذا الحديث جماعة؛ فقال الترمذي: "حديث حسن صحيح". وقال الإمام أحمد بن حنبل - فيما رواه أحمد بن أبي عبدة عنه -: "صحيح مرفوع"٣. وقال أبو عبد الله الحاكم: "صحيح على شرط البخاريِّ، ولم يُخَرِّجَاهُ". ووافقه الذهبي ﵀. وصححه ابن دقيق العيد؛ فإنه أورده في كتابه (الاقتراح) ٤ في القسم الخاص بالأحاديث التي رواها قومٌ خَرَّجَ عنهم البخاري دون مسلم. هذا مع تصحيح ابن حبان له؛ إذ أخرجه في (صحيحه) كما مرَّ، وصححه - أيضاً - الشيخ الألباني٥ ﵀.
وأما ما وقع في بعض طرقه من الشكِّ في رفعه: فإن ذلك لا يَضُرُّهُ؛ إذ إن ذلك وقع في رواية يونس بن عبيد وحده، ومع هذا فقد اخْتُلِفَ عليه في ذلك، فقد رواه عنه عبد الله بن بكر بدون شك، كما مضى عند الطبراني.
стр. 1034
وأما رواية الثوري له موقوفاً: فقد خالفه جماعة عن يونس بن عبيد، منهم: عبد الله بن بكر المزني الماضي ذكره، وذكر الدارقطني: أن ابن عُلَيَّةَ، وعنبسة بن عبد الواحد روياه عن يونس مرفوعاً١. هذا مع اتفاق سعيد بن عبيد الله الثقفي، وأخيه المغيرة، والمبارك بن فضالة على رفعه كما مرَّ في تخريج الحديث، فهذا العدد الكثير أولى أن تكون روايتهم محفوظة، هذا إذا لم نقل: إن الرفع زيادة، وقد أتى بها ثقات، فهي مقبولة.
وبهذا يتبين أن ترجيح الإمام الدارقطني في (علله) ٢ رواية الوقف، الراجح خلافه.
ويَتَلَخَّصَ من ذلك: أن الحديث صحيح ثابت، وأنه لا مَطْعَنَ فيه، وبذلك يكون ابن القَيِّم ﵀ قد أصاب في تصحيحه إياه، والاستدلال به على مشروعية الصلاة على الطفل.
٦٨- (٧) عن البراء بن عازب ﵁، أنه قال: صَلَّى رسول الله ﷺ على ابنه إبراهيم، ومات وهو ابن ستة عشر شهراً، وقال: "إِنَّ في الجَنَّة مُرْضِعَاً تُتِمُّ رِضَاعَهُ، وهو صِدِّيقٌ ".
قال ابن القَيِّم: "هذا حديث لا يثبت؛ لأنه من رواية جابر الجُعْفِي، ولا يحتجُّ بحديثه، ولكن هذا الحديث مع مرسل البَهيّ،
стр. 1035
وعطاء، والشعبي، يُقَوِّي بعضها بعضاً"١.
قلت: هذا الحديث أخرجه أحمد في (مسنده) ٢، والبيهقي في (سننه) ٣ من طريق:
إسرائيل، عن جابر الجعفي، عن عامر الشعبي، عن البراء بن عازب ﵁ به.
وهذا الإسناد ضعيف بجابر الجعفي كما قال ابن القَيِّم ﵀، وضَعَّفَهُ به المنذري٤ أيضاً، ثم نقل كلام البيهقي في اعتضاد هذا الحديث بالمراسيل السابقة، قال: "وفيه نظر".
قلت: وقد رُوي مسنداً من غير طريق البراء، فَرُوِيَ عن: ابن عباس، وأنس، وأبي سعيد الخدري ﵃، ذكر ذلك الزيلعي في (نصب الراية) ٥.
أما حديث ابن عباس: فأخرجه ابن ماجه في (سننه) ٦ من
стр. 1036
طريق: إبراهيم بن عثمان١، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس ﵄، أنه قال: لما مات إبراهيم بن رسول الله ﷺ ، صَلَّى عليه رسول الله ﷺ ، وقال: "إن له مرضعاً في الجنة، ولو عاش لكان صِدِّيقَاً نَبِيَّاً، ولو عاش لَعُتِقَتْ أخواله القبط، وما اسْتُرِقَّ قبطيُّ".
قال البوصيري: "هذا إسناد ضعيف لضعف إبراهيم بن عثمان، أبو شيبة"٢. وقال الحافظ ابن حجر: "أخرجه ابن ماجه ... بسند ضعيف"٣.
وأما حديث أنس: فرواه أبو يعلى في (مسنده) ٤ من طريق: يونس بن بكير، عن محمد بن عبيد الله٥، عن عطاء، عن أنس ﵁: "أن النبي ﷺ صَلَّى على إبراهيم، فَكَبَّرَ عليه أربعاً". وَضَعَّفَهُ الهيثمي بمحمد بن عبيد الله العَرْزَمي٦.
وأما حديث أبي سعيد: فأخرجه البزار في (مسنده) ٧ من طريق:
стр. 1037
عبد الرحمن بن مالك بن مغول١، عن الجُرَيرِي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري ﵁ بلفظ حديث أنس الماضي. وَضَعَّفَهُ الهيثمي٢ بعبد الرحمن بن مالك، فإنه متروك الحديث. وَضَعَّفَهُ به ابن حجر أيضاً٣.
قلتُ: فهذه المسانيد الثلاثة شديدة الضَّعْفِ؛ فإن إسناد كلِّ واحد منها لا يخلو من متروك، فيكون الاعتماد في ذلك على تلك المراسيل التي مضى ذكرها، فإنها - كما قال البيهقي وابن القَيِّم - إذا انضمت إلى مسند البراء بن عازب ﵁، قَوَّى كل منهما الآخر.
ومما يقوي ذلك أيضاً: أن الجمهور على أنه ﷺ صلَّى على ابنه إبراهيم، قال ابن عبد البر: "وصَلَّى عليه رسول الله ﷺ ، وكَبَّرَ أربعاً. هذا قول جمهور أهل العلم، وهو الصحيح" ٤. وقال النووي: "الذي ذهب إليه الجمهور: أنه صَلَّى عليه، وكبر عليه أربع تكبيرات" ٥.
وقال الخطابي - عقب ذكره مرسل عطاء -: "وهذا أولى الأمرين"٦. وقال البيهقي: "وقد أثبتوا صلاة رسول الله ﷺ على ابنه
стр. 1038
إبراهيم، وذلك أولى من رواية من روى: أنه لم يُصَلِّ عليه"١.
فَتَلَخَّصَ من ذلك: ثبوت صلاته ﷺ على الأطفال، وأن ذلك كان هديه، وكذلك ثبوت صلاته على ابنه إبراهيم ﵇، وهذا هو الذي اختاره ابن القَيِّم ﵀، والله أعلم.
стр. 1039
٦- باب ما جاء في الصلاة على الشهداء
تناول ابن القَيِّم ﵀ قضية الصلاة على الشهيد، وقَرَّرَ أَنَّ أَصحَّ الأقوال في ذلك: التخيير بين الصلاة على الشهداء وتركها، وذلك لمجيء الأخبار بكل واحد من الأمرين.
ومن هذه الأحاديث التي بحثها في هذا الموضوع:
٦٩ - (٨) حديث ابن عباس ﵄: "أَنَّ النَّبِي ﷺ صَلَّى عَلَى حَمْزَة، فَكَبَّرَ سَبعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَلَم يُؤت بقتيل إلا صَلَّى عليه معه، حتى صَلَّى عليه اثنتين وسبعين صلاةً".
ساق ابن القَيِّم هذا الحديث من رواية: ابن إسحاق، عن رجل من أصحابه، عن مقسم، عن ابن عباس به، ثم قال: "ولكنَّ هذا الحديث له ثلاث عللٍ:
- إحداها: أن ابن إسحاق عنعنه، ولم يذكر فيه سماعاً.
- الثانية: أنه رواه عمن لم يُسَمِّه.
- الثالثة: أن هذا قد رُوِيَ من حديث الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، والحسن لا يحتجُّ به ... "١.
قلت: حديثُ ابن إسحاق هذا أورده ابن هشام في (السيرة
стр. 1040
النبوية) ١ فقال: "وقال ابن إسحاق: وَحَدَّثَنِي من لا أَتَّهِمُ، عن مِقْسم مولى عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس قال: " أَمَرَ رسول الله ﷺ بحمزةَ فَسُجِّي٢ ببردةٍ، ثم صلى عليه ... " الحديث.
وأخرجه البيهقي في (سننه) ٣ من طريق ابن إسحاق قال: حدثني رجلٌ من أصحابي ... الحديث.
وإلى مناقشة العلل التي ذكرها ابن القَيِّم ﵀:
أما قوله:"إن ابن إسحاق عنعنه ... " فليس كذلك، بل صَرَّحَ فيه ابن إسحاق بالتحديث كما في (السيرة) ، وكذا الرواية عند البيهقي مُصَرَّحٌ فيها بالتحديث، وروايته هي التي ساقها ابن القَيِّم، وحينئذ تنتفي عنه شبهة التدليس.
وأما قوله:"إنه رواه عمن لم يسمعه": فنعم، قال البيهقي عقب إخراجه: "وهذا ضعيف، ومحمد بن إسحاق بن يسار إذا لم يذكر اسم من حَدَّثَ عنه لم يُفْرَحْ به"٤.
وأما العلة الثالثة، وهي قوله: "إن هذا رُوِيَ من حديث الحسن ابن عمارة ... " إلخ: فقد أشار البيهقي إلى هذه العلة أيضاً٥.
стр. 1041
ولعلَّ هناك وجهاً للربط بين رواية ابن إسحاق، وبين رواية الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن مقسم، وهو ما ذكره السهيلي في (الروض الأنف) ١ - مُعَقِّبَاً على رواية ابن إسحاق - فقال: "قول ابن إسحاق في هذا الحديث: حَدَّثَنِي من لا أَتَّهِم. إن كان هو الحسن بن عمارة - كما قاله بعضهم - فهو ضعيف بإجماع أهل الحديث، وإن كان غيره، فهو مجهول ... ".
وقال الحافظ ابن حجر: "والحامل للسهيلي على ذلك: ما وقع في مقدمة مسلم٢، عن شعبة: أن الحسن بن عمارة حَدَّثَهُ عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ صَلَّى على قتلى أحد. فسألت الحكم؟ فقال: لم يصلِّ عليهم"٣.
ولكن على كلام السهيلي هذا يكون ابن إسحاق قد أَبْهَمَ الحسن ابن عمارة، وأسقط من الإسناد "الحكم بن عتيبة".
ولكن لحديث ابن عباس هذا طرقاً أخرى قد يَتَقَوَّى بها، من هذه الطرق:
١- ما أخرجه ابن ماجه في (سننه) ٤، والحاكم في (المستدرك) ٥، والبيهقي في (سننه) ٦ من طريق: أبي بكر بن عياش٧،
стр. 1042
عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس ﵄ قال: "أُتِيَ بهم رسول الله ﷺ يوم أحد، فَجَعَلَ يُصَلِّي على عشرة عشرة، وحمزة هو كما هو، يُرفَعُونَ وهو كما هو موضوع". هذا لفظ ابن ماجه، وهو عند الحاكم والبيهقي بأطول من هذا، وفيه قصة صفية وبحثها يوم أحد عن حمزة ﵁.
وأورد ابن القَيِّم هذا الطريق قبل طريق ابن إسحاق السابق، وعزاه إلى البيهقي، ثم نقل قوله في أبي بكر ويزيد، فقال: "لا يحفظ إلا من حديثهما، وكانا غير حافظين". وسكت عنه الحاكم، فتعقبه الذهبي بقوله: "ليسا بمعتمدين" وقال ابن حجر في (التلخيص) ١: "ويزيد فيه ضعف يسير".
وقال الحافظ البوصيري: "هذا إسناد صحيح"٢. كذا قال!
والذي يظهر عند النظر في هذا الإسناد: أن رَدَّهُ بأبي بكر بن عياش غير سائغ؛ فإن الرجل ثقة، إلا أنه قد ساء حفظه لما كَبِرَ، ولعلَّ القول فيه ما قاله ابن حبان ﵀: "والصواب في أمره: مُجَانَبةُ ما عُلِمَ أنه أخطأ فيه، والاحتجاج بما يرويه سواء وافق الثقات أو خالفهم؛ لأنه داخل في جملة أهل العدالة ... "٣.
قلت: وأما القول بالاحتجاج بما خالف فيه الثقات: فغير مقبول؛ لأنه حينئذٍ يكون من قبيل الشاذ.
стр. 1043
وأما يزيد بن أبي زياد: فإنه ضعيف، ولكن لا يصلُ به الضعف إلى مرتبة من يُطْرَحُ حديثه بالكلية؛ لأن ضَعْفَهُ يسير كما قال ابن حجر١. ولذلك قال ابن عبد الهادي - في معرض رده على ابن الجوزي في تضعيفه هذا الحديث -: "وهو ممن يُكْتَبُ حديثه على لينه، وقد روى له مسلم مقروناً بغيره ... وقال أبو داود: لا أعلم أحداً ترك حديثه"٢.
فإذا تَبَيَّنَ ذلك، فإن هذا الإسناد مما يَصْلُحُ في المتابعات، ويعتضد بانضمام غيره إليه، وأما قول البوصيري: "صحيح" فإنه لا يخفى ما فيه.
٢- ما أخرجه الدارقطني في (سننه) ٣ من طريق: إسماعيل بن عياش، عن عبد الملك بن أبي عتيبة أو غيره، عن الحكم بن عتيبة، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄ به، وفيه: "أَنَّه صَلَّى عليه سبعين صلاة، وأَنه كَبَّرَ عليه عشراً". قال الدارقطني عقبه: "لم يروه غير إسماعيل بن عياش، وهو مضطرب الحديث عن غير الشاميين".
وقد روي من وجه آخر عن: الحكم، عن مجاهد. أشار إلى ذلك الزيلعي في (نصب الراية) ٤ فقال: "رواه الإمام أبو قرة موسى بن طارق الزبيدي في (سننه) عن الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس به، ولفظه كلفظ رواية الدارقطني الماضية.
стр. 1044
وفي إسناده "الحسن بن عمارة" وهو ضعيف بالاتفاق.
٣- ما أخرجه الدارقطني - أيضاً - في (سننه) ١ من حديث: عبد العزيز بن عمران٢، عن أفلح بن سعيد، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس به.
قال الدارقطني عقبة: "عبد العزيز بن عمران ضعيف".
فهذه الطرق الثلاث: أحسنها الطريق الأول، من رواية أبي بكر ابن عَيَّاش، فيكون مقوياً لطريق ابن إسحاق المتقدم.
وهناك شاهدٌ مرسل لحديث ابن عباس ﵄، وهو:
٧٠- (٩) حديث أبي مالك الغفاري، أنه قال: "كَانَ قَتْلَى أُحُد يؤتى منهم بتسعةٍ وعاشرهم حمزة، فَيُصَلِّي عليهم رسول الله ﷺ ، ثم يُحْمَلُون، ثم يُؤْتَى بتسعةٍ فَيُصَلِّي عليهم وحمزة مكانه، حتى صَلَّى عليهم رسول الله ﷺ ".
ذكر ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث، ثم قال: " هذا مرسل صحيح"٣. ثم نقل عن البيهقي قوله: "هو أصحُ ما في الباب".
стр. 1045
قلت: هذا الحديث أخرجه أبو داود في (المراسيل) ١ من طريق: سليمان بن كثير، عن حصين بن عبد الرحمن٢، عن أبي مالك٣، وفيه: "فَصَلَّى عليهم سبع صلوات، حتى صَلَّى على سبعين رجلاً، منهم حمزة في كل صلاة صَلاّها".
وأخرجه الدارقطني في (سننه) ٤ من طريق: شعبة، عن حصين به. قال الحافظ ابن حجر ﵀: "رجاله ثقات"٥. وتقدم قول البيهقي٦ فيه، وتصحيح ابن القَيِّم ﵀ إياه.
وفي مقابلة هذه الأحاديث يأتي حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ لم يُصَلِّ عليهم٧. وظاهر صنيع ابن القَيِّم أنه يذهب إلى هذا الحديث ويقول به، وأما الأحاديث التي مَرَّتْ في الصلاة على حمزة وسائر شهداء أحد: فإن ابن القَيِّم ﵀ لا يثبتها، بل يختار ضعفها، وذلك أنه قال: "والذي يظهر من أمر شهداء أحد: أنه لم يصلِّ عليهم عند الدَّفْن، وقد قُتِلَ معه بأحدٍ سبعون نفساً، فلا يجوز أن تَخْفَى الصلاة عليهم،
стр. 1046
وحديث جابر في ترك الصلاة عليهم صحيح صريح، وأبوه عبد الله أحد القتلى يومئذ، فله من الخبرة ما ليس لغيره"١.
وقال مرة: " ... شهيد المعركة لا يُصَلَّى عليه؛ لأنَّ رسول الله ﷺ لم يُصَلِّ على شهداء أُحُد ... فإن قيل: فقد ثبت في (الصحيحين) ٢ من حديث عقبة بن عامر، أن النبي ﷺ خَرَجَ يوماً، فَصَلَّى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر ... قيل: أما صلاته عليهم، فكانت بعد ثمان سنين من قتلهم قرب موته، كَالْمُوَدِّعِ لهم ... فهذه كانت توديعاً منه لهم، لا أنها سُنَّة الصلاة على الميت، ولو كان ذلك كذلك لم يؤخرها ثمان سنين"٣.
لكن كيف يستقيم هذا مع اختياره الذي صَدَّرَنَا به هذا البحث إذ يقول: "فأصح الأقوال: أنهم لا يُغَسَّلُون، ويُخَيَّرُ في الصلاة عليهم، وبهذا تتفق جميع الأحاديث"٤. فلعله ﵀ يرى الصلاة عليهم بعد دفنهم كما هو ظاهر حديث عقبة بن عامر الماضي قبل قليل؟
وحيث اختلفت الأحاديث الواردة في هذا الباب؛ فوردت
стр. 1047
أحاديث تثبت الصلاة على الشهداء، وأخرى تنفي ذلك، فإن الروايات المثبتة تقدم على الروايات النافية؛ لأن الحجة للمثبت على النافي، حيث إن معه زيادة علم، فالذي تطمئن إليه النفس بعد هذا: جواز الصلاة على الشهداء لورود النصوص بذلك، فإذا لم يُصَلّ عليهم فلا حرج، والله أعلم.
стр. 1048
٧- باب ما جاء في تلقين الميت بعد دفنه
٧١- (١٠) عن أبي أمامة مرفوعاً: "إِذَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْ إِخْوَانِكُم فَسَوَّيْتُم التَّرَابَ عَلَى قَبْرِهِ، فَلَيْقُم أحدُكُم عَلَى رَأْسِ قَبْرِهِ ثم لْيَقُلْ: يا فلان بن فلانة، فَإِنَّه يَسْمَعُهُ ولا يُجِيبُ، ثُمَّ يقول: يا فلان بن فلانة، فَإِنَّهُ يَسْتَوي قَاعِدَاً، ثم يقول: يا فلان بن فلانة، فَإِنَّه يقول: أَرْشِدْنَا رَحِمَكَ الله. وَلَكِن لا تَشْعُرُون، فَلْيَقُل: اذْكُرْ مَا خَرَجْتَ عَلَيه من الدنيا: شَهادةَ أَنَّ لا إِلَهَ إِلا اللهَ وَأَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُه، وَأَنَّكَ رَضِيتَ بِالله رَبَّاً، وبِالإسْلام دِيْنَاً، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَبِالقرآن إِمَامَاً، فَإِن مُنْكَرَاً وَنَكِيراً يَأْخُذُ كلُّ واحدٍ منهما بيد صاحبه ويقول: انطلق بنا، ما نَقْعُدُ عند من قد لُقِّنَ حُجَّته، فيكونُ الله حجيجه دونهما". فقال رجل: يا رسول الله! فإن لم يعرف أُمَّهُ؟ قال: "ينسبه إلى حواءَ: يا فلان بن حواء ".
قال ابن القَيِّم ﵀: " ... فهذا حديث لا يصحُّ رفعه، ولكن قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: فهذا الذي يصنعونه إذا دفن الميت ... ؟ فقال: ما رأيت أحداً فعل هذا إلا أهل الشام، حين مات أبو المغيرة، جاء إنسان فقال ذلك، وكان أبو المغيرة يروي فيه عن أبي بكر بن أبي مريم، عن أشياخهم، أنهم كانوا يفعلونه، وكان ابن عياش يروي فيه. قلت: يريد حديث إسماعيل بن عياش هذا الذي رواه الطبراني عن أي أمامة"١.
стр. 1049
وقال مرةً: "حديث ضعيف"١.
وقال مرةً: "ضعيف باتِّفَاقِ أهل العلم بالحديث"٢.
وقال مَرةً: " ... لا تقوم به حُجَّة"٣.
قلت: هذا الحديث أخرجه الطبراني في (أكبر معاجمه) ٤، وفي (الدعاء) ٥ له من طريق:
محمد بن إبراهيم بن العلاء، عن إسماعيل بن عيَّاش٦، عن عبد الله ابن محمد القرشي، عن يحيى بن أبي كثير، عن سعيد بن عبد الله الأودي، أنه قال: شهدت أبا أمامة ﵁ وهو في النَّزْع قال: إذا أنا متٌُّ فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله ﷺ أن نصنع بموتانا، أمرنا رسول الله: "إذا مات أحدٌ ... " الحديث.
وهذا الإسناد ضعيف، وفيه مجاهيل؛ فإنَّ محمد بن إبراهيم بن العلاء: هو الحمصي الزبيدي، ذكره الذهبي في (الميزان) ٧ وقال: "قال محمد بن عوف: كان يَسْرِقُ الحديث". وعبد الله بن محمد القرشي لم أقف له على ترجمة.
стр. 1050
وأما سعيد بن عبد الله الأودي: فهكذا وقع عند الطبراني في كتابيه، وقال بعضهم: سعيد الأزدي١، وأشار المنذري إلى الخلاف في اسمه، فقال في الجزء الذي صَنَّفَهُ في التلقين - ونقل عنه ابن الملقن في (البدر المنير) ٢-: "قال أبو نعيم الحدَّاد: هذا حديث غريب من حديث حماد بن زيد، ولم أكتبه إلا من حديث سعيد الأزدي، وقال ابن أبي حاتم٣: سعيد الأزدي، عن أبي أمامة الباهلي ... ". وقال المنذري: "هكذا قال: الأزدي، ووقع في روايتنا: الأودي، وهو في معنى المجهول".
فإن كان هو الأزدي: فقد بَيَّضَ له ابن أبي حاتم، وإن كان الأودي: فإنه أيضاً لا يُعْرَف، ولذلك قال الهيثمي ﵀ ووقع عنده: الأودي -: "رواه الطبراني في الكبير، وف إسناده جماعة لم أعرفهم"٤.
وأورده الشيخ الألباني في (السلسلة الضعيفة) ٥ من طريق آخر، فقال: "أخرجه القاضي الخُلعي في الفوائد (٥٥/٢) عن: أبي الدرداء هاشم بن محمد الأنصاري، ثنا عتبة بن السكن، عن أبي زكريا، عن جابر بن سعيد الأزدي، قال: دخلت على أبي أمامة وهو في النَّزْع ... " الحديث.
فهذا قولٌ ثالت في اسم الراوي عن أبي أمامة، وأخشى أن يكون
стр. 1051
حصل تصحيف في إسناد الخُلعي هذا، ويكون صوابه: جابر عن سعيد الأزدي، فيكون هو نفسه "سعيد الأزدي" المذكور سابقاً؟ فالله أعلم.
قال الشيخ الألباني عقب سياقه هذا الإسناد: "وهذا إسناد ضعيف جداً، لم أعرف أحداً منهم غير عتبة بن السكن، قال الدارقطني: متروكُ الحديث. وقال البيهقي: واهٍ، منسوب إلى الوضع. ثم أورد كلام الهيثمي السالف وقال: فاختلف في اسم الراوي عن أبي أمامة ... ".
وقد ضَعَّفَ هذا الحديث جماعة من الأئمة: فتقدم قول أبي نعيم الحداد أنه حديث غريب. وقال ابن الصلاح وقد سئل عنه: "ليس إسناده بالقائم"١. وقال النووي: "إسناده ضعيف"٢. وقال الحافظ العراقيُّ في تخريج الإحياء٣:" ... الطبراني هكذا بإسناد ضعيف". ونقل ابن علان في شرح الأذكار٤ عن ابن حجر أنه قال: "حديث غريب، وسند الحديث من الطريقين ضعيف جداً". وقال ﵀ في فتح الباري٥:"سنده ضعيفٌ جداً". وقال الصَنْعَانِي: "ويَتَحَصَّل من كلام أئمة التحقيق: أنه حديث ضعيفٌ، والعملُ به بدعةٌ، ولا يُغْتَرُّ بكثرة من يفعله"٦. وقال الشيخ الألباني: "وجملة القول: أن الحديث منكرٌ عندي، إن لم يكن موضوعاً"٧.
стр. 1052
ومع ذلك فقد حاول جماعة تقوية هذا الحديث، فقال ابن الملقن: "إسناده لا أعلم به بأساً"١. ثم ذكر له جملة من الشواهد "يعتضد بها" - ولم أر في واحدٍ منها ما يصلح شاهداً لهذا الحديث، وسأشير إلى شيء منها- وقال الحافظ ابن حجر: "إسناده صالح، وقد قَوَّاهُ الضياء في أحكامه ... "٢ ولا أدري ما هذا من الحافظ ﵀؟ فقد نقلنا قبل قليل تضعيفه إياه في تخريجه لأذكار النووي، فلعله هنا تبع صاحب الأصل (البدر المنير) فنقل تصحيحه إسناده دون أن يتعقبه؟ فالله أعلم.
وأما ابن الصلاح ﵀، فإنه مع تضعيفه إياه قال: "ولكن اعتضد بشواهد، وبعمل أهل الشام به قديماً"٣. وقال النووي: "فهذا وإن كان ضعيفاً فيستأنس به، وقد اتفق علماء المحدثين وغيرهم على المسامحة في أحاديث الفضائل والترغيب والترهيب، وقد اعتضد بشواهد من الأحاديث ... "٤. فذكر بعضها.
أما عن الشواهد التي ذكروها لهذا الحديث:
- فمنها: حديث " ... واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل".
- ومنها: حديث عمرو بن العاص ﵁، أنه قال: "إذا دفنتموني أقيموا حول قبري قدر ما ينحر جزور ويقسم لحمها، حتى أستأنس بكم،
стр. 1053
وأعلم ماذا أراجع رسل ربي". أخرجه مسلم في (صحيحه) ١.
- ومنها: ما رواه سعيد بن منصور من طريق: راشد بن سعد، وضمرة بن حبيب وغيرهما، قالوا: "إذا سُوِّي على الميت قبره وانصرف الناس عنه، كانوا يستحبون أن يقال للميت عند قبره: يا فلان قل: لا إله إلا الله، قل: أشهد أن لا إله إلا الله. ثلاث مرات، قل: ربي الله، وديني الإسلام، ونَبِيِّ محمد، ثُمَّ يَنْصَرِف"٢. إلى غير ذلك من الشواهد التي ساقوها.
وهذه الشواهد كما نرى كلها موقوفات، والمرفوع منها ليس فيه سوى الدعاء للميت بالتثبيت والمغفرة، وهذا لا علاقة له بالتلقين المنسوب إلى النبي ﷺ في حديث أبي أمامة، قال الشيخ الألباني: "واعلم أنه ليس للحديث ما يَشْهَدُ له، وكلُّ ما ذكره البعض إنما هو أثرٌ موقوفٌ على بعض التابعين الشاميين، لا يصلح شاهداً للمرفوع، بل هو يُعِلُّه، وينزل به من الرفع إلى الوقف ... على أنه شاهد قاصر"٣. يشير إلى أثر سعيد بن منصور السابق.
قلت: فإذا كان هذا هو حال هذا الأثر، الذي هو أقرب ما يكون إلى حديث أبي أمامة، فكيف ببقية هذه الشواهد التي لا صلة لها بلفظ الحديث؟
стр. 1054
وأما قول النوويِّ: إن ذلك من فضائل الأعمال التي يُتَسَامَحُ فيها: فإنه مردود، قال الشيخ الألباني: "ولا يرد هنا ما اشتهر من القول بالعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال؛ فإن هذا محله فيما ثبت مشروعيته بالكتاب أو السنة الصحيحة، وأما ما ليس كذلك فلا يجوز العمل فيه بالحديث الضعيف؛ لأنه تشريع، ولا يجوز ذلك بالحديث الضعيف، لأنه لا يفيد إلا الظن المرجوح اتفاقاً، فكيف يجوز العمل بمثله"١.
وأما الذين قَوَّوه بعمل الناس إلى يومنا هذا، كقول ابن الصلاح: "ولكن اعتضد بشواهد، وبعمل أهل الشام قديماً": فلا شكَّ أن العمل الذي يُعَوَّلَ عليه، ويُجعل الحديث بمقتضاه مقبولاً، هو عمل العلماء، وليس عمل كل أحد. ثم إنَّ أهل الشام وحدهم لا يمثلون الأمة كلها - أو علماء الأمة - حَتَّى يُجعل عملهم حجةً على الأمة. هذا بالإضافة إلى شِدَّة ضعفِ هذا الحديث، وجهالة رواته، وإنكار أكثر العلماء له، حتى قال الشيخ الألباني: "منكر ... إن لم يكن موضوعاً". وكم من حديث ضعيف لا يثبت قد عمل به عاملون، فهل يلزم من هذا أن تُتَّخَذَ البدع ديناً بحجة أن الناس يعملونها؟؟ كلاَّ، ففيما صحَّ عنه ﷺ كفايةٌ.
ثم إن ابن القَيِّم ﵀ قد قال نحواً من ذلك!! فإنه وإن ضَعَّفَ الحديث كما مضى، إلا أنه قال في كتابه (الروح) ٢: "فهذا الحديث وإن لم يثبت، فاتصال العمل به في سائر الأمصار والأعصار من غير إنكار: كافٍ في العمل به ... "!
стр. 1055
كذا قال ابن القَيِّم ﵀، مع أنه يَنْفِي أن يكون ذلك من هَدْيِ النبي ﷺ ، حيث يقول في (زاد المعاد) ١: "ولم يكن - يعني النبي ﷺ يجلس عند القبر، ولا يُلَقِّنُ الميت كما يفعله الناس اليوم". مع ما تقدم من تضعيفه لهذا الحديث، فلعله كان يقول به أولاً ثم رجع عنه، فالله أعلم.
فالخير كل الخير في اتِّبَاع هَدْيِه ﷺ في الفِعْلِ والتَّرْكِ، وما أحسن ما قال الصنعاني ﵀: "ويَتَحَصَّل من كلام أئمة التحقيق: أنه حديث ضعيف، والعملُ به بدعة، ولا يُغْتَرُّ بكثرة من يفعله"٢. والله أعلم.