← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 11401

ابن قيم الجوزية وجهوده في خدمة السنة النبوية وعلومها

جمال بن محمد السيد

Полный текст (1 458 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

حصل تصحيف في إسناد الخُلعي هذا، ويكون صوابه: جابر عن سعيد الأزدي، فيكون هو نفسه "سعيد الأزدي" المذكور سابقاً؟ فالله أعلم. قال الشيخ الألباني عقب سياقه هذا الإسناد: "وهذا إسناد ضعيف جداً، لم أعرف أحداً منهم غير عتبة بن السكن، قال الدارقطني: متروكُ الحديث. وقال البيهقي: واهٍ، منسوب إلى الوضع. ثم أورد كلام الهيثمي السالف وقال: فاختلف في اسم الراوي عن أبي أمامة ... ". وقد ضَعَّفَ هذا الحديث جماعة من الأئمة: فتقدم قول أبي نعيم الحداد أنه حديث غريب. وقال ابن الصلاح وقد سئل عنه: "ليس إسناده بالقائم"١. وقال النووي: "إسناده ضعيف"٢. وقال الحافظ العراقيُّ في تخريج الإحياء٣:" ... الطبراني هكذا بإسناد ضعيف". ونقل ابن علان في شرح الأذكار٤ عن ابن حجر أنه قال: "حديث غريب، وسند الحديث من الطريقين ضعيف جداً". وقال ﵀ في فتح الباري٥:"سنده ضعيفٌ جداً". وقال الصَنْعَانِي: "ويَتَحَصَّل من كلام أئمة التحقيق: أنه حديث ضعيفٌ، والعملُ به بدعةٌ، ولا يُغْتَرُّ بكثرة من يفعله"٦. وقال الشيخ الألباني: "وجملة القول: أن الحديث منكرٌ عندي، إن لم يكن موضوعاً"٧.

стр. 1052

ومع ذلك فقد حاول جماعة تقوية هذا الحديث، فقال ابن الملقن: "إسناده لا أعلم به بأساً"١. ثم ذكر له جملة من الشواهد "يعتضد بها" - ولم أر في واحدٍ منها ما يصلح شاهداً لهذا الحديث، وسأشير إلى شيء منها- وقال الحافظ ابن حجر: "إسناده صالح، وقد قَوَّاهُ الضياء في أحكامه ... "٢ ولا أدري ما هذا من الحافظ ﵀؟ فقد نقلنا قبل قليل تضعيفه إياه في تخريجه لأذكار النووي، فلعله هنا تبع صاحب الأصل (البدر المنير) فنقل تصحيحه إسناده دون أن يتعقبه؟ فالله أعلم. وأما ابن الصلاح ﵀، فإنه مع تضعيفه إياه قال: "ولكن اعتضد بشواهد، وبعمل أهل الشام به قديماً"٣. وقال النووي: "فهذا وإن كان ضعيفاً فيستأنس به، وقد اتفق علماء المحدثين وغيرهم على المسامحة في أحاديث الفضائل والترغيب والترهيب، وقد اعتضد بشواهد من الأحاديث ... "٤. فذكر بعضها. أما عن الشواهد التي ذكروها لهذا الحديث: - فمنها: حديث " ... واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل". - ومنها: حديث عمرو بن العاص ﵁، أنه قال: "إذا دفنتموني أقيموا حول قبري قدر ما ينحر جزور ويقسم لحمها، حتى أستأنس بكم،

стр. 1053

وأعلم ماذا أراجع رسل ربي". أخرجه مسلم في (صحيحه) ١. - ومنها: ما رواه سعيد بن منصور من طريق: راشد بن سعد، وضمرة بن حبيب وغيرهما، قالوا: "إذا سُوِّي على الميت قبره وانصرف الناس عنه، كانوا يستحبون أن يقال للميت عند قبره: يا فلان قل: لا إله إلا الله، قل: أشهد أن لا إله إلا الله. ثلاث مرات، قل: ربي الله، وديني الإسلام، ونَبِيِّ محمد، ثُمَّ يَنْصَرِف"٢. إلى غير ذلك من الشواهد التي ساقوها. وهذه الشواهد كما نرى كلها موقوفات، والمرفوع منها ليس فيه سوى الدعاء للميت بالتثبيت والمغفرة، وهذا لا علاقة له بالتلقين المنسوب إلى النبي ﷺ في حديث أبي أمامة، قال الشيخ الألباني: "واعلم أنه ليس للحديث ما يَشْهَدُ له، وكلُّ ما ذكره البعض إنما هو أثرٌ موقوفٌ على بعض التابعين الشاميين، لا يصلح شاهداً للمرفوع، بل هو يُعِلُّه، وينزل به من الرفع إلى الوقف ... على أنه شاهد قاصر"٣. يشير إلى أثر سعيد بن منصور السابق. قلت: فإذا كان هذا هو حال هذا الأثر، الذي هو أقرب ما يكون إلى حديث أبي أمامة، فكيف ببقية هذه الشواهد التي لا صلة لها بلفظ الحديث؟

стр. 1054

وأما قول النوويِّ: إن ذلك من فضائل الأعمال التي يُتَسَامَحُ فيها: فإنه مردود، قال الشيخ الألباني: "ولا يرد هنا ما اشتهر من القول بالعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال؛ فإن هذا محله فيما ثبت مشروعيته بالكتاب أو السنة الصحيحة، وأما ما ليس كذلك فلا يجوز العمل فيه بالحديث الضعيف؛ لأنه تشريع، ولا يجوز ذلك بالحديث الضعيف، لأنه لا يفيد إلا الظن المرجوح اتفاقاً، فكيف يجوز العمل بمثله"١. وأما الذين قَوَّوه بعمل الناس إلى يومنا هذا، كقول ابن الصلاح: "ولكن اعتضد بشواهد، وبعمل أهل الشام قديماً": فلا شكَّ أن العمل الذي يُعَوَّلَ عليه، ويُجعل الحديث بمقتضاه مقبولاً، هو عمل العلماء، وليس عمل كل أحد. ثم إنَّ أهل الشام وحدهم لا يمثلون الأمة كلها - أو علماء الأمة - حَتَّى يُجعل عملهم حجةً على الأمة. هذا بالإضافة إلى شِدَّة ضعفِ هذا الحديث، وجهالة رواته، وإنكار أكثر العلماء له، حتى قال الشيخ الألباني: "منكر ... إن لم يكن موضوعاً". وكم من حديث ضعيف لا يثبت قد عمل به عاملون، فهل يلزم من هذا أن تُتَّخَذَ البدع ديناً بحجة أن الناس يعملونها؟؟ كلاَّ، ففيما صحَّ عنه ﷺ كفايةٌ. ثم إن ابن القَيِّم ﵀ قد قال نحواً من ذلك!! فإنه وإن ضَعَّفَ الحديث كما مضى، إلا أنه قال في كتابه (الروح) ٢: "فهذا الحديث وإن لم يثبت، فاتصال العمل به في سائر الأمصار والأعصار من غير إنكار: كافٍ في العمل به ... "!

стр. 1055

كذا قال ابن القَيِّم ﵀، مع أنه يَنْفِي أن يكون ذلك من هَدْيِ النبي ﷺ ، حيث يقول في (زاد المعاد) ١: "ولم يكن - يعني النبي ﷺ يجلس عند القبر، ولا يُلَقِّنُ الميت كما يفعله الناس اليوم". مع ما تقدم من تضعيفه لهذا الحديث، فلعله كان يقول به أولاً ثم رجع عنه، فالله أعلم. فالخير كل الخير في اتِّبَاع هَدْيِه ﷺ في الفِعْلِ والتَّرْكِ، وما أحسن ما قال الصنعاني ﵀: "ويَتَحَصَّل من كلام أئمة التحقيق: أنه حديث ضعيف، والعملُ به بدعة، ولا يُغْتَرُّ بكثرة من يفعله"٢. والله أعلم.

стр. 1056

٩- من كتاب النكاح ١- باب في البكر لا تزوج إلا برضاها ٧٢- (١) عن ابن عباس ﵄: "أَنَّ جَاريةً بِكْرَاً أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ ، فَذَكَرَتْ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وِهِي كَارِهَةٌ، فَخَيَّرَهَا النبي ﷺ ". أورد ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث مستدلاً به على أن البكر البالغ لا تجبر على النكاح، ولا تُزَوَّج إلا برضاها. وقد ردَّ ابن القَيِّم ﵀ على من أَعَلَّ هذا الحديث بالإرسال، فقال: "وليس رواية هذا الحديث مرسلة بعِلَّةٍ فيه؛ فإنه قد رُوِيَ مسنداً ومرسلاً، فإن قلنا بقول الفقهاء: إن الاتصال زيادة، ومن وصله مُقَدَّمٌ على من أرسله: فظاهر، وهذا تصرفهم في غالب الأحاديث، فما بال هذا خرج عن حكم أمثاله؟ وإِنْ حَكَمْنَا بالإرسال - كقول كثير من الْمُحَدِّثِين - فهذا مرسل قويٌّ قد عَضَّدَتْهُ الآثار الصحيحة الصريحة، والقياس، وقواعد الشرع ... فَيَتَعَيَّنُ القول به"١. وفد فَصَّلَ القول فيه بأكثر من ذلك في (تهذيب السنن) ٢، وسيأتي ذكر كلامه في ذلك إن شاء الله.

стр. 1057

والحديث المذكور أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه في (سننهم) ١، وأحمد في (مسنده) ٢، والدارقطني، والبيهقي في (سننيهما) ٣، كُلُّهم من طريق: حسين بن محمد٤، عن جرير بن حازم، عن أيوب٥، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ به، باللفظ الذي تَقَدَّمَ. وفي رواية للدارقطني: "أَنَّ جَارِيَةً بِكْرَاً أَنْكَحَهَا أبوهَا وهي كارهة، فَخَيَّرَهَا رسول الله ﷺ ". وقد خُولِفَ جرير بن حازم في إسناد هذا الحديث، خالفه: حماد ابن زيد، وابن علية، فروياه عن: أيوب، عن عكرمة، عن النبي ﷺ مرسلاً. أخرج حديث حماد: أبو داود في (سننه) ٦ - ومن طريقه البيهقي٧-:

стр. 1058

حدثنا محمد بن عبيد١، حدثنا حماد بن زيد به. وأما رواية ابن علية: فقد أشار إليها أبو حاتم٢ ﵀. وقد رَجَّحَ الأئمة رواية الإرسال، وحكموا على الرواية المتصلة بالخطأ، فسأل ابن أبي حاتم أباه عنه؟ فقال: "هذا خطأ، إنما هو كما رواه الثقات: عن أيوب، عن عكرمة: أن النبي ﷺ مرسلٌ - منهم: ابن عُلَيَّة، وحماد بن زيد - أن رجلاً تزوج، وهو الصحيح. قلت: الوَهْمُ ممن هو؟ قال: من حسين ينبغي أن يكون، فإنه لم يرو عن جرير غيره"٣. وقال أبو زرعة: "حديث أيوب ليس هو بصحيح"٤. وكأنَّ أبا داود ﵀ يُرَجِّحُ إرساله أيضاً؛ فإنه بعد أن أخرج الموصول، أعقبه الرواية المرسلة من طريق حماد، ثم قال: "وكذلك رواه الناس: مرسلاً، معروف". وقال البيهقي: "أخطأ فيه جرير بن حازم على أيوب السختياني، والمحفوظ: عن أيوب، عن عكرمة، عن النبي ﷺ مرسلاً". لكن هل يُسَلَّمُ الحكم للمرسل، وتكون بذلك الرواية الْمُتَّصِلَةُ معلولة؟ نَازَعَ في ذلك جماعة - منهم ابن القَيِّم ﵀، كما تقدم - فحكموا بصحة رواية من وصله، وسيأتي كلامهم.

стр. 1059

وكان من جواب ابن القَيِّم ﵀ على هذا القول - وبخاصة مقالة البيهقي - أن قال: "وعلى طريقة البيهقي، وأكثر الفقهاء، وجميع أهل الأصول: هذا حديث صحيح؛ لأن جرير بن حازم ثقة ثبت، وقد وَصَلَهُ، وهم يقولون: زيادة الثقة مقبولة. فما بالها تُقْبَلُ في موضع - بل في أكثر المواضع التي توافقُ مذهب المقلد - وَتُرَدُّ في موضع يخالفه؟! وقد قَبلُوا زيادة الثقة في أكثر من مائتين من الأحاديث: رفعاً ووصلاً، وزيادة لفظ ونحوه". قال: "هذا لو انفرد به جرير، فكيف وقد تابعه على رفعه عن أيوب: زيد بن حبان، ذكره ابن ماجه في سننه"١. قلت: أما متابعة زيد بن حبان٢ هذه: فقد أخرجها النسائي، وابن ماجه في (سننيهما) ٣، كلاهما من طريق: مُعَمَّر بن سليمان الرَّقِي٤، عن زيد بن حبان به، وقد أشار إلى هذه الرواية: الدارقطني ﵀ في (سننه) ٥.

стр. 1060

وزيد بن حبان هذا: قد اختلف الأئمة فيه، فقال الإمام أحمد: "تركنا حديثه"١. وقال ابن معين: "لا شيء"٢. ومرة قال: "ثقة"٣. وقال أبو حاتم: "تركنا حديثه"٤. وضعفه الدارقطني٥. وقال ابن عدي: "لا أرى برواياته بأساً، يحمل بعضها بعضهاً"٦. وقال ابن حبان: "كان ممن يخطئ كثيراً، حتى خرج عن حدِّ الاحتجاج به إذا انفرد"٧. ومع ذلك فقد ذكره في (الثقات) ! ٨. وإضافة إلى ذلك، فإنه قد تَغَيَّرَ بآخره، لكنَّ معمراً الرقي - راوي هذا الحديث عنه - قال: "حدثنا زيد بن حبان قبل أن يفسد"٩. وعلى كل حال، فإن الذي يظهر: ترجيح جانب الجرح في حقه، وقد أورد ابن حبان هذا الحديث في ترجمته من (المجروحين) ، بعد أن حكم بعدم قبول ما انفرد به. وقد رُوِيَ هذا الحديث عن زيد بن حبان، عن أيوب على وجه آخر، فأخرجه الدارقطني في (سننه) ١٠ من طريق: معمر بن سليمان

стр. 1061

الرقي، عن زيد بن حبان، عن أيوب، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة قال: "أَنْكَحَ رَجُلٌ من بني المنذر ابنته وهي كارهة، فأتت النبي ﷺ فردَّ نكاحها". فجعل فيه "يحيى بن أبي كثير" مكان "عكرمة"، و"وأبا سلمة" مكان "ابن عباس". وليس فيه أن المرأة كانت بكراً. فَيُخْشَى أن يكون هذا من الاضطراب في حديث حبان، وإذا كان كذلك، فإنه لا يصلح متابعاً لجرير بن حازم في هذا الحديث؛ لأنه - مع كونه كثير الخطأ - قد يكون اضطرب فيه، فالله أعلم. وثمة متابعة أخرى لجرير بن حازم، إذ تابعه الثوري عن أيوب، أخرج ذلك الدارقطني في (سننه) ١، من طريق: أيوب بن سويد٢، عن سفيان الثوري، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: "أن رجلاً زَوَّجَ ابنته وهي كارهة، ففرق بينهما". وأيوب بن سويد: ضَعَّفَه الجمهور٣، وتكلموا في حفظه، ومع ضعفه: فقد خولف - أيضاً - في هذا الحديث، قال الدارقطني: "وغيره يرسله عن الثوري، عن أيوب، عن عكرمة، عن النبي ﷺ ، والصحيح مرسل"٤. وقد رُوِيَ عن الثوري من وجه آخر موصولاً، ولا يصحُّ أيضاً؛

стр. 1062

فأخرجه الدارقطني والبيهقي في (سننيهما) ١ من طريق: عبد الملك بن عبد الرحمن٢ الذماري، عن الثوري، عن هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: "أن رسول الله ﷺ ردَّ نكاح بكرٍ وثيبٍ، أنكحهما أبوهما وهما كارهتان، فردَّ النبي ﷺ نكاحهما". قال الدارقطني عقبه: "هذا وهمٌ من الذماري، وتَفَرَّدَ بهذا الإسناد، والصواب: عن يحيى بن أبي كثير، عن المهاجر، عن عكرمة مرسلٌ، وَهِمَ فيه الذماري عن الثوري، وليس بقويٍّ". ثم ساقه بإسناده إلى محمد بن كثير٣، عن سفيان، عن هشام الدستوائي، عن يحيى، عن المهاجر، عن عكرمة، عن النبي ﷺ مثله سواء٤. قال البيهقي في (سننه) ٥ - بعد نقله كلام الدارقطني -: "هو في جامع الثوري: عن الثوري - كما ذكره أبو الحسن الدارقطني ﵀ مرسلاً، وكذلك رواه عامة أصحابه عنه، وكذلك رواه غير الثوري عن هشام".

стр. 1063

قلت: فهذا محمد بن كثير العبدي - وهو ثقة - قد خالف الذماري عن سفيان، فجاء به مرسلاً، وهكذا يرويه أصحاب الثوري عنه، كما قال البيهقي ﵀ والدارقطني قبله - وإذا كان كذلك: فإن رواية الثوري هذه لا تَصْلُحُ لمتابعة رواية جرير بن حازم أيضاً؛ إذ إن الصواب عن الثوري فيها: مرسلٌ، فتوافق رواية الجماعة الذين جاءوا به عن أيوب، عن عكرمة مرسلاً. وأما ما تقدم في كلام أبي حاتم ﵀ من أن الوهم فيه من حسين بن محمد: فقد رَدَّهُ الخطيب البغدادي ﵀، فنقل عنه ابن عبد الهادي قوله:"قد رواه سليمان بن حرب، عن جرير بن حازم -أيضاً- كما رواه حسين، فبرئت عهدته، وزالت تبعته"١. وإذا كان الأمر كذلك، فإنه لا يمتنع أن يكون الوهم فيه من جرير بن حازم، وأن يكون قد أخطأ فيه، كما تقدم في كلام البيهقي ﵀. فَتَلَخَّصَ من ذلك: أن هذا الحديث لا يصحُّ متصلاً، وأن إرساله هو الصواب، كما قال: أبو داود، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والدارقطني، والبيهقي رحمهم الله تعالى. وقد ذهب بعض الأئمة إلى صحة الحديث، فقال ابن القطان: "حديث صحيح"٢. وذهب ابن التركماني إلى أن وصله زيادة من ثقة، فلا يضرُّ إرسال من أرسله، هذا مع المتابعات التي وُجِدَتْ له٣. وقال

стр. 1064

الحافظ ابن حجر: "رجاله ثقات ... وأما الطَّعْنُ في الحديث فلا معنى له؛ فإن طرقه يُقَوِّي بعضها بعضاً"١. وقال في (عون المعبود) ٢: "الحديث قويٌّ حسنٌ". وقد ذهب البيهقي ﵀ على فرض صحة الحديث - إلى تأويله، فقال: "وإن صحَّ ذلك، فكأنه كان وَضَعَهَا في غير كفوٍ، فَخَيَّرَهَ النبي ﷺ "٣. وأَيَّدَه ابن حجر، فقال: "وهذا الجواب هو المعتمد، فإنها واقعة عين، فلا يثبت الحكم فيها تعميماً"٤. لكن ردَّ الصنعاني هذا التأويل، فقال: "كلام هذين الإمامين محاماة عن كلام الشافعي ومذهبهم، وإلا فتأويل البيهقي لا دليل عليه، فلو كان كما قال لذكرته المرأة ... وقول المصنف - يعني ابن حجر - إنها واقعة عين: كلام غير صحيح، بل حُكْمٌ عامٌ لعموم عِلَّتِه، فأينما وُجِدت الكراهية ثبت الحكم"٥. وقال صاحب (عون المعبود) ٦: "ما قاله البيهقي هو تأويل فاسد". وإذ قد آل الأمر إلى ثبوت المرسل في ذلك دون سواه، فإنه كما قال ابن القَيِّم ﵀:" ... مرسلٌ قويٌّ، قد عضدته الآثار

стр. 1065

الصحيحة الصريحة، والقياس، وقواعد الشَّرْع ... فيتعين القول به"١. ثم أخذ ﵀ في تقرير ذلك وبيانه، وأن هذا الحُكْمَ٢ موافق لأمر النبي ﷺ في قول: " ... والبكر تُسْتَأَذَنُ في نفسها" ٣. قال ﵀: "وهذا أمرٌ مُؤَكَّدٌ؛ لأنه وَرَدَ بصيغة الخبر الدال على تحقق المُخْبَرِ به، وثبوته ولزومه". قلت: وعلى هذا يُحْمَل كلام من صححه من الأئمة. ثم بَيَّنَ أن هذا الحكم موافق - أيضاً - لنهيه ﷺ ، حيث قال: "لا تنكحُ البكْرُ حَتَّى تُستأذن" ٤. قال ﵀: "فأمرٌ، ونَهْيٌ، وحكمٌ بالتخيير، وهذا إثبات للحكم بأبلغ الطُّرقِ"٥. ثم أخذ في تقرير كون هذا الحكم موافق لقواعد الشريعة، فأجاد وأفاد ﵀. ومع هذا فإنَّ المسلك الذي سلكه ابن القَيِّم ﵀ من القول بصِحَّةِ هذا الحديث متصلاً، فيه نظر؛ لضعف طرقه، ورجحان

стр. 1066

المرسل عليه، ولذا فإنَّ المصير إلى اختياره الآخر هو المتعين، وهو: الأخذُ بالمرسل بعد اعتضاده بنصوص أخرى صحيحة، وبقواعد الشريعة، والله أعلم.

стр. 1067

٢- باب ما جاء في العزل ٧٣- (٢) عن أبي سعيد ﵁: أن رجلاً قال: يا رسول الله، إِنَّ لِيَ جَارِيَة وَأَنَا أَعْزِلُ١ عَنْهَا، وَأَنَا أَكْرَهُ أن تَحْمِلَ، وَأَنَا أُرْيدُ ما يريد الرِّجَال، وإِنَّ اليهودَ تُحَدِّثُ أنَّ العَزْلَ الْمُوْؤُدَةُ الصَّغْرَى؟ قال: "كَذَبَتِ يهودُ، لو أراد اللهُ أَنْ يَخْلُقَهُ مَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَصْرِفَهُ". أورد ابن القَيِّم ﵀ هذا الحديث في (زاد المعاد) ٢ محتجاً به على جواز العزل، وقد ساقه بإسناد أبي داود إلى أبي سعيد الخدري ﵁، ثم قال:"وَحَسْبُكَ بهذا الإسناد صحَّةً، فَكُلُّهم ثقات حُفَّاظٌ". ثم ذكر ﵀ أن بعضهم أَعَلَّهُ بالاضطراب، وأخذ في الجواب عن ذلك بما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. قلت: هذا الحديث مداره على يحيى بن أبي كثير، واخْتُلِفَ عليه على أوجه: الوجه الأول: أخرجه أبو داود في (سننه) ٣ من طريق: أبان بن

стр. 1068

يزيد١. وأحمد في (مسنده) ٢، والنسائي في (عشرة النساء) ٣ كلاهما من طريق: هشام الدستوائي. وأخرجاه أيضاً - أعني أحمد٤ والنسائي٥ - في الكتابين المذكورين: من طريق: علي بن المبارك٦. وأخرجه النسائي - وحده – في (عشرة النساء) ٧ - أيضاً - من طريق: أبي إسماعيل القَنَّاد٨، كلهم عن: يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان٩، عن رفاعة١٠ - وقيل: عن أبي رفاعة، وقيل: عن أبي مُطيع بن رفاعة، وقيل: عن أبي مُطيع بن عوف أحد بني رفاعة بن الحارث، وقيل: عن أبي مُطيع

стр. 1069

فقط - عن أبي سعيد ﵁ به. واللفظ المثبت هو لفظ أبي داود، وألفاظ الباقين نحوه، وعند بعضهم: "لو أراد الله خَلْقَهُ، لم تستطعْ رَدَّهُ". وهذا الإسناد صَحَّحَّه ابن القَيِّم كما تقدَّم، وقال عن رواته: "كلهم ثقات حفاظ". وقال الحافظ ابن حجر: "رجاله ثقات"! ١ وصَحَّحَّه الشيخ الألباني أيضاً!! ٢. وفي تصحيحهم له نظر؛ لأن رفاعة - أو أبا رفاعة - المذكور في إسناده مجهول؛ فإنه لم يرو عنه أحدٌ إلا محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، ولم أجدْ فيه توثيقاً لأحدٍ بعد البحث، وقد ذكره ابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) ٣، فلم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وكذا البخاري في (التاريخ الكبير) ٤، فلم يزيدوا على أن ذكروا الاختلاف الواقع في اسمه، ولذلك قال الذهبي ﵀: "لا يُعْرَفْ"٥. وتقدم فيه قول ابن حجر: "مقبول". يعني حيث يُتابع، ولم يتابعه أحدٌ هنا، فيكون لَيِّن الحديث على هذا. هذا فيما يتعلق بحال رفاعة، وأما ما وقع من الاختلاف في اسمه، فقال ابن القَيِّم: "ويبقى الاختلاف في اسم أبي رفاعة ... وهذا لا يَضُرُّ مع العلم بحال رفاعة"٦ ولكن رَجَّحَ البخاري ﵀ أنه

стр. 1070

"أبو مطيع"، قال: "وهذا أصحُّ"١. فقد تَبَيَّنَ لنا مما سبق أن جهالة رفاعة هذا تمنع من تصحيح هذا الإسناد. وأما الوجه الثاني من وجوه اختلاف على يحيى بن أبي كثير: فأخرجه الترمذي في (جامعه) ٢، والنسائي في (عشرة النساء) ٣، وعبد الرزاق في (المصنف) ٤، كلهم عن: معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر ﵁ بنحو حديث أبي سعيد المتقدم. قال أبو عيسى الترمذي: "حديث جابر حديث حسن صحيح، وقد رُوِيَ عنه من غير وجه". وسُئِلَ أبو حاتم ﵀ عن حديث جابر هذا من رواية معمر، وعن حديث أبي سعيد المتقدم من رواية هشام الدستوائي وغيره؟ فقال: "حديث هشام الدستوائي أشبه من حديث معمر"٥. وهناك وجهٌ ثالث عن يحيى بن أبي كثير أيضاً: أخرجه النسائي في (عشرة النساء) ٦ من طريق: المعتمر بن سليمان، عن أبي عامر٧، عن

стр. 1071

يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قيل للنبي ﷺ : إن اليهود تقول: إن العزل هو الموؤدة الصغرى؟ قال رسول الله ﷺ : "كذبتْ يهود، لو أردَ الله خَلْقَهَا، لَمْ تستطعْ عزلها". وأبو عامر المذكور في إسناد هذا الحديث تَكَلَّمَ فيه جماعةٌ، وَوَثقَهُ آخرون١، لكن تابعه في شيخ شيخه: أبو بدر شجاع بن الوليد٢، فرواه عن: محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مختصراً، أخرجه البيهقي في (سننه) ٣. وهذا الإسناد لا بأس به في المتابعات، وقد حَسَّنَهُ الشيخ الألباني٤ ﵀. وقد أعلَّ بعضهم هذا الحديث بالاضطراب، كما أشار إلى ذلك ابن القَيِّم ﵀، ولعل المقصود هو المنذري ﵀، فإنه قال: "اختلف على يحيى بن أبي كثير فيه: فقيل فيه: عنه، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر بن عبد الله ... ، وقيل فيه: عن رفاعة ... ، وقيل: عن أبي مطيع به رفاعة، وقيل فيه: عن أبي رفاعة"٥. قال ابن القَيِّم ﵀: "وهذا لا يَقْدَحُ في الحديث؛ فإنه

стр. 1072

يكون عند يحيى: عن محمد بن عبد الرحمن عن جابر. وعنده: عن ابن ثوبان، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - كذا قال ابن القَيِّم - وعنده: عن ابن ثوبان عن رفاعة، عن أبي سعيد، ويبقى الاختلاف في اسم أبي رفاعة ... "١. والذي يظهر - والله أعلم - رجحان ما ذهب إليه أبو حاتم من تقديم رواية هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير بسنده إلى أبي سعيد؛ فقد تابع هشاماً على هذه الرواية ثلاثة، وخالفهم جميعاً معمر فجعله عن جابر. ولكن يبقى هذا الإسناد معلولاً بجهالة رفاعة كما تقدم. وكأنَّ الحافظ ابن حجر ﵀ مال إلى اختيار أبي حاتم، فإنه أجاب عن القائلين باضطرابه قائلاً: "وَرُدَّ بأن الاختلاف إنما يقدح حيث لا يقوى بعض الوجوه، فمتى قَوِيَ بعضها عُمِلَ به، وهو هنا كذلك"٢. فيكون الاعتماد إذن على حديث أبي سعيد هذا، وما فيه من ضَعْفٍ في إسناده: فإنه يَتَقَوَّى بحديث أبي هريرة السالف - وهو الوجه الثالث من وجوه رواية الحديث عن يحيى بن أبي كثير -، فهو شاهدٌ قويٌّ له، وقد تقدم أن إسناده حسنٌ. ويتقوى كذلك بسائر الأحاديث الواردة في جواز العزل، وعدم النهي عنه.

стр. 1073

فَيَتَلَخَّصُ من ذلك: أن ابن القَيِّم ﵀ لم يُصبْ في تصحيحه إسناد حديث أبي سعيد، لِمَا تََقَدَّمَ، وما ذهب إليه من التوفيق والجمع بين الروايات المختلفة عن يحيى بن أبي كثير فيه نظرٌ؛ إذ تبين رُجْحَانُ رواية أبي سعيد على غيرها، والله أعلم.

стр. 1074

المجلد الثالث الباب الثالث: دراسة جملة من الأحاديث المختارة مما تكلم عليه ابن القيم من كتاب الطلاق ١ ـ باب ما جاء في المحلل والمحلل له ... ١٠- من كتاب الطلاق ١ - باب ما جاء في المحلّل والمحلّل له ذكر ابن القَيِّم ﵀ – حديث لعن الْمُحَلِّلَ والْمُحَلَّلَ لَهُ عن جماعة من الصحابة، منهم: ٧٤ - (١) عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: "لَعَنَ الله الْمُحَلِّلَ والْمُحَلَّلَ لَهُ". قال ابن القَيِّم ﵀: "رواه الإمام أحمد بإسناد رجاله كلهم ثقات"١. وقال مرة: "إسناده حسن"٢. ومرة قال: "إسناد جيد"٣ونقل عن البخاري أنه حكم بحُسْنِهِ. قلت: هذا الحديث أخرجه أحمد في (مسنده) ٤، وابن أبي شيبة في (مصنفه) ٥، وابن الجارود في (المنتقى) ٦، والبيهقي في (سننه) ٧، والترمذي في (العلل) ٨، كلهم من طريق:

стр. 1075

عبد الله بن جعفر١، عن عثمان بن محمد٢، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ به. وقد وقع عند أحمد والترمذي: "أن النبي ﷺ لَعَنَ"، أما ابن الجارود والبيهقي فعندهما: "لعن الله ... ". قال الترمذي: "سألت محمداً - يعني البخاري - عن هذا الحديث؟ فقال: هو حديث حسنٌ، وعبد الله بن جعفر المخرمي صدوق ثقةٌ، وعثمان بن محمد الأخنس ثقة"٣. وقال الزيلعي: "عبد الله بن جعفر: وَثَّقَهُ أحمد، وابن المديني، وابن معين، وغيرهم، وأخرج له مسلم في صحيحه. وعثمان بن محمد الأخنس: وثقه ابن معين، وسعيد المقبري: متفق عليه، فالحديث صحيح"٤. وقال الحافظ ابن حجر: "رجاله مُوَثَّقُون"٥. وقد نقل ابن القَيِّم عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قال: "إسناد جيد"٦. قلت: وعثمان بن الأخنس هذا وثقه أيضاً: ابن حبان٧، لكن قال

стр. 1076

عليُّ بن المديني: "روى عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ أحاديث مناكير"١. وليس هذا من روايته عن ابن المسيب، وقد تَقَدَّمَ توثيق ابن معين، والبخاري له، فحديثه صالح إن شاء الله. وأما قول ابن حبان: "يُعتبر حديثه من غير رواية المخرمي عنه؛ لأنًَّ المخرمي ليس بشيء في الحديث"٢: فإنه قول عجيب، فإن عبد الله ابن جعفر المخرمي وَثَّقَهُ جماعةٌ وأثنوا عليه، منهم: أحمد، والنسائي، وأبو حاتم، وابن معين، وابن المديني، والعجلي، وابن خراش، والترمذي، والبرقي، والحاكم، مع ما تقدم من توثيق البخاري ﵀ له. وانفرد ابن حبان بمقالته هذه، وزاد فقال: "كان كثير الوَهْمِ في الأخبار، حتى يروي عن الثقات ما لا يُشْبِه حديث الأثبات ... "٣. كذا قال ﵀! ولذلك قال ابن حجر مُعَقِّباً على مقالته هذه: "وكأنه أراد غيره فالتبس عليه"٤. فَتَلَخَّصَ من ذلك: أن هذا الحديث حسنٌ على أقل أحواله، وأن إسناده جَيِّدٌ لا غبار عليه، كما حكم بذلك ابن القَيِّم ﵀. وقد رُوِيَ هذا الحديث على وجه آخر، ذكره ابن أبي حاتم في

стр. 1077

(علله) ١من طريق: مروان الطَّاطري، عن عبد الله بن جعفر، عن عبد الواحد بن أبي عون، عن سعيد المقبري به، قال أبو حاتم: "إنما هو: عبد الله بن جعفر، عن عثمان الأخنسي". يعني الإسناد الماضي. ثم ذكر ابن القَيِّم ﵀ حديثاً آخر: ٧٥ - (٢) عن عقبة بن عامر ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "أَلا أُخْبِرُكُم بالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ؟ " قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "هُو الْمُحَلِّلَ. لعن الله الْمُحَلِّلَ والْمُحَلَّلَ لَهُ". ثم ذكر ابن القَيِّم ﵀ أن هذا الحديث أُعِلَّ بثلاث عللٍ، وهي: ١- ضَعْفُ مِشْرَح بن هاعان، ضَعَّفَهُ ابن حبان. ٢- عدمُ سماع اللَّيْثِ بن سعد هذا الحديث من مِشْرَح بن هاعان. ٣- إنكارهم هذا الحديث على عثمان بن صالح، راويه عن الليث بن سعد. ثم أخذ ابن القَيِّم ﵀ في الجواب عن هذه العلل واحدةً واحدةً، حتى أتى عليها٢. وقال مرة: "رواه ابن ماجه بإسناد رجاله كُلُّهم موثوقون، لم يُجْرَح واحدٌ منهم"٣.

стр. 1078

وهناك علة رابعة أُعِلَّ بها حديث عقبة هذا، ولم يذكرها ابن القَيِّم ﵀، وسيأتي التنبيه عليها إن شاء الله. قلت: هذا الحديث أخرجه: ابن ماجه في (سننه) ١، والحاكم في (المستدرك) ٢، والبيهقي في (سننه) ٣، من طريق: عثمان بن صالح٤. وأخرجه: الطبراني في (معجمه الكبير) ٥، والدارقطني في (سننه) ٦، والحاكم في (المستدرك) ٧ - وعنه البيهقي٨- من طريق: أبي صالح٩كاتب الليث، كلاهما عن: الليث بن سعد، عن مشرح بن هاعان١٠، عن عقبة بن عامر ﵁ مرفوعاً باللفظ المتقدم.

стр. 1079

وإلى مناقشة العلل التي أُعلَّ بها هذا الحديث: أما ضَعْفُ مِشْرَح بن هاعان: فقد أجاب ابن القَيِّم ﵀ عن ذلك بقوله: "قال محمد بن عبد الواحد المقدسي: مشرح قد وَثَّقَهُ يحيى بن معين ... وابن معين أعلم بالرِّجَال من ابن حبان". ثم قال: "وهو صدوق عند الحفاظ، لم يتهمه أحدٌ ألبتة، ولا أَطْلَقَ عليه أحدٌ من أهل الحديث - قطُّ - أنه ضعيفٌ، ولا ضَعَّفَهُ ابن حبان، وإنما قال: يَروي عن عقبة بن عامر مناكير لا يتابعُ عليها، فالصَّواب ترك ما انفردَ به١. وانفرد ابن حبان من بين أهل الحديث بهذا القول فيه"٢. قلت: وإضافة إلى توثيق ابن معين٣له: فقد وَثَّقَهُ العجلي، فقال: "مصري تابعي ثقة"٤. وقال الإمام أحمد: "معروف"٥ولم يزد. وقال ابن عديّ: "لا بأس به"٦. وقال عثمان الدارمي: "صدوق"٧. وَوَثَّقَهُ ابن القطان٨. وقال الذهبي: "ثقة"٩. ومرة قال: "صدوق"١٠. وَوَثَّقَهُ

стр. 1080

الحافظ ابن حجر١رحمه الله. وقال الشيخ الألباني: "والمتقرر فيه: أنه حسن الحديث"٢. وقد تَكَلَّمَ فيه: عثمان الدارمي، فقال - عقب نقله توثيق ابن معين له -: "ومشرح ليس بذاك"٣. وقد سبق قوله فيه: "صدوق". فظهر بذلك أنَّ مِشْرحاً هذا لم يضعفه أحدٌ من أهل الشأن، بل الأمر على خلاف ذلك، وانفراد ابن حبان بالكلام فيه لا يوهنه، بل هو صدوق عند الأكثرين، نعم: ليس هو في الدرجة العليا من التوثيق، ومع ذلك فإن حديثه لا يقلُّ عن درجة الحسن، كما قَرَّرَهُ الشيخ الألباني. وأما العلة الثانية: وهي عدم سماع الليث هذا الحديث من مشرح: فقد أعله بذلك البخاري، ويحيى بن عبد الله بن بكير. أما كلام البخاري فقد نقله ابن القَيِّم، وهو في (علل الترمذي) ٤، إذا سأله عنه الترمذي؟، فقال: "عبد الله بن صالح - أحدُ رواته عن الليث - لم يكن أخرجه في أيامنا، ما أرى الليث سمعه من مشرح بن هاعان؛ لأن حيوة روى عن: بكر بن عمرو، عن مشرح". وأما ابن بكير، فإنه لَمَّا ذكره له أبو زرعة قال: "لم يسمعْ الليث من مشرح شيئاً، ولا روى عنه شيئاً"٥.

стр. 1081

وقد أجاب ابن القَيِّم ﵀ عن كلام البخاري، فقال: "فعبد الله بن صالح قد صَرَّحَ بأنه سمعه من الليث، وكونه لم يخرجه وقتَ اجتماع البخاري به لا يَضُرُّهُ شَيئاً"١. وأما قول البخاري: إن حيوة بروي عن بكر بن عمرو، عن مشرح: فقال ابن القَيِّم: "يريد به أن حيوة من أقران الليث أو أكبر منه، وإنما روى عن بكر بن عمرو عن مشرح، وهذا تعليل قوي، ويؤكده أن الليث قال: قال مشرح، ولم يقل: حدثنا". قال: "وليس بلازم؛ فإن الليث كان معاصراً لمشرح، وهو في بلده، وطلبُ الليثِ العلمَ وجمعهُ لم يمنعه ألا يسمع من مشرح حديثه عن عقبة بن عامر، وهو معه في البلد"٢. كذا قال ابن القَيِّم ﵀، وفاته أن الليث صَرَّحَ بسماعه من مشرح، وبتحديث مشرح له، ففي رواية ابن ماجه قوله: "قال لي مشرح". وفي رواية الحاكم: "سمعت مشرح بن هاعان"، وقول الراوي: (قال لي) في منزلة قوله: (حدثنا) . وقد أجاب الأئمة بذلك، وأولهم الحاكم: فإنه بعد أن أخرج رواية عثمان بن صالح، عن الليث، قال: "وقد ذكر أبو صالح - كاتب الليث - عن ليث سماعه من مشرح بن هاعان". فساقه بإسناده. وقال

стр. 1082

الزيلعي - رداً على ما نقله أبو زرعة عن ابن بكير -: "قوله في الإسناد: قال لي أبو مصعب: يردُّ ذلك"١. وقال ابن حجر: "ووقع التصريح بسماعه في رواية الحاكم، وفي رواية ابن ماجه عن الليث: قال لي مشرح"٢. وأما العلة الثالثة، وهي إنكارهم هذا الحديث على عثمان بن صالح: فقد أجاب عنه ابن القَيِّم بما نقله عن شيخه ابن تيمية رحمهما الله، حيث قال: "وإنكار من أنكر هذا الحديث على عثمان غير جيد، وإنما هو لِتَوَهُّمِ انفراده به عن الليث، وظنهم أنه لعله أخطأ فيه، حيث لم يبلغهم عن غيره من أصحاب الليث، كما قد يتوهم بعض من يكتب الحديث: أن الحديث إذا انفرد به عن الرجل من ليس بالمشهور من أصحابه، كان ذلك شذوذاً فيه وعلة قادحة، وهذا لا يَتَوَجَّهُ هاهنا لوجهين: أحدهما: أنه قد تَابَعَهُ عليه أبو صالح - كاتب الليث - عنه ... الثاني: أن عثمان بن صالح هذا المصري نفسه روى عنه البخاري في (صحيحه) ، وروى عنه ابن معين، وأبو حاتم الرازي، وقال: هو شيخ صالحٌ سليمٌ التَأْدِيَةِ. قيل له: كان يُلَقَّن؟ قال: لا. ومن كان بهذه

стр. 1083

المثابة، كان ما ينفرد به حُجَّةً، وإنما الشاذ ما خالف به الثقات، لا ما انفرد به عنهم، فكيف إذا تابعه مثل أبي صالح، وهو كاتب الليث، وأكثر الناس حديثاً عنه؟ وهو ثقة أيضاً، وإن كان قد وقع في بعض حديثه غلط"١. فهذا فيما يتعلق بجواب ابن القَيِّم وغيره من الأئمة على هذه العلل. وأما العلة التي لم يتعرض لها ابن القَيِّم: فهي ما نقله أبو زرعة الرازي، عن يحيى بن عبد الله بن بكير، أنه قال: " ... لم يسمع الليث من مشرح شيئاً ... وإنما حدثني الليث بن سعد بهذا الحديث: عن سليمان بن عبد الرحمن: أن رسول الله ﷺ ". يعني مرسلاً، قال أبو زرعة: "والصواب عندي: حديث يحيى"٢. يعني ابن بكير. قلت: أما القول بعدم سماع الليث من مشرح شيئاً، فقد تقدم ما فيه، وأن الليث صَرَّحَ بتحديث مشرح له، وسماعه منه. وأما هذه الرواية المرسلة: فابن بكير أثبت من غيره في الليث، بل قال ابن عدي: "أثبت الناس فيه"٣. ومع ذلك فإن رواية عثمان بن صالح له عن: الليث، عن مشرح، عن عقبة. ومتابعة أبي صالح له على هذه الرواية، يجعل من الصعب الحكم على روايتهما - وقد تتابعا - بالخطأ،

стр. 1084

وعلى ذلك: فيحتمل أنه يُروى عن الليث على الوجهين: وقد يُقال أيضاً: لعل عثمان بن صالح، وأبا صالح كاتب الليث قد وقع لهما خطأ في هذا الحديث. فإن صحَّ هذا الاحتمال الأخير، وقيل: إن الصواب في هذا الحديث الإرسال، فإن ذلك لا يضرُّ، ويعتضد - حينئذ - بما تقدم من مسند أبي هريرة وغيره من الأحاديث الواردة في هذا المعني. ولذلك فقد صححه بعض الأئمة، وحَسَّنَهُ آخرون، قال الحاكم: "حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. وصححه الزيلعي من طريق ابن ماجه١. وقال عبد الحق: "إسناده حسن"٢. ووافقه ابن القطان، لكن قال: "ولم يبينْ المانع من صِحَّتِهِ"٣. وقال ابن تيمية ﵀: "حديث جيد، وإسناده حسن"٤. وحَسَّنَهُ ابن الملقن٥. فالذي يطمئن إليه القلب: أن هذا الحديث حسنٌ إن سَلِمَ من علة الإرسال، فإن التصقت به هذه العلة، فإنه يعتضد بشواهد عديدة في هذا الباب، وبذلك يكون ابن القَيِّم ﵀ قد أصاب في تقوية هذا الحديث ودفع العلل عنه، والله أعلم.

стр. 1085

٢- باب المبتوتة: هل تجب لها السكنى والنفقة ؟ ٧٦ - (٣) قوله ﷺ لفاطمة بنت قيس: "إِنَّمَا النَّفَقَةُ والسُّكْنَى لِلْمَرْأَةِ إِذَا كَانَ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ". ذهب ابن القَيِّم إلى أن المبتوتة لا نفقة لها ولا سُكْنى، مُسْتَدِلاً بهذا الحديث، فقال: "وروى النسائي في سننه هذا الحديثَ بطرقه وألفاظه، وفي بعضها - بإسناد صحيح لا مَطْعَنَ فيه -: فقال لها النبي ﷺ : "إنما النفقة والسُّكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة". ورواه الدارقطني، وقال: فأتت رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك له، قالت: فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة، وقال: "إنما السُّكنى والنفقة لمن يملك الرجعة". وروى النسائي - أيضاً - هذا اللفظ، وإسنادهما صحيح"١. قلت: هذا الحديث الذي ذكره ابن القَيِّم ﵀ مداره على الشعبي، عن فاطمة بنت قيس ﵂. ويرويه عن الشعبي جماعةٌ: فأخرجه الدارقطني في (سننه) ٢، والخطيب في (الفصل للوصل

стр. 1086

المدرج في النقل) ١، كلاهما من طريق: يعقوب بن إبراهيم٢. وأخرجه الطبراني في (الكبير) ٣من طريق: أبي عبيد القاسم بن سلاَّم٤. كلاهما عن: هشيم بن بشير٥، عن: سَيَّار٦، وحصين٧، ومغيرة٨، وأشعث٩، وداود١٠، ومجالد، وإسماعيل بن أبي خالد١١، كُلُّهم عن:

стр. 1087

الشعبيِّ قال: دخلت على فاطمة بنت قيس، فسألتها عن قضاء رسول الله ﷺ ؟ فقالت: طَلَّقَهَا زوجها ألبتة، فأتت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، قالت: فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة، وقال: "إِنَّمَا السّكْنَى والنَّفَقَة لِمَن يَمْلِكُ الرَّجعة". هذا سياق الدارقطني، ولفظ الباقين بنحوه. وقد ضَعَّفَ الأئمة هذه الزيادة، وَوَهَّمُوا فيها مجالد بن سعيد، وأنه انفرد بها دون هؤلاء الجماعة الذين رووه عن الشعبي، وإن شاركوا مجالداً في روايته للحديث كما مضى. قال الخطيب البغدادي: "أدرج يعقوب بن إبراهيم الدورقي رواية هذا الحديث، أو أدرجه هشيم له لما حَدَّثَ به، وذلك أن قوله: "إِنَّمَا السُّكْنَى والنَّفَقة لِمَن يَمْلِكُ الرَّجعة" لم يَذْكُرْهُ واحد من الجماعة الْمُسَمَّين عن الشعبي، إلا مجالد بن سعيد وحده"١ ومما استدلوا به على انفراد مجالد بذلك: أولاً: أنَّ هذا الحديث يُروى عن هشيم بالإسناد السابق بعينه، وليس فيه هذه الزيادة. أخرج ذلك: مسلم في (صحيحه) ٢: حدثني زهير ابن حرب، وأحمد في (مسنده) ٣، كلاهما عن: هشيم، عن الجماعة الْمُسَمَّين قبل، عن الشعبي، عن فاطمة بالحديث السابق.

стр. 1088

ثانياً: أنَّ الحسن بن عرفة١رواه عن هشيم، عن هؤلاء النفر، عن الشعبي، عن فاطمة به، فَمَيَّزَ هذه الكلمات، وبَيَّنَ أنها عن مجالد وحده دون باقي الجماعة، أخرج ذلك ونبه عليه: الدارقطني في (سننه) ٢، والخطيب في (الفصل) ٣. فقال الدارقطني - عقب إخراجه رواية يعقوب بن إبراهيم المتقدم ذكرها -: "خالفه الحسن بن عرفة، جَعَل آخر الحديث عن مجالد وحده، عن الشعبي". ثم ساقه بإسناده إلى الحسن بن عرفة، بالإسناد السابق، وفي آخره: "قال هشيم: قال مجالد في حديثه: إنما السكنى والنفقة لمن كان لها على زوجها الرجعة". ثالثاً: وُجدت هذه الرواية بهذه الزيادة عن مجالد وحده، غير مقرون مع الجماعة الماضي ذكرهم، وذلك من رواية جماعة عنه، منهم: شعبة، ويحيى القطان، وحماد بن زيد، وابن عيينة، وعبدة بن سليمان، وسعيد بن يزيد البجلي، ثم هشيم نفسه. أخرج الحميدي في (مسنده) ٤ رواية ابن عيينة، وأخرج الإمام أحمد في (مسنده) ٥ رواية هشيم، وأخرج هو٦والخطيب في (الفصل)

стр. 1089

رواية عبدة بن سليمان، وأخرج الطبراني في (الكبير) ١ رواية حماد بن زيد، ورواية شعبة، وأخرج كذلك رواية سعيد البجلي٢، وأخرج الإمام أحمد رواية يحيى القطان٣، كلهم عن: مجالد بن سعيد، عن الشعبي، فذكر الحديث بطوله، وفي بعض ألفاظه قول النبي ﷺ : "انظري يا ابنة آل قيس: إنما النفقة السكنى ... " ٤. قال ابن القطان ﵀ بعد أن ساق روايتي سفيان بن عيينة، وعبدة بن سليمان -: "فهذه رواية مجالد، وإذا قُرِنَ بالجماعة تَوَّهم من يراه أن الزيادة المذكورة من رواية جميعهم، وقد تَبَيَّنَ أنهم لم يرووها، ولهشيم في التدليس صنعة محذورة في مثل هذا ... "٥. ثم قال ﵀: "وإذا قد تَبَيَّنَتْ رواية الجماعة دون الزيادة، ورواية مجالد دونهم بالزيادة: تَحَقَّقَ فيها الرَّيْب، ووجب لها الضَّعْفُ بضعفِ مجالد المنفرد بها"٦. ومع ذلك فقد وُجدت لمجالد متابعات على روايته الحديث بهذه الزيادة، فمن هذه المتابعات:

стр. 1090

١- ما أخرجه النسائي في (سننه) ١من طريق: سعيد بن يزيد٢الأحمسي، حدثنا الشعبي، حدثتني فاطمة بنت قيس به. وهذه الرواية هي التي أشار إليها ابن القَيِّم ﵀، وصحح إسنادها، وسبق نقل كلامه أول البحث. ورواه قاسم بن أصبغ بالإسناد نفسه، كما نقل ذلك عنه ابن القطان٣. وسعيد بن يزيد هذا: قال فيه أبو حاتم: "شيخ، يروى عنه"٤. وقال ابن معين: "ثقة"٥. وذكره ابن حبان في (الثقات) ٦. وَضَعَّفَهُ ابن القطان، فقال: "لم تثبت عدالته"٧. وَأَقَرَّهُ الذهبي٨على ذلك، ولم ينقل فيه توثيق ابن معين، ونقل عن أبي حاتم كلمة "شيخ"فقط، فكأنه يختار ضعفه؟ وقال الحافظ ابن حجر: "وقد تابع بعض الرواة ... مجالداً، لكنه أضعف منه"٩. فلا أدري: هل يقصد سعيد بن يزيد هذا، أم غيره؟
следующие страницы →